← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ابن مسعود لا يعرف لها أصل (١) (والظاهر) من الأدلة وجوب الترتيب بين الأعضاء المذكورة في الآية. (ويؤيده) حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف سبعا رمل ثلاثا ومشي أربعا ثم استلم الركن ثم خرج فقال: إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدءوا بما بدأ الله به. أخرجه النسائي والدارقطني من عدة طرق وصححه ابن حزم (٢) [١٥٢]. وهو بعمومه شامل للوضوء وأن ورد في الحج فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولأن العرب إذا ذكرت متعاطفات بدأت بالأقرب فالأقرب. فلما ذكر في الآية الوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دلت على الأمر بالترتيب. (٧) الموالاة في الوضوء: وهي التتبع بأن يطهر العضو اللاحق قبل جفاف السابق مع اعتدال الهواء والزمان والمكان والبدن بلا عذر. وقد اختلف العلماء في حكمه (قال) الأوزاعي ومالك وقتادة والليث وأحمد في رواية والشافعي في القديم: الموالاة في الوضوء فرض (لحديث) خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. أخرجه أحمد وأبو داود والحكم والبيهقي بسند فيه بقية في الوليد. مدلس غير أنه صرح بالتحديد عنه أحمد والحاكم (٣) [١٥٣].

стр. 282

(وقال) الحنفيون وسفيان الثوري وأحمد في رواية والشافعي في الجديد: الموالاة سنة لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء ولم يوجب موالاة. (وعن) نافع أن ابن عمر توضأ في السوق، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه، ثم دعى إلى جنازة فدخل المسجد ومسح على خفيه بعد ما جف وضوءه وصلي. أخرجه مالك والبيهقي. وقل: هذا صحيح عن ابن عمر، ومشهور عن قتيبة. وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأسا (١) [١٦]. وهذا دليل حسن، فإن ابن عمر فعله بحضره حاضري الجنازة ولم ينكر عليه (٢). (وعن) عبيد بن عمير الليثي أن عمر بن الخطاب رأى رجلا وبظهر قدمه لمعة لم بصبها الماء، فقال له عمر: أبهذا الوضوء تحضر الصلاة؟ فقال يا أمير المؤمنين البرد شديد وما معي ما يدفئني، فرق له بعد ما هم به، فقل له أغسل ما تركت من قدمك وأعد الصلاة وأمر له بخميصة. أخرجه البيهقي (٣) [١٧]. (وعن) عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أرجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى. أخرجه أحمد ومسلم (٤) [١٥٤]. فلو كانت الموالاة فرضا، لقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرجع فأعد

стр. 283

وضوءك وإنما قال: أحسن وضوءك. وإحسان الشيء لكماله. وهذا هو الراجح لقوة أدلته. (٨) الدلك: وهو امرار اليد على العضو مع الماء أو بعده، وهو فرض في الوضوء والغسل عند المالكية والمزني لحديث عبد الله ابن زيد بن عاصم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ فجعل يقول هكذا يدلك. أخرجه أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلي وابن حبان (١) [١٥٥]. (وقال) الحنفيون والشافعي وأحمد: الدلك سنة لعدم التصريح به في الأحاديث الكثيرة الواردة في صفة الوضوء والغسل فهو قرينة على صرف الأمر بالدلك للندب. ودعوى أنه من مسمى الغسل أو شرط فيه محل نظر. والمقرر أن مجرد فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يفيد الفرضية. (تنبيه) علم مما تقدم أن أركان الوضوء عند الحنفيين أربعة. غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس (وعند) الشافعية ستة: النية، وغسل الأعضاء الثلاثة ومسح بعض الرأس، والترتيب (وعند) الحنبلية ستة: غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة. وأما النية فشرط صحة (وعند) المالكية سبعة: النية، وغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والدلك والموالاة للذكر القادر فلو كان ناسيا بني على ما فعل مع تجديد النية. وكذا العاجز غير أنه لا يلزمه تجديد النية، لعدم ذهابها.

стр. 284

٣ - سنن الوضوء السنن جمع سنة وهي لغة الطريقة. وشرعا الطريقة المسلوكة في الدين بقول أو فعل من غير لزوم ولا إنكار على تاركها، وليست خصوصية. وهي قسمان: (أ) مؤكدة. وهي ما واظب عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا إنكار على تاركها. (ب) غير مؤكدة. وهي ما تركها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحيانا. وسنن الوضوء كثيرة. المذكورة منها هنا عشرة: ١ - التسمية في أوله: بأن يقول: باسم الله والحمد لله (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا توضأت نقل: باسم الله والحمد لله، فإن حفظتك لا تبرح تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء" أخرجه الطبراني في الصغير بسند حسن (١) [١٥٦]. (وقد) اختلف العلماء في حكمها (قال) الحنفيون والشافعية: أنها سنة مؤكدة وهو المشهور عن أحمد (لحديث) ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه، كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه، كان طهورا لأعضاء وضوئه" أخرجه الدارقطني والبيهقي من عدة طرق في كل منها مقال (٢) [١٥٧]. ومشهور مذهب مالك أن التسميه في الوضوء مندوبة.

стр. 285

(وقال) إسحاق بوجوبها في حق العالم الذاكر وروي عن أحمد. فإن تركها عمدا لم تصح طهارته. وإن تركها سهوا أو جهلا فوضوءه صحيح. وإن ذكرها في أثنائه سمي وبني (ودليله) حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند ضعيف (١) [١٥٨]. وأخرج الترمذي الجملة الأخيرة من طريق رباح بن عبد الرحمن عن سعيد بن زيد وقال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد. وقال إسحاق: أن ترك التسمية عامدا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيا أو متأولا أجزأه. وقال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب، حديث رباح بن عبد الرحمن (٢). (والراجح) أنها سنة مؤكدة "والنفي" في حديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "محمول" على نفي الكمال، جمعا بين الأحاديث. ويؤيده قول ابن سيد الناس في شرح الترمذي: قد روى في بعض الروايات: لا وضوء كاملا. فإن ثبتت هذه الزيادة من وجه معتبر فلا أصرح منها في إفادة مطلوب القائل بعدم وجوب التسمية (٣). ٢ - غسل اليدين إلى الرسغين: الرسغ، بضم فسكون أو بضمتين: مفصل الكف بين الكوع والكرسوع. وأما البوع فهو عظم يلي إبهام الرجل. قال بعضهم:

стр. 286

وعظم يلي الإبهام كوع وما يلي ... لخنصره الكرسوع والرسغ ما وسط وعظم يلي إبهام رجل ملقب ... ببوع فخذ بالعلم وأحذر من الغلط والكلام في حكم غسلهما وكيفيته: (١) الحكم ذهب الجمهور إلى أنه يسن غسل الكفين الطاهرتين ثلاثا في ابتداء الوضوء قبل المضمضة وإن لم يكن مستيقظا من نوم، لأن من حكى وضوء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذكر أنه غسل كفيه ثلاثا أولا من غير تقييد بكونه عن نوم (روي) حمران أن عثمان دعا بماء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما. ثم أدخل يديه في الإناء فمضمض واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا (الحديث) وفيه. ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ نحو وضوئي هذا. أخرجه الشيخان وكذا أبو داود بلفظ: "أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين" (١) [١٥٩]. ... وهو في حق من استيقظ من نوم ليلا أو نهارا، أكد (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قل: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده". أخرجه الجماعة (٢) [١٦٠]. (ويدل) على عدم الوجوب حديث رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله

стр. 287

فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويسمح برأسه ورجلين إلى الكعبين" (الحديث). أخرجه أبو داود والبيهقي (١) [١٦١] ولم يذكر فيه غسل اليدين قبل المضمضة. ... (وقالت) الحنبلية: يسن غسل الكفين في ابتداء الوضوء لغير قائم من نوم ليل ناقض للوضوء، بأن لم يكن نائما، أو كان نائما بالنهار أو بالليل نوما لا ينقض الوضوء، كنوم يسير من جالس أو قائم "أما للقائم" من نوم ليل ناقض للوضوء "فيجب" عليه غسل كفيه ثلاثا في ابتداء وضوئه تعبدا، لحديث الاستيقاظ فإن تركه عامدا عالما فوضوءه صحيح مع الإثم. ويسقط بالنسيان، لأنه طهارة مفردة لا من الوضوء، ومقتضاه أنه لا يستأنف ولو تذكر في الأثناء، بل ولا يغسلهما بعد. بخلاف التسمية في الوضوء لأنها منه (٢). ... (فقد حمل) الحنبلية الأمر في الحديث على الوجوب في نوم الليل خاصة، "لكن" التعليل بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده "يقتضي" الحاق نوم النهار بنوم الليل. وذكر البيات نظرا للغالب. (وحمل) الجمهور الأمر في الحديث على الندب، لما تقدم، ولأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة عن الوجوب، ولأن التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية، يدل على الندبية. وهذه الأمور إذا ضمت إليها البراءة الأصلية لم يبق الحديث منتهضا للوجوب ولأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة عن الوجوب، ولأن هذا. ومحل الخلاف إذا شك في طهارتهما كما إذا استيقظ من النوم ليلا

стр. 288

أو نهارا. أما إذا تيقن طهارتهما فيكون غسلهما سنة اتفاقا (وينوب) عن فرض غسل الكفين بعد غسل الوجه عند الحنفيين بل قيل: هو فرض وتقديمه سنة وإن تيقن نجاستهما، وجب غسلهما اتفاقا. (ب) كيفية غسل الكفين: هي أنه- إذا كان يصب عليه- أن يغسلهما مع الدلك وتخليل الأصابع ثلاثا. وإن كان يغسلهما من إناء صغير كالكوز أو كبير ومعه إناء صغير، فإنه يصب منه على اليمنى ويغسلها ثلاثا مع دلك الأصابع، ثم يفعل باليسرى كذلك، وهذا مستحب مراعاة للتيامن. فلو غسلهما معا ثلاثا أجزأه بلا كراهة. وإن كان الإناء كبيرا لا يمكن رفعه وليس معه إناء صغير، أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة ورفع الماء بها وصبه على يده اليمنى حتى يغسلها ثلاثا مع الدلك. ثم يدخل يده اليمنى فيصب بها على اليسرى حتى يغسلها ثلاثا مع الدلك. فإن خالف ما ذكر بأن أدخل يده في الإناء الصغير أو الكبير ومعه إناء صغير، أو أدخل كفه اليسرى مع الأصابع عند عدم الإناء الصغير، كره تنزيها عند بعض الفقهاء. (٣، ٤) المضمضة والاستنشاق: المضمضة لغة التحريك. وإصطلاحا استيعاب الماء جميع الفم ولو بلا إدارة ولا مج. والأكمل مجه. (والاستنشاق) لغة جذب الماء ونحوه بريح الأنف إليه. واصطلاحا إيصال الماء إلى ما لأن من الأنف. ثم الكلام ينحصر في أربعة مباحث. (أ) حكمها: فيهما ثلاثة مذاهب (١) هما سنة في الوضوء عند الحنفيين ومالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن البصري وسفيان الثوري وغيرهم لقوله تعالى: "فاغسلوا وجوهكم" الآية، ولما في حديث رفاعة بن رافع من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتوضأ كما أمرك الله. أخرجه أبو داود

стр. 289

وهو حديث صحيح (١) [١٦٢]. وموضع الدلالة أن الله إنما أمر بغسل الوجه دون باطن الفم والأنف. وهذا الحديث من أحسن الأدلة، لأن الأعرابي المخاطب به، صلي ثلاث مرات فلم يحسنها، فعلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يعرف الصلاة التي تفعل بحضرة الناس وتشاهد أعمالها، فعلمه واجباتها وواجبات الوضوء فقال: توضأ كما أمرك الله. ولم يذكر له سنن الصلاة والوضوء. فلو كانت المضمضة والاستنشاق واجبين لعلمه أياهما، فإن حكمهما مما يخفي لا سيما في حق هذا الرجل الذي خفيت عليه الصلاة التي تشاهد، فكيف الوضوء الذي يخفي (٢). (وقال) عبد الله بن زيد بن عاصم رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا. أخرجه الترمذي (٣) [١٦٣]. وتقدم أن المضمضة والاستنشاق من سنن الفطرة وقد حمل الجمهور فيهما على السنية جمعا بين الأدلة. ٢ - (وقال) أحمد في رواية وداود الظاهري وابن المنذر: المضمضة سنة في الوضوء لما تقدم (أما الاستنشاق) فواجب لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم ليستنثر. أخرجه مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي (٤) [١٦٤].

стр. 290

وفرقوا بينهما، لأن المضمضة ثابتة بفعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا بأمره بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما. ومجرد فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يفيد الوجوب (ورد) بورود الأمر بالمضمضة أيضا. ففي حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا توضأت فمضمض. أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح (١) [١٦٥]. فلا وجه للتفرقة بين المضمضة والاستنشاق، وقد علمت أن الأمر بهما محمول على الندب. ٣ - (وقال) إسحاق بن راهوية: إنهما فرض في الوضوء والغسل. وهو المشهور عند أحمد لأنهما من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بهما (ولحديث) لقيط بن صبرة المذكور. (والظاهر) ما ذهب إليه الجمهور من أن الأمر في هذه الأحاديث محمول على الندب (ومن المقرر) أن المواظبة لا تفيد الوجوب إلا إذا صاحبها إنكار على التارك. وهو لم يثبت هنا. (ب) الترتيب بينهما: اتفق العلماء على أن المضمضة مقدمة على الاستنشاق. وهل هو شرط أو مستحب؟ ذهب إلى الأول أحمد وبعض الشافعية. وإلى الثاني الحنفيون ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم (أما) تقديمهما على غسل الوجه، فقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه ليس بواجب، لأنهما من أجزائه (ويستحب) تقديمهما عليه لأن كل من وصف وضوء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أنه بدأ بهما (وكذا) يستحب تقديمهما على سائر الأعضاء غير والوجه

стр. 291

عند الأئمة الثلاثة والجمهور وهو رواية عن أحمد (لحديث) المقدام بن معد يكرب قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا. ثم غسل ذراعية ثلاثا. ثم مضمض واستنشق ثلاثا. ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما. أخرجه أبو داود بسند صالح وأحمد بزيادة: وغسل رجليه ثلاثا (١) [١٦٦]. فهو يدل على جواز تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه واليدين (وعن أحمد) أنه يجب تقديمهما على غسل اليدين لأنهما من الوجه. لكنه تعليل في مقابلة النص فلا يعول عليه. والأحاديث الكثيرة الدالة على تقديمهما على غسل الوجه، تدل على أنه سنة، وهو متفق عليه (والحكمة) في تقديمهما على الفروض، اختيار أوصاف الماء لأن لونه يدرك بالبصرن وطعمه بالفم وريحة بالأنف. وقدمت المضمضة لشرف منافع الفم. (جـ) كيفيتهما: المضمضة والاستنشاق يحصلان بإيصال الماء على أي صفة إلى الفم والأنف. والأفضل عند غير الحنفيين أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها، لما تقدم عن عبد الله ابن زيد (٢) والأفضل عند الحنفيين أن يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث غرفات (لحديث) كعب بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا يأخذ لكل واحدة ماء جديدا. أخرجه الطبراني في الكبير. وفيه ليث بن أبي سليم ضعيف. ومصرف بن عمرو فيه مقال (٣) [١٦٧].

стр. 292

(ويؤيده) ما في حديث ابن عباس قال: أتيت خالتي ميمونة فبت عندها فصلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العشاء ثم دخل بيته فوضع رأسه على وسادة فجئت فوضعت رأسي على ناحية منها فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقضى حاجته ثم جاء إلى قربة على مشجب فيها ماء فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا (الحديث) أخرجه أحمد (١) [١٦٨]. هذا وأحاديث الوصل أقوى من أحاديث الفصل بين المضمضة والاستنشاق. (د) ما يسن فيهما: يسن في المضمضة والاستنشاق أمور ستة: (١) أن يكونا باليمين. (٢) أن يكونا ثلاثا. (٣) الاستنثار باليسرى (لحديث) علي ﵁ أنه دعا بوضوء فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى ثم قال: هكذا طهور النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه النسائي (٢) [١٦٩]. (٤ و ٥) مج الماء في المضمضة واستنثاره في الاستنشاق. (٦) المبالغة فيهما لغير الصائم (لحديث) لقيط بن صبرة أنه قال: أخبرني يا رسول الله عن الوضوء فقال "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة والبيهقي (٣) [١٧٠]. والمبالغة في المضمضة ترديد الماء في الحلق وفي الاستنشاق جذب الماء بالنفس إلى أعلى الأنف.

стр. 293

(٥) السواك عند المضمضة: قد تقدم الكلام عليه في بحث خاص (١). (٦) تخليل اللحية: وهو تفريق شعرها من أسفل إلى فوق بعد تثليث غسل الوجه "واللحية" أما خفيفة، ترى البشرة تحتها، فحينئذ يجب إيصال الماء على ما تحتها اتفاقا، لأنه من مسمى الوجه "وأما كثيفة" وهي التي لا ترى منها البشرة (وقد) اختلف العلماء في حكم تخليلها حينئذ (فقالت) المالكية: يجب تحريكها ليصل الماء بين ظاهر الشعر وإن لم يصل للبشرة (وقالت) الشافعية والحنبلية وأبو يوسف: أنه سنة (وقال) أبو حنيفة ومحمد: أنه مستحب. والأدلة ترجح أنه سنة (أمثلها) حديث عصمان أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخلل لحيته. أخرجه ابن ماجه والترمذي وصححه والحاكم والدارقطني (٢) [١٧١]. (وعن) أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكة فخلل به لحيته. وقال: هكذا أمرني ربي . أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم (٣) [١٧٢]. (وقال) إسحاق بن راهوية وأبو ثور والحسن بن صالح والظاهرية: يجب تخليلها أخذا بظاهر قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أنس: هكذا أمرنى ربى (وأجاب) الجمهور بأن الأمر فيه وفى نحوه للندب. نعم، الاحتياط والأخذ بالأوفق أولى، لكن بدون مجارأة على الحكم بالوجوب.

стр. 294

(٧) تخليل الأصابع (قال) الجمهور: يسن في الوضوء تخليل أصابع اليدين والرجلين (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك. أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن. وحسنه البخاري (١) [١٧٣]. (وعن) لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا توضأت فخلل الأصابع. أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححاه (٢) [١٧٤]. (وقالت) المالكية: يجب في أصابع اليدين، ويندب في أصابع الرجلين لأن أصابع اليدين مفرقة. فكل إصبع بمنزلة عضو مستقل. وهم يوجبون التدليك في كل عضو. أما أصابع الرجلين فلشدة اتصالها، اعتبرت كعضو واحد، فلا يلزم تخليلها. ومحل الخلاف إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع بلا تخليل. أما إذا لم يصل إلا به، فإنه يجب التخليل لا لذاته، بل لأداء فرض الغسل. (والأكمل) في تخليل أصابع اليدين أن يكون بالتشبيك بينهما جاعلا ظهر أحدهما لبطن الأخرى. وفي أصابع الرجلين يكون بخنصر اليد اليسرى بادئا بخنصر رجله اليمين خاتما بخنصر رجله اليسرى (لقول) المستورد بن شداد: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخلل أصابع رجليه بخنصره. أخرجه البيهقي والأربعة إلا النسائي. وفي سنده ابن لهيعة. وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن القطان (٣) [١٧٥].

стр. 295

وإنما كان تخليل الرجلين بخنصر اليسرى، لأنهما محل الوسخ. وكان بالكيفية المذكورة، لما فيها من السهولة والمحافظة على التيامن. (٨) التيامن في الوضوء: وهو البدء بغسل اليمين قبل غسل اليسار من كل عضوين لا يسن تطهيرهما معا كاليدين والرجلين. وهو سنة عند الشافعية وأحمد ومستحب عند المالكية. وهو مشهور مذهب الحنفيين. لكن حقق الكمال ابن الهمام أنه سنة، لثبوت المواظبة (قالت) عائشة ﵂: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب التيامن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله. أخرجه السبعة بألفاظ متقاربة (١) [١٧٦]. (فهو) يدل على مشروعية الابتداء باليمين في لبس النعال وفي تسريح الشعر، وفي الوضوء والغسل. وأن التيامن سنة في كل ما كان من باب التكريم والتزيين وما كان بضدها استحب فيه التياسر. وأجمع أهل السنة على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة من خالفها فاته الفضل وتم وضوءه (وقالت) الشيعة: يجب تقديم غسل اليمين قبل اليسار في الطهارة (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بميامنكم. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي (٢) [١٧٧]. (وأجاب) الجمهور بأن الأمر فيه محمول على الندب. فقد اشتمل الحديث

стр. 296

على الأمر بالتيامن في اللبس. والشيعة لا يقولون بوجوبه. فهذا يصلح قرينة لصرف الأمر إلى الندب. ودلالة الاقتران وإن كانت ضعيفة، لكنها لا تقتصر عن الصلاحية للصرف (ويعضدها) ما روى عن علي ﵁ أنه قال: ما أبالي لو بدأت بالشمال قبل اليمين إذا أكملت الوضوء. أخرجه الدارقطني والبيهقي (١) [١٨] ونحوه عن ابن مسعود. (٩) تثنية الغسل وتثليثه: اتفق العلماء على أن الغسلة الأولى المستوعبة فرض في الأعضاء الثلاثة "الوجه واليدين والرجلين" وأن الثانية والثالثة سنتان (لحديث) ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي. أخرجه البيهقي (٢) [١٧٨]. وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا. وبعض الأعضاء ثلاثا وبعضها مرتين. والاختلاف دليل على جواز ذلك وأن الثلاث هي الكمال. والواحدة تجزئ. (والأحاديث) الصحيحة في هذا كثيرة. وكلها تدل على ثبوت التوضؤ ثلاثا ثلاثا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا خلاف (وخرج) بالغسل المسح. فلا يسن تكريره عند الحنفيين ومالك وأحمد والجمهور بل السنة مسح الرأس، مرة واحدة. لقول أبي حية: رأي عليا توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما. ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا، ومسح برأسه مرة، ثم غسل قدميه إلى الكعبين. ثم قال:

стр. 297

أحببت أن أريكم كيف كان طهور النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه الترمذي وصححه (١) [١٧٩]. (وعن عبد الله) بن أبي أوفى قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا ومسح رأسه مرة. أخرجه ابن ماجه (٢) [١٨٠]. (وعن ابن عباس) أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فذكر الحديث كله ثلاثا ثلاثا قال: ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة. أخرجه أحمد وأبو داود (٣) [١٨١]. (وقال) الشافعي وعطاء: يستحب تثليث مسح الرأس (لقول) عثمان ﵁: ألا أريكم وضوء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تم توضأ ثلاثا ثلاثا. أخرجه مسلم (٤) [١٨٢]. ولم يستثن الرأس (وأجيب) بأن المطلق يحمل على المقيد فلا ينتهض للاحتجاج به على طلب تثليث مسح الرأس (وقال أبو داود) أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثا وقالوا فيها: ومسح برأسه. ولم يذكروا عددا كما ذكروا في غيره (٥). (والإنصاف) أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة "فالوقوف" على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين

стр. 298

وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما "هو المتعين" لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات بالمرة الواحدة (وقال) الحافظ في الفتح يحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح ابن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جمعا بين الأدلة (١). وعن الربيه بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه (الحديث) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود (٢) [١٨٣] وقد قال بهذا الحديث بعض الكوفيين منهم وكيع بن الجراح "وما" تقدم في حديث عبد الله ابن زيد (٣) من قوله: مسح ﷺ رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر "لا يعد" تكرارا للمسح، لأن الرد لم يكن بماء جديد اتفاقا. ١٠ - مسح الأذنين: الأذنان من الرأس عند الحنفيين ومالك وأحمد والجمهور (لقول) أبي أمامة: توضأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ومسح برأسه وقال "الأذنان من الرأس" أخرجه الترمذي. وأخرجه ابن ماجه بلفظ: الأذنان من الرأس، وكان يمسح رأسه مرة (٤) [١٨٤]. (وقال) الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن بعدهم. وبه يقول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق (ويسن) عند الحنفيين مسحهما ولو بماء الرأس (لما تقدم) عن

стр. 299

ابن عباس من قوله: ومسح "يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم" برأسه وأذنيه مسحة واحدة (١). (وقالت) الحنبلية: يجب مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما لأنهما من الرأس ويسن مسحهما بماء جديد (لحديث) عبد الله بن زيد الآتي. (ومن) الرأس البياض فوق الأذنين فيجب مسحه مع الرأس (٢) وعن أحمد أنه لا يجب مسح الآذنين وهو ظاهر المذهب لأنهما من الرأس على وجه التبع (٣). (وقال) المالكية والشافعية: يسن مسح ظاهرهما وباطنهما بعد مسح الرأس بماء جديد (لحديث) عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي وقال: هذا إسناد صحيح (٤) [١٨٥]. (وأجاب) الحنفيون بأنه إنما أخذ لهما ماء جديدا لعدم بقاء بلل على اليد بعد مسح الرأس، جمعا بينه وبين الروايات الكثيرة الدالة على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسح الرأس والأذنين بماء واحد. (ومنه) تعلم ما في قول ابن القيم في الهدى: ولم يثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أخذ لهما ماء جديدا. وإنما صح ذلك عن ابن عمر (٥).

стр. 300

هذا. والسنة عند الجمهور مسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالإبهامين (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهر ما وباطنهما. أخرجه الترمذي وصححه، والنسائي بلفظ "ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين وظاهرهما بإبهاميه" (١) [١٨٦]. (وعن) المقدام بن معديكرب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ ومسح برأسه وأنيه ظاهرهما وباطنهما وأدخل أصبعيه في ضماخي أذنيه. أخرجه أبو داود وابن ماجه والطحاوي بسند حسن (٢) [١٨٧]. ٤ - مستحبات الوضوء هي جمع مستحب. وهو لغة المحبوب. وشرعا ما لم يواظب عليه النبي ﵌ سواء فعله مرة وتركه أخرى، أو رغب فيه. وهو المندوب سواء. وللوضوء مستحبات كثيرة المذكور منها سبعة عشر. ١ - استقبال القبلة: يستحب عند الحنفيين ومالك استقبال القبلة حال الوضوء. ويسن عند غيرهم (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: خير المجالس ما استقبل به القبلة. أخرجه ابن جرير (٣) [١٨٨]. ٢ - تقديمه على الوقت لغير المعذور. ٣ - ترك لطم الوجه وغيره من الأعضاء. وهو مستحب عند الجمهور، لأن كل من وصف وضوء النبي صلى الله

стр. 301

عليه وعلى آله وسلم لم يذكر أنه ضرب وجهه بالماء (وقال) إبراهيم النخعي: لم يكونوا يلطمون وجوههم بالماء في الوضوء. أخرجه سعيد بن منصور [١٩]. (وقال) بعضهم: يستحب للمتوضئ ضرب الوجه بالماء، لما في حديث على ﵁ قال: يا بن عباس ألا أريك كيف كان يتوضأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الحديث) وفيه: ثم تمضمض واستنثر. ثم أدخل يديه في الإناء جميعا فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها وجهه (الحديث) أخرجه أبو داود والبيهقي. وفي رواية أحمد وابن حبان: فصك بها على وجهه (١) [١٨٩]. وذكره ابن حبان تحت ترجمة "استحباب صك الوجه بالماء للمتوضئ عند غسل الوجه" (وأجاب) الجمهور بأن الحديث متكلم فيه. وعلى فرض صحته فيحمل الضرب أو الصك فيه على صب الماء وإفاضته على الوجه جمعا بين الأحاديث. ولأن لطم الوجه بالماء لا يتفق والكمال. ٤ - عدم التكلم حال الوضوء: هو مستحب إلا لحاجة تفوته، كأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد ضال ورد سلام "وأما حديث" عبد الرحمن ابن البيلماني قال: رأيت عثمان بن عفان جالسا بالمقاعد (٢) يتوضأ فمر به رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه ثم دخل المسجد فوقف على الرجل فقال: لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني سمعت رسول الله صلى اله عليه وعلى آله وسلم يقول: من توضأ فغسل يديه، ثم مضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا،

стр. 302

وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه، ثم غسل رجليه، ثم لم يتكلم حتى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، غفر له ما بين الوضوءين. أخرجه أبو يعلي "فهو شعيف" لأن في سنده محمد بن عبد الرحمن بن البيلمانى وهو مجمع على ضعفه. قال الهيثمي (١) [١٩٠]. "وكذا" حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن حضين ابن المنذر عن المهاجر بن قنقذ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يتوضأ فسلمت عليه. فلم يرد علي، فلما فرغ قال: أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير وضوء. أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين (٢) [١٩١]. "ورد" بأنه معلول. فقد قال ابن دقيق العيد: سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخره. ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره عن الحسن عن مهاجر منقطعا. وعلى فرض صحته، فهو لا يدل على عدم مشروعية رد السلام من المتوضئ، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم ينه من سلم عليه حال الوضوء عن السلام بل أخر الرد على ما بعد الوضوء اختيارا للأكمل، ولأنه لم يخش فوات رد السلام. ٥ - تحريك الخاتم: يستحب عند الحنفيين ومالك للمتطهر تحريك الخاتم الواسع إذا علم وصول الماء إلى ما تحته بدون تحريك. ويسن عند الشافعية

стр. 303

والحنبلية (لحديث) أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه. أخرجه ابن ماجه والدارقطني. وفي سنده معمر بن محمد بن عبيد الله عن أبيه. وهما ضعيفان (١) [١٩٢]. ومثل الخاتم في ذلك ما يشبهه من الأساور والخلاخل ونحوها. ٦ - البداءة بتطهير مقدم الأعضاء: قالت المالكية وبعض الحنفيين: يستحب للمتوضئ البداءة بأعلى الوجه، وبأصابع اليدين والرجلين، وبمقدم الرأس. (وقالت) الحنبلية وبعض الحنفيين: أنه سنة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن الله تعالى جعل المرافق والكعبين غاية الغسل فتكون منتهى الفعل (وقالت) الشافعية: يسن ما ذكر في الوجه والرأس مطلقا، وفي اليدين والرجلين أن اغترف الماء بيده، أما أن توضأ من حنفية أو إبريق أو وضأه غيره بدأ في اليدين من المرفق، وفي الرجلين من الكعبين. ولم نقف لهذا التفصيل على دليل. ٧ - إطالة الغرة والتحجيل: (الغرة) في الأصل بياض في جبهة الفرس. والمراد بها هنا غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدا على المفروض غسله. (والتحجيل) في الأصل بياض في رجل الفرس. والمراد به هنا غسل ما فوق المرفقين والكعبين بان يغسل الذراعين لنصف العضدين، والرجلين لنصف الساقين. هذا. وقد اتفق الأئمة على أنه يفترض غسل جزء زائد من محل الفرض إذا لم يتم الفرض إلا به. أما الزيادة على ما ذكر فمستحبة عند غير المالكية

стр. 304

(لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. أخرجه أحمد والشيخان (١) [١٩٣]. (وقال) أبو حازم: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ وهو يمر الوضوء إلى إبطه. فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ قال أني سمعت خليلي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: تبلغ الحلية من المؤمن إلى حيث يبلغ الوضوء. أخرجه أحمد ومسلم (٢) [١٩٤]. (وقالت) المالكية: يكره غسل ما زاد عما لا يتم الواجب إلا به. وتأولوا إطالة الغرة والتحجيل بإدامة الوضوء (ويرده) فعل أبي هريرة مستدل بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: تبلغ الحلية من المؤمن إلى حيث يبلغ الوضوء والمراد بالحلية التحجيل. ٨ - كونه في مكان طاهر: اتفق العلماء على أنه يستحب كون الطهارة في محل طاهر شأنا وفعلا. فتكره في موضع متنجس بالفعل، وفي موضع شأنه النجاسة ولو لم يتنجس كبيت الخلاء، صونا للعبادة عن محل القذارة (ولحديث) عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يبول الرجل في مستحمه وقال: أن عامة الوسواس منه. أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه

стр. 305

والترمذي (١) [١٩٥] فالنهي عن البول في المغتسل يتضمن أن تكون الطهارة في مكان طاهر. ٩ - البدء ببعض السنن: (قالت) المالكية: يستحب تقديم غسل اليدين إلى الكوعين، والمضمضة والاستنشاق على غسل الوجه. وقال غيرهم: أنه سنة. ١٠ - الاقتصاد في الماء: (قال) الحنفيون ومالك: يستحب تقليل ماء الطهارة بحسب الأماكن بعد تعميم العضو بالماء. (وهو) سنة عند الشافعي وأحمد (وقد) أجمعوا على عدم التقدير في ماء الوضوء والغسل، لأنه لم يرد في ذلك تحديد صريح. ولأنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. ولكن يطلب التوسط والاعتدال. فلا يقتر ولا يزيد على قدر الكفاية اقتداء بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وقد ورد) في ذلك أحاديث (فعن) أنس بن مالك أن النبي صلى الله وعلى آله وسلم قال: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء. أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك (٢) [١٩٦]. (وعنه) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتوضأ برطلين، ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال. أخرجه الدارقطني وقال: تفرد به موسى بن نصر. وهو ضعيف الحديث (٣) [١٩٧].

стр. 306

(وعن) عبيد الله بن أبي يزيد أن رجلا قال لابن عباس كم يكفيني من الوضوء؟ قال مد. قال كم يكفيني للغسل؟ قال صاع. فقال الرجل لا يكفيني. فقال: لا أم لك قد كفى من هو خير منك، رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير. ورجاله ثقات (١) [١٩٨]. (وعن) أم عمارة بنت كعب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ بنحو ثلثي مد. أخرجه أبو داود والنسائي. وصححه أبو زرعة (٢) [١٩٩]. ١١ - مسح الصدغين: هما تثنية صدغ بضم فسكون. وهو ما بين العين والأذن. ويطلق على الشعر المتدلي على هذا الموضع. ومسحة مشروع تكميلا لمسح الرأس لا أنه منه، بل هو من الوجه. وفرضه الغسل (ودليله) حديث الربيع بنت معوذ قالت: رأيت رسول الله صلى الله علبيه وعلى آله وسلم يتوضأ فمسح رأسه ومسح ما أقبله منه وما أدبر وصدغيه وأذنيه مرة واحدة. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والترمذي. وقال: حسن صحيح (٣) [٢٠٠]. وفى سنده عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال. لكن وثقه أحمد والنسائي. وللحديث عدة طرق يقوي بعضها بعضا. ١٢ - مسح الرقبة: (قال) الحنفيون وبعض الشافعية: يستحب للمتوضئ مسح الرقبة بظهر يديه، لعدم استعمال بلتهما (لقول) وائل بن حجر: حضرت

стр. 307

النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد أتى بإناء فيه ماء فأكفأ على يمينه ثلاثا (الحديث) وفيه: ثم مسح على رأسه ثلاثا ومسح ظاهر أذنيه ومسح رقبته وباطن لحيته بفضل ماء الرأس. أخرجه الطبراني في الكبير والبراز. وفيه سعيد ابن عبد الجبار. قال النسائي: ليس بالقوى وذكره ابن حبان في الثقات. وفيه محمد بن حجر وهو ضعيف (١) [٢٠١]. (وروى) طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده عمرو بن كعب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق. أخرجه أحمد وأبو داود وقال: سمعت أحمد يقول: ابن عيينة كان ينكره، ويقول: أيش هذا طلحة عن أبيه عن جده، وليث بن أبي سليم ضعيف تركه يحيى بن القطان وابن معين وأحمد، لكن أخرج له مسلم (٢) [٢٠٢]. (وقال) الجمهور: لا يستحب مسح الرقبة لأنه لم يثبت فيه حديث صحيح ولا حسن (وتعقبه) ابن الرفعة بأن لا مأخذ لاستحبابه إلا خبر أو أثر، لأن هذا لا مجال للقياس فيه. والأحاديث السابقة وإن كان في بعضها مقال، إلا أنها لكثرتها يقوي بعضها بعضا. وبها تعلم أن "قول" النووي: مسح الرقبة بدعة وأن حديثه موضوع "مجازفة" وأعجب من هذا قوله: لم يذكره الشافعي،

стр. 308

ولا جمهور الأصحاب، وإنما قاله ابن القاص وطائفة يسيرة. فقد قال الروياني من أصحاب الشافعي في كتابه البحر: قال أصحابنا هو سنة (١). أما مسح الحلقوم وهو مقدم العنق فبدعة اتفاقا. ١٣ - عدم الاستعانة بالغير: اتفق العلماء على أنه يستحب للقادر أن يتولى تطهير الأعضاء بنفسه من غير معاونة (لقول) ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يكل طهوره إلى أحد، ولا صدقته التي يتصدق بها، يكون هو الذي يتولاها بنفسه. أخرجه ابن ماجه والدارقطني. وفي سنده علقمة ابن أبي جمرة مجهول. ومظهر ابن الهيثم وهو ضعيف متروك (٢) [٢٠٣]. (أما الاستعانة) لإحضار الماء وصبه فقد اتفق الأئمة وعلماء السنة على إباحته (لقول) المغيرة بن شعبة: كنت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقال: يا مغيرة خذ الإداوة، فأخذتها ثم خرجت معه، وانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته ثم جاء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فذهب يخرج يده من كمها فضاقت عليه فأخرج يده من أسفلها فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ثم مسح على خفيه ثم صلى. أخرجه الشيخان والنسائي (٣) [٢٠٤]. (وأما) ما قيل: بادر عمر ليصب الماء على يدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أنا لا استعين في وضوئي بأحد (فباطل) لا أصل له (٤).

стр. 309

(هذا) ويستحب كون المعين عن يسار المتطهر ليسهل تناول الماء عند الصب، وجعل الإناء الذي يصب منه عن يساره ليصب بها على يمينه، وجعل الإناء الكبير الذي يعترف منه عن يمينه ليغترف منه بها. ١٤ - الدعاء بعد الوضوء: اتفق العلماء على أنه يستحب لمن توضأ (أن يدعو) بعد الوضوء- مستقبلا القبلة رافعا بصره إلى السماء- (بما) في حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وزاد: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين (١) [٢٠٥]. (ويختم الدعاء) بما في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق ثم طبع بطابع فلا يكسر إلى يوم القيامة"

стр. 310

أخرجه ابن السني والطبراني في الأوسط ورواته رواة الصحيح. والحاكم والنسائي وصحح وقفه (١) [٢٠٦]. (وهذا) الدعاء هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "أما ما اعتاده" بعض الناس وذكره بعض الفقهاء من الدعاء عند كل عضو كقولهم عند غسل الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه. وعند غسل اليد اليمني: اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني كتابي بشمالي. وعند غسل اليد اليسرى: اللهم يسر ولا تعسر "فلم يثبت" فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (قال) النووي في الروضة: هذا الدعاء لا أصل له ولم يذكره الشافعي ولا الجمهور. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث (٢). وقد روى فيه عن علي كرم الله وجهه من طرق ضعيفة جدا أوردها علاء الدين على المتقي في كنز العمال وبين ضعفها (٣). (والحكمة) في ختم الوضوء والصلاة وغيرهما بالاستغفار، أن العباد مقصرون عن القيام بحقوق الله وأدائها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته. وإنما يؤدونها

стр. 311

على قدر ما يطيقونه. فالعارف يرى أن قدر الحق أعلى وأجل من ذلك فيستحي من عمله ويستغفر من تقصيره فيه كما يستغفر غيره من ذنوبه وغفلاته (١). (فائدة) ذكر بعض الفقهاء أنه يندب قراءة سورة القدر ثلاثا بعد الوضوء (لحديث) أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " من قرأ في أثر وضوئه: أنا أنزلناه في ليلة القدر واحدة، كان من الصديقين. ومن قرأها مرتين كتب في ديوان الشهداء. ومن قرأها ثلاثا يحشره الله محشر الأنبياء " أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (٢) [٢٠٧]. لكن قال الحافظ السخاوي في المقاصد الحسنة: حديث قراءة (إنا أنزلناه) عقب الوضوء، لا أصل له، وقال السيوطي: في سنده أبو عبيدة مجهول. (١٥) الشرب من فضل الوضوء- قال الحنفيون وأحمد والشافعية: يستحب الشرب من فضل ماء الوضوء قائما أو قاعدا مستقبلا القبلة، لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرب قائما من فضل وضوئه ومن ماء زمزم. (وعن عبد خير) أن عليا أتى بوضوء أو أتى بإناء فيه ماء فأفرغ على يديه من الإناء فغسلهما ثلاثا (الحديث) وفيه: ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات. ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فغرف بيده فشرب. وفي رواية: وشرب فضل وضوئه، ثم قال: هذا طهور. أخرجه أحمد والدارقطني بسند جيد (٣) [٢٠٨].

стр. 312

(١٦) التنشيف بعد الطهارة: قال الحنفيون والثوري ومالك وأحمد: لا بأس بالتمسح بمنديل ونحوه بعد الطهارة، بل عده في الدر المختار من الآداب (لقول) معاذ: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. أخرجه البيهقي والترمذى وقال: هذا حديث غريب وإسناده ضعيف ورشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث (١) [٢٠٩]. (وعن) أياس بن جعفر عن صحابي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ. أخرجه البيهقي والنسائي في الكني بسند صحيح (٢) [٢١٠]. والأحاديث في ذلك كثيرة. وهي وإن كان في بعضها مقال إلا أنها لكثرتها يقوي بعضها بعضا. (والمشهور) عند الشافعية أن المستحب ترك تنشيف الأعضاء، وقيل أنه مباح وقيل مستحب لما فيه من الأحتراز عن الأوساخ ولما تقدم. وقيل: يكره في الصيف دون الشتاء. وهذا كله ما لم تكن هناك حاجة إلى التنشيف كبرد أو التصاق نجاسة، وإلا فلا كراهة قطعا (٣). (وقال) بعض الشافعية وسعيد بن المسيب: يكره التمسح بمنديل ونحوه (لحديث) أنس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم له يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء، ولا أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا ابن مسعود.

стр. 313

أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ بسند ضعيف (١) [٢١١]. وهو لضعفه لا يحتج به (وعلى) فرض صحته، فهو محمول على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يعتاد المسح به (ويؤيده) حديث الأعمش عن سالم عن كريب حدثنا ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غسلا يغتسل به من الجنابة (الحديث) وفيه فناولته المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض بيده. أخرجه السبعة والبيهقي. وزاد أحمد وأبو داود: "قال الأعمش" فذكرت ذلك لإبراهيم "يعني التيمي" فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا. ولكن كانوا يكرهون العادة (٢) [٢١٢]. (وقال) ابن عباس: أنه مكروه في الوضوء دون الغسل. ١٧ - صلاة ركعتين بعد الوضوء- يندب عند الحنفيين ومالك وأحمد صلاة ركعتين بعد الوضوء في غير وقت كراهة (٣). ويسن عند الشافعية في أي وقت (لقول) عثمان: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم أتى المسجد فركع فيه ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه. لا تغتروا. أخرجه أحمد والبخاري (٤) [٢١٣].

стр. 314

(وقال) أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلي ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلا أو مؤخرا" أخرجه أحمد (١) [٢١٤]. ٥ - مكروهات الوضوء جمع مكروه، وهو لغة ضد المحبوب. واصطلاحا ما طلب تركه طلبا غير جازم وهو عند الحنفيين قسمان (أ) مكروه تحريما. وهو ما ثبت النهي عنه بدليل ظني. وهو إلى الحرام أقرب، كالإسراف في الماء غير الموقوف، وكل ما أدى إلى ترك سنة مؤكدة. (ب) ومكروه تنزيها. وهو ما طلب تركه بلا نهي. وهو إلى الحلال أقرب. كالوضوء إلى غير القبلة، وكل ما أدى إلى ترك سنة غير مؤكدة (وقالت) المالكية: ترك أي سنة من سننه مكروه تنزيها. (وقالت) الشافعية ترك السنة المختلف في وجوبها أو المؤكدة مكروه. وترك غيرهما خلاف الأولى (وقالت) الحنبلية: ترك سنة من سنن الوضوء خلاف الأولى ما لم يرد فيه نهي، وإلا كان مكروها (هذا) ومكروهات الوضوء كثيرة. (منها) الإسراف في الماء: وهو أن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية. وقد اتفق العلماء على أنه مكروه تحريما لو توضأ من ماء مباح أو مملوك "أما الموقوف" على من يتطهر به، ومنه ماء المساجد "فالإسراف فيه حرام" (لحديث) عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال ما هذا السرف يا سعد؟ قال أفي الوضوء سرف؟ قال نعم

стр. 315

وإن كنت على نهر جار. أخرجه أحمد وابن ماجه. وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف، لكن قال في المرقاة: سنده حسن (١) [٢١٥]. (ولحديث) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "عبد الله بن عمرو" قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأله عن الوضوء. فأراه ثلاثا ثلاثا وقال: هذا الوضوء، من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم. أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة. وصححه ابن خزيمة وغيره. أخرجه أبو داود بلفظ "فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم (٢) [٢١٦]. (ففيه) دلالة على أن الزيادة في الغسل عن الثلاث اعتداء وفاعله مسيء بتركه المطلوب، ومتعد حد السنة، وظالم بوضع الشيء في غير موضعه ولا خلاف في كراهته (قال) ابن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم (وقال) أحمد وإسحاق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلي (٣). (ومنها) التقتير في الماء: وهو ترك المسنون في الغسل، فلو اقتصر على ما دون الثلاث، قيل يأثم أن اعتاد ذلك. وقيل يأثم مطلقا، لما تقدم في رواية أبي داود من قوله ﵊: من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم. وقيل لا يأثم لما تقدم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 316

توضأ مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين (الحديث) أخرجه البيهقي (١). وهذا هو المختار. وزيادة: أو نقص ضعيفة أو شاذة لأن ظاهرها ذم النقص عن الثلاثة وهو جائر فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكيف يعبر عنه بأساء أو ظلم. (قال) ابن المواق: إن لم يكن اللفظ شكا من الراوي فهو من الأوهام البينة فإنه لا خلاف في جواز الوضوء مرة ومرتين. والآثار بذلك صحيحة (٢). (ومنها) مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه، لما تقدم من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث لقيط بن صبرة. وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما. ولفظه عند أحمد "إذا توضأت فأسبغ وخلل الأصابع، وإذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما" (٣). وعلى الجملة فيكره للمتوضئ كل ما يؤدي إلى ترك سنة أو مستحب على ما تقدم بيانه. (فائدة) قال بعض الفقهاء: يكره استعمال الماء المشمس أي الساخن بالشمس في إناء منطبع غير الذهب والفضة كالنحاس والرصاص في بلد حار. (لقول) عائشة أسخنت ماء في الشمس فأتيت به النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم ليتوضأ به فقال: لا تفعلي يا عائشة، فإنه يورث البرص. أخرجه الطبراني في الأوسط. وفيه محمد بن مروان السدى مجمع على ضعفه. وأخرجه

стр. 317

البيهقي من طريق خالد بن إسماعيل وقال: وهذا لا يصح. خالد بن إسماعيل متروك (١) [٢١٧]. (والمشهور) عند مالك والشافعيةك أنه لا يكره إلا ما قصد تشميسه في قطر حار كالحجاز وفي الأواني النحاسية ونحوها لأنها تورث البرص. أما أواني الفخار والمغشي من النحاس والرصاص والقصدير بما يمنع الزهومة فلا كراهة في استعمال المشمس فيها. (وقالت) الحنبلية: لا يكره استعماله. وبه قال بعض الحنفيين والشافعية وهو المختار، لأن الأصل الإباحة (وأجابوا) عن حديث عائشة بأنه ضعيف باتفاق المحدثين. وقد رواه البيهقي من طرق وبين ضعفها كلها. ومنهم من يجعله موضوعا. (وقال عمر) بن الخطاب لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص. أخرجه البيهقي وهو ضعيف (٢) [٢٠]. (فإن) فيل إسماعيل بن عياش متكلم فيه (فحصل) من هذا أن المشمس لا أصل لكراهته. ولم يثبت فيه عن الأطباء شيء. (فالصواب) الجزم بأنه لا كراهة فيه، لأنه الموافق للدليل ولنص الشافعي، فإنه قال في الأم: لا أكره المشمس إلا أن يكره من جهة الطب. ونقله البيهقي عن الشافعي في معرفة السنن والآثار (٣).

стр. 318

٦ - فضل الوضوء قد ورد في فضله أحاديث كثيرة (منها) حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعنه مع الماء. أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب" أخرجه مالك وأحمد ومسلم والترمذي وقال حسن صحيح (١) [٢١٨]. (وحديث) عبد الله الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه. فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه. فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له" أخرجه مالك وأحمد والنسائي والحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. وليس له عله (٢) [٢١٩].

стр. 319

(وعن) أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به في الحسنات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: اسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة" أخرجه أحمد وابن حبان (١) [٢٢٠]. ٧ - هدى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الوضوء كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد (وكان) يتوضأ بالمد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة (وكان) من أيسر الناس صبا لماء الوضوء (وكان) يحذر أمته من الإسراف فيه. وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا. وفي بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثا (وكان) يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة وتارة بغرفتين، وتارة بثلاث (وكان) يصل بين المضمضة والاستنشاق، فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه. ولا يمكن في الغرفة إلا هذا وأما الغرفتان والثلاث، فيمكن فيهما الفصل والوصل، إلا أن هده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان الوصل بينهما كما تقدم عن عبد الله ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة. فعل ذلك ثلاثا. وفي لفظ تمضمض واستنثر بثلاث غرفات (٢). فهذا أصح ما روى في المضمضة والاستنشاق (وكان) يستنشق بيده اليمني ويستنثر باليسري (وكان) يمسح راسه كله. وتارة يقبل بيديه ويدبر. والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرأس. هكذا جاء عنه صريحا.

стр. 320

ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض راسه ألبته. ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة (ولم يتوتضأ) صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا تمضمض واستنشق. ولم يحفظ عنه أنه أخل به مرة واحدة (وكذلك) كان وضوءه مرتبا متواليا لم يخل به مرة واحدة ألبته (وكان) يمسح على راسه تارة، وعلى العمامة تارة وعلى الناصبة والعمامة تارة (وأما) اقتصاره على الناصية مجردة، فلم يحفظ عنه كما تقدم (وكان) يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفين ولا جوربين. ويمسح عليهما إذا كانا في الخفين (وكان) يمسح أذنيه مع رأسه. وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما (ولم) يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئا غير التسمية في أوله وقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" في آخره. ومما يقال بعد الوضوء أيضا: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك (ولم) يكن يقول في أوله نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة. ولا هو ولا أحد من أصحابه ألبته. ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا باسناد صحيح ولا ضعيف (ولم) يتجاوز الثلاث قط (١). ٨ - كيفية الوضوء أجمع حديث في هذا ما روى عن سيدنا عثمان وعلي ﵄: (أ) قال حمران بن أبان: دعا عثمان ﵁ بماء فسكب على يمينه فغسله. وفي رواية "فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما" ثم أدخل يمينه في الإناء فغسل كفية ثلاثا. ثم غسل وجه ثلاث مرار، ومضمض واستنشق واستنثر. وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاث مرات. ثم مسح رأسه. وأمر بيديه على ظهر أذنيه. ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاث مرات. ثم قال: سمعت رسول الله
следующие страницы →