← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

فقالت: وما تُبالى أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبي ﷺ فأتته فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول الله لم أعرفك. فقال: " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " أخرجه الخمسة وأبو نعيم والطبرانى والبيهقى (١) ﴿١٠﴾ أي لا يكون الصبر الكامل المترتب عليه الثواب العظيم والأجر الجزيل إلا عند أول نزول المصيبة بخلاف ما كان بعد ذلك فإنه بمرور الأيام يسلو (وفائدة) جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب الكامل. (وجوابه) ﷺ بهذا عن قولها " لم أعرفك " من قبيل الأسلوب الحكيم كأنه قال لها: أدعى الاعتذار فآني لا أغضب لغير الله تعالى. وتحلى بما فيه سعادتك في الدارين وإنما يكون ذلك بالصبر والرضا بقضاء الله وقدره ولا سيما عند مفاجأة المصيبة. وقد ورد في فضل الصبر أحاديث كثيرة (منها) حديث آبى هريرة قال: " جاءت امرأة بها آلم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع لي فقال: إن شئتِ صبرتِ ولا حساب عليك. قالت بلى، أصبر وَلا حساب علىَّ " أخرجه البزار بسند حسن وأحمد وابن حبان بسند رجاله رجال الصحيح خلا محمد ابن عمرو وهو ثقة وفيه ضعف (٢) ﴿١١﴾

стр. 2207

(وعن) عطاء بن آبى رباح عن ابن عباس قال: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت بلى. فقال هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت إنى اصرع وإنى أتكشف فادع الله تعالى لي. فقالت إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة. وإن شئتِ دعوتُ الله تعالى أن يعافيك فقالت أصبر. فقالت إنى أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها. أخرجه الشيخان (١) ﴿٢﴾ (وعن) أنس قال ك سمعت النبي ﷺ يقول: إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة. يريد عينيه " أخرجه البخاري (٢) ﴿١٢﴾ (وعن) أبى منيب الأحدب قال: خطب معاذ بالشام فذكر الطاعون فقال: إنها رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبضُ الصالحين قبلكم، اللهم اجعل على آل محمد نصيبهم من هذه الرحمة ثم نزل عن مقامه ذلك فدخل على عبد الرحمن ابن معاذ فقال عبد الرحمن (الحقُ مِن رَّبك فَلاَ تكُونَنَ مِنَ الممتَريِن) فقال معاذ: ستجدني إنْ شَاء اللهُ مِنَ الصَابرين. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (٣) ﴿١٤﴾ (وعن) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة " أخرجه البخاري (٤)

стр. 2208

(٤) عبادة المريض: العبادة: الزيارة وتفقد الحال، وهى حق من حقوق المسلم على المسلم (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست. قيل ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيتَه فسلَّم عليه، وإذا دعاك فاجبه. وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عَطَسَ فحمد الله فسمَّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتَّبعه " أخرجه أحمد والشيخان ﴿١٦﴾ (١) والكلام فيها ينحصر في خمسة مباحث: (أ) حكمها: هي سنة مؤكدة عند الجمهور (لقول) ابن عباس رضى الله عنهما: " عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع " أخرجه الطبرانى في الكبير والأوسط، وفيه النضر آبو عمر وحديثه حسن (٢) ﴿١٧﴾ (وقال) البخاري: إنها واجبة. وقال ابن حمدان: إنها فرض كفاية (لحديث) آبى موسى الأشعر أن النبي ﷺ قال: " أطعموا الجائع وعودوا المريض وفُكّوا العانى " أخرجه احمد والبخاري وأبو داود (٣) ﴿١٨﴾ (ولحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض واتباع الجنائز " أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم (٤) ﴿١٩﴾ (وأجاب) الجمهور بأن الأمر في الحديث الأول والوجوب في الثاني محمول

стр. 2209

على مزيد الترغيب في عيادة المريض والاهتمام بشأنها، وللحث على التواصل والألفة، وإلا فهي في الأصل مندوبة، وقد تصل إلي الوجوب في حق البعض وتتأكد في حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعى حاله وتباح فيما عدا ذلك (ونقل) النووي الإجماع على عدم الوجوب يعنى على الأعيان (١) (هذا) وقد استدل بعموم قوله: " عودوا المريض " على مشروعية العيادة لكل مريض (وقد) جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: " عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني " أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقى والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه (٢) ﴿٢٠﴾ (ويلحق) بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك سببا لنشاطه وانتعاش قوته وفى إطلاق الحديث دليل على أن العيادة لا تتقيد بوقت. (ب) فضل العبادة: قد ورد فضلها والترغيب فيها أحاديث منها (حديث) ثوبان أن النبي ﷺ قال: من عاد مريضا لم يزل في خرفه الجنة حتى يرجع قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: جناها " أخرجه أحمد ومسلم والترمذى والبيهقى (٣) ﴿٢١﴾ (وحديث) ثابت البنانى عن أنس أن النبي ﷺ قال: " من

стр. 2210

توضا فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفا، فقلت يا ابا حمزة ما الخريف؟ قال: العالم " أخرجه أبو داود (١) ﴿٢٢﴾ (وحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " من عاد مريضا خاض في الرحمة، فإذا جلس إليه غمرته الرحمة، فإن عاده من أول النهار استغفر له سبعون ألف ملك حتى يمسى، وأن عاده من أول الليل استغفر له سبعون آلف ملك حتى يصبح، قيل يا رسول الله هذا للعائد فما للمريض؟ قال: أضعاف هذا " أخرجه الطبرانى في الكبير. قال الهيثمى وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري ولم أجد من ذكره (٢) ﴿١٣﴾ (وحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أدعوك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لوعدته لوجدتني عنده " (الحديث) أخرجه مسلم (٣) ﴿٢٤﴾ أضاف المرض إليه تعالى - والمراد العبد - تشريفا للمريض، ومعنى " وجدتني عنده، " أى وجدت ثوابي وكرامتي، لقوله في تمام الحديث: لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، لو اسقياه لوجدت ذلك عندي: أى ثوابه (٤) (ج) آداب العبادة: يندب فيها أمور: المذكور منها هنا عشرة: (١) يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء ويأمره بالصبر (لحديث) عائشة بنت سعد بن أبى وقاص أن أباها قال: " اشتكيت بمكة فجاءني النبي ﷺ يعودني ووضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني ثم

стр. 2211

قال: اللهم اشف سعدا وأتمم له هجرته " أخرجه أبو داود والبيهقى وكذا البخاري مطولا (١) ﴿٢٥﴾ (وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " من عاد مريضا لم يحضر اجله فقال عنده سبع مرار: أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض " أخرجه الثلاثة وابن حبان (٢) ﴿٢٦﴾ (وعن) ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: " إذا جاء الرجل يعود مريضا فليقل: اللهم اشف عبدك ينكأ لك عدوا أو يمشى لك إلى جنازة " أخرجه أبو داود والحاكم وابن حبان (٣) ﴿٢٧﴾ (وعن) أبى أيوب الأنصاري رضى الله عنه قال: " عاد رسول الله ﷺ رجلا من الأنصار، فأكب عليه يسأله قال: يا رسول الله ما غمِضت منذ سبع ليال ولا أحَدُ يحضرني فقال رسول الله ﷺ : أى أخي اصبر، أى أخي اصبر، تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها. أخرجه ابن أبى الدنيا ﴿٢٨﴾ (٢) ويستحب إن يقول الزائر للمريض: لا باس عليك، طهور إن شاء الله تعالى (لحديث) ابن عباس أن رسول الله ﷺ دخل على رجل يعوده فقال: " لا باس، طهور إن شاء الله، فقال: كلا بل هي حُمى تفور على شيخ كبير حتى تزيره القبور. فقال النبي ﷺ : فنعم إذا " أخرجه البخاري (٤) ﴿٢٩﴾

стр. 2212

(٣) ويستحب للزائر أن يضع يده على مكان المرض ويسمى الله تعالى ويدعو للمريض لما تقدم، ولقول عائشة: " كان رسول الله ﷺ إذا عاد مريضا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: باسم الله " أخرجه أبو يعلى بسند حسن (١) ﴿٣٠﴾ (٤) ويستحب للزائر أن يطيب نفس المريض بإطماعه في الحياة وقرب الشفاء (لحديث) آبى سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا وهو يطيب بنفس المريض " أخرجه ابن ماجه والترمذى بسند فيه لين (٢) ﴿٣١﴾ (٥) ويستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء فإن دعاءه مستجاب (لحديث) أنس أن النبي ﷺ قال: " عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم فإن دعوة المريض مستجابة وذنبه مغفور " أخرجه الطبرانى في الأوسط وفيه عبد الرحمن بن قيس الغبي وهو متروك الحديث (٣) ﴿٣٢﴾ (٦) ويستحب تخفيف العبادة وعد تكريرها في اليوم إلا إن رغب المريض في ذلك فإن رغب في التطويل أو تكرير العبادة من صديق ونحوه ولا مشقة في ذلك فلا بأس به (ويؤيده) حديث عروة عن عائشة قالت: " لما أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل في الأكحل فضرب عليه النبي ﷺ قال خيمة في المسجد ليعوده من قريب " أخرجه آبو داود ومسلم وكذا البخاري مطول (٤) ﴿ ٣٣﴾

стр. 2213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2215

وجه الدلالة أن النبي ﷺ ضرب عليه الخيمة في المسجد لتسهل عليه عيادته كثيرا. (٧) ويستحب لمريد العبادة الوضوء (لحديث) أنس السابق في فضل العبادة (١) (٨) ويستحب للعائد الذي يتبرك به المريض أن يتوضأ ويصب عليه وضَوءه (لقول) جابر " مرضت مرضا فأتاني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر وهما ماشيان فوجداني أغمى على فتوضأ النبي ﷺ ثم صب وضَوءه على فأفقت فإذا النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث أخرجه البخاري (٢) ﴿٣٤﴾ (٩) والأفضل المشي في العبادة ولا باس بالركوب لا سيما إذا كان لحاجة (لحديث) جابر: " كان النبي ﷺ يعودني ليس براكب بغلا ولا بِرْذَوْناً " أخرجه البخاري وأبو داود والترمذى والحاكم (٣) ﴿٣٥﴾ (وعن) عروة أن أسامة بن زيد أخبره أن النبي ﷺ ركب على حمار على إكاف على قطيفة فَدَكِيه وأردف أسامة وراءه بعود سعد بن عبادة

стр. 2216

قبل وقعة بدر (الحديث) أخرجه البخاري (١). ﴿٣٦﴾ (١٠) ويستحب للعائد ألا يتناول عند المريض طعاما ولا شرابا فإنه مكروه مضيع لثواب العيادة (لحديث) آبى أمامه أن النبي ﷺ قال: " إذا عاد أحدكم مريضا فلا يأكل عنده شيئا فإنه حظه من عيادته " أخرجه الديلمى في مسند الفردوس. وفيه موسى بن وردان ضعفه ابن معين والذهبي (٢) ﴿٣٧﴾ وفى معنى الأكل ما اعتيد من إتحاف الزائر يشرب القهوة أو الشراب أو اللبن أو نحو ذلك. فينبغي تجنبه للعائد إلا الأصل في عيادة فرعه فلا يمنع من ذلك (لحديث) سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: " أنت ومالك لأبيك " أخرجه الطبرانى والبراز وفيه عبد الله بن إسماعيل لحرراني قال أبو حاتم لين وبقية رجاله ثقات (٣) ﴿٣٨﴾ (فائدة) قال جابر: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " يأبها الناس أنا أكرم الناس حسبا فذكر حديثا وفيه: من عاد مرضانا عدنا مرضاه " أخرجه أبو الطيب الغولى بسند ضعيف (٤) ﴿٣٩﴾ ولذا قال ابن وهب وأحمد: " لا تعد من لا يعودك " (لكن) قد يعارضه حديث قيس رجل من الأنصار قال: أخبرت عن النبي ﷺ أنه قال: " عد من لا يعودك " أخرجه الديلمى وهو حديث ضعيف (٥) ﴿٤٠﴾ ويجمع بينهما بأن هذا محمول على الفصل والأول على العدل.

стр. 2217

(د) عيادة المرأة: لا باس بعيادة الرجل المرأة المريضة إذا لم تؤذ إلى خلوة بأجنبية (لحديث) عبد الملك بن عُمَيْر عن أم العَلاء قالت: عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة فقال: ابشري يا أم العلاء فإن مرض المسلم يُذْهب الله به خطاياه كما تُذْهِب النارُ خبث الذهب والفضة أخرجه أبو داود (١) ﴿٤١﴾ (وللمرأة) الأجنبية عيادة الرجل مع التستر وأمن الفتنة (فقد) عادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الأنصار. ذكره البخاري معلقا. (٢) (وقالت) عائشة: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وُعِكَ أبو بكر وبلال فدَخلتُ عليهما فقلت يا أبت كيف تجدُك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مُصَبَّح في أهله ... والموتُ أدنى من شِراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه يقول: ألا ليتَ شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخِر وجَليل وهل أَرِدَنْ يوما مياه مَجِنَّة ... وهل تَبّدُوَنْ لي شامة وطفيل أخرجه البخاري (٣) ﴿٤٢﴾

стр. 2218

عيادة الذمي: تجوز عيادته إذا أرجى منها مصلحة له أو للعائد أو كان قريبا أو جارا (لحديث) ثابت عن أنس أن غلاما من اليهود مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: " اسْلِمْ " فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال له أبوه: أطعْ أبا القاسم فاسلم فقام النبي ﷺ وهو يقول " الحمد لله الذي أنقذه بى من النار " أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي (١) ﴿٤٣﴾ (وعن) أنس أن أبا طالب مرض فعاده النبي ﷺ فقال: " يابن أخي أَدعُ إلهك الذي تعبُد أن يعافيني. فقال: " اللهم اشفِ عَّمى " فقام أبو طالب كأنما نَشِط من عِقال فقال له يابن أخي: إن إلهك الذي تعبُد لَيُطِيعُك. قال: " وأنت يا عم إن أطعتَ الله ليطيعُك " أخرجه الطبرانى في الآوسط وفيه الهيثم بن جمار البكاء وهو ضعيف (٢) ﴿٤٤﴾ وبهذا قال الجمهور. قالت الحنبلية: لا يعاد مبتدع ومجاهر بمعصية وتحرم عيادة الذمي (٣) (٥) طول العمر مع حسن العمل: طول العمر له اثر عظيم في السعادة وضدها لأنه كلما طال عمر الإنسان كثر عمله واطلع على أحواله الدنيا وتقلباتها (فإنه) اتعظ بكثرة من مات وما يقع من الشدائد، فزهد في الدنيا وأكثر من عمل الخير والبر، كثرت حسناته وكُفَّرت سياتُه ورُفعت درجاته وقبله مولاه إذ لم يره حيث نهاه ولم تفقده حيث أمره فكان سعيدا في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: " مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً

стр. 2219

وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " (١) (وإن لم يتعظ) ويعتبر بتقلبات الدهر وشغلته دنياه عن طاعة مولاه كان طولُ عُمُره وبالا عليه وليس عليه وليس له عذر عند الله بعد أن مدّ في عمره ومكنَّه من الطاعة فأبى أن يطيع مولاه قال الله تعالى: " أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ" (٢) وعن آبى هريرة أن النبي ﷺ قال: من أنت عليه ستون سنة فقد أعْذر الله إليه في العُمُر. أخرجه أحمد والنسائي والطبرانى (٣) ﴿٤٥﴾

стр. 2220

وقد ورد في فضل طول العمر وحسن العمل أحاديث (منها) حديث عبد الرحمن ابن آبى بَكرة عن أبيه أن رجلا قال: " يا رسول الله أى الناس خير؟ قال: من طال عُمره وحسُن عملُه. قال: فأى الناس شر؟ قال: من طال عُمره وساء عملُه " أخرجه أحمد والترمذى وقال حسن صحيح، والطبرانى والحاكم والبيهقى بسند صحيح (١) ﴿٤٦﴾ (وحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " ألا أُنَبئكم بخيركم؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: " خيارُكم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا " أخرجه أحمد وابن حبان والبيهقى بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٤٧﴾ ٦ - حسن الظن بالله تعالى: ينبغي المريض أن يغلَّب الرجاء على الخوف ولا يياسَ من رحمة الله فإنه لا يياسُ من روَح الله إلا القوم الكافرون، وعليه أن يحسن الظن بالله بأن يرجوَ مغفرتهَ وعفوَه، ولا يياسَ من رحمته لكن لا يركن إلى حسن الظن وهو منغمس في الشهوات وغارق في المخالفات ظالم لنفسه مخالف أوامر ربه. بل يلزم سبيل الرشاد متذكرا قول الله تعالى: " ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ " (٣) فمن فعل ذلك ثم أحسن الظن بالله فقد أحسن إلى نفسه

стр. 2221

وسَعِد سعادة أبدية ووضع الرجاء موضعَه. وأما ظن المغفرة والعفو مع الإصرار على المعصية فذلك محض الجهل والغرور. (روى) أنس أن النبي ﷺ قال: " ليس الإيمانُ بالتمني ولكن ما وَقَرَ في القلب وصدقه العمل وإن قوما ألههم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا نحن نُحسِنُ الظن بالله تعالى وكَذّبوا لو أحسنوا الظنَّ لأحسنوا العمل " أخرجه البخاري في تاريخه والديلمى في مسند الفردوس تفرد به عبد السلام بن صالح لعابد قال ابن عدى مجمع على ضعفه انظر ص ٣٣٥ رقم ٧٥٧٠ ج ٥ فيض القدير ﴿٤٨﴾ وعلى الجملة فحسن الظن المعتبر مستلزم لحسن العمل (لحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " حسنُ الظن من حسن العبادة " أخرجه أبو داود والحاكم وابن حبان والترمذى وفيها مهنأ أبو شبل قال أبو داود ثقة بصري (١) ﴿٤٩﴾ وأما حسن الظن بلا عمل فهو الطمع المذموم الواردُ فيه قول الله تعالى في الحديث القدسي: ما أقل حياء مَن يطمع في جنتي بغير عملِ كيف أجود برحمتي على من بَخِلَ بطاعتي؟ ﴿٥٠﴾ فيجب على المرء أن يجتهد في طاعة الرحمن موقنا بالقبول والغفران فقد وعد الله بذلك وهو لا يُخلف الميعاد. ومن اعتقد أو ظن خلافَ ذلك فهو آيس من رحمة الله. وهذا من الكبائر وإن مات على ذلك وُكِلَ إلى ظنه (وقد) ورد في هذا أحاديث منها (حديث) جابر أن النبي ﷺ قال: لا يموتَنَّ أحدكم إلا وهو يُحسْن بالله الظنَّ فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم بالله . وذلكم ظنُكم الذي ظننتم بربكم أرْدكم فأصبحتم من الخاسرين " أخرجه أحمد وعبد الرازق وابن آبى الدنيا (٢) ﴿٥١﴾

стр. 2222

وحديث أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " قال الله : " أنا عند ظن عبدي بى إن ظن بى خيرا فله وإن ظن شرا فله " أخرجه أحمد وفيه ابن لَهيعة مَتكلم فيه (١) ﴿٥٢﴾ وحديث آبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " أمر الله فعَبدين إلى النار فلما وقف أحدهما على شَفَتِها التفت فقال: أمَا والله إنى كان ظني بك لَحَسن. فقال الله رُدوه فأنا عند ظنك بى فغفر له " أخرجه والبيهقى ﴿٥٣﴾ (٧) حسن الخاتمة: على العاقل ألا يغفُل عن طاعة الله تعالى وأن يجتهد في العمل بما يُرضى مولاه حتى يموت ويُبْعثَ على خير (لحديث) أنس أن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم قبضه عليه " أخرجه أحمد والترمذى وابن حبان والحاكم (٢) ﴿٥٤﴾ (وحديث) عائشة أن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قبل موته بعام مَاَ كان يسدده ويرَفقه حتى يقال مات بخيرِ ما كان فإذا حُضِر ورأى ثوابهَ اشتاقت نفسه حين أحب لقاء الله وأحبَّ الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته بعام شيطانا فأضله وفتنه حتى يقال مات

стр. 2223

بشر ما كان عليه. فإذا حُضر ورأى ما أُعِدَّ له من العذاب جَزعَت نفسه فذلك حين كَره لقاء الله وكرِه الله لقاءه. أخرجه عبد بن حميد (١) ﴿٥٥﴾ (٨) شكاية المريض: لا باس أن يُخبر المريض بما يجده من ألم لا على سبيل الضَّجَر والسخط مبتدئا بحمد الله بأن يقول: الحمد لله أجد كذا وكذا أو والحمد لله بى كذا وكذا من الأذى (فقد) قال ابن مسعود رضى الله عنه: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك. أخرجه الشيخان. ﴿٥٦﴾ (وعن) هشام بن عروة عن أبيه قال: " دخلت أنا وعبدُ الله بن الزبير على أسماء بنتِ أبى بكر وأسماء وَجِعة فقال لها عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت: وَجِعَة " (لحديث) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ﴿٥٧﴾ (وقال) القاسم بن محمد قالت عائشة: " وارأساه فقال رسول الله ﷺ : ذاكِ لو كان وأنا حي فأستغفر لكِ وأدعو لك (لحديث) أخرجه البخاري (٢) ﴿٥٨﴾ وقد اختلف العلماء في هذا. والتحقيق أن الألم لا بقدر أحد على رفعه والنفوس مجبولة على وُجُدان ذلك فلا يُسْتطاع تغييرها عما جُبلت عليه وإنما كلف العبد ألا يقع منه في حَال المصيبة ماله سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه والجزع الزائد. وأما مجرد التشكي فليس مذموما حتى يحصل التسخط للمقدور. وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه بذكر الألم للناس على سبيل التضجر. وأما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا باس به اتفاقا (٣). والشكوى إلى الله لا تنافى الصبرَ الجميل فإن سيدنا يعقوب وَعَدَ بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يُخْلِف. ثم قال: " إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ " (٤) وكذلك سيدنا أيوب أخبر

стр. 2224

الله تعالى عنه أنه وجده صابرا مع قوله " أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " (١) وإنما ينافى الصبرَ شكوى الله لا الشكوى إليه كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: يا هذا تشكو من يرحمك إلي من لا يرحمك؟ ثم أنشده. وإذا عَرَاكَ بلية فاصبر لها ... صبرَ الكريمِ فإنه بك أعلم وإذا شكوتَ إلي ابنِ آدم إنما ... تشكو الرحيم إلي الذي لا يرحمُ هذا. وأنين المريض تارة يكون عند تبرم وتضجر فيكره. وتاره يكون عند تسخط بالمقدور فيحرُم. وتاره يكون لما ينشأ عنه من نوع استراحة بقطع النظر عن التبرم أو التضجر فيباح وتارة يكون عند ذل لرب العالمين وانكسار وخضوع مع حشم مادة العون إلا من بابه والشفاء إلا من عندِه فيندب (٢). (٩) مرض النبي ﷺ : لما كان الموت مكروها طبعا لما فيه من شدة ومشقة عظيمتين، لم يمت نبي من الأنبياء حتى خير (قال) الزهري: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يَرَى مقعَده من الجنة ثم يُخَيَّر. فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غُشِىَ عليه. فلما أفاق شَخَصَ بَصَرهُ نحو سقف البيت ن ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. فقلت إذا لا يجاورنا فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. أخرجه مالك والشيخان والترمذى ٠ (٣) ﴿٥٩﴾

стр. 2225

وقد عرف الله النبي ﷺ قثرْبَ أجله بإنزال سورة " إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ " دعا النبي ﷺ فاطمة فقال: إنه نُعِيتَ إلي نفسي فبكت فقال: لا تبكى فإنك أول أهلي لاحِق بي فضحِكت (الحديث) أخرجه الطبرانى في الكبير والأوسط بسند رجاله رجال الصحيح غبرَ هلالَ بن خَبَّابَ وهو ثقة وفيه ضعيف (١) ﴿٦٠﴾ وقال جابر بن عبد الله رضى الله عنه: لما نزلت هذه السورة قال النبي ﷺ لجبريل نَعَيتَ إلى نفسي. فقال له جبريل: والآخر خير لك من الأولى. أخرجه الطبرانى. (٢) ﴿٦١﴾ وعن آبى مُوَيِبَةَ أن النبي ﷺ قال. إنى أتِيتُ مفاتيح خزائنِ الأرض واُلخْلدَ ثم الجنةَ فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربى والجنةِ فاخترت لقاء ربى والجنةَ. أخرجه أحمد (٣) ﴿٦٢﴾ والأحاديث في هذا كثيرة (٤). وما زال النبي ﷺ يُمَرَّضُ

стр. 2226

باقتراب أجله مرض في أواخر الحجة سنة إحدى عشرة هجرية (سنة ٦٣٢ ميلادية) وأول ذلك أنه خرج من جوف الليل إلى البقيع فاستغفر لهم ودعا كالمودع للأموات واصبح مريضا من يومه (قالت) عائشة: لما رجَعَ من البقيع وجدني وأنا أجد صُداعاً في رأسي أقول: وارأساه. فقال النبي ﷺ : ذاك لو كان وأنا حي فاستغفر لكِ وأدعو لكِ فقلت: واثُكلياه والله إنى لأظنك تحب موتى ولو كان ذلك لَظَلَلْتَ آخرَ يومك مُعَرَّسا بعض أزواجك، فقال النبي ﷺ بل أنا وارأساه (الحديث) أخرجه البخاري (١) ﴿ ٦٣﴾ وكان وجعه ﷺ في الخاصرة وهو عرق في الكلية إذا تحرك أوجع صاحبه. وقيل كان مرضه الصداع (وقالت) عائشة رضى الله عنها: كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم. أخرجه البخاري (٢). ﴿٦٤﴾

стр. 2227

أصابه ﷺ في مرضه هذا حمى شديدة (قال) عبد الله بن مسعود: دخلت على النبي ﷺ وهو يُوعَكُ فمسته فقلت: " إنك لتوعك وعكا شديدا. قال اجَل كما يوعك رجلان منكم. قلت: ذلك بان لك اجرين. قال أجل ذلك كذلك ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها

стр. 2228

سيئاتِه كما تحط الشجرة ورقها " أخرجه الشيخان (١). ﴿٦٥﴾ وكان النبي ﷺ يدور في مرضه على أزواجه التسع حتى اشتد به المرض في يوم ميمونة فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة فأذن له (قالت) لما ثقل النبي ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فإذن له فخرج بين رجلين - العباس ورجل آخر - تخط رجلاه في الأرض

стр. 2229

فلما دخل بيني واشتد وجعه قال: هريقوا على من سبع قرب لم تحلل أو كيتهن لعلى أعهد إلي الناس فأجلسناه في مخضب لحفصه زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه الماء من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن ثم خرج إلي الناس فصلى بهم وخطبهم أخرجه الشيخان (١). ﴿ ٦٦﴾ وهذه آخر صلاة صلاها النبي ﷺ مع القوم (قال) ابن شهاب: حدثني انس بن مالك رضى الله عنه أن المسلمين ببناهم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلى لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبتسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ فاشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة أرخى الستر، وتوفى من

стр. 2230

يومه ذلك. أخرجه الشيخان. (١) ﴿٦٧﴾ (١٠) أخر وصايا وكلمات النبي ﷺ (ورد) في ذلك أحاديث أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول في مرضه الذي توفى فيه ن الصلاة وما ملكت أيمانكم فما زال يقولون حتى ما يفيض بها لسانه. أخرجه ابن ماجه بسند من صحيح. (٢) ﴿٦٨﴾ وحديث أنس قال: كان أخر وصية النبي ﷺ الصلاة الصلاة مرتين وما ملكت أيمانكم وما زال يغرغر بها في صدره وما يفيض بها لسانه. ذكره الحاكم في المستدرك وقال قد اتفقنا (يعنى الشيخين) على أخراجه على وأخراج حديث عائشة: أخر كلمة تكلم بها الرفيق الأعلى. وقال الذهبي: فلماذا أوردته (٣) ﴿٦٩﴾ وحديث ابن آبى مليكه أن ابا عمر ذكوان مولى عائشة أخبره إن عائشة كانت تقول أن من نعم الله عليه أن رسول الله ﷺ توفى في بيتي وفى يومي وبين سحري ونحري وأن الله جمع بين ربقى وريقة عند موته: دخل

стр. 2231

على عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة النبي ﷺ فرايته ينظر إليه وعرفت انه يحب السواك فقلت آخذه لك؟ فاشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه. وقلت: الينه لك؟ فاشار برأسه أن نعم، فلينته فأمره وبين يديه ركوة أو عليه فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: لا اله إلا الله إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده. أخرجه الستة ألا ابا داود (١) ﴿٧٠﴾ وفى رواية مسلم: اللهم اغفر لي وارحمني والحقنى بالرفيق الأعلى (٢) (والمراد) بالرفيق الأعلى: الملائكة أو المذكورون في قوله تعالى " وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً " (٣) قال السهيلى: فهذه آخر كلمة تكلم بها ﵊. وهى تتضمن معنى التوحيد الذي يجب أن يكون آخر كلام المؤمن لأنه قال " مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيُهمُ " وهم أصحاب الصراط المستقيم وهم أهل لا اله إلا الله. قال تعالى " اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ " ثم بين في الآية المتقدمة من الذين أنعم الله عليهم فذكرهم وهم الرفيق الأعلى الذين ذكرهم النبي ﷺ حين

стр. 2232

خير فاختار (وبعض) الرواة يقول عن عائشة في هذا الحديث: فاشار بإصبعه وقال: في الرفيق. وفى رواية أخرى أنه قال: اللهم الرفيقَ، أشار بالسبابة يريد التوحيد فقد دخل النبي ﷺ بهذه الإشارة في عموم قوله ﵊: " من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة (١) " ولا شك أنه ﵊ في أعلى درجات الجنة ولو لم بشر ولكن ذكرنا هذا لئلا يقول القائل لم لم يكن آخر كلامه لا اله إلا الله وأول كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ وهو مسترضع عند حليمة أن قال: الله اكبر (٢) وفى حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آخر ما أوصى به النبي ﷺ قال: " اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيروا الوفد بما كنت أجيزهم ". أخرجه البخاري (٣). ﴿٧١﴾ وعن عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي لم يقم منه " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت عائشة:

стр. 2233

لولا ذلك لأبرز قبره خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجه البخاري (١) ﴿٧٢﴾ (١١) أنواع المرض: المرض نوعان: مرض القلوب، ومرض الأبدان (١) فمرض القلوب نوعان: (الأول) مرض شبهة وشك وهو المراد بقوله تعالى: " فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً " (٢) وقوله تعالى: " وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً " (٣) (الثاني) مرض شهوة وغى، قال الله تعالى: " يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ " (٤) فهذا مرض شهوة الزنا (هذا) وطب القلوب إنما يكون من طريق الرسل والدعاة إلى الخير المهديين. فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وخالقها وبأسمائه وصفاته وافعاله وأحكامه وأن تكون مؤثرة لمرضاته تعالى ولمحابة متجنبة لمناهية ومساخطة. ولا صحة لها ولا حياة ألبته إلا بذلك ولا سبيل إلي تلقى القلوب طبها إلا من جهة الرسل وورثتهم. وما يظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط. (ب) وأما مرض الأبدان فهو المراد بقوله: " لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ " (٥) وذكر مرض البدن في الوضوء والصوم والحج لسر بديع. ذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة:

стр. 2234

حفظ الصحة، واستفراغ المواد الفاسدة، والحمية عن المؤذى. فذكر الله تعالى هذه الأصول في هذه المواضع الثلاثة. فقال في الصوم " وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ " (١) أباح الفطر - لعذر المرذ - وللمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه الصوم من تحليل ما في المعدة وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل فتخور القوة وتضعف. وقال في الحج: " فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ " (٢) أباح لمريض ومن به أذى من رأسه من قمل أو حكة أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر فإذا حلق رأسه فتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة فهذا استفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه. وما يؤذى انحباسه عشرة: الدم والمنى إذ هاجا، والبول، والغائط، والريح، والقيء، والعطاس، والنوم، والجوع، والعطس. وكل واحد من هذه يوجب حبسه داء. وقد نبه الله تعالى باستفراغ أدناها وهو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه تنبيها بالأدنى على الأعلى (وأما) الحمية فقال تعالى في آية الوضوء: " وَإِن كُنتُم مَّرْضَى وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً " (٣) أباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيبه ما يؤذيه وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ من داخل أو خارج. فقد ارشد الله تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة. وسنذكر هدى النبي ﷺ في ذلك ونبين أنه أكمل هدى (٤) إن شاء الله تعالى.

стр. 2235

(ب) التداوي كان هدى النبي ﷺ التداوي في نفسه والأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه (روى) أبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برا بإذن الله " أخرجه مسلم (١) ﴿٧٣﴾ (وفى الحديث) إشارة إلي استحباب التداوي وهو مذهب الجمهور وفيه رد على من أنكر ذلك من غلاة الصوفية وقال: كل شئ بقضاء وقدر فلا حاجة للتداوى. (ورد) بأنه أيضا من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء وكالأمر بقتال الكفار وبالتحصن ومجانبة الإلقاء باليد إلي التهلكة مع أن الأجل لا يتغير والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها (٢). (وقال) أسامة بن شريك: أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأن على رءوسهم الطير فسلمت ثم قعدت فجاء الأعراب من ههنا وههنا فقالوا يا رسول الله انتداوى؟ فقال تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء

стр. 2236

غير داء واحد الهرم. أخرجه أحمد والأربعة. وقال الترمذى حسن صحيح (١) ﴿٧٤﴾ (وعن) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا. أخرجه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه (٢) ﴿٧٥﴾ (والظاهر) أن الأمر في الحديثين للإباحة لأن السؤال إنما هو عنها (ولذا) قالت المالكية: التداوي وتركه سواء (وقال) بعض الشافعية: الأمر للندب، ولذا قالوا: التداوي افضل من الترك (ورد) بأنه قد ورد في مدح من ترك الدواء والاسترقاء توكلا على الله تعالى أحاديث (ولذا) قالت الحنبلية: ترك التداوي أفضل (لحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون. أخرجه الشيخان (٣) ﴿٧٦﴾ (وعن) المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: من اكتوى أو استرقي فقد برئ من التوكل. أخرجه أحمد والترمذى وصححه وابن ماجه والحاكم (٤) ﴿٧٧﴾ (وقال) الحنفيون: التداوي أكد للأمر به وقد تداوى النبي ﷺ (قالت) عائشة: إن رسول الله ﷺ كثرت اسقامة فكان يقوم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه. أخرجه أحمد (٥) ﴿٧٨﴾

стр. 2237

والمعول عليه أن التداوي لا ينافى التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب وكذلك تجنب المهلكات والدعاء وطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك (١) (وأجابوا) عن حديثي ابن عباس والمغيرة بأن أهل الجاهلية كانوا يسترقون بالكلمات الخبيئة ويكتوون زاعمين أن الرقية والكي يمنعان من المرض أبدا فلذا منع منه النبي ﷺ وأخبر أن من فعله فقد برئ من التوكل أما من تداوى أو استرقي أو اكتوى معتقدا أنها أسباب تنفع بإذن الله تعالى وأنها لا تنجع بذاتها بل بما قدر الله فهذا مطلوب لا ينافى التوكل. ثم الكلام هنا ينحصر في ستة فصول: (١) الطبيب: هو في الأصل الحاذق في كل شئ وخصه العرف بمن يعالج المرضى وينبغى أن يكون مسلما ثقة. ويكره لغير ضرورة طلب التداوي من ذمي لعدم الثقة بهم (أما) إذا دعت الضرورة لذلك فلا كراهة إذا كان خبيرا ثقة عند

стр. 2238

المريض وقد روى أن النبي ﷺ أمر أن يستطب الحارث بن كلدة وكان كافرا (١) وكذلك لا يجوز للمرأة الأجنبية معالجة الرجل إلا لضرورة وعليه يحمل حديث الربيع بنت معوذ. قالت كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقى القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلي المدينة. أخرجه البخاري. وفى رواية: كنا نسقى ونداوى الجرحى ونرد القتلى (٢) ﴿٧٩﴾ ففيه جواز معالجة المرأة الأجنبية للضرورة ولكن تكون بلا مباشرة ولا مس إذا أمكن وإلا فالضرورة تبيح المحظورة، وتعالج المرأة المرأة إن تيسير وإلا داواها الرجل بعد ستر جسدها إلا موضع المرض وبغض بصره ما استطاع إلا عن موضع الجرح ومما تقدم يعلم جواز عرض المريض على الطبيب (ويؤيده) حديث زيد بن اسلم أن رجلا أصابه جرح فاحتقن الدم فدعا النبي ﷺ برجلين من بنى أنمار فقال آيكما أطب؟ فقال وفى الطب؟ قال الذي أنزل الداء أنزل الدواء. أخرجه مالك في الموطأ ﴿٨١﴾ وفى قوله آيكما أطب دليل على أنه ينبغي اختيار الحاذق في الطب. (ب) ما يجوز التداوي به وما لا يجوز: يجوز التداوي بالطاهر الحلال ولا يجوز بالنجس والحرام (لحديث) مجاهد عن آبى هريرة قال: " نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذى وزاد يعنى السم (٣) ﴿٨١﴾

стр. 2239

والدواء الخبيث قد يكون خبثه لنجاسته وحرمته كالخمر والبول والعذرة ولحم غير المأكول (وعن) أبى الدرداء أن النبي ﷺ قال: " إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداوا ولا تتداووا بحرام " أخرجه أبو داود وفى سنده إسماعيل بن عياش وفيه مقال (١) ﴿٨٢﴾ وهذان الحديثان محمولان على النهى عن التداوي بالمسكر والحرام من غير ضرورة للجمع بينهما وبين حديث العرنيين (٢)، ولا فرق في المحرم بين كونه مأكولا أو غير كلبن الأتان والخمر والسم والتميمة وهى خرزة أو خيط ونحوه يعلقها المريض. والصحيح من مذهب الشافعي جواز التداوي بالنجس سوى المسكر لأن النبي ﷺ أمر العرنيين بالشرب من ابوال الإبل للتداوى (ورد) بأنها طاهرة عند مالك، وعلى أنها نجسة فإنما أمر النبي ﷺ بالتداوي بها (ويدل) على حرمة التداوي بالنجس مطلقا (حديث) عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا سال النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي ﷺ عن قتلها. أخرجه أبو داود والنسائي (٣) ﴿٨٣﴾ دل على أن الضفدع يحرم أكله فيحرم التداوي به لأنه نجس (وعن) علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه: " أن طارق بن سويد سال النبي

стр. 2240

صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه ثم سأله فنهاه فقال له يا شئ الله: أنها دواء: قال النبي: لا، ولكنها داء. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى وقال حسن صحيح (١) ﴿٨٤﴾ ففيه التصريح بأن الخمر ليست بدواء بل داء فيحرم التداوي بها عند أكثر الفقهاء كما يحرم شربها. وأباح بعضهم التداوي بها عند الضرورة لأن النبي ﷺ منع التداوي بالخمر وذكر إنها داء، أباح التداوي ببول الإبل فلا يصح قياس أحدهما على الآخر بعد أن فرق بينهما النبي ﷺ (أما) إذا غص إنسان بلقمة، ولم يجد ما يسبغها إلا الخمر فيلزمه الإساغة بها لأن حصولها حينئذ مقطوع به بخلاف التداوي (هذا) وفد نص الإمام أحمد رحمة الله على كراهة التداوي بما يصنعه أهل الذمة لأنه لا يؤمن أن يخلط به سحري محرم. (ج) الطب النبوي: أنجح دواء وأنفعه ما بينه من لا ينطق عن الهوى ﷺ . وكان علاجه ﷺ للمرضى نوعين: علاج بالأدوية الطبيعية وعلاج بالأدوية الإلهية. العلاج بالأدوية الطبيعية قد ورد عنه في ذلك الكثير وهناك خمسة وعشرين دواء: (١) العمل: المراد به العسل النحل وله منافع كثيرة: يجلو الأوساخ التي في العروق والأمعاء ويدفع الفضلات، ويغسل المعدة ويسخنها تسخينا معتدلا وبفتح أفواه العروق ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة والمنافذ، ويحلل

стр. 2241

الرطوبات أكلا وطلاء ويحفظ المعجونات وينقى الكبد والصدر ويدر البول والحيض وينفع للسعال البلغمى واصحاب البلغم والأمزجة الباردة وإذا أضيف إليه الخل نفع أصحاب الصفراء. وهو غذاء من الأغذية ودواء وحلوى وطلاء. وإذا شرب وحده بماء نفع من عضه الكلب الكلب وإذا وضع فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة اشهر وكذا الخيار، والقرع، والباذنجان، والليمون ونحوها. وإذا لطخ به البدن قتل القمل والصئبان وطول الشعر وحسنه، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر، وإن استن به صقل السنان وحفظ صحتها. ولم يكن يعول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه وهو شفاء بنص الكتاب والسنة قال تعالى: " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ" (١)

стр. 2242

(وعن) أبى سعيد الخدرى أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه فقال: اسقه عسلا فسقاه، ثم جاءه فقال أنى سقيته فلم يرده إلا استطلاقا ثلاث مرات فقال النبي ﷺ صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا فسقاه فبرا " أخرجه أحمد والشيخان والترمذى وقال حسن صحيح (١) ﴿ ٨٥﴾ في قول النبي ﷺ ، وكذب بطن أخيك: إشارة إلي أن هذا الدواء نافع وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكثرة المادة الفاسدة فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها فكان كذلك وبرأ بإذن الله. (٢) الجبة السوداء: هي دواء عام النفع عظيم الفائدة. وهى مذهبه للنفع نافعة من حمى الربع والبلغم مفتحة للسدد والريح مخففة ليلة المعدة وإذا دقت

стр. 2243

وعجنت بالعسل وشربت بالماء الحار إذابت الحصاة وأدرت البول والحيض (قال) خالد بن سعد: خردجنا ومعنا غالب بن أبحر فمرض في الطريق فقدمنا المدينة وهو مريض فماده ابن آبى عتيق فقال لنا: عليكم بهذه الحبيبة الشويداء فخذوا منها خمسا أو سبعا فاسحقوها ثم اقطروها في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفى هذا الجانب فإن عائشة رضى الله عنها حدثتنى أنها سمعت النبي ﷺ يقول: " إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا من السام " قلت وما السام؟ قال " الموت " أخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه (١) ﴿ ٨٦﴾ وهذا الذي أشار إليه ابن آبى عتيق ذكره الأطباء في علاج الزكام العارض من عطاس كثير. قالوا: تغلى الحبة السوداء ثم تدق ناعما ثم تنقع في زيت ثم يقطر منه في الآنف ثلاث قطرات. فلعل غالب بن أبحر كان مزكوما فلذلك وصف له ابن آبى عتيق الصفة المذكورة. وقد رويت من طريق حسام بن مصك عن عبيد الله بن بريد عن أبيه أن النبي ﷺ قال " إن هذه الحبة السوداء فيها شفاء " الحديث وفيه قال: كيف اصنع بها؟ قال: " تأخذ إحدى وعشرين حبة فتصرها في خرقة ثم تضعها في ماء ليلة فإذا أصبحت قطرت في المنخر الأيمن واحدة وفى الأيسر اثنتين فإذا كان من الغذ قطرت في المنخر الأيمن اثنتين وفى الأيسر واحدة فإذا كان في اليوم الثالث قطرت في الأيمن واحدة وفى الأيسر اثنتين " أخرجه المستغفرى في كتاب الطب (٢) ﴿٨٧﴾ ويؤخذ من هذا أن معنى كون الحبة السوداء شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفا بل ربما استعملت مفردة ومركبة ومسحوقة وغير مسحوقة وأكلا وشربا وسعوطا وضمادا وغير ذلك. وقيل: المراد أنها شفاه من كل داء يحدث من الرطوبة (٣).

стр. 2244

(٣) العجوة: هي نوع من التمر الجيد بالمدينة ونخلها يسمى لينة قال تعالى: ماَ قَطَعُتْم مِن لِينَةٍ " وتخصيص المدينة إما لما فيها من البركة التي حصلت بدعاء النبي ﷺ أو لأن تمرها أوفق لمزاج المريض (١) لتعوده تناوله والعجوة تنفع لمرض القلب (روى) مجاهد عن سعد بن آبى وقاص قال: مرضت مرضا أتاني رسول الله ﷺ يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها في فؤادي فقال: " إنك رجل مفئود غبت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطيب فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن " أخرجه أبو داود وهو منقطع فإن مجاهدا لم يدرك سعدا إنما يروى عن مصعب بن سعد عن سعد (٢) ﴿٨٨﴾ وعن سعد بن آبى وقاص أن النبي ﷺ قال: " من تصبح سبع تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم " أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي (٣) ﴿٨٩﴾

стр. 2245

وخصوص السبع لعسله لسر فيها وإلا فيستحب أن يكون ذلك وترا، وقيل إنه تعبدي وهذا في عجوة المدينة وهى من أجود تمر الحجاز وهو صنف كريم مقو للجسم ومن ألين التمر وأطيبه وألذه. (٤) الحناء: هي نافعة للقروح والصداع (فعن) سلمى أم رافع مولاة النبي ﷺ قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء " أخرجه ابن ماجه والترمذى وهو حديث حسن (١) ﴿٩٠﴾ (وقال) ابن القيم: روى ابن ماجه في سننه حديثا في صحته نظرا إن النبي ﷺ كان إذا صدع غلف رأسه بالحناء ويقول إنه نافع بإذن اله من الصداع (٢) والصداع ألم في الرأس بعضا أو كلا (٣). وعلاجه مختلف. فمنه ما علاجه بالاستفراغ. ومنه ما علاجه بتناول الغذاء. ومنه ما علاجه بالسكون والدعة. ومنه ما علاجه بالضمادات. ومنه ما علاجه بالتبريد. ومنه ما علاجه بالتسخين. ومنه ما علاجه باجتناب سماع الأصوات والحركات.
следующие страницы →