إلا الوقت فيشترط لها الطهارة الحقيقية والحكمية واستقبال القبلة وستر العورة والنية حتى إنهم لو صلوا على جنازة والإمام غير طاهر فعليهم إعادتها لأن صلاة الإمام غير جائزة، فكذا صلاتهم لأنها مبنية على صلاته. ولو كان الإمام متطهرا والقوم على غير طهارة جازت صلاة الإمام وليس عليها إعادتها لأن حق الميت تأدى بصلاة الإمام، ولو تحروا على جنازة فأخطئوه القبلة جازت صلاتهم لأن المكتوبة تجوز فهذه أولى وإن تعمدوا خلافها لم تجز لأن استقبال القبلة شرط لا يسقط حالي الاختيار كما في سائر الصلوات (١). (وشذ) قوم فقالوا: يجوز أن يصلى على الجنازة بغير طهارة، وبه قال الشعبي وابن جرير الطبري والشيعة. ظنوا أن اسم الصلاة لا يتناول صلاة الجنازة، وإنما يتناولها اسم الدعاء إذ ليس فيها ركوع ولا سجود وهو قول خرق الإجماع فلا يلتفت إليه (٢).
(فائدة) من وجد الماء لكنه خاف باستعماله فوات صلاة الجنازة أيباح له التيمم؟ قال النعمان وسفيان الثوري والأوزاعى وجماعة: يتيمم ويصلى على الميت وهو رواية عن أحمد لما روى عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه أتى بجنازة وهو على غير وضوء فتيمم ثم صلى عليها. أخرجه البيهقى في المعرفة وقال: وهذا لا أعلمه إلا من هذا الوجه، فإن كان محفوظا فإنه يحتمل أن يكون ورد في سفر وإن كان الظاهر خلافه (٣). ﴿٤٨٩﴾
وتقدم نحوه عن ابن عباس في بحث ما يباح بالتيمم (٤). والموقوف في هذا
стр. 2557
كالمرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي (وقال) مالك الشافعي: لا يتيمم للجنازة مع وجود الماء ولو خاف فوتها قياسا على سائر الصلوات وهى رواية عن أحمد. ولو كان المصلى ولى الميت لا يباح له التيمم مع وجود الماء اتفاقا لأن له حق الإعادة فر خلاف الفوت ومبني الخلاف تم صلاة الجنازة لا تقضي عند الحنيفين وعند غيرهم تقضي بخلاف الجمعة لانه فرض الوقت قائم وهو الظهر وبخلاف سائر الصلوات لأنها تفوت إلي خلف وهو القضاء الفائت إلي خلف قائم معني وسجده التلاوة ولا يخاف فوتها رأسا لانه ليس لآبائها وقت معين (١).
(واستدل) من برى اشتراط الطهارة بعموم قول الله تعالى " وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداًد" (٢) فسماها صلاة وقوله تعالى " إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ " (٣) وقوله ﷺ ك لا يقبل الله صلاة بغير طهور (٤) ولأنها لما افتقرت إلي شروط الصلاة دل على أنها صلاة وكون معظم مقصودها الدعاء لا يخرجها عن كونها صلاة.
(وأجاب) الأولون بأن صلاة الجنازة خصت بجواز التيمم لمن خاف فوتها باستعمال الماء بما تقدم عن ابن عمر وابن عباس.
ب- وشروطها الخاصة: أربعة (الأول) إسلام الميت فلا يصلى على كافر لقوله " وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ " (الثاني) طهارة الميت فلا تصح على غير شهيد لم يغسل إلا إذا دفن بغير غسل ولم يمكن إخراجه
стр. 2558
إلا بالنبش فإنه يصلى على قبره بغير غسل للضرورة عند الحنفيين والحنبلييم فاشبه على الغريق قبل الغسل كالغائب البعيد، لأن الغسل تعذر لمانع فأشبه الحي إذا عجز عن الغسل والتيمم صلى على حسب حاله (١) (وقالت) المالكية: الغسل والصلاة متلازمان في الطلب فكل من وجب غسله وجبت الصلاة عليه وبالعكس. وليسا متلازمين في الفعل وجودا وعدما لأنه قد يتعذر الغسل وتجب عليه الصلاة. ومن دفن بلا غسل نبش قبره وأخرج المغسل ما لم يتغير وإلا صلى على قبره بلا غسل (وقالت) الشافعية: لا يصلى على غير الشهيد بلا غسل مطلقا. فلو مات في بئر أو انهدم عليه جدار ونحوه وتعذر إخراجه وغسله لم يصل عليه. وتصح الصلاة بعد غسله قبل تكفينه مع الكراهة. (٢)
(الثالث) وضع الميت أمام المصلى عليه فلا تصح على محمول على الأعناق أو الدابة ولا على موضوع خلف المصلى عند الحنفيين وهو المعتمد عند مالك مطلقا والصحيح عند الشافعية والحنبلية إذا كان الجنازة حاضرة، فإن صلى عليها وهى على أعناق الرجال لم تجز عند الثلاثة وعلى المعتمد عند مالك (وقال) الأمير: الأظهر أنه لا يشترط وضعها عن أعناق الرجال. ولو تقدم المصلى على الجنازة عليها وهى حاضرة أو صلى على القبر وتقدم عليه ففيه وجهان عند الشافعية (أصحهما) بطلان صلاته وقيل يجوز إن قلنا بجواز إن قلنا بجواز التقدم على الإمام وإلا فلا وهو الصحيح. ولو صلى المأموم قدام الإمام وقدام الجنازة فإن أبطلنا صلاة المنفرد إذا تقدم على الجنازة فهذا أولى. وإلا ففيه القولان في تقدم المأموم على الإمام والصحيح بطلانها عند غير مالك. فحصل من هذا أنه متى تقدم على الجنازة
стр. 2559
أو القبر أو الأمام فالصحيح بطلان صلاته (١) وإن كان الميت في أحد جانبي البلد لم يصل عليه من في الجانب الآخر لأنه يمكنه الحضور للصلاة عليه أو على قبره كما لو كانا في جانب واحد. وعن أحمد يجوز كما لو كان الميت في بلد أخرى (٢).
الصلاة على الغائب: (الرابع) من شروط صحة الصلاة على الجنازة حضور الميت كله أو جله فلا تصح على غائب عند الحنفيين ومالك وروى عن أحمد لأنه كالإمام " وقال " الشافعي وجمهور السلف: تجوز الصلاة على الغائب وهو المشهور عن أحمد (لحديث) أبي هريرة ﷺ نعى الناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف أصحابه وكبر أربع تكبيرات (٣). أخرجه السبعة. ﴿٤٩٠﴾
(وعن) عطاء عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: مات اليوم عبد الله صالح أصحمة فقوموا عليه. فقام فأمنا فصلى عليه. أخرجه أحمد والشيخان (٤). ﴿٤٩١﴾
стр. 2560
والأحاديث في هذا كثيرة وهى صريحة في جواز الصلاة على الميت الغائب سواء أصلى عليه في البلد التي مات فيها أم لا. وساء أكانت البلد التي مات فيها جهة القبلة أم لا وهذا هو الراجح " وقال" ابن تيمية: الصواب أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه صلى عليه كما صلى النبي ﷺ على النجاشي لأنه مات بين الكفار ولم يصل عليه. وإن صلى عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب وفى مذهب أحمد ثلاثة أقوال: أصحها هذا التفصيل والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقا (١). (وقالوا): تتوقت الصلاة عليه بشهر كالصلاة على القبر لأنه لا يعلم بقاؤه من غير تلاش أكثر من ذلك (٢).
(وأجاب) الأولون عن صلاة النبي ﷺ على النجاشي وزيد ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب - لما استشهدوا بمؤتة (٣) - بأنه كشف للنبي ﷺ حتى رآهم وصلاة المأموم على ميت يراه الإمام دونه لا يمنع الاقتداء (روى) أبو المهلب عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال: إن أخاكم النجاشي توفى فقوموا فصلوا عليه. فقام النبي ﷺ وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٤). ﴿٤٩٢﴾
(وعن) عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا: لما التقى الناس بمؤته جلس النبي ﷺ على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام
стр. 2561
فهو ينظر إلى معتر كهم فقال ﷺ : أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد، فصلى عليه ودعا له. وقال: استغفروا له دخل الجنة وهو يسعى. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد فصلى عليه ودعا له وقال: استغفروا له دخل الجنة وهو يطير فيها بجناحين حيث شاء. أخرجه الواقدى في المغازى (١). ﴿٤٩٣﴾
(ومنهم) من أجاب بأن هذا خاص بالنجاشي لإشهار أنه مات مسلما. ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه صلى على غائب سوى النجاشي (وما روى) أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثى وهو غائبا يصح (٢) (وأيضا) لم يثبت عن أحد الصحابة أنه صلى على غائب. ولا صلى أحد منهم - ممن كان غائبا عن المدينة - على النبي ﷺ صلاة الغائب (ورد) بأن هذا لا يفيد القطع بالخصوصية وقد تقدم أنه ﷺ صلى على زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب (وقال) النووي: لو فتح باب هذا الخصوص لا نسد كثير من ظواهر الشرع لاحتمال انحراف العادة في تلك القضية، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله (قال) ابن العربي قالت المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد ﷺ (قلنا) وما عمل به محمد
стр. 2562
تعمل به أمته. يعنى لأن لأصل عدم الخصوصية. (قالوا) طويت له الأرض وأحضرت الجنازة بين يديه (قلنا) إن ربنا عليه لقادر وإن نبينا ﷺ لأهل لذلك.
ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل إتلاف (وقال) الكرمانى قولهم - رفع عنه الحجاب - ممنوع ولئن سلمنا فكان غائبا عن الذين صلو عليه مع النبي ﷺ (١) (ويؤيده) حديث مجمع بن جارية الأنصاري أن النبي ﷺ قال أن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه فصفنا خلفه صفين وما نرى شيئا. أخرجه ابن ماجه والطبرانى بسند صحيح رجاله ثقات (٢). ﴿٤٩٤﴾
وأجاب بعض الحنفيين عن ذلك بما تقدم من أنه يصير كالميت الذي يصلى عليه الإمام وهو يراه المأمومون فغنه جائزا اتفاقا (٣).
فائدة: لو صلى إنسان على أموات المسلمين في أقطار الأرض الذين ماتوا في يومه ممن تجوز الصلاة عليهم جاز وكان حسنا مستحبا لأن الصلاة على الغائب صحيحة على ما علمت. ومعرفة الموتى وأعدادهم ليست شرطا (٤).
(٥) - وقت الصلاة الجنازة: ليس لها وقت محدود بل يصلى عليها متى حضر ولو في أوقات النهى عند الحنفيين والشافعي " لحديث " على رضى الله
стр. 2563
عنه أن النبي ﷺ قال: ثلاث لا يؤخرون: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والأيم إذا وجدت كفئا. أخرجه أحمد والحاكم والترمذى وقال غريب ليس بمتصل (١) ﴿٤٩٥﴾
فتجوز صلاة الجنازة في كل الأوقات ولا تكره في أوقات النهى ولكن يكره أن يتحرى صلاتها في هذه الأوقات بخلاف ما إذا حصل ذلك اتفاقا (٢). (وعن) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان. فإذا طلع حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تبرز. وإذا غاب حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تغيب. أخرجه مالك وأحمد والنسائي بسند حسن (٣). ﴿٤٩٦﴾
(وقالت) المالكية: لا تكره صلاة الجنازة وقت الاستواء ولا بعد صلاة الصبح قبل الإسفار ولا بعد صلاة العصر قبل الاصفرار وتكره بعدهما. وتحرم وقت الطلوع والغروب إلا إن خيف تغيرها فتجوز (وقالت) الحنبلية: تجوز صلاة الجنازة بلا كراهة في كل وقت إلا وقت الطولع والاستواء والغروب فتكره " لحديث " عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلى فيهن أو نفبرفيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب. أخرجه البيهقى والجماعة إلا البخاري (٤). ﴿٤٩٧﴾
стр. 2564
(وقال) الترمذى حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يكرهون الصلاة على الجنازة في هذه الساعات (وقال) ابن المبارك معنى هذا الحديث: أو أن نقبر موتانا - يعنى الصلاة على الجنازة وكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها وإذا انتصف النهار حتى تزول الشمس وهو قول أحمد واسحق (وقال) الشافعي: لا باس أن يصلى على الجنازة في الساعات التي يكره فيهن الصلاة (حمل) الترمذى قوله أن نقبر فيهن موتانا على صلاة الجنازة واستند إلى قول ابن المبارك وحمله أبو داود على الدفن الحقيقي حيث ذكره تحت باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها (قال) النووي: قال بعضهم إن المراد بالقبر صلاة الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فلا يجوز تفسير الحديث بما يخالف الإجماع بل الصواب أن معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر. فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره (١).
(ولكن) دعوى الأجماع على عدم كراهة صلا الجنازة في هذه الأوقات غير مسلم (فقد) قال بكراهتها فيها ابن المبارك وأحمد وأسحق (قال) الخطابي: ذهب أكثر أهل العلم إلى كراهية الصلاة على الجنائز في الأوقات التي اكره فيها الصلوات. وكأن الشافعي يرى الصلاة على الجنائز أى ساعة شاء من ليل أو نهار
стр. 2565
وكذا الدفن وقول الجماعة أولى لموافقته الحديث (١) وقد استند من فسر القبر بالصلاة إلى ما في حديث خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد عن موسى بن على ابن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نصلى على موتانا عند ثلاث عند طلوع الشمس ط لحديث " أخرجه أبو حفص عمر بن شاهين في كتاب الجنائز (٢).
ولو صحت هذه الرواية لكانت قاطعة للنزاع. ولوجب حمل قوله أن نقبر فيهن موتانا على الصلاة. لكن هذه الرواية ضعيفة لضعف خارجة بن مصعب (قال) في التقريب: متروك وكان يدلس عن الكذابين ويقال إن ابن معين كذبه (٣).
فيكره عند أحمد واسحق وابن المبارك صلاة الجنازة وقت الطلوع والاستواء والغروب إلا إن خيف عليها التغير فتجوز بلا كراهة للضرورة (وقال) الحنفيون: يكره تحريما تأديتها في هذه الأوقات الثلاثة إن حضرت قبلها. ولا باس بالدفن في هذه الأوقات فإن صلوا في أحد هذه الأوقات لم يكن عليهم إعادتها لأن صلاة الجنازة لا يتعين لأدائها وقت ن ففي أى وقت صليت وقعت أداء لا قضاء. ولا تكره الصلاة على الجنازة بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر قبل تغير الشمس لأن الكراهة في هذه الأوقات ليست لمعنى في الوقت فلا يظهر في حق الفرائض. ولو أرادوا أن يصلوا على جنازة وقد غربت الشمس فالفضل أن يبدءوا بصلاة المغرب ثم يصلون على الجنازة لأن العرب آكد منها فكان تقديمه أولى ولأن في تقديم الجنازة تأخير المغرب وهو مكروه (٤).
стр. 2566
(٦) مكانها: تجوز صلاة الجنازة في أي مكان طاهر ولو في المسجد بلا كراهة عند الشافعي وأحمد وإسحاق (لحديث) عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: لما توفى سعد بن أبي وقاص وأتى بجنازته أمرت به عائشة أن يمر به عليها فشق به في المسجد ودعت له فأنكره ذلك عليها فقالت ما أسرع الناس إلى القول ما صلى النبي ﷺ على أبني بيضاء إلا في المسجد سهيل وأخيه. أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخاري (١). ﴿٤٩٨﴾
(وقال) الترمذى حديث حسن والعمل عليه عند بعض أهل العلم (قال) مالك: لا يصلى على الميت في المسجد (وقال) الشافعي. يصلى عليه في المسجد واحتج بهذا الحديث.
وبهذا قال ابن حبيب المالكي وجمهور الفقهاء. وقد ورد فيه آثار (منها) ما روى هشام بن عرفة عن أبيه قال: ما صلى على أبي بكر إلا في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبه وسعيد بن منصور بسند رجاله ثقات (٢).
(وعن) ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر رضى الله عنه صلى عليه في المسجد وصلى عليه صهيب. أخرجه البيهقى وابن أبى شيبه (٣).
стр. 2567
(وقال) الحنفيون ومالك في المشهور عنه: تكره الصلاة تنزيها على الميت في المسجد سواء أكان الميت والقوم فيه أو القوم فيه والميت خارجه، لأن المساجد إنما أعدت للمكتوبة وتوابعها كنافلة وتدريس علم. وتقدم أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى وصلى على النجاشي (١).
(وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ : قال من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (٢). ﴿٤٩٩﴾
(وأجابوا) عن حديث عائشة بأن صلاته ﷺ على أبني بيضاء في المسجد كانت واقعة حال لا عموم لها لجواز أنه ﷺ كان وقتئذ معتكفا في المسجد أو أنه فعل ذلك لبيان الجواز فلا ينافى الكراهة ولو كان ذلك سنة عامة في كل ميت لكان معلوما للصحابة فلم ينكروا على عائشة أمرها بإدخال جنازة سعد بن أبي وقاص المسجد ولردت عليهم بقولها: كان النهى ﷺ يصلى على الجنازة في المسجد وما خصت ابن بيضاء بالذكر (ورد) بأنها لما أنكرت ذلك سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقر على جواز الصلاة في المسجد بلا كراهة (ويؤيده) صلاة الصحابة على أبي بكر وعمر في المسجد (وأجاب) الأولون: (أ) عن أن النبي ﷺ على النجاشي خارج المسجد باحتمال أنه كان لضيق المسجد وكثرة المصلين أو لبيان الجواز فلا ينافى الكراهة.
(ب) وعن حديث من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له. بأنه ضعيف
стр. 2568
لا يصح الاحتجاج به (١) (ورد) بأنهم إنما ضعفوه بصالح مولى التوءمة لاختلاطه في آخر عمره ودعوى أنه لم يتميز ما روى عنه قبل الاختلاط وبعده غير صحيح (فقد) قال ابن معين: صالح مولى التوءمة ثبت حجة سمع منه ابن أبي ذئب قبل أن يخرف. والحديث من رواية ابن أبي ذئب فهو صحيح وحينئذ يجاب عنه بما قال النووي: الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من سنن أبي داود: من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه. أى فلا وزر عليه وتكون اللام بمعنى على جمعا بين الروايات (٢) وعليه فالحديث من أدلة القائلين بجواز الصلاة على الجنازة خارج المسجد بلا كراهة وهو الظاهر من الأدلة إلا أنها في غير المسجد أفضل لما تقدم من إنكار الصحابة على عائشة أمرها بالصلاة على سعد في المسجد، فلو كانت الصلاة على الميت فيه مشهورة فاضلة لما أنكروا عليها فإنكارهم يدل على إن المشهور بينهم الصلاة على الجنازة خارج المسجد ويشهد له خروجه ﷺ إلي المصلى للصلاة على النجاشي (٣). ولم يكن من هدى النبي ﷺ الراتب الصلاة على الميت في المسجد وإنما كان كما صلى على أبني بيضاء وكي الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد (٤)
(فائدة) تكره الصلاة على الجنازة في المقبرة بين القبور عند جمهور العلماء وقال أبو هريرة وعمر بن عبد العزيز لا تكره. وعن مالك روايتان (٥).
стр. 2569
(٧) أركانها: أركان صلاة الجنازة ثمانية (الأول) النية - وهى لغة العزم على الشيء، وشرعا العزم عليه مقترنا بفعله. وهى ركن عند المالكية والشافعية وشرط عند الحنفيين وأحمد لقوله تعالى: " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " (١)، فإن الإخلاص هو النية لأنه عمل من أعمال القلب (ولحديث) إنما الأعمال بالنيات. أخرجه الشيخان عن عمر (٢). ﴿٥٠٠﴾
وقد أجمع العلماء على أنها فرض في مقاصد العبادات ومحلها القلب فلا يتلفظ بها، بل ينوى مع التكبير الصلاة على هذا الميت أو هؤلاء الأموات إن كانوا متعددين وإن لم يعرف عددهم. ويجب على المأموم نية الاقتداء ولا يشترط نية الفرضية عند غير الشافعية، ولا يشترط تعيين الميت ولا أنه رجل أو أمرأة، بل يكفيه نية الصلاة على هذا الميت، وإن كان مأموما كفاه نية الصلاة على من يصلى عليه الإمام. ولو عين الميت وأخطأ بأن نوى محمدا فكان عليا، أو رجلا فكان امرأة أو عكسه، لا تصح صلاته لأنه نوى غير الميت، وإذا نوى الصلاة على هذا محمد فكان محمودا فوجهان لتعارض الإشارة والنية، أصحهما الصحة، ولا يضر اختلاف نية الأمام والمأموم عند الشافعية والحنبلية، فإذا نوى الإمام الصلاة على حاضر ونوى المأموم على غائب وعكسه، أو نوى غائبا ونوى المأموم آخر صحت صلاتهما كما صلى الظهر خلف مصلى العصر (وقال) الحنفيون ومالك: لا يصح صلاة المأموم لعدم اتحاد الصلاة (٣).
(الثاني) التكبيرات الأربع: هي ركن لا تصح صلاة الجنازة إلا بها
стр. 2570
بالإجماع (لحديث) جابر أن النبي ﷺ صلى على النجاشي فكبر أربعا. أخرجه الشيخان (١). ﴿٥٠١﴾
(وعن) جابر أن النبي ﷺ قال: كبروا على موتاكم بالليل والنهار أربع تكبيرات. أخرجه أحمد والبيهقى وفيه ابن لهيعة فيه كلام (٢). ﴿٥٠٢﴾
(وعن) أبي سلمان المؤذن قال: توفى أبو سريحة فصلى عليه زيد بن أرقم فكبر عليه أربعا وقال: كذا فعل النبي ﷺ . أخرجه أحمد بسند جيد (٣). ﴿٥٠٣﴾
(وبهذا) قال الئمة الأربعة والجمهور. وقد ورد فيه آثار أخر (روى) عبد الرحمن بن أبى ليلى أن زيد بن أرقم كان يكبر على جنائزنا أربعا وإنه كبر على جنازة خمسا، فسألوه فقال: كان النبي ﷺ يكبرها. أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخاري وقال الترمذى: حسن صحيح (٤). ﴿٥٠٤﴾
(وعن) عبد الله بن معقل أن عليا صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه
стр. 2571
ستا ثم التفت إلينا فقال: إنه من أهل بدر. أخرجه الحاكم والبيهقى والطبرانى في الكبير بسند رجاله الصحيح (١). ﴿٥٠٥﴾
(وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ ثلى على قتل أحد فكبر تسعا تسعا ثم سبعا سبعا ثم أربعا أربعا حتى لحق بالله أخرجه الطبرانى في الكبير والأوسط بسند حسن (٢). ﴿٥٠٦﴾
(وهذا) وقد استقر الأمر وأجمع العلماء على إن التكبير أربع (قال) أبو وائل: كانوا يكبرون على عهد النبي ﷺ سبعا وخمسا وستا، أو قال أربعا فجمع عمر أصحاب النبي ﷺ فأخبر كل رجل بما رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. أخرجه البيهقى بسند حسن (٣). ﴿٥٠٧﴾
وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، وما سوى ذلك شاذ لا يلتفت إليه. (وقال) الترمذى: العمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن انس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق (٤)، فالتكبيرات الأربع أركان لا تصح صلاة الجنازة إلا بها إجماعا.
فائدتان: (الأولى) لو نقص مصلى الجنازة عن أربع تكبيرات بأن سلم بعد الثالثة، فإن كان عمدا بطلت صلاته عند الجمهور، وإن سلم ناسيا كبر الرابعة
стр. 2572
وسلم (لقول) حميد الطويل: صلى بنا أنس فكبر ثلاثا ثم سلم، فقيل له فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم ز أخرجه البخاري معلقا (١)، ولا يشرع فيها سجود السهو (الثانية) لو زاد الإمام على الربع التكبيرات لا يتبعه المقتدى بل ينتظر تسليمه ليسلم معه على المختار عند الحنفيين والشافعي (وقيل) يسلم بمجرد تكبير الإمام الخامسة ولا يتابعه لأن الزائدة على الأربع منسوخ (وقال) زفر: يتابعه لأن مجتهد فيه فيتابع فيه المقتدى إمامه كما في تكبيرات العيدين (ورد) بأن مازاد على الأربع منسوخ فلا يتابعه فيه بخلاف تكبيرات العيدين.
(هذا) ومن كبر خمسا فإن كان ناسيا لم تبطل صلاته ولا يسجد للسهو، كما لو كبر أو سبح في غير موضعه، وإن كان عمدا فوجهان: (أحدهما) تبطل صلاته لأنه زاد ركنا فاشبه من زاد ركوعا (والثاني) لا تبطل وهو الصحيح فقد صحت الأحاديث بأربع تكبيرات وخمس وهو من الاختلاف المباح والجميع جائز ولانه ليس إخلالا بصورة الصلاة فلم تلطل به كما لو زاد الأمام على أربع عمدا لم ينتظره المأموم سواء رآه مذهبا أم لا، ويكره انتظاره بل يسلمون وصلاتهم جميعا صحيحة، لأن التكبير في صلاة الجنازة ليس بمنزلة الركعات من كل وجه، فإن انتظروه فينبغي عدم البطلان، وإن زاد سهوا أو جهلا يجب انتظاره على المعتمد، فإن لم ينتظروه فينبغي الصحة، وإن شكوا أزاد عمدا أم سهوا؟ انتظروه على الظاهر، فإن لم ينتظروه فالصلاة صحيحة (٢). (وقالت) الحنبلية: يتابعه في الخامسة فقط في ظاهر المذهب (وقيل) يتابعه إلى سبع، وقيل: لا يتابعه في الزائد على أربع
стр. 2573
ولكن لا يسلم إلا مع الإمام لأنها زيادة غير مسنونة للأمام فلا بتابعه المأموم فيها كالقنوت في الركعة الأولى. والرواية الأولى هي الصحيحة لما تقدم عن زيد بن أرقم أنه كبر على جنازة خمسا وقال: كان النبي ﷺ يكبرها (١).
(الثالث) القيام للقادر عليه - فلا تصح قاعدا أو راكبا بلا عذر عند الحنفيين وأحمد وهو الصحيح عند المالكية والمشهور عند الشافعية (وقيل) يجوز عندهم القعود فيها مع القدرة على القيام كالنوافل لأنها ليست من فرائض الأعيان. وقيل: إن تعينت عليه لم تصح إلا قائما وإلا صحت قاعدا (٢)، أما لو تعذر النزول لطين أو مطر فإنها تصح من الراكب اتفاقا. ولو كان الإمام مريضا فصلى قاعدا والناس قياما صحت صلاتهم عند النعمان وأبي يوسف والشافعية وهو رواية عن أحمد (لحديث) عائشة أن النبي ﷺ صلى في مرضه الذي مات فيه بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي بصلاة النبي ﷺ ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر. أخرجه الشيخان (٣). ﴿٥٠٨﴾
(وقال) مالك في المشهور عنه ومحمد بن الحسن: تصح صلاة الإمام فقط، وهى رواية عن أحمد لأنه لا يصح افتداء القائم بالقاعد لعذر عندهم، لما روى الشعبي أن النبي ﷺ قال: لا يؤمن أحد بعدى جالسا. أخرجه البيهقى والدارقطني وقال: لم يروه غير جابر الجعفى عن الشعبي وهو متروك. والحديث مرسل ى تقوم به حجة (٤). ﴿٥٠٩﴾
стр. 2574
ولأن القيام ركن فلا يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان (ورد) بأن الحديث لا يحتج به. وقد صلى إماما من جلوس أربعة من الصحابة بعد النبي ﷺ وهم: اسيد بن حضير، وجابر بن عبد الله، وقيس ابن فهد، وأبو هريرة، كما تقدم (١).
(الرابع) قراءة الفاتحة - هي ركن بعد التكبيرة الأولى عند الحنبلية، وهو المشهور عند الشافعية (لحديث) جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يكبر على جنائزنا أربعا، ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى. أخرجه البيهقى والحاكم وهذا لفظه ن وفيه إبراهيم بن محمد وهو متروك عن عبد الله بن محمد بن عقيل، وفيه كلام وقد تغير أخيرا (٢). ﴿٥١٠﴾
(وعن) أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ قال: إذا صليتم على الجنازة فاقرءوا بفاتحة الكتاب. أخرجه الطبرانى في الكبير وفيه معلى بن حمران قال الهيثمى: لم أجد من ذكره وبقية رجاله موثقون وفى بعضهم كلام (٣). ﴿٥١١﴾
(قال) طلحة بن عبد الله بن عوف: صليت مع ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب فقال: إنها من السنة. أخرجه البخاري والثلاثة وابن حبان والحاكم والبيهقى وصححه الترمذى. ﴿٥١٢﴾
وقال: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم: يختارون
стр. 2575
أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعضهم: لا يقرأ في الصلاة على الجنازة، إنما هو الثناء على الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ ، والدعاء للميت. وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة.
(وقول) الصحابي: من السنة كذا في حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وتقرأ الفاتحة سرا (لقول) أبي أمامة بن سهل: السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافته ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة. أخرجه النسائي والطحاوى والبيهقى بسند صحيح (١). ﴿٥١٣﴾
وظاهر كلام المهذب وغيره من الشافعية اشتراط كون الفاتحة في الأولى لكن ذكر القاضي عياض وغيره أن أصل الفاتحة واجب وكونها في الأولى افضل ن ويجوز في الثانية مع إخلاء الأولى منها (٢).
(وقال) الحنفيون ومالك: لا قراءة في صلاة الجنازة (لقول) ابن مسعود: لم يوقت لنا في الصلاة على الميت قراءة ولا قول، كبر ما كبر الإمام، وأكثر من طيب الكلام. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح (٣) ﴿٥١٤﴾
(وروى) نافع أن ابن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة. أخرجه مالك في الموطأ (٤). ﴿٥١٥﴾
(وعن) عبد الرحمن بن عوف وابن عمر أنهما قالا: ليس فيها قراءة شيء
стр. 2576
من القرآن، ولأنها شرعت للدعاء ومقدمه الدعاء الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ لا القراءة.
(وقول) النبي ﷺ : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صلاة إلا بقراءة (لا يتناول) صلاة الجنازة لأنها ليست بصلاة حقيقية إنما هي دعاء واستغفار للميت ولأنها ليست بصلاة مطلقة فلا يتناولها مطلق الاسم. وتأويل حديث جابر أنه قرأ على سبيل الثناء لا على سبيل قراءة القرآن. وهذا ليس بمكروه عند الحنفيين (١).
(وقال) ابن القيم: ويذكر عن النبي ﷺ أنه أمر إن يقرا على الجنازة بفاتحة الكتاب ولا يصح إسناده ز قال شيخنا: لا يجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل هي سنة (٢)، والدليل ظاهر فيما ذهب إليه الأولون.
(واجابوا) عن قول ابن مسعود: لم يوقت لنا ن بان معناه لم يقدر. وهذا لا يدل على نفى اصل القراءة (وقد) روى ابن المنذر عنه أنه قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب وأيضا هو ناف وغيره مثبت والمثبت مقدم على النافي.
(الخامس) الصلاة على النبي ﷺ هي ركن عند الشافعية والحنبلية بعد التكبيرة الثانية (لقول) الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلى على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرا في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه. أخرجه الشافعي في مسنده، والنسائي والبيهقى وعبد الرازق بسند صححه الحافظ ابن حجر (٣). ﴿٥١٦﴾
стр. 2577
واقل الصلاة على النبي ﷺ : اللهم صل على محمد، وأكملها اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. ولا تجب على الآل على المذهب. وقيل تجب وعن الشافعي أنه يكبر الثانية ثم يحمد الله ويصلى على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات (١). (وقال) الحنفيون: الصلاة على النبي ﷺ سنة بعد التكبيرة الثانية، لما تقدم، فإنه يدل على اصل المشروعية لا على الوجوب.
(وقال) المالكية: تندب الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرات الأربع (لقول) ابن شهاب: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه اخبره رجال من أصحاب النبي ﷺ في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يصلى على النبي ﷺ ويخلص الصلاة في التكبيرات الثلاث ثم يسلم تسليما خفيفا حين ينصرف. والسنة أن يفعل من وراءه مثل ما فعل إمامه. قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامه وابن المسيب يسمع، فلم ينكر ذلك عليه. أخرجه البيهقى (٢). ﴿٥١٧﴾
(السادس) الدعاء للميت - هو ركن بالإجماع (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء. أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقى وابن حبان وفى سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. ولكن رواه ابن حبان من طريق آخر عنه مصرحا بالسماع ولذا صحح الحديث (٣). ﴿٥١٨﴾
стр. 2578
ومعنى أخلصوا له الدعاء أى اجعلوه الدعاء له خالصا مقصودا به وجه الله تعالى سواء أكان الميت محسنا أم مسيئا، فإن العاصي أحوج الناس إلى الدعاء إخوانه المسلمين وأفقرهم إلى شفاعتهم. ولذا قدم بين أيديهم للشفاعة له ولا يكون الإخلاص إلا بصفاء الخاطر من الشواغل الدنيوية وبالخضوع بالقلب والجوارح. ويحتمل أن المعنى خصوا الميت بالدعاء وبه قال جمهور الشافعية، فيقول: اللهم اغفر له وارحمه، ونحوه، وأكثر الفقهاء على جواز تعميم الدعاء لما يأتي في الأحاديث.
(وحديث) أبي هريرة ليس نصا فيما قاله الشافعية، فلا يصح حجة لهم. ويكفى أقل الدعاء نحو: اللهم اغفر له (ويسن) كونه بعد الثالثة عند الحنفيين (لحديث) فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ سمع رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ ثم يدعو بعد. أخرجه أحمد والثلاثة والبيهقى والحاكم وصححه الترمذى (١). ﴿٥١٩﴾
وهو واجب بعد التكبيرة الثالثة عند الشافعية والحنبلية، ولا دليل على تخصيصه بها واقله ما يقع به اسم الدعاء.
الدعاء المأثور: ولا يتعين فيه لفظ سوى أن يكون بأمور الآخرة وإن دعا بالمأثور فما أحسنه (وقد) ورد فيه أحاديث (منها) حديث عوف بن مالك رضى الله عنه قال: صلى النبي ﷺ على جنازة فحفظنا من دعائه:
стр. 2579
" اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعطف عنه واكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وادخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار ". قال عوف: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت. أخرجه احمد ومسلم والنسائي والترمذى وابن ماجة والبيهقى (١). ﴿٥٢٠﴾
(وقال) أبو هريرة رضى الله عنه: كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة قال: " اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فاحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفيه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا اجره ولا تضلنا بعده ". أخرجه احمد والأربعة والبيهقى (٢) ﴿٥٢١﴾
وحديث أبى هريرة أن النبي ﷺ دعا في الصلاة على
стр. 2580
الجنازة فقال: " اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت رزقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت اعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء له فاغفر له ذنبه ". أخرجه احمد وأبو داود والبيهقى والنسائي في عمل اليوم والليلة بسند جيد (١). ﴿٥٢٢﴾
(قال) واثلة بن الاسقع: صلى بنا ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: " اللهم أن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم فاغفر له وارحمه فانك أنت الغفور الرحيم " أخرجه احمد وأبو داود وابن ماجة بسند جيد (٢) ﴿٥٢٣﴾
(هذا) وقد جمع الشافعي - من مجموع الأحاديث الواردة - دعاء رتبه واستحبه قال يقول اللهم هذا عبدك وابن عبدك خرج من روح الدنيا وسعتها - ومحبوبة وأحباؤه فيها - إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه. كان يشهد إن لا اله إلا أنت وان محمدا عبدك ورسولك وأنت اعلم به. اللهم إنه نزل بك وأنت خير منزول به، واصبح فقيرا إلى رحمتك وأنت غنى عن عذابه. وقد جئناك راغبين
стр. 2581
إليك شفعاء له. اللهم إن كان محسنا فزد إحسانه، وإن كان سيئا فتجاوز عنه ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنه القبر وعذابه، وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جنبيه ولقه برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره وجاف الأرض عن جبنيه ولقه برحمتك الآمن من عذابك حتى تبعثه آما إلى جنتك برحمتك يا ارحم الراحمين (١) وهذه الأدعية بالنسبة إلى الكبير (وأما) غير المكلف فلا يستغفر له بل يدعو بما في حديث أبى هريرة: اللهم اجعله لفقا سلفا وفرطا وأجرا. أخرجه البيهقى (٢) ﴿٥٢٤﴾
(وقال) الحسن: يقرا على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول: اللهم اجعله لنا فرطا وسلفا وأجرا " أخرجه البخاري (٣).
(وقال) النووي: إن كان صبيا أو صبية اقتصر على ما في حديث: اللهم اغفر لحينا وميتنا إلى آخره، وضم إليه: اللهم اجعله فرطا لأبويه وسلفا وذخرا وعظة واعتبارا وشفعيا وثقل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتهما بعده ولا تحرمهما أجره (٤).
(السابع) السلام - هو ركن بعد التكبيرة الرابعة - يسلم مرة عند مالك والشافعي وأحمد. وواجب مرتين يمينا ويسارا ينوى بهما الميت والقوم عند الحنفيين. وأقله: السلام عليكم (لقول) ابن مسعود رضى الله عنه: ثلاث خلال كان النبي ﷺ يفعلهن تركهن الناس إحداهن
стр. 2582
التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. أخرجه البيهقى ووالطبرانى في الكبير بسند جيد رجاله ثقات (١) ﴿٥٢٥﴾
(وقال) أبو موسى الاشعرى: صلينا مع النبي ﷺ على جنازة فسلم عن يمينه وعن شماله. أخرجه والطبرانى في الكبير والأوسط وفيه خالد بن نافع الاشعرى ضعفه أبو زرعة (٢). ﴿٥٢٦﴾
فالسلام ركن في صلاة الجنازة عند غير الحنفيين لا تصح إلا به لأنها صلاة يلزم لها الإحرام فلزم الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات لما تقدم، ولحديث مالك بن الحويرث أن النبي ﷺ قال: صلوا كما رأيتموني أصلى. أخرجه البخاري (٣) ﴿٥٢٧﴾
وأما صفة السلام فالواجب عند الحنفيين تسليمتان يمينا ويسارا لما تقدم. والمختار عند مالك سلام واحد. (والمشهور) عن الشافعي انه يستحب تسليمتان (وقال) في ألام: تسليمة واحدة يبدا بها ملتفتا إلي يمينه ويختمها ملتفتا إلى يساره فيدير بها وجهه وهو فيها. وقيل: يأتي بها تلقاء وجهه وهو اشهر (٤) (وقال) احمد: يسلم تسليمة واحدة وقال: من مسلم عليها تسليمتين فهو جاهل جاهل ويستحب أن يسلمها عن يمينه كسائر الصلوات وإن سلم تلقاء وجهه فلا يأس يقول: السلام عليكم ورحمة الله. وإذا قال: السلام عليكم اجزا. ويسن الإسرار بالسلام عنده. واختار القاضي أن المستحب تسليمتان (٥)
стр. 2583
(الثامن) الترتيب بين الأركان - هو فرض عند الشافعي واحمد بان يقرا الفاتحة بعد التكبيرة الأولى ويصلى على النبي ﷺ بعد الثانية ويدعو للميت بعد الثالثة ويسلم بعد الرابعة (وقال) الحنفيون: يسن الثناء بعد الأولي والصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية والدعاء للميت ولنفسه وللمؤمنين بعد الثالثة. ويجب السلام مرتين بعد الرابعة. (وقالت) المالكية: يندب الثناء على الله تعالى ثم الصلاة على النبي ﷺ بعد كل تكبيرة ثم يدعو وجوبا بعدهما في كل تكبيرة ثم يدعو وجوبا بعدهما في كل تكبيرة وفي الرابعة يسلم وجوبا.
﴿
تنبيه﴾ علم مما تقدم إن فرائض صلاة الجنازة عند الحنفيين أربعة: النية وهى شرط والتكبيرات الأربع والقيام المقادر والدعاء. وأما السلام فواجب. وأركانها عند المالكية خمسه: النية والقيام المقادر على المشهور والتكبيرات الأربع والدعاء بينهن والسلام. وعند الشافعي واحمد ثمانية: النية والقيام والتكبيرات وقراءة الفاتحة بعد الأولى والصلاة على النبي ﷺ بعد الثانية والدعاء للميت بعد الثالثة وتسليمة واحدة بعد الرابعة والترتيب (١)(٨) سنن صلاة الجنازة - هي قسمان: خارج عنها وداخل فيها:
(أ) فالسنن الخارجة أربع (١) قيام الأمام حذاء راس الرجل وحذاء وسط المرأة عند الشافعي واحمد وروى عن النعمان (لقول) نافع أبى غالب: مرت جنازة معها ناس كثير قالوا: جنازة عبد الله بن عمير فتبعتها، فلما وضعت الجنازة قام انس فصلى عليها وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شئ، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات لم يعطل ولم يسرع ثم ذهب يقعد فقالوا: يا أبا حمزة: المرأة الأنصارية فقربوها وعليها نعش اخضر فقام عند عجيزتها فصلى عليها نحو
стр. 2584
صلاته على الرجل ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة هكذا كان النبي ﷺ يصلى على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند راس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم
(الحديث) وفيه قال أبو غالب: فسالت عن صنيع انس في قيامه على المرأة عند عجيزتها فحدثوني انه إنما كان لانه لم تكن النعوش، فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم. أخرجه أبو داود والبيهقى مطولا واحمد والطحاوى والترمذى وابن ماجه مختصرا وحسنه الترمذى (١) ﴿٥٢٨﴾
стр. 2585
(قال) الطحاوي: وهذا احب إلينا فقد قوته الآثار التي روينها عن النبي صلي الله عليه وسلم
(ومشهور) مذهب الحنفين إن ألسنه وقوف المصلي إماما أو منفردا حذاء صدر الميت ذكرا كان أو أنثي (لقول) سمره بن حندب: صليت وراء النبي صلي الله عليه وسلم علي أمرأه ماتت في نفسها فقام عليها للصلاه وسطها. أخرجه السبعة والبهيقي (١) ﴿٥٢٩﴾
(ووجهه) إن الصدر هو وسط البدن لان الرجلين والرأسين من الأطراف والبدن من العجيزه إلي الرقبه فكان وسطه الصدر , والقيان بحذاء الوسط أولى ليستوي الجانيان في الحظ من الصلاة ولان اللقب معدن العلم والحكمه فالوقوف بحياله أولي (٢). (وأجابوا) عن قيام انس حيال عجيزة المرأة بان جنازتها لم تكن مستورة بقبه ونحوها يقوم الإمام حيال العجيزه ليسترها عن أعين الناس. وأما ألان فقد اتخذت القباب علي جنازة المراه فلا داعي لقيام الإمام عند العجيزه , بل يقف عند الصدر كما وقف النبي ﷺ في الصلاة على النفساء.
(ويدل) لهذا التأويل ما تقدم في أخر الحديث من قول أبي غالب: سالت عن صنيع انس في قيامه على المرأة عند عجيزتها فحدثوني انه إنما كان لانه لم تكن النعوش فكان الإمام يقوم حيال عجيزتها يسترها عن القوم (ولكن) يرد هذا التأويل قوله في الحديث: وعليها نعش اخضر (وقالت) المالكية: السنة أن يقف المصلى عند وسط الذكر وحذو منكبي غيره لئلا يتذكر ما ينافى الصلاة إذا وقف
стр. 2586
عند وسط المرأة (قالوا) ووقوفه ﷺ عند وسط المرأة لعصمته من تذكر ما ينافى الصلاة ويجعل الإمام راس الميت عن يمينه إلا في الروضة الشريفة فيجعل رأسه عن يساره بحاه راس النبي ﷺ .
(والظاهر) الذي تشهد له الأدلة ما ذهب إليه الأولون من إن الإمام يقف عند عجيزة المرأة لانه ابلغ في صيانتها عن الباقين ويقف عند صدر الرجل.
(٢، ٣) ويسن إن يصلى على الميت جماعه ثلاثة صفوف (لحديث) مرئد ابن عبد الله اليزنى عن مالك بن هبيرة إن النبي ﷺ قال: ما من مؤمن يموت فيصلى عليه ثلاثة صفوف. أخرجه احمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى والحاكم وصححه، والترمذى وحسنه (١) ﴿٥٣٠﴾
وهذا متفق عليه، وكلما كثر الجمع كان افضل (لحديث) ابن عباس إن النبي ﷺ قال: ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه. أخرجه احمد ومسلم وأبو داود والبيهقى (٢) ﴿٥٣١﴾
стр. 2587
(وحديث) عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ قال " لا يموت أحد من المسلمين فيصلى عليه أمة من الناس يبلغون إن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفعوا فيه. أخرجه احمد ومسلم والنسائي والترمذى وقال حديث حسن صحيح (١) ﴿٥٣٢﴾
ففي هذه الأحاديث الترغيب في الصلاة على الميت جماعة وفي كثرة المصلين عليه وعلى إن من صلى عليه جماعة من المسلمين المخلصين له في الدعاء قبل الله دعاءهم. وقدرت الكثرة في بعض الروايات بثلاثة صفوف واقل الصف اثنان وفي بعضها بأربعين وفي بعضها بمائة. ولا منافاة بينها لان اسم العدد لا مفهموم له. فذكر الأربعين لا ينافى ما دونه ولا ما فوقه.
(وقال) القاضي عياض: هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك، فاجاب النبي ﷺ كل واحد منهم عن سؤاله بما يناسبة. ويحتمل إن يكون النبي ﷺ علم بقبول شفاعة مائة فاخبر به، ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم بثلاثة صفوف - وإن قل عددهم - فاخبر به (٢).
(قال) احمد: احب إذا كان فيهم قلة إن يجعلهم ثلاثة صفوف. قالوا: فان كان وراءه أربعة كيف يجعلهم؟ قال: يجعلهم صفين في كل صف رجلين وكره أن يكونوا ثلاثة فيكون في كل صف رجل واحد (٣).
فائدتان: (الأولى) إذا لم يصل على الجنازة إلا إمام ورجل وامرأة يستحب أن يكون الرجل وراء الإمام والمرأة وراء الرجل ليكونوا ثلاثة صفوف.
стр. 2588
(ولحديث) عبد الله بن أبى طلحة " إن أبا طلحة دعا النبي ﷺ إلى عمير بن أبى طلحة حين توفى، فاتاهم النبي ﷺ ، فصلى عليه في منزلة، فتقدم النبي ﷺ وكان أبو طلحة وراء وأم سليم وراء أبى طلحة، ولم يكن معهم غيرهم ". أخرجه الطبرانى في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿٥٣٣﴾
(الثانية) يجوز للنساء حضور صلاة الجنازة إذا خرجن متسترات غير متبرجات ولا متعطرات وأمن الفتنة (لما) روى إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انتظر أم عبد الله حتى صلت على عقبة. أخرجه الطبرانى في الكبير بسند حسن (٢) ﴿٥٣٤﴾
فإن كن مع الرجال صلين مقتديات بإمامهم. وإن كن منفردات (قالت) الشافعية: يستحب إن يصلين منفردات، فان صلت بهن إحداهن جاز وكان خلاف الأفضل.
(قال) النووي ك وفيه نظر وينبغي إن تسن لهن الجماعة كما في غيرها وبه قال الحسن بن صالح وسفيان الثوري واحمد والحنفيون. وقال مالك: يصلين فرادى (٣)(٤) يسن تسوية الصفوف في صلاة الجنازة كغيرها من الصلوات، لما تقدم إن النبي ﷺ لما أراد الصلاة على النجاشي صف أصحابه وكبر عليه أربعا (٤)
стр. 2589
(وروى) أبو المليح انه صلى على جنازة فالتفت فقال: استووا لتحسين شفاعتكم (١).
(ب) السنن الداخلة في صلاة الجنازة للأمام تسع:
(الأولى) رفع اليدين عند التكبيرة الأولى حذو المنكبين - كما في سائر الصلوات - وهو سنة بالإجماع. وكذا يستحب رفع اليدين عند باقي التكبيرات عند الشافعي واحمد. وروى عن مالك (لقول) نافع: كان ابن عمر يرفع يديه على كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة، وإذا قام بين الركعتين يعنى في المكتوبة. أخرجه البخاري في كتاب رفع اليدين المفرد، والبيهقى وقال: ويذكر عن انس ابن مالك انه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة. قال الشافعي: وبلغني عن سعيد بن المسبب وعروة بن الزبير مثل ذلك (٢) ﴿٥٣٥﴾
(وقال) الحنفيون والثوري والزهري: لا يرفع يديه في صلاة الجنازة إلا في التكبيرة الأولي، وهو مشهور مذهب مالك (لحديث) طاوس عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود. أخرجه الدار قطبي وفي سنده الحجاج بن نصير بن السكن. قال العقيلى: مجهول. قال الحافظ: لا يصح فيه شئ (٣) ﴿٥٣٦﴾
يعنى انه لم يثبت في رفع اليدين في غير التكبيرة الأولي شئ يصلح للاحتجاج به عن النبي ﷺ . وأفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة
стр. 2590
فيها إن لم تكن مستندة إلى قوله أو فعل النبي ﷺ . فينبغي إن يقتصر على الرفع عند التكبيرة الأولي لانه لم يشرع في غير صلاة الجنازة إلا عند الانتقال من ركن إلى ركن ولا انتقال في صلاة الجنازة.
(الثانية) وضع اليمنى على اليسرى في صلاة الجنازة كسائر الصلوات.
(ولقول) أبي هريرة: كان النبي ﷺ إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول التكبير ثم يضع يده اليمنى على يده اليسرى. أخرجه البيهقى والترمذى وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفي سنده يزيد من سنان الرهاوى ضعفه أهل الحديث (١) ﴿٥٣٧﴾
(قال) الترمذى: اختلف آهل العلم في هذا. قال ابن المبارك في الصلاة على الجنازة: لا يقبض بيمينه على شماله. ورأى بعضهم أن يقبض بيمينه على شماله، كما يفعل في الصلاة وهو احب إلى.
(الثالثة) الثناء بعد التكبيرة الأولي وهو الدعاء بنحو: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك ز وغيره مما تقدم في بحث دعاء الاستفتاح (٢) (وهو) سنة عند الحنفيين بقصد الثناء. وعليه يحمل ما تقدم عن ابن عباس رضى الله عنهما انه صلى على جنازة فقرا بفاتحة الكتاب (٣)
(وقالت) المالكية واكثر الشافعية والحنبلية: لا يستحب دعاء الاستفتاح
стр. 2591
في صلاة لأنها مبنية على التخفيف واختاره الطحاوى (قال) أبو داود: سمعت احمد يسال عن الرجل يستفتح الصلاة على الجنازة: بسبحانك اللهم وبحمدك. قال: ما سمعت. وروى عنه انه سنة لان الاستعادة فيها مشروعة فسن فيها الاستفتاح كسائر الصلوات (١)
(الرابعة) التعود قبل قراءة الفاتحة عند الحنبلية وبعض الشافعية لقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) وبالقياس على سائر الصلوات وهو مختصر لا تطويل فيه فاشبه التامين.
(الخامسة) التامين عقب الفاتحة عند القائلين بمشروعية قراءتها في صلاة الجنازة تبعا القراءة كسائر الصلوات.
(السادسة) قرائة سورة قصيرة بعد الفاتحة عند بعض الشافعية (لقول) طلحة ابن عبد الله بن عوف: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرا بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى اسمعنا، فأما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق. أخرجه النسائي وأبو يعلى الموصلي بسند صحيح (٣) ﴿٥٣٨﴾
ولان كل صلاة تقرا فيها الفاتحة تقرا فيها السورة (وقال) الجمهور: لا تقرا سورة في صلاة الجنازة لأنها مبنية على التخفيف ولو شرعت قراءة السورة: فيها لشاع نقله (قال) البيهقى: حديث القراءة في صلاة الجنازة رواه إبراهيم بن أبى حرة عن إبراهيم بن سعد وفيه: فقرا بفاتحة الكتاب وسورة. وذكر السورة فيه غير محفوظ (٤). (والأصح) عند الشافعية انه لا يستحب قراءة سورة
стр. 2592
في صلاة الجنازة ونقل إمام الحرمين إجماع العلماء عليه (١)
(السابعة) جهر الإمام بالتكبيرات والسلام عند الجمهور للإمام ولما روى نافع عن عبد الله بن عمر انه كان إذا صلى على الجنائز يسلم حتى يسمع من يليه. أخرجه مالك في الموطا (٢) ﴿٥٣٩﴾
(وقال) الحسن بن زياد: لا يرفع الصوت بالتسليم في صلاة الجنازة، وروى عن مالك لما في حديث أبى إمامة بن سهل إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرا بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولي سرا في نفسه (الحديث) وفيه ثم يسلم سرا في نفسه. أخرجه الشافعي في مسنده والنسائي والبيهقى (٣). ﴿٥٤٠﴾
ولكن العمل على الجهر بالسلام. وتقدم قول ابن مسعود رضى الله عنه: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة (٤)، وهو يدل على الجهر بالسلام، لان التسليم في الصلاة يكون جهرا للإعلام بالخروج منها.
(الثامنة) الإسرار بالقراءة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء عند الجمهور (لقول) أبى إمامة: السنة في الصلاة على الجنازة إن يقرا في التكبيرة الأولي بأم القران مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة. أخرجه النسائي والطحاوى والبيهقى بسند صحيح (٥) ﴿٥٤١﴾
(ويدل) عليه مفهوم قول ابن عجلان: سمعت سعيد بن أبى سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد لله ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة.
стр. 2593
أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وقد أجمعوا على أن قول الصحابي سنة. حديث مسند (١). ﴿٥٤٢﴾
فإنه يفهم منه أن الأصل ففي القراءة الإسرار. وإنما جهر ابن عباس ليعلم القوم أن قراءة الفاتحة ففي صلاة الجنازة سنة. (وقال) أبو الزبير: سئل جابر عما يدعى للميت فقال: ما باح لنا فيه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر. أخرجه أحمد (٢). ﴿٥٤٣﴾
(قال) الحافظ: الذي وقفت عليه: باح بمعنى جهر (وأما حديث) عوف ابن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظنا من دعائه: " اللهم اغفر له وارحمه " (الحديث). أخرجه النسائى (٣). ﴿٥٤٤﴾
(فاجاب) عنه الجمهور بأن النبي ﷺ جهر بالدعاء أحيانا لقصد التعليم.
(وقال) بعض الشافعية: إن صلى ليلا جهر وإلا أسر (هذا) وقد اتفق العلماء على أنه يسر بالصلاة على النبي ﷺ والدعاء وعلى أنه يجهر بالتكبيرات والسلام وعلى أنه يسر بالقراءة نهارا. وفى الليل وجهان: أصحهما أنه يسر أيضا. (قال) الشافعي ففي المحتضر. ويخفى القراءة والدعاء ويجهر بالتسليم ولم يفرق بين الليل والنهار (٤).
(التاسعة) الدعاء بعد التكبير الرابعة (لما روى) إبراهيم الهجري من عبد الله بن أبي أوفى قال: ماتت ابنه له فخرج ففي جنازتها على بغلة خلف
стр. 2594
الجنازة، ثم صلى عليها فكبر أربعا، فقام بعد التكبيرة الرابعة بقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا. أخرجه البيهقى (١). ﴿٥٤٥﴾
وهو مستحب عند الشافعية وروى عن أحمد ومباح عند الحنفيين ومالك ولا يتعين له دعاء، ولكن يستحب اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله أو يقول: " ربنا أتنا ففي الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (٢)(٩) الأحق بالإمامة ففي الجنازة: الأولى بها عند النعمان ومحمد بن الحسن والثاني ففي القديم - الولي إن حضر، ثم القاضي، ثم إمام الجهة، ثم ولى الميت الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبة إلا الأب فإنه يقدم يقدم على الأبن إذا اجتمعا (لقول) ابى حازم: شهدت حسينا حين مات الحسن وهو يدفع فى قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدم فلولا أنها السنة ما قدمتك. وسعيد أمير على المدينة يؤمئذ أخرجه الطبرانى فى الكبير والبزار بسند رجاله موثقون والبيهقى (٣). ﴿٥٤٦﴾
فيقدم الوالي على القريب لعموم ولايته (وقال) أبو يوسف والشافعي في الجديد: القريب أولى من السلطان، لأن هذه الصلاة مبنية على الولاية، والقريب في مثل هذا مقدم على السلطان كما في النكاح وغيره من التصرفات، ولأن هذه الصلاة شرعت للدعاء والشفاعة للميت ودعاء القريب أرجي لأنه يبالغ في إخلاص الدعاء له وإحضار القلب لزيادة شفقته وكمال تضرعه فكان اقرب إلى الإجابة. فاولى الناس بالصلاة عليه الأب ثم الجد ثم ابن الابن ثم الأخ ثم
стр. 2595
ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم على ترتيب العصبات، لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت ودعاء هؤلاء أرجي للإجابة فإنهم أفجع بالميت من غيرهم فكانوا بالتقديم أحق فإن اجتمع أخ شقيق وأخ لأب فالأخ الشقيق أولى (١).
(وقالت) المالكية والحنبلية: الأولى بالصلاة على الميت: الوصي ثم الأمير ثم ألب وإن علا ثم الأبن وإن سفل ثم أقرب العصبة لإجماع الصحابة رضى الله عنهم على هذا، فقد أوصى أبو بكر أن يصلى عليه عمر، وأوصى عمر إن يصلى عليه صهيب، وأوصت عائشة أن يصلى عليها ابا هريرة (٢).
(وعن) أبي إسحق أن عبد الله بن مسعود أوصى: إذا أنا مت يصلى على الزبير بن العوام. أخرجه البيهقى (٣).
(فهذه) قضايا انتشرت ولم يظهر فيها مخالف فكان إجماعا سكوتيا (وأجاب) الأولون عن هذه الوقائع بحملها على إجازة أولياء الميت للوصية ولو لم يجيزوها ما صحت.
(هذا) وإن اجتمع زوج المرأة وعصبتها فالظاهر تقديم العصبة عند غير النعمان فإنه يقدم زوج المرأة على ابنها منه. وروى عن أحمد لأن أبا بكرة صلى على امرآته ولم يستأذن إخوتها، ولأنها أحق بغسلها فكان أحق بالصلاة (واستدل)
الجمهور بما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لأهل امرأته: أنتم أحق بها ولأن الزوجية قد زالت بالموت فصار أجنبيا، والقرابة لم تزل. وعلى هذا إن لم يكن لها عصبة فالزوج أولي لأن له سببا وشفقة فهو أولى من