بعد الثلاث غسله إلى خمس فان خرج بعد الخامسة غسله إلى سبع ويوضئه في الغسله التي تلي خروج النجاسة لان القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة ولان النبي ﷺ قال: اغسلها ثلاثا أو خمسا أو سبعا امرأة رأيتن ذلك بماء وسدر. وإن خرج من الميت نجاسة من غير السبيلين لا يعادلة الغسل لانه لا ينقص الطهارة عند الحنفيين. وإن خرج من الميت نجاسة بعد الغسل سبعا لم يعد إلى الغسل لان النبي ﷺ أمر بالغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا ولان زيادة الغسل وتكريرة عند كل خارج يرخى الميت ويفضي إلى الحرج فيكتفي بغسل النجاسة وحشو مخرجها بالقطن ونحوه ولا يوضا ويحتمل أن يوضا كالجنب إذا احدث بعد غسله وهذا احسن (١) وإن خرج من الميت شئ يسير بعد وضعه في الكفن لا يعاد غسله اتفاقا لان إعادة الغسل فيها مشقه شديدة ولا يعاد وضوءه ولا غسل موضع النجاسة دفعا للمشقة ويحمل بحاله. وإن كان الخارج كثيرا فاحشا فالصحيح انه لا يعاد إلى الغسل بحال دفعا للمشقه (٢)(١٠) ويستحب تطيب بدن الميت وترا (لقول) النبي ﷺ في حديث أم عطية: اغسلتها ثلاثا أو خمسا واجعلن في الآخرة كافورا. أخرجه السبعة والبيهقى (٣)
(وعن) جابر أن النبي ﷺ قال: إذا أجمرتم الميت فاوتروا أخرجه الحاكم وابن حيان وصححاه والبيهقى (٤) ﴿٤٢٣﴾
стр. 2522
(وقال) أبو وائل: كان عند على رضى الله عنه مسك فاوصى أن يحنط به. وقال: هو فضل حنوط رسول ﷺ . أخرجه الحاكم وابن أبى شبيه في مصنفه والبيهقى بسند حسن (١) ﴿٤٣٤﴾
(وقال) ابن مسعود: يوضع الكافور على مواضع سجود الميت. أخرجه ابن أبى شبية والبيهقى (٢) ﴿٤٣٥﴾
(وعن) سلمان انه استودع آمراته مسكا فقال: إذا مت فطببوني به فانه يحضرني خلق من خلق الله لا ينالون من الطعام والشراب يجدون الريح أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٣) ﴿٤٣٦﴾
(هذا) ويستحب أن يجعل الطيب في مفاصل الميت ومغابنه وهي المواضع التي تنثني من الإنسان كعلى الركبتين وتحت الإبطين وأصول الفخذين لأنها مواضع الوسخ وتطيب مواضع السجود لشرفها. وكان ابن عمر يتبع مغابن الميت ومرافقة بالمسك. ولا يجعل في عيني كافورا لانه يفسد العضو ويتلفه ولا يصنع مثله بالحي (٤).
فائدة: إذا تعذر غسل الميت لفقد الماء أو احترافه بحيث لو غسل لتهرى أو خوف على الغاسل لم يغسل بل ييمم وجوبا عند الأربعة وأسحق لانه تطهير لا يتعلق بإزالة نجاسة فوجب الانتقال فيه عند العجز عن الماء إلى التيمم كغسل
стр. 2523
الجناية ولو كان فروح وخيف من غسله إسراع اليلى إليه بعد الدفن وجب غسله لان الجميع صائر إلي اليلى (١)
(هذا) وقد ورد في كيفية غسل الميت أحاديث (اجمعها) حديث محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: أتانا رسول الله ﷺ ونحن تغسل ابنته فقال اغسلنها ثلاثا أو خمسا إن اكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الاخره كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني فأما فرغنا أذناه فالقى إلينا حقوه وقال أشعرنها إياه. أخرجه السنهه والبيهقى (٢) ﴿٤٣٧﴾
(وحديث) قتادة قال: اخذ ابن سيرين غسله عن أم عطية قالت غسلنا بنت رسول الله ﷺ فامرنا امرأة تغسلها بالسدر ثلاثا أن أنجت وإلا فخمنا فان أنجت وإلا فاكثر من ذلك. قالت قراينا أن اكبر من ذلك سبع. أخرجه احمد (٣) ﴿٤٣٨﴾
(والمراد) اغسلنها وليكن ثلاثا فان احتجن إلى زيادة عليها للاتقاء
стр. 2524
فليكن خمسا. فان احتجن إلى زيادة الانقاء فليكن سبعا. وهكذا أبدا (وحاصلة) أن الإيثار مأمور به والثلاث مأمور بها ندبا فان حصل الانقاء بثلاث لم تشرع الرابعة وإلا زيد حتى يحصل الانقاء ويندب كونها وترا (١).
(وحديث) حفصة بنت سيرين عن أم سليم أم انس بن مالك قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا توفيت المرأة فأرادوا أن يغسلوها فايبدءوا يبطها فليمسح بطنها مسحا رفيقا إن لم تكن حبلى، فان كانت حبلى فلا تحركيها فان أردت غسلها فابدئي بسفلتها فالقى على عورتها ثوبا ستيرا ثم خذي كرسفة فلفسليها فأحسني غسلها، ثم أدخلي يدك من تحت الثوب فامسحيها بكرسف ثلاث مرات فاحسني غسلها، ثم أدخلي يدك من تحت الثوب فامسحيها بكرسف ثلاث فأحسني مسحها قبل أن توضئيها بماء فيه سدر وليفرغ الماء امرأة وهى قائمة لا تلي شيئا غيره حتى تنقى بالدر وأنت تغسلين وليل غسلها أولى الناس بها وإلا فامرأة ورعة مسلمة، فان كانت صغيرة أو ضعيفة فلتغسلها امرأة أخرى ورعة مسلمة، فان كانت صغيرة أو ضعيفة فلتغسلها امرأة أخرى ورعة مسلمة، فإذا فرغت من غسل سفلتها غسلا نقاء بسدر وماء فلتوضئيها وضوء الصلاة، فهذا بيان وضوئها ثم اغسليها ثلاث مرات بماء وسدر فابدئي برأسها قبل كل شئ فأنقى كل غسلة من السدر بالماء ولا تسرحي رأسها بمشط فان حدث في الخامسة اجعليها سبعا وكل ذلك فليكن وترا بماء وسدر حتى لا يريبك رأسك فان كان في آخر غسلة في الثالثة أو غيرها فاجعلي فيه شيئا من كافور وشيئا من صدر ثم اجعلي ذلك في جرة جديدة ثم اقعليها فأفرغي عليها وابدئي برأسها حتى تبلغي رجليها، فإذا فرغت منها فالقى عليها ثوبا نظيفا، ثم أدخلي يدك من وراء الثوب فانزعيه عنها، هذا بيان الغسل، ثم أحشى سفلتها كرسفا ما استطعت، ثم امسحي كرسفها من طيبها، ثم خذي سبنية طويلة مغسولة فاربطيها على عجزها
стр. 2525
كما يربط النطاق ثم اعقديها بين فخذيها وضمي فخذيها، ثم ألقي طرف السبنية من عند عجزها القضاء كفر قريب من ركبتها، فهذا شان سفلتها، ثم طيبيها وكفنيها واضفرى شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهيها بالرجال، وليكن كفنها واضفرى شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهيها
بالرجال، وليكن كفنها خمسة أثواب أحدها الإزار تلفى به فخذيها، ولا تنقصي من شعرها شيئا بنورة ولا غيرها وما يسقط من شعرها شيئا بنورة ولا غيرها وما يسقط من شعرها فاغسليه ثم اغرزيه في شعر رأسها وطيبي شعر رأسها فأحسني تطيبه ولا تغسليها بماء مسخن وأجمريها وما تكفنيها به بسبع نبذات إن شئت واجعلي كل شئ منها وترا وإن كانت مجدورة أو مخضوبة أو أشياء ذلك فخذى خرقة واسعة فاغسليها بالماء، وتنبعي كل شئ منها ولا تحركيها، فأنى أخشى أمه ينفجر منها شئ لا يستطاع ورده. أخرجه البيهقى وقال: رواه أبو عيسى الترمذى، وأخرجه الطبرانى في الكبير بسندين في أحدهما ليث بن أبى سليم وهو مداس لكنه ثقة، وفى الأخر جنيد وقد وثق وفيه بعض كلام وليس في أحد سندى البيهقى (١) ﴿٤٣٩﴾
(تنبيه) علم أحاديث الباب انه لا يجب الغسل على من غسل ميتا لأنها سبقت للتعليم ولو كان واجبا أمامه وتقدم انه مستحب عند الجمهور. (٢)
стр. 2526
(وحكمة) مشروعيته أن رشاش الماء يصل بدن الغسل فإذا علم أنه سيغسل لم يأل جهدا فأرسلت تغسيل الميت ولأن الغاسل يمسه الميت يحصل له ضعف يزول بالغسل. (فائدة) تقدم أن الآدمي لا ينجس بالموت وعليه فغسالته طاهرة.
(٨) غسل النبي ﷺ :
تولى غسله ﷺ على بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل بن عباس وأسامة بن زيد وقئم بن العباس وصالح مولى المنهي ﷺ ، وغسل ﷺ ثلاث مرات بماء وسدر (قال) عبد الملك ابن جريج: سمعت محمد بن على أبا جعفر قال: غسل المنهي ﷺ ثلاثا بالمسدر، وغسل وعليه قميص، وغسل من بئر - يقال لها الغرس بقباء - كانت لسعد بن خيثمة، وكان المنهي ﷺ يشرب منها، وولى سفلته على والفضل محتضنه والعباس يصب الماء، فجعل الفضل يقول: أرحني قطعت ويتنى إني لاجد شيئا يترطل على. أخرجه البيهقى مرسلا بسند جيد (١). ﴿٤٤٠﴾
وفي رواية أحمد: وكان العباس وفضل وقئم يقلبونه مع على، وكان أسامة ابن زيد وصالح يصبان الماء (٢). ولم ير على من المنهي ﷺ شيئا مما يرى من الميت.
стр. 2527
(روى) سعيد بن المسيب أن على بن أبى طالب لما غسل المنهي ﷺ ذهب يلتمس منه ما يلتمس
من الميت فلم يجده، فقال: بأبي الطيب طبت حيا وميتا. أخرجه ابن ماجة بسند صحيح رجاله ثقات (١). ﴿٤٤١﴾
وكانت عين من يساعد عليا فأرسلت غسله ﷺ معصوبة العين. (قال): أوصاني المنهي ﷺ فقال لا يغسلني إلا أنت، فانه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه. أخرجه البزار والبيهقى (٢). ﴿٤٤٢﴾
(وخص) على بذلك لعله لشدة تحرزه عن النظر القضاء كفر ما لا يحل فلا يخشى عليه من ذلك (هذا) وقد ورد فأرسلت غسل المنهي ﷺ أحاديث (منها) حديث عباد بن عبد الله بن الزبير قال: سمعت عائشة تقول: لما أرادوا غسل المنهي ﷺ قالوا: والله ما ندرى أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل أقوال وذقنه على صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو؟ أن غسلوا المنهي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا القضاء كفر المنهي ﷺ فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويد لكونه
стр. 2528
بالقميص دون أيديهم. وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. أخرجه أبو داود والبيهقى وابن حبان والجاكم (١). ﴿٤٤٣﴾
ولعل الصحابة رضى الله عنهم تذكروا بهذا الصوت ما كانوا يعرفون من وجوب حفظ كرامة الرسول ﷺ فغسلوه فأرسلت قميصه لا أنهم اعتمدوا فأرسلت ذلك على مجرد سماع الصوت، إذ مثل هذا لا ينبني عليه حكم شرعي. (وحديث) عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن عليا رضى الله عنه غسل المنهي ﷺ وعلى المنهي قميص ويبد على خرقة يتبع بها تحت القميص. أخرجه البيهقى (٢) ﴿٤٤٤﴾
(والمعنى) أن عليا رضى الله عنه لف خرقة على بده وأدخلها تحت القميص يتعهد بها السوءة كما يصنع بغير المنهي ﷺ من الموتى. وأما بقية الجسد الشريف فغسل من فوق القميص كما تقدم في حديث سعيد بن المسيب عن على (٣).
(ب) تكفين الميت
هو فرض كفاية بالإجماع لقوله ﷺ في شان المحرم الحي وقصته ناقته- وكفنوه في ثوبيه (٤)
ويقدم على الدين والوصية. فان كان الميت موسرا كفن من ماله وإلا فكفنه على من تلزمه نفقته إلا الزوج فلا يلزم بكفن امرأته عند محمد بن الحسن واحمد وهو مشهور مذهب مالك وصححه المارودى
стр. 2529
وغيره من الشافعية. فيجب كفنها من مالها لأنها بالموت صارت أجنبية فلا يلزم الرجل كفنها (وقال) أبو حنيفة وأبو سف: يلزمه كفنها ولو تركت مالا، وعليه الفتوى وهو الأصح عن الشافعية. وروى عن مالك لانه تابع للمؤنة كالكسوة فمن لزمه كسوتها في الحياة يلزمه كفنها بعد الوفاة كالأمة مع السيد (فان لم يكن) للميت مال ولا زوج ولا منفق فكفنه في بيت المال. فان لم يعط ظلما أهلها عجزا فعلى الناس. ولا يشترط كون التكفين من مكلف حتى لو كفنه صبى أو مجنون اجزا لوجود المقصود (وحكمة) وجوب التكفين أمه ستر الإنسان واجب في الحياة فكذا بعد الموت. ثم الكلام في الكفن ينحصر في عشرة فصول.
(١) ما يطلب فيه: يطلب فيه أربعة أمور: (١) يستحب كونه ابيض (لحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم. أخرجه احمد وابن حيان والحاكم والبيهقى والأربعة إلا النسائي وصححه الترمذى وابن القطان (١) ﴿٤٤٥﴾
(وعن) سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: البسوا ثياب البياض فإنها أطيب واطهر وكفنوا فيها موتاكم. أخرجه احمد والنسائي والبيهقى والترمذى والحاكم وصححاه (٢) ﴿٤٤٦﴾
стр. 2530
فيستحب تكفين الميت في الأبيض لكونه أطيب، أي احسن من غيره لما في البياض من الصفاء والبريق ولانه اطهر فانه إذا أصابه شئ من النجاسة أو الدنس يظهر فيه.
(والآمر) في هذه الأحاديث محمول على الندب (لقول) جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا توفى أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة. أخرجه أبو داود والبيهقى بسند جيد (١) ﴿٤٤٧﴾
والحبرة كعنبه نوع من برود اليمن مخطط ذو ألوان من قطن أو كتان. ولذا اتفق العلماء على استحباب التكفين في الثياب البيض. وتقدم تمامه في بحث لبس الأبيض. (٢)
(ب) ويستحب تطيب الكفن وترا بان يدار المجمر وفيه المود مرة أو ثلاثا أو خمسا على الكفن بعد أن يرش عليه ماء الورد لتعلق الرائحة به (لحديث) جابر أن النبي ﷺ قال: إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا. أخرجه احمد والبراز ولاحاكم وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرجه البيهقى بلفظ: إذا أجرتكم الميت فاوتروا. وروى: أجمروا كفن الميت ثلاثا (٣) ﴿٤٤٨﴾
وهذا في حق غير المحرم. أما المحرم فلا يبخر كفنه (لحديث) ابن عباس
стр. 2531
أن رجلا كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقتة وهو محرم فمات، فقال النبي ﷺ : غسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فانه يبعث يوم القيامة مليبا. أخرجه السبعة (١) ﴿٤٤٩﴾
وصفة التطييب أن يجعل الكفن على عود وغيره، ثم يبخر كما يبخر ثياب الحي حتى تعبق بها رائحة الطيب. ويستحب أن يكون الطيب عودا وكون العود غير مطيب بالمسك فان كان مطيبا به جاز (٢)
(جـ) ويستحب تحسين كفن الميت بتنظيفه وكونه متوسطا سائرا الميت غير محرم استعماله (لحديث) جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه. أخرجه السبعة إلا البخاري (٣). ﴿٤٥٠﴾
(وحديث) أم سلمة أن النبي ﷺ قال: احسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعة وعجلوا بقضاء دينه واعدلوا عن جيران السوء وإذا حفرتم فاعمقوا ووسعوا. أخرجه الديلى في مسند الفردوس (٤) ﴿٤٥١﴾
стр. 2532
(وعن) أبى أن النبي ﷺ قال: إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه فانهم يتزاورون في قبورهم. أخرجه البيهقى في شعب الأيمان (١) ﴿٤٥٢﴾
(د) وينبغي تجنب المغالاة في الكفن (روى) عن حذيفة رضى الله عنه انه قال عند موته: ابتاعوا لي كفنا فأتى بحلة ثمنها ثلاثمائة وخمسين درهما، فقال: لا حاجة لي بها اشتروا لي ثوبين أبيضين ولا عليكم ألا تغالوا فانهما لم يتركا على إلا قليلا حتى أبدل بهما خيرا منهما أو شرا منهما. أخرجه ابن أبى شيبة والحاكم والبيهقى (٢) ﴿٤٥٣﴾
والثوب العسيل والجديد سواء عند الحنفيين (لقول) عائشة: دخلت على أبى بكر رضى الله عنه، فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. وقال لها: في أي يوم توفي النبي ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين. قال: فأي يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين. قال أرجو فيما بيني وبين الليل، فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيهما، قلت: إن هذا خلق. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو المهملة، فلم يتوف حتى أمسي من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح. أخرجه البخاري (٣) ﴿٤٥٤﴾
стр. 2533
(وقالت) المالكية والشافعية: الغسيل في الكفن افضل (لقول) عبادة بن نسى: لما حضرت أبا بكر الوفاة لعائشة: اغسلي ثوبي هذين وكفيني بهما فإنما أبوك أحد رجلين أما مكسو احسن الكسوة، أو مسلوب أسوا السلب. أخرجه عبد الله بن احمد في زوائد كتاب الزهد (١) ﴿٤٥٥﴾
(وقالت) الحنبلية: يستحب أن يكون الكفن جديدا إلا أن يوصى الميت بغيره فتمتثل وصبته، كما ورد عن الصديق. وبه قال الجمهور (لحديث) عائشة أن أبا بكر رضى الله عنه قال لها: يا بنية أي يوم توفى النبي ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين. قال في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت: يا أبت كفناه في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة ادرج فيها إدراجا. أخرجه احمد والبيهقى (٢) ﴿٤٥٦﴾
(٢) ما يكون من الكفن: يكفن الميت فيما يحل له لبسه حيا، فلا يكفن الرجل في الحرير إلا إذا لم يوجد غيره لكن لا يزاد على ثوب (وأما) المرأة فيكره تكفينها في الحرير عند وجود غيره عند الجمهور لان فيه سرفا وإضاعة المال بخلاف اللبس في الحياة فانه تجمل للزوج (وقيل) يجوز تكفينها فيه والاشبه الحرمة لما فيه من السرف والمغالاة المنهي عنها. قال احمد: لا يعجبني أن تكفن المرأة في شئ من الحرير (٣). (وأما) المعصفر والمزعفر فيكره تكفينها فيه عند الشافعي واحمد. ولا يكره عند الحنفيين ومالك. ويعتبر في الكفن
стр. 2534
المباح حال الميت. فان كان غنيا فمن جياد ثيابه، وإن كان متوسطا فمن أوسطها وإن كان فقيرا فبحسب حاله (١).
(٣) كفن النبي ﷺ : كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب بيض يمنية من قطن (قالت) عائشة: كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية، من كسف ليس فيها قميص ولا عمامة. أخرجه الستة والبيهقى (٢) ﴿٤٥٧﴾
وهذا هو الصحيح الثابت في كفن النبي ﷺ ، وما خالفه ضعيف لا يحتج به.
(١) كحديث يزيد بن أبى زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية: الحلة ثوبان، وقميصه الحي مات فيه أخرجه احمد وابن ماجة والبيهقى وأبو داود وقال: قال عثمان - يعنى ابن أبى شبية - في ثلاثة أثواب: حلة حمراء وقميصه الحي مات فيه. (٣) ﴿٤٥٨﴾
(قال) النووي: حديث ضعيف: يصح الاحتجاج به لان يزيد بن أبى زياد
стр. 2535
مجمع على ضعفه لا سيما وقد خالف بروايته الثقات (١) (وأيضا) فان تكفين النبي ﷺ في القميص الذي مات فيه وغسل فيه بعيد عادة وذكر الحلة في كفنه ﷺ غلط (فقد) قالت عائشة: كفن النبي ﷺ في ثلاثة أثواب
بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة، واما الحلة فإنما شبة على الناس فيها، إنها اشتريت له ليكفن فيها فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (الحديث) أخرجه مسلم والبيهقى (٢) ﴿٤٥٧﴾
(قال) الترمذى: حديث عائشة اصح الأحاديث التي رويت في كفن النبي ﷺ والعمل عليه عند اكثر آهل العلم (٣)
(ب) (وحديث) عبد الله بن عقيل عن محمد بن على بن الحنيفة عن أبيه على ضري الله عنه قال: كفن النبي ﷺ في سبعة أثواب. أخرجه احمد والبراز وابن أبي شبية، قال الهيثمى: وإسناده حسن (٤)
﴿٤٦٠﴾
(ورد) بان عبد الله بن محمد بن عقيل سيئ الحفظ لا يصلح الاحتجاج بحديثة إذا خالف الثقات كما هنا (٥)
стр. 2536
(جـ) (ومنه) ما يرده حديث أقوى منه كحديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كفن النبي ﷺ في بردين أبيضين وبرد أحمر. أخرجه أحمد بسند جيد، والبيهقى بلفظ: كفن النبي ﷺ في ثوبين أبيضين وبرد حبرة (١). ﴿٤٦١﴾
(فإنه) يرده ما رواه عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة، فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه. أخرجه البيهقى والأربعة (٢). ﴿٤٦٢﴾
(٤) كفن الرجل: اقله ثوب يستر جميع البدن (لقول) خباب بن الأرت: إن مصعب بن عمير قتل يوم أحد وترك نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال النبي صلى الله عليه
стр. 2537
وسلم: غطوا بعا رأسه واجعلوا على رجلية من الإذخر. أخرجه البيهقى والسبعة إلا ابن ماجه (١). ﴿٤٦٣﴾
(ولهذا) قال الحنفيون ومالك وأحمد: أقل الكفن ما يستر جميع بدن الميت ذكرا كان أو أنثى، وما دون ذلك لا يسقط به فرض الكفاية عن المسلمين. وبه جزم المحققون من الشافعية (وقال) العراقيون منهم: اقل الكفن ما يستر العورة، لأن النبي ﷺ كفن يوم أحد بعض القتلى بنمرة فدل ذلك على أنه يجزئ فيه ما وارى العورة (٢).
(ورد) بأن ما ذكر حالة ضرورة لا تتعداها (وقد) نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجزئ في الكفن ثوب واحد يصف ما تحته من البدن (٣).
(ومنه) ترى أن الدليل يشهد للجمهور من أن اقل الكفن ثوب يستر جميع البدن. هذا وكفن الرجل ثلاثة أنواع:
(١) كفن الضرورة - وهو ما يوجد لما تقدم عن خباب (٤) (وحديث) الزبير بن العوام رضى الله عنه قال: إنه لما كان يوم أحد أقبلت امرأة تسعى حتى إذا كادت أن تشرف على القتلى، فكره النبي ﷺ أن تراهم،
стр. 2538
فقال: المرأة المرأة فتوسمت أنها أمي صفية، فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى فلدمت في صدري، وكانت امرأة جلدة فقالت: إليك لا ارض لك، فقلت: إن رسول الله ﷺ عزم عليك، فوقفت وأخرجت ثوبين معها فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما. قال: فجئنا بالثوبين لنكفن فيهما حمزة، فإذا إلي جنب رجل من الأنصار قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، فوجدنا غضاضة وحياء أن تكفن حمزة في ثوبين والأنصاري لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثب وللأنصاري ثوب، فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فاقرعنا بينهما، فكفنا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له. أخرجه أحمد وأبو يعلى والبراز. وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف وقد وثق (١). ﴿٤٦٤﴾
(وقال) جابر بن عبد الله: سمعت النبي ﷺ يقول: إذا توفى أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة. أخرجه أبو داود والبيهقى (٢). ﴿٤٦٥﴾
(وعن) خباب بن الإرث أن حمزة رضى الله عنه لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدمية قلصت
стр. 2539
عن رأسه، فمدت على رأسه وجعل على قدمية الإذخر. أخرجه ابن أحمد في زوائد المسند بسند جيد (١) ﴿٤٦٦﴾
(دل) هذا الحديث ونحوه على أنه إذا لم يوجد للميت إلا ثوب لا يستر كل البدن ستر رأسه وجعل على رجليه ما يستره من حشيش ونحوه، فإن لم يوجد إلا ما يستر العورة سترت لأنها أهم. وإن كثرت القتلى وقلت الأكفان كفن الرجلان والثلاثة في الثوب الواحد كما صنع بقتلى أحد (قال) أنس: كثرت قتلى أحد وقلت الثياب فكان الرجل والرجلان والثلاثة يكفنون في الثوب الواحد ثم يدفنون في قبر واحد فكان النبي ﷺ يسال: أيهم أكثر قرآنا فيقدمه إلى القبلة. أخرجه أبو داود والترمذى وحسنه (٢). ﴿٤٦٧﴾
(ب) كفن الكفاية - يكفى في كفن الذكر البالغ والمراهق ثوبان إزار من الرأس إلى القدم على المشهور، ولفافة يلف بها من قرنه إلى قدمه، فيجوز الاقتصار عليهما بلا كراهة. ويكره. ويكره النقض عنهما بلا ضرورة (لقول) النبي ﷺ في حق المحرم الذي وقصته ناقعة: كفنوه في ثوبيه (٣) (ولقول) صلى بن زفر: إن حذيفة بن اليمان كفن في ثوبين، بعثتي وأبا مسعود فابتعنا له كفنا حلة عصب بثلاثمائة درهم، قال: أرياني ما ابتعتما لي، فأريناه فقال: ما هذا لي بكفن، إنما يكفيني ربطتان بيضاوان لبس منها قميص، إني لا أنرك إلا قليلا حتى أنال خيرا منهما أو شرا منهما، فابتعنا له ربطتين بيضاوين. أخرجه الطبرانى في الكبير بسند رجاله ثقات (٤). ﴿٤٦٨﴾
стр. 2540
(جـ) كفن السنة - السنة في كفن الذكر البالغ والمراهق عند الحنفيين ثلاثة أثواب: قميص وإزار ولفافة، فالقميص من العنق للقدم بلا كمين ولا فتحة صدر ولا دخريص وهو المعروف بالجنب فلا يوسع أسفله بخلاف قميص الحي.
والإزار من القرن (الرأس) إلى القدم على المشهور (١). اللفافة يلف بها من القرن إلي القدم (لحديث) أنس بن مالك أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب أحدها قميص. أخرجه الطبرانى في الأوسط بسند جيد (٢). ﴿٤٦٩﴾
(ولقول) عبد الله بن مغفل: إذا أنا مت فاجعلوه في غسلي كافورا وكفنوني في بردين وقميص فإن النبي ﷺ فعل ذلك. أخرجه الطبرانى في الكبير وفيه صدقة بن موسى وفيه كلام (٣). ﴿٤٧٠﴾
(وتكره) الزيادة على الثلاث لأنه سرف ولأن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة كما تقدم (٤) (وقيل): لا باس بالزيادة على ثلاثة إلى خمسة (لحديث) ابن عمر أنه كفن ابنه واقدا
стр. 2541
في خمسة أثواب: قميص وعمامة وثلاث لفائف، وأدار العمامة إلى تحت حنكة. أخرجه سعيد بن منصور في سنته (١). ﴿٤٧١﴾
(وقالت) الشافعية والحنبلية: السنة في كفن الرجل ثلاث لفائف بيض تعم جميع البدن سوى راس المحرم والأفضل أن لا يكون فيها قميص ولا عمامة، لأن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة.
(ولا يكره) زيادة قميص عليها ولا تكفينه في قميص بكمين وإزار ولفافة (لحديث) نافع عن ابن عمر أن عبد الله بن أبي لما توفى جاء ابنه إلي النبي ﷺ فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له. فأعطاه النبي ﷺ قميصه (الحديث) أخرجه الشيخان (٢). ﴿٤٧٢﴾
(ولا يكره) أيضا عند الشافعية زيادة العمامة (لقول) نافع: إن ابنا لعبد الله بن عمر مات فكتنه ابن عمر في خمسة أثواب: عمامة وقميص وثلاث لفائف. أخرجه البيهقى (٣). ﴿٤٧٣﴾
(وتكره) الزيادة على ذلك لأنه سرف (وكذا) تكره العمامة عند الحنبلية، فالأفضل عندهم أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يزيد عليها ولا ينقص منها (وأما) إلباس النبي ﷺ عبد الله ابن أبي قميصه، فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله ليتبرك به أبوه ويندفع عنه العذاب ببركة قميص النبي ﷺ (وقيل) إنما فعل ذلك جزاء
стр. 2542
لعبد الله بن أبي عن كسوتة العباس قميصه يوم بدر (١). (وقالت) الشافعية فإن كان في الكفن قميص وعمامة استحب جعلها تحت الثياب لأن إظهارها لزينة وليس الحال حال زينة، وإن قال بعض الورثة يكفن في ثوب، وقال بعضهم في ثلاثة، ففيه وجهان: أحدهما يكفن في ثوب يعم ويستر. والثاني يكفن في ثلاثة وهو الأصح لأنه كفن المعروف المسنون (٢). وهل للغرماء المنع من كفن السنة ظ الصحيح نعم. وعليه فيكفن عند الحنفيين كفن الكفاية وهو ثوبان للرجل وثلاثة للمرأة. وعند غيرهم يكفن بثوب يستر جميع البدن.
(وقالت) المالكية: ندب أن يكفن الرجل في خمسة: إزار وقميص ولفاقتين وعمامة لها عذبة نحو الذراع ترسل على وجهه لما تقدم أن ابن عمر كفن ابنه في خمسة أثواب منها عمامة (٣).
(وأجابوا) عن حديث عائشة في كفن النبي ﷺ بأن المراد بقولها فيه: " ليس فيها قميص ولا عمامة " أنهما زائدتان على الثلاث لا أنهما منها (ورد) بأنه خلاف الظاهر بل معناه لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرهما ولم يكن مع الثلاثة شئ آخر. وهذا الذي يقتضيه ظاهر
стр. 2543
الحديث (١). (وأجاب) القائلون بعدم استحباب القميص عن آثري ابن عمر بأنه عمل صحابي لا يعارض الثابت عن النبي ﷺ
(وجملة القول) أن العلماء اتفقوا على أنه لا يحب في كفن الرجل أكثر من ثوب يستر جميع البدن. واختلفوا في الأفضل. فقال الجمهور: أفضله ثلاث أثواب بيض ليس فيها عمامة (لحديث) عائشة في كفن النبي ﷺ (٢).
(ووجه) الدلالة أن الله لم يكن ليختار لنبيه ﷺ إلا الأفضل.
(٥) كيف يكفن الرجل؟ كيفيته أن تبخر الأكفان بالطيب مرة أو ثلاثا أو خمسا (لحديث) جابر أن النبي ﷺ قال: إذا أجمرتم الميت فأوتروا. وروى أجمروا كفن الميت ثلاثا. أخرجه البيهقى (٣). ﴿٤٧٤﴾
ثم تبسط اللفافة ثم الإزار عليها ويوضع الميت في القميص ثم يوضع الحنوط في رأسه ولحيته، ويوضع الكافور على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه لما تقدم عن ابن مسعود: الكافور يوضع على مواضع السجود. أخرجه البيهقى وابن أبي شيبه (٤). ﴿٤٧٥﴾
وليصان عن صورة الفساد وتظيما له خشية أن تظهر منه رائحة كريهة ولا باس باستعمال أنواع الطيب غير الزعفران والورس في حق الرجل ولا باس بتطييب قطن منفوش ووضعه في أنفه وفمه خشية خروج شئ يلوث الأكفان ثم يوضع الميت على الإزار فيلف عليه من جهة يساره ثم من جهة يمينه ليكون الأيمن على الأيسر كما في حال الحياة ثم يلف اللفافة عليه كذلك. ويجمع ما فضل
стр. 2544
عند رأسه فيرد على وجهه وما فضل عند رجليه فيرد عليهما، ويربط الكفن إن خيف انتشاره وإذا وضع في القبر حل الرباط.
(٦) كفن المرأة: المرأة كالرجل في اقل الكفن وكفن الضرورة. فالواجب في كفنها ثوب ساتر جميع البدن عند الثلاثة. وعند الشافعي: ثوب ساتر العورة وهى جميع بدن الحرة إلا وجهها وكفيها (١). وأما كفن الكفاية فهو في حق البالغة والمراهقة إزار ولفافة وخمار يغطى به رأسها فيجوز الاقتصار عليها بلا كراهة ويكره تكفينها في ثوبين بلا ضرورة، أما الصغيرة فلا بأس بتكفينها في ثوبين. والسني في كفن المرأة البالغى المراهقة خمسة: قميص وإزار وخمار ولفافة وخرقة - عرضها ما بين الثدي والفخذ - يربط بها ثدياها وبطنها عند الحنفيين، وكذا عند الشافعي وأحمد غير أنهما يجعلان بدل الخرقة لفافة. واصله حديث ليلى بنت قانف الثقفية قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت النبي ﷺ عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا النبي ﷺ الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر ورسول الله ﷺ عند الباب معه كفنها، فناولناه ثوبا ثوبا. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى بسند لا باس به (٢). ﴿٤٧٦﴾
والحقاء ككساء الإزار، والدرع القميص، والملحفة الملاءة تلتحف بها المرأة، والثوب الآخر لفافة أخرى (وقال) الحنفيون: المراد بالملحفة الخرقة يربط بها ثديا
стр. 2545
المرأة وبطنها (وقال) عمر رضى الله عنه: كفن المرأة خمسة أثواب " وَلاَ تَعتْدُوا إنَّ اللهَ لاَ يُحِب الُمْعتَدِين " أخرجه ابن أبى شيبة.
(وقالت) المالكية: المستحب في كفن المرأة سبعة أثواب: إزار وقميص وخمار أربع لفائف وكأنهم يرون أن اسم العدد لا مفهوم له، فأباءوا الزيادة على ما في الحديث، ورأوا أن الأمر في ذلك واسع (ومذهب) الأولين هو الراجح لموافقته للنص، ولأن الأصل في فعل النبي ﷺ أن يكون للتشريع.
(٧) كيف تكفن المرأة؟ : كيفية تكفينها عند الحنفيين أن يطيب الكفن كما تقدم ثم تبسط اللفافة ثم الإزار وتوضع المرأة في القميص ويجعل شعرها على صدرها ثم تخمر (١) ثم توضع على الإزار فتلف به ثم باللفافة ثم تربط الخرقة فوق الأكفان عند الصدر فوق الثديين والبطن لئلا ينتشر الكفن باضطرابها حال الحمل.
(وكيفيته) عند الشافعية والحنبلية أن يشد على المرأة الإزار ثم القميص ثم الخمار ثم تلف في لفافتين، ويعقد الكفن إن خيف انتشاره صيانة للميت ثم يحل في القبر.
(٨) كفن المحرم: إذا مات المحرم يغسل بماء وسدر كالحلال ولا يكفن في المخيط ولا يغطى رأسه ولا يطيب لبقاء حكم إحرامه (روى) سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رجلا كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم
стр. 2546
القيامة ملبيا. أخرجه السبعة والبيهقى (١). ﴿٤٧٧﴾
(وبهذا) قال الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري (وعن) أحمد لا يغطى وجهه لما روى في الحديث: ولا تخمروا رأسه ولا وجهه (٢) ولا يكفن في المخيط لأنه يحرم عليه في حياته فكذلك بعد الموت. والعمل على أنه يغطى جميع بدن المحرم إلا رأسه فإن كل الميت امرأة محرمة أليست القميص وخمرت كما تفعل في حياتها ولا تطيب ولا يغطى وجهها لأنه يحرم على المحرمة في حياتها فكذلك بعد موتها. (فإن ماتت) المتوفى عنها زوجها في العدة فالصح أن تطيب لأن التطيب إنما حرم في الحياة لكونه يدعو إلى نكاحها وقد زال بالموت (٣).
(وقال) الحنفيون ومالك والأوزاعى: إذا مات المحرم انقطع إحرامه فيكفن في المحيط وتغطى رأسه ويطب وهو مروى عن عائشة وابن عمر (فقد) مات ابنه واقد بالجحفة محرما فكفنه وخمر وجهه ورأسه (وقال): لولا أنا حرم لطيبناه. أخرجه مالك في الموطأ (٤). ﴿٤٧٨﴾
(وقد سئل) عطاء عن المحرم يغطى رأسه إذا مات؟ فقال: غطى ابن عمر وكشف غيره. أخرجه عبد الرازق في مصنفه بأسانيد جياد (وحكى) ابن حزم أنه صح عن عائشة تحنيط الميت المحرم وتطييبه وتخمير رأسه لأن افحرام عبادة تبطل بالموت كالصلاة والصوم (وأجابوا) عن حديث ابن عباس بأنه خصوصية لهذا الرجل لأن إخباره ﷺ بإنه يبعث ملبيا شهادة منه بأن حجه
стр. 2547
قد قبل وذلك غير محقق لغيره وبأن عمله قد انقطع بموته (لحديث) إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له. أخرجه مسلم والبخاري في الأدب والثلاثة عن أبي هريرة (١). ﴿٤٧٩﴾
(دل) الحديث على أن عمل الإنسان ينقطع بموته إلا في هذه الثلاثة وليس الإحرام منها (ورد) بأن الأصل عدم الخصوصية وأن قوله ﷺ : يبعث ملبيا ليس قاصرا على ما قالوا، بل هو ظاهر في بقاء حكم الإحرام لأن التلبية شعار المحرم فالحكم عام. (ويؤيده) حديث ابن عباس النبي ﷺ قال: اغسلوا المحرم في ثوبيه اللذين أحرم فيهما واغسلوه بماء سدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة محرما. أخرجه النسائي (٢). ﴿٤٨٠﴾
وهو ظاهر في العموم واعتذر الداودى عن مالك بأنه لم يبلغه الحديث.
(٩) كفن الصغير ك الصغير كالكبير في الكفن ذكرا كان أم أنثى عند الشافعية فيستحب تكفين الصبي في ثلاثة أثواب كالبالغ. (قال) (الحنفيون) وأحمد: يحسن أن يكفن كالكبير، ويجوز تكفينه في ثوب واحد بلا كراهة، ولا باس بتكفين الصغيرة في ثوبين، والمراهقة بمنزلة البالغة في الكفن لأن المراهق حال حياته يخرج فيما يخرج فيه البالغ عادة، فكذا يكفن فيما يكفن فيه.
(قال) المروزى: سالت أبا عبد الله - يعنى أحمد - في كم تكفن الجارية
стр. 2548
إذا لم تبلغ؟ قال: في لفافتين وقميص لا خمار فيه لأن غير البالغة لا يلزمها ستر رأسها في الصلاة (واختلفت) الرواية عن أحمد في الحد الذي تصير به في حكم المرأة في الكفن (فروى) عنه إذا بلغت (لحديث) عائشة أن النبي ﷺ قال: لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم (١). ﴿٤٨١﴾
مفهومة أن غير البالغة لا تحتاج إلى خمار في صلاتها فكذا في كفنها، وقد كفن ابن سيرين بنته وقد قاربت الحيض بغير خمار. (وروى) عن أحمد أنها إذا كانت بنت تسع سنين يصنع بها ما يصنع بالمرأة لأن النبي ﷺ دخل بعائشة وهى بنت تسع سنين وروى عنها أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسعا فهي امرأة (٢).
(١٠) كفن السقط ونحوه: السقط - بكسر السين - الجنين ينزل قبل تمامه وهو مستبين الخلق، وهو ومن ولد ميتا يلفان في خرقة بلا مراعاة وجه الكفن كالعضو من الميت، فإذا وجد عضو من أعضاء الإنسان أو نصفه مشقوقا طولا أو نصفه مقطوعا عرضا ليس معه الرأس يلف في خرقة وإن كان معه الرأس يكفن وقيل: يلف في خرقه. وإن وجد أكثر يكفن لأن للأكثر حكم الكل (٣).
(فوائد): (الأولى) إذا نبش القبر وأخذ الكفن فعند الشافعية يجب تكفينه ثانيا سواء كفن من ماله أو من مال غيره أو من بيت المال. (وقيل)
стр. 2549
إذا كفن من ماله ثم اقتسم الوثة التركة ثم نبش القبر وسرق الكفن استحب للورثة أن يكفنوه ثانيا ولا يلزمهم ذلك، لأنه لو لزمهم ثانيا للزمهم إلى مالا يتناهى (١) ولو كفن ثم أكله سبع وبقى الكفن (قيل) يقسم بين الورثة (وقيل) يكون لبيت المال لأنهم لم يرثوه عند الموت فلا يرثونه بعد (٢).
(وقال) الحنفيون: إذا نبش القبر وأخذ الكفن والميت لم يتفسخ كفن ثانيا من جميع المال لأن حاجته إلى الكفن ثانيا كحاجته إليه أولا: فإن قسم المال فالكفن على الوارث دون والغرمان والموضى له، لأنه بالقسمة انقطع حق الميت عنه فصار كأنه مات ولا مال له فيكفنه وارثه إن كان له مال ن وإن لم يكن له مال ولا لمن تلزمه نفقته فكفنه في بيت المال. وإن نبش بعد ما تفسخ وأخذ كفنه كفن في ثوب واحد، لأمه إذا تفسخ خرج عن حكم الآميين وصار كالسقط، ولذا لا يصلى عليه (٣).
(الثانية) يجوز للإنسان أن يعد لنفسه كفنا (لحديث) سهل بن سعد الساعدى أن أمرأة جاءت النبي ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها - أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة قال: نعم - قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فإخذها النبي ﷺ محتاجا إليها، ثم سألته، وعلمت أنه لا يرد قال: إني والله ما سألته لألبسها إنما سألته لتكون كفنى. قال سهل: فكانت
стр. 2550
كفنه. أخرجه البخاري (١). ﴿٤٨٢﴾
(فقد) دل الحديث على جواز تحصيل مالا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته لما فيه من تذكر الموت والاستعداد له (وفى الحديث) افضل المؤمنين إيمانا أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا (٢) (وقال) الصيرفي: لا يستحب أن يعد الإنسان لنفسه كفنا لئلا يحاسب عليه إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها أو من اثر أهل الخير والصلحاء، فإن ادخاره حينئذ حسن الحديث سهل المذكور. وهل يلحق بذلك حفر القبر في حياته؟ (قال) ابن بطال: وقد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت بأيديهم ليتمثلوا حلول الموت فيه. (ورد) عليه ابن المنير بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة، ولو كان مستحبا لكثر فيهم (قال) البدر العيني: لا يلزم من عدم وقوعه من أحد من الصحابة عدم جوازه لأن ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، ولا سيما إذا فعله قوم من العلماء الأخيار (٣).
стр. 2551
الصلاة على الميت
الكلام فيها ينحصر في عشرين فصلا (١) فضلها - قد ورد في الحث على الصلاة على الميت وتشييعه حتى يدفن أحاديث (منها) حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: من تبع جنازة وصلى عليها فله قيراط ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان أصغرهما مثل أحد أو أحدهما مثل أحد أخرجه السبعة (وقال) الترمذى: حسن صحيح وروى من غير وجه (١). ﴿٤٨٣﴾
وفى رواية للبخاري: من شيع جنازة، وفى أخرى له: من شهد والفاء في قوله: فصلى ليست للترتيب فإن الإجر المذكور يحصل لمن صلى على الجنازة وتبعها تقدمت الصلاة أم تأخرت (وحديث) خباب صاحب المقصورة قال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى يدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له
стр. 2552
مثل أحد. فارسل ابن عمر خبايا إلى عائشة يسألها عن قول أبى هريرة ثم يرجع إليه فيخبره ما قالت فقال: قالت عائشة صدق أبو هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى ومسلم وهذا لفظه (١). ﴿٤٨٤﴾
(وهذا) ظاهر في أن الأجر المذكور يحصل لمن خرج مع الجنازة من بيتها ولأحمد من حديث أبي سعيد الخدرى: من جاء جنازة في أهلها فتبعها حتى يصلى عليها فله قيراط (٢)، ومقتضاه: أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة، وبذلك صرح المحب الطبري وغيره.
(والظاهر) أن القيراط يحصل لمن صلى فقط لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى، لحديث أبي هريرة مرفوعا: من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط. أخرجه أحمد ومسلم (٣). ﴿٤٨٥﴾
(فدل) على أن الصلاة تحصل القيراط وإن لم يقع ابتاع (وقال) ابن المنير: إن القيراط لا يحصل إلا لمن ابتع وصلى، أو اتبع وشيع وحضر الدفن لا لمن اتبع وشيع ثم انصرف بلا صلاة، وذلك لأن الاتباع إنما هو وسيلة لأحد مقصودين: الصلاة أو الدفن، فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصل المترتب عليه وإن كان يرجى أن يحصل بذلك فضل ما يحتسب (وقد) روى سعيد بن منصور عن مجاهد أنه قال: اتباع الجنازة افضل النوافل (وحديث) ابن سيرين عن
стр. 2553
أبى هريرة إن النبي ﷺ قال: من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين. كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط. أخرجه البخاري والنسائي (١). ﴿٤٨٦﴾
وهو صريح في أن الحاصل من الصلاة والدفن قيراطان فقط (وظاهر) قوله في الحديث الأول: ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان (٢) أن هذين القيراطين غير قيراط الصلاة وبه جزم بعض المتقدمين. ويمكن الجمع بينهما بأن المراد بقوله في الحديث الأول " فله قيراطان " أى بقيراط الصلاة.
(دلت) هذه الأحاديث على أن من صلى على الميت وسيعه فله قيراطان من الأجر: قيراط للصلاة وقيراط للتشييع مع حضور الدفن والفراغ منه. وف بعضها عدم التقييد بحضور الدفن ولكن يحمل المطلق منها على المقيد، وهذا هو الصحيح. وقيل: يحصل القيراط الثاني إذا ستر الميت في القبر باللبن ونحوه وإن لم يلق عليه التراب (والحاصل) إن الانصراف من الجنازة مراتب (أ) أن ينصرف عقب الصلاة (ب) أن ينصرف عقب وضع الميت في القبر وستره قبل إهالة التراب. (جـ) أن ينصرف بعد إهالة التراب وفراغ الدفن. (د) أن يمكث عقب الفراغ ويستغفر للميت ويدعو له ويسأل له التثبيت. فالرابعة أكمل المراتب والثالثة تحصل القيراطين ولا تحصلهما الثانية على أترجح. ويحصل بالإولى قيراط بلا خلاف.
(وحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال من تبع جنازة
стр. 2554
يحمل من علوها وحثا في قبرها وقعد حتى يؤذن له، آب بقيراطين من الأجر كل قيراط مثل أحد. أخرجه أحمد وفيه ابن لهيعة متكلم فيه، وعبد الله بن هرمز ضعيف (١). ﴿٤٨٧﴾
وهو يدل على استحباب استئذان المشيع أولياء الميت في الأنصراف بعد الدفن. ولم يقل بذلك أحد إلا ما رواه ابن عبد الحكم عن مالك، وروى عن بعض الصحابة (وقال) الجمهور: لا يطلب استئذان المنصرف بعد الدفن (لقول) زيد بن ثابت رضى الله عنه: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك. ذكره البخاري معلقا. ووصله سعيد بن منصور من طريق عروة عن زيد بن ثابت قال: إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم فخلوا بينها وبين أهلها (٢) أى قضيتم حق الميت. فمن أراد الاتباع زيادة في الأجر فله ذلك ٠ وقال: حميد بن هلال ما علمنا على الجنازة إذنا ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط. ذكره البخاري معلقا (٣).
(وبهذا) قال الجمهور لإطلاق أحاديث الباب (وقالت) المالكية: يكره الانصراف عن الجنازة قبل الصلاة عليها ولو بإذن أهلها لما فيه من الطعن
стр. 2555
في الميت وإن طولوا. ويكره الانصراف بعد الصلاة بلا إذن أهلها إن لم يطولوا ولا يكره بعدها إن أذنوا أو طولوا ولو لم يأذنوا (١).
٢ - حكم صلاة الجنازة: هي فرض كفاية بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: " وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُم " (٢) والحمل على المفهوم الشرعي أولى (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى وإلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم (الحديث) أخرجه الشيخان (٣). ﴿٤٨٨﴾
وقد نقلوا الإجماع على أن الجنازة فرض كفاية إلا ما حكى عن بعض المالكية من أنها سنة، وهذا متروك لا يلتفت إليه (٤). وقد واظب النبي ﷺ واصحابه رضى الله عنه والأمة من لدن النبي ﷺ يومنا هذا عليها.
(٣) سببها: سبب لزومها الميت المسلم، لأنها شرعت قضاء لحقه فيصلى على كل مسلم مات بعد الولادة صغيرا كان أم كبيرا ذكرا أم أنثى إلا البغاة وقطاع الطريق ونحوهم، ولا يصلى على من ولد ميتا. وإن مات في حال ولادته، فإن كان خرج أكثره صلى عليه وإن كان اقله لم يصل عليه اعتبارا للأغلب (٥).
(٤) شروطها: هي عامة وخاصة (أ) فالعامة هي ما يشترط للمكتوبة
стр. 2556
إلا الوقت فيشترط لها الطهارة الحقيقية والحكمية واستقبال القبلة وستر العورة والنية حتى إنهم لو صلوا على جنازة والإمام غير طاهر فعليهم إعادتها لأن صلاة الإمام غير جائزة، فكذا صلاتهم لأنها مبنية على صلاته. ولو كان الإمام متطهرا والقوم على غير طهارة جازت صلاة الإمام وليس عليها إعادتها لأن حق الميت تأدى بصلاة الإمام، ولو تحروا على جنازة فأخطئوه القبلة جازت صلاتهم لأن المكتوبة تجوز فهذه أولى وإن تعمدوا خلافها لم تجز لأن استقبال القبلة شرط لا يسقط حالي الاختيار كما في سائر الصلوات (١). (وشذ) قوم فقالوا: يجوز أن يصلى على الجنازة بغير طهارة، وبه قال الشعبي وابن جرير الطبري والشيعة. ظنوا أن اسم الصلاة لا يتناول صلاة الجنازة، وإنما يتناولها اسم الدعاء إذ ليس فيها ركوع ولا سجود وهو قول خرق الإجماع فلا يلتفت إليه (٢).
(فائدة) من وجد الماء لكنه خاف باستعماله فوات صلاة الجنازة أيباح له التيمم؟ قال النعمان وسفيان الثوري والأوزاعى وجماعة: يتيمم ويصلى على الميت وهو رواية عن أحمد لما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه أتى بجنازة وهو على غير وضوء فتيمم ثم صلى عليها. أخرجه البيهقى في المعرفة وقال: وهذا لا أعلمه إلا من هذا الوجه، فإن كان محفوظا فإنه يحتمل أن يكون ورد في سفر وإن كان الظاهر خلافه (٣). ﴿٤٨٩﴾
وتقدم نحوه عن ابن عباس في بحث ما يباح بالتيمم (٤). والموقوف في هذا
стр. 2557
كالمرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي (وقال) مالك الشافعي: لا يتيمم للجنازة مع وجود الماء ولو خاف فوتها قياسا على سائر الصلوات وهى رواية عن أحمد. ولو كان المصلى ولى الميت لا يباح له التيمم مع وجود الماء اتفاقا لأن له حق الإعادة فر خلاف الفوت ومبني الخلاف تم صلاة الجنازة لا تقضي عند الحنيفين وعند غيرهم تقضي بخلاف الجمعة لانه فرض الوقت قائم وهو الظهر وبخلاف سائر الصلوات لأنها تفوت إلي خلف وهو القضاء الفائت إلي خلف قائم معني وسجده التلاوة ولا يخاف فوتها رأسا لانه ليس لآبائها وقت معين (١).
(واستدل) من برى اشتراط الطهارة بعموم قول الله تعالى " وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداًد" (٢) فسماها صلاة وقوله تعالى " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ " (٣) وقوله ﷺ ك لا يقبل الله صلاة بغير طهور (٤) ولأنها لما افتقرت إلي شروط الصلاة دل على أنها صلاة وكون معظم مقصودها الدعاء لا يخرجها عن كونها صلاة.
(وأجاب) الأولون بأن صلاة الجنازة خصت بجواز التيمم لمن خاف فوتها باستعمال الماء بما تقدم عن ابن عمر وابن عباس.
ب- وشروطها الخاصة: أربعة (الأول) إسلام الميت فلا يصلى على كافر لقوله " وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ " (الثاني) طهارة الميت فلا تصح على غير شهيد لم يغسل إلا إذا دفن بغير غسل ولم يمكن إخراجه
стр. 2558
إلا بالنبش فإنه يصلى على قبره بغير غسل للضرورة عند الحنفيين والحنبلييم فاشبه على الغريق قبل الغسل كالغائب البعيد، لأن الغسل تعذر لمانع فأشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم صلى على حسب حاله (١) (وقالت) المالكية: الغسل والصلاة متلازمان في الطلب فكل من وجب غسله وجبت الصلاة عليه وبالعكس. وليسا متلازمين في الفعل وجودا وعدما لأنه قد يتعذر الغسل وتجب عليه الصلاة. ومن دفن بلا غسل نبش قبره وأخرج المغسل ما لم يتغير وإلا صلى على قبره بلا غسل (وقالت) الشافعية: لا يصلى على غير الشهيد بلا غسل مطلقا. فلو مات في بئر أو انهدم عليه جدار ونحوه وتعذر إخراجه وغسله لم يصل عليه. وتصح الصلاة بعد غسله قبل تكفينه مع الكراهة. (٢)
(الثالث) وضع الميت أمام المصلى عليه فلا تصح على محمول على الأعناق أو الدابة ولا على موضوع خلف المصلى عند الحنفيين وهو المعتمد عند مالك مطلقا والصحيح عند الشافعية والحنبلية إذا كان الجنازة حاضرة، فإن صلى عليها وهى على أعناق الرجال لم تجز عند الثلاثة وعلى المعتمد عند مالك (وقال) الأمير: الأظهر أنه لا يشترط وضعها عن أعناق الرجال. ولو تقدم المصلى على الجنازة عليها وهى حاضرة أو صلى على القبر وتقدم عليه ففيه وجهان عند الشافعية (أصحهما) بطلان صلاته وقيل يجوز إن قلنا بجواز إن قلنا بجواز التقدم على الإمام وإلا فلا وهو الصحيح. ولو صلى المأموم قدام الإمام وقدام الجنازة فإن أبطلنا صلاة المنفرد إذا تقدم على الجنازة فهذا أولى. وإلا ففيه القولان في تقدم المأموم على الإمام والصحيح بطلانها عند غير مالك. فحصل من هذا أنه متى تقدم على الجنازة
стр. 2559
أو القبر أو الأمام فالصحيح بطلان صلاته (١) وإن كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه أو على قبره كما لو كانا في جانب واحد. وعن أحمد يجوز كما لو كان الميت في بلد أخرى (٢).
الصلاة على الغائب: (الرابع) من شروط صحة الصلاة على الجنازة حضور الميت كله أو جله فلا تصح على غائب عند الحنفيين ومالك وروى عن أحمد لأنه كالإمام " وقال " الشافعي وجمهور السلف: تجوز الصلاة على الغائب وهو المشهور عن أحمد (لحديث) أبي هريرة ﷺ نعى الناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف أصحابه وكبر أربع تكبيرات (٣). أخرجه السبعة. ﴿٤٩٠﴾
(وعن) عطاء عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: مات اليوم عبد الله صالح أصحمة فقوموا عليه. فقام فأمنا فصلى عليه. أخرجه أحمد والشيخان (٤). ﴿٤٩١﴾
стр. 2560
والأحاديث في هذا كثيرة وهى صريحة في جواز الصلاة على الميت الغائب سواء أصلى عليه في البلد التي مات فيها أم لا. وساء أكانت البلد التي مات فيها جهة القبلة أم لا وهذا هو الراجح " وقال" ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلى عليه كما صلى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه. وإن صلى عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب وفى مذهب أحمد ثلاثة أقوال: أصحها هذا التفصيل والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقا (١). (وقالوا): تتوقت الصلاة عليه بشهر كالصلاة على القبر لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك (٢).
(وأجاب) الأولون عن صلاة النبي ﷺ على النجاشي وزيد ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب - لما استشهدوا بمؤتة (٣) - بأنه كشف للنبي ﷺ حتى رآهم وصلاة المأموم على ميت يراه الإمام دونه لا يمنع الاقتداء (روى) أبو المهلب عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي توفى فقوموا فصلوا عليه. فقام النبي ﷺ وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤). ﴿٤٩٢﴾
(وعن) عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا: لما التقى الناس بمؤته جلس النبي ﷺ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام