في صلاة لأنها مبنية على التخفيف واختاره الطحاوى (قال) أبو داود: سمعت احمد يسال عن الرجل يستفتح الصلاة على الجنازة: بسبحانك اللهم وبحمدك. قال: ما سمعت. وروى عنه انه سنة لان الاستعادة فيها مشروعة فسن فيها الاستفتاح كسائر الصلوات (١)
(الرابعة) التعود قبل قراءة الفاتحة عند الحنبلية وبعض الشافعية لقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢) وبالقياس على سائر الصلوات وهو مختصر لا تطويل فيه فاشبه التامين.
(الخامسة) التامين عقب الفاتحة عند القائلين بمشروعية قراءتها في صلاة الجنازة تبعا القراءة كسائر الصلوات.
(السادسة) قرائة سورة قصيرة بعد الفاتحة عند بعض الشافعية (لقول) طلحة ابن عبد الله بن عوف: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرا بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى اسمعنا، فأما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق. أخرجه النسائي وأبو يعلى الموصلي بسند صحيح (٣) ﴿٥٣٨﴾
ولان كل صلاة تقرا فيها الفاتحة تقرا فيها السورة (وقال) الجمهور: لا تقرا سورة في صلاة الجنازة لأنها مبنية على التخفيف ولو شرعت قراءة السورة: فيها لشاع نقله (قال) البيهقى: حديث القراءة في صلاة الجنازة رواه إبراهيم بن أبى حرة عن إبراهيم بن سعد وفيه: فقرا بفاتحة الكتاب وسورة. وذكر السورة فيه غير محفوظ (٤). (والأصح) عند الشافعية انه لا يستحب قراءة سورة
стр. 2592
في صلاة الجنازة ونقل إمام الحرمين إجماع العلماء عليه (١)
(السابعة) جهر الإمام بالتكبيرات والسلام عند الجمهور للإمام ولما روى نافع عن عبد الله بن عمر انه كان إذا صلى على الجنائز يسلم حتى يسمع من يليه. أخرجه مالك في الموطا (٢) ﴿٥٣٩﴾
(وقال) الحسن بن زياد: لا يرفع الصوت بالتسليم في صلاة الجنازة، وروى عن مالك لما في حديث أبى إمامة بن سهل إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرا بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولي سرا في نفسه (الحديث) وفيه ثم يسلم سرا في نفسه. أخرجه الشافعي في مسنده والنسائي والبيهقى (٣). ﴿٥٤٠﴾
ولكن العمل على الجهر بالسلام. وتقدم قول ابن مسعود رضى الله عنه: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة (٤)، وهو يدل على الجهر بالسلام، لان التسليم في الصلاة يكون جهرا للإعلام بالخروج منها.
(الثامنة) الإسرار بالقراءة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء عند الجمهور (لقول) أبى إمامة: السنة في الصلاة على الجنازة إن يقرا في التكبيرة الأولي بأم القران مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة. أخرجه النسائي والطحاوى والبيهقى بسند صحيح (٥) ﴿٥٤١﴾
(ويدل) عليه مفهوم قول ابن عجلان: سمعت سعيد بن أبى سعيد يقول: صلى ابن عباس على جنازة فجهر بالحمد لله ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة.
стр. 2593
أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وقد أجمعوا على أن قول الصحابي سنة. حديث مسند (١). ﴿٥٤٢﴾
فإنه يفهم منه أن الأصل ففي القراءة الإسرار. وإنما جهر ابن عباس ليعلم القوم أن قراءة الفاتحة ففي صلاة الجنازة سنة. (وقال) أبو الزبير: سئل جابر عما يدعى للميت فقال: ما باح لنا فيه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر. أخرجه أحمد (٢). ﴿٥٤٣﴾
(قال) الحافظ: الذي وقفت عليه: باح بمعنى جهر (وأما حديث) عوف ابن مالك قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فحفظنا من دعائه: " اللهم اغفر له وارحمه " (الحديث). أخرجه النسائى (٣). ﴿٥٤٤﴾
(فاجاب) عنه الجمهور بأن النبي ﷺ جهر بالدعاء أحيانا لقصد التعليم.
(وقال) بعض الشافعية: إن صلى ليلا جهر وإلا أسر (هذا) وقد اتفق العلماء على أنه يسر بالصلاة على النبي ﷺ والدعاء وعلى أنه يجهر بالتكبيرات والسلام وعلى أنه يسر بالقراءة نهارا. وفى الليل وجهان: أصحهما أنه يسر أيضا. (قال) الشافعي ففي المحتضر. ويخفى القراءة والدعاء ويجهر بالتسليم ولم يفرق بين الليل والنهار (٤).
(التاسعة) الدعاء بعد التكبير الرابعة (لما روى) إبراهيم الهجري من عبد الله بن أبي أوفى قال: ماتت ابنه له فخرج ففي جنازتها على بغلة خلف
стр. 2594
الجنازة، ثم صلى عليها فكبر أربعا، فقام بعد التكبيرة الرابعة بقدر ما بين التكبيرتين يستغفر لها ويدعو، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع هكذا. أخرجه البيهقى (١). ﴿٥٤٥﴾
وهو مستحب عند الشافعية وروى عن أحمد ومباح عند الحنفيين ومالك ولا يتعين له دعاء، ولكن يستحب اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله أو يقول: " ربنا أتنا ففي الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (٢)(٩) الأحق بالإمامة ففي الجنازة: الأولى بها عند النعمان ومحمد بن الحسن والثاني ففي القديم - الولي إن حضر، ثم القاضي، ثم إمام الجهة، ثم ولى الميت الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبة إلا الأب فإنه يقدم يقدم على الأبن إذا اجتمعا (لقول) ابى حازم: شهدت حسينا حين مات الحسن وهو يدفع فى قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدم فلولا أنها السنة ما قدمتك. وسعيد أمير على المدينة يؤمئذ أخرجه الطبرانى فى الكبير والبزار بسند رجاله موثقون والبيهقى (٣). ﴿٥٤٦﴾
فيقدم الوالي على القريب لعموم ولايته (وقال) أبو يوسف والشافعي في الجديد: القريب أولى من السلطان، لأن هذه الصلاة مبنية على الولاية، والقريب في مثل هذا مقدم على السلطان كما في النكاح وغيره من التصرفات، ولأن هذه الصلاة شرعت للدعاء والشفاعة للميت ودعاء القريب أرجي لأنه يبالغ في إخلاص الدعاء له وإحضار القلب لزيادة شفقته وكمال تضرعه فكان اقرب إلى الإجابة. فاولى الناس بالصلاة عليه الأب ثم الجد ثم ابن الابن ثم الأخ ثم
стр. 2595
ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم على ترتيب العصبات، لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت ودعاء هؤلاء أرجي للإجابة فإنهم أفجع بالميت من غيرهم فكانوا بالتقديم أحق فإن اجتمع أخ شقيق وأخ لأب فالأخ الشقيق أولى (١).
(وقالت) المالكية والحنبلية: الأولى بالصلاة على الميت: الوصي ثم الأمير ثم ألب وإن علا ثم الأبن وإن سفل ثم أقرب العصبة لإجماع الصحابة رضى الله عنهم على هذا، فقد أوصى أبو بكر أن يصلى عليه عمر، وأوصى عمر إن يصلى عليه صهيب، وأوصت عائشة أن يصلى عليها ابا هريرة (٢).
(وعن) أبي إسحق أن عبد الله بن مسعود أوصى: إذا أنا مت يصلى على الزبير بن العوام. أخرجه البيهقى (٣).
(فهذه) قضايا انتشرت ولم يظهر فيها مخالف فكان إجماعا سكوتيا (وأجاب) الأولون عن هذه الوقائع بحملها على إجازة أولياء الميت للوصية ولو لم يجيزوها ما صحت.
(هذا) وإن اجتمع زوج المرأة وعصبتها فالظاهر تقديم العصبة عند غير النعمان فإنه يقدم زوج المرأة على ابنها منه. وروى عن أحمد لأن أبا بكرة صلى على امرآته ولم يستأذن إخوتها، ولأنها أحق بغسلها فكان أحق بالصلاة (واستدل)
الجمهور بما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لأهل امرأته: أنتم أحق بها ولأن الزوجية قد زالت بالموت فصار أجنبيا، والقرابة لم تزل. وعلى هذا إن لم يكن لها عصبة فالزوج أولي لأن له سببا وشفقة فهو أولى من
стр. 2596
الأجنبي، فإذا استوى وليان في درجة فأولاهما أحقهما بالإمامة في المكتوبات، لعموم حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: يؤم القوم أقرؤكم لكتاب الله تعالى. أخرجه السبعة إلا البخاري (١). ﴿٥٤٧﴾
(وقيل) إذ استوى الوليان يقدم الأسن لأنه أقرب إلي إجابة الدعاء وأعظم عند الله أجرا وهذا ظاهر مذهب الشافعي والأول أولى لأن فضيلة السن معارضة بفضيلة العلم وقد رجحها الشارع في سائر الصلوات مع أنه يقصد في الجنازة إجابة الدعاء وهى من العالم اقرب (روى) ابن عمر أن النبي ﷺ : اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. أخرجه الدارقطني قطني والبيهقى بسند ضعيف (٢). ﴿٥٤٨﴾
(فإن) استووا في العلم والسن والورع وتشاحوا، اقرع بينهم. ومن قدمه الولي فهو بمنزلته (٣).
(١٠) المسبوق فى صلاة الجنازة: له أحوال خمس:
(أ) من سبق ببعض التكبير ينتظر الإمام حتى يكبر معه عند النعمان ومحمد ومالك وروى عن أحمد، لأن التكبير هنا بمنزلة ركعة ولو فاتته ركعة لم يشتغل بقضائها، فكذا إذا فاتته تكبيرة، ولو كبر حين حضر لا تفسد صلاته لكن لا تحسب له تكبيرة. (قال) الشافعي وأبو يوسف: يكبر حين يحضر ويعتبر ما أداه وهو الصحيح عن أحمد وروى عن مالك لأنه في سائر الصلوات متى أدرك
стр. 2597
الإمام كبر معه بلا انتظار، وليس هذا اشتغالا بقضاء ما فاته فإنما يصلى مع الإمام ما أدركه كمن يكبر عقب تكبير الإمام قبل أن يتم المأموم القراءة فإنه يكبر ويتابع الإمام ويقطع القراءة (١) عند احمد وأبى يوسف وهو الأصح عند الشافعي. وتحسب له التكبيرة للعذر. (ب) وإن أدرك المأموم الإمام بعد التكبيرة الثانية حسبت له عند أبى يوسف والشافعي وبقضى واحدة. وتحسب له على الصحيح عند أحمد ولا يقضى شيئا. ولا تحسب له عند النعمان ومحمد ومالك ويقضى ثنتين. (جـ) ولو حضر المأموم بعد ما كبر الإمام الرابعة قبل السلام لم يدخل معه وقد فاتته الصلاة عند أبى حنيفة ومحمد ومالك لأنه لا ثمرة لتكبيرة وحده وقد أتم الإمام التكبيرات فلا تتأنى المتابعة (وقال) أبو يوسف والشافعي وأحمد: يكبر المأموم وتحسب له تطبيرة، وإذا سلم لإمام قضى ثلاث تكبيرات كما لو كان حاضرا خلف الإمام ولم يكبر حتى كبر الإمام الرابعة (٢).
(د) وإذا سلم الإمام وقد بقى على بعض المأمومين بعض التكبيرات، يأتي بها المسبوق قبل رفع الجنازة عند الحنفيين، لأن شرط صحة صلاة الجنازة حضور الميت. (وقال) غيرهم: يستحب عدم رفعها حتى يقضى المسبوق ما عليه. وهل يأتي به تباعا بلا ذكره بعده؟ قال الحنفيون: يدعو إن لم يخف رفعها وإلا أتى بما سبق به تباعا (وقال مالك) يدعو إن لم ترفع الجنازة، وإن رفعت تابع التكبير وسلم. وعند الشافعي وجهان: أصحهما أنه يأتي بالصلاة على النبي ﷺ والدعاء، وقيل: يكتفي بالتكبيرات (٣).
стр. 2598
(هذا) ولا تصح صلاة المسبوق في الجنازة عند الحنفيين ومالك والشافعي إلا بتدارك ما فاته قياسا على سائر الصلوات (ولحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " أخرجه السبعة (١). ﴿٥٤٩﴾
(وقالت) الحنبلية: من فاته شئ من التكبير استحب له قضاؤه متتابعا فإن سلم مع الأمام ولم يقض فصلاته صحيحة (لما) روى أن عائشة قالت: يا رسول الله إني أصلى على الجنازة ويخفى على بعض التكبير، قال: سمعت فكبرى وما فاتك فلا قضاء عليك (٢).
(وأجابوا) عن الحديث بإنه ورد في الصلوات الخمس بدليل قوله فيه: ولا تأنوها وأنتم تسعون (وروى) أنه ﷺ سعى في جنازة سعد حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فعلم أنه لم يرد بالحديث هذه الصلاة والقياس على سائر الصلوات لا يصح لأنه لا يقضى في شئ من الصلوات التكبير المنفرد. (هـ) وإذا أدرك الإمام في الدعاء على الميت تابعة فيه فإذا اسلم الإمام كبر وقرأ الفاتحة ثم كبر وصلى على النبي ﷺ وكبر وسلم. (وقال) الشافعي: متى دخل المسبوق في الصلاة ابتداء بالفاتحة ثم أتى بالصلاة على النبي ﷺ في الثانية (٣).
стр. 2599
(١١) الصلاة على متعدد: إذا حضرا أكثر من ميت فالأفضل إفراد كل ميت بصلاة. ويجوز أن يصلى عليهم واحدة لأن المقصود من صلاة الجنازة الدعاء والشفاعة وهذا يحصل بصلاة واحدة. فان صلى على كل واحد على حدة فالأولى تقديم الأفضل فالأفضل، وإذا صلى عليهم دفعة واحدة فان كانوا من نوع واحد بان يكونوا ذكورا وإناثا، فان شاءوا وضعوا واحدا بعد واحدا مما يلي القبلة ليقوم الأمام بحذاء الكل وهذا هو الأولى، وحينئذ يكون أفضلهم مما يلي الأمام (لحديث) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم (الحديث). أخرجه احمد ومسلم وأبو داود والترمذى وقال: حسن غريب (١) ﴿٥٥٠﴾
(وقال) الشعبي: صلى على يوم صفين على عمار بن ياسر وهاشم بن عتبة فكان عمار أقربهما إلي على، وكان هاشم أقربهما إلي القبلة أخرجه الطبرانى وفيه سفان ابن هارون وفيه كلام وقد وثق (٢) ﴿٥٥١﴾
стр. 2600
(وإن) كانوا رجالا ونساء جاز أن يصلى على كل نوع على حدة (لما) روى عن عبد الله بن مفغل انه صلى على الرجال على حدة وعلى المرأة على حدة ثم اقبل على القوم فقال: هذا الذي لا شك فيه. وإن صلى عليهم جميعا دفعة واحدة جاز. وحينئذ توضع الرجال مما يلي الأمام والنساء خلف الرجال مما يلي القبلة كما يصطفون خلف الأمام حال الحياة. (ولو) اجتمع رجل وصبى وخنثي وامرأة وصبية وضع الرجل مما يلي الأمام والصبى وراءه ثم الخنثى ثم المرأة ثم الصبية (لحديث) نافع
стр. 2601
عن ابن عمر انه صلى على تسع جنائز جميعا فجعل الرجال يلون الأمام وجعل النساء يلين القبلة، فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم - بنت على امرأة عمر بن الخطاب - وابن لها يقال له زيد وضعا جميعا، والأمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الأمام، فقال رجل فأنكرت ذلك. فنظرت إلي ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة. أخرجه النسائي والبيهقى والدار قطبي بسند صحيح (١) ﴿٥٥٢﴾
(وعن) سليمان بن موسى أن واثلة بن الاسقع - في الطاعون كان بالشام مات فيه بشر كثير - فكان يصلى على جنائز الرجال والنساء جميعا - الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة - ويجعل رءوسهن إلي ركبتي الرجال ز أخرجه الببيهقى (٢) ﴿٥٥٣﴾ ((دلت) هذه الأحاديث والآثار على انه إذا وجدت جنازة ذكور وإناث، تجعل الذكور مما يلي الأمام والإناث مما يلي القبلة، وإذا اجتمع رجل وصبى وامرأة يوضع الرجل أما ثم الصبي ثم الأنثى. وهذا متفق عليه.
(فوائد) (الأولى) لو كبر الأمام على جنازة ثم أتي بجنازة أخري فوضعت معها استمر في صلاته على الأولى ويستأنف الصلاة على الأخرى عند الحنفيين
стр. 2602
والشافعي لان التحريمة انعقدت للصلاة على الأولى فيتمها، فان كبر التكبيرة الثانية ينويهما فهي للأولى فقط لانه لم يقصد الخروج عن الأولى فبقى فيها. وإن كبر ينوب الثانية وحدها فهي لها لانه خرج عن الأولى بالتكبيرة ناويا الثانية، كما إذا كان في الظهر فكبر ينوب العصر فانه يصير منتقلا من الظهر، فكذا هذا بخلاف ما إذا نواهما جميعا لانه ما رفض الأولى فيبقى فيها فلا يصير شارعا في الثانية. ثم إذا صار شارعا في الثانية فإذا فرغ منها أعاد الصلاة على الأولى (١).
(وقالت) الحنبلية: إذا كبر على جنازة ثم جيء بأخرى، كبر الثانية عليهما وينويهما. فان جيء بثالثة كبر الثالثة عليهن ونوهن، فان جيء برابعه كبر الرابعة عليهن ثم يكمل التكبير إلي سبع وهو اكثر ما ينتهي إليه التكبير فان جيء بخامسة لم ينوها بالتكبير، وإن نواها لم يجز لأنه دائر بين أن يزيد على سبع أو بنقص في تكبيرها عن أربع وكلاهما ولا يجوز، وكذا لو جيء بثانية بعد التكبيرة الرابعة.
لم يحزان يكبر عليها الخامسة لما بينا. فان أراد أهل الجنازة الأولي رفعها قبل سلام الأمام لم يجز، لان السلام ركن لا تتم الصلاة إلا به. إذا تقرر هذا فانه يقرا في التكبيرة الخامسة الفاتحة، وفي السادسة يصلى على النبي ﷺ ، ويدعو في السابعة ليكمل لجميع الجنائز القراءة والأذكار كما كمل لهن التكبيرات (٢).
(الثانية) إذا صلى على موتى دفعة فان كان المصلى هو السلطان جاز، وإن كان بعض الأولياء، فان رضوا بصلاة واحدة قدم ولى السابقة، وإن
стр. 2603
حضرت الجنائز دفعة اقرع بينهم، وإن لم يرضوا بصلاة واحدة صلى كل واحد على ميته عند الحنفيين والشافعي (١)
(وقالت) الحنبلية: عن اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم فيمن يتقدم للصلاة عليهم قدم أولاهم بالإمامة في الفرائض. (وقيل) يقدم من سبق ميته. (ووجه) الاول انهم تساووا فأشبهوا الأولياء إذا تساووا في الدرجة مع قول النبي ﷺ : يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله (٢)، وإن أراد ولى كل ميت إفراد ميته بصلاة جاز (٣).
(الثالثة) إن وجد من الأموات من يصلى عليه ومن لا يصلى عليه واشتبه الأمر صلى على الكل بنية من يصلى عليه عند الأئمة الثلاثة (وقال) الحنفيون: إن كان المسلمون اكثر صلى عليهم وإلا فلا لان للأكثر حكم الكل.
(١٢) كيفية صلاة الجنازة: اجمع كيفية لكل ما ورد إن ينوب الصلاة على من حضر ويكبر رافعا يديه ثم يضع اليمنى على اليسرى فوق السرة ثم يأتي بدعاء الاستفتاح ويتعوذ ويقرا الفاتحة ويؤمن ويقرا سورة قصيرة ويدعو للميت سرا، ثم يكبر الثانية ويصلى على الأولياء ﷺ بالوارد عقب التشهيد، ثم يدعو للميت، ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت ولنفسه وللمؤمني بالرحمة والمغفرة، والدعاء بالمأثور افضل، ثم يكبر الرابعة ويدعو بنحو قوله ﴿ربنا آتتا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ثم يسلم.
(روى) سعيد بن كيسان عن أبيه انه سأل أبا هريرة كيف تصلى على الجنازة؟ فقال: اتبعها من بيت أهلها فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى
стр. 2604
وصليت على نبيه ﷺ ثم أقول: " اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك كان يشهد أن لا اله إلا أنت وان محمدا عبدك ورسولك وأنت اعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه إن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفتنا بعده ". أخرجه مالك في الموطا (١) ﴿٥٥٤﴾
(وعن) شر حبيل بن سعد قال: حضرت عبد الله بن عباس صلى بنا على جنازة بالابواء فكبر ثم قرا بأم القران رافعا صوته بها ثم صلى على النبي ﷺ وثم قال: " اللهم عبدك وابن عبدك ورسولك اصبح فقيرا إلي رحمتك فقيرا إلي رحمتك وأصبحت غنيا عن عذابه تخلى من الدنياواهلها، وغن كان زاكيا فزكه، وإن كان مخطئا فاغفر له، اللهم لا تحرمنا اجره ولا تفقنا بعده " ثم كبر ثلاث تكبيرات، ثم انصرف فقال: يأبها الناس أبي لم أقرا عليها إلا لتعلموا أنها سنة ". أخرجه البيهقى (٢) ﴿٥٥٥﴾
(١٣) إعادة صلاة الجنازة: لها ثلاث حالات: (أ) إن صلى على الميت غير الاحق بالصلاة عليه بلا إذن منه ولم يصل الاحق معه فله إعادة الصلاة عليه اتفاقا، لان الحق له وقد صلى النبي ﷺ وعلى قبر بعد ما صلى على الميت كما ياتى، لانه ﵊ كان الاحق بالصلاة عليه، وهذا متفق عليه.
(ب) ولا يصح عند الحنفيين ومالك ان يصلى غير الاحق بعد
стр. 2605
صلاته لأن الفرض تأدى بالأولى. والتنقل بصلاة الجنازة غير مشروع (وروى) أبوب عن نافع أن ابن عمر قدم بعد ما توفى عاصم أخوه فسال عنه فقال: أبن قبر أخى؟ فدلوه عليه فأتاه فدعا له. أخرجه عبد الرازق وقال وبه نأخذ (١). ﴿٥٥٦﴾
(وقالت) الشافعية والحنبلية: من فاتته الجنازة فله أن يصلى عليها ما لم تدفن فإن دفنت صلى على القبر (لما) روى الحكم عن حنش قال: مات سهل بن حنيف فأتى به الرحبة فصلى عليه على رضى الله عنه فلما أتينا الجبانة لحقنا قرظة بن كعب فى نا س من قومه فقالو: يأمير المؤمنين لم نشهد الصلاة عليه فقال: صلوا عليه فصلى بهم قرظة بن كعب. أخرجه البيهقى (٢). ﴿٥٥٧﴾
وعن عمرو بن مرة عن خثيمة أن أبا موسى صلى على الحارث بن قيس الجعفى بعد ما صلى عليه أدركهم بالجبان. أخرجه البيهقى (٣). ﴿٥٥٨﴾
(جـ) ومن صلى على جنازة لا يشرع له إعادتها عند الحنفيين ومالك. ولا يستحب عند أحمد وهو الصحيح عند الشافعية لأن الثانية تكون نافلة والتنفل بها غير مشروع وعليه فلو صلاها ثانيا لا تصح عند الحنفيين ومالك، وتصح عند الشافعى وأحمد وإن كانت غير مستحبة وتقع نفلا. وقال القاضى حسين: تقع فرض كفاية كما لو صلت جماعة فصلاة الجميع تقع فرضا (٤).
هذا، وإذا صلى على الجنازة لا توضع لأحد يصلى عليها ثانيا، بل يبادر بدفنها إلا أن يرجى الولى فتؤخر إلا أن يخاف تغير الميت.
стр. 2606
(وقال) ابن عقيل: لا ينتظر به أحد، لأن النبي ﷺ قال فى طلحة بن البراء: " وعجلوا فإنه لا ينبغى لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرانى أهله " (١). وأما من أدرك الجنازة ممن لم يصل فله أن يصلى عليها. فعله على وأنس وسلمان بن ربيعة وغيرهم رضى الله تعالى عنهم (٢).
(١٤) الصلاة على القبر: لها حالان: (أ) من دفن بعد غسله بلا صلاة صلى على قبرة عند الحنفيين ما لم يغلب على الظن تفسخه. (وقالت) الشافعية والحنبلية: يصلى على القبر ابدا لعموم حديث يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقيل: فلانه فعرفها فقال: ألا آذنتمونى بها؟ قالوا: يا رسول الله كنت قائلا صائما فكرهنا أن نؤذيك، فقال: لا تفعلوا، لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم آذنتمونى به فإن صلاتى عليه له رحمة، ثم أتى القبر فصفنا خلفه وكبر عليه اربعا. أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه والبيهقى بسند جيد والحاكم وابن حبان وصححاه (٣). ﴿٥٥٩﴾
стр. 2607
(وقال) الترمذى: والعمل على هذا. وهو قول الشافعى وأحمد وإسحق (وقال) بعض أهل العلم: لا يصلى على القبر، وهو قول مالك بن أنس (وقال) ابن المبارك: إذا دفن الميت ولم يصل علي القبر. وقال أحمد وإسحق: يصلى على القر إلى شهر (١).
(وقالت) المالكية: من دفن بلا صلاة أخرج وصلى عليه إن لم يخف تغيره وإلا صلى على قبره وجوبا ما لم يظن فناؤه. (ب) أما من صلى عليه وليه أو غيره بإذنه فلا يصلى على قبره عند الحنفيين لأنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا السلف الصالح أنه صلى على قبر النبي ﷺ (وقال) مالك: من لمن لم يكن صلى على الميت وإن لم يكن ولى الميت فى أى وقت لإطلاق الأحاديث الواردة فى ذلك، كحديث ثابت البنانى عن أبى رافع عن ابى هريرة: أن امرأة سوداء رجلا كان يقم المسجد فقعده النبي ﷺ فسال عنه فقيل: مات، فقال: ألا آذنمون به؟ دلونى على قبره فدلوه فصلى عليه. أخرجه أحمد والشيخان وابو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقى (٢). ﴿٥٦٠﴾
(وحديث) أنس أن النبي ﷺ قال: إن هذه القبور ممتلئة
стр. 2608
على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتى عليها. وقال رجل من الأنصار يا رسول الله إن أخى مات ولم تصل عليه قال: فاين قبره؟ فأخبره فانظلق رسول اله ﷺ مع الأنصارى فصلى. أخرجه أحمد والبيهقى وابو داود والطيالسى بسند رجاله رجال الصحيح (١). ﴿٥٦١﴾
والأحاديث فى هذا كثيرة، وهى تدل على أنه يجوز لمن لم يصل على الميت قبل دفنه أن يصلى على قبره وليا أو غيره ابدا، وبه قال الشافعى وابن المبارك واختاره ابن عقيل الحنبلى، لقول عقبة بن عامر: صلى النبي ﷺ على قتلى أحد بعد ثمانى سنين كالمودع للأحياء والأموات (الحديث). أخرجه الشيخان وابو داود والبيهقى (٢). ﴿٥٦٢﴾
(ومشهور) مذهب أحمد أنه يصلى على القبر إلى شهر فقط (لما روى) قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت النبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر. أخرجه الترمذى والبيهقى وقال: وهو مرسل صحيح (٣). ﴿٥٦٣﴾
(وأجاب) الحنفيون ومالك عن هذه الأحاديث (أ) بأن الصلاة على القبر من خصائص النبي ﷺ (لقوله) فى حديث أنس: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتى عليها (٤). (وقوله) فى حديث يزيد
стр. 2609
ابن ثابت: فإن صلاتى عليه له رحمة (١). (ووجه) الدلالة أن صلاته ﷺ لتنوير القبر والرحمة. وهذا لا يوجد فى صلاة غيره فلا تكون الصلاة على القبر مشروعة لغيره (ورد) ابن حبان ذلك بأن ترك إنكاره ﷺ على من صلى معه على القبر يدل على جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه ﷺ وأيضا فإن مجرد كون الله ينور القبور بصلاة النبي ﷺ عليه الا ينفى مشروعية الصلاة على القبر لغيره اقتداء به ﷺ وهو القائل: صلوا كما رايتمونى أصلى (٢). فهو بعمومه يشمل صلاة الجنازة.
(ب) (وأجاب) الحنفيون ايضا بأن ذلك خاص بولى الميت الذى صلى عليه وهو غائب. النبي ﷺ عليه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو وليهم (وقال) ابن القاسم: قلت لمالك: فالحديث الذى جاء أنه ﵊ صلى على قبر؟ قال: قد جاء وليس عليه العمل (٣).
(هذا) والظاهر الذى تشهد له الأدلة الثابتة ثبوتا لا يقابله العلماء إلا بالقبول أن الصلاة على القبر جائزة فى أى وقت، سواء فى ذلك من صلى على الميت ومن لم يصل وليس للمانعين منها دليل ناهض (ولا ينافى) ما ذكره حديث ابى مرثد الغنوى أن النبي ﷺ قال: " لا تجلسوا على القبور ولا تضلوا إليها " أخرجه أحمد ومسلم والترمذى وابو داود والبيهقى (٤). ﴿٥٦٤﴾
стр. 2610
فإن المراد منه الصلاة ذات الركوع والسجود بخلاف هذه فليست منهيا عنها لفعله ﷺ إياها وإقراره الصحابة على فعلها.
(١٥) صلاة الجنازة على النبي ﷺ : الصحيح الثابت أن المسلمين صلوا على النبي ﷺ افرادا لا يؤمهم أحد. وقد جاء فى هذا أحاديث (منها) ما قال ابن عباس: لما صلى على رسول الله صلى الله علهي وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير إمام ارسالا حتى فرغوا ثم أدخل النساء فصلين عليه ثم أدخل الصبيان فصلوا عليه ثم أدخل العميد فصلوا عليه ارسالا لم يؤمهم على النبي ﷺ أحد. أخرجه البيهقى وفيه الحسين بن عبد الله تركه أحمد والنسائى وباقى رجاله ثقات (١). ﴿٥٦٥﴾
قال الشافعى رجمة الله: وذلك لعظم أمر النبي ﷺ بأبى هو وأمى وتنافسهم فى أن لا يتولى الإمامة فى الصلاة عليه واحد وصلوا عليه مرة بعد مرة (٢).
(وحديث) سالم بن عبيد الله قال: دخل ابو بكر رضى الله عنه على النبي ﷺ حين مات ثم خرج فقيل له: توفى النبي ﷺ ؟ فقال: نعم، فعلموا أنه كما قال. قيل: ويصلى عليه وكيف يصلى عليه؟ قال: يجيئون عصبا عصبا فيصلون عليه، فقالوا: هل يدفن وابن؟ فقال: حيث قبض الله روحه، فإنه لم يقبض الله روحه إلا فى مكان طيب. أخرجه البيهقى (٣). ﴿٥٦٦﴾
(وحديث) ابى عمران الجونى عن أبى عسيب أو أبى عسيم أنه شهد
стр. 2611
الصلاة على النبي ﷺ ، قالوا: كيف نصلى عليه؟ قال: " ادخلوا ارسالا ارسالا فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر " (الحديث) أخرجه أحمد بسند رجاله الصحيح (١). ﴿٥٦٧﴾
(والظاهر) أن أبا عسيب علم ذلك من النبي ﷺ قبل موته، فلما راى الصحابة يسال بعضهم بعضا عن كيفية الصلاة على النبي ﷺ أخبرهم بما علم. (ويؤيده) ما فى حديث ابن مسعود " قلنا: فمن يصلى عليك يا رسول الله؟ فبكى وبكينا وقال: مهلا، غفر الله لكم وجزاكم عن نبيكم خيرا إذا غسلتمونى ووضعتمونى على سريرى فى بيتى هذا على شفير قبرى فاخرجوا عنى ساعة فإن أول من يصلى على خليلى وجليسى جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت مع جنوده ثم الملائكة ﵈، وليبدأ بالصلاة على رجال أهل بيتى ثم نساؤهم، ثم ادخلوا على افواجا أفواجا وفرادى فرادى فصلوا على ولا تؤذونى بباكية ولا صارخة ولا رانة ولا بضجة، ومن كان غائبا من اصحابى فابلغوه عنى السلام " (الحديث) أخرجه البيهقى والبزار من عدة طرق بسند رجاله موثقون (٢). ﴿٥٦٨﴾
وإنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة على النبي صلى الله
стр. 2612
عليه وسلم بلا توسط أحد، ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد أخرى من كل فرد فرد من كل الصحابة رجالهم ونسائهم وصبيانهم.
(١٦) الصلاة على الصغير: يصلى كالكبير لعموم الأدلة (ولحديث) المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: " الطفل يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة " أخرجه أحمد والبيهقى والربعة، وقال الترمذى: حسن صحيح (١). ﴿٥٦٩﴾
(وقالت) عائشة " أتى النبي ﷺ بصبى فصلى عليه، فقلت: طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة؟ خلق الله الجنة وخلق لها أهلا وخلقهم فى اصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وخلقهم فى أصلاب آبائهم " أخرجه النسائى (٢). ﴿٥٧٠﴾
(وشذ) سعيد بن جبير فى قوله: لا يصلى على الصغير ما لم يبلغ (وكذا) من قال: لا يصلى عليه ما لم يصل، محتجين بقول عائشة رضى الله عنها: لقد توفى
стр. 2613
إبراهيم ابن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه. أخرجه أبو داود وأحمد وقال: حديث منكر (١). ﴿٥٧١﴾
(ورد): (أ) بأن أكثر الرواة أثبتوا أنه ﷺ صلى على إبراهيم وروايتهم أولى لأنها أصح من رواية النفى وهى مثبته، فوجب تقديمها على النافية. (ب) أنه يجمع بينهما بأن من قال: صلى، اراد أمر بالصلاة عليه واشتغل هو بصلاة الكسوف. ومن قال: لم يصل، أراد لم يصل بنفسه (٢).
(قال) ابن عبد البر: حديث عائشة لا يصح، ويحتمل أن يكون معناه لم يصل عليه فى جماعة، أو أمر اصحابه فصلوا عليه ولم يحضرهم.
(هذا) وولد الزنا يغسل ويصلى عليه عند الجمهور. (وقال) قتادة: لا يصلى عليه (٣)، ولا يصلى على أطفال المشركين لأن لهم حكم آبائهم إلا من حكمنا بإسلامه كأن يسلم أحد أبويه أو يموت أو يسبى منفردا عن ابويه أو عن أحدهما فإنه يصلى عليه (٤).
(١٧) الصلاة على السقط: السقط - مثلث السين والكسر أشهر - هو فى الأصل. الولد ينزل قبل تمام مدة الحمل بينا خلقه. والمراد به هنا ما نزل ميتا أو حيا ولم تستمر حياته. (وحكمه) أنه إن استهل - أى وجد منه ما يدل على حياته كبكاء أو صوت بعد الولادة - ثم مات فكالكبير، يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ويرث ويورث اتفاقا (لحديث) جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " إذا استهل الصبى صلى عليه وورث وورث ".
стр. 2614
أخرجه النسائى وابن ماجه والبيهقى (١). ﴿٥٧٢﴾
(وعنه) أن النبي ﷺ قال: الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل. أخرجه النسائى والترمذى وقال: روى مرفوعا وموقوفا وهذا أصح (٢). ﴿٥٧٣﴾
(قال) الترمذى: ذهب بعض اهل العلم إلى هذا وقالوا: لا يصلى على الطفل حتى يستهل، وهو قول الثورى والشافعى (٣)، وبه قال باقى الأئمة.
وإن لم يستهل سمى وغسل - وإن لم يتم خلقه - وأدرج فى خرقة إكراما لبنى آدم ودفن بلا صلاة عليه عند الحنفيين ولا يرث إن انفصل بلا جنابة (٤).
...
(وقالت) المالكية: من لم يستهل صارخا يكره غسله والصلاة عليه ولو تحرك أو بال أو عطس إن لم تتحقق حياته، فإنه تحققت بأن رضع كثيرا أوقعت منه امور لا تكون إلا من حي وجب غسله والصلاة عليه (٥). (وقالت) الشافعية: من لم يستهل أو يختلج وتحرك حركة تدل على الحياة فالصحيح أنه يغسل ويصلى عليه، وإن لم يتحرك ولم يختلج ولم يكن منه ما يدل على الحياة. فإن لم يبلغ اربعة اشهر فلا يصلى عليه اتفاقا ولا يغسل على المذهب. وإن بلغ اربعة أشهر فالصحيح
стр. 2615
أنه يجب غسله ولا تجوز الصلاة عليه (وقال) أحمد: من لم يستهل إذا كان له اربعة أشهر غسل وصلى عليه. وقد صلى على ابن بنته ولد ميتا. ويدل له عموم ما روى المغيرة بن شعبة أن ﷺ قال: والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. أخرجه أحمد وابو داود والحاكم وصححه (١). ﴿٥٧٤﴾
(قال) الترمذى: والعمل عليه عند بعض أهل العلم قالوا: يصلى على الطفل وإن لم يستهل بعد أن يعلم أنه خلق، وهو قول أحمد وإسحاق (٢).
(فاما) من لم يكن له اربعة اشهر، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولف فى خرقة ويدفن. فإن لم يتبين أهو ذكر أم أنثى؟ سمى باسم يصلح للذكر والأنثى كسلمة وقتادة وهند وعتبة، وهذا مستحب (لحديث) ابى هريرة أن النبي ﷺ قال: سموا أسقاطكم فإنهم من افراطكم. أخرجه ابن عساكر وحسنه السيوطى (٣). ﴿٥٧٥﴾
(١٨) الصلاة على المقتول: القتيل فى حد أو قصاص يجب أن يغسل ويصلى عليه عند الحنفيين والشافعى وأحمد والجمهور (لحديث) عبد الله بن بريدة عن ابيه أن أمرأة من غامد أتت النبي ﷺ فقالت: أنى قد فجرت قال: ارجعى. فرجعت، فلما كان الغد اتت فقالت: لعلك أن تردنى كما رددت
стр. 2616
ما عز بن مالك فوالله إنى لحبلى (الحديث) وفيه: فأمر بها فحفر لها وأمر بها فرجمت. وكان خالد بن الوليد فيمن يرجمها وسبها، فقال النبي ﷺ : " يا خالد فوالذى نفسى بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " وأمر بها فصلى عليها ودفنت. أخرجه أحمد ومسلم وابو داود (١). ﴿٥٧٦﴾
والأحاديث فى هذا كثيرة. (قال) مالك: يكره للإمام وأهل الفضل الصلاة على من قتل فى حد زجرا للناس لئلا يجترثوا على مثل فعله. (ولقول) ابى بشر: حدثنى نفر من أهل البصر عن ابى برزة الأسلمى أن النبي ﷺ لم يصل على ما عز بن مالك، ولم ينه عن الصلاة عليه. أخرجه وابو داود والبيهقى (٢). ﴿٥٧٧﴾
(وحديث) جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن رجلا من اسلم جاء إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا (الحديث) وفيه: فقال له النبي ﷺ خيرا ولم يصل عليه. أخرجه وابو داود والنسائى (٣) ﴿٥٧٨﴾
(وأجاب) الجمهور: (أ) عن حديث ابى بشر بأنه ضعيف لأن فى سنده مجاهيل. (ب) وعن حديث جابر بأن قوله فيه ولم يصل عليه. أى حين رجم فلا ينافى أنه ﷺ بعد (فقد) روى ابو أمامه بن
стр. 2617
سهل بن حنيف فى قصة ماعز قال: فقيل: يا رسول الله أتصلى عليه؟ قال: لا فلما كان من الغد قال: صلوا على صاحبكم، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلموالناس. أخرجه عبد الرازق (١). ﴿٥٧٩﴾
فهذا الخبر يجمع بين الروايات. فتحمل رواية نفى الصلاة على أنه لم يصل عليه حين رجم ورواية الإثبات على أنه ﷺ صلى عليه فى اليوم الثانى وايضا فإن رواية الإثبات أقوى لأنها من رواية الصحيح.
(١٩) الصلاة على العضاة: العصاة جمع عاص وهو من ارتكب ما يغضب الله تعالى كالباغى وقاطع الطريق ومن يسمى فى الرض بالفساد وقاتل نفسه متعمدا والكلام عليهم من جهة الصلاة ينحصر فى اربعة أقسام:
(أ) من قتل من البغاة وقطاع الطريق ومن يعثو فى الأرض فسادا يغسل - فرقا بينه وبين الشهيد - يكفن ويدفن بلا صلاة عليه إهانة له عند الحنفيين (فقد) روى عن على رضى الله عنه أنه لم يصل على أهل نهروان. فقيل له: أكفار هم؟ فقال: لا، ولكن هم إخواننا بغوا علينا. اشار إلى أنه ترك الصلاة عليهم إهانة لهم ليكون زجرا لغيرهم. وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضى الله عنهم ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا (٢). (وقال) الشافعى وأحمد: يصلى على العصاة لأنهم مسلمون قال تعالى: " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا
стр. 2618
الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه " (١). (وروى) مكحول عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: صلوا خلف كل بر وفاجر وصلوا على كل بر وفاجر. أخرجه البيهقى وقال: مكحول لم يسمع من ابى هريرة ومن دونه ثقات. وقال الحاكم: هذا حديث منكر (٢). ﴿٥٨٠﴾
(وقال) البيهقى: قد روى - فى الصلاة على كل بر وفاجر والصلاة على من قال: لا إله إلا الله - أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما روى فى هذا الباب حديث مكحول عن ابى هريرة. (قال) مالك: لا يصلى الإمام وأهل الفضل على العصاة.
(وإذا) قتلت البغاة رجلا من أهل العدل كفن فى ثيابه الصاحلة للكفن وصلى عليه بلا غسل عند الحنفيين لأنه شهيد (وقال) مالك والشافعى: يجب غسله والصلاة عليه وهو رواية عن أحمد (وعنه) أنه لا يغسل ولا يصلى عليه (٣).
(ب) ولا يصلى على من قتل نفسه متعمدا عند ابى يوسف والأوزاعى (لحديث) جابر بن سمرة قال: أتى النبي ﷺ برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه. أخرجه مسلم والنسائى والترمذى وحسنه والبيهقى (٤). ﴿٥٨١﴾
(وقال) البيهقى: قد روينا عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلى أنه صلى الله
стр. 2619
عليه وسلم إنما قال ذلك ليحذر الناس بترك الصلاة عليه فلا يرتكبوا كما ارتكب. (وقال) الترمذى: قد اختلف اهل العلم فى هذا، فقال بعضهم يصلى على كل من صلى للقبلة وعلى قاتل النفس وهو سفيان الثورى وإسحاق. (وقال) أحمد: لا يصلى الإمام على قاتل النفس ويصلى عليه غير الإمام وكذا الخائن فى الغنيمة (لحديث) زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه أن رجلا من المسلمين توفى بخيبر وأنه ذكر لرسول الله ﷺ ، فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى الذى بهم قال: إن صاحبكم غل فى سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود ما يساوى درهمين. أخرجه أحمد وابو داود والنسائى وابن ماجه بسند رجاله رجال الصحيح (١). ﴿٥٨٢﴾
(وقال) النعمان ومحمد بن الحسن ومالك والشافعى: يصلى على قاتل النفس والغال الإمام وغيره كسائر العصاة لعموم الأدلة على طلب صلاة الجنازة.
(وأجابوا) عن حديث جابر بن سمرة وزيد بن خالد بأن النبي ﷺ إنما ترك الصلاة على قاتل نفسه وعلى الغال عقوبة لهما وزجرا للناس عن الوقوع فى مثل ذنبهما كما ترك الصلاة على الدين زجرا للناس عن التساهل فى الدين وإهمال الوفاء به. ولما اتسعت الفتوحات وكثر المال صار يصلى على المدين ويسدد دينه كما تقدم.
(جـ) سائر العصاة غير من تقدم يصلى عليهم اتفاقا لعموم الأدلة.
стр. 2620
(قال) ابن سيرين: ما أعلم أن احد من أهل العلم ولا التابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تاثما (١).
(وقال) ابو غالب: قلت لبى أمامه: الرجل يشرب الخمر فيموت يصلى عليه؟ قال: نعم، لعله اضطجع على فراشه مرة فقال لا إله إلا الله، فغقر له بها أخرجهما ابن ابى شيبه (٢).
(فإذا قتل) أو مات تارك الصلاة غسل وكفن وصلى عليه ودفن فى مقابر المسلمين كما يفعل بسائر اصحاب الكبائر على الصحيح عند الأئمة (وقال) بعض الشافعية: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويطمس قبره تغليظا عليه وتحذيرا من حاله وهو قول ضعيف ليس عليه من دليل (٣).
(قال) أحمد: من استقبل قبلتنا وصلى صلاتنا نصلى عليه وندفنه كما يصلى على ولد الزنا وعلى الزانية (وسئل) عمن لا يعطى زكاة ماله فقال: يصلى عليه، ما نعلم أن النبي ﷺ ترك الصلاة على أحد إلا على قاتل والغال. وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم (٤).
(وأما) قول ابى قتادة: كان النبي ﷺ إذا دعى لجنازة سال عنها فإن اثنى عليها خير قام فصلى عليها وإن أثنى عليها غير ذلك قال لأهلها: شأنكم بها ولم يصل عليها. أخرجه أحمد بسند صحيح (٥). ﴿٥٨٣﴾
(فمحمول) على المنافقين لأن النبي ﷺ كان يعلم أن بالمدينة
стр. 2621
منافقين والله امره بعدم الصلاة عليهم بقوله: " وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً " (١)، لهذا كان النبي ﷺ إذا دعي لجنازة سال عنها، فإن ذكرت بخير صلى عليها، وإن ذكرت بشر قال لأهلها: شأنكم بها ولم يصل عليها. وإنما قلنا ذلك لأنه لم يثبت عنه ﷺ أنه ترك الصلاة على مسلم غير الغال وقاتل نفسه وكذا المدين في أول الأمر.
(د) المبتدعة والخوارج: (قال) الحنفيون والشافعي: يصلى عليهم كغيرهم من المسلمين لعموم الأدلة (وقال) أحمد: لا اشهد الجهمية ولا الرافضة (٢) (ويشهدهم من شاء ٠ وقال) الفريابى: من شتم أبا بكر فهو كافر لا أصلي عليه.
(وقال) أحمد: أهل البدع لا يعادون إن مرضوا ولا تشهد جنائزهم إن ماتوا، وبهذا قال مالك لأن النبي ﷺ ترك الصلاة لأقل من هذا وهو الدين والغلول فأولى أن تترك الصلاة به (٣).
(وروى) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إن لكل أمة مجوسا وإن مجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه والترمذى وحسنه وكذا ابن ماجة عن جابر وزاد: وإن لقيتموهم فلا تسلموا عليهم (٤).
﴿٥٨٤﴾
(وقال) ابن حزم ك يصلى على كل مسلم بر أو فاجر مقتول في حد
стр. 2622
أو في حرب أو في بغى يصلى عليهم الإمام وغيره. وكذا على المبتدع مالم يبلغ الكفر وعلى من قتل نفسه أو غيره إذا مات مسلما لعموم أمر النبي ﷺ بقوله: صلوا على صاحبكم. فمن منع من الصلاة على مسلم فقد قال قولا عظيما وإن الفاسق لأحوج إلى دعاء إخوانه المؤمنين من الفاضل المرحوم.
(٢٠) ما يفسد صلاة الجنازة: تفسد بما يفسد به سائر الصلوات من الكلام ونحوه والحدث والأكل والشرب والعمل الكثير والتحول عن القبلة وترك شرط من شروطها أو ركن من أركانها بلا عذر على ما تقدم بيانه في مبطلات الصلاة (١)، غبر أن الحنفيين قالوا: (أ) إن محاذاة المرأة للرجل لا تبطل صلاة الجنازة وإن أبطلت غيرها على ما تقدم في بحث (وقوف المرأة في صف الرجال) (٢).
(ب) القهقهة في صلاة الجنازة لا تنقص الطهارة، لأن القهقهة عرفت حدثا بالنص الوارد في صلاة مطلقة فلا يجعل واردا في غيرها (٣)، لكن لو سبقه الحدث في صلاة الجنازة يبنى وإن عرف البناء بنص وارد في صلاة مطلقة. والفرق:
(أ) أن القهقهة جعلت حدثا لقبحها في الصلاة وقبحها يزداد بزيادة حرمة الصلاة، ولا شك أن حرمة الصلاة المطلقة فوق حرمة صلاة الجنازة. فكان قبحها في الصلاة المطلقة فوق قبحها في صلاة الجنازة فجعلها حدثا هناك لا يدل على جعلها حدثا هنا. (ب) وكذا المحاذاة جعلت مفسدة في الصلاة تعظيما لها
стр. 2623
وليست صلاة الجنازة مثل تلك في التعظيم بخلاف البناء لأن الجواز وتحمل المشي في أعلى العبادتين يوجب في أدناهما (١).
(فائدة) في الشهادة للميت وعليه: يجوز الثناء على الميت مطلقا (٢)، ويجوز ذكر مساوئ المنافق والمجاهر بالفسق والبدعة للتحذير من طريقهم والتنفير من التخلق بأخلاقهم (لقول) أنس: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي ﷺ : وجبت وجبت وجبت. فقال عمر: فذاك أبي وأمي، مر بجنازة فأثنى عليها خيرا فقلت وجبت ثلاثا، ومر بجنازة فاثنى عليها شرا فقلت وجبت ثلاثا؟ فقال: من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن اثنتيم عليه شرا وجبت له النار. انتم شهداء الله في الأرض ثلاثا. أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والبيهقى (٣). ﴿٥٨٥﴾
المخاطب في هذا الحديث الصحابة ومن على شاكلتهم من المؤمنين الصالحين.
(وروى) ثابت البنانى عن أنس قال: مر على النبي ﷺ
стр. 2624
بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت. ثم مر بأخرى فاثنوا عليها شرا فقال وجبت. فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: شهادة القوم، المؤمنون شهداء الله في الأرض. أخرجه البخاري (١). ﴿٥٨٦﴾
فالمعول عليه في ذلك شهادة أهل الفضل والصلاح والصدق والأمانة بخلاف الفسقة لأنهم قد يذكرون أهل الفسق بالخير وأهل الفضل والصلاح بالشر فليسوا داخلين في هذا الحديث. ومصداقه قول الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا " (٢) أي جعلناكم عدولا خيارا تشهدون على غيركم من الأمم ويكون الرسول مزكيا لكم مبينا عدالتكم. ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ذكر مساوئ الميت - مع نهيه ﷺ عن سب الأموات كما يأتي - لأن النهى عن سبهم إنما هم المؤمنون الصالحون. أما المنافقون والمجاهرون بالفسق فيجوز سبهم للتحذير من التخلق بأخلاقهم (والظاهر) أن الذي اثنوا عليه شرا كان من المنافقين كما تقدم عن أبي قتادة أن النبي ﷺ لم يصل على الذي أثنوا عليه شرا وصلى على الآخر (٣).
(ويحتمل) أمران آخران: (أ) أن الذي كان يحدث عنه الشر كان مجاهرا به فيكون من باب: لا غيبة لفاسق. (ب) يحمل النهى على
стр. 2625
ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه (١). (وقال) أبو السود الدولي: أتيت المدينة وقد وقع فيها مرض - فهم يموتون موتا ذريعا - فجلست إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فمرت به جنازة فاثنى على صاحبها خير، فقال عمر: وجبت. ثم مر بأخرى فأثنى على صاحبها خير، فقال عمر: وجبت ثم مر بالثالثة فأثني عليها شر، فقال عمر: وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ : " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. فقلنا: وثلاثة؟ فقال: وثلاثة. قلنا: واثنان؟ قال: واثنان. ثم لم نسأله عن الواحد ". أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقى والترمذى وقال: حسن صحيح (٢). ﴿٥٨٧﴾
ففي هذه الأحاديث تزكية النبي ﷺ لأمته، وأن لشهادة المؤمنين مدخلا في نفع المشهود له وضرر المشهود عليه. وللعلماء في ذلك قولان: (أ) أن هذا الثناء بالخير من أهل الفضل خاص بمن كان ثناؤهم مطابقا لفعاله فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادا بالحديث.
стр. 2626
(ب) الصحيح المختار أنه على عمومه وأن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه علمنا بذلك أن الله تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء (١).
وهذا في جانب الخير واضح (ويؤيده) حديث ثابت عن انس: أن النبي ﷺ قال: ط ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأذنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون ". أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٢). ﴿٥٨٨﴾
(وأما) جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك. لكن ذلك في حق من غلب شره على خيره. (ويؤيده) ما في حديث أنس قال: " كنت قاعدا عند النبي ﷺ فمر بجنازة فقال: ما هذه؟ قالوا: جنازة فلان كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها، فقال: وجبت وجبت وجبت. ومر بجنازة أخري قالوا: جنازة فلان كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، فقال: وجبت وجبت وجبت. قالوا: يا رسول الله، قولك في الجنازة وجبت وجبت وجبت؟ فقال: نعم يأبا بكر، إن لله ملائكة تنظق على لسان بنى آدم بما في المرء من الخير والشر ". أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٣). ﴿٥٨٩﴾
стр. 2627
وفى هذه الأحاديث أيضا دليل: (أ) على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة ولا بعد ذلك غيبه. (ب) وعلى نجاة من يشهد له الصالحون بالخير، ومحله إذا شهدوا بما يعلمون بحسب ظاهر حاله (وأما) ما اعتاده كثير من أهل الزمن من قول بعضهم بعد الصلاة على الميت: ما تشهدون فيه؟ فيقولون: هو من أهل الخير والصلاح - وإن لم يكن كذلك - فهو بدعة ذميمة أوقعت كثيرا من الناس في شهادة الزور مخالفة لهدى النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح. فقد علمت أنهم كانوا يشهدون بلا سؤال بما يعلمون في الميت: من خير أو شر. أما أهل زماننا فقد ابتدعوا السؤال وقد يشهدون زورا لأنهم لا يفرقون بين الصالح والطالح. فهم آثمون في ذلك، فعلى العاقل اجتناب ذلك والتأسى بفعل النبي ﷺ واصحابه وسلف الأمة الصالحين وليهتد بهديهم. فالخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع، قال تعالى: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً " (١) " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (٢)
(خاتمة) في سب الأموات - علمت أنه يجوز سب الميت الكافر والمنافق والمجاهر بالفسق والبدعة. أما المؤمن الصالح والفاسق غير المجاهر فيحرم سبه حيا وميتا. وعليه يحمل النهى الوارد في الأحاديث (كحديث) عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقى (٣). ﴿٥٩٠﴾
стр. 2628
(وحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءنا. أخرجه أحمد بسند جيد (١). ﴿٥٩١﴾
(وحديث) عمران بن أنس المكي عن عطاء عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم. أخرجه أبو داود وابن حبان والبيهقى والترمذى وقال: حديث غريب سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: عمران بن أنس منكر الحديث. وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه (٢). ﴿٥٩٢﴾
فهذه الأحاديث تدل بظاهرها على منع سب الأموات مطلقا. لكن هذا العموم مخصوص بغير الكافر والمنافق. فإن المؤمن الفاسق وإن جاز ذكر مساوية حال حياته ليجتنبها ويحذره الناس لا يجوز ذكرها بعد وفاته، إذ لا فائدة فيه حينئذ، خصوصا مع احتمال أنه مات تائبا. (ولذا) قال الجمهور: لا يجوز لعن يزيد بن معاوية والحجاج الثقفي وغيرهما ممن كثر شره والميت الذي ذكر بالشر عند النبي ﷺ كان من المنافقين لما تقدم في رواية الحاكم أنه كان يبغض الله ورسوله. (٣)
стр. 2629
(د) حمل الجنازة
هو فرض كفاية بالإجماع وليس في حملها دناءة وسقوط مروءة، بل هو بر وطاعة وإكرام للميت، فعله الصحابه والتابعون ومن بعدهم من أهل الفضل والعلم ثم الكلام هنا ينحصر في سنة مباحث:
(١) من يحملها: إنما يحملها الرجال سواء أكان الميت ذكرا أم أنثى لأن النساء يضعفن عن الحمل وربما انكشف منهن شيء لو حملن. (ولحديث) أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها لصعق. أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقى (١). [٥٩٣]
стр. 2630
قال واحتملها الرجال، ولم يقل: واحتملت. فدل على تخصيص الرجال بحملها (أصرح) من هذا في منعهن من الحمل (حديث) انس قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا. قال: أتدفنه؟ قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات. أخرجه أبو يعلى وفيه الحارث بن زياد ضعيف (١). ﴿٥٩٤﴾
ولأن الجنازة لا أن يشبعها الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيؤدى إلى الفتنة (٢).
(٢) كيفية حمل الجنازة: يسن أن يحملها أربعة من الرجال إن كان الميت كبيرا فيكره كون الحامل اقل من ذلك والحمل على الدابة والظهر ونحوه مما لا إكرام فيه. وأما الصغير فلا باس أن يحمله واحد. (ويسن) أن يبدأ الحامل بمقدم الجنازة يضعه على كتفه الأيمن ثم يضع مؤخرها عليه ثم يضع مقدمها على يساره ثم مؤخرها على يساره (لقول) ابن مسعود رضى الله عنه: " إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الاربعة ثم ليتطوع بعد أو يذر فإنه من