وهذه المعية ثابته في الدنيا وفى دار البرزخ وفى دار الجزاء. فالمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاثة (روى) الأسود عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلى من للنبي وإنك لأحب إلى من ولدى، وإني لأكون في البيت فاذكرك فما اصبر حتى آتى فأنظر غليك وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبييت وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزلت جبريل بهذه الآية " وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم " الآية. أخرجه الطبرانى وابن مردوية والضياء القدسي في ثفة الجنة وحسنه (١) ﴿٣٣٩﴾
(وقال) تعالى: " يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) " (٢) آي داخلي في جملتهم وكوني معهم (وهذا) يقال للروح عند الموت والبعث على ما تقدم. وقد اخبر الله تعالى عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وأنهم يستبشرون بنعمة الله وفضل، وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: (أ) أنهم عند ربهم يرزقون وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون (ب) أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم عليهم ولقائهم لهم (جـ) إن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضا مثل يتباشرون وقد تواترت بذلك الرؤى (٣). (فمنها) ما ذكره صالح بن بشر قال: رأيت عطاء السلمي في النوم بعد موته فقلت: يا ابا محمد الست في زمرة الموتى؟ قال: بلى. قلت ك فماذا صرت إليه بعد الموت؟ قال: صرت والله إلى خير كثير ورب غفور
стр. 2452
شكور. قلت: أما والله قد كنت طويل الحزن في الدنيا فتبسم وقال: أما والله لقد أعقبني ذلك فرحا طويلا وسرورا دائما ز فقلت: في أى الدرجات أنت؟ قال: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
(وقال) عبد الله بن المبارك: رأيت سفيان الثوري في النون فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: لقيت محمدا وحزبه. (قال) صخر بن راشد: رأيت عبد الله ابن المبارك في النوم بعد نوته فقلت: أليس قدمت؟ قال: فسفيان الثوري، قال: بخ بخ ذاك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (وقال) مسمع بن عاصم: رأيت عاصما الجحدرى في منامي بعد موته بسنتين فقلت: أليس قدمت؟ قال: بلى ز قلت: وأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد اله المزني فنتلقى أخباركم. قلت: أأجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات، بليت الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح (١).
وقد تقدم في بحث (عرض عمل الحي على الميت) عدة أحاديث صريحة في تلقى الأموات أخبار ذويها ممن يموت (٢)، وتقدم حديث أم هانئ بنت أبي طالب وهو صريح في تزاور الأرواح (٣).
(ز) ما يتعلق بالميت
من تحقق موته يتعلق به أمور: المذكور منها هنا ١٤ (١) يطلب ممن حضره أن يفعل به ما يؤدى إلى حسن منظره وهو تغميض عينيه وشد لحييه
стр. 2453
وتليين أعضائه ومنع انتفاخه. فإذا مات شخص تولى أرفق الناس به إغماض عينيه ودعا له (لحديث) شداد بن أوس أن النبي ﷺ قال: " إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل البيت " أخرجه أحمد وابن ماجه والطبرانى في الأوسط والبراز والحاكم وقال صحيح الإسناد وفيه فزعة بن سويد، قال أبو حاتم: محله الصدق ليس بذاك القوى (١). ﴿٣٤٠﴾
(وقالت) أم سلمة: دخل النبي ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فاغمضه فصيح ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون. ثم قال: اللهم اغفر لبى سلمة وارفع درجته في المهديين واخفله في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يارب العالمين. اللهم أفسح له في قبره ونور له فيه. أخرجه مسلم وأبو داود (٢). ﴿٣٤١﴾
والإغماض إطباق الجفن الأعلى على الجفن الأسفل ويقول مغمضه: باسم الله
стр. 2454
وعلى ملة رسول الله ﷺ اللهم يسر عليه أمره وسهل عليه ما بعده أسعده بلقائك واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج عنه (قال) بكر بن عبد الله المزني التابعي: إذا أغمضت الميت فقل باسم الله وعلى ملة رسول الله وإذا حملته فقل باسم الله ثم تسبح ما دمت تحمله أخرجه البيهقى بسند صحيح (١). ﴿٣٤٢﴾
(٢) ويسن شد لحيى الميت بعصابة عريضة تربط على رأسه لئلا يسترخي لحيه وينفتح فمه فيقبح منظره، وربما دخل إلى فيه شئ من الهوام أو الماء عند غسله.
(٣) ويسن تليين مفاصله فيمد ساعده إلى عضده ثم يرده ويرد ساقه إلى فخذه وفخذه إلي بطنه ويردهما ويلين أصابعه لأنه اسهل في الغسل ولأنها تبقى جافية فلا يمكن تكفينه وتخلع ثيابه لأن الثياب تحمى الجسم فيسرع إليه التغير ويوضع على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره.
(٤) ويسن وضع حديدة على بطنه لئلا تنتفخ (قال) عبد الله بن آدم: مات مولى لأنس فقال أنس: ضعوا على بطنه حديدة أخرجه البيهقى (٢). ﴿٣٤٣﴾
فإن لم يتيسر الحديد وضع على بطنه طين رطب ولا يجعل عليه مصحف ويستقبل به القبلة كالمحتضر. ويتولى هذه الأمور ارفق محارمه بأسهل ما يقدر عليه ويتولاها الرجل من الرجل والمرأة من المرأة فإن تولاه أجنبي أو محرم من النساء أو أجنبية أو محرم من الرجال جاز.
(٥) ويسن تغطية الميت بثوب يستره (لحديث) عائشة أن النبي صلى الله
стр. 2455
عليه وسلم حين توفى سجى بثوب حبرة. أخرجه أحمد ومسلم والبيهقى وأبو داود (١). ﴿٣٤٤﴾
وعلى هذا اتفق العلماء (وحكمته) صبياني الميت من الانتشار وستر عورته عن الأعين ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف منه شئ (٢). (هذا) ويجوز تقبيل الميت إجماعا (لحديث) القاسم عن عائشة رضى الله عنه قالت: قبل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه. أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذى وقال حسن صحيح (ورد) بأن في سنده عاصم بن عبيد الله بن عمر، وهو ضعيف تكلم فيه غير واحد (٣). ﴿٣٤٥﴾
(وعن) عائشة أن أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته فوضع فاه بين عينيه ووضع يده على ساعدية وقال: يا نبياه يا صفياه. أخرجه الترمذى (٤). ﴿٣٤٦﴾
وفيه بيان موضع التقييل وكيفيته.
(٦) يطلب ممن حضر عند الميت ألا يقول إلا خيرا كالذكر والاستغفار
стр. 2456
وأن يدعو له بالمغفرة ولأهله بحسن العاقبة (قالت) أم سلمة رضى الله عنها: قال رسول الله ﷺ : " إذا حضرتم الميت أو المريض فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله إن ابا سلمة قد مات. فقال: قولي اللهم اغفر لي وأعقبني منه عقبى حسنة. قالت: فقلت فأعقبني الله من هو خيرا لي منه محمدا ﷺ . أخرجه أحمد ومسلم والأربعة والبيهقى وقال الترمذى حسن صحيح (١). ﴿٣٤٧﴾
وينبغي لأخل الميت أن يدعو له بالمغفرة ولأنفسهم بالصبر، وأن يكثروا من قول " إنَّا لِله وَإنَّا إليْهِ رَاجِعُونَ "
(قالت) أم سلمة رضى الله عنها: سمعت النبي ﷺ يقول ما من عبد تصيبه مصيبه فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها. قالت: فلما توفى أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله ﷺ فأخلف الله لي خيرا منه رسول الله ﷺ أخرجه أحمد ومسلم (٢). ﴿٣٤٨﴾
стр. 2457
(وعن) ابن عباس في قوله تعالى: " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " (١). قال: أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر لله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى (وقال) النبي ﷺ : من اشترجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفا يرضاه. أخرجه الطبرانى في الكبير وفيه على بن أبي طلحة ضعيف (٢). ﴿٣٤٩﴾
(وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: إن للموت فزعا فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون. وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم اكتبه في المحسنين واجعل كتابه في عليين. واخلف عقبه في الآخرين اللهم لا تحرمنا أجره ولا تقتنا بعده. أخرجه الطبرانى في الكبير وابن السني في عمل يوم وليلة، وفيه قيس بن الربيع السدى وفيه كلام (٣). ﴿٣٥٠﴾
(وقال) الحسين بن على: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبه فيذكرها، وإن قدم فيحدث لها استرجاعا إلا أحدث الله له عند ذلك وأعطاه ثوابه يوم أصيب بها. أخرجه الطبرانى فأعقبني الأوسط وابن ماجه، وفيه هشام بن زياد وهو ضعيف. وقال ابن حبان: روى الموذوعات عن الشتات (٤) ﴿٣٥١﴾
стр. 2458
(٧) قضاء دين الميت
يطلب حث ورثة الميت على المسارعة بقضاء دينه لأن نفسه محبوسة حتى يقضى عنه دينه (روى) أبو هريرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذى وقال حسن ورجاله ثقات، إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو صدوق يخطئ (١) ﴿٣٥٢﴾
(وعن) أبي نضرة عن سعد بن الأطول أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالا فأردت أن أنفقها على عياله. فقال النبي ﷺ : " إن أخاك محبوس بدينه فاقض عنه، فقال: يا رسول الله فقد أديت إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة. قال: فأعطها فإنها محقة ". أخرجه أحمد بسند جيد (٢). ﴿٣٥٣﴾
(دل) الحديثان على أن الميت لا يزال مشغولا بدينه بعد موته وفيهما الحث على التخلص منه قبل الموت. وإذا كان هذا فأعقبني الدين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما أخذ غصبا ونهبا وسلبا (٣)؟ وفيهما إن روح الميت محبوسة بدينه حتى يقضى عنه. وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه، وأما من
стр. 2459
لا مال له ومات عازما على القضاء فقد ورد ما يدل على إن الله تعالى يقضى عنه، وكذا من مات محبا قضاء دينه وإن كان له مال ولم يقض منه الورث فإن الله تعالى يقضى عنه.
(روى) أبو أمامه أن النبي ﷺ قال: " من تداين بدين وفى نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن تداين بدين وليس فأعقبني نفسه وفاؤه ثم مات اقتض الله لغريمه منه يوم القيامة. أخرجه الطبرانى فأعقبني الكبير وفيه بشر بن نمير وهو متروك (١). ﴿٣٥٤﴾
(وعن) عبد الرحمن بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال: " يدعو الله صاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه. فيقال: يابن آدم فيم أخذت هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أنى أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم البس ولم أضيع ن ولكن أنى على أما حرق وإما سرق وإنا وضيعه، فيقول الله تعالى: صدق عبدي، وأنا أحق من قضى عنك، فيدعو الله بشيء فيضعه فأعقبني كفه ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته ". أخرجه أحمد أسعده والطبرانى وأعقبني نعيم فأعقبني الحلية بأسانيد أحدها حسن (٢) ﴿٣٥٥﴾
(هذا) ولأهمية الدين لكونه من حقوق العباد وهى مبنية على المشاحة، عد النبي ﷺ عدم قضائه من أعظم الذنوب. وكان ﷺ لا يصلى على من مات مدينا.
(روى) أبو موسى الأشعرى أن النبي ﷺ قال: إن أعظم
стр. 2460
الذنوب عند الله أم يلقاه بها بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء. أخرجه أبو داود (١). ﴿٣٥٦﴾
ولعل هذا محمول على ما إذا قصر فأعقبني الوفاء أو استدان لمعصية (ويؤيده) قول ابن عباس: كان رسول الله ﷺ لا يصلى على من مات وعليه دين. فمات رجل من الأنصار، فقال: عليه دين؟ قالوا: نعم فقال: صلوا على صاحبكم فنزل جبريل ﵊ فقال: إن الله ويقول: إنما الظالم عندي فأعقبني الديون التي حملت فأعقبني البغي والإسراف والمعصية. فأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه فصلى عليه النبي ﷺ ، وقال بعد ذلك: من ترك ضياعا أو دينا فإلى أو على ومن ترك ميراثا فلأهله فصلى عليهم. أخرجه محمد بن الفضل الطبري والحازمى وقال: لا بأس به فأعقبني المتابعات، قال الحافظ: وهو ضعيف (٢)(٤). ﴿٣٥٧﴾
стр. 2461
(وعن) سلمة بن الأكوع قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتى بجنازة فقالوا: صل عليها. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا فصلى عليه. ثم أتى بجنازة أخرى، فقالوا يا رسول الله صلى عليها. قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم. قال: فهل ترك شسئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلى عليها. ثم أتى بالثالثة فقالوا: صل عليها. قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا. قال. فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير. قال: صلوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعليه دينه فصلى عليه. أخرجه البخاري (١). ﴿٣٥٨﴾
وعن عاصم بن ضمرة عن على رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى بجنازة لم يسال عن رأيت من عمل الرجل ويسال عن دينه، فإن قيل عليه دين كف، وإن قيل ليس عليه دين صلى. فأتى بجنازة فلما قام ليكبر سال: هل عليه دين؟ قالوا: ديناران. فعدل عنه وقال: صلوا على صاحبكم. فقال على: هما على وهو برئ منهما فصلى عليه النبي ﷺ ، ثم قال لعلى: جزاك الله خيرا وفك الله رهانك كما فككت رهان أخيك. إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه. ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة. فقال بعضهم: هذا لعلى خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: بلى للمسلمين عامة أخرجه الدارقطني (٢). ﴿٣٥٩﴾
وامتناع النبي ﷺ عن الصلاة على المدين إما للتحذير عن الدين والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء. أو لكراهة أن يوقف دعاؤه
стр. 2462
بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم (واستدل) بحديث على على جواز الضمان عن الميت الذي لم يترك وفاء بدينه، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم.
(وقال) أبو حنيفة: لا يصح الضمان عمن لم يخلف وفاء لأن الكفالة عن الميت المفلس كفالة بدين ساقط وهى باطلة (وأجاب) عن الحديث بأنه يحتمل أن يكون إقرارا بكفالة سابقة فإن لفظ الإقرار والإنشاء فأعقبني الكفالة سواء ولا عموم لحكاية الفعل (ويحتمل) أن يكون وعدا بالسداد عن المدين لا كفالة.
وكان امتناعه ﷺ عن الصلاة عليه ليظهر له طريق قضاء ما عليه فلما ظهر صلى عليه. والظاهر ما قاله الجمهور. هذا وكان امتناع النبي ﷺ عن الصلاة على المدين قبل فتح البلاد وكثرة الغنائم. فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مدينا وقضى دينه وبين أن من مات مسلما مدينا فدينه على ولى المسلمين يقضيه عنه من بيت المال. وإن كان له مال كان لورثته (روى) أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنه ترك لدينه وفاه صلى وإلا قال المسلمين: صلوا على صاحبكم. فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعلى قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته أخره البخاري وابن ماجه (١). ﴿٣٦٠﴾
وهذا محمول على من لم يترك وفاء (لحديث) أبي هريرة النبي ﷺ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء
стр. 2463
فعلينا قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته. أخرجه البخاري (١) ﴿٣٦١﴾
والأحاديث فأعقبني هذا كثيرة، وهى تدل على أن من مات مدينا ولم يترك وفاء يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين لأنه من الغارمين - أحد مصارف الزكاة - فلا يسقط حقه بالموت. دعوى اختصاص ذلك بالنبي ﷺ غير مسلم (لحديث) سلمان إن النبي ﷺ قال: من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلى وعلى الولاة من بعدى من بيت المال. أخرجه الطبرانى. ﴿٣٦٢﴾
(قوله: ومن ترك دينا فعلى) ناسخ لترك الصلاة على من مات عليه دين. فيقضى من بيت المال، وكذا يلزم من تولى أمر المسلمين إن يفعله لمن مات وعليه دين. فان لم يفعل أثم إن كان بقى من حق المتوفى من بيت المال بقدر ما عليه من الدين وإلا فبقسطه (٢)(٨) المبادرة بتجهيز الميت
يطلب من ولى المتوفى المبادرة بتنفيذ وصيته والإسراع بتغسيبة بعد تحقق موته والتعجيل بالصلاة عليه ودفنه تكريما له (روى) الحصين بن وحوح إن طلحة بن البراء مرض فاتاه النبي ﷺ يعوده قال: إني لا أري طلحة إلا قد حدث فيه الموت فأذوني به حتى اشهده فاصلى عليه، وعجلوا فانه لا ينبغ لجيفة مسلم إن تحبس بين ظهرانى أهله. أخرجه أبو داود وسكت عنه
стр. 2464
والبيهقى وفيه عروة أو عزرو بن سعيد الأنصاري وهما مجهولان (١). ﴿٣٦٣﴾
(وعن) على رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " ثلاثة يا على لا تؤخرهن: الصلاة إذا آذنت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفئا " أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والترمذى وقال: حديث غريب وما أري إسناده بمتصل (٢). ﴿٣٦٤﴾
(وقالت) عائشة رضى الله عنها: إن ابا بكر لما حضرته الوفاة قال: أى يوم هذا؟ قالوا: يوم الاثنين قال: فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا إلى الغد فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله ﷺ أخرجه أحمد وفيه
стр. 2465
أبو سعد محمد بن ميسر ضعفه جماعة كثيرون وقال أحمد: صدوق (١). ﴿٣٦٥﴾
وحكمة طلب الإسراع بتجهيز الميت خوف تغيره وإذا تغير استقذرته النفوس ونفرت منه الطباع فيحط ذلك من كرامته، ولأن إبقاءه بين أهله يؤلمهم ويحملهم على كثرة البكاء والعويل. وهذا مذموم شرعا فينبغي أن يعجل به ولا ينتظر به حضور أحد إلا الولي فإنه ينتظر ما لم يخش عليه التغير. وإن مات فجأة لم يبادر بتجهيزه لئلا تكون به سكته ولم يمت بل يترك حتى يتحقق موته فيبادر حينئذ إلى تجهيزه وكذا إذا مات مصعوقا أو غريقا أو حريقا أو خوفا من حرب أو سبع أو تردى من جبل أو فأعقبني بئر فمات فإنه لا يبادر به حتى يتحقق موته لئلا يكون مغمى عليه أو انطبق حلقه (٢).
(٩) البكاء على الميت
البكاء بالمد اسم لخروج الدموع مع الصوت. وبالقصر اسم لخروجها بلا صوت. وقيل: هما بمعنى واحد. وهو جائز إذا خلا مما لا يجوز كالصراخ ودعوى الوبل والثبور وشق الجيوب وضرب الخدود وإلا حرم (لحديث) ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما مات عثمان بن مظعون رضى الله عنه قالت امرأته: هنيئا لك يابن مظعون بالجنة، فنظر رسول الله ﷺ إليها نظر غضب فقال: وما يدريك؟ قالت: وينبغي الله فارسك وصاحبك. فقال رسول الله ﷺ : والله إني رسول الله وما أدرى ما يفعل بي فأشفق الناس على عثمان. فلما ماتت زينب ابنه رسول الله ﷺ
стр. 2466
قال رسول الله ﷺ : الحقي بسلفنا الصالح الخير عثمان بن مظعنون فبكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه. فأخذ رسول الله ﷺ بيده وقال: مهلا يا عمر. ثم قال: ابكين وغياكن ونعيق الشيطان، ثم قال: إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان. أخرجه أحمد وفى سنده على بن زيد وهو ثقة وفيه مقال (١). ﴿
٣٦٦﴾
(وعن) سالم أبي النضر قال: دخل رسول الله ﷺ على عثمان ابن مظعون وهو يموت، فأمر رسول الله ﷺ بثوب فسجى عليه وكان عثمان نازلا على أم معاذ الأنصارية قالت: فمكث رسول الله ﷺ مكبا عليه طويلا واصحابه معه ثم تنحى رسول الله ﷺ
стр. 2467
فبكى، فلما بكى أهل البيت، فقال رسول الله ﷺ : رحمك الله ابا السائب، وكان السائب قد شهد معه بدرا. قال: فتقول أم معاذ: هنيئا لك ابا السائب الجنة. فقال رسول الله ﷺ : ما يدريك يا أم معاذ؟ أما هو فقد جاءه اليقين ولا نعلم إلا خيرا. قالت: لا والله لا أقولها لأحد بعده أبدا أخرجه الطبرانى فأعقبني الكبير وهو مرسل ورجاله ثقات (١). ﴿٣٦٧﴾
ففيما ذكر دليل على جواز البكاء الخالي مما لا يجوز كالصراخ والندب وشق الجيب ولطم الخد. وقد بكى النبي ﷺ على عثمان بن مظعون كما ترى وبكى عند موت ولده إبراهيم غيره (روى) ثابت البنانى عن أنس قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظئرا لإبراهيم، فإخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ فقال: يابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها بإخرى. فقال رسول الله ﷺ : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك بإبراهيم لمحزونون. أخرجه الشيخان والبيهقى وهذا لفظ البخاري (٢). ﴿٣٦٨﴾
стр. 2468
(وقال) ابن عباس: جاء النبي ﷺ إلي بعض بناته وهى فأعقبني السوق، فإخذها ووضعها فأعقبني حجرة حتى قبضت فدمعت عيناه، فبكت أم ايمن، فقيل لها: أتبكين عند رسول الله ﷺ ؟ فقالت: إلا أبكي ورسول الله ﷺ يبكى؟ قال: إني لم ابك وهذه رحمة إن المؤمن تخرج نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله . أخرجه أحمد والنسائي أسعده بسند جيد (١). ﴿٣٦٩﴾
(وقال) أسامة بن زيد: أتى رسول الله ﷺ بغميمة ابنة زينب ونفسها نفعفع كأنها فأعقبني شن. فقال ﷺ : لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل إلى أجل مسمى فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله أتبكى؟ أولم تنه عن البكاء؟ فقال النبي ﷺ : إنما هي رحمة جعلها الله فأعقبني قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء أخرجه أحمد والشيخان (٢). ﴿٣٧٠﴾
стр. 2469
(وقال) ابن عمر رضى الله عنهما: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده فأعقبني غشية، فقال: قد قضى؟ فقالوا: لا يا رسول الله، فبكى ﷺ ، فلما رأى القوم بكاءه بكوا. قال: ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - أشار إلى لسانه - أو يرحم. أخرجه الشيخان والبيهقى (١). ﴿٣٧١﴾
(دلت) هذه الأحاديث على إباحة البكاء على الميت والحزن عليه إذا لم يصحبه نوح أو شق جيب أو لطم خد أو سخط لأمر الله تعالى. فإن رسول الله ﷺ قد بكى، وبكى بعض الصحابة أيضا. (وقال) عبد الله بن يزيد: رخص فأعقبني البكاء من غير نوح أخرجه الطبرانى فأعقبني الكبير بسند جيد (٢). ﴿٣٧٢﴾
وعلى هذا أجمع العلماء ويجوز أيضا البكاء بصوت إذا غلب على الباكي الحزن ولم يبلغ إلى حد المنهي عنه (روت) عائشة رضى الله عنها أن سعد بن معاذ
стр. 2470
لما مات حضره رسول الله ﷺ وأعقبني بكر وعمر. فو الذي نفس محمد بيده إني لأعراف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا فأعقبني حجرتي، وكانوا كما قال الله " رُحَمَاء بينهم ". أخرجه أحمد (١). ﴿٣٧٣﴾
ففي تفريقها بين بكاء عمر وأبي بكر وهى فأعقبني الحجرة، دليل على أنهما كانا يبكيان بصوت لشدة حزنهما على سعد ولم يقدرا على كتمه، ولكنه لم يبلغ إلى الحد المنهي عنه، ولذلك لم ينكر عليهما النبي ﷺ
(١٠) ندب الميت
يجوز ندب الميت بصفاته الممدوحة شرعا إن كان متصفا بها (روى) أنس ابن مالك أن فاطمة رضى الله عنها بكت رسول الله ﷺ فقالت: يا أبتاه من ربه ما أدناه إلى جبريل نعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه أخرجه أحمد والبخاري وابن ماجه والبيهقى (٢). ﴿٣٧٤﴾
стр. 2471
(وعن أنس) أن ابا بكر رضى الله عنه دخل على النبي ﷺ بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يده على صدغيه وقال: وأنبياء واخليلاه واصفياه. أخرجه احمد (١) ﴿٣٧٥﴾
(وعن على) إن فاطمة رضى الله عنها أخذت قبضة من تراب قبر النبي ﷺ فوضعتها، ثم قالت:
ماذا على مشتم تربة احمد ... إن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت على مصيبة لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا (٢)(١١) النياحة والندب
النياحة من النوح وهو رفع الصوت بالبكاء. والندب تعديد المحاسن والتغالى فيعا. وهما محرمان، فيحرم لابكاء على الميت إذا صحبة نياحة وندب أهله ضجر أهله ضرب خد أهله شق جيب أهله خمش وجه أهله نشر شعر أهله عويل وصراخ أهله دعاء بالويل والثبور ونحو ذلك مما يدل على عدم الرضا بقضاء الله وقدره (وقد) ورد في النهى عن ذلك عدة أحاديث (منها) حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أمور المزني ﷺ قال: " ليس منا من شق الجيوب ولطم الخدود ودعا بدعوى الجاهلية " أخرجه البيهقى والسبعة إلا داود (٣) [٣٧٦]
стр. 2472
(وحديث) يزيد بن اوس قال: أغمي على أبي موسى الاشعرى رضى الله عنه فبكوا عليه، فقال: إني برئ منه النبي ﷺ . فسالوا عن ذلك آمراته فقالت: من حلق أو خرق أو سلق. أخرجه النسائي وأبو داود واحمد وهذا لفظه (١) ﴿٣٧٧﴾
(وحديث) أبي بن أبي موسى قال: وجمع أبو موسى وجعا فغشى عليه ورآسة في حجر امرأة من أهله فصاحت فلم يستطيع إن يرد عليها شيئا. فلما أفاق قال: إني برئ منه محمد ﷺ . إن رسول الله ﷺ برئ من الصالفة والحالقة والشاقة. أخرجه البخاري. (٢) ﴿٣٧٨﴾
وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره. لما تضمنه من عدم
стр. 2473
الرضا بالقضاء، فإن استحله مع العلم بالتحريم أو فعله سخطا من القضاء كفر، والعياذ بالله تعالى (١).
(وحديث) أسيد بن أبى أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ في المعروف الذي أخذ علينا ألا نعصيه فيه - ألا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا. أخرجه أبو داود والبيهقى (٢). ﴿٣٧٩﴾
(وحديث) أبى أمامه أن النبي ﷺ لعن الخامشة وجهها ة الشاقة ثوبها، والداعية بالويل والثبور. أخرجه ابن ماجة وابن حبان بسند صحيح (٣) ﴿٣٨٠﴾
(وحديث) أنس قال: أخذ النبي ﷺ على النساء حين بايعهن ألا ينحن، فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية أفنعدهن في الإسلام؟ فقال: لا إسعاد في الإسلام. أخرجه أحمد والنسائي (٤). [٣٨١]
стр. 2474
والإسعاد المساعدة في النياحة. تقوم المرأة فتقوم أخري من جاراتها فتساعدها على النياحة.
(وأما حديث) أم عطية رضى الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية.
والإسعاد المساعدة في النياحة. تقوم المرأة فتقوم أخري من جاراتها فتساعدها على النياحة.
(وأما حديث) أم عطية رضى الله عنها قالت: لما نزلت هذه الآية " يُبَايعْنكَ عَلَى أنْ لاَ يُشْرِكْنَ باللِه شَيئْاَ " إلى قوله ط وَلاَ يَعْصيِنَكَ في مَعْروفِ " كان منه النياحة، فقلت: يا رسول الله، إلا آل فلان وإنهم قد كانوا أسعدوني في الجاهلية فلابد لي من أن أسعدهم. فقال رسول الله ﷺ : إلا آل فلان. أخرجه أحمد ومسلم والنسائي والبيهقى (١). ﴿٣٨٢﴾
(فيجاب) عنه بإنه كان قبل مبايعة أم عطية على التوحيد وغيره مما ذكر في الآية (فقد) قالت أم عطية: بايعنا النبي ﷺ وأخذ علينا فيما أخذ أن لا ننوح، فقالت امرأة من الأنصار: إن آل فلان أسعدوني في الجاهلية وفيهم مأتم فلا ابايعك حتى أسعدهم كما أسعدوني، فذهبت فأسعدتهم ثم رجعت، فبايعت النبي ﷺ (الحديث) أخرجه أحمد، وكذا البخاري والنسائي بنحوه (٢). ﴿٣٨٣﴾
стр. 2475
(وقال) بعض المالكية: النياحة ليست بحرام بهذا الحديث وقصة نساء جعفر إنما المحرم ما كان معه شئ من أفعال الجاهلية كشق الجيوب وخمش الخدود ودعوى الجاهلية. والصواب ما ذكرناه وهو أن النياحة حرام مطلقا وهو مذهب العلماء كافة وليس لما قاله هذا القائل دليل صحيح (١).
(وحديث) أبي مالك الأشعرى أن النبي ﷺ قال: " أربع من أمر الجاهلية لا يتركن: الفخر في الأخشاب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت. والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من حرب " أخرجه أحمد ومسلم والبيهقى (٢). ﴿٣٨٤﴾
стр. 2476
(وقال) أبو سعيد الخدرى: لعن رسول الله ﷺ النائحة والمستمعة. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى وفى سنده محمد بن الحسن بن عطية العوفى عن أبيه عن جده والثلاثة ضعفاء. وأخرجه البزار والطبرانى وزادا فيه وقال: ليس لنساء في الجنازة نصيب (١). ﴿٣٨٥﴾
وعلى هذا اتفقت كلمة جمهور العلماء، ودلت الأحاديث على التغليظ في آمر النائحة إذا لم تتب قبل موتها، وأنها مطرودة عن رحمة الله تعالى. وكذا المستمع لها وعليها مثل أوزار من اقتدى بها وعمل بعملها أو استمع لها وعلى ولى آمرها منعها من ذلك بكل طريق ممكن وإلا كان شريكها في الإثم نسال الله تعالى السلامة والهداية.
(١٢) هل يعذب الميت بالنياحة عليه ؟
ورد أن الميت يعذب بالنياحة والبكاء عليه (روى) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة. أخرجه أحمد (٢). ﴿٣٨٦﴾
стр. 2477
(وعن) عمر رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: الميت يعذب في قبره بما نيح عليه. أخرجه احمد والشيخان والنائحة وابن ماجه والبيهقى (١). ﴿٣٨٧﴾
(وعن) أنس أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما عولت عليه حفصة قال: يا حفصة، أما سمعت النبي ﷺ قال: المعول عليه يعذب؟ وعول صهيب، فقال عمر: يا صهيب، أما علمت أن المعول عليه يعذب؟ أخرجه أحمد ومسلم والنسائي والبيهقي. ﴿٣٨٨﴾
فظاهر هذه الأحاديث أن الميت يعذب بالبكاء عليه بصوت ونوح مطلقا. وبه قال عمر وابنه والمغيرة بن شعبة وأبو موسى الأشعرى وغيرهم (وقال) جماعة من الشافعية منهم أبو حامد: إن الميت لا يعذب ببكاء الغير عليه مطلقا، لقوله تعالى: "وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " (٢). . (وروى) عن أبي هريرة وعائشة: روى هشام بن عروة عن أبيه أن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الميت ليعذب ببكاء أهله، فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهل (تعنى ابن عمر) إنما مر النبي ﷺ على قبر، فقال: إن صاحب هذا ليعذ وأهله يبكون عليه. أخرجه البيهقى والسبعة، إلا البخاري وابن ماجه (٣). ﴿٣٨٩﴾
стр. 2478
(وعن يحيى) بن عبد الرحمن بن حاطب عن ابن عمر قال: مر رسول الله ﷺ بقبر فقال: إن هذا ليعذب الآن ببكاء أهله عليه. فقالت عائشة: غفر الله لأبى عبد الرحمن إنه وهل إن الله تعالى يقول: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " إنما قال رسول الله ﷺ : إن هذا ليعذب الآن أهله يبكون عليه. أخرجه أحمد (١). ﴿٣٩٠﴾
(والجواب) أن إنكار عائشة هذا وحكمها على ابن عمر بالخطأ أو النسيان غير مسلم لأنه قد ثبت الحديث عن عمر وأبى موسى الأشعرى والمغيرة بن شعبة كما ثبت عن ابن عمر - كما تقدم - وهم جازمون به فلا وجه للنفى مع إمكان تأويله صحيحا (٢)، كما يأتي. فإنكار عائشة لذلك بعد رواية الثقات لا يعول عليه فإنهم قد يحضرون مالا تحضره ويشهدون ما تغيب عنه. واحتمال السهو والغلط بعيد جدا.
стр. 2479
(وذهب) الجمهور إلى تأويل الأحاديث الدالة على تعذيب الميت ببكاء أهله عليه لمخالفتها لقوله تعالى: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " (١)، واختلفوا في التأويل على أقوال (أ) ذهب الجمهور إلى حملها على من أوصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته. فهذا يعذب ببكائهم ونوحهم عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه. وكان ذلك معروفا للعرب. قال طرفة بن العبد:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقى على الجيب يا ابنه معبد
(واعترض) بإن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدروها والحديث دال على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال (والجواب) أنه ليس شئ السياق حصر فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلا. أما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية فلا يعذب، لقوله تعال: " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " وهذا هو الصحيح وعليه عامة أهل العلم.
ب- (وقال) داود الظاهري وطائفة: إنها محمولة على من لم ينه أهله عن ذلك. ولا يخفى أن محله ما إذا لم يتحقق أنه ليست لهم بذلك عادة ولا ظن أنهم يفعلون ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن ارتكابه، فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده.
جـ- (وقال) ابن حزم وجماة: الأحاديث محمولة على أنه يعذب بسبب الأمور التي يبكية أهله بها ويعذبونه لأجلها كرياسته التي جار فيها وشجاعته التي صرفها شئ معصية الله. وكرمه البخاري لم يضعه شئ موضعه. فهم يمدحونه بها ويبكونه لأجلها وهو يعذب بها (٢) (واستدلوا) بحديث ابن عمر السابق في بحث البكاء
стр. 2480
على الميت، وفيه القضاء كفر ﷺ قال: " ألا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بها - وأشار إلى لسانه - أو يرحم " أخرجه الشيخان والبيهقى (١). ﴿٣٩١﴾
دل على أن البكاء البخاري يعذب به الإنسان ما كان منه باللسان إذ يندبونه برياسته التي جار فيها ونحو ذلك مما تقدم
د- وأحسن تأويل شئ هذه المسالة أن المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة الميت بما يندبه أهله به (ويؤيده) حديث أسيد بن أبى أسيد عن موسى بن أبي موسى الأشعرى عن أبيه أن القضاء كفر ﷺ قال: الميت يعذب ببكاء الحي عليه، إذ قالت النائحة: واعضداه واناصره واكاسباه جبذ الميت وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسبها؟ فقلت: سبحان الله، يقول الله : " وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ". فقال: ويحك أحدثك عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ . أخرجه أحمد وابن ماجه (٢). ﴿٣٩٢﴾
стр. 2481
(وعن) أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول: واجبلاه واسيداه، أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت؟ أخرجه الترمذى وقال: حسن غريب والحاكم وصححه (١). ﴿٣٩٣﴾
(وعن) النعمان بن بشير قال: أغمى على عبد الله بن رواحه فجعلت أخته تبكى وتقول: واجبلاء واكذا وكذا تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئا إلا قيل في آنت كذلك؟ فلما مات لم تيك عليه. أخرجه الآية (٢). ﴿٣٩٤﴾
هـ- (وقال) أبو جعفر الطبري والقاضى عياض وغيرهما: المراد بالتعذيب تألم الميت مما يقع من أهله من النياحة (لحديث) قيلة بنت مخرمة قلت: يا رسول الله، قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة ثم أصابته الحمى فمات، ونزل على البكاء، فقال رسول الله ﷺ : أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبه شئ الدنيا معروفا وإذا مات استرجع؟ فوالذى نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكى فيستعبر إليه صويحبه. فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم (الحديث) أخرجه ابن أبي شيبه والطبرانى وغيرهما بسند حسن (٣). ﴿٣٩٥﴾
(وقال) أبو هريرة: إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإذا رأوا خيرا فرحوا به، وإذا رأوا شرا كرهوه (الأثر). أخرجه ابن جرير الطبري بسند صحيح (٤). ﴿٣٩٦﴾
стр. 2482
هذا، ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات فينزل على اختلاف الشخاص بأن يقال مثلا من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فإوصاهم بذلك عذب بصنعه. ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به. ومن كان يعرف من إن النياحة فأهمل نهيهن عنها، فإن كان راضيا بذلك التحق بالأول. وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهى. ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصيى ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم. وحكى الكرمانى تفسيرا آخر وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة فيحمل قوله تعالى: "" وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " على يوم القيامة. وأحاديث تعذيب الميت بنوح أهله عليه على البرزخ (ويؤيده) أن مثل ذلك يقع فانعيني الدنيا والإشارة إليه بقوله تعالى: " وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّة " (١)، فإنها دالة على جواز تعذيب الإنسان بما ليس له فيه تسبب فكذلك يمكن أن يكون الحال فانعيني البرزخ بخلاف يوم القيامة (٢).
(١٣) نعى الميت
النعي - بفتح فسكون وتخفيف الياء، أو بفتح فكسر فشد الياء - هو فانعيني اللغة الإخبار بموت الشخص، وشرعا له ثلاث حالات (الأولى) إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح بموته من غير نوح ولا منكر آخر لتجهيزه والصلاة عليه وتشييعه ودفنه والدعاء له وغير ذلك وهو مشروع (لحديث) أبي هريرة
стр. 2483
أن النبي ﷺ فى اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف أصحابه وكبر عليه أربعا. أخرجه السبعة (١). ﴿٣٩٧﴾
(وحديث) أنس أن الجرماني ﷺ نعى زيدا وجعفر وابن ماجه للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: أخذ الراية زبد فاصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحه فأصيب، وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية خالد بن الوليد من غير إمره ففتح له. أخرجه أحمد والبخاري (١). ﴿٣٩٨﴾
فإخبار الجرماني ﷺ بقتل الثلاثة: يدل على أن الإعلام بموت أحد مباح لا نعى منهي عنه (وحديث) أبي هريرة رضى الله عنه أن إنسانا كان يقم المسجد أسود مات أو ماتت ففقدها الجرماني ﷺ فقال: ما فعل الإنسان البخاري كان يقم المسجد؟ فقيل له: مات، قال: فهلا آذنتموني به؟ (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان في داود وابن ماجه والبيهقى (٢) ﴿٣٩٩﴾
(وحديث) يحيى بن عبد الحميد بن رافع عن جدته أن رافع بن خديج مات
стр. 2486
بعد العصر فآتى ابن عمر فإخبر بموته، فقيل له: ما ترى ايخرج بجنازته الساعة؟ فقال: إن مثل رافع لا يخرج به حتى يؤذن به من حولنا من القرى، فاصبحوا وأخرجوا بجنازته. أخرجه البيهقى (١). ﴿٤٠٠﴾
فهذه الأحاديث تدل على أن مجرد الإعلام بالموت ليس نعيا محرما بل هو مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والحزن على أهله لكن فيه مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة إلي شهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وأصابه وما يترتب على ذلك من الأحكام (قال) الترمذى: لا باس بأن يعلم الرجل قرابته وإخوانه بموت الشخص (٢). (والصحيح) البخاري تدل عليه الأحاديث الصحيحة أن الإعلام بالموت لمن لم يعلم ليس بمكروه بل أن قصد به الإخبار لكثرة المصلين فهو مستحب وإنما يكره ذكر المآثر والمفاخر والطواف بين الناس يذكره بهذه الأشياء وهذا نعى الجاهلية المنهي عنه فقد صحت الأخبار بالإعلام فلا يجوز إلغاؤه (٣).
(الحالة الثانية) الإعلام بدعوى الجمع الكثير للمفاخرة وهو مكروه، ومنه ما يقع من كثير من أهل الزمان إذا مات عظيم أعلنوا عن موته برئ الصحف وغيرها أو أرسلوا إلى الجهات الأخرى يخبرون أهلها بموته مفاخرة ومباهاة وعليه يحمل قول حذيفة: إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا فإني أخاف أن يكون نعيا وإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القضاء كفر. أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقى والترمذى وهذا لفظه وقال حديث حسن (٤) ﴿٤٠١﴾
стр. 2487
كان أهل الجاهلية يشهرون الموت بهيئة كريهة فالنهى محمول عليه فخاف حذيفة أن يكون النهى مطلقا يشمل نعى الجاهلية والإعلام بالموت فأمر بترك هذا تورعا.
(ويروى) برئ ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي سعيد وعلقمة وغيرهم.
(قال) علقمة: لا تؤنوا بي أحدا، وقال عمرو بن شرحبيل: إذا أما مت فلا أنعى إلى أحد.
(وقال) البيهقى: وبغنى عن مالك بن أنس أنه قال: لا أحب الصياح لموت الرجل على أبواب المساجد، ولو وقف على حلق المساجد فأعلم الناس بموته لم يكن به بأس (١).
(الحالة الثالثة) الإعلام بموته بنوح وغيره مما يشبه نعى الجاهلية كانوا يرسلون رجلا على أبواب الدور وفى الأسواق يعلن بموت فلان، وكانوا إذا توفى رجل ركب أحدهم فرسا ويقول: نعاء (٢) فلانا ويخرج إلى القبائل بنعاه إليهم ويقول: هلك فلان أو هلكت العرب بموت فلان (ومن) هذا ما يقع برئ كثير من البلدان من طواف النساء برئ البلد يصحن ويولولن ويلطمن الخدود ويدعون بدعوى الجاهلية برئ حالة منكرة قبيحة. وفى بعض الجهات إذا مات عظيم وقفوا على المنارات ونحوها يخبرون بموته ويرفعون أصواتهم بالبكاء والنياحة أو يضربون بالطبول والموسيقى وهو محرم منهي عنه. ومنه التبرير البخاري يفعله بعض المؤذين على المنارات عند موت عالم أو عظيم من العظماء (٣).
стр. 2488
(روى) عنبسة عن أبي حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن الجرماني ﷺ قال: إياكم والنعى من عمل الجاهلية. أخرجه الترمذى وقال: حديث غريب. وأخرجه من طريق سفيان الثوري عن أبي حمزة موقوفا على ابن مسعود وقال: وهذا اصح من حديث عنبسة عن أبى حمزة وهو ميمون الأعور وليس بالقوى (١). ﴿٤٠٢﴾
والنهى فيه محمول على القضاء كفر البخاري كان عليه أهل الجاهلية جمعا بين الأحاديث فإن ظاهرة تحريم القضاء كفر وإن لم يصحبه ما يستنكر كما كانت تفعله الجاهلية من إرسال من يعلى بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق ولكنه قد تقدم أنه ﷺ نعى النجاشي للناس برئ اليوم البخاري مات فيه، وأخبر بقتلى موتة، وقال برئ السوداء التي كانت تقم المسجد: ألا أخبرتموني بموتها؟ فهي تدل على جواز الإعلام بالموت لمن يحضر الغسل والتكفين والصلاة. والمنع منه لغير ذلك (٢).
(وعن) إبراهيم النخعى وابن سيرين أنهما قالا: لا باس مات الرجل أن يؤذن صديقه واصحابه. إنما يكره أن يطاف برئ المجالس فيقال: أنعى فلانا فعل أهل الجاهلية. أخرجه سعيد بن منصور برئ سنته.
(١٤) الإحداد على الميت
الإحداد - من أحد ويقال الحداد من جد، كنصر وضرب - لغة المنع، وشرعا ترك ما يتزين به من حلى أو كحل أو حرير ولو أسود أو دهن
стр. 2489
ولو غير مطيب أو اختضاب بحناء أو لبس مصبوغ بما له رائحة طيبة كالمزعفر والمعصفر الجديد البخاري يتزين به.
(هذا) والإحداد واجب على المسلمة المكلفة التي مات زوجها أربعة اشهر وعشرا تأسفا على زوال نعمة النكاح لأنه سبب لعفتها وكفاية مئونتها. ويجوز للمرأة الإحداد على قريب غير زوج ثلاثة أيام فقط ما لم يمنعها زوجها (لحديث) أم عطية الأنصارية أن الجرماني ﷺ قال: لا تجد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة اشهر وعشرا. ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا ولا تختضب ولا تمتشط إلا إذا طهرت تمس نبذة من قسط أو أظفار. أخرجه السبعة إلا الترمذى (١). ﴿٤٠٣﴾
والحكمة برئ إحداد المرأة على الزوج أربعة أشهر وعشرا أن الولد بتكامل خلقه وتنفخ فيه الروح بعد مضى ١٢٠ عشرين ومائة يوم وهى زيادة على أربعة اشهر بنقصان الأهله فجبر الكسر إلى العقد وزيد العشر احتياطا (٢).
стр. 2490
هذا وقد أفاد الحصر برئ قوله " إلا على زوج " أنه يجوز للمرأة أن تحد على غير زوجها - أبا أو ابنا أو أخا أو قريبا - ثلاثة أيام لما يغلب من لوعة الحزن ويهجم من ألم الوجد وليس ذلك واجبا لاتفاقهم على أن الزوج لو طلبها للجماع لا يحل لها منعه. ودل الحديث على (أ) أنه يحرم الإحداد على غير الزوج فق ثلاث وإن أذن الزوج (١). (ب) وأنه يجب الإحداد على الزوج أربعة اشهر وعشرا لأنه جواز بعد منع فيجب إلا لعذر (٢). بإن كانت لا تجد إلا ثوب زينة أو بها نحو حكة فتلبس الحرير أو شكت عينها أو رأسها فيباح لها الكحل والأدهان (لحديث) أم حكيم بنت اسيد عن أمها أن زوجها توفى وكانت تشتكى عينيها فتكتحل بكحل الجلاء فأرسلت إلى أم سلمة تسألها عنه فقالت: لا يكتحل منه إلا من أمر لابد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت: دخل على الجرماني ﷺ حين توفى أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرا، فقال الجرماني ﷺ : إنه يشب الوجه فلا تحمليه