وهو قول الجمهور (وأجابوا) بأن ما فعله شقران خاص بالنبي ﷺ (قال) وكيع: هذا للنبي ﷺ خاصة. أخرجه ابن سعد في الطبقات وله عند الحسن أن النبي ﷺ قال: افرشوا لي قطيفتى في لحدي فإن الأرض لم تسلط على أجساد الأنبياء (١). وقد نص الشافعي وغيره على كراهة وضع قطيفة أو مضربة (مرتبة) أو وسادة أو نحو ذلك تحت الميت (وشذ) عنهم البغوى فقال: لا بأس بذلك لهذا الحديث والصواب كراهته كما قال الجمهور (٢)(٥) ما يطلب في القبر: يطلب فيه ستة أمور:
(أ) يستحب توسيعه وتحسينه اتفاقا وكذا إعماقه عند غير المالكية (لقول) هشام بن عامر: شكونا إلى النبي ﷺ يوم أحد فقلنا يا رسول الله: الحفر علينا لكل إنسان شديد. فقال النبي ﷺ : احفررا وأعمقوا وأحسنوا. وفى رواية: أوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنا " أخرجه أحمد والبيهقى وأبو داود والنسائي (٣). ﴿٦٥٤﴾
(ودفن) الاثنين والثلاثة في القبر لا يكون إلا لضرورة كما يأتي إن شاء الله.
(واختلف) العلماء في قدر الإعماق (فقال) الحنفيون وأحمد: يعمق قدر نصف القامة أو على الصدر وإن زاد فحسن. وطول القبر على قدر طول الميت ن وعرضه على قدر نصف طوله. (وقالت) الشافعية وبعض الحنبلية: حد الإعماق قدر قامة وبسطة وهى مد يديه قائمة إلى رءوس الأصابع وقدر بأربعة أربع.
(قال) الحسن: أوصى عمر أن يجعل عمق قبره قامة وبسطة وحكمته إلا ينبش
стр. 2662
القبر سبع ولا سارق ولا يظهر رائحة الميت (١). (وقالت) المالكية: اقل القبر ما منع رائحة الميت وحرسه من السباع ولا حد لأكثرة وندب عدم عمقه (٢).
(ب) ويسن رفع القبر عن الأرض نحو شبر اتفاقا (لقول) القاسم بن محمد ابن أبي بكر: " دخلت على عائشة فقلت: يا أماه اكشفي لي في قبر النبي ﷺ وصاحبيه رضى الله عنهما فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم (٣). ﴿٦٥٥﴾
(وروى) النعمان عن حماد عن إبراهيم النخعى قال: كان يستحب أن يرفع القبر عن الأرض حتى يعرف لكيلا يوطأ. أخرجه أبو يوسف في الآثار (٤).
(وحكمه) استحباب رفع القبر نحو شبر ليعلم أنه قبر فيتوفى ويدعى لصاحبه إلا أن يكون الميت مسلما دفن في دار الحرب فيخفى قبره خشية أن يتعرض له الكفار بالأذى أما رفع القبر فوق الشبر فهو بدعة مذمومة في الدين مخالفة لهدى الرسول ﷺ والسلف الصالح فيلزم إزالة الزائد (فما) يفعله الناس الآن - من تشييد القبور ورفعها كثرا - منكر يجب عليهم تسويتها بلا فرق بين نبي وغيره وصالح وطالح. (وأما) قول على رضى الله عنه لأبى هياج الأسدى: " أبعثك على ما بعثتي عليه النبي ﷺ ألا تترك قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا في بيت إلا طمسته ". أخرجه أحمد ومسلم
стр. 2663
والثلاثة والبيهقى وقال الترمذى: حسن والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يكرهون أن يرفع القبر فوق الأرض إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه (١) ﴿٦٥٦﴾
(فإنه) لم يرد التسوية بالأرض وإنما أراد تسطيحه جمعا بين الأحاديث (٢).
(وقد صرح بحرمة رفع القبر زيادة عن الشبر أصحاب أحمد وجماعة من المالكية والشافعية. (والقول) بأنه غير ممنوع لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير غير مسلم. (قال) الشافعي في الأم: رأيت من الولاة من يهدم ما بنى في المقابر ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك (٣).
(جـ) ويسن بناء القبر باللبن والقصب (البوص) لقول بريدة: " الحد لرسول الله ﷺ ونصب عليه اللبن نصبا وأخذ من قبل القبلة ". أخرجه الطبرانى في الأوسط وفيه يحيى الحمانى وفيه كلام (٤). ﴿٦٥٧﴾
(وقال) الشعبي: " جعل على قبر النبي ﷺ طن من قصب " أخرجه ابن أبي شيبة مرسلا (٥)، والطن بضم الطاء: الحزمة.
(وبكره) عند الأئمة بناؤه بالآخر والجص والخشب إذا لم تكن الأرض رخوة أو ندية (لقول) جابر: " نهى النبي ﷺ أن يقعد على القبر وأن يجصص ويبنى عليه ". أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخاري وقال
стр. 2664
الترمذى: حسن صحيح. وقد روى من غير وجه عن جابر. وقد رخص بعض أهل العلم - منهم الحسن البصري والشافعي - في تطبين القبور (١). ﴿٦٥٨﴾
(وقال) النعمان: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي ﷺ أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها. أخرجه محمد بن الحسن في الآثار (٢). ﴿٦٥٩﴾
(وظاهر) النهى التحريم وبه قال ابن حزم وحملت الأئمة والجمهور النهى على الكراهة، لكن لا دليل على صرفه عن التحريم. وحكمته أن القبر للبلى لا للبقاء ولأن تجصيصه من زينة الدنيا ولا حاجة للميت إليها ولأن الآجر مسته النار فيكره أن يجعل على الميت تفاؤلا. (وأما) إذا كانت الأرض رخوة، بنى القبر بالآجر ونحوه بلا كراهة. والصحيح أنه لا يكره تطيينة عند الشافعي وأحمد لأنه لم يرد فيه نهى وهو المختار عند الحنفيين. (روى) جعفر بن محمد عن أبيه: " أن النبي ﷺ رفع قبره من الأرض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة وجعل عليه الحصباء " أخرجه أبو بكر النجاد وسكت عليه في التلخيص (٣). ﴿٦٦٠﴾
(وقالت) المالكية: يكره تطيين القبر ما لم يتوقف منع الرائحة على تطينه وإلا فلا كراهة (٤).
стр. 2665
(د) ويسن - عند الحنفيين ومالك وأحمد وبعض الشافعية -: تسنيم القبر أي جعله مرفوعا - كالسنام - نحو شبر (لحديث) أبى بكر بن عباس " أن سفيان التمار حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسما " أخرجه البخاري والبيهقى (١) " ﴿٦٦١﴾
(وقال) بعض الشافعية: يستحب تسطيح القبر (لقول) ثمامة بن شفى: " كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوقى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى ثم قال: سمعت النبي ﷺ يأمر بتسويتها " أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقى (٢). ﴿٦٦٢﴾
(وفى حديث) أبي هياج عن على: ألا تترك قبرا مشرفا إلا سويته (٣).
(وأجاب) الجمهور بأن الحديثين ليسا نصا في التسطيح بل محتملان له ولإزالة ما ارتفع عن القدر المشروع في القبر وهو لا ينافى التسنيم (قال) الطبري: لا أحب أن يتعدى في القبور أحد المعنيين من تسويتها بالأرض أو رفعها مسنمة قدر شبر على ما عليه عمل المسلمين وتسوية القبور ليست بتسطيح (٤) (ودليل) الجمهور اثبت وأصح وصريح في التسنيم. فكان العمل به أولى (٥).
стр. 2666
(هـ) ويسن -عبد النعمان ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد - رش الماء على القبر ليسكن ترابه (وروى) عامر بن ربيعة أن النبي ﷺ قام على قبر عثمان بن مظعون أمر فرش عليه الماء. أخرجه البزار بسند رجاله موثقون (قال) الهيثمى: إلا أن شيخ البزار محمد بن عبد الله لم اعرفه (١). ﴿٦٦٣﴾
(وعن) عائشة رضى الله عنها أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم أخرجه الطبرانى في الأوسط بسند رجاله الصحيح خلا شيخ الطبرانى (٢). ﴿٦٦٤﴾
(وعن) أبي يوسف أنه كره الرش لأنه يشبه التطيين. وتقدم أنه لا بأس بالتطيين على المختار عند الحنفيين (ويكره) أن يرش القبر بماء الورد وأن يطلى بالخلوق لأنه إضاعة مال (٣) (و) ويستحب - عند الشافعية وأحمد - تعليم القبر بحجر أو خشب أو غيره ليعرف (لحديث) كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله ابن حنطب قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فامر النبي ﷺ رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه النبي ﷺ وحسر عن ذراعية ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي. أخرجه أبو داود والبيهقى وابن أبى شيبة بسند حسن وكثير تكلم فيه وهو صدوق (٤). ﴿٦٦٥﴾
стр. 2667
(ومشهور) مذهب مالك أنه: لا باس بوضع حجر أو عود أو نحوه على القبر ليعرف به ما لم يكتب عليه (وقال) الحنفيون: يجوز اتخاذ علامة للقبر بغير الكتابة إن خيف ذهاب معالم القبر، وإلا فإن قصد به الزينة كره وإن قصد به التفاخر والمباهاة حرم كما اعتاده كثير من أهل الزمان من المبالغة في تحسين القبر ونقشه ورفعه ووضع عمامة أو قلنسوة أعلاه.
(٦) من يتولى الدفن: يتولاه الرجال سواء أكان الميت ذكرا أم أنثى (لما) روى محمد بن الحنفية عن على قال: خرج النبي ﷺ فإذ ١ نسوة جلوس فقال ما يجلسكن؟ قلن لا. قال هل تحملن؟ قلن لا. قال هل تدلين فيمن يدلى؟ قلن لا. قال فارجعن مأزورات غير مأجورات. أخرجه ابن ماجة والحاكم (١) ﴿٦٦٦﴾
(قال) أنس بن مالك: شهدنا ابنه لرسول الله ﷺ وهو جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان ثم قال: هل منكم من رجل لم يفارق الليلة؟ فقال أبو طلحة أنا يا رسول الله. قال: فانزل، فنزل في قبرها. أخرجه أحمد والبخاري والبيهقى والطحاوى والترمذى في الشمائل (٢) ﴿٦٦٧﴾
стр. 2668
(دل) ما ذكر على أن الرجال أحق بالدفن من النساء، لأنهم أقوى عليه منهن ولأن المرأة إذا تولته أدى إلى كشف بعض بدنها وهو عورة (والأولى) عند الحنفيين والشافعي أن يدفن الرجل امرأته. فإن لم يكن زوج فمحارمها فإن لم يكن محرم فشيوخ الرجال واصلحهم لأن أبا طلحة رضى الله عنه تولى دفن بنت النبي ﷺ وهو أجنبي ولم يكن هناك محرم إلا النبي ﷺ فلعله كان له عذر في عدم نزول قبرها وكذا زوجها عثمان بن عفان رضى الله عنه (وقالت) الحنبلية: الأولي بذلك المحارم ثم الزوج ثم صالحو الناس وشيوخهم، لأن الزوج تزول زوجيته بموتها والقرابة باقية. وأولى الناس بدفن الرجل أولاهم الصلاة عليه من أقاربه لأن القصد الدعاء للميت والرفق به.
(فائدة) يدخل القبر - عند الحنفيين والجمهور - من تدعو إليه حاجة الدفن وترا أو شفعا (لقول) ابن عباس رضى الله عنهما: كان الذين نزلوا في قبر النبي ﷺ على بن أبي طالب والفضل بن العباس وقثم بن العباس وشقران مولى النبي ﷺ وقال أوس بن خولة لعلى بن أبي طالب رضى الله عنه: يا على أنشدك الله وحفظنا من النبي ﷺ فقال له انزل فنزل مع القوم فكانوا خمسة. أخرجه البيهقى وقال: وشقران هو صالح مولى النبي ﷺ لقبه شقران (١) [٦٦٨]
стр. 2669
(وقال) عامر: غسل النبي ﷺ على والفضل واسامة بن زيد رضى الله عنهم وهم أدخلوه قبره قال وحدثني مرحب أو ابن أبي مرحب أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه فلما فرغ على رضى الله عنه قال: إنما يلي الرجل أهله أخرجه البيهقى (١). ﴿٦٦٩﴾
(وقالت) الشافعية: يستحب كون الدافنيين وترا فإن حصلت الكفاية بواحد وإلا فثلاثة وإلا فخمسة إن أمكن (٢)(٧) كيفية الدفن: يدخل الميت القبر كيفما أمكن إما من جهة القبلة أو من مقابلها أو من قبل بعثتي أو من رجليه إذ لا نص يعين شيئا من ذلك (واختلف) العلماء في الأفضل (قال) مالك والشافعي وأحمد: يسن إدخاله القبر من قبل بعثتي بأن يوضه السرير في مؤخر القبر بحيث يكون راس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر ثم يسل من قبل بعثتي (لقول) أبي إسحق عمرو بن عبد الله السبيعى: أوصى الحارث بن عبيد أن يصلى عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه. ثم ادخله القبر من قبل رجلي القبر وقال هذا من السنة " أخرجه أبو داود وابن أبى شيبة والبيهقى بسند صحيح (٣). ﴿٦٧٠﴾
(وقال) الحنفيون: الأفضل أن يدخل الميت من قبل القبلة بأن توضع الجنازة في جانب القبلة من القبر ويحمل منه الميت فيوضع في اللحد (لحديث) عطية العوفى عن أبي سعيد: " أن النبي ﷺ أخذ من قبل القبلة واستقبل استقبالا " أخرجه ابن ماجة. وعطية ضعفه غير واحد (٤). ﴿٦٧١﴾
(وروى) عمر بن سعيد: " أن عليا كبر على يزيد المكفف أربعا وأدخله من
стр. 2670
قبل القبلة " أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرازق بسند صحيح وقال وبه نأخذ (١) ﴿٦٧٢﴾
(وقد) ورد في هذا روايات وإن كان في بعضها ضعف ولكنها لكثرتها يقوى بعضها بعضا (هذا) وقد استبعد الشافعي إدخال النبي ﷺ من جهة القبلة وقال: إن هذا غير ممكن لأن شق قبره ﷺ لاصق بالجدار ولحده تحت الجدار وليس هناك موضع يوضع فيه ولا يمكن إلا أن يسل سلا ويدخل من غير القبلة (ودعوى) أن استقبال القبلة افضل (جوابه) أن استقبالها إنما يستحب بشرطين: أن يمكن وألا ينابذ سنة وهذا ليس ممكنا ومنابذا للسنة (٢).
(أقول) الأمر في هذا واسع والمدار فيه على الأسهل. فإن سهل عليهم أخذه من جهة القبلة أو من جهة الرأس أو من جهة الرجلين فلا يخرج فيه.
(٨) ما يطلب للدفن: هو ستة أمور
(أ) يستحب: عند الحنفيين ومالك وأحمد ستر فم القبر بثوب عند دفن المرأة دون الرجل (لما روى) على بن الحكم عن رجل من أهل الكوفة عن على بن أبي طالب رضى الله عنه: " أنه أتى ونحن ندفن ميتا وقد بسط الثوب على قبره فجذب الثوب من القبر وقال: إنما يصنع هذا بالنساء ". أخرجه البيهقى (٣) ﴿٦٧٣﴾
(وقالت) الشافعية: يستحب نشر ثوب على قبر الرجل والمرأة (لحديث) يحيى بن عقبة عن على بن بذيمة الجزرى عن مقسم عن ابن عباس قال: " جلل النبي ﷺ قبر سعد بثوبه " أخرجه البيهقى وقال: لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة وهو ضعيف (٤). ﴿٦٧٤﴾
(وأجاب) الجمهور بأن الحديث ضعيف وعلى فرض الصحة فيحتمل أنه
стр. 2671
مخصوص بسعد بن معاذ رضى الله عنه لأنه كان مجروحا قد تغير جرحه فستره النبي ﷺ لمنع الرائحة.
(ب) ويستحب لواضع الميت في القبر الدعاء له وإن كان مأثورا فما أحسنه (ومنه) ما في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا وضعتم موتاكم في القبر فقولوا: باسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ " أخرجه أحمد والبيهقى والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿٦٧٥﴾
(وعن) ابن عمر رضى الله عنهما: " أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: باسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ " أخرجه الأربعة وقال الترمذى حسن غريب وصححه ابن حبان (٢). ﴿٦٧٦﴾
(وفى) رواية لابن ماجة: باسم الله وفى سبيل الله وعلى ملة رسول الله (وفى) رواية للترمذى: باسم الله وباله وعلى ملة رسول الله (قال) عبد الرحمن ابن العلاء بن اللجلاج: قال لي أبي: يابنى إذ أنا من فالحد لي لحدا فإذا وضعتني في لحدي فقل: باسم الله وعلى ملة رسول الله ثم شن التراب على شنا ثم أقرا عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمها فإني سمعت النبي ﷺ يقول ذلك ". أخرجه الطبرانى في الكبير بسند رجاله موثقون. وأخرجه البيهقى موقوفا على ابن عمر (٣). ﴿٦٧٧﴾
стр. 2672
(والحديث) صريح في أن القراءة تكون عند راس الميت في القبر (لكنه) ورد من طرق أخرى أن القراءة إنما تكون بعد الدفن خارج القبر (قال) أخرجه البيهقى وحسنة النووي وهو وإن كان من قول ابن عمر فمثله لا يقال من قبل الرأي (ويمكن) أنه لما علم بما ورد في فضل ذلك على العموم استحب أن يقرا على القبر رجاء أن ينتفع بقراءته (وحكمه) قراءة ما ذكر عند وضع الميت في قبره أن يكون كالحصن والعدة التي يتقى بها الفتن والأهوال. وخصت فاتحة البقرة لاشتمالها على مدح كتاب الله تعالى وأنه هدى للمتقين المؤمنين بالغيب والمقيمين الصلاة والمؤدين الزكاة. وخاتمها لاحتوائها على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وإظهار الاستكانة وطلب الغفران والرحمة والنصر على الأعداء والالتجاء إلى كنف الله تعالى وحمايته (وروى) قتادة أن أنسا دفن ابنا له فقال: اللهم جاف الأرض عن جنبيه وافتح أبواب السماء لروحه أبدله دار خيرا من داره ". أخرجه الطبرانى في الكبير بسند رجاله ثقات (١) [٦٧٨]
(ويستحب) أن يقول من يدخل الميت القبر بعد ما تقدم: اللهم أسلمه
стр. 2673
إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقة ونزل بك وأنت خير منزول به إن عاقبته فبذنب وإن عفوت فأنت أهل العفو غنى عن عذابه وهو فقبر إلى رحمتك. اللهم اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر واجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة اللهم اخلفه في تركته في الغابرين وارفعه في عليين وعد عليه برحمتك يا أرحم الراحمين (١).
(جـ) ويلزم توجيه الميت إلى القبلة عند الجمهور (لما روى) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " الكبائر الإشراك بالله وقذف المحصنة وقتل النفس المؤمنة والفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا ". أخرجه البيهقى بسند صحيح (٢). ﴿٦٧٩﴾
والإلحاد بالبيت الميل عن الحق في حرم الكعبة (فقد) دل على أن الكعبة قبلة للحى والميت (وقالت) المالكية والقاضى أبو الطيب الشافعي: توجيه الميت إلى القبلة مستحب كوضعه على الشق الأيمن.
(د) ويستحب اتفاقا أن يوضع على شقه الأيمن وأن يوضع خده على لبنه أو حجر أو تراب أو نحوه بأن ينحى الكفن عن خده ويوضع على ما ذكر (لقول) عمر رضى الله عنه: إذا أنزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض. ذكره في المهذب (٣)
(هـ) ويستحب وضع شيء خلفه من لبن أو غيره يمنعه من الوقوع على قفاه (لقول) واثلة بن الأسقع كان النبي ﷺ إذا وضع الميت في قبره قال: " باسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ " ووضع خلف قفاه
стр. 2674
مدرة وبين كتفيه مدرة وبين ركبتيه مدرة ومن ورائه أخرى ". أخرجه الطبرانى في الكبير وفيه بسطام بن عبد الوهاب وهو مجهول (١). ﴿٦٨٠﴾
(وتقدم) أنه يكره أن يوضع تحت الميت وسادة أو مرتبة أو ثوب (٢) (لما روى) يزيد بن الأصم عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه كره أن يجمل تحت الميت ثوب في القبر. أخرجه البيهقى (٣).
(فائدة) لا باس بدفن شيء من آثار الصالحين مع الميت (لما روى) عن أنس رضى الله عنه: " أنه كانت عنده غصبة للنبي ﷺ فدفنت معه بين جنبه وقميصه " أخرجه البزار بسند رجاله موثقون (٤). ﴿٦٨١﴾
(و) ويستحب حل عقد الكفن بعد الدفن لأن عقدها كان للخوف من انتشاره وقد أمن ذلك بدفنه (وروى) معقل بن يسار: " أن النبي ﷺ لما وضع نعيم بن مسعود في القبر نزع الأخلة بفيه " أخرجه البيهقى (٥) ﴿٦٨٢﴾
(ولا يجوز) شق الكفن لأنه إتلاف مال وقد نهى الشرع عنه وأمر بإحسان الكفن وشقه يتلفه ويذهب بحسنه (٦).
стр. 2675
(٩) ما يطلب بعد الدفن: يطلب بعدة ستة أمور:
(أ) يستحب سد القبر سدا محكما بطوب نيء ووضع البوص ونحوه فوق اللبن ليمنع نزول التراب على الميت لما تقدم عن ابن أبى وقاص قال: وانصبوا على اللبن نصبا (١) (وقال) الشعبي: جعل على قبر النبي ﷺ طن من قصب أخرجه ابن أبى شيبة مرسلا (٢).
(ويكره) سد القبر بالآجر والخشب والحجارة ونحوها - عند غير مالك إن لم تكن الأرض رخوة أو ندية، فإن كانت فلا بأس بسده بما ذكر.
(وقالت) المالكية: يندب سد القبر باللبن فإن لم يوجد فلوح من خشب في جر فحجر فقصب، فإن لم يوجد شيء من ذلك فسن التراب بباب اللحد. وينبغي أن يلت بالماء ليتماسك (٣).
(ب) وبعد إهالة التراب على القبر يستحب - اتفاقا - لمن شهد الدفن أن يحثو على القبر ثلاث حثيات بيديه جميعا من قبل رأس الميت (لحديث) أبى هريرة: " أن النبي ﷺ على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثي عليه من قبل رأسه ثلاثا ". أخرجه ابن ماجة بسند ظاهر الصحة ورجاله ثقات (٤). ﴿٦٨٣﴾
(جـ) ويستحب - عند الحنفيين ومالك والشافعي - أن يقول في الحثية الأولى " مِنْهاَ خَلَقَنْاَكُمْ " وفى الثانية " وَفِيهاَ نُعِيدكُمْ " وفى الثالثة " ومِنْهاَ خَلَقَنْاَكُمْ وَفِيهاَ
стр. 2676
نُعِيدكُمْ ومِنْهاَ نُخْرِحكُم تاَرَةَّ أُخْرَى " أخرجه أحمد والحاكم من رواية عبيد الله ابن زخر عن على بن زيد بن جدعان عن القاسم وهم ضعفاء (١). ﴿٦٨٤﴾
لكن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال. (وقال) أحمد: لا يطلب ذكر الآية أو غيرها عند حثو التراب لضعف الحديث وعدم صراحته في المدعى.
(د) ويسن للمشيعين الانتظار بعد الدفن قدر بحر جمل وتفريق لحمه ليأتنس بهم الميت . (قال) عمرو بن العاص رضى الله عنه من حديث طويل: " فإذا دفنتموني فشنوا على التراب شنا ثم أقيموا حول قبرى قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى استأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربى ". أخرجه مسلم (٢). ﴿٦٨٥﴾
стр. 2677
(هـ) ويستحب الاستغفار للميت والدعاء له عند القبر بعد دفنه بالثبات . فيقول - مستقبلا وجهه - اللهم هذا عبدك وأنت أعلم به منا ولا نعلم منه إلا خيرا وقد أجلسته لتسأله. اللهم فثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبته في الدنيا. اللهم ارحمه وألحقه بنبيه محمد ﷺ ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله ولسائر المسلمين (١). (قال) عثمان بن عفان رضى الله عنه: كان النبي ﷺ إذا دفن الميت وقف عليه وقال: " استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ". أخرجه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقى بسند حسن (٢). ﴿٦٨٦﴾
(وكان) على رضى الله عنه إذا فرغ من دفن الميت قال: اللهم هذا عبدك نزل بك وأنت خير منزول به فاغفر له ووسع مدخله. أخرجه أبو الحسن رزين بن معاوية (٣).
(و) يستحب - عند أكثر الشافعية والحنبلية وبعض الحنفيين والمالكيين - تلقين الميت المكلف بعد الدفن بأن يقوم إنسان عند بعثتي ويقول: يا فلان بن فلانة ويا عبد الله بن أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا - شهادة أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وإن محمد عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا
стр. 2678
وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا. فهذا التلقين عندهم مستحب (١)
(لظاهر) حديث أبي سعيد الخدرى أن النبي ﷺ قال: " لقنوا موتاكم قول لا اله إلا الله " أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخاري (٢). ﴿٦٨٧﴾
(قال) الأى: لا يبعد حمله على التلقين بعد الدفن (٣) لما فيه من حمل لفظ الحديث على ظاهرة والأصل عدم التأويل (وقال) ابن الحاج والقرطبي وغيرهما من المالكية: يندب التلقين بعد الدفن ويستأنس له بما قال أبو أمامه وهو في النزع إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمر النبي ﷺ فقال: " إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على راس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانه فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول يا فلان ابن فلانه، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله ولمن لا تشعرون فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن أماما، فإن منكرا ونطيرا يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما نقعد عند من لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما ". قال رجل: يا رسول الله فإن لم يعرف أمه؟ قال: " فينسبه إلى حواء يا فلان ابن حواء ". أخرجه الطبرانى في الكبير. قال في التلخيص: سنده صالح. وقال الهيثمى: وفى سنده جماعة لم أعرفهم (٤).
(فهذا) الحديث وإن كان ضعيفا فيستأنس به وقد اتفق العلماء على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب. وقد تقوى بشواهد كحديث " أسالوا له التثبيت " ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان، ولم يزل أهل
стр. 2679
الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدي به وإلى الآن (١). (وقال) الكمال بن الهمام: وأما التلقين بعد الموت فقيل يفعل لحقيقة: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله. ونسب إلى أهل السنة والجماعة، وقيل: لا يؤمر به ولا ينهى عنه ولا شك أن اللفظ لا يجوز إخراجه عن حقيقته إلا بدليل (٢). (وقال) بعض الحنبلية ك لا يستحب التلقين بعد الدفن بل يكره وهو مشهور مذهب المالكية لأنه لم يعرف لدى السلف الصالح بل هو مبتدع حدث بالشام (قال) الأثرم: قلت لأبى عبد الله (بعنى الإمام أحمد) فهذا الذي يصنعون إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلانة اذكر ما فارقت عليه: شهادة أن لا اله إلا الله. فقال: ما رأيت أحدا فعل هذا إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة جاء إنسان فقال ذاك وكان أبو المغيرة يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يفعلونه (٣). وأجابوا (أ) عن حديث " لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله " بأن التلقين حقيقة في المحتضر مجاز في الميت. ولذا قال ابن حبان وغيره: المراد بالميت من حضرة الموت. (ويؤيده) حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله. ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله ". أخرجه البيهقى في شعب الإيمان (٤). ﴿٦٨٨﴾
(وحديث) زاذان أبي عمر قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول: من لقن عند الموت لا إله إلا الله دخل الجنة. أخرجه أحمد بسند جيد (٥). ﴿٦٨٩﴾
(ويؤيده) أيضا ما رواه ابن حبان في الحديث بزيادة: فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك.
стр. 2680
(وقال) النووي: لقنوا موتاكم أي من حضره الموت، والمراد ذكروه لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث. فإن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (١)
(ب) وعن حديث أبي أمامه بأنه ضعيف. ضعفه الحافظ بن حجر والعراقي والنووي وابن الصلاح. وقال في الهدى: لا يصح رفعه (أقول): والأمر في هذا واسع فلا ينهى عن التلقين بعد الدفن ولا يؤمر به، فإن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال.
تم الجزء السابع، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثامن وأوله: " محظورات القبر"
стр. 2681
الدين الخالص
أو
إرشاد الخلق إلى دين الحق
وهو آخر كتاب وضع أصله الشيخ الإمام محيي السنة ومميت البدعة
صاحب الفضيلة والإرشاد المرحوم السيد
محمود محمد خطاب السّبكى
المتوفى فى الرابع عشر من ربيع الاول سنة ١٣٥٢ هـ -٧ يوليو سنة ١٩٣٣ م
عمه الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه عالى الجنان
الجزء الثامن
عنى بنتقيحه وتصحيحه وتنسيقه والتعليق عليه وضبط الآيات والأحاديث وترقيمها وبيان حالها وغريبها ومراجعها خليفة الشيخ الامام المرحوم السيد
أمين محمود خطاب
المتوفى فى السابع والعشرين من ذى القعدة ١٣٨٧ هـ - ٢٦ فبراير ١٩٦٨ م ﵀ رحمة واسعة وجعل قبره
روضة من رياض الجنة وحشره مع الصالحين
حقوق الطبع محفوظة له
الطبعة الثالثة: ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٥ م
стр. 2682
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
... الحمد لله وبه نستعين، ونصلي ونسلم على سيد النبيين وآله وصحبه والتابعين. (أما بعد) فقد تقدم الكلام بالجزء السابع على تسعة فروع من مباحث الدفن:
(١٠) محظورات القبر
... يُمنع البناء والقعود والمشي والكتابة عليه والصلاة إليه وعليه، وغير ذلك مما يأتي، لأحاديث (منها) حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى أن يُبني على القبور أو يُقعدَ عليها أو يُصلَّى عليه. أخرجه أبو يعلى بسند رجاله ثقات. وروى ابن ماجه النهي عن البناء عليها فقط (١). ﴿١﴾.
(وحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه حتى تخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٢). ﴿٢﴾
... (وحديث) عقبةَ بِن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لأن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي أحب إلى من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق" أخرجه ابن ماجه بسند صحيح (٣). ﴿٣﴾
стр. 2683
(وحديث) سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله قال: "نهى النبي ﷺ أن يكتب على القبر شيء" أخرجه ابن ماجه والحاكم بسند صحيح رجاله ثقات (١). ﴿٤﴾
... "وقول" الحاكم: ليس العمل عليه فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب يكتبون على قبورهم وهو شيء أخذه الخلف عن السلف. "رده" الذهبي بأنه محدث ولعل من فعل ذلك من السلف لم يبلغهم النهي (٢). (وحديث) سليمان ابن موسى عن جابر أن النبي ﷺ نهى أن يبني على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه" أخرجه النسائي (٣). ﴿٥﴾
(وحديث) أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والبيهقي (٤). ﴿٦﴾
... (وحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" أخرجه مسلم والنسائي، وكذا أحمد وأبو داود والبيهقي بلفظ: "قاتل الله اليهود" (٥). ﴿٧﴾
(وحديث) عبد الرزاق بسنده إلى أنس أن النبي ﷺ قال: " لا عقر في الإسلام " قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر، يعني بقرة أو شيئا. أخرجه أبو داود والبيهقي والترمذي وقال: حسن صحيح (٦). ﴿٨﴾
стр. 2684
أفادت هذه الأحاديث عشرة أمور:
(أ) النهي عن تجصيص القبور- وقد تقدم بيانه (١).
(ب) النهي عن البناء على القبور:
يعني أي بناء كان سواء تعلق بالميت كقبة أو بالحي كحجرة أو مدرسة أو خباء أو مسجد، أو كان البناء على نفس القبر ليرتفع من أن يوطأ كما يفعله كثير من الناس. وكره أحمد أن يقام على القبر فسطاط، لأن أبا هريرة أوصى حين حضره الموت: أن لا تضربوا على فسطاطا (٢)
(ولظاهر) النهي في الأحاديث قال ابن حزم: يحرم البناء على القبر مطلقا، وحمل غيره النهي على الكراهة إذا كانت الأرض غير مسبلة ولا موقوفة ولم يقصد بالبناء الزينة وإلا كان حراما (ولذا) قال الحنفيون: يحرم البناء على القبر للزينة ويكره للإحكام إلا إذا كانت الأرض موقوفة وإلا حرم مطلقا لما في ذلك من التحجير على الناس، وكذا المسبلة وهي التي اعتاد الناس الدفن فيها ولم يسبق لأحد ملكها. (وتكره) القباب والستور والعمائم لقبور الصالحين وغيرهم.
... (وقالت) المالكية والشافعية: يكره البناء على القبر أو تحويط عليه ولو بلا قبة إن كان بأرض مباحة ملك للميت أو غيره بإذنه أو أرض موات إذا لم يكن مباهى بها. فإن كان بأرض غير مباحة بأن كانت موقوفة للدفن مثل قرافة مصر أو فعل ذلك للمباهاة حرم لما فيه من التحجير على ما هو حق لجميع المسلمين ولأنه من الإعجاب وهما منهي عنهما، وكذا يحرم البناء والتحويط إذا كان ذريعة لإيواء أهل الفساد (٣)، ومن الضلال المجمع عليه أن كثيرا من الأغنياء يبنون أسبلة ومدارس ومساجد وحجرا للاستقبال والبيات وينبشون القبور ويجعلون محلها المراحيض ويزعمون أنهم يحسنون صنعا. كلا ما فعلوا إلا الضلال والبهتان.
стр. 2685
ويجب على ولي الأمر أن يأمر بهدمها كما تقدم إلا إن كان البناء يسيرا للتمييز فإن جائز (ويكره) إقامة مظلة على القبر لأن عمر ﵁ رأى مظلة على قبر، فأمر برفعها وقال: دعوه يظله عمله (١). ورأى ابن عمر فسطاطا على قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقال: انزعه يا غلام فإنه يظله عمله. ذكره البخاري (٢).
(وقالت) الحنبلية: يكره البناء في المسبلة وغيرها، غير أن الكراهة في المسبلة أشد لأنه تضييق بلا فائدة واستعمال للمسبلة فيما لم توضع له. وعن أحمد منع البناء في وقف عام (قال) ابن تيمية: من بني ما يختص به في المقبرة غير المملوكة فهو غاصب عند الأئمة الأربعة. وفيه تضييق على المسلمين، وإن كان في ملكه فهو سرف وإضاعة مال وكل منهي عنه. والقول بتحريم البناء في المسبلة هو الصواب. وقال في كسوة القبر بالثياب: اتفق الأئمة على أنه منكر إذا فعل بقبور الأنبياء والصالحين فكيف بغيرهم (٣).
стр. 2686
(جـ) النهي عن القعود على القبور:
... والمراد به ما يشمل الجلوس والاضطجاع والاستناد والنوم، ولظاهر النهي والوعيد (قال) أبن حزم بحرمة ذلك، وحمل الجمهور النهي على الكراهة منهم الحنفيون والشافعي وأحمد وداود (وقال) مالك: لا يكره القعود على القبر إلا إذا قعد لقضاء الحاجة وهذا حرام اتفاقا (قال) في الموطأ: إنما نهى عن القعود على القبر- فيما نرى- للذاهب يعني لحاجة الإنسان من التبول والغائط (١)، ودليله ما (روي) عن علي أنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها. أخرجه مالك في الموطأ والطحاوي بسند رجاله ثقات (٢). (وقول) نافع: كان ابن عمر يجلس على القبور. أخرجه البخاري ووصله الطحاوي (٣) (وقول) عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه ثابت ﵁ قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه. أخرجه البخاري ووصله مسدد في مسنده الكبير بسند صحيح (٣). ﴿٩﴾
فبين يزيد في هذا الأثر الجلوس المنهي عنه (ولذا قال) بعض المالكية: لا يكره القعود على القبر لغير قضاء الحاجة. ولكن مشهور المذهب أنه يكره القعود والمشي على القبر مطلقا إذا ظن بقاء شيء من عظام الميت، وإلا جاز بلا كراهة. (ورده) الجمهور بأنه لا يصح حمل أحاديث النهي عن الجلوس على القبر على الجلوس لقضاء الحاجة، لأن هذا على فرض ثبوته لا يخصص عموم النهي الصحيح الصريح في الجلوس (كحديث) أبي مرثد. الغنوى
стр. 2687
السابق (١) (وحديث) عمارة بن حزم قال: رآني النبي ﷺ جالسا على قبر فقال: "يا صاحب القبر أنزل من على القبر لا تؤذي صاحب القبر ولا يؤذيك" أخرجه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وقد وثق (٢). ﴿١٠﴾
... وذكر لأحمد أن مالكا يتأول حديث النبي ﷺ أنه نهى أن يجلس على القبور أي للخلاء فقال: ليس هذا بشيء. ولم يعجبه رأى مالك (٣).
... هذا، وحكمة النهي عن الجلوس على القبر ما يترتب عليه من الاستخفاف بحق المسلم وإيذائه (فقد) سئل ابن مسعود عن وطء القبر فقال: كما أكره أذى المؤمن في حياته فإني أكره أذاه بعد موته. أخرجه سعيد بن منصور. وإيذاؤه محرم.
... قال الله تعالى: "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا" (٤).
... (د) النهي عن المشي على القبر:
... الكلام فيه كالكلام في القعود عليه والاتكاء إليه ومحل الحرمة أو الكراهة إذا لم تدع إليه ضرورة كما إذا لم يصل إلى قبر ميته إلا بالمشي على القبور فإنه يجوز اتفاقا.
... (هـ) النهي عن الكتابة على القبر:
... لظاهر النهي (قال) ابن حزم والظاهرية: تحرم كتابة اسم الميت أو تاريخ وفاته أو شيء من القرآن أو
أسماء الله تعالى أو نحو ذلك على القبر. (وقال) الحنفيون: يكره تحريما الكتابة على القبر مطلقا إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يكره. (وقالت) المالكية: تحرم كتابة القرآن وتكره كتابة أسم الميت
стр. 2688
أو تاريخ موته. (وقالت) الشافعية والحنبلية: تكره الكتابة على القبر مطلقا، وحكمة النهي عن ذلك خشية أن يوطأ أو يسقط على الأرض فيعرض المكتوب للإهانة.
... (و) النهي عن الزيادة على القبر:
... لا يجوز أن يزاد في بنائه زيادة تؤدي إلى ارتفاعه عن الشبر وأن يزاد على التراب الذي خرج منه كما قال البيهقي: لا يزاد في القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع. وكذا لا يزاد القبر طولا أو عرضا عن قدر جسد الميت.
... (ز) النهي عن الصلاة إلى القبور أو عليها:
لظاهر النهي (قالت) الحنبلية والظاهرية: تحرم الصلاة في المقبرة وعلى القبر وتقدم بيان المذاهب في هذا وافيا في بحث المواضع المنهي عن الصلاة فيها (١). (وفي الحديث) السابع من أحاديث الباب منع الصلاة إلى قبور الأنبياء واتخاذها مساجد لأنه قد يفضي إلى عبادة من في القبر وكذا قبور الأولياء والصالحين. ولذا لما احتاجت الصحابة والتابعون إلى توسعة مسجد النبي ﷺ وامتدت الزيادة إلى حجر أمهات المؤمنين- ومنها حجرة السيدة عائشة مدفن النبي ﷺ وصاحبيه ﵄ بنوا حول القبر الشريف سورا مرتفعا مستديرا لئلا يظهر القبر في المسجد فيصلي إليه العوام. ثم بنوا جدارين كهيئة مثلث قاعدته الحائط الشمالي للقبر حتى لا يتمكن من استقبال القبر. وقد زعم بعضهم أن النهي عن الصلاة إلى القبر إنما كان في الزمن السالف لقرب العهد بعبادة الأوثان. أما الآن فلا كراهة فيها، وهو مردود باتفاق المسلمين على خلافه ولعموم النهي في حديث جندب بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" أخرجه مسلم (٢). ﴿١١﴾
стр. 2689
(ح) التحذير من اتخاذ القبور مساجد:
يحرم اتخاذ قبور المسلمين التي لم تندرس مساجد (١). كما يحرم بناء المساجد على القبور لما تقدم (٢) (ولحديث) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره" (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان (٣). ﴿١٢﴾
... أي لولا الخوف من اتخاذ قبره ﷺ مسجدا كما فعل اليهود والنصارى بأنبيائهم لكشف قبره ﷺ ولم يتخذ عليه الحائل، أو المراد لدفن خارج بيته. وتقدم بيان ذلك وافيا في بحث اتخاذ القبور مساجد (٤).
... (ط) التحذير من إيقاد السرج على القبور:
... يحرم إيقاد المصابيح والشموع على القبر ولو قبر نبي أو ولي لما فيه من تضييع المال بلا منفعة والمبالغة في تعظيم القبور كاتخاذها مساجد (ولقول) أبن عباس ﵄: " لعن النبي ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " أخرجه أحمد والأربعة والبزار وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي (٥). ﴿١٣﴾
стр. 2690
(ي) النهي عن الذبح عند القبر:
دل الحديث الثامن من أحاديث الباب على تحريم الذبح عند القبر وأنه من عمل الجاهلية، كانوا يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون: نجازيه على فعله لأنه كان يطعمها الأضياف فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير، ومنهم من كان يزعم أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر راكبا، ومن لا يعقر عنده حشر راجلا. وهذا زعم باطل، ومنه يعلم أن ما يفعله كثير من أهل زماننا الجاهلين من نحر الإبل أو غيرها عند خروج الميت من باب الدار أو عند القبر ليس له أصل في الدين بل هو بدعة مذمومة نهى عنها النبي ﷺ ، فليحذر من هذه البدعة ومما يفعله بعضهم من أنهم يحملون أمام الجنازة الخراف والخبز وغيرها ويسمون ذلك عشاء القبر، فإذا أتوه ذبحوا ما أتوا به بعد الدفن وفرقوه مع الخبز، ويقع بسبب ذلك تزاحم وضرب وإيذاء وعدم اعتبار بحال الميت.
... وهذا مخالف للسنة من وجوه:
... (ا) أن ذلك من فعل الجاهلية لما تقدم.
... (٢) ما فيه من الرياء والسمعة والمباهاة والفخر لأن السنة في القرب الإسرار بها لأنه أسلم والمشي بذلك أمام الجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء، ولو تصدق بذلك في البيت سرا لكان عملا صالحا إذا سلم من البدعة بأن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه لم يكن من فعل من مضى، والخير كله في اتباعهم ﵃ (١).
стр. 2691
(١١) سؤال القبر وفتنته
تقدم أنه يجب الإيمان بسؤال القبر وفتنته. وقد جاء في هذا أحاديث صحيحة بلغت حد الشهرة (منها) ما تقدم في بحث السمعيات (١). (ومنها) حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: شهدت مع النبي ﷺ جنازة فقال: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن فتفرق عنه أصحابه جاء ملك في يده مطراق فأقعده، قال ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فيقول له: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت بربك فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه فيقول له: أسكن ويفسح له في قبره. وإن كان كافرا أو منافقا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا، فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت بقربك فإن الله أبدلك به هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين.
... فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك في يده مطراق إلا قبل عند ذلك، فقال النبي ﷺ : "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت" أخرجه أحمد والبزار وزاد: "في الحياة
стр. 2692
الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء". ورجاله رجال الصحيح (١). . ﴿١٤﴾
... (وحديث) عائشة ﵂ قالت: جاءت يهودية فاستطعمت على بابي فقالت: أطعموني أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، فلم أزل أحبسها حتى جاء النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله ما تقول هذه اليهودية؟ قال: وما تقول؟ قلت: تقول أعاذكم الله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، فقام النبي ﷺ ورفع يديه مدا يستعيذ بالله من فتنة الدجال ومن فتنة عذاب القبر، ثم قال: أما فتنة الدجال فإنه لم يكن نبي إلا قد حذر أمته وسأحذر كموه تحذيرا لم يحذره نبي أمته، إنه أعور والله ليس
стр. 2693
بأعور، مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن، فأما فتنة القبر في تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشعوفٍ، ثم يقال له: فيم كنت؟ فيقول: في الإسلام، فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله ﷺ جاءنا بالبينات والهدى من عند الله فصدقناه، فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله ، ثم يفرج له فرجة إلى الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقول له: هذا مقعدك منها وعلى اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله. وإذا كان الرجل السوء أجلس في قبره فزعا مشعوفا، فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: ما هذا الرجل الذي فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا، فيفرج له فرجة قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، ويقال له: هذا مقعدك منها كنت على الشك وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يعذب" أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيحين (١). ﴿
١٥﴾
... (وحديث) أسماء بنت أبي بكر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنا أحف به عمله- الصلاة والصيام- فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام
стр. 2694
فيرده، فيناديه أجلس، فيجلس، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ يعني النبي ﷺ ، قال: من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه رسول الله ﷺ ، قال يقول: وما يدريك أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال يقول: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث. وإن كان فاجرا أو كافرا جاءه ملك ليس بينه وبينه شيء يرده، فأجلسه، قال: أجلس، ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد ﷺ ، قال يقول: ما أدري والله سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، قال له الملك: على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث، وتسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه". أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح (١). . ﴿١٦﴾
... (وحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا
стр. 2695
نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمى عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب (١). ﴿١٧﴾
والأحاديث في هذا كثيرة صحيحة صريحة في أن سؤال القبر حق ثابت، وبه قال أهل السنة والجماعة، وأنكره ضرار بن عمرو وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة مستدلين:
(أ) بقوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى﴾ (٢). أي لا يذوقون في الجنة موتا سوى الموتة الأولى، ولو صاروا أحياء في القبور لذاقوا الموت مرتين لا مرة.
(ب) وبقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾ (٣).
стр. 2696
فإن الغرض من سياق الآية تشبيه الكفرة بأهل القبور في عدم الإسماع.
(جـ) وبالعقل فإن نرى شخصا يصلب ويبقى مصلوبا حتى تذهب أجزاؤه ولا نشاهد فيه إحياء ولا مساءلة، وأبلغ منه من أكلته السباع والطيور وتفرقت أجزاؤه في بطونها وحواصلها، وكذا من أحرق وتفتتت أجزاؤه وذرتها الرياح العاصفة شمالا وجنوبا وغربا، فإنا نعلم عدم إحيائه ومسائلته ضرورة (وأجاب) أهل السنة:
... (أولا) عن قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى﴾ بأن ذلك وصف لأهل الجنة، أي لا يذوق أهلها فيها الموت فلا ينقطع نعيمهم كما انقطع نعيم أهل الدنيا، فلا دلالة في الآية على انتفاء موتة أخرى بعد المساءلة وقبل دخول الجنة.
... (ثانيا) عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾.
... بأن عدم إسماع من في القبور لا يستلزم عدم إدراكهم.
(ثالثا) عن دليلهم العقلي أن المصلوب لا بعد في إحيائه ومساءلته مع عدم المشاهدة، كما في النائم فإنه حي ولا نشاهد حياته، وكما في رؤية النبي ﷺ جبريل ﵇ وهو بين أظهر أصحابه مع ستره عنهم ولا بعد في رد الحياة إلى بعض أجزاء البدن فيختص بالإحياء والمساءلة والعذاب وإن لم يكن ذلك مشاهدا لنا (١). هذا وقد دلت الأحاديث على أن السؤال عام للمؤمن والكافر والمنافق، خلافا لمن زعم أنه خاص بمن يدعي الإيمان إن محقا وإن مبطلا مستندا لقول عبيد بن عمير التابعي: " إنما يفتن رجلان مؤمن
стр. 2697
ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه" أخرجه عبد الرزاق وهو مقطوع (١).
... والأحاديث الناصة على أن الكفار يسأل مرفوعة كثيرة صحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم الحكيم الترمذي بأن الكافر يسأل (٢)، ويدل عليه الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" (٣).
... وفي حديث أنس عند البخاري: وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (الحديث) (٤). وفي حديث أبي سعيد: وإن كان كافرا أو منافقا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ (الحديث) (٥).
... وفي حديث البراء بن عازب: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا (الحديث) وفيه: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك" (الحديث) (٦).
... هذا، والسؤال يختص بمن شأنه أنه يفتن. وعليه فالصحيح أن الصبيان والأنبياء والملائكة والشهداء لا يسألون كما تقدم (٧).
стр. 2698
(١٢) عذاب القبر ونعيمه وضغطته
... تقدم أنه يجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وهو ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله
غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون" (١).
стр. 2699
خاطبوهم عند الموت بقولهم: اليوم تجزون عذاب الهون. وهذا وإن كان قبل الدفن فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة (١).
... وقال تعالى: "فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بال فرعون سوء العذاب* النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (٢).
стр. 2700
ذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره.
... وقال تعالى: "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون" (١).
... احتج ابن عباس على عذاب القبر، وذلك لأن قوله "من العذاب الأدنى" يدل على أنه يبقى بعد ما يذوقونه منه في الدنيا بقية يذوقونها بعد الموت، والعذاب الأكبر بعد الحشر. وهذا نظير قول النبي ﷺ : فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، فإن الذي يصل إليه بعض ذلك ويبقى أكثره.
... وقال تعالى: "وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم" (٢).