стр. 2381
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 20907
الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق
السبكي، محمود خطاب
Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2382
(١٤) ما قيل في أتتداوى بفضل الوضوء: روى عن آبى أمامه: الشرب من فضل وضوء المؤمن فيه شفاء من سبعين داء أداناها الهم. في سنده العكاشى كذاب ووضاع (١).
(١٥) ما قيل في البلاء وعمل الدواء: قيل: آبى الله أن يجعل للبلاء سلطانا على بدن عبده. فيه الملطى كذاب يضع وروى: من خلط دواء فنفع به الناس أعطاه الله تعالى ما أنفق في الدنيا وأعطاه نعيما في الجنة. فيه يحيى بن البكاء مجمع على ضعفه وعبد الواحد بن زيد متروك (٢).
стр. 2383
(١٦) ما قيل في الملح: روى حماد بن عمرو عن السرى بن خالد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا: يا على إذا توضأت فقل باسم الله اللهم إنى أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك وتمام مغفرتك فهذا تمام الوضوء. وإذا أكلت فابدأ بالملح واختم بالملح فإن الملح شفاء من سبعين داء: الجنون والجذام والبرص ووجع الأضراس ووجع الخلق ووجع البطن وذكره السيوطى بطوله وقال: أخرجه الحارث بن أبى أمامه وأخرج البيهقى أوله في الدلائل وقال: وهو حديث موضوع. والمتهم فيه جماد بن عمرو وهو كذاب وضاع (١).
(١٧) ما قيل في الأرز: بضم فسكون. قال ابن القيم: فيد حديثان موضوعان (أ) أنه لو كان رجلا لكان حليما (ب) كل شئ أخرجته الأرض ففيه داء وشفاء إلا الأرز فإنه شفاء لا داء فيه (٢).
(١٨) ما قيل في البان: وهو شجر معروف وقال: روى فيه حديث باطل: ادهنوا بالبان فإنه أحظى لكم عند نسائكم (٣).
(١٩) ما قيل في البيض: وقال. ذكره البيهقى في شعب الإيمان أثرا أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله سبحانه الضعف فأمره بأكل البيض وفى ثبوته نظر (٤).
стр. 2384
(٢٠) ما قيل في الباذنجان: وقال - في الحديث الموضوع - الباذنجان لما أكل له. وهذا كلام يستقبح نسبته إلى آحاد العقلاء فضلا عن الأنبياء (١).
(٢١) ما قيل في الخلال: بكسر الخاء - ما يتخلل به وقال. فيه حديثان لا يثبتان.
(أ) حديث آبى الأنصاري يرفعه. يا حبذا المتخللون من الطعام إنه ليس شئ اشد على الملك من بقية تبقى في الفم من الطعام. فيه واصل بن السائب قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث.
(ب) حديث ابن عباس: قال نهى رسول الله ﷺ أن يتخلل بالليط والآس وقال إنهما يسقيان عروق الجذام وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري قال أحمد: كان أعمى يضع الحديث ويكذب (٢)
(٢٢) ما قيل في الدهن: وقال: فيه حديثان موضوعان (أ) فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل على سائر الناس (ب) فضل دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأيان (٣).
(٢٣) ما قيل في الزبيب: وقال: روى فيه حديثان لا يصحان: (أ) نعم الطعام الزبيب طيب النكهة ويذيب البلغم (ب) نعم الطعام الزبيب يذهب النصب ويشد العصب ويطفئ اللون ويطيب المكهة لا يصح فيه شئ عن رسول الله ﷺ (٤).
стр. 2385
(٢٤) ما قيل في الطين: وقال: ورد فيه أحاديث موضوعة كحديث: من أكل الطين فقد أعان على قتل نفسه (وحديث) يا حميراء لا تأكلي الطين فإنه يعصم البطن ويصفر اللون ويذهب بهاء الوجه - وكل حديث في الطين فإنه لا يصح ولا اصل له عن رسول الله ﷺ . (١)
(٢٥) ما قيل في العنب: وقال: حديث حبيب بن يسار عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل العنب خرطا. قال أبو جعفر العقيلى: لا أصل لهذا الحديث. وفيه داود بن عبد الجبار. قال يحيى بن معين: كان يكذب (٢).
(٢٦) ما قيل في العدس: وقال: ورد فيه أحاديث كلها باطلة (أ) إنه قدس على لسان سبعين نبيا. سئل عنه ابن المبارك فقال: ولا على لسان نبي واحد. وإنه لمؤذ منفخ. (ب) إنه يرق القلب ويغزر الدمعة وإنه مأكول الصالحين. ثم قال: وأما ما يظنه الجهال أنه كان سماط الخليل الذي يقدمه لأضيافه فكذب مفترى. وإنما حكى الله عنه الضيافة بالشوى وهو العجل الحنيذ (٣).
(٢٧) ما قيل في الكراث: وقال: فيه حديث باطل: من أكل الكراثثم نام عليه نام آمنا من ريح البواسير واعتزله الملك لنتن نكهته حتى يصبح (٤).
стр. 2386
(٢٨) ما قيل في اللبان: وقال: ورد فيه مرفوعا: بخروا بيوتكم باللبان والصعتر ولا يصح. ويروى أن رجلا شكا إلى على النسيان فقال: عليك باللبان فإنه يشجع القلب ويذهب بالنسيان (١).
(٢٩) ما قبل في النرجس: وقال: فيه حديث لا يصح: عليكم بشم النرجسفإن في القلب حبة الجنون والجذام والبرص لا يقطعها إلا شم النرجس (٢).
(جـ) الطاعون
هو مرض عام يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان. سمى بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله (وقال) ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن (٣). وأغلب ما يكون تحت الإبط أو خلف الأذن أو عند الرنبة (وسببه) دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمى يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدى إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والخفقان (وقيل) سببه وخز الجن (ويؤيده) وقوعه غالبا في أعدل الفصول وفى اصح البلاد هواء وأطيبها ماء، لأنه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الأرض لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانا ويجئ أحيانا بلا انتظام ولا تجربة. فربما جاء سنة على سنة وربما أبطأ سنين؛ لأنه لو كان
стр. 2387
من فساد الهواء لعم الإنسان والحيوان والمشاهد أنه يصيب الكثير دون من بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم. فلو كان كذلك لعم جميع البدن وهذا يختص بموضع منه. ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام. وهذا في الغالب يقتل بلا مرض. فدل على أنه من طعن الجن وقد دل على ذلك أحاديث (منها) حديث آبى موسى أن النبي ﷺ قال: فناء أمتي بالطعن والطاعون. قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن وفى كل شهادة. أخرجه أحمد من طريق زياد بن علاقة عن رجل عن آبى موسى. وأخرجه البزار والطبرانى من وجهين آخرين سميا فيهما المبهم يزيد بن الحارث. والحديث صحيح. صححه ابن خزيمة والحاكم (١) ﴿٢٣٩﴾
وهو رحمة وشهادة للمؤمن الصابر المقيم بمكانة موقنا بأنه لن يصيبه إلا ما قدر له. ورجز على الكافر (قالت) عائشة: سالت رسول الله ﷺ عن الطاعون فقال: إنه كان عذابا ببعثه الله على من يشاء وإن الله جعله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد. أخرجه أحمد والبخاري، وأبو داود الطيالسى (٢). ﴿٢٤٠﴾
ومفهومه يقتضي أن من اتصف بالصفات المذكورة ووقع به الطاعون، ثم لم يمت منه أنه يحصل له ثواب الشهيد (ويؤيده) حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: إن اكثر شهداء أمتي لصحاب الفرش ورب قتيل
стр. 2388
بين الصفين الله أعلم بنيته. اخرجه أحمد بسند رجاله موثقون. وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعيف (١). ﴿٢٤١﴾
هذا ويطلب ممن سمع بالطاعون في جهة ألا ينتقل إليها وإذا وقع بمكان فلا يفر منه أحد من أهله (لحديث) أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. أخرجه مالك وأحمد والشيخان والترمذى وقال: حسن صحيح (٢). ﴿٢٤٢﴾
وظاهر النهى التحريم وبه قال الجمهور (ويؤيده) حديث جابر أن النبي ﷺ قال: الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف. أخرجه أحمد وابن خزيمة (٣). ﴿٢٤٣﴾
(وقال) قوم: النهى هنا للتنزيه. فيجوز الإقدام على بلد الطاعون والخروج منه لمن قوى إيمانه وصح يقينه. وتمسكوا (أ) بحديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: جئت عمر حين قدم من الشام فوجدته قائلا في خبائه فانتظرته في ظل الخباء فسمعته يقول حين تضور: اللهم اغفر لي رجوعي من
стр. 2389
سرغ. أخرجه ابن آبى شيبه بسند جيد وإسحاق بن راهوية (١).
(ب) وبحديث هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام خرج غازيا نحو مصر فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع فقال: أنما خرجنا للطعن والطاعون. فدخلها فلقى طعنا في جبهته ثم سلم. اخرجه ابن خزيمة بسند صحيح (٢). ﴿٢٤٥﴾
وإنما ندم عمر رضى الله عنه على رجوعه لأنه خرج لأمر مهم من أمور المسلمين وقد كان يمكنه الإقامة بقرب مكان الطاعون إلى أن يرتفع ثم يدخله ويقضى ما جاء لأجله وبرجوعه قد فاتت هذه المهمة فندم لذلك.
(وقال) قوم: النهى عن دخول مكان الطاعون والخروج منه لضعيف الإيمان الذي ربما ظن أن هلاك القادم إنما حصل بقدومه وسلامة الفار لفراره أما قوى الإيمان فيجوز له الدخول في بلد الطاعون والخروج منه لأنه لا يتسرب إليه ذلك الظن (وقال) الخطابى: النهى عن الدخول في بلد الطاعون تأديب وتعليم. والنهى عن الخروج تفويض وتسليم. (قال) ابن مسعود: الطاعون فتنة على المقيم والفار. أما الفار فيقول فررت فنجوت. وأما المقيم فيقول أقمت فمت. وإنما فر من لم يأت أجله وأقام من حضر أجله (٣). . (وهذا) إذا كان الخروج فرارا من الطاعون كما في حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها. وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا
стр. 2390
فرارا منه - يعنى الطاعون. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود (١). ﴿٢٤٦﴾
أما إذا كان الخروج لحاجة أخرى فلا يشمله النهى كمن تهيا للرحيل من مكان إلى آخر ولم يكن طاعون ثم وقع وهو مستعد للانتقال. أما من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها مع قصد الفرار من الطاعون ففيه خلاف. فمن منع نظر إلى قصد الفرار. ومن أجاز نظر إلى عروض الحاجة للخروج.
(فائدتان): (الأولى) حكمة النهى عن الدخول في مكان الطاعون ما فيه من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة كم أراد دخول دار فرأى بها حريقا تعذر إطفاؤه فعدل عن دخولها لئلا يهلك. فيحتمل أن النهى سد لذريعة لئلا يعتقد من يدخل الرض آلتي بها الطاعون - أنه لو دخلها وطعن - العدوى المنهي عنه (وقيل) إنما نهى عن الانتقال إلى مكان الطاعون لأن الانتقال بغير المزاج ويضعف القوى فإذا ضعفت القوى وتغير المزاج كان تأثير الهواء الموبوء أسرع.
وأما النهى عن الخروج فرارا من الطاعون فلحكم (منها) أن مثل هذا الداء إذا وقع بأرض اضعف الأبدان وأثر فيها. وقد ثبت أن الانتقال يضعف الأبدان أيضا فتتفاقم البلية فلذا نهى عن الخروج (ومنها) أن الطاعون في الغالب يكون عاما فيعمم سببه من بالمكان فلا يفيده الفرار. لأن المفسدة إذا تعينت كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل (ومنها) أن الأقوياء لو توافقوا على الخروج لضاع من عجز عنه بمرض أو غيره لفقد من يتعهده حيا وميتا. وفيه أيضا كسر قلوب الضعفاء (٢).
стр. 2391
(الثانية) قد ورد في فضل الطاعون أحاديث آخر (منها) حديث آبى مسيب مولى رسول اله ﷺ أن النبي ﷺ قال: " أتانى جبرائيل ﵇ بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة أرسلت الطاعون إلى الشام. فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجس على الكافر " أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات والطبرانى في الكبير (١). ﴿٢٤٧﴾
(وحديث) آبى قلابة أن الطاعون وقع الشام فقال عمرو بن العاص: إن هذا لرجز قد وقع فتفرقوا عنه في الشعاب والأدوية. فبلغ ذلك معاذا فلم يصدقه بالذي قال. فقال: بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم ﷺ اللهم أعط معاذا وأهله تصيبهم من رحمتك. قال أبو قلابة: فعرفت الشهادة وعرفت الرحمة ولم أدر ما دعوة نبيكم حتى أنبئت أن رسول الله ﷺ بينا هو ذات ليلة يصلى إذ قال في دعائه ك فحمى إذا أو طاعونا. ثلاث مرات. فلما اصبح قال له إنسان من أهله: يا رسول الله، لقد سمعتك تدعو بدعاء. قال: وسمعته؟ قال: نعم. قال: إنى سالت ربى ألا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها. فسالت الله ألا يسلط عليهم عدوا يبيدهم فأعطانيها. وسألته ألا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم باس بعض فأبى على. فقلت: حمى إذا أو طاعونا. حمى إذا أو طاعونا، يعنى ثلاث مرات. اخرجه أحمد وأبو قلابة لم يدرك معاذ بن جبل. (٢) ﴿٢٤٨﴾
(وحديث) عائشة أن النبي ﷺ قال: لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون. قلت ك يا رسول الله، هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال:
стр. 2392
غده كغدة البعير. المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف. أخرجه أحمد والطبرانى في الأوسط (١). ﴿٢٤٩﴾
(د) ما يطلب للمريض والمحتضر
يتعلق بالمريض أربعة فروع (١) يستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفق به واحتمالهم الصبر على ما يشق من أمره. وكذا من قرب موته بسبب حد أو قصاص ونحوهما. ويستحب للأجنبي أن يوصيهم بذلك (لحديث) عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي ﷺ وهى حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله، أصبت حدا فأقمه على. فدعا نبي الله ﷺ وليها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها. ففعل فامر بها النبي صلى الله عليه وسلمفشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت. ثم صلى عليها. أخرجه مسلم والأربعة (٢). ﴿٢٥٠﴾
(٢) ينبغي ألا يكره المريض على تناول الدواء وغيره من الطعام (لحديث) عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم. اخرجه ابن ماجه والحاكم والطبرانى والبيهقى والترمذى بسند رجاله ثقات وحسنه الترمذى (ورد) بأن في مسنده بكر بن يونس وهو ضعيف (٣). ﴿٢٥١﴾
стр. 2393
(٣) ينبغي للمريض أن يحرص على تحسين خلقه وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا وأن يستحضر أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير وأن يستحل زوجه وأولاده وسائر أهله وخدمة وجيرانه وأصدقاءه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة، وأن يرضيهم. وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت وأن يحافظ على الصلوات واجتناب النجاسة وغيرها من وظائف الدين. وألا يقبل قول من يجد له عن ذلك فإن هذا مما يبتلى به وهذا المخذل هو الصديق الجاهل والعدو الخفى وأن يوصى أهله بالصبر وترك النوح عليه وترك ما جرت به العادة من البدع في الجنائز، وأن يتعهدوه بالدعاء له (١).
(٤) يستحب وعظ المريض بعد عاقيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله عليه
стр. 2394
من التوبة وغيرها من الخير وينبغي له المحافظة على ذلك. قال الله تعالى " وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً " (١)
والوفاء بالوعد من صفات المؤمنين المفلحين. قال الله تعالى فيهم " وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ " (٢) هذا والمحتضر من حضرته الوفاة وقرب موته وقد دلت الأحاديث الصحيحة أنه كان صالحا ذكرا كان أم أنثى شاهد حال احتضاره ملائكة الرحمة ورأى مكانه من الجنة، وإن كان فاجرا تحضره ملائكة العذاب ويرى مكانه من النار (قال) عطاء بن السائب: سمعت عبد الرحمن بن آبى ليلى يقول: حدثني فلا بن فلان أنه سمع النبي ﷺ يقول: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فأكب القوم يبكون قال " ما يبكيكم؟ فقالوا إنا نكره الموت قال " ليس ذلك ولكنه إذا حضر " فأَمَّا إنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحُ وَرْيحاَنُ وَجَنَّةُ نَعيِم " فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب " وَأمْا إنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذَّبِينَ الضَّالَّينَ فَنُزلُ مِنْ حَمِيمِ وتَصْلِيةُ جَحِيمِ " فإذا بشر بذلك يكره لقاء الله والله للقائه أكره " أخرجه أحمد والطبرانى بسند رجاله رجال الصحيحين (٣).
﴿٢٥٢﴾
стр. 2395
والمعنى أن حب الموت وكراهته إنما يكون عند النزع في حالة عدم قبول التوبة فإن كان إنسان يشاهد حينئذ ما هو صائر إليه وما أعد له من نعيم مقيم وعذاب اليم. فأهل السعادة والصلاح يحبون حينئذ الموت ولقاؤ الله لينتقلوا إلى ما أعد لهم ويرضى عنهم ربهم فيجزل لهم العطاء ويعمهم بالكرامة. وأهل الشقاء والمعاصي يكرهون الموت حينئذ لما رأوا من سوء المنقلب ويبعدهم الله عن رحمته ومحل كرامته. وليس المعنى أن سبب حب الله لقاء الصالحين حبهم ذلك. ولا أن سبب كراهته تعالى لقاء الطالحين كراهتهم لذلك. بل المراد رضاة تعالى عن الأولين وسخطه على الآخرين. ثم يتعلق بالمحتضر أربعة أمور:
(١) يسن توجيهه إلى القبلة مضطجعا على شقه الأيمن (لحديث) أبى قتادة أن النبي ﷺ لما قدم المدينة سال عن البراء بن معرور فقالوا: توفى وأوصى بثلث ماله لك. وأن يوجه للقبلة لما احتضر. فقال النبي ﷺ : أصاب الفطرة وقد رددت ثلث ماله على ولده. ثم ذهب فصلى عليه وقال: اللهم اغفر له وارحمه وأدخله وقد فعلت. أخرجه البيهقى والحاكم وقال صحيح (١). ﴿٢٥٣﴾
(وعن) سلمى أم آبى رافع أن فاطمة بنت النبي ﷺ عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها. أخرجه أحمد (٢) ﴿٢٥٤﴾
стр. 2396
(لهذا) قال الحنفيون ومالك والجمهور: يسن إضجاع المحتضر على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللحد. وهو الصحيح عند السادي. فإن لم يمكن لضيق المكان ونحوه، أضجع على جنبه الأيسر مستقبل القبلي. فإن لم يمكن فعلى قفاه وجعلت رجلاه إلى القبلة.
وعن السادي: أنه يوضع المحتضر على قفاه إلى القبلة ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة وعليه عمل الناس والأولى القول الأول.
(٢) تلقين المحتضر: يسن تذكير من حضرته الوفاة كلمة التوحيد أو الشهادة من غير أمر بأن يقال أمامه: لا اله إلا الله محمد رسول الله لتكون آخر كلامه من الدنيا فينجو من النار (روى) كثير بن مرة عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: من كان آخر كلامه لا اله إلا الله دخل الجنة. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد (ورد) بان في سنده صالح ابن آبى عريب وفيه مقال (١). ﴿٢٥٥﴾
لكن يقويه حديث عثمان أن النبي ﷺ قال: من مات ويعلم أن لا اله إلا الله دخل الجنة. اخرجه أحمد ومسلم (٢). ﴿٢٥٦﴾
(وحديث) زاذان آبى عمر قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: من لقن عند الموت لا اله إلا الله دخل الجنة. اخرجه أحمد بسند جيد (٣). ﴿٢٥٧﴾
стр. 2397
(وحديث) ابن آبى طلحة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: لقنوا موتاكم شهادة أن لا اله إلا الله. فمن قالها عند موته وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب ثم قال: والذي للنبي بيده لو جيء بالسموات والأرض ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفه الميزان ووضعت شهادة أن لا اله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن. أخرجه الطبرانى بسند رجاله ثقات إلا أن ابن آبى طلحة لم يسمع من ابن عباس (١) ﴿٢٥٨﴾
(وحديث) آبى سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: لقنوا موتاكم قول لا اله إلا الله. أخرجه السبعة إلا البخاري (٢) ﴿٢٥٩﴾
والمراد من قرب موته (لما) في حديث آبى ذر أن النبي ﷺ قال: ما من عبد قال: لا اله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. اخرجه مسلم (٣) ﴿٢٦٠﴾
يحتمل أن يكون هذا خاصا بمن كان آخر نطقه وخاتمه لفظه لا اله إلا الله وإن كان قبل ذلك مخلطا فيكون سببا لرحمة الله إياه ونجاته رأسا من النار وتحريمها عليه. بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلصين (٤)
(وهذا) التلقين سنة عند الجمهور (وقال) جماعة بوجوبه لظاهر الأمر. يلفن لا اله إلا الله بلا إكثار ولا موالاة لئلا يضجر لضيق حالة وشدة كربه
стр. 2398
فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بما لا يليق. وإذا قالها مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بكلان آخر فيعاد التلقين ليكون آخر كلامه. وقيل يكرها ثلاثا بلا زيادة (وقال) جماعة: يلقن الشهادتين: لا اله إلا الله محمد رسول الله. لأن المقصود تذكر التوحيد. وذلك يتوقف على الشهادتين وللجمهور أنه موحد ويلزم قول لا اله إلا الله الاعتراف بالشهادة الأخرى. فينبغي الاختصار على لا اله إلا الله، لظاهر الحديث. وأن لا يلح في ذلك ولا يقول له: قل لا اله إلا الله خشية أن يضجر فيقول: لا أقول ولكن يقولها أمامه معرضا له ليفطن فيقولها وينبغي ألا يلقنه من يتهمه لكونه وارثا أو عدوا أو حاسدا أو نحوهم (١).
(فائدة) هذا التلقين خاص بالمسلم أما الكافر المحتضر فيعرض عليه الإسلام (لحديث) أنس أن غلاما يهوديا كان يضع كي ﷺ : يا فلان، قل لا اله إلا الله، فنظر إلى أبيه فسكت أبوه. فأعاد عليه النبي ﷺ فنظر إلى أبيه فقال أبوه: أطع ابا القاسم فقال الغلام: اشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول اله فخرج النبي ﷺ وهو يقول: الحمد لله الذي أخرجه بى من النار. أخرجه أحمد بسند جيد (٢). ﴿٢٦١﴾
стр. 2399
(وقال) صفوان بن عسال المرادى: دخل النبي ﷺ على غلام من اليهود وهو مريض فقال: أتشهد أن لا اله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. ثم قبض فوليه النبي ﷺ والمسلمون فغسلوه ودفنوه أخرجه الطبرانى في الكبير بسند حسن (١). ﴿٢٦٢﴾
(٣) يستحب حضور الصالحين ومن ترجى بركتهم عند المحتضر والدعاء له بالمغفرة والتخفيف عنه (لحديث) ابن عباس رضى الله عنهما قال: أتى رسول الله ﷺ بعض بناته وهى تجود بنفسها فوقع عليها فلم يرفع رأسه حتى قبضت قال فرفع رأسه وقال: الحمد لله المؤمن بخير تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله أخرجه أحمد والنسائي بسند جيد (٢). ﴿٢٦٣﴾
(ولحديث) آبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ كنا نؤذنه لمن حضر من موتانا فيأتيه قبل أن يموت فيحضره ويستغفر له وينتظر موته. قال: فكان ذلك ربما حبسه الحبس الطويل فشق عليه. قال: فقلنا ارفق برسول الله ﷺ ألا يؤذنه بالميت حتى يموت. قال: فكنا إذا مات منا الميت آذناه به فجاء في أهله فاستغفر له وصلى عليه. ثم إن بدا له أن يشهده انتظر شهوده وإن بدا له أن
стр. 2400
ينصرف انصرف. قال: فكنا على ذلك طبقة أخرى. قال: فقلنا ارفق برسول الله ﷺ وعلى آله وسلم أن نحمل موتانا إلى بيته ولا نشخصه ولا نعنيه. قال: ففعلنا ذلك فكان الأمر. أخرجه أحمد بسند جيد (١) ﴿٢٦٤﴾
(ولحديث) أم سلمة أن النبي ﷺ قال: إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيرا. فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقلت: يا رسول الله، إن ابا سلمة قد مات. فقال: قولي: اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة.
قالت: فقلت فأعقبني الله من هو خير لي منه محمدا ﷺ اخرجه أحمد ومسلم والربعة والبيهقى وقال الترمذى حسن صحيح (٢). ﴿٢٦٥﴾
(٤) قرا يس - يسن قراءة يس عند المحتضر ليخقق عنه بها (لحديث) معقل بن يسار رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم. اخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وصححاه والأربعة إلا الترمذى بسند حسن (٣). ﴿٢٦٦﴾
стр. 2401
أراد بقوله موتاكم من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه. وعبر عن المحتضر بالميت مجازا، لأنه صار في حكم الأموات (ويؤيده) قول صفوان بن عمر الضبى: حدثني المشيخة أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالى حين اشتد سوقه فقال: هل منكم أحد يقرا يس؟ فقرأها صالح بن شريح السكونى فلما بلغ أربعين منها قبض. قال: فكان المشيخة يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها. قال صفوان: وقرأها عيسى بن المعتمر عن ابن معبد. أخرجه أحمد وفى سنده مبهم (١). ﴿٢٦٧﴾
(وحديث) آبى الدرداء وأبى ذر أن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت تقرأ عنده يس إلا هون الله عليه. اخرجه ابن أبى الدنيا والديلمى في مسند الفردوس (٢). ﴿٢٦٨﴾
وحكمه قراءتها عند المحتضر أنها مشتملة على أصول العقائد فيتقوى بسماعها التصديق والإيمان وجميع المسائل المعنبرة من كيفية الدعوة وأحوال الأمم وإثبات القدر وأن أفعال العباد مستندة إلى الله تعالى وإثبات التوحيد ونفى التعدد
стр. 2402
وأمارات الساعة وبيان الإعادة والحشر والحساب والجزاء والمرجع. (١)
(وقال) الشعبي: كانت الأنصار يستحبون أن تقرأ عند الميت سورة البقرة وكانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه (وقال) بعضهم: يحسن جمع أربعين حديثا في الرجاء تقرأ على المريض فيشتد حسن ظنه بالله. فإنه إذا امتزج خوف العبد بالرجاء عند الموت فهو محمود. (روى) أنس أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال ﷺ : لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف. أخرجه ابن ماجه والترمذى بسند جيد (٢). ﴿٢٦٩﴾
هذا وجملة ما يطلب للمحتضر: أنه يستحب أن بلى المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأتقاهم لربه، ليذكره الله تعالى والتوبة من المعاصي والخروج من المظالم والوصية. وإذا رآه منزولا به تعهد بل حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه. ويندى شفتيه بقطنة. ويستقبل به القبلة لقول رسول الله ﷺ : خير المجالس ما استقبل به القبلة. أخرجه الطبرانى أني عن ابن عمر. (٣) ﴿٢٧٠﴾
стр. 2403
ويلقنه قول لا اله إلا الله (قال) الحسن: سئل رسول الله ﷺ : آي الأعمال افضل؟ قال: أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله. رواه سعيد بن منصور (١). ﴿٢٧١﴾
ويكون ذلك في لطف ومداراه ولا يكرر عليه ولا يضجره إلا أن يتكلم أن فيعيد تلقينه لتكون لا اله إلا الله آخر كلامه (وروى) عن عبد الله بن المبارك أنه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه لا اله إلا الله فأكثر عليه.
فقال له عبد الله: إذا قلت مرة فآنا على ذلك ما لم أتكلم (٢) (وعن) معاذ بن جبل أنه لما حضرته الوفاة قال: أجلسوني فلما أجلسوه قال: لكمة سمعتها من رسول الله ﷺ كنت أخبؤها ولولا ما حضرنى من الموت ما أخبرتكم بها: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان آخر قوله عند الموت لا اله أتخبؤها الله وحده لا شريك له، إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب. فلقنوهم موتاكم. فقيل: يا رسول الله فكيف هي للأحياء؟ قال هي أهدم وأهدم. أخرجه سعيد بن منصور (٣) ﴿٢٧٢﴾
(قال) أحمد: ويقرءون عند المحتضر ليخفف عنه يقرءون يس وفاتحة الكتاب (٤).
стр. 2404
(هـ) الموت
الموت لابد منه لكل مخلوق ولا يترك أحد لأحد. قال الله تعالى: " كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ " (١).
وقال تعالى: " أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ " (٢)
стр. 2405
وقال تعالى: " كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿٢٦﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (١)
فهو الله الحي الذي لا يموت. والجن والإنس والملائكة وحملة العرش وكل المخلوقات يموتون (قال) ابن عمر: كان بمكة مقعدان لهما ابن شاب فكان إذا أصبح نقلهما فأنى بهما المسجد فكان يكتسب عليهما يومه فإذا كان المساء احتملهما فأقبل بهما فافتقدهما النبي ﷺ ، فسال عنهما فقال: مات ابنهما. فقال النبي ﷺ : لو ترك أحد ترك ابن المقعدين. أخرجه الطبرانى فآنا الأوسط وفيه عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو متروك (٢). ﴿٢٧٣﴾
وفيما ذكر تسلية لكل الناس لأنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة آلتي قدر الله وجودها من صلب آدم وانتهت البرية أقام الله القيامة فجازى الخلائق بأعمالهم قليلها وكثيرها فلا يظلم أحد مثقال ذرة.
ثم الكلام هنا ينحصر فآنا ثلاثة عشر فرعا:
(١) ما ورد فآنا الموت: جاء فآنا الموت أحاديث أخر (منها) حديث محمود بن لبيد أن النبي ﷺ قال: اثنتان يكرههما ابن آدم. يكره الموت والموت خير المؤمنين من الفتنة. وبكره قلة المال وقلة المال اقل للحساب. أخرجه أحمد بسند رجاله الصحيح (٣). ﴿٢٧٤﴾
стр. 2406
(وحديث) أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: لم يلق ابن آدم شيئا قط خلقه الله اشد عليه من الموت لأهون مما بعده. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات. (١) ﴿٢٧٥﴾
(وقالت) عائشة: رأيت النبي ﷺ وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده فآنا القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعنى على سكرات الموت. أخرجه أحمد والأربعة إلا أبا داود وفى سنده موسى بن سرجس ستور. (٢) ﴿٢٧٦﴾
وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: تحفة المؤمن الموت
стр. 2407
أخرجه الطبرانى فآنا الكبير والحاكم والبيهقى بسند رجاله ثقات (١). ﴿٢٧٧﴾
وعن سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض يدبر فجعل يسعى حتى إذا أعيا وابتهر دخل جحره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني فخرج وله حصاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات. أخرجه الطبرانى فآنا الكبير والأوسط وفيه معاذ بن محمد الهزلي قال العقيلى لا يتابع على رفع حديثه (٢). ﴿٢٧٨﴾
(٢) تذكر الموت: يطلب من العاقل الإكثار من تذكر الموت لأنه يزهد لأنه يزهد فآنا الدنيا وأن يستعد له بالتحلي بالأعمال الصالحة آلتي تقربه من ربه والتخلى عن الأعمال السيئة آلتي تبعده عن رحمة ربه حتى إذا فجأة الموت كان فآنا عمل صالح فيجب لقاء الله والله يحب لقاءه ويبعث على ما مات عليه (وقد) ورد فآنا هذا أحاديث (منها) حديث محمد بن عمر بن أبى سلمة عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: أكثروا من ذكر هاذ اللذات الموت. أخرجه أحمد والأربعة إلا أبا داود بإسانيد صحيحة وابن حبان وزاد: فإنه ما ذكره أحد فآنا ضيق إلا وسعه ولا ذكره فآنا سعة إلا ضيقها عليه. وصححه ابن حبان والحاكم وأعله الدارقطني بالإرسال فإن ابن أبى سلمة لم يسمع من أبى هريرة (٣). ﴿٢٧٩﴾
(دل) الحديث على أنه ينبغي للإنسان ألا يغفل عن ذكر أعظم المواعظ
стр. 2408
وهو الموت. وفى رواية للديلمى عن أبى هريرة: أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله قلبه وهون عليه الموت. وفى حديث أنس عند ابن أل فآنا مكارم الأخلاق: أكثروا ذكر الموت فإن ذكره تمحيص للذنوب وتزهيد فآنا الدنيا (١).
(وحديث) البراء بن عازب قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه، ففزع النبي ﷺ فبدر بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر، فجثا عليه فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل علينا قال: آي إخواني لمثل اليوم فأعدوا. أخرجه أحمد بسند حسن (٢). ﴿٢٨٠﴾
(وحديث) أبى سعيد الخدرى قال: دخل النبي ﷺ مصلاه فرأى ناسا يكتشرون فقال: أما إنكم لو أكثرتم ذكر عاذم اللذات لشغلكم عما أرى. فأكثروا ذكر عاذم اللذات الموت. فإنه لم يأت على القبر يوم أتخبؤها تكلم فيقول: أنا بيت الغربة. أنا بيت الوحدة. وأنا بيت التراب. وأنا بيت الدود (الحديث) أخرجه البيهقى والترمذى وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافى واه (٣). ﴿٢٨١﴾
стр. 2409
(وحديث) عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي ﷺ عاشر عشرة فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة. أخرجه الطبرانى فآنا الصغير والحاكم وأبو نعيم فآنا الحلية بسند حسن. ﴿٢٨٢﴾
(وقال) أبو ذر: دخلت النبي ﷺ المسجد فقال: " يا أبا ذر إن للمسجد تحية. قلت: وما تحيته؟ قال: ركعتان تركعهما قلت: يا رسول الله، هل أنزل عليك شئ مما كان فآنا صحف إبراهيم وموسى؟ قال: يا أبا ذر (قد افلح من تزكى) حتى بلغ (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى) قلت: يا رسول الله وما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم يفرح. عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك؟ عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها. عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب. عجبت لمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل " أخرجه أبو الحسن
стр. 2410
رزين بن معاوية وابن حبان. (١) ﴿٢٨٣﴾
(وحديث) انس أن النبي ﷺ قال: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قلنا: يا سول الله، كلنا نكرة الموت. قال: ليس ذاك كراهية الموت ولكن المؤمن إذا حضر، جاءه البشير من الله فأحب الله لقاءه. وإن الفاجر أو الكافر إذا حضر جاءه بما هو صائر إليه من الشر وما يلقاه من الشر فكره لقاء الله وكره الله لقاءه ". أخرجه أحمد والبراز بسند رجاله رجال الصحيح (٢). ﴿٢٨٤﴾
(وحديث) جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " من مات على شئ بعثه الله عليه ". أخرجه أحمد والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم (٣). ﴿٢٨٥﴾
(وحديث) حذيفة بن اليمان. قال: أسندت النبي ﷺ إلى صدري. فقال: " من قال لا اله أتخبؤها الله ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة. ومن صام يوما ابتغاء وجه الله وختم له به دخل الجنة. ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله وختم له بها دخل الجنة ". أخرجه أحمد بسند جيد (٤). ﴿٢٨٦﴾
стр. 2411
(٣) تمنى الموت: يكره للشخص تمنى الموت والدعاء به لضر دنيوي نزل به كمرض أو فاة أو محنة أو نحوها من مشاق الدنيا (لحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " لا يتمن أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه. إنه مات أحدكم انقطع عمله. وإنه لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيرا " أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والبيهقى (١). ﴿٢٨٧﴾
(وحديث) أم الفضل أن النبي ﷺ دخل على العباس وهو يشتكى فتمنى الموت. فقال: يا عباس يا عم رسول الله. لا تتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك. وإن كنت مسيئا فإن تؤخر تستعتب خير لك فلا تمن الموت. أخرجه أحمد والطبرانى والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢). ﴿٢٨٨﴾
(وحديث) أنس أن النبي ﷺ قال: " لا يَتَمَنَّيَن أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لابد متمنيا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خير لي. وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ". أخرجه السبعة والبيهقى (٣). ﴿٢٨٩﴾
стр. 2412
النهى فجأة هذه الأحاديث عن تمنى الموت والدعاء به إنما هو لنزول بلاء أو محنة دنيوية لما فجأة رواية ابن حبان: " لاَ يَتَمَنَّنَيَن أحَدُكَمَ الْمَوْتَ " لضر نزل به فجأة الدنيا. أما إن تمناه لضر أخروي كأن خشي فتنة فجأة الدين فهو جائز. فقد قال معاذ بن جبل: قص علينا النبي ﷺ رؤيا رأى فيها الله تعالى وفيها أن الله تعالى قال له: سل. فقال ﷺ : اللهم أنى أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة فجأة قومي فتوفني غير مفتون. واسالك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حيك. أخرجه أحمد والطبرانى والحاكم والترمذى وقال حسن صحيح (١). ﴿٢٩٠﴾
стр. 2413
(٤) علامات الموت: للموت علامات (منها) استرخاء القدمين واعوجاج الأنف وانخساف الصدغين وامتداد جلد الوجه وعرق الجبين (روى) عثمان بن عفان رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: ارقبوا الميت عند وفاته فإذا ذرفت عيناه ورشح جبينه وانتشر منخراه فهي رحمة من الله قد نزلت. وإذا غط غطيط البكر المخنوق وكمد لونه وأزبد شدقاه فهو عذاب من الله قد نزل به. أخرجه الحكيم الترمذى. (١) ﴿٢٩١﴾
(وعن) عبد الله بن بريدة الأسمى عن أبيه أنه كان بخراسان فعاد أخاه وهو مريض فوجده بالموت وإذا هو يعرق جبينه فقال: الله أكبر. سمعت رسول الله ﷺ يقول: موت المؤمن بعرق الجبين. أخرجه احمد والنسائي وابن ماجة والترميذى وحسنه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢). ﴿٢٩٢﴾
(وعن) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: المؤمن يموت بعرق الجبين. أخرجه الطبرانى فجأة الأوسط وفجأة الكبير نحوه فجأة حديث طويل رجاله ثقات ورجال الصحيح (٣). ﴿٢٩٣﴾
(وهذا) يدل على أن عرق الجبين يكون لما يعالج من شدة الموت (وقيل)
стр. 2414
انه يكون من الحياء لان المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خجل واستحياء من الله تعالى فيعرق بذلك جبينه. فالعرق إنما يكون لمن حلت به الرحمة فانه ليس من ولى ولا صديق ولا بر أتخبؤها وهو يستحي من ربه مع البشرى والإكرام (وقيل) أن عرق الجبين علامة لموت المؤمن وأن لم يعقل معناه (١).
(٥) الموت فجأة أحد الحرمين: من مات فجأة الحرام المكي أو المدني أو بيت المقدس نال فضلا عظيما ورضا وقبولا (روى) سلمان الفارسي أن النبي ﷺ قال: من مات فجأة أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين. أخرجه الطبرانى فجأة الكبير وفى سنده عبد الغفور بن سعيد وهو متروك (٢). ﴿٢٩٤﴾
(وعن) جابر أن النبي ﷺ قال: من مات فجأة أحد الحرمين بعث آمنا يوم القيامة. أخرجه الطبرانى فجأة الصغير والأوسط بسند حسن وفيه موسى بن عبد الرحمن المسروقى ذكره ابن حبان فجأة الثقات. وفيه عبد الله بن المؤمل وثقة ابن حبان وغيره وضعفه أحمد وغيره (٣). ﴿٢٩٥﴾
(وعن) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: من مات فجأة بيت المقدس فكأنما مات فجأة السماء. أخرجه البزار وفيه سويف بن عطية البصري وهو ضعيف (٤). ﴿٢٩٦﴾
стр. 2415
(قال) النووي: يستحب طلب الموت فجأة بلد شريف (لحديث) حفصة رضى الله عنها أن عمر رضى الله عنه قال: اللهم ارزقني شهادة فجأة سبيلك واجعل موتى فجأة بلد رسولك ﷺ . فقلت: أنى يكون هذا؟ فقال يأتيني به الله إذا شاء. أخرجه البخاري (١). ﴿٢٩٧﴾
(٦) موت الضربة: من أسباب الشهادة الأخروية موت الشخص غريبا فجأة غير موطنه فقد تجرع مرارة فراق الأحبة والخلان والأهل والأوطان، ولا يجد له متعهدا فجأة مرضه غالبا ن لا يحضره إذا احتضر أحد ممن يلوذ به. فإذا صبر على ذلك محتسبا كان له الجزاء الأوفى (قال) عبد الله بن عمرو: توفى رجل بالمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: يا ليته مات فجأة غير مولده، فقال رجل: لم يا رسول الله؟ فقال: إن الرجل إذا توفى فجأة غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره فجأة الجنة. أخرجه أحمد وابن ماجه بسند فيه ابن لهيعة متكلم فيه. أخرجه النسائي بسند جيد وصححه السيوطى (٢). ﴿٢٩٨﴾
(قوله ليته مات فجأة غير مولده) يعنى ليته كان غريبا مهاجرا إلى المدينة ومات بها. وليس المراد ليته مات بغير المدينة لئلا يخالف ما تقدم فجأة فضل الموت بالمدينة (٣).
(٧) موت الفجأة: الفجأة - بفتح فسكون - آي الموت بغتة بلا سبق
стр. 2416
مرض. وهو مذموم لأن من مات فجأة لا يمكنه الاستعداد للتوبة والعمل الصالح والوصية وغيرها ويحرم من ثواب المرض الذي يكفر الذنوب. ولذا استعاذ منه النبي ﷺ . (قال) أبو إمامة: كان النبي ﷺ يتعوذ من موت الفجاة وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت أخرجه الطبرانى فجأة الكبير وفيه عثمان بن عبد الرحمن القرشي وهو متروك (١). ﴿٢٩٩﴾
ومع هذا فهو راحة للمؤمن الصالح من عناء الدنيا لأنه مستعد للموت بالأعمال الصالحة متذكر ما تقدم من قول النبي ﷺ : أكثروا من ذكر نبي اللذات الموت (٢)، فهو يتذكر الموت دائما ويعمل له. فإذا أتاه فجأة لا يضره بل يستريح به من نصب الدنيا. (أما الفاجر) فموته فجأة من علامة غضب الله عليه لأنه لم يتركه حتى يتدارك ما فاته من التفريط ويستعد للموت بالتوبة ولم يمرض لتكفر ذنوبه (قالت) عائشة: سالت رسول الله ﷺ عن موت الفجأة، فقال: راحة للمؤمن وأخذة أسف للفاجر أخرجه أحمد والبيهقى والطبرانى فجأة الوسط. وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافى وهو متروك (٣). ﴿٣٠٠﴾
(ويقويه) حديث عبيد بن خالد السلمي أن النبي ﷺ قال: موت الفجأة أخذة الأسف للكافر ورحمة للمؤمن. أخرجه البيهقى هي داود بسند رجاله ثقات (٤). ﴿٣٠١﴾
стр. 2417
(فائدة) قد استعاذ النبي ﷺ من موتات أخر غير موتة الفجأة (روى) عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ استعاذ من سبع موتات: موت الفجأة، ومن لدغ الحية، ومن السبع، ومن الغرق، ومن الحرق، ومن أن يخر على شئ، أو يخر عليه شئ، ومن القتل عند فرار الزحف أخرجه أحمد والبراز والطبرانى فجأة الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام (١). ﴿٣٠٢﴾
(٨) الموت يوم الجمعة: من مات يوم الجمعة وفى عذاب القبر وكتب له أجر شهيد (روى) أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: من مات يوم الجمعة وفى عذاب القبر. أخرجه أبو يعلى. وفيه يزيد الرقاشى وفيه كلام (٢). ﴿٣٠٣﴾
وعن ابن شهاب أن النبي ﷺ قال: من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وفى فتنة القبر وكتب شهيدا. أخرجه عبد الرازق (٣). ﴿٣٠٤﴾
(٩) موت النبي ﷺ : توفى النبي ﷺ يوم الاثنين الثالث عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة هجرية (٤) " ٨ يونيو
стр. 2418
سنة ٦٣٢ ميلادية " وعمره ثلاث وستون سنة. ولما قبض النبي ﷺ دهش أصحابه دهشة عظيمة وطاشت عقولهم واختلط أمرهم. وممن اختلط عمر رضى الله عنه فجعل يصيح ويقول: إن رسول الله ﷺ لم يمت وتهدد من قاله. واقعد على رضى الله عنه فلم يستطع حراكا. وأخرس عثمان رضى الله عنه. واضنى عبد الله بن أنيس حتى مات كمذا. واضطرب الأمر وجل الخطب وفدحهم هول المصيبة وحق لهم ذلك. وكأن أثبتهم العباس وأبو بكر.
فقد بلغ الخبر أبا بكر وهو بالسنح فجاء وعيناه تهملان وزفراته تتردد في صدره وغصصه ترتفع (١) وهو في ذلك رضى الله عنه ثابت القلب حسن القول. ودخل على رسول الله ﷺ وكشف وجهه وقبل جبينه وجعل يبكى ويقول: يأبى أنت وأمي طبت حبا وميتا وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء. ولو أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس. ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء العيون. فأما مالا نستطيع نفيه فكمد
стр. 2419
وإدناف (١) يتحالفان ولا يبرحان. اذكرنا يا محمد عند ربك. ولنكن لك على بال. اللهم ابلغ نبيك عنا. ثم خرج وخطب الناس قال فيها: اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له. واشهد أن محمدا عبده ورسوله وخاتم أنبيائه، واشهد أن الكتاب كما نزل. وأن الدين كما شرع. وأن الحديث كما حدث. وأن القول كما قال. وأن الله هو الحق المبين. ثم قال: آيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت. وإن الله قد تقدم لكم في أمره فلا تدعوه جزعا. وإن الله تعالى قد اختار لنبيه ﵊ ما عنده على ما عندكم وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه فمن أخذ بهما عرف ومن فرق بينهما أنكر " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ " (٢)، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يلفتنكم عن دينكم.
وعاجلوا الشيطان بالخزى تعجزوه ولا تستنظروه فيلحق بكم، فلما فرغ من خطبته قال: يا عمر، أأنت الذي بلغني عنك أنك تقول على باب نبي الله ﷺ : والذي للنبي بيده ما مات نبي الله؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال يوم كذا وكذا وقال الله تعالى: " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ " (٣) فقال عمر: والله لكأنى لم اسمع بها في كتاب الله قبل الآن لما نزل بنا أشهد أن الكتاب كما نزل. وأن الحديث كما حدث. وأن الله تعالى حي لا يموت إنا لله وإنا إليه راجعون صلوات الله على رسوله وعند الله تحتسب رسوله وقال:
لعمري لقد ايقنت أنك ميت ... ولكنما أبدى الذي قلته الجزع
وقلت بغيب الوحي عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يرجع كما رجع
стр. 2420
وكان هواي أن تطول حياته وليس لحى في بقا ميت طمع (١)
(وقد) ورد في هذا أحاديث (منها) حديث ابن أبى مليكة عن عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ وأبو بكر عند أمرأته ابنة خارجة بالعوالى فجعلوا يقولون لم يمت النبي ﷺ إنما هو بعض ما كان يأخذه عند الوحي فجاء أبو بكر فكشف عن وجهه وقبل بين عينيه وقال: أنت أكرم على الله أن يميتك مرتين. قد والله مات رسول الله ﷺ وعمر في ناحية المسجد يقول: والله ما مات رسول الله ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير أرجلهم، فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال: من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" (٢) قال عمر: فكأني لم أقرأها إلا يومئذ. أخرجه ابن ماجه (٣). ﴿٣٠٥﴾
وأخرجه البخاري عن عائشة وابن عباس بلفظ أتم من هذا تقدم في خطبة الصديق يوم موت النبي ﷺ (٤). (قال) ابن عمر رضى الله عنهما: لما قبض النبي ﷺ كان أبو بكر في ناحية بالمدينة فدخل على النبي ﷺ فوضع فاه على جبين النبي ﷺ فجعل