← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

(ب) الصحيح المختار أنه على عمومه وأن كل مسلم مات فألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه علمنا بذلك أن الله تعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء (١). وهذا في جانب الخير واضح (ويؤيده) حديث ثابت عن انس: أن النبي ﷺ قال: ط ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأذنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى: قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون ". أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٢). ﴿٥٨٨﴾ (وأما) جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك. لكن ذلك في حق من غلب شره على خيره. (ويؤيده) ما في حديث أنس قال: " كنت قاعدا عند النبي ﷺ فمر بجنازة فقال: ما هذه؟ قالوا: جنازة فلان كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها، فقال: وجبت وجبت وجبت. ومر بجنازة أخري قالوا: جنازة فلان كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها، فقال: وجبت وجبت وجبت. قالوا: يا رسول الله، قولك في الجنازة وجبت وجبت وجبت؟ فقال: نعم يأبا بكر، إن لله ملائكة تنظق على لسان بنى آدم بما في المرء من الخير والشر ". أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٣). ﴿٥٨٩﴾

стр. 2627

وفى هذه الأحاديث أيضا دليل: (أ) على جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة ولا بعد ذلك غيبه. (ب) وعلى نجاة من يشهد له الصالحون بالخير، ومحله إذا شهدوا بما يعلمون بحسب ظاهر حاله (وأما) ما اعتاده كثير من أهل الزمن من قول بعضهم بعد الصلاة على الميت: ما تشهدون فيه؟ فيقولون: هو من أهل الخير والصلاح - وإن لم يكن كذلك - فهو بدعة ذميمة أوقعت كثيرا من الناس في شهادة الزور مخالفة لهدى النبي ﷺ وأصحابه والسلف الصالح. فقد علمت أنهم كانوا يشهدون بلا سؤال بما يعلمون في الميت: من خير أو شر. أما أهل زماننا فقد ابتدعوا السؤال وقد يشهدون زورا لأنهم لا يفرقون بين الصالح والطالح. فهم آثمون في ذلك، فعلى العاقل اجتناب ذلك والتأسى بفعل النبي ﷺ واصحابه وسلف الأمة الصالحين وليهتد بهديهم. فالخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع، قال تعالى: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً " (١) " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (٢) (خاتمة) في سب الأموات - علمت أنه يجوز سب الميت الكافر والمنافق والمجاهر بالفسق والبدعة. أما المؤمن الصالح والفاسق غير المجاهر فيحرم سبه حيا وميتا. وعليه يحمل النهى الوارد في الأحاديث (كحديث) عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا. أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقى (٣). ﴿٥٩٠﴾

стр. 2628

(وحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا موتانا فتؤذوا أحياءنا. أخرجه أحمد بسند جيد (١). ﴿٥٩١﴾ (وحديث) عمران بن أنس المكي عن عطاء عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم. أخرجه أبو داود وابن حبان والبيهقى والترمذى وقال: حديث غريب سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: عمران بن أنس منكر الحديث. وقال العقيلى: لا يتابع على حديثه (٢). ﴿٥٩٢﴾ فهذه الأحاديث تدل بظاهرها على منع سب الأموات مطلقا. لكن هذا العموم مخصوص بغير الكافر والمنافق. فإن المؤمن الفاسق وإن جاز ذكر مساوية حال حياته ليجتنبها ويحذره الناس لا يجوز ذكرها بعد وفاته، إذ لا فائدة فيه حينئذ، خصوصا مع احتمال أنه مات تائبا. (ولذا) قال الجمهور: لا يجوز لعن يزيد بن معاوية والحجاج الثقفي وغيرهما ممن كثر شره والميت الذي ذكر بالشر عند النبي ﷺ كان من المنافقين لما تقدم في رواية الحاكم أنه كان يبغض الله ورسوله. (٣)

стр. 2629

(د) حمل الجنازة هو فرض كفاية بالإجماع وليس في حملها دناءة وسقوط مروءة، بل هو بر وطاعة وإكرام للميت، فعله الصحابه والتابعون ومن بعدهم من أهل الفضل والعلم ثم الكلام هنا ينحصر في سنة مباحث: (١) من يحملها: إنما يحملها الرجال سواء أكان الميت ذكرا أم أنثى لأن النساء يضعفن عن الحمل وربما انكشف منهن شيء لو حملن. (ولحديث) أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها لصعق. أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقى (١). [٥٩٣]

стр. 2630

قال واحتملها الرجال، ولم يقل: واحتملت. فدل على تخصيص الرجال بحملها (أصرح) من هذا في منعهن من الحمل (حديث) انس قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة فرأى نسوة فقال: أتحملنه؟ قلن: لا. قال: أتدفنه؟ قلن: لا. قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات. أخرجه أبو يعلى وفيه الحارث بن زياد ضعيف (١). ﴿٥٩٤﴾ ولأن الجنازة لا أن يشبعها الرجال، فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيؤدى إلى الفتنة (٢). (٢) كيفية حمل الجنازة: يسن أن يحملها أربعة من الرجال إن كان الميت كبيرا فيكره كون الحامل اقل من ذلك والحمل على الدابة والظهر ونحوه مما لا إكرام فيه. وأما الصغير فلا باس أن يحمله واحد. (ويسن) أن يبدأ الحامل بمقدم الجنازة يضعه على كتفه الأيمن ثم يضع مؤخرها عليه ثم يضع مقدمها على يساره ثم مؤخرها على يساره (لقول) ابن مسعود رضى الله عنه: " إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير الاربعة ثم ليتطوع بعد أو يذر فإنه من

стр. 2631

السنة ". أخرجه البيهقى وابن ماجة وأبو داود الطيالسى بسند رجاله ثقات وهو موقوف في حكم المرفوع لقوله: فإنه من السنة (١). ﴿٥٩٥﴾ (وعن) أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: " من حمل جوانب السرير الأربع كفر الله عنه أربعين كبيرة ". أخرجه الطبرانى في الأوسط وفيه: على بن أبى سارة وهو ضعيف (٢). ﴿٥٩٦﴾ (وبهذا) قال الحنفيون وروى عن أحمد والشافعي. وعن أحمد أنه يدور على السرير فيأخذ بعد ياسرة المؤخرة يامنة المؤخرة ثم المقدمة (ومشهور) مذهب الشافعي أن الأفضل أن يحمل بين العمودين (لحديث) إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: " رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائما بين العمودين المقدمين واضعا السرير على كاهله " أخرجه الشافعي والبيهقى (٣). ﴿٥٩٧﴾ (هذا) ويحرم حمل الجنازة على هيئة مزرية كحملة في قفة وغرارة وعلى هيئة يخاف منها سقوطه. فإن خيف تغيره قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه فلا باس أن يحمل على الأيدي والرقاب حتى يوصل إلى القبر (٤). (فائدة) يطلب ستر سرير المرأة بمكبة توضع فوق النعش، وتغطى بثوب لتستر المرأة عن أعين الناس. والصحيح أن أول من اتخذ لها نعش مستور فاطمة الزهراء.

стр. 2632

(روت) أم جعفر بنت محمد بن جعفر أن فاطمة بنت النبي ﷺ قالت: يا سماء إني قد استفتحت ما يصنع بالنساء، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها. فقالت أسماء: ألا أريك شيئا رايته بأرض الحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا. فقالت فاطمة رضى الله عنها: ما أحسن هذا وأجمله؟ يعرف به الرجل من المرأة، وأوصت أن يتخذ لها ذلك، ففعلوه " أخرجه البيهقى (١). ﴿٥٩٨﴾ (وأما) ما قيل من أن أول ما اتخذ ذلك في جنازة زينب بنت النبي ﷺ ، وأنه أمر بذلك (فباطل) غير معروف (قال) النووي: نبهت عليه لئلا يغتر به (٢). (٣) كيفية السير في الجنازة: يسن لحامليها الإسراع بها إسراعا وسطا لا يضطرب معه الميت على النعش ولا يحصل منه مشقة على الحامل أو المشيع (لحديث) سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخيرا تقدمونها إليه، وإن تك سوى بذلك

стр. 2633

فشر تضعونه عن رقابكم " أخرجه السبعة والبيهقى (١). ﴿٥٩٩﴾ (وقال) عطاء: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة زوج النبي ﷺ فقال: " إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعونها ولا تزلزلوها " أخرجه أحمد ومسلم (٢). ﴿٦٠٠﴾ (وروى) عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص وكنا نمشى مشيا خفيفا فلحقنا أبو بكرة فرفع سوطه فقال: " لقد رايتنا ونحن مع النبي ﷺ نرمل رملا ". أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقى والحاكم بأسانيد صحيحة (٣). ﴿٦٠١﴾ (وهذا) مستحب باتفاق العلماء. وشذ ابن حزم فقال بوجوب الإسراع بالجنازة. وهو عند بعض السلف والحنفيين المشي بها مسرعين دون الخبب (٤). (وقال) الشافعي والجمهور: المراد بالإسراع ما فوق المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد. ومال القاضي عياض إلى نفى الخلاف فقال: من استحب الإسراع أراد الزيادة على المشي المعتاد من كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل (٥). (٤) تشييع الجنازة: تشييعها فرض كفاية بالسنة وإجماع الأمة (روى)

стр. 2634

أبو سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: " عودوا المريض وامشوا مع الجنازة تذكركم الآخرة ". أخرجه أحمد البزار بسند رجاله ثقات (١). ﴿٦٠٢﴾ (وقد) ورد في فضل تشييع الجنازة أحاديث تقدم بعضها في (فضل الصلاة على الميت) (٢) فيستحب للرجال اتباع الجنازة حتى تدفن، وهو مجمع عليه هذا، ويجوز المشي أمامها وخلفها وحيث شاء (لحديث) أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " أنتم مشيعون فامشوا بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها وقريبا منها " أخرجه أبو الحسن رزين بن معاوية. وذكره البخاري معلقا (٣). ﴿٦٠٣﴾ والأفضل عند مالك والشافعي وأحمد والجمهور المشي أمامها (لقول) ابن عمر رضى الله عنهما: " رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة ". أخرجه أحمد والأربعة (٤). ﴿٦٠٤﴾ (وفى) رواية لأحمد عن ابن عمر وعثمان رضى الله عنهم (وحكمه) ذلك أن المشبع شفيع والشفيع يتقدم المشفوع له. وقد ورد في هذا آثار (منها) قول أبى حازم: " رأيت أبا هريرة والحسن بن على رضى الله عنهما يمشيان أمام الجنازة " أخرجه البيهقى (٥). (وقول) أبي حازم: " رأيت عبد الله بن عمر وحسن بن على وابن الزبير يمشون أمام الجنازة حتى وضعت " أخرجه البيهقى (٦).

стр. 2635

(وقال) الحنفيون والأوزاعى: الأفضل المشي خلفها (لقول) البراء بن عازب رضى الله عنه: " امرنا النبي ﷺ باتباع الجنازة وعيادة المريض " (الحديث أخرجه الشيخان والنسائي (١). ٦٠٥﴾ والمتبع هو الماشي خلف لا المتقدم (وروى) مسروق أن النبي ﷺ قال: " لكل أمة قربان وإن قربان هذه الأمة موتاها فاجعلوها موتاكم بين أيديكم ". أخرجه ابن أبي شيبه بسند صحيح مرسلا (٢). ﴿٦٠٦﴾ وتقدم أحاديث كثيرة - معظمها قوى بالغ القوة وغالب أسانيدها صحاح وحسان ورجالها ثقات - تدل على أن الأفضل اتباع الجنازة والمشى خلفها. ومنه تعلم أنه لا وجه لقول البيهقى: أحاديث المشي خلفها كلها ضعيفة (ومما) ورد في هذا (قول) طاوس: " ما مشى النبي ﷺ حتى مات إلا خلف الجنازة " أخرجه عبد الرازق وهو صحيح مرسل (٣). ﴿٦٠٧﴾ (وعن) ابن عمرو أن أباه قال: " إذا أنت حملتني على السرير فامش مشيا بين المشيين وكن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبنى آدم " أخرجه ابن أبى شيبه (٤).

стр. 2636

(وأجابوا) (أ) عن حديث ابن عمر بأنه محمول على بيان الجواز والتسهيل على الناس (فقد) روى زائدة عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه " أن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يمشيان أمام الجنازة وكان على رضى الله عنه يمشى خلفها، فقيل لعلى: إنهما يمشيان أمامها، فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها افضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا، ولكنهما سهلان يسهلان للناس " أخرجه الطحاوى والبيهقى وابن أبي شيبة وعبد الرازق بسند رجاله ثقات. قال الحافظ: وسنده حسن وهو موقوف له حكم المرفوع (١). ﴿٦٠٨﴾ والمراد أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها، فلو اختار أبو بكر وعمر رضى الله عنهما المشي خلفها، أضاف الطريق على مشيعيها (وعن) عبد الله بن يسار عن عمرو بن حريث قلت لعلى بن أبي طالب: ما تقول في المشي أمام الجنازة؟ فقال: المشي خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل المكتوبة على التطوع. فلت: فإني رأيت أبا بكر وعمر يمشيان أمامها. قال: إنهما إنما كرها أن يحرجا الناس ". أخرجه أحمد والطحاوى بسند رجاله ثقات (٢). ﴿٦٠٩﴾ (ب) وعن الآثار بأنه لم يصرح في شيء منها بأن المشي أمامها أفضل فتحمل على الجواز. وقد صرح على رضى الله عنها بأن المشي خلفها افضل فكان أولى بالاتباع. (وقال) أبو الدرداء: من تمام أجر الجنازة أن تشيعها من أهلها وتمشى خلفها. (وقال) أبو الدرداء: من تمام أجر الجنازة أن تشيعها من أهلها وتمشى خلفها. (وقال) إبراهيم النخعى: قلت لعلقمة: أيكره المشي خلف الجنازة؟ قال: لا، إنما يكره السير أمامها. أخرجهما ابن أبي شيبة بسندين

стр. 2637

صحيحين (١). واقل أحوال ما روينا أنه يدل على أفضلية المشي خلفها. (وقال) أنس بن مالك والثوري: المشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها سواء، لما تقدم عن أنس (٢) (ولحديث) المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: " الراكب يسير خلف الجنازة والماشى يمشى خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها ". أخرجه أحمد والربعة والبيهقى والطحاوى والحاكم وصححه هو والترمذى (٣). ﴿٦١٠﴾ (وهذا) ولا باس بالركوب لمشيع الجنازة عند الحنفيين. والفضل المشي إلا لعذر لأنه أقرب إلى الخشوع وأليق بالشفاعة (ويكره) للراكب أن يتقدم الجنازة لأنه لا يخلو من ضرر بالناس. (ولقول) النبي ﷺ : الراكب يسير خلف الجنازة. (وقال) الجمهور: يكره الركوب مع الجنازة إلا لعذر. وحملوا الحديث على حالة الضرورة أو أن إذن النبي ﷺ بالركوب لمن يسير خلفها، إذن في مقابلة المنع فلا ينافى الكراهة المستفادة من إنكاره ﷺ على من ركب مع الجنازة (فقد) قال ثوبان: " خرج النبي ﷺ في جنازة فرأى ناسا ركبانا على دوابهم فقال: ألا تستحيون؟ إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب ". أخرجه ابن ماجة والبيهقى والترمذى وقال: حديث ثوبان روى عنه موقوفا (٤). ﴿٦١١﴾

стр. 2638

(وأجاب) الحنفيون بأن إنكاره ﷺ على من ركب إنما كان لأجل مشى الملائكة مع الجنازة. أو إنما أنكر عليهم ترك الفضل وهو المشي إلا لعذر. (وقالت) الشافعية: الفضل للراكب أن يسير أمامها كالماشى. لكن ظاهر حديث المغيرة يرده. (هذا) ويجوز لمشيع الجنازة الركوب حال الرجوع بلا كراهة اتفاقا (لحديث) جابر بن سمرة: " أن النبي ﷺ اتبع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرسه " أخرجه مسلم والثلاثة والبيهقى. وقال الترمذى: حسن صحيح (١). ﴿٦١٢﴾ (وعن) ثوبان أن النبي ﷺ أتى بدابة وهى مع جنازة فأبي أن يركبها. فلما انصرف أتى بدابة فركب فقيل له، فقال: " إن الملائكة كانت تمشى فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت ". أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢). ﴿٦١٣﴾ (وجملة القول في هذا البحث أن المشي خلف الجنازة افضل منه أمامها لقوة دليله وأن الراكب لعذر أو غيره يكون خلفها وأن الركوب بعد الانصراف منها جائز بلا كراهة وأن المشي في الجميع أفضل من الركوب إلا لعذر. (٥) اتباع النساء الجنازة: لا يجوز لهن اتباع الجنائز لما يقع منهن من الصياح والنياحة ولطم الخدود وإزعاج الميت وتألم الحي (وقد) ورد في هذا

стр. 2639

أحاديث (منها) ما روى حليس بن المعتمر عن أبيه قال: " كان النبي ﷺ يصلى على جنازة ن فجاءت امرأة بمجمر تريد الجنازة، فصاح بها حتى دخلت في آجام المدينة " أخرجه الطبرانى في الكبير. قال الهيثمى: وحليس لم أجد من ذكره (١). ﴿٦١٤﴾ (وحديث) محمد ابن الحنفية عن على رضى الله عنه قال: خرج النبي ﷺ فإذا نسوة جلوس فقال: ما يجلسكن؟ قلن: ننتظر الجنازة، قال: هل تغسلن؟ قلن: لا، قال: هل تحملن؟ قلن: لا، قال: هل تدلين فيمن يدلى؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات. أخرجه ابن ماجة والحاكم وفى سنده دينار عن عمر وثقه وكيع وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأزدى: متروك. وفيه متروك. وفيه إسماعيل بن سليمان قال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات وقال بخطئ. وباقي رجاله ثقات (٢). ﴿٦١٥﴾ (وحديث) عبد الله بن عمرو قال: بينما نحن نمشى مع النبي ﷺ إذ بصر بامرأة لا نظن أنه عرفها، فلما توجهنا إلى الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطنة رضى الله عنها فقال: ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم وعزيتهم، فقال: لعلك بلغت معهم الكدى، قالت: معاذ الله أن أكون قد بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. قال: لو بلغتها ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك أخرجه أحمد وهذا لفظه وأبو داود والنسائي والبيهقى. وفيه ربيعة بن سيف وثقه العجلى وضعفه النسائي وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ كثيرا (٣). ﴿٦١٦﴾

стр. 2640

ولذا قال الحنفيون وأحمد والجمهور: يكره تحريم اتباع النساء للجنازة لظاهر النهى في الأحاديث وإن كان في بعضها ضعف فيقوى بعضها بعضا. ويعضده المعنى - الحادث باختلاف الزمان - الذي أشارت إليه عائشة رضى الله عنها بقولها: لو أن النبي ﷺ رأى من النساء ما رأينا لمنعهن المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقى (١). ﴿٦١٧﴾ وهذا في نساء زمانها رضى الله عنها فما ظنك بنساء زماننا. (وقالت) الشافعية: يكره تنزيها خروج النساء مع الجنائز (لقول) أم عطية رضى الله عنها: " نهينا أن نتبع الجنائز ولم يعزم علينا ". أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجة والبيهقى (٢). ﴿٦١٨﴾

стр. 2641

أي نهانا النبي ﷺ أن نسير مع الجنازة ولم يؤكد علينا في هذا النهى كما أكد علينا في غيره، فهو نهى تنزيه (وأجاب) الأولون بان هذا فهم فهمته أم عطية وفهمها ليس بحجة، وإلا فأصل النهى التحريم. (وقالت) الشافعية: يؤيد أن للتنزيه حديث محمد بن عمرو بن عطاء عن أبى هريرة أن النبي ﷺ كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال النبي ﷺ : " دعها يا عمر فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب ". أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجة بسند رجاله ثقات (١). ﴿٦١٩﴾ (ورد) بأنه لا يدل على جواز اتباع النساء الجنائز، فإن سياقه في نهى عمر لهن عن البكاء. (قال) سلمة بن الأزرق: سمعت أبا هريرة قال: مات ميت من آل النبي ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهن، فقال النبي ﷺ : دعهن يا عمر فإن العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب. أخرجه النسائي (٢). ﴿٦٢٠﴾ (فالحديث) كما ترى في البكاء بدمع العين بلا صياح وهذا مرخص فيه. وبه يحصل الجمع بين أحاديث الباب. وليس فيه جواز اتباع النساء الجنائز. (وقال) مالك ك لا يكره خروج عجوز لجنازة مطلقا ولا خروج شابة في جنازة من عظمت مصيبته عليها - كأب وأم زوج وولد وأخ وأخت - إذا أمنت الفتنة. أما من لم تأمنها فيحرم خروجها خلف الجنازة مطلقا (٣). (ومحل) الخلاف إذا خرجت النساء متسترات بلا رفع صوت ولا نياحة وإلا فلا خلاف في منعهن من الخروج إلى القبور. (قال) ابن الحاج: واعلم أن الخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في نساء ذلك الزمان (يعنى زمن السلف الصالح) وكن على ما يعلم من

стр. 2642

عادتهن في الاتباع. وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ الله أن يقول أحد من العلماء أو ممن له مروءة أو غيره في الدين بجواز ذلك. فإن دعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما علم في الشرع من الستر، لا على ما علم من عادتهم الذميمة في هذا (١). (فهذا) ابن الحاج يقبح ما كان عليه نساء زماننا - القرن الرابع عشر - الكاسيات العاريات المائلات المميلات - يخرجن نائحات لاطمات كاشفات الصدور والسيقان ناشرات الشعور صابغات الأيدي والوجوه. نعوذ بالله تعالى من ذلك ونسأله تعالى السلامة والهداية. (٦) مكروهات الجنازة: يكره فيها أمور، المذكور منها هنا سبعة: (أ) يكره لمتبع الجنازة الضحك والتحدث في أمر الدنيا ومس الميت باليد ونحوهما تبركا. وقيل: يمنعه كمس القبر أولى، وهو بدعة قبيحة. (روى) الخلال في أخلاق أحمد بن حنبل أن على بن عبد الصمد الطيالسى مسح يده على أحمد ثم مسحها على يديه وهو ينظر فغضب شديدا وجعل ينفض يده ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره شديدا (٢). (ب) ويكره تحريما أن تتبع الجنازة بنار أو صوت (لحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: لا تتبع الجنازة بنار أو صوت. أخرجه أحمد بسند فيه رجل لم يسم وبقية رجاله ثقات، وأبو داود والبيهقى بسند فيه مجهولان (٣). ﴿٦٢١﴾ (وحديث) زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة

стр. 2643

أخرجه الطبرانى في الكبير وفيه رجل لم يسم (١). ﴿٦٢٢﴾ (وعن) أبي جرير أن أبا بردة قال: أوصى أبو موسى حين حضره الموت قال: إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي ولا تتبعوني بمجمر (الثر) أخرجه البيهقى وقال: وفى وصية عائشة، وعبادة بن الصامت، وأبى هريرة ـ وآبي سعيد الخدرى، واسماء بنت أبي بكر رضى الله عنهم: ألا تتبعوني بنار. وأخرجه ابن ماجة لفظ: أوصى أبو موسى الأشعرى حين حضره الموت فقال: لا تتبعوني بمجمر، قالوا له: أو سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله ﷺ وسنده حسن (٢). ﴿٦٢٣﴾ (وقال) عمرو بن العاص: إذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار. أخرجه مسلم من حديث طويل والبيهقى مختصرا (٣). ﴿٦٢٤﴾ (دل) ما روينا على أنه لا يجوز اتباع الجنازة بنار ولا صوت لأنه من فعل الجاهلية وفيه تشبه بأهل الكتاب، وقد نهينا عن التشبه بهم (فقد) رأى سعيد بن جبير مجمرا في جنازة فكسره وقال: سمعت ابن عباس يقول: لا تشبهوا بأهل الكتاب. أخرجه ابن أبي شيبه (٤). وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء (قال) ابن نجيم: وينبغي لمن اتبع الجنازة أن يطيل الصمت ويكره تحريما رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن وغيرهما. فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه لقوله تعالى: " إن اللهَ لاَ يُحَبُ الْمثعْتدَيَنَ "

стр. 2644

أي الجاهرين بالدعاء (وعن) إبراهيم المخعى أنه كان يكره أن يقول الرجل وهو يمشى معها: استغفروا له غفر الله لكم (١) (وقال) النووي: يكره أن تتبع الجنازة بنار. والمراد أنه يكره البخور في المجمرة بين يديها إلى القبر. ونقل ابن المنذر إجماع العلماء على كراهته للنهى ولأنه تفاؤل بذلك فأل السوء. وكذا يكره أن يكون عند القبر مجمرة حال الدفن: وأما اتباع الجنازة بنائحة فحرام فإن النوح حرام مطلقا (٢) (وقال) ابن قدامة: يكره رفع الصوت عند الجنازة لنهى النبي ﷺ أن تتبع الجنازة بصوت. وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعى وأحمد وإسحق قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له. وهو بدعة محدثة (وروى) أن ابن عمر كان في جنازة فسمع قائلا يقول: استغفروا له غفر الله لكم. فقال ابن عمر: لا غفر الله لك. أخرجه سعيد ابن منصور (وقال) أحمد: لا يقول خلف الجنازة: سلم رحمك الله، فإنه بدعة ولكن يقول: باسم الله وعلى ملة رسول الله ويذكر الله إذا تناول السرير. وبكره اتباع الميت بنار (روى) عن ابن عمر وأبى هريرة وعبد الله بن مغفل ومعقل بن يسار وسعيد بن المسيب وغيرهم أنهم أوصوا ألا يتبعوا بنار. فإن دفن ليلا فاحتاجوا إلى وضوء فلا بأس إنما يكره المجامر فيها البخور (٣) (روى) ابن عباس " النبي ﷺ دخل قبرا ليلا فاسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة " (الحديث) أخرجه الترمذى وقال حسن (٤) ﴿٦٢٥﴾ (وقال) ابن إدريس الحنبلي: ويكره رفع الصوت والضجة عند رفع الجنازة ويسن لمتبعها أن يكون متخشعا متفكرا في مآله ويرجع متعظا بالموت وبما يصير

стр. 2645

إليه الميت (روى) ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا شهد جنازة رويت عليه كآبة وأكثر حديث النفس. أخرجه الطبرانى في الكبير. وفيه ابن لهيعة متكلم فيه (١). ﴿٦٢٦﴾ (وقال) سعيد بن معاذ: ما تبعت جنازة فحدثت نفسي بغير ما هو مفعول بها (٢) (وقال) النووي في الأذكار: واعلم أن الصواب ما كان عليه السلف من السكوت حال السير مع الجنائز فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما لأنه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة ما يخالفه. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضوعه فحرام بالإجماع (٣) (وقال) ابن الحاج: وليعذر من هذه البدعة التي يفعلها أكثرهم وهى أنهم يأتون بمن يذكرون أمام الجنازة جماعة على صوت واحد. يتصنعون في ذكرهم ويتكلفون فيه على طرق مختلفة. ثم العجب أنهم يحرفون أسماء الله تعالى. وهو أمر يؤدب عليه فاعله ويزجر. على أنهم لو أتوا بالذكر على وجهه لمنعوا منه لأنه محدث في الدين لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه ولا السلف الصالح رضى الله عنهم. فقد كانوا يلتزمون في جنائزهم الأدب والسكون والخشوع حتى إن صاحب المصيبة لا يعرف من بينهم لحزن الأدب والسكون والخشوع حتى إن كان يريد أن يلقى صاحبه لضروروات فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام. وانظر قول ابن مسعود رضى الله عنه - لمن قال في الجنازة: استغفروا لأخيكم - لا غفر الله لك. فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ. فما بالك بما يفعلونه مما تقدم. فأين الحال من الحال؟ فعلى هذا يتعيت على من له عقل

стр. 2646

ألا ينظر إلى أفعال أهل الوقت ولا عوائدهم. بل يلزم الاقتداء بأفعال السلف وأعوالهم فهم القوم لا يشقى جليسهم ولا من أحبهم إن المحب لمن يحب مطيع (١) (ولهذا) النصوص وغيرها أفتى علماء العصر: (١) أن السنة في السير مع الجنازة ألا يكون معها صوت ولا رايات ولا طبل ولا باز ولا موسيقى ولا مجامر ولا رفع صوت بذكر أو قرآن أو بردة أو غيرها. وأن الصواب ما كان عليه السلف من السكوت حال السير معها لأنه أسكن للخاطر وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال (٢). (٢) وقد سئل الأستاذ الإمام - الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية رحمة الله تعالى - عن الذكر جهرا أمام الجنازة بكيفية معتدلة خالية من التلحين هل ذلك جار على السنن القويم أو فيه إخلال بالدين؟ (فأجاب) بقوله: أما الذكر جهرا أمام الجنازة ففي الفتح والأنقروية من باب الجنائز: يكره للماشى أمام الجنازة رفع الصوت بالذكر فإن أراد أن يذكر الله فليذكره في نفسه وهذا أمر محدث لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعين ولا تابعيهم فهو مما يلزم منعه (٣). (جـ) (ويكره) لمشيع الجنازة الجلوس قبل وضعها عن الأعناق - عند الحنفيين وأحمد والأوزاعى وإسحاق - لأنه قد تدعو الحاجة إلى التعاون. والقيام أمكن فيه (ولحديث) أبي سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع " أخرجه مسلم وأبو داود والبيهقى (٤). ﴿٦٢٧﴾

стр. 2647

(وحديث) أبي سعيد وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا: " ما رأينا النبي ﷺ شهد جنازة قط فجلس حتى توضع ". أخرجه النسائي (١) ﴿٦٢٨﴾ (والمراد) حتى توضع بالأرض (لما) روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا تبع أحدكم الجنازة فلا يجلس حتى توضع في الأرض ". أخرجه البيهقى وكذا أبو داود معلقا (٢). ﴿٦٢٩﴾ (وحكمه) النهى عن القعود قبل أن توضع الجنازة أن المشيع إنما جاء اهتماما بشأنها وليس منه أن يجلس قبل وضعها بالأرض. أما بعد وضعها فيطلب الجلوس ويكره القيام على المختار (لحديث) عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: " كان النبي ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد فمر به حبر من اليهود فقال هكذا نفعل فجلس النبي ﷺ وقال: اجلسوا خالفوهم ". أخرجه البيهقى والأربعة إلا النسائي وقال الترمذى: غريب وفيه بشر بن رافع ليس بالقوى وعبد الله بن سليمان عن أبيه وهو ضعيف وأبو منكر الحديث (٣) ﴿٦٣٠﴾ يعنى خالفوهم في القيام بعد وضعها على الأرض بالجلوس (وقالت) المالكية: يكره لمشيع الجنازة أن يستمر قائما حتى توضع (وقالت) الشافعية: لا يكره لمشيعها الجلوس قبل وضعها بالأرض (لقول) على رضى الله عنه: " قام النبي ﷺ مع الجنازة حتى توضع وقام الناس معه ثم قعد بعد ذلك وأمرهم

стр. 2648

بالقعود " أخرجه البيهقى والطحاوى (١). ﴿٦٣١﴾ (وقالوا) هذا الحديث ناسخ لأحاديث الأمر بالقيام قبل أن توضع (ورد) بأنه يمكن الجمع يجعل أمر النبي ﷺ بالقعود بعد القيام لبيان الجواز وحمل الأمر بالقيام على الندب. والنسخ لا يصار إليه عند إمكان الجمع (قال) النووي: واختلفوا في القيام على القبر حتى تدفن فكرهه قوم وعمل به آخرون. والمشهور في مذهب الشافعية أن القيام ليس مستحبا واختار المتولي أنه مستحب وهذا هو المختار فيكون الأمر به للندب. والقعود بيان للجواز ولا يصح دعوى النسخ في مثل هذا لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر هنا (٢) إذا ثبت هذا فالظاهر أنه يكره لمن تبع الجنازة الجلوس قبل وضعها بالأرض. وإذا جلس قبل ذلك طلب منه القيام لأن المقصود منه تعظيم أمر الموت وهو لا يفون بالجلوس (قال) البخاري: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال فإن قعد أمر بالقيام. (وروى) سعيد المقبرى عن أبيه قال: " كنا في جنازة فأخذ رضى الله عنه بيد مروان فجلسا قبل أن توضع فجاء أبو سعيد الخدرى رضى الله عنه فأخذ بيد مروان فقال: قم فوالله لقد علم هذا أن النبي ﷺ نهانا عن ذلك ن فقال أبو هريرة: صدق ".أخرجه البخاري والبيهقى (٣). ﴿٦٣٢﴾ (دل) الحديث على أن أبا هريرة لم يكن يرى القيام واجبا وأن مروان

стр. 2649

لم يكن يعرف حكم المسألة قبل ذلك وأنه بادر إلى العمل به بخبر أبي سعيد (١) أما من تقدم الجنازة فلا باس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه اتفاقا (قال) الترمذى: روى عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم كانوا يقدمون الجنازة ويقعدون قبل أن تنتهي إليهم، وهو قول الشافعي (٢)، وكذا باقي الأئمة. (د) ويكره تحريما تغيير اللباس حزنا على الميت أو ترك بعضه (لحديث) عمران بن حصين وأبى برزة قالا: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة فرأى قوما قد طرحوا أرديتهم يمشون في قمص، فقال النبي ﷺ : ابفعل الجاهلية تأخذون أو بصنع الجاهلية تشبهون؟ لقد هممت أن أدعو عليكم دعوة ترجعون في غير صوركم. فأخذوا أرديتهم ولم يعودوا لذلك أخرجه ابن ماجة (٣) ﴿٦٣٣﴾ (والحديث) لو صح لأفاد الحرمة لكنه ضعيف لأن في سنده على بن الحزور وهو متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث عنده عجائب. وفيه نفيع ابن الحارث الأعمى تركه غير واحد، ونسبة يحيى بن معين وغيره للوضع. (هـ) ويكره عند مالك صلاة فاضل على بدعي لم يكفر ببدعته وعلى مظهر كبيرة كشرب خمر أمام الناس بلا مبالاة وعلى نظهر صغيرة مصر عليها (٤). (و) وكره عنده تكبير نعش لميت صغير لما فيه من المباهاة، وفرش النعش بحرير أو خز ولا باس بستر الكفن بثوب طيلسان أخضر أو غيره وبنزع عند الدفن (٥). (ز) ويكره لمن كان جالسا بالمصلى أو عند القبر

стр. 2650

أو في الطريق ومرت عليه جنازة القيام لها عند الحنفيين ومالك والشافعي وهو المشهور عن أحمد (لقول) واقد بن عمرو بع سعد بن معاذ: شهدت جنازة في بنى سلمة فقمت، فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت: حدثني مسعود بن الحكم الزرقى أنه سمع على بن أبي طالب رضى الله عنه يقول: " كان النبي ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة، ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس ". أخرجه أحمد وابن حبان وكذا البيهقى ومسلم بلفظ: " رأينا النبي ﷺ قام فقمنا فقعدنا " يعنى في الجنازة وأسانيد جيدة وقال الترمذى: حسن صحيح (١). ﴿٦٣٤﴾ (وقال) أبو معمر: كنا عند على فمرت به جنازة فقاموا لها فقال على: ما هذا؟ قالوا: أمر أبى موسى فقال: " إنما قام النبي ﷺ لجنازة يهودية ولم يعد بعد ذلك " أخرجه النسائي وابن أبي شيبة بسند جيد (٢). (دلت) هذه الأحاديث على أنه لا يشرع القيام لمن مرت عليه جنازة إلا أن يريد اتباعها. (قال) ابن حبيب وابن الماجشون المالكيان وبعض الشافعية والحنبلية: يستحب لمن مرت عليه جنازة وهو جالس أن يقوم لها حتى تخلفه أو توضع (٣) (لحديث) عامر بن ربيعة أن النبي ﷺ قال: " إذا

стр. 2651

رأى أحدكم الجنازة ولم يكن ماشيا معها فليقم حتى تجاوزه أو توضع ". أخرجه السبعة والبيهقى وقال الترمذى: حسن صحيح (١). ﴿٦٣٦﴾ (وحديث) أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع. أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والبيهقى وقال الترمذى: حسن صحيح (٢). ﴿٦٣٧﴾ (وحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من صلى على جنازة فلم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه " (الحديث) أخرجه أحمد والطحاوى (٣). ﴿٦٣٨﴾ (قالوا) فهذه أحاديث غاية في الصحة قد شد من عضدها عمل جماعة من الصحابة بها بعد عصر النبوة (وأجاب) الأولون: (أ) بأن الأمر بالجلوس لا يعارض بفعل بعض الصحابة بعد عصر النبوة لاسيما وقد تركه كثير من الصحابة عملا بالأمر بالجلوس. ومن علم حجة على من لم يعلم. (ب) وبأن الأمر بالقيام منسوخ بحديث على وغيره مما روينا في أدلة الجمهور (قال) الترمذى: حديث على حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم (قال) الشافعي: وهذا اصح

стр. 2652

شيء في هذا الباب. وهذا الحديث ناسخ للحديث الأول: إذا رأيتم الجنازة فقوموا (وقال) أحمد: إن شاء قام وإن شاء لم يقم، واحتج بأن النبي ﷺ قد روى عنه أنه قام ثم قعد ومعنى قول على: قام النبي ﷺ إذا رأى الجنازة ثم ترك ذلك بعد فكان لا يقوم إذا رآها (٤). (فائدة) يستحب لمن مرت به جنازة أن يدعو لها ويثنى عليها إن كانت أهلا لذلك، ويستحب لمن رآها أن يقول: سبحان الحي الذي لا يموت أو سبحان الملك القدوس (٥). (هـ) الدفن هو مواراة الميت. والكلام فيه ينحصر في ١٨ ثمانية عشر فرعا: (١) حكم الدفن: هو فرض كفاية بالإجماع لأن في ترك الميت على وجه الأرض هتكا لحرمته ويتأذى الناس من رائحته. وعليه عمل الناس من لدن سيدنا آدم ﵇ إلى يومنا هذا. وقد ارشد الله تعالى قابيل إلى دفن أخيه هابيل، فبعث غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه (٦).

стр. 2653

وقال تعالى: " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً ﴿٢٥﴾ أَحْيَاء وَأَمْوَاتاً " (١) أي جامعة للأحياء على ظهرها بالمساكن، والأموات في بطنها بالقبور. وقال تعالى: " ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ " (٢) أي أكرمه بدفنه. (٢) وقت الدفن: ليس للدفن وقت محدود، بل يجوز في أي وقت ليلا أو نهارا بلا كراهة عند الأئمة الأربعة والجمهور (لقول) عمرو بن دينار: أخبرني جابر بن عبد الله أنه رأى ناس نارا في المقبرة فأتوها فإذا النبي ﷺ في القبر وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر " أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم بسند على شرط الشيخين (٣). ﴿٦٣٩﴾ (وقالت) عائشة رضى الله عنها: " إن أبا بكر لم يتوف حتى أمسى من ليلة

стр. 2654

الثلاثاء ودفن قبل أيصبح ". أخرجه البخاري (١). (وقال) ابن عباس: " مات إنسان كان النبي ﷺ يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا فلما أصبح أعلموه فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل وكانت الظلمة فكرهنا أن نشق عليك. فأتى قبره فصلى عليه " أخرجه البخاري وابن ماجة (٢). ﴿٦٤٠﴾ فقد اقرهم النبي ﷺ على الدفن ليلا، وإنما أنكر عليهم عدم إعلامه بموت الرجل. ولذا قال الجمهور: لا يكره الدفن ليلا. (وقال) الحسن البصري وسعيد بن المسيب: يكره الدفن ليلا. (وقال) ابن حزم: لا يجوز إلا لضرورة (لحديث) جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال: " توفى رجل على عهد النبي ﷺ من بنى عذرة فقبر ليلا، فنهى النبي ﷺ أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه إلا أن يضطروا إلى ذلك ". أخرجه أحمد، ونحوه لمسلم وأبى داود (٣). (وعن) جابر أن النبي ﷺ قال: " لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا ط. أخرجه ابن ماجة (٤). ﴿٦٤٢﴾ (وأجاب) الجمهور بأن النهى عن الدفن ليلا يحتمل: (أ) أن يكون لرغبة النبي ﷺ في الصلاة على كل ميت. ومن قبر ليلا قد

стр. 2655

لا يتيسر له ﷺ الصلاة عليه. (ب) أو لقلة المصلين لا لعدم صحة الصلاة ليلا. فلا يكره الدفن ليلا ن لكن المستحب الدفن نهارا. (هذا) ولا يكره الدفن وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها عند الحنفيين ومالك والشافعي لإطلاق الأحاديث إلا أن يتحرى الدفن وقتها فيكره. (وعليه) يحمل حديث عقبة بن عامر قال: " ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلى فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازعة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب " أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخاري (١). ﴿٦٤٣﴾ (وقالت) الحنبلية: يكره الدفن في هذه الأوقات. (وقال) ابن حزم: يحرم لظاهر النهى في حديث عقبة. (وأجاب) الجمهور عنه بأنه محمول على تحرى الدفن في هذه الأوقات. ومحل الخلاف ما لم يخشى تغير الميت وإلا فلا خلاف في جواز الدفن في هذه الأوقات بلا كراهة. (٣) مكان الدفن: يدفن الميت في القبر، واقله حفرة توارى الميت وتمنع بعد ردمها ظهور رائحة منه تؤذى الحي ولا يتمكن من نبشها سبع. وأكمله اللحد، وهو حفرة في جانب القبر جهة القبلة يوضع فيها الميت وتجعل كالبيت المسقف ينصب اللبن عليه (٢). والدفن فيه مستحب بالإجماع (لقول) عائشة رضى الله عنها " لما مات النبي ﷺ اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تصخبوا عند النبي ﷺ حيا ولا ميتا فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد جميعا، فجاء اللاحد

стр. 2656

فلحد لرسول الله ﷺ ثم دفن ". أخرجه ابن ماجة بسند صحيح رجاله ثقات (١). ﴿٦٤٤﴾ (وعن) سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: " ألحدوا لي لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله ﷺ ". أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة (٢). ﴿٦٤٥﴾ (وقال) مبارك بن فضالة: حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: " لما توفى النبي ﷺ كان رجل يلحد وآخر يصرخ. قالوا: نستخبر ربنا فنبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فارسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ ". أخرجه ابن ماجة، ومبارك وثقه الجمهور وقد صرح بالتحديث فزالت تهمة تدليسه وباقي رجاله ثقات فالسند صحيح (٣). ﴿٦٤٦﴾ (دلت) هذه الأحاديث على أن اللحد أفضل من الشق إلا أن تكون الأرض رخوة يخاف منها انهيار اللحد فيصار إلى الشق. وهو حفرة مستطيلة في وسط القبر تبنى جوانبها باللبن أو غيره يوضع فيها الميت ويسقف عليه باللبن أو الخشب أو غيرهما، ويرفع السقف قليلا بحيث لا يمس الميت. أما إذا

стр. 2657

كانت الأرض صلبة فالدفن فى الشق مكروه. (وعليه) يحمل حديث جرير ابن عبد الله البجلى أن النبي ﷺ جاء حتى جلس على شفير القبر، فقال: " الحدوا ولا تشققوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا ". أخرجه أحمد بسند جيد (١). ﴿٦٤٧﴾ أي اللحد لأمة محمد ﷺ ، والشق لغيرها من الأمم. وقيل: معناه اللحد لأموتنا معشر المسلمين والشق لغيرنا من أهل الكتاب (روى) جرير ابن عبد الله أن النبي ﷺ قال: " اللحد لنا والشق لهل الكتاب " أخرجه أحمد وفيه عثمان بن عمير أبو اليقظا متفق على ضعفه (٢). ﴿٦٤٨﴾ فهذا يدل على كراهة الدفن في الشق. وفيما قبله إشعار بأفضلية الدفن في اللحد. (فوائد) (الأولى) يكره عند الحنفيين دفن الميت ولو صغيرا بالمنزل لأن هذا خاص بالأنبياء (وقالت) الشافعية والحنبلية: يجوز الدفن في البيت لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى بالبقيع وليكثر الدعاء للميت ممن يزور المقابر (فإن قيل) كيف يكون الدفن في المقبرة أفضل والنبي ﷺ دفن في البيت (فالجواب) أنه ﷺ في الحجرة لقول أبي بكر من حديث ابن عباس الآتي: سمعت النبي ﷺ يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض (٣) (وحكمه) اختصاصه ﷺ بذلك قصد كثرة زائرية والتخفيف عليهم بقرب زيارته (٤) ولئلا يتخذ قبره مسجدا (روت)

стр. 2658

عائشة أن النبي ﷺ قال: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا " أخرجه البخاري (١). ﴿٦٤٩﴾ (الثانية) لو قل بعض الورثة: يدفن الميت في ملكه وقال بعضهم: بل في المقبرة دفن فيها ولو بادر أحدهم ودفنه في البيت كان للباقين نقله لكنه يكره. ولو قال بعضهم: يدفن في البيت كان للباقين قبوله لأن عليهم فيه منة. ولو بادر أحدهم فدفنه في ملك نفسه أو كفنه من مال نفسه فالظاهر أنه لا ينقل ولا ينزع كفنه بعد دفنه في ملك الميت ثم باعته الورثة لم يكن للمشترى نقله وله الخيار في فسخ البيع إن كان جاهلا بدفنه (٢) (وقد) سئل أحمد عن الرجل يوصى أن يدقن في داره قال: يدفن في مقابر المسلمين (٣). (الثالثة) يستحب الدفن في أفضل مقبرة في البلد (روى) ميمون الأودى أن عمر قال: " يا عبد الله بن عمر اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يقرأ عمر عليك السلام ثم سلها أن أدفن مع صاحبي قالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنه اليوم على نفسي فلما أقبل قال له ما لديك؟ قال: أذنت لك. قال ما كان شيء أهم إلى من ذلك المضجع فإذا قبضت فاحملوني ثم سلموا ثم قل يستأذن عمر بن الخطاب.

стр. 2659

فإن أذنت لي فادفنوني وإلا فردوني إلى مقابر المسلمين ". أخرجه البخاري (١) ﴿٦٥٠﴾ (ويستحب) الدفن في المقبرة التي يكثر فيها الصالحون لتناله بركتهم وكذا في البقاع الشريفة (قال) أبو هريرة: أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇ فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله إليه عينه وقال: راجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة قال ثم مه؟ قال قم الموت. قال فالآن فسال الله أن يدينه من الأرض المقدسة رمية بحجر ". (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان (٢) ﴿٦٥١﴾ (دل) الحديث على استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين لشرفها وفضيلة المدفونين فيها فيكون أقرب إلى الرحمة. (الرابعة) يكره اتفاقا دفن الميت في تابوت لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه وفيه تشبه بأهل الدنيا. والأرض أنشف لفضلاته إلا إذا

стр. 2660

كانت الأرض رخوة أو ندية فلا باس بالدفن في التابوت (١) (٤) دفن النبي ﷺ : دفن ﷺ بالموضع الذي توفى فيه وهو حجرة عائشة (قال) ابن عباس رضى الله عنهما: وقد اختلف المسلمون في المكان الذي يحفر (يعنى النبي ﷺ فقال قائلون: يدفن في مسجده وقال قائلون: يدفن مع أصحابه فقال أبو بكر: سمعت النبي ﷺ يقول " ما قبض نبي إلا دفن وسط الليل من ليلة الأربعاء. ونزل في حفرته على بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم أخوه وشقران مولى النبي ﷺ وقال أوس بن خولة لعلى بن أبي طالب: أنشدك الله وحفظنا من النبي ﷺ . فقال له على: انزل وكان شقران مولاه أخذ قطيفة كان النبي ﷺ يلبسها فدفنها في القبر وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك " أخرجه ابن ماجة. وفيه الحسين بن عبد الله تركه أحمد والنسائي وقواه ابن عدى وباقي رجاله ثقات (٢) ﴿٦٥٢﴾ (والقطيفة) كساء له خمل. والمشهور أن شقران انفرد بدفنها ولم يوافقه أحد من الصحابة على ذلك ولا علموا به (وقال) ابن عبد البر: أخرجت عن القبر لما فرغوا من موضع اللبنات (وقال) ابن عباس: " جعل تحت النبي ﷺ حين دفن قطيفة حمراء ". أخرجه مسلم والنسائي والترمذى وقال حسن صحيح. وقد روى عن ابن عباس أنه كره أن يلقى تحت الميت في القبر شيء (٣) ﴿٦٥٣﴾

стр. 2661

وهو قول الجمهور (وأجابوا) بأن ما فعله شقران خاص بالنبي ﷺ (قال) وكيع: هذا للنبي ﷺ خاصة. أخرجه ابن سعد في الطبقات وله عند الحسن أن النبي ﷺ قال: افرشوا لي قطيفتى في لحدي فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء (١). وقد نص الشافعي وغيره على كراهة وضع قطيفة أو مضربة (مرتبة) أو وسادة أو نحو ذلك تحت الميت (وشذ) عنهم البغوى فقال: لا بأس بذلك لهذا الحديث والصواب كراهته كما قال الجمهور (٢) (٥) ما يطلب في القبر: يطلب فيه ستة أمور: (أ) يستحب توسيعه وتحسينه اتفاقا وكذا إعماقه عند غير المالكية (لقول) هشام بن عامر: شكونا إلى النبي ﷺ يوم أحد فقلنا يا رسول الله: الحفر علينا لكل إنسان شديد. فقال النبي ﷺ : احفررا وأعمقوا وأحسنوا. وفى رواية: أوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنا " أخرجه أحمد والبيهقى وأبو داود والنسائي (٣). ﴿٦٥٤﴾ (ودفن) الاثنين والثلاثة في القبر لا يكون إلا لضرورة كما يأتي إن شاء الله. (واختلف) العلماء في قدر الإعماق (فقال) الحنفيون وأحمد: يعمق قدر نصف القامة أو على الصدر وإن زاد فحسن. وطول القبر على قدر طول الميت ن وعرضه على قدر نصف طوله. (وقالت) الشافعية وبعض الحنبلية: حد الإعماق قدر قامة وبسطة وهى مد يديه قائمة إلى رءوس الأصابع وقدر بأربعة أربع. (قال) الحسن: أوصى عمر أن يجعل عمق قبره قامة وبسطة وحكمته إلا ينبش

стр. 2662

القبر سبع ولا سارق ولا يظهر رائحة الميت (١). (وقالت) المالكية: اقل القبر ما منع رائحة الميت وحرسه من السباع ولا حد لأكثرة وندب عدم عمقه (٢). (ب) ويسن رفع القبر عن الأرض نحو شبر اتفاقا (لقول) القاسم بن محمد ابن أبي بكر: " دخلت على عائشة فقلت: يا أماه اكشفي لي في قبر النبي ﷺ وصاحبيه رضى الله عنهما فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم (٣). ﴿٦٥٥﴾ (وروى) النعمان عن حماد عن إبراهيم النخعى قال: كان يستحب أن يرفع القبر عن الأرض حتى يعرف لكيلا يوطأ. أخرجه أبو يوسف في الآثار (٤). (وحكمه) استحباب رفع القبر نحو شبر ليعلم أنه قبر فيتوفى ويدعى لصاحبه إلا أن يكون الميت مسلما دفن في دار الحرب فيخفى قبره خشية أن يتعرض له الكفار بالأذى أما رفع القبر فوق الشبر فهو بدعة مذمومة في الدين مخالفة لهدى الرسول ﷺ والسلف الصالح فيلزم إزالة الزائد (فما) يفعله الناس الآن - من تشييد القبور ورفعها كثرا - منكر يجب عليهم تسويتها بلا فرق بين نبي وغيره وصالح وطالح. (وأما) قول على رضى الله عنه لأبى هياج الأسدى: " أبعثك على ما بعثتي عليه النبي ﷺ ألا تترك قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا في بيت إلا طمسته ". أخرجه أحمد ومسلم

стр. 2663

والثلاثة والبيهقى وقال الترمذى: حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه (١) ﴿٦٥٦﴾ (فإنه) لم يرد التسوية بالأرض وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الأحاديث (٢). (وقد صرح بحرمة رفع القبر زيادة عن الشبر أصحاب أحمد وجماعة من المالكية والشافعية. (والقول) بأنه غير ممنوع لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير غير مسلم. (قال) الشافعي في الأم: رأيت من الولاة من يهدم ما بنى في المقابر ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك (٣). (جـ) ويسن بناء القبر باللبن والقصب (البوص) لقول بريدة: " الحد لرسول الله ﷺ ونصب عليه اللبن نصبا وأخذ من قبل القبلة ". أخرجه الطبرانى في الأوسط وفيه يحيى الحمانى وفيه كلام (٤). ﴿٦٥٧﴾ (وقال) الشعبي: " جعل على قبر النبي ﷺ طن من قصب " أخرجه ابن أبي شيبة مرسلا (٥)، والطن بضم الطاء: الحزمة. (وبكره) عند الأئمة بناؤه بالآخر والجص والخشب إذا لم تكن الأرض رخوة أو ندية (لقول) جابر: " نهى النبي ﷺ أن يقعد على القبر وأن يجصص ويبنى عليه ". أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخاري وقال

стр. 2664

الترمذى: حسن صحيح. وقد روى من غير وجه عن جابر. وقد رخص بعض أهل العلم - منهم الحسن البصري والشافعي - في تطبين القبور (١). ﴿٦٥٨﴾ (وقال) النعمان: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها. أخرجه محمد بن الحسن في الآثار (٢). ﴿٦٥٩﴾ (وظاهر) النهى التحريم وبه قال ابن حزم وحملت الأئمة والجمهور النهى على الكراهة، لكن لا دليل على صرفه عن التحريم. وحكمته أن القبر للبلى لا للبقاء ولأن تجصيصه من زينة الدنيا ولا حاجة للميت إليها ولأن الآجر مسته النار فيكره أن يجعل على الميت تفاؤلا. (وأما) إذا كانت الأرض رخوة، بنى القبر بالآجر ونحوه بلا كراهة. والصحيح أنه لا يكره تطيينة عند الشافعي وأحمد لأنه لم يرد فيه نهى وهو المختار عند الحنفيين. (روى) جعفر بن محمد عن أبيه: " أن النبي ﷺ رفع قبره من الأرض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة وجعل عليه الحصباء " أخرجه أبو بكر النجاد وسكت عليه في التلخيص (٣). ﴿٦٦٠﴾ (وقالت) المالكية: يكره تطيين القبر ما لم يتوقف منع الرائحة على تطينه وإلا فلا كراهة (٤).

стр. 2665

(د) ويسن - عند الحنفيين ومالك وأحمد وبعض الشافعية -: تسنيم القبر أي جعله مرفوعا - كالسنام - نحو شبر (لحديث) أبى بكر بن عباس " أن سفيان التمار حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسما " أخرجه البخاري والبيهقى (١) " ﴿٦٦١﴾ (وقال) بعض الشافعية: يستحب تسطيح القبر (لقول) ثمامة بن شفى: " كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوقى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى ثم قال: سمعت النبي ﷺ يأمر بتسويتها " أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقى (٢). ﴿٦٦٢﴾ (وفى حديث) أبي هياج عن على: ألا تترك قبرا مشرفا إلا سويته (٣). (وأجاب) الجمهور بأن الحديثين ليسا نصا في التسطيح بل محتملان له ولإزالة ما ارتفع عن القدر المشروع في القبر وهو لا ينافى التسنيم (قال) الطبري: لا أحب أن يتعدى في القبور أحد المعنيين من تسويتها بالأرض أو رفعها مسنمة قدر شبر على ما عليه عمل المسلمين وتسوية القبور ليست بتسطيح (٤) (ودليل) الجمهور اثبت وأصح وصريح في التسنيم. فكان العمل به أولى (٥).
следующие страницы →