الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها (١) حتى إذا صار رمادا الزقته الجرح فاستمسك الدم. أخرجه الشيخان وابن ماجه. وكذا الترمذى عن آبى حازم قال: سئل بن سعد بأي شئ دووي جرح النبي ﷺ ؟
стр. 2277
فقال: كان على يأتي بالماء في ترسه وفاطمة تغسل عنه الدم وأحرق له حصير فحشى به جرحه. قال الترمذى حسن صحيح (١) ﴿١٣٧﴾
وفى الحديث أمران: (أ) جواز أتتداوى وأن الأنبياء قد يصابون بالجراحات والآلام والأسقام ليعظم لهم بذلك الأجر وتزداد درجاتهم رفعة وليتأسى بهم أتباعهم في الصبر على المكارة (٢) (ب) وأن الحصير إذا أحرقت ووضع رمادها على الجرح أبطل زيادة الدم بل الرماد كله كذلك لأنه من شأنه القبض. ولذا ترجم الترمذى الحديث " أتتداوى بالرماد" ورماد الحصير طيب الرائحة فالقبض يسد أفواه الجرح. وطيب الرائحة يذهب برائحة الدم (٣).
(١٧) الترياق: هو بتثليث التاء والمشهور الكسر، ما يستعمل لدفع السم من دواء معجون ويجوز أتتداوى به إذا لم يكن فيه محرم أو نجس وإلا لا يجوز (وعليه) يحمل حديث عبد الرحمن بن رافع التنوخى قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من قيل نفسي " أخرجه أبو داود وقال: هذا كان للنبي ﷺ خاصة. وقد رخص فيه قوم يعنى الترياق وعبد الرحمن بن رافع قال البخاري: في بعض حديثه بعض المناكير (٤) [١٣٨]
стр. 2278
ومعنى الحديث: أنى إن فعلت هذه الأشياء كنت ممن لا يبالي بما فعله من الأفعال مشروعة أو غيرها ولا ينز جر عما لا يجوز فعله شرعا.
(هذا) والترياق إذا لم يكن فيه نجس فلا باس بتناوله (والتميمة) قيل إنها خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات واعتقاد هذا جهل وضلال إذ لا دافع غير الله تعالى ولا يدخل في هذا التعوذ بالقرآن والاستشفاء به لأنه كلام الله تعالى (١).
(١٨) دواء النسا: النسا كالعصا عرق يظهر في الورك فيستبطن الفخذ (ويداوى) بما في حديث انس أن النبي ﷺ قال: " شفاء عرق النسا إلية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم يشرب على الريق في
كل يوم جزء " أخرجه ابن ماجه والحاكم بسند صحيح (٢) ﴿١٣٩﴾
وهذه المعالجة تصلح للعراب ومن يعرض لهم هذا المرض من يبس. وقد تنفع ما كان من مادة غليظة لزجة بالإنضاج والإسهال فإن الألية تنضج وتلين وتسهل والمقصود بالشاه العرابية ما قلت فضولها وشحومها. ورعيها يكون في البر ترعى مثل القيصوم والشيخ (٣) (قال) ابن القيم: عرق النسا وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف إلى الفخذ وربما امتد على الكعب وكلما طالت
стр. 2279
مدته زاد نزوله ويهزل معه الرجل والفخذ. وهذا العلاج خاص بأهل الحجاز ومن جاورهم ولا سيما أعراب البوادي فإن هذا المرض يحدث من يبس وقد يحدث من مادة غليظة لزجة فعلاجها بالإسهال. والآلية فيها الخاصيتان: الإنضاج والتليين.
وهذا المرض يحتاج علاجه إلى هذين الأمرين. وتعيين الشاة الأعرابية لقلة فضولها وصغر مقدارها ولطف جوهرها مرعاها لأنها ترعى أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوهما. وهذه إذا تغذى بها الحيوان صار في لحمه من طبعها بعد أن بلطفها بالتغذية بها ويكسبها مزاجا الطف منها ولاسيما الألية.
وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم ولكن الخاصية آلتي في الألية من الإنضاج والتليين لا توجد في اللين (١)(١٩) دواء العين: روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " العين حق " أخرجه أحمد والشيخان ,أبو داود وابن ماجه (٢) ﴿١٤٠﴾
آي الإصابة بها شئ ثابت متحقق. وبظاهر الحديث أخذ الجمهور وأنكره طوائف المبتدعة بلا وجه لأن كل شئ ممكن في نفسه ولا يؤدى إلى قلب حقيقة فهو من متجاوز العقول فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى ولا فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به النبي ﷺ من أمور الآخرة (٣)
стр. 2280
(هذا) والعين نظر باستحسان مشوب بجسد من خبث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر وقد خفي هذا على بعض الناس فقال كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ (والجواب) أن طبائع الناس تختلف فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن بالهواء إلى بدن المعيون. ويقرب من هذا أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد ويتثاءب شخص بحضرته فيتثاءب هو (ومذهب) أهل السنة في هذا أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لآخر (وعن) جابر أن النبي ﷺ قال: " أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس " قال الراوي يعنى بالعين. أخرجه أبو داود الطيالسى والبخاري في التاريخ والحكيم الترمذى والبراز بسند حسن ورجاله رجال الصحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو وهو ثقة (١) ﴿١٤١﴾
(وقد أجرى) الله العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة لم يتكن قبل ذلك وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه. والتأثير في هذا ونحوه بإرادة الله تعالى وخلقه وهو ليس مقصورا على الاتصال الجسماني بل يكون تارة به وتارة بالمقابلة وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الأدعية والرقى وتارة يقع ذلك بالتوهم فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن ولا وقاية له اثر فيه وإلا لم ينفذ السهم بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي (٢) (وعلاج العين) بما في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ
стр. 2281
قال: " العين حق ولو كان شئ القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا " أخرجه أحمد ومسلم والحكيم الترمذى وابن حبان (١) ﴿١٤٢﴾
معناه أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى ولا تقع إلا على حسب ما قدرها وسبق بها علمه فلا يقع ضرر العين ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى (وفى الحديث) صحة أمر العين وأنها قوية الضرر. (وإذا استغسلتم) بالبناء للمجهول آي إذا طلب منكم من نظرتم إليه أن تغسلوا له أطرافكم فأجيوه (وظاهر الأمر) الوجوب فمن خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين (وكيفيته) أن يغسل العائن وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وأطراف رجليه وما تحت إزاره في إناء ثم يصب ذلك الماء على راس المعيون وظهره من خلفه ثم يكفأ الإناء وراءه على الأرض (روى) الزهري عن آبى أمامه بن سهل ابن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة فما لبث أن لبط سهل فأتى به النبي ﷺ فقيل له: أدرك سهلا صريعا قال: من تتهمون؟ قالوا عامر بن ربيعة قال علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع
стр. 2282
له بالبركة، ثم دعا بماء فامر أن يتوضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وكبتيه وداخله إزاره وأمره أن يصب عليه قال معمر عن الزهري وأمره أن يكفأ الإناء من خلفه .. أخرجه مالك وأحمد والنسائي وابن حبان وصححه وابن ماجه وهذا لفظه وفى رواية مالك: فبرأ من ساعته (١) ﴿١٤٣﴾
(هذا) والأمر بالغسل مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل فلا يرد لكونه لا يعقل معناه (وإن) توقف فيه متشرع قلنا له: قل الله ورسوله أعلم وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة (وإن) توقف فيه متفلسف رد عليه بأن عنده الأدوية تفعل بقواها وقد تفعل بمعنى لا يدرك (وقال) ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجربا غير معتقد. وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الأطباء عللها فما الذي تنكره جهلتهم من الخواص الشرعية. هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة. فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن. فكأن أثر ذلك تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة. ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيئة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها ولا شئ ارق من المغابن (الأطراف) فكان في غسلها إبطال لعملها (وفى الحديث) ما يدل على وصول أثر الغسل إلى القلب وهو من ارق المواضع وأسرعها نفاذا فتنطفئ تلك النار آلتي أثارتها العين بهذا الماء (٢).
стр. 2283
(فائدتان) (الأولى) أن هذا الغسل إنما ينفع بعد استحكام النظرة. وقبله تدفع بالدعاء بالبركة (لما) في الحديث أن النبي ﷺ قال: إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة (١).
(وعن) أنس أن النبي ﷺ قال: " من رأي شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم تضره العين " أخرجه البزار وابن السنى والبيهقى وفيه أبو بكر الهذلى ضعيف جدا (٢) ﴿١٤٤﴾
(وعن) أنس أن النبي ﷺ قال: ما أنعم الله تعالى على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت وقرأ: " وَلَوْلاَ إذْ دَخَلْتَ جَنتَكَ قُلتَ مَا شَاءَ اللهُ لا قَّوةَ إلا باللهِ ". أخرجه الطبرانى والأوسط وفيه عبد الملك بن زراره وهو ضعيف (٣) ﴿١٤٥﴾
(الثانية) دلت الأحاديث السابقة أن العائن إذا عرف يؤمر بالاغتسال وهو دواء نافع وأن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد ولو من رجل محب ومن رجل صالح وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر بالدعاء لمن أعجبه بالبركة وأن الإصابة بالعين قد تقتل. وهل يقتص من العائن؟
(قال) القرطبي: لو أتلف العائن شيئا ضمنه ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا (٤).
(والجمهور) أنه لا قصاص في ذلك لأنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا وكذا
стр. 2284
لا دية فيه ولا كفارة لأنه لم يقع منه فعل سوى الحسد والنظر ولا يمكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر فإنه في معناه، والفرق بينهما فيه عشر (وفى الحديث) أنه ينبغي للإمام منع العائن - إذا عرف بذلك - من مداخله الناس وأن يلزم بيته فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به فإن ضرره اشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضى الله عنه بمنعه من مخالطة الناس واشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة. وهذا القول صحيح متعين (١).
(٢٠) علاج الصرع: الصرع بفتحتين علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن انفعالها منعا غير تام وهو نوعان: (أ) صرع من الأخلاط الرديئة وهو ملة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعا غير تام وسببه خلط غليظ لزج يسد منافذ بطون الدماغ سدا غير تام فيمنع نفوذ الحس والحركة فيه وفى الأعضاء نفوذا ما من غير انقطاع بالكلية. وقد يكون لسباب أخر كريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة. وهذه العلة من الأمراض الحادة المزمنة باعتبار طول مكثها وعسر برئها لا سيما إن جاوز في السن خمسا وعشرين سنة وقد بين الأطباء سببها وعلاجها وقالوا إن الصرع يبقى فيمن يصاب به حتى يموت (٢).
(ب) صرع من الجن: ولا يقع إلا من النفوس الخبيئة منهم إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به. وقد أثبته عقلاء الأطباء ولا يعرفون له علاجا إلا بمقاومة الأرواح الخيرة العلوية ليندفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطل أفعالها (٣) وبدل على ثبوته حديث عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس:
стр. 2285
ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت بلى قال هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ قالت: إنى اصرع وإنى أتكشف فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت: اصبر وإنى أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها أخرجه الشيخان (١) ﴿١٤٦﴾
كان صرعها من الجن لا من الخلط (فقد روى) ابن عباس في نحو هذه القصة أنها قالت: " إنى أخاف الخبيث أن يجردني فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتتعلق بها " أخرجه البزار (٢). ﴿١٤٧﴾
(وفى هذه) الأحاديث بيان فضل من يصرع ويصبر وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة (وفيها) دليل على جواز ترك أتتداوى وأن علاج الأمراض بالدعاء والالتجاء إلى الله تعالى أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وانفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية (٣) ٠
(قال) ابن القيم: وعلاج هذا النوع يكون بأمرين:
(أ) أمر من جهة المصروع يكون بقوة نفسه وصدق توجهه إلي فاطر هذه الأرواح وبارئها والتعوذ الصحيح الذي تواطأ عليه القلب واللسان فإن هذا نوع محاربة والمحارب لا يتم له الانتصاف من عدوه بالسلاح إلا أمرين: أن يكون السلاح جيدا وأن يكون الساعد قويا فمتى تخلف أحدهما لم يغن السلاح كثير طائل فكيف إذا عدم الأمران بخراب القلب من التوحيد والتوكل والتقوى والتوجه ولا سلاح له.
стр. 2286
(ب) من جهة المعالج: بأن يكون فيه هذان الأمران حتى إن من المعالجين من يكتفي بقوله اخرج منه أو يقول باسم الله أو يقول لا حول ولا قوة إلا بالله مادي ﷺ كان يقول: اخرج عدو الله وأنا رسول الله. وشاهدت شيخنا (١) يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح آلتي فيه ويقول: قال لك الشيخ أخرجي فإن هذا لا يحل لك فيفيق المصروع وربما خاطبها بنفسه وربما كانت الروح ماردة فيخرجها بالضرب فيفيق المصروع ولا يحس بألم وكان كثيرا ما يقرأ في أذن المصروع " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ " (٢) وكان يعالج بآية الكرسي ويأمر المصروع بكثرة قراءتها ومن يعالجه وبقراءة المعوذتين وبالجملة فهذا النوع من الصرع وعلاجه لا ينكره إلا قليل الحظ من العلم والعقل والمعرفة، واكثر تسلط الأرواح الخبيثة على أهله يكون لقلة دينهم وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقيقة الذكر والتعاويذ والتحصينات النبوية والإيمانية فتلقى الروح الخبيئة الرجل أعزل لا سلاح معه وربما كان عريانا فيؤثر فيه. هذا ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى من هذه الأرواح الخبيثة وهى في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت (٣) ولا عاصم للإنسان من الشيطان إلا ذكر الله تعالى فإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله تعالى.
(٢١) دواء الجنون: قد ورد في هذا معجزة عظيمة كي ﷺ (روى) سليمان بن عمرو بن الآحوص عن أم جندب قالت: " رأيت رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر ثم انصرف وتبعته
стр. 2287
امرأة من خثعم ومعها صبى لها به بلاء لا يتكلم فقالت يا رسول الله هذا أبني وبقية أهلي وإن به بلاء لا يتكلم فقال رسول الله ﷺ : إيتونى أن من ماء فأتى بماء فغسل يديه ومضمض فاه ثم أعطاها فقال اسقيه منه وصبى عليه منه واستشفى الله له قالت: فلقيت المرأة من الحول فسألتها عن الغلام فقالت برئ وعقل عقلا ليس كعقول الناس " أخرجه ابن ماجه (١) ﴿١٤٨﴾
(٢٢) دواء الكلية: هي بضم فسكون ولكل حيوان كليتان وهما لحمتان منتبرتان حمراوان لازقتان بعظم الصلب عند الخاصرتين وإذا تحركت تداوى بالماء الحار والعسل (روت) عائشة أن النبي ﷺ قال: " الخاصرة عرق الكلية إذا تحركت آذت صاحبها فدواؤها بالماء المحرق والعسل " أخرجه الطبرانى في الأوسط وفيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وقد وثقه جماعة (٢) ﴿١٤٩﴾
(٢٣) أتتداوى بسمن البقر: قال زهير: حدثتنى امرأة أهلي عن مليكة بنت عمرو الزيدية من ولد زيد الله بن سعد قالت: " اشتكيت وجعا في حلقي فأتيتها فوضعت له سمن بقر قالت: إن رسول الله ﷺ قال: ألبانها شفاء وسمنها دواء ولحمها داء قلت قوله فأتيتها يعنى أن المرأة من أهله أتت مليكة، أخرجه الطبرانى. والمرأة لم تسم وبقية رجاله ثقات (٣) ﴿١٥٠﴾
(٢٤) الحقنة: هي بضم فسكون إيصال الدواء إلى الجوف بالحقنة (بكسر
стр. 2288
فسكون) (وهى مكروهة إلا لحاجه على الصحيح ٠ قال) الخلال: كان أبو عبد الله - يعنى أحمد - كرهها في أول أمره ثم أباحها على معنى العلاج واحتج القاضى للقول المرجوح يعنى كراهة الحقنة مطلقا بما روى وكيع أن النبي ﷺ نهى عن الحقنة ورواه أبو بكر بن أبى شيبه عن على وسال ابن عباس رضى الله عنهما رجل: أحتقن؟ قال لا تبد العورة ولا تستن بسنة المشركين. وراه الخلال وروى الخلال عن عمر رضى الله عنه أنه رخص في الحقنة وكرهها على ومجاهد والشعبي والمعتمد كراهتها بلا حاجة ولها تباح. (١)(٢٥) الباسور: هو بالسين والصاد علة تحدث في المقعدة وفى داخل الأنف وقطعة مباح. وقيل يكره إن لم يخف التلف وإلا حرم والمنصوص عنه النهى عند الحنبلية ونص أحمد على الكراهة (٢) هذا ويحل قطع عضو تمكن فيه الداء وخيف من بقائه السريان أو زيادة الألم. ويحل شق جرح ونحوه إن لم يخش منه ضرر. قال الإمام أحمد رضى الله عنه: كان الحسن يكره البط - يعنى شق الجرح - ولكن عمر رضى الله عنه رخص فيه وكذا معالجة الأمراض المخوفة ومداواتها ويروى عن على رضى الله عنه قال: " دخلت مع رسول الله ﷺ على رجل نعوده بظهره ورم فقالوا يا رسول الله: هذه مدة قال: بطوا عنه. قال على: فما ربحت حتى بطن مادي ﷺ أمر طبيبا أن يبط بطن رجل أحوى البطن (٣) فقيل يا رسول الله هل ينفع الطب؟ قال الذي انزل الداء أنزل الشفاء (وروى) ابن السنى عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: دخل على رسول الله ﷺ وقد خرج في بعض أصبعى بثرة
стр. 2289
فقال: عندك ذريرة (١)؟ قلت نعم. قال ضعيها وقولي اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغر ما بى. ذكر هذه الروايات السفارينى (٢) ﴿١٥١﴾
(د) بعض الأدوية والأغذية الواردة عن النبي ﷺ
علمت الكثير من الطب المكارة ونذكر هنا خمسة وخمسين دواء مرتبة على حروف الهجاء:
(١) إذخر: هو بكسر فسكون فكسر نبت بالحجاز طيب الرائحة وله منافع: بفتح السدد وأفواه العروق وبدر البول والحميص ويفتت الحصى ويحلل الأورام الصلبة في المعدة والكبد والكليتين شربا وضمادا. واصله يقوى عمود الأسنان والمعدة ويسكن الغثيان ويعقل البطن (٣)(٢) الأرز: بفتح فسكون هو الصنوبر وحبه حار رطب وفيه إنضاج وتليين وتحليل وهو عسر الهضم وفيه تغذية كثيرة وهو جيد للسعال ولتنقية رطوبات الرئة ويولد مغصا. وترياقه حب الرمان المز (٤)(٣) الأرز: بضم فسكون وهو أغذى الحبوب بعد الحفظة وأحمدها خلطا يشد البطن شدا ويقوى المعدة ويدبغها وله تأثير في خصب البدن وكثرة التغذية وتصفية اللون (٥).
стр. 2290
(٤) الباذنجان: وهو أبيض واسود والصحيح أنه حار وهو مولد للسوداء والبواسير والسدد والسرطان والجذام ويفسد اللون ويسوده ويضر بنتن الفم والأبيض منه المستطيل عار من ذلك (١)(٥) البسر: بضم فسكون وهو من النخلة كالعنقود من العنب وهو حار يابس ويبسه أكثر من حره يجفف الرطوبة ويدبغ المعدة ويحبس البطن وينفع اللثة والفم وأنفعه ما كان هشا وحلوا وكثرة أكله وأكل البلح يحدث السدد في الأحشاء (٢)(٦) البصل: هو حار وفيه رطوبة فضلية ينفع من تغير المياه ويدفع ريح السموم وبفتق ويقوى المعدة ويهيج الباه ويحسن اللون ويقطع البلغم ويجلو المعدة وهو بالملح يقلع الثآليل (٣) وإذا شمه من شرب دواء مسهلا منعه من القيء والغثيان وأذهب رائحة ذلك الدواء وإذا تسعط بمائه تقي الرأس ويقطر في الأذن لثقل السمع والطنين والقيح والماء الحادث في الأذنين وينفع من الماء النازل من العينين اكتحالا. يكتحل ببذرة مع العسل لبياض العين. والمطبوخ منه كثير الغذاء ينفع من اليرقان والسعال وخشونة الصدر ويدر البول ويلين الطبع وينفع ماؤه مع الملح من عضه الكلب غير الكلب. وإذا احتمل فتح أفواه البواسير.
(وأما) ضرره فإنه يورث الشقيقة ويصدع الرأس ويولد أرياحا وبظلم البصر وكثرة أكله تورث النسيان ويفسد العقل ويغير رائحة الفم والنكهة ويؤذى الجليس والملائكة وإمانته طبخا تذهب بهذه المضرات منه (٤). (روى) معدان بن آبى طلحة اليعمرى أن عمر بن الخطاب قام يوم الجمعة خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " يأيها الناس إنكم تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا الثوم
стр. 2291
وهذا البصل ولقد كنت أرى الرجل على عهد رسول الله ﷺ يوجد ريحه منه فيؤخذ بيده حتى يخرج بع إلى البقيع فمن كان آكلها لابد فليمتهما طبخا " أخرجه ابن ماجه (١). ﴿١٥٢﴾
(وعن) معاوية بن قرة عن أبيه أن النبي ﷺ نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا وقال: إن كنتم لابد آكلوها فاميتوهما طبخا قال يعنى البصل والثوم " أخرجه أبو داود وسكت عليه (٢) ﴿١٥٣﴾
(٧) البطيخ: روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: " كان رسول الله ﷺ يأكل البطيخ بالرطب فيقول نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا " أخرجه النسائي والترمذى مختصرا وقال حسن غريب وأبو داود وهذا لفظه وأخرجه ابن ماجه مختصرا عن سهل بن سعد (٣) ﴿١٥٤﴾
الباء في الحديث بمعنى مع، آي كان يأكل أحدهما مع الآخر ويقول: إن حر الرطب بكسر ببرد البطيخ. وقد تبين أنس كيفية أكل النبي ﷺ لهما قال: " كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ وكان أحب الفاكهة إليه " أخرجه أبو نعيم في الطب والطبرانى في الأوسط وفيه يوسف بن عطية الصفار وهو متروك (٤) ﴿١٥٥﴾
стр. 2292
(قال) ابن القيم: وفى البطيخ عدة أحاديث لا يصح منها شئ غير هذا الحديث يعنى حديث عائشة
(وعن) حميد عن أنس قال: " رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الرطب والخربز " أخرجه النسائي بسند صحيح (١) ﴿١٥٦﴾
والجربز بكسر فسكون فكسر نوع من البطيخ الأصفر وفى هذا رد على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر. وعلل بأن في الأصفر حرارة كما في الرطب (والجواب) أن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة وإن كان فيه لحلاوته طرف حرارة (٢) وعليه فالمراد بالبطيخ ما يشمل الأخضر والأصفر وهو بارد رطب وفيه جلاء وهو أسرع انحدارا عن المعدة. وإذا كان آكله محرورا انتفع به جدا وإن كان مبرودا دفع ضرره بيسر من الزنجبيل ونحوه وينبغي أكله قبل الطعام فإنه يغسل البطن غسلا ويذهب بالداء أصلا ويتبع بالأكل (٣)(٨) البلح: (روى) هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة النبي ﷺ قال: " كلوا البلح بالتمر كلوا الخلق بالجديد فإن الشيطان يغضب ويقول بقى ابن آدم حتى أكل الخلق بالجديد " أخرجه ابن ماجه والبراز وفيه أبو زكريا يحيى بن محمد ضعفه ابن معين وغيره وقال ابن عدى أحاديثه مستقيمة سوى أربعة أحاديث عد هذا منها وقال النسائي: حديث منكر (٤) ﴿١٥٧﴾
стр. 2293
(والباء) بمعنى مع، آي كلوا هذا مع هذا. وإنما أمر النبي ﷺ بأكل البلح مع التمر ولم يأمر بأكل اليسر مع التمر لأن البلح بارد يابس والتمر حار رطب ففي كل منهما إصلاح للآخر وليس كذلك ولا ينبغي من جهة الطب الجمع بين حارين أو باردين (وفى الحديث) دليل على الجواز صناعة الطب وعلى مراعاة التدبير الذي يلزم في دفع كيفيات الأغذية والأدوية ويبوسة وهو ينفع الفم واللثة والمعدة ورديء للصدر والرئة بالخشونة آلتي فيه بطئ في المعدة يسير التغذية وهو للنخلة كالحصرم لشجرة العنب وهما يولدان رياحا ونفخا ولا سيما إذا شرب عليهما الماء. ويدفع ضررهما بالتمر أو بالعسل والزبد (١).
(٩) البيض: بيض الدجاج أفضل من غيره والحديث افضل من العتيق وهو معتدل يميل إلى البرودة قليلا. (ومه) (٢) حار رطب يولد دما صحيحا محمودا ويغذى غذاء يسيرا وهو مسكن للألم مملس للحلق وقصبة الرئة نافع للحلق والسعال وحروق الرئة والكلى والمثانة مذهب للخشونة لاسيما إذا أخذ بدهن اللوز والحلو ومنضج لما في الصدر ملين له سهل لخشونة الحلق (وبياضه) إذا قطر في العين الورامة ورما حارا برده وسكن الوجع وإذا لطخ به حرق النار لم يدعه ينتفط. وإذا لطخ به الوجع منع الاحتراق العارض من الشمس وهو وإن لم يكن من الأدوية المطلقة فإن له مدخلا في تقوية القلب جدا وهو أوفق ما يتلافى به عادية الأمراض المحللة لجوهر الروح (٣)
стр. 2294
(١٠) التمر: ما جف من ثمر النخل وهو فاكهة وغذاء ودواء وحلوى وهو من أهم أقوات العرب (روى) هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: " بيت لا تمر فيه جياع أهله " أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذى وقال حسن غريب (١) ﴿١٥٨﴾
كان التمر قوتهم فإذا خلا منه البيت جاه أهله (وفى الحديث) بيان فضيلة التمر وجواز الادخار للعيال والحث عليه. وفيه حث على القناعة في بلاد كثر فيها التمر والمعنى أن من قنع به لا يجوع (وثبت) أن النبي ﷺ أكل التمر بالزبد وأكله بالخبز وأكله مفردا (روى) سليم بن عامر عن أبني بسر السلميين قالا: " دخل علينا النبي ﷺ فقدمنا له زبدا وتمرا وكان يحب الزبد والتمر " أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢) ﴿١٥٩﴾
(وقال) عبد الله بن سلام: " رأيت النبي ﷺ أخذ كسرة من خبز شعير ثم أخذ تمرة فوضعها عليها ثم قال هذه إدام هذه " أخرجه أبو يعلى وفيه يحيى بن العلا وهو ضعيف. وأخرجه أبو داود عن يوسف بن عبد الله بن سلام ولم يقل مرسلا. فدل على أن له رواية على أن مرسل الصحابي حجة إجماعا وليس في سند أبى داود يحيى بن العلا (٣) ﴿١٦٠﴾
(وقال) زيد بن ثابت: " كان رسول الله ﷺ يأكل الخبز
стр. 2295
بالتمر ويقول هذا إدام هذا " أخرجه الطبرانى في الصغير وفيه محمد بن كثير ابن مروان وهو ضعيف (١) ﴿١٦١﴾
لما كان التمر طعاما مستقلا لم يعرف أنه إدام أخبر النبي ﷺ أنه من الإدام.
(هذا) والتمر مقو للكبد ملين للطبع يزيد في الباه ولا سيما مع حب الصنوبر ويبرئ من خشونة الحلق ومن لم يعتده كأهل البلاد الباردة يورث لهم السدد ويؤذى السنان ويهيج الصداع ويدفع ضرره باللوز والخشخاش وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن وأكله على الريق يقتل الدود فإنه مع حرارته فيه قوة ترباقية فإذا أديم استعماله على الريق خفف مادة الدود وأضعفه وقلله أو قتله (٢).
(١١) التين: لم يكن التين بأرض الحجاز وقد اقسم الله به في القرآن. والصحيح أن المقسم به هو التين المعروف وهو حار رطب او يابس وأجوده الأبيض الناضج القشر يجلو رمل الكلى والمانة وهو أغذى من جميع الفواكه وينفع خشونة الحلق والصدر وقصبة الرئة ويغسل الكبد والطحال وينفى الخلط البلغمى من المعدة ويغذو البدن غذاء جيدا إلا أنه يولد القمل إذا أكثر منه جدا ويابسه ينفع العصب وهو مع الجوز واللوز مجمود ومن منافعه أنه يسكن العطش الناشئ عن البلغم المالح وينفع السعال المزمن ويدر البول ويفتح سدد الكبد والطحال وأكله على الريق ينقح مجارى الغذاء وأكله مع الأغذية الغليظة رديء جدا.
والتوت البيض قريب منه لكنه أقل تغذية وأضر بالمعدة (٣).
стр. 2296
(١٢) الثريد: وهو مركب من خبز ولحم. فالخبز أفضل الأقوات واللحم سيد الإدام فإذا اجتمعا ففيهما الكفاية. واختلف أيهما أفضل والصواب أن الحاجة إلى الخبز أكثر واللحم أجل وأفضل وهو طعام أهل الجنة قال الله تعالى لمن طلب البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل" أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (١)
وكثير من السلف على أن الفوم الحنطة. وعليه فالآية نص على أن اللحم خير من الحنطة (٢).
(١٣) الثلج: (روى) أبو هريرة حديثا في دعاء الاستفتاح، فيه أن النبي ﷺ قال: " اللهم اغسلنى بالثلج والماء والبرد " أخرجه السبعة إلا الترمذى (٣). ﴿١٦٢﴾
(دل الحديث) على أن الداء يداوى بضده فإن في الخطايا من الحرارة والحريق ما يضاده الثلج والبرد والماء البارد. ولا يقال إن الماء الحار ابلغ في إزالة الوسخ لأن في الماء البارد من تصلب الجسم وتقويته ما ليس في الحار. والخطايا توجب أثرين: التدنيس والإرخاء فالمطلوب تداويها بما ينظف القلب ويصلبه. فذكر الماء البارد والثلج والبرد إشارة إلى هذين الأمرين (وبعد) فالثلج بارد على الأصح فإنه يتولد في الفواكه الباردة وفى الخل وأما تعطيشة فنهييجه الحرارة لا لحرراته في نفسه وهو يضر المعدة والعصب وإذا كان وجع الأسنان من حرارة مفرطة سكنها (٤)
стр. 2297
(١٤) الثوم: هو بضم فسكون قريب من البصل (روى) شريك بن حنبل عن على رضى الله عنه قال: نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخا. أخرجه أبو داود والترمذى وقال: ليس إسناده بذاك القوى. فإن فيه أبا إسحاق السبيعى مدلس اختلط أخيرا (١). ﴿١٦٣﴾
(والثوم) حار يابس يسخن ويجفف بالغا وهو نافع للمبرودين ولمن مزاجه بلغمى ولمن أشرف على الوقوع في الفالج ومفتح للسدد ومحلل للرياح الغليظة هاضم للطعام قاطع للعطش مطلق للبطن مدر للبول، يقوم في لسع الهوام وجميع الأورام الباردة مقام الترياق. وإذا دق وعمل منه ضماد على نهش الحيات أو لسع العقارب نفعها وجذب السموم منها ويسخن البدن ويزيد في حرارته ويقطع البلغم ويحلل النفخ ويصفى الحلق ويحفظ صحة أكثر الأبدان وينفع من تغير المياه والسعال المزمن ويؤكل نيئا ومطبوخا ومشويا وينفع من وجع الصدر من البرد ويخرج العلق من الحلق وإذا دق مع الخل والملح والعسل ثم وضع على الضرس المتآكل فتته وأسقطه وعلى الضرس الوجع سكن وجعه، وإن دق منه مقدار درهمين وأخذ مع ماء العسل أخرج البلغم والدود، وإذا طلى العسل نفع من البهق
(ومن مضارة) أنه يصدع ويضر الدماغ والعينين ويضعف البصر والباه ويهيج الصفراء ويجفف رائحة الفم. ويذهب رائحة الثوم أن يمضغ عليه ورق السذاب (٢).
стр. 2298
(١٥) الجبن: هو بضم فسكون وبضمتين ما يتخذ من اللبن جامدا (روى) الشعبي عن ابن عمر قال: أتى النبي ﷺ بجبنة في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع. أخرجه أبو داود، وفيه إبراهيم بن عيينة. قال أبو داود: صالح وقال أبو حاتم الرازى: شيخ يأتي بالمناكير (١) ﴿١٦٤﴾
(والرطب) من الجبن غير المملوح جيد للمعدة هين السلوك في الأمعاء يلين البطن تليينا معتدلا. والمملوح اقل غذاء من الرطب وهو رديء للمعدة مؤذ للأمعاء والعتيق يعقل البطن وكذا المشوى وينفع القروح ويمنع الإسهال وهو بارد رطب فإن استعمل مشويا كان أصلح لمزاجه فإن النار تصلحه وتعدله وتلطف جوهره وتطيب طعمه ورائحته والعتيق المالح حار يابس والملح منه يهزل ويولد حصاة الكلى والمثانة وهو رديء للمعدة (٢).
(١٦) الجمار: هو بضم فشد كرمان قلب النخلة وهو بارد يابس ينفع من نفث الدم واستطلاق البطن وغلبة المرة الصفراء وثائرة الدم ويغذو غذاء يسيرا وهو بطئ الهضم وشجرته كلها منافع ولذا مثلها النبي ﷺ بالرجل المسلم لكثرة خيره ومنافعه (٣).
(١٧) الحرير: (قال) أنس رضى الله عنه: رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما. أخرجه أحمد والشيخان وكذا الترمذى بلفظ: إن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكيا القمل
стр. 2299
إلى النبي ﷺ في غزاة لهما فرخص لهما في قمص الحرير وقال: حسن صحيح (١). ﴿١٦٥﴾
(دل) الحديث على أن الحرير ينفع للحكة والقمل والجرب ونحوها. وهو كثر المنافع يقوى القلب وينفع من كثير من أمراضه ومن غلبة المرة السوداء والأدواء الناشئة عنها ويقوى البصر إذا اكتحل به. والخام منه حار يابس أو رطب أو معتدل فملبوسه معتدل الحرارة قال الرازى: الإريسم (الحرير) اسخن من الكتان وأبرد من القطن وأقل حرارة منه ولذا صار نافعا من الحكة فإنها لا تكون إلا عن حرارة ويبس وخشونة فلذلك رخص النبي ﷺ في لباسه لمداواة الحكة، وثيابه ابعد عن تولد القمل فيها فإن مزاجها مخالف لمزاج ما يتولبد منه القمل (٢)(١٨) الحلبة: (قال) ابن القيم: يذكر عن النبي ﷺ أنه عاد سعد بن آبى وقاص بمكة فقال: " ادعوا له طبيبا فدعى الحارث بن كلدة فنظر إليه فقال: ليس عليه بأس فاتخذوا له فريقه وهى الحلبة مع تمر عجوة رطبة يطبخان فيحساهما ففعل ذلك فبرئ (والحلبة) حارة يابسة وإذا طبخت بالماء لينت الحلق والصدر والبطن وتسكن السعال والخشونة والربو وعسر النفس وتزيد في الباه وهى جيدة للريح والبلغم والبواسير وتنفع من أمراض الرئة وتستعمل لهذه الأدواء
стр. 2300
مع السمن والفانيذ (١) و (دقيقها) إذا خلط بالنظرون والخل وضمد به حلل ورم الطحال وقد تجلس المرأة في الماء الذي طبخت فيه الحلبة فتنتفع به من وجع الرحم العارض من ورم فيه. وإذا شرب ماؤها نفع من المغص العارض من الرياح.
وإذا أكلت مطبوخة بالتمر أو العسل أو التين على الريق حللت البلغم اللزج العارض في الصدر والمعدة ونفعت من السعال المتطاول منه وهى نافعة من الحصر مطلقة المبطن. ومنافعها كثيرة قال بعض الأطباء: لو علم الناس منافعها لاشتروها مطلقة للبطن. ومنافعها كثيرة قال بعض الأطباء: لو علم الناس منافعها لاشتروها بوزنها ذهبا (٢)(١٩) الخبز: (روى) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " وددت لو أن عندنا خبزة بيضاء من يره سمراء ملبقة بسمن ولبن نأكلها فسمع بذلك رجل من الأنصار فجاء به إليه ﷺ في آي شئ كان هذا السمن؟ قال في عكة ضب فأبى أن يأكله " أخرجه ابن ماجه وأبو داود وقال: هذا حديث منكر (٣).
هذا وأحمد الخبز أجوده اختمارا وعجنا وأجوده ما اتخذ من الحنطة الحديثة
стр. 2301
وأكثر أنواعه تغذية خبز السميد (١) وهو أبطؤها هضما لقلة نخالته. واحمد أوقات أكله آخر اليوم الذي خبز فيه. واللين منه أكثر تليينا وغذاء وترطيبا أسرع انحدارا. واليابس بخلافه. وخبز البر حار قريب من الاعتدال في الرطوبة واليبوسة. واليبس يغلب على ما جففته النار منه. والرطوبة على ضده. وخبز القطائف يولد خلطا عظيما. والفتيت بطئ الهضم والمعمول باللبن مسدد كثير الغذاء بطئ الانحدار. وخبز الشعير بارد يابس وهو اقل غذاء من خبزا الحنطة (٢).
(٢٠) الخل: (روى) جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ سال أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا خل فجعل يأكل به ويقوم نعم الأدم الخل نعم الأدم الخل. أخرجه مسلم وكذا ابن ماجه مختصرا (٣) ﴿١٦٧﴾
(دل) الحديث على فضيلة أخل وأنه أدم فاضل جيد. قال محمد بن زاذان: حدثتنى أم سعد قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها فقال: " هل من غذاء؟ قالت عندنا خبز وتمر وخل فقال النبي ﷺ نعم الإدام الخل اللهم بارك في الخل فإنه إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه خل " أخرجه ابن ماجه (٤) ﴿١٦٨﴾
(والغرض) من الحديث بيان أن الخل صالح لأن يؤدم به. وهو إدام حسن. ولم يرد ترجيحه على غيره من اللبن واللحم والعسل والمرق (هذا)
стр. 2302
والخل يابس تغلب عليه البرودة وهو قوى مجفف يمنع من أنصباب المواد ويلطف الطبيعة. وخل الخمر ينفع المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم إذا جمدا في الجوف وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويمنع الورم أن يحدث ويعين على الهضم ويضاد البلغم ويلطف الأغذية الغليظة ويرق الدم وإذا شرب بالملح نفع من أكل الفطر القتال (١) وإذا احتسى قطع العلق المتعلق بأصل الحنك وإذا تمضمض به مسخنا نفع من وجع الأسنان وقوى اللثة وهو مشه للكل مطيب للمعدة صالح للشباب وفى الصيف لسكان البلاد الحارة (٢).
(٢١) الخلال: هو ككتاب العود يحلل به الأسنان. وهو نافع اللثة والأسنان حافظ لصحتها نافع من تغير النكهة. وأجوده ما اتخذ من عيدان الأخلة وخشب الزيتون والتخلل بالقصب والآس والريحان مضر (٣).
(٢٢) الدهن: هو بضم فسكون ما يدهن به من زيت ونحوه (قال) أنس: كان النبي ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات. أخرجه الترمذى في الشمائل (٤). ﴿١٦٩﴾
(وعن) زيد بن اسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة "
стр. 2303
أخرجه ابن ماجه والترمذى وقال: حديث لا نعرفه إلا من حديث عبد الرازق عن معمر (١) ﴿١٧٠﴾
(هذا) والدهن يسدد مسام البدن ويمنع ما يتحلل منه وإذا استعمل بعد الاغتسال بالماء الحار حسن البدن ورطبه وإن دهن به الشعر حستنه وطوله ونفع من الحصبة ودفع أكثر الآفات عنه. وهو في البلاد الحارة من أكد أسباب حفظ الصحة وإصلاح البدن وهو كالضروري لأهلها. وأما البلاد الباردة فلا يحتاج إليه أهلها. والإلحاح به في الرأس خطر بالبصر، وانفع الأدهان البسيطة الزيت ثم السمن ثم الشيرج. وأما المركبة فمنها بارد رطب كدهن البنفسج ينفع من الصداع الحار وينوم أصحاب السهر ويرطب الدماغ وينفع من الشقاق (٢)، وغلبة اليبس والجفاف ويطلى به الجرب والحكة اليابسة فينفعها ويسهل حركة المفاصل ويصلح لأصحاب الأمزجة الحارة في زمن الصيف (ودهن) البان (٣) حار رطب ومن منافعه أنه يجلو السنان ويكسبها بهجة وينقيها من الصدى ومن مسح به وجهه لم يصبه حصا وإذا دهن به حقوه ومذاكيره وما والاها نفع من برد الكليتين وتقطير البول.
(٢٣) الذباب: (روى) أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في إحدى جناحيه
стр. 2304
داء وفى الآخر شفاء " أخرجه البخاري وأبو داود وزاد بسند حسن: وأنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله (١) ﴿١٧١﴾
(وعن) أبى سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: " في أحد جناحي الذباب سم وفى الآخر شفاء فإذا وقع في الطعام فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء " أخرجه ابن ماجه (٢) ﴿١٧٢﴾
(وفى الحديث) أمران (فقهي) وهو أن ميتة مالا دم له سائل كالذباب طاهرة (وطبي) وهو أن غمس الذباب في الماء والطعام شفاء لما أنزله من الداء وقد تقدم الكلام فيهما في بحث الأنجاس (٣) (وفى الحديث) طلب غمس الذباب كله في الماء والطعام ليقابل المادة السمية المادة النافعة فيزول ضررها، وهذا أمر لا يهتدي إليه كبار الأطباء وأئمتهم بل هو خارج من مشكاة النبوة. ومع هذا فالطبيب العالم الموفق يخضع لهذا العلاج ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق وأنه مؤيد بوحي ألهى خارج عن قوى البشرية، وقد ذكر كثير من الأطباء أنه إذا ذلك بالذابا الورم الذي يخرج في شعر العين بعد قطع رءوس الذباب أبرأ هـ (٤).
(٢٤) الذهب: (روى) عبد الرحمن بن طرفه عن عر فجة بن اسعد قال
стр. 2305
" أصيب أنفى يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفا من ورق فانتن على فأمرني رسول الله ﷺ أن أتخذ أنفا من ذهب " أخرجه الثلاثة بسند جيد وحسنة الترمذى (١) ﴿١٧٣﴾
(هذا) والذهب زينة الدنيا ومفرح النفوس وسر الله في أرضه وفيه حرارة لطيفة تدخل في سائر المعجونات اللطيفة وهو أعدل المعادن أشرفها. وبرادته إذا خلطت بالأدوية نفعت من ضعف القلب والرجفان العارض من السوداء وينفع من حديث النفس والحزن والغم والفزع والعشق ويسمن البدن ويقويه ويحسن اللون وينفع من الجذام وجميع الأمراض السوداوية ويدخل في أدوية داء الثعلب وداء الحية شربا وطلاء ويجلو العين ويقويها وينفع من كثير من أمراضها ويقوى جميع الأعضاء وإمساكه في الفم يزيل البخر، ومن كان به مرض يحتاج إلى الكي وكوى به لم ينتقط موضعه ويبرا سريعا. وله خاصية في تقوية النفوس لذا أبيح في الحرب والسلاح منه ما أبيح (٢).
(٢٥) الرطب: بضم ففتح هو ما أنضج من ثمر النخل (قال) عبد الله ابن جعفر: " رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرطب بالقثاء " أخرجه السبعة إلا النسائي (٣). ﴿١٧٤﴾
стр. 2306
(الباء) بمعنى مع، آي يأكل القثاء مع الرطب (وكيفيته) ما في حديث عبد الله بن جعفر قال: " رأيت في يمين النبي ﷺ قثاء وفى شماله رطبا وهو يأكل من ذا مرة ومن ذا مرة " أخرجه الطبرانى في الأوسط وفى سنده ضعف (١). ﴿١٧٥﴾
وفى بعض الروايات زيادة: قال يكسر حر هذا برد هذا (وفيه) جواز أكلهما معا والتوسع في الأطعمة.
(وقال) أنس: " كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلى، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء " أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم والدار عمتي وقال: إسناده صحيح ن والترمذى وقال حسن غريب (٢). ﴿١٧٦﴾
(والرطب) حار رطب يقوى المعدة الباردة ويزيد في الباه ويخصب البدن ويغذو غذاء كثيرا، وهو من أعظم الفاكهة موافقة لأهل البلاد الحارة وأنفعها للبدن، ومن لم يعتده يسرع التعفن في جسده ويتولد عنده دم ليس بمحمود، ويحدث في إكثار صداع وسوداء ويؤذى أسنانه. (وفى) فطر النبي ﷺ من الصوم عليه أو على التمر أو الماء، تدبير لطيف جدا، فإن الصوم يخلى المعدة من الغذاء فلا تجد الكبد فيها ما تجذبه وترسله إلى القوى والأعضاء، والحلو أسرع شئ وصولا إلى الكبد وأحبه إليها ولا سيما إن كان رطبا فيشتد قبولها له فتنتفع به في والقوى، فإن لم يكن فالتمر بحلاوته وتغذيته
стр. 2307
فإن لم يكن فحسوات المساء تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصوم فتنتبه بعده للطعام وتأخذه بشهوة (١).
(٢٦) الرمان: (قال) على رضى الله عنه: كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة. ذكره حرب وغيره (٢). (وحلو) الرمان حار رطب جيد للمعدة مقو لهابما فيه من قبض لطيف نافع للحلق والصدر والرئة جيد السعال. وماؤه ملين للبطن يغذو البدن غذاء فاضلا يسيرا سريع التحلل لرقته ولطافته ويولد حرارة يسيره في المعدة وريحا. ولذا يعين على الباه ولا يصلح للمحمومين، وله خاصية عجيبة، إذا أكل بالخبز يمنع من الفساد في المعدة.
(وحامضة) بارد يابس قابض لطيف ينفع المعدة الملتهبة وبدر البول أكثر من غيره من الرزمان ويسكن الصفراء ويقطع الإسهال ويمنع القيء ويلطف الفضول ويطفئ حرارة الكبد ويقوى الأعضاء، نافع من الخفقان الصفراوي والآلام العارضة للقلب وفم المعدة ويقويها ويدفع الفضول عنها ويطفئ المرة الصفراء وإذا استخرج ماؤه بشحمه وطبخ بيسير من العسل حتى يصير كالمرهم واكتحل به قطع الصفرة من العين ونقاها من الرطوبات الغليظة وإذا لطخ على اللثة نفع من الأكله العارضة لها وإن استخرج ماؤهما بشحمهما أطلق البطن وأحدر الرطوبات العفنة المرية ونفع من حميات الغب المتطاولة (وأما الرمان) المز فمتوسط طبعا وفعلا بعد النوعين وهو أميل إلى لطافة الحامض قليلا (وحب) الرمان مع العسل طلاء للداحس والحروق الخبيثة وأقماعه للجراحات (٣).
стр. 2308
(٢٧) الزبد: هو بضم فسكون ما يستخرج بالمخض من لبن البقر والغنم وهو حار رطب فيه منافع كثيرة. منها الإنضاج والتحليل وإبراء الورام تكون إلى جانب الأذنين والحالبين وأورام الفم وسائر الأورام آلتي تعرض في أبدان النساء والصبيان. وإذا لعق منه نفع من نفث الدم الذي يكون من الرئة وأنضج الأورام العارضة فيها وهو ملين للطبيعة والعصب والأورام الصلبة العارضة من المرة السوداء والبلغم. وإذا طلى على منابت أسنان الطفل كان معينا على طلوعها وهو نافع من السعال الناشئ من البرد واليبس ويذهب القوبى والخشونة آلتي في البدن ويلين الطبيعة ولكنه يسقط شهوة الطعام، ويذهب بوخامة الحلو كالعسل والتمر (١).
(٢٨) الزبيب: هو ما جف من العنب، وهو حار رطب وحبه بارد يابس. الحلو منه حار والحامض قابض بارد والأبيض أشد قبضا من غيره، وله قوة منضجة هاضمة قابضة محلله باعتدال وهو يقوى المعدة ويلين البطن وهو أكثر غذاء من العنب وأقل غذاء من التين اليابس ويقوى الكبد والطحال، وينفع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة، وأعد له أن يؤكل بغير حبه وهو يغذى غذاء صالحا ولا يسدد كما يفعل التمر، وفيه نفع للحفظ.
(قال) الزهري: من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب (٢).
(٢٩) الزنجبيل: هو حار رطب مسخن معين على هضم الطعام ملين للبطن تليينا معتدلا نافع من ظلمة البصر الناشئة عن الرطوبة أكلا واكتحالا معين على الجماع محلل للرياح الغليظة الحادثة في الأمعاء والمعدة، وعلى الجملة فهو صالح
стр. 2309
للكبد والمعدة الباردتى المزاج وإذا أخذ منه مع السكر وزن درهمين بالماء الحار اسهل فضولا لزجة لعابية ويقع في المعجونات آلتي تحلل البلغم. والمزى منه جار يابس يسخن المعدة والكبد وينشف البلغم الغالب على البدن ويزيد في الحفظ ويوافق برد الكبد والمعدة ويزيل بلتها الحادثة عن أكل الفاكهة مطيب للنكهة دافع ضرر الأطعمة الغليظة الباردة (١) وإن خلط برطوبة كبد المعز وجفف وسحق واكتحل به أزال الغشاوة وظلمة البصر (٢).
(٣٠) الزيت: هو حار رطب وهو بحسب زيتونه (فالمعتصر) من النضيج أعدله وأجوده ومن الفج (٣) فيه برودة ويبوسة (ومن) الزيتون الأحمر متوسط بين الزيتين ومن الأسود يسخن ويرطب باعتدال وينفع من السموم ويطلق البطن ويخرج الدود.
(والعتيق) منه اشد تسخينا وتحليلا وما استخرج منه بالماء أقل حرارة والطف وابلغ في النفع وأكل أصنافه ملينة للبشرة مبطئة المشيب وماء الزيتون المالح يمنع من تنفط حرق النار ويشد اللثة وورقه ينفع من الحمرة والنملة والقروح الوسخة ومنافعة كثيرة (٤).
(٣١) السفرجل: هو ثمر معروف (روى) عبد الملك الزبيرى عن طلحة قال: " دخلت على النبي ﷺ وبيده سفرجلة فقال: دونكها يا طلحة فإنها تجم الفؤاد " أخرجه ابن ماجه. وعبد الملك مجهول. وأخرجه النسائي من طريق آخر عن أبى ذر قال: " أتيت النبي ﷺ
стр. 2310
وهو في جماعة من أصحابه وبيده سفرجلة يقلبها فلما جلست إليه دحا بها إلى ثم قال: دونكما أبا ذر فإنها تشد القلب وتطيب النفس وتذهب بطلخاء الصدر " (١) ﴿١٧٧﴾
(والسفرجلة) بارد يابس قابض جيد للمعدة. والحلو منه اقل بردا ويبسا وأميل إلى الأعتدال. والحامض أشد قبضا ويبسا وبردا. وكله يسكن العطش والقيء ويدر البول ويعقل الطبع وينفع من قرحة الأمعاء ونفث الدم والهيضة (٢)
وينفع من الغثيان ويمنع من تصاعد البخرة إذا استعمل بعد الطعام وهو قبل الطعام يقبض وبعده يلين الطبع والإكثار منه مضر بالعصب مولد للقولنج (٣) ويطفئ المرة الصفراء المتولدة في المعدة وإن شوى كان اقل لخشونته وأخف وإذا قور وسطه ونزع حبه وجعل فيه العسل وطين جرمه بالعجين وأودع الرماد الحار نفع حسنا وأجوده ما أكل مشويا أو مطبوخا بالعسل (وحبه) ينفع من خشونة الحلق وقصبة الرئة وكثير من الأمراض (ودهنه) يمنع العرق ويقوى المعدة والمربى منه تقوى المعدة والكبد وتشد القلب وتطيب النفس (٤).
(٣٢) السلق: هو بكسر فسكون نبات معروف وهو حار يابس أو رطب وفيه برودة مطلقة وتحليل وتفتيح وينفع من دار الثعلب والكلف والثآليل إذا
стр. 2311
طلى بمائه ويقتل القمل ويفتح سدد الكبد والطحال ويعقل البطن. والإكثار منه يولد القبض والنفخ (١).
(٣٣) السمك: (قال) جابر بن عبد الله: " بعثنا رسول الله ﷺ ثلثمائه راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد غير قريش فاقمنا بالساحل نصف شهر فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فالقى لنا البحر حوتا ميتا لم نر مثله يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر وادهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلا وبمبرأ قمرا تحته (الحديث) أخرجه البخاري. وفى رواية قمر الراكب تحته فأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول قال أبو عبيدة: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك كي ﷺ فقال: " كذبوا رزقا أخرجه الله. أطعمونا إن كان معكم فآتاه بعضهم فأكله " (٢) ﴿١٧٨﴾
(والسمك) أصناف، وأجوده مالذ طبعه وطب ريحه وتوسط مقداره وكان رقيق القشر ولم يكن صلب اللحم ولا يابس ويتغذى بالنبات لا الأقذار وأصلح أماكنه نهر جيد الماء والسمك البحري فاضل محمود لطيف أتطرى منه بارد رطب عسر الهضم يولد بلغما كثيرا والمالح أجوده ما كان قريب العهد بالتملح وهو حار يابس وإذا أكل طربا لين البطن وإذا ملح وأكل صفى قصبة الرئة وجود الصوت (وماء) المالح إذا جلس فيه من كانت به قرحة الأمعاء في
стр. 2312
ابتداء العلة وافقه بجذبه المواد إلى ظاهر البدن. وإذا احتقن به أبرأ من عرق النسا وأجود السمك ما قرب من مؤخرة أتطرى السمين منه يخضب البدن لحمه وودكه (١)(٣٤) السمن: تقدم حديث: ألبان البقر شفاء وسمنها دواء ولحمها داء (٢) (وقال) على رضى الله عنه: " لم يستشف الناس أن أفضل من السمن " أخرجه ابن السنى (٣) ﴿١٧٩﴾
(والسمن) حار رطب فيه جلاء يسير ولطافة وتفشية للأورام الحادثة من الأبدان الناعمة وهو أقوى من الزبد في الإنضاج والتليين ويبرئ الأورام الحادثة في الأذن والأرنبة وإذا دلك به موضع الأسنان نبتت سريعا وإذا خلط مع عسل ولوز مرجلا ما في الصدر والرئة وسمن البقر والمعز إذا شرب مع العسل نفع من شرب السم القاتل ومن لدغ الحيات والعقارب (٤).
(٣٥) السواك: (عن) عائشة أن النبي ﷺ قال: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " أخرجه أحمد والنسائي والدرامى والحاكم وصححه النووى وذكره البخاري معلقا (٥). ﴿١٨٠﴾
(وصح) أن النبي ﷺ استاك عند موته، والأفضل كون الاستياك بالأراك والزيتون وينبغي القصد فيه فإن بالغ فيه فربما اذهب طلاوة
стр. 2313
الأسنان وصقالها وهيأها لقبول الأبخرة المتصاعدة من المعدة والأوساخ، ومتى استعمل باعتدال جلا الأسنان وأطلق اللسان ومنع الحفر وطيب النكهة ونقى الدماغ وشهى الطعام. وأجود ما استعمل مبلولا بماء الورد (وفى السواك) منافع أخرى: يشد اللثة ويقطع البلغم ويجلو البصر ويصحح المعدة ويصفى الصوت ويعين على هضم الطعام وينشط للقراءة والذكر والصلاة ويطرد النوم ويكثر الحسنات ويستحب كل وقت وبتأكيد في مواضع تقدم بيانها (١).
(٣٦) الشحم: (قال) عبد الله بن مغفل: " دلى جراب من شحم فأتيته فالتزمته ثم قلت: لا أعطى من هذا أحدا اليوم شيئا فالتفت فإذا رسول الله ﷺ يبتسم إلى " أخرجه أبو داود والطيالسى وزاد: هو لك (٢). ﴿١٨١﴾
وأجود الشحم شحم حيوان سمين. وهو حار رطب اقل رطوبة من السمن ولذا لو أذيب الشحم والسمن كان الشحم أسرع جمودا، وهو ينفع من خشونة الحلق ويرخى ويعفن، ويدفع ضرره بالليمون المملوح والزنجبيل. وشحم المعز أقبض الشحوم وينفع من قروح الأمعاء ويحتقن به للسحج والزحير (٣).
(٣٧) الصبر: هو بفتح فكسر (٤) دواء مر (قالت) أم سلمة: " دخل على رسول الله ﷺ حين توفى أبو سلمة وقد جعلت على صبرا،
стр. 2314
فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: غنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب قال: إنه يشب الوجه فلا تجمليه إلا بالليل وتنزعه بالنهار " (الحديث) أخرجه أبو داود (١). ﴿١٨٢﴾
(والصبر) الهندى ينفى الفضول الصفراوية آلتي في الدماغ وأعصاب البصر وإذا طلى على الجبهة والصدغ بدهن الورد نفع من الصداع وينفع من قروح الأنف والفم ويسهل السوداء (والصبر) الفارسى يذكى العقل ويمد الفؤاد وينقى الفضول الصفراوية والبلغمية من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء، ويرد الشهوة الباطلة وإذا شرب في البرد خيف أن يسهل دما (٢).
(٣٨) الضفدع: بكسر فكسر فكسر (روى) عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله ﷺ فنهى عن قتله وقال خبيثة من الخبائث. أخرجه أحمد والنسائي وصححه الحاكم (٣). ﴿١٨٣﴾
(قال) ابن القيم: من أكل من دم الضفدع أو جرمه ورم بدنه وقذف المنى حتى يموت، ولذا ترك الأطباء استعماله خوفا من ضرره (٤). وقد نهى النبي ﷺ عن أتتداوى به
(٣٩) الطلح: قال تعالى: " وَطَلْحِ مَنْضُودِ " (٥) (الطلح) شجر ذو شوك نضد مكان كل شوكة ثمرة. فثمرة قد نضد بعضه إلى بعض فهو مثل الموز (وهو) حار رطب أجوده النضيج الحلو ينفع من خشونة الصدر والرئة
стр. 2315
والسمال وقروح الكليتين والمثانة ويدر البول ويحرك الشهوة للجماع ويلين البطن ويؤكل قبل الطعام ويضر المعدة ويزيد في الصفراء والبلغم ودفع ضرره بالسكر أو العسل (١)(٤٠) الطلع: قال تعالى: " وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ " (٢)
طلع النخل ما يبدو من ثمرته في أول ظهوره والنضيد الذي قد نضد بعضه على بعض ما دام في قشرة فإذا انفتح فليس بنضيد وطلع النخل ينفع من الماء ودقيقه إذا تحملت به المرأة قبل الجماع أعان على الحبل إعانة بالغة وهو متوسط في البرودة واليبوسة يقوى المعدة ويجففها ويسكن ثائرة الدم ولا يحتمله إلا أصحاب الأمزجة الحازة وهو يعقل البطن ويقوى الأحشاء والإكثار منه يضر بالمعدة والصدر وربما أورث الفولنج وإصلاحه بالسمن أو السكر أو العسل (٣).
(٤١) الطيب: (روى) أنس أن النبي ﷺ قال: " حبب إلى من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " أخرجه النسائي والبيهقى والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم (٤) ﴿١٨٤﴾
(الطيب) غذاء الروح به تزيد القوى كما تزيد بالغذاء والشراب. والمقصود أن الطيب كان من أحب الأشياء كي ﷺ وله تأثير في حفظ الصحة ودفع كثير من الآلام وأسبابها بسبب قوة الطبيعة به (٥).
(٤٢) العدس: بارد يابس فيه قوتان متضادتان يعقل الطبيعة ويطلقها.