← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

فإن الغرض من سياق الآية تشبيه الكفرة بأهل القبور في عدم الإسماع. (جـ) وبالعقل فإن نرى شخصا يصلب ويبقى مصلوبا حتى تذهب أجزاؤه ولا نشاهد فيه إحياء ولا مساءلة، وأبلغ منه من أكلته السباع والطيور وتفرقت أجزاؤه في بطونها وحواصلها، وكذا من أحرق وتفتتت أجزاؤه وذرتها الرياح العاصفة شمالا وجنوبا وغربا، فإنا نعلم عدم إحيائه ومسائلته ضرورة (وأجاب) أهل السنة: ... (أولا) عن قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى﴾ بأن ذلك وصف لأهل الجنة، أي لا يذوق أهلها فيها الموت فلا ينقطع نعيمهم كما انقطع نعيم أهل الدنيا، فلا دلالة في الآية على انتفاء موتة أخرى بعد المساءلة وقبل دخول الجنة. ... (ثانيا) عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ﴾. ... بأن عدم إسماع من في القبور لا يستلزم عدم إدراكهم. (ثالثا) عن دليلهم العقلي أن المصلوب لا بعد في إحيائه ومساءلته مع عدم المشاهدة، كما في النائم فإنه حي ولا نشاهد حياته، وكما في رؤية النبي ﷺ جبريل ﵇ وهو بين أظهر أصحابه مع ستره عنهم ولا بعد في رد الحياة إلى بعض أجزاء البدن فيختص بالإحياء والمساءلة والعذاب وإن لم يكن ذلك مشاهدا لنا (١). هذا وقد دلت الأحاديث على أن السؤال عام للمؤمن والكافر والمنافق، خلافا لمن زعم أنه خاص بمن يدعي الإيمان إن محقا وإن مبطلا مستندا لقول عبيد بن عمير التابعي: " إنما يفتن رجلان مؤمن

стр. 2697

ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه" أخرجه عبد الرزاق وهو مقطوع (١). ... والأحاديث الناصة على أن الكفار يسأل مرفوعة كثيرة صحيحة، فهي أولى بالقبول. وجزم الحكيم الترمذي بأن الكافر يسأل (٢)، ويدل عليه الكتاب والسنة. قال الله تعالى: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" (٣). ... وفي حديث أنس عند البخاري: وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (الحديث) (٤). وفي حديث أبي سعيد: وإن كان كافرا أو منافقا يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ (الحديث) (٥). ... وفي حديث البراء بن عازب: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا (الحديث) وفيه: "فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك" (الحديث) (٦). ... هذا، والسؤال يختص بمن شأنه أنه يفتن. وعليه فالصحيح أن الصبيان والأنبياء والملائكة والشهداء لا يسألون كما تقدم (٧).

стр. 2698

(١٢) عذاب القبر ونعيمه وضغطته ... تقدم أنه يجب الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وهو ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون" (١).

стр. 2699

خاطبوهم عند الموت بقولهم: اليوم تجزون عذاب الهون. وهذا وإن كان قبل الدفن فهو من جملة العذاب الواقع قبل يوم القيامة (١). ... وقال تعالى: "فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بال فرعون سوء العذاب* النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (٢).

стр. 2700

ذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره. ... وقال تعالى: "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون" (١). ... احتج ابن عباس على عذاب القبر، وذلك لأن قوله "من العذاب الأدنى" يدل على أنه يبقى بعد ما يذوقونه منه في الدنيا بقية يذوقونها بعد الموت، والعذاب الأكبر بعد الحشر. وهذا نظير قول النبي ﷺ : فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها، فإن الذي يصل إليه بعض ذلك ويبقى أكثره. ... وقال تعالى: "وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم" (٢).

стр. 2701

والأحاديث في هذا كثيرة: (منها) حديث مسروق عن عائشة ﵂ أن يهودية دخلت عليها فاستوهبتها طيبا، فوهبت لها عائشة، فقالت: أجارك الله من عذاب القبر، قالت: فوقع في نفسي من ذلك حتى جاء النبي ﷺ فذكرت ذلك له، قلت: يا رسول الله، إن للقبر عذابا؟ قال: "نعم إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم" أخرجه أحمد والنسائي، وكذا البخاري بنحوه (١). ﴿١٨﴾ (وحديث) ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم تسمع أصواتهم" أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن (٢). ﴿١٩﴾

стр. 2702

(وحديث) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "يرسل على الكافر حيتان: واحدة من قبل رأسه والأخرى من قبل رجليه، يقرصانه قرصا، كلما فرغتا عادتا، إلى يوم القيامة" أخرجه أحمد بسند حسن (١) ﴿٢٠﴾ ... (وحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أكثر عذاب القبر من البول" أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وابن خزيمة وصححاه بسند جيد (٢). ﴿٢١﴾ (وحديث) جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرجنا مع النبي ﷺ يوما إلى سعد بن معاذ ﵁ حين توفى، فلما صلى عليه النبي ﷺ ووضع في قبره وسوى عليه سبح النبي ﷺ ، فسبحنا طويلا، ثم كبر فكبرنا، فقيل: يا رسول الله لم سبحت ثم كبرت؟ قال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عنه" أخرجه أحمد والطبراني في الكبير بسند جيد (٣). ﴿٢٢﴾ ... وفيه دليل على أن ضغطة القبر تعم الصالح والطالح، فالصالح يضمه القبر ضمة رفق وإشفاق، والطالح يضمه ضمة تختلف منها أضلاعه. ... (وحديث) عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ" أخرجه أحمد والبيهقي بسند جيد (٤). ﴿٢٣﴾ ... (وحديث) أنس أن النبي ﷺ صلي على صبي أو صبية فقال

стр. 2703

"لو كان أحد نجا من ضغطة القبر لنجا هذا الصبي" أخرجه الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات (١). ﴿٢٤﴾ ... قال أبو القاسم السعدي: لا ينجو من ضمة القبر صالح ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى القبر ثم يفسح له. والمراد بضغطه القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال الحكيم الترمذي: سبب هذا الضغط أنه ما من أحد إلا وقد ألم بذنب ما، فتدركه هذه الضغطة جزاء لما ألم ثم تدركه الرحمة. وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول (٢). (قلت) يشير إلى ما روي الحسن البصري أن النبي ﷺ قال حين دفن سعد بن معاذ: "إنه ضم في القبر ضمة حتى صار مثل الشعرة، فدعوت الله أن يرفعه عنه، وذلك بأنه كان لا يستبرئ من البول" أخرجه البيهقي (٣). ﴿٢٥﴾ ... وأما الأنبياء فليس لهم في القبور ضمة ولا سؤال لعصمتهم (وعن) أبي هريرة قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة، فجلس إلى قبر منها فقال: "ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق: يا بن آدم كيف نسيتني؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه؟ ثم قال النبي ﷺ : "القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن أيوب بن سويد، وهو ضعيف (٤). ﴿٢٦﴾

стр. 2704

والأحاديث في هذا كثيرة، وهي تدل على ثبوت عذاب القبر للكفار مطلقا ولمن شاء الله من الموحدين، وأنه لا ينجو من ضغطته إلا الأنبياء لعصمتهم، وأن نعيمه للمؤمنين الصالحين. ... (وبهذا) قال أهل السنة والجماعة، لأنه أمر دل عليه الكتاب والسنة، ولا يمتنع عقلا أن يعيد الله الحياة في الجسد كله أو بعضه ويعذبه أو ينعمه. وإذا ورد به الشرع ولم يمنعه العقل وجب قبوله واعتقاده. ولم يخالف في ثبوت عذاب القبر إلا الخوارج وأكثر المعتزلة. والمعذب عند أهل السنة الجسد كله أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه. وخالف فيه طائفة فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا فاسد، لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه أو أكلته السباع أو حيتان البحر أو نحو ذلك. فكما أن الله تعالى قادر على أن يعيده للحشر، فهو قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء وإن أكلته السباع والحيتان (١). ... (قال) ابن القيم: أما عذاب القبر فحق أعاذنا الله منه، ولا خلاف بين أهل السنة فيه لثبوته بالأخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة المتواترة تواترا معنويا. (قال) أبو عبد الله أحمد بن حنبل: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل. وقال حنبل: قلت لأبي عبد الله في عذاب القبر، فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها. كلها جاءت عن النبي ﷺ بأسانيد جياد، قال تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه". ... قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حق يعذبون في القبور، وقال: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير، وأن العبد يسأل في قبره، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، أي في القبر (٢).

стр. 2705

(وأما) محل العذاب فالروح والبدن جميعا باتفاق أهل السنة والجماعة، فإذا مات العبد تبقى روحه منعمة أو معذبة، تارة منفردة عن البدن، وتارة متصلة به، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحالة مجتمعين (١)، فإذا كان يوم القيامة أعيدت الأرواح إلى الأجساد وقاموا من قبورهم لرب العالمين وتعاد الأبدان. وهذا متفق عليه بين أهل الشرائع المسلمين واليهود والنصارى (٢). وإنما أوقع من أحال عذاب القبر في الضلال قياسهم غيب المال على شاهد الحال. (والجواب) عن شبههم أنا نعلم أن الرسل صلوات الله عليهم وسلام لم يخبروا بما يحيله العقل، غاية ما يقال إنهم يخبرون بما لا تدركه العقول بمجردها، كالغيوب من تفاصيل البرزخ واليوم الآخر والثواب والعقاب. ولا يكون خبرهم محالا في العقل أصلا، بل كل خبر يظن أن العقل يحيله، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون كذبا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى؟ ﴾ (٣). ... وهذا يندفع بأمور ملاكها أن ننعم النظر في السنة مع التلبس بثوب الافتقار والتضرع للملك الجبار حتى نفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير، فلا نحمل كلامه ما لا يحتمله ولا نخرج به عن مراده، وقد حصل بإهمال ذلك من الضلال ما لا يعلمه إلا الله، وسوء الفهم عن الله ورسوله ﷺ أصل كل بدعة وضلالة، بل أصل كل خطاء في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول ﷺ . وأما من عكس الأمر فعرض ما جاء به الرسول ﷺ على ما يعتقده مما قلد فيه من أحسن الظن به فهو في الضلال لا ينفعه جدال، فدعه وما اختاره لنفسه ووله ما تولى وسل الله العافية (٤).

стр. 2706

(فوائد): ... (الأولى) اعلم أن الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. ولكل دار أحكام تختص بها: (أ) فدار الدنيا جعل الله أحكامها على الأبدان، وجعل الأرواح تبعا لها، ولذا جعل الله الأحكام الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافها. (ب) وجعل الله أحكام البرزخ على الأرواح وجعل الأبدان تبعا لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا- فتألمت بألمها وألتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب- تبعت الأبدان الأرواح في القبور في نعيمها وعذابها. والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم. فالأبدان هنا ظاهرة والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية في قبورها. تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى الأرواح. (جـ) وجعل الله أحكام الدار الآخرة على الأرواح والأبدان معا، فأحط بهذا الوضع علما يزل عنك كل إشكال. وقد أرانا الله تعالى من ذلك نموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له. وقد يتعدى أثره إلى البدن تأثيرا مشاهدا فيرى النائم أنه عذب أو نعم فيصبح وأثر ذلك في جسمه ونحو ذلك (١). (قال) سعيد بن سلمة: بينا امرأة عند عائشة إذ قالت: بايعت النبي ﷺ على أن لا أشرك بالله شيئا ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدى ولا آتي ببهتان بين يدي ورجلي ولا أعصى فلي معروف، فوفيت لربي فو الله لا يعذبني الله تعالى، فأتاه في المنام ملك فقال: كلا إنك تتبرجين

стр. 2707

وزينتك تبدين وخيرك تكدرين وجارك تؤذين وزوجك تعصين، ثم وضع أصابعه الخمس على وجهها فقال: خمس بخمس ولو زدت زدناك. فأصبحت وأثر الأصابع في وجهها. ذكر الحارث بن أسد المحاسبي (١). (قال) ابن القيم: وأعجب من ذلك ربما رأيت النائم يقوم ويضرب ويبطش ويتكلم كأنه يقضان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك. وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح هنا تتألم وتتنعم فيصل ذلك إلى البدن بطريق الاستتباع ففي البرزخ أقوى، فإذا كان يوم الحشر صار الحكم على الأرواح والأجساد معا، ومتى أعطيت هذا الموضع حقه لاحت لك أسرار أخبار الرسول ﷺ من عذاب القبر ونعيمه. ومن أشكل عليه شيء من ذلك فمن قلة علمه وسوء فهمه. وأغرب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد: هذا روحه في نعيم، وهذا روحه في عذاب، وربما استيقظا أو أحدهما وأثر ذلك على بدنه ولا شعور لأحدهما بما فيه الآخر (٢). ... (الثانية) أعلم أن الله تعالى حجب أمر الآخرة وما كان متصلا بها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته ليتميز المؤمن بالغيب من غيره. وأول ذلك نزول الملائكة على المحتضر على الهيئات التي تقدمت في الأحاديث. وقد يسلمون عليه ويرد عليهم بلفظ أو إشارة. وربما سأل من عنده عنهم: من أين هؤلاء الرجال الحسان؟ ونحو ذلك، وكل من امتدت حياته في هذه الدار رأى من ذلك ما يغنيه عن الأخبار، ويكفي من ذلك قوله تعالى:

стр. 2708

﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ (١). ... أي أقرب إليه بملائكتنا ورسلنا وغير ذلك من قبض الروح وخروجها والشعاع الذي يخرج معها، والروح الطيب والخبيث، وهو غير مرئي لنا ولا محسوس وهو في هذه الدار، ثم تأتي الروح فتشاهد غسل الميت وتكفينه وحمله (٢). (روى) أبو سعيد الخدرى ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الصعق" أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقي (٣). ﴿٢٧﴾ وقد ثبت نحو هذا في هذه الدار وأطلع الله عليه بعض من اختار. فهذا جبريل كان ينزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلا يكلمه تارة، وتارة يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس ولا يسمعه غيره من الحاضرين. وكان يدارسه القرآن ويشاهد الصحابة من النبي ﷺ من الأحوال الاضطرارية الطبيعية ما يعلم بها مجيئه إليه قطعا من غير إخبار ولا يسمعون كلامه ولا يرون شخصه، وربما رآه بعضهم كما جاء في الصحيح (فقد) كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط وتصيح بهم ويراهم الكفار ويسمعونهم كما أخبر كثيرا منهم بذلك بعد إسلامه ولا يسمع المسلمون ولا يرون. وكل من له نظر في كتب السنة الصحيحة قطع بذلك. وهذاه الجن تتكلم بالأصوات المرتفعة بيننا ونحن لا نسمعهم والعبد أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة

стр. 2709

عذاب القبر، وربما كشف لبعض الناس عن شيء فربما ثبت وربما صعق (١)، وليس بعزيز على من أوجد هذا الإنسان من العدم وجعله حيا عالما سميعا بصيرا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، أن يجمع أجزاءه بعد أن تفرقت رمادا في هواء البر والبحر وفي حواصل الطير وبطون السباع، ويجعل للروح اتصالا بها لتحس بالعذاب والنعيم؛ فقد أرانا أعجب من ذلك بأن جعل في الجمادات شعورا وإدراكا (فقد) صح أن النبي ﷺ كان يسمع تسليم الحجر والشجر عليه (٢)، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل والحصى في أيديهم، وأما حنين الجذع فأشهر من أن يذكر (٣). (الثالثة) اتساع القبر وضيقه ونوره وظلمته أمر معلوم من الدين بالضرورة لا مرية فيه لمتشرع لما تقدم من الأحاديث الصحيحة، وفيها أنه يفسح للمؤمن في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون والكفار بعكس ذلك؛ هذا واتساع القبر للروح بالذات والبدن تبع لها فيكون البدن في لحد أضيق من

стр. 2710

ذراع وقد فسح له مد بصره تبعا لروحه (قال) ابن القيم: أخبر بعض الصادقين أنه حفر ثلاثة أقبر، فلما فرغ منها اضطجع ليستريح فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر، فقال أحدهما لصاحبه: أكتب فرسخا في فرسخ، ثم وقفا على الثاني فقال: اكتب ميلا في ميل، ثم وقفا على الثالث فقال: اكتب فترا في فتر، ثم انتبه فجئ برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول، ثم جئ برجل آخر فدفن في القبر الثاني، ثم جئ بامرأة مترفة من وجوه البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سمعه يقول: فترا في فتر (١). ... (الرابعة) أعلم أن الميت إذا وضع في لحده ودفن لا يحجب التراب الملائكة عن الوصول إليه، بل لو نقر له حجر وأودع فيه وختم عليه بالرصاص لم يمنع وصولهم إليه، فإن هذه الأجسام الكثيفة لا تمنع خرق الأرواح لها، بل الجن لا يمنعها ذلك، وقد جعل الله تعالى الحجارة والتراب للملائكة بمنزلة الهواء للطير (٢). (الخامسة) أعلم أن النار التي في القبر والخضرة ليستا من نار الدنيا ولا نباتها ولا يحس بهما أهل الدنيا. فالله تعالى يحمي على الميت ذلك التراب وتلك الحجارة التي فوقه وتحته حتى تكون اعظم حرا من نار الدنيا بما لا يعلمه إلا الله ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، وأعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، بل ربما كان في روضة من رياض الجنة. وقد أرانا الله تعالى من آثار قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك، لكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه الله وعصمه، فكيف ينكر في الحكمة إسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ما يريد الله تعالى إخفاءه حتى إذا

стр. 2711

كشف الغطاء شاهدوه عيانا، وقد يطلع الله على ذلك بعض عبيده؛ ولو أطلع الكل عليه لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب ولما تدافن الناس كما في الصحيحن (١). وعن ابن عمر ﵄ قال: "بينا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة فناداني: يا عبد الله اسقني، فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعاية العرب؟ وخرج رجل في ذلك الحفير في يده سوط فناداني: لا تسقه فإنه كافر ثم ضربه بالسوط حتى عاد إلى حفرته، فأتيت النبي ﷺ مسرعا فأخبرته، فقال لي: أو قد رأيته؟ قلت: نعم. قال: ذاك عدو الله أبو جهل بن هشام وذاك عذابه إلى يوم القيامة. أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه عبد الله بن محمد بن المغيرة وهو ضعيف (٢). ﴿٢٨﴾ ... وعن هشام بن عروة ﵄ عن أبيه قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة فإذا برجل قد خرج من قبره يلتهب نارا مصفداً

стр. 2712

في الحديد فقال: يا عبد الله انضح يا عبد الله انضح، وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد الله لا تنضح يا عبد الله لا تنضح، وغشى على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج وأصبح قد أبيض شعره، فأخبر عثمان بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحده. ذكره ابن أبي الدنيا (١). (السادسة) أعلم أن عذاب القبر ونعيمه هو عذاب البرزخ ونعيمه وهو ما بين الدنيا والآخرة وإنما أضيف إلى القبر باعتبار الغالب؛ فالمصلوب والغريق والحريق وأكيل السباع والطيور له من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه حتى لو علق العاصي على رءوس الأشجار في مهاب الرياح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه، ولو ألقى الصالح في أتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه فيجعل الله النار على هذا بردا وسلاما والهواء على ذلك نارا وسموما، فعناصر العالم ومواده منقادة لربها وفاطرها يصرفها كيف يشاء كما صرفها فيما ناشد بخلق هذه القوى فيها بعد أن لم تكن- تبارك اسمه (٢). ... (السابعة) عذاب القبر نوعان: (أ) دائم وهو عذاب الكفار وبعض العصاة لقوله تعالى في آل فرعون: " النار يعرضون عليهم غدوا وعشيا " (٣). وفي حديث سمرة عند البخاري في رؤيا النبي ﷺ : فهو يفعل به ذلك يوم القيامة (٤). وفي حديث أبي هريرة: في الذين ترضخ رءوسهم

стр. 2713

لا يفتر عنهم (١). وفي الصحيح عن أبي هريرة في قصة الذي لبس بردين وجعل يمشي يتبختر فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (٢). وفي بعض ألفاظ حديث البراء الطويل عند أحمد: ثم يخرق له خرق إلى النار فيأتيه من غمها ودخانها إلى يوم القيامة (٣). لكن ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين فإذا قاموا من قبورهم قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. ... (ب) عذاب منقطع، وهو عذاب من خفت جراثمهم من العصاة، فإن كلا يعذب بحسب جريمته، ثم يرفع عنهم بدعاء أو صدقة أو قراءة أو نحو ذلك (قال) عبد الله بن نافع: مات رجل من أهل المدينة فرآه رجل كأنه من أهل النار فاغتم لذلك، ثم إنه سابعة أو ثامنة رآه كأنه من أهل الجنة، فقال: ألم تكن قلت إنك من أهل النار؟ قال: قد كان ذلك، إلا أنه دفن معنا رجل من الصالحين فشفع في أربعين من جيرانه فكنت منهم. ذكره ابن أبي الدنيا. ... (وقال) وحدثنا أحمد بن يحيى عن بعض الأصحاب قال: مات أخي فرأيته في النوم فقلت له: ما كان حالك حين وضعت في قبرك؟ قال: أتاني آت بشهاب من نار، فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. (وقال) بشار بن غالب: رأي رابعة العدوية في منامي وكنت كثير الدعاء لها، فقالت لي: يا بشار هداياك تأتينا على أطباق من نور مغطاة بمناديل الحرير. قلت: وكيف ذاك؟ قالت: هكذا دعاء المؤمنين الأحياء للموتى إذا

стр. 2714

استجيب جعل على أطباق النور ثم غطى بمناديل الحرير، ثم أتى بها الذي دعى له من الموتى فقيل: هذه هدية فلان إليك (١). (الثامنة) الأسباب الموجبة لعذاب القبر هي الجهل بالله تعالى، وإضاعة أوامره واتركاب معاصيه المفضية إلى سخطه وعذابه، فمن أغضب الله تعالى وأسخطه في هذه الدار، ومات من غير توبة، كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه فمستقل ومستكثر (٢). وقد عين النبي ﷺ للوقوع في عذاب القبر أسبابا كثيرة من اتقى ما ذكر من هذا الإجمال، استغنى عن تفصيلها، ولما كان أكثر الناس مستخفا بأكثر النواهي كان أكثر أصحاب القبور معذبين، والفائز منهم قليل إلا إن عفا الله، وهو أهل العفو والمغفرة. (التاسعة) الأسباب المنجية من عذاب القبر كثيرة (منها) العلم بالله وخشيته وتقواه وامتثال أمره والوقوف عند نهيه وتجنب الأسباب المقتضية للعذاب، ومن أنفع ذلك أن يجلس الإنسان قبل النوم ساعة يحاسب فيها نفسه ثم يجدد لكل ذنب توبة نصوحا وينام على هذه التوبة، فإن مات كان على توبة وإلا استيقظ مستقبلا للعمل مسرورا بتأخير الأجل حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، وليس للعبد أنفع من هذه التوبة لا سيما إذا عقب ذلك بذكر الله تعالى واستعمل السنن التي وردت عن النبي ﷺ حتى يغلبه النوم (٣). هذا، وقد عين النبي ﷺ للنجاة من عذاب القبر أسبابا أخرى (منها) الشهادة في سبيل الله (روى) راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. أخرجه النسائي (٤). ﴿٢٩﴾

стр. 2715

والمعنى أن الشهيد اختبر إيمانه من نفاقه ببارقة السيف، فدل على أن إيمانه هو الذي يحمله على بروزه للقتل وبذل نفسه لله وتسليمها له، وهاج من قلبه حمية الغضب لله ورسوله إظهارا لدينه وإعزازا لكلمته فظهر أن دعواه الإيمان بلسانه برزت عن قلب صادق وضمير الله واثق، فأغنى ذلك عن الامتحان في قبره (ومنها) المواظبة على قراءة سورة تبارك في كل ليلة. (قال) ابن عباس ﵄: ضرب رجل من أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة (تبارك الذي بيده الملك) حتى ختمها، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة تبارك حتى ختمها، فقال النبي ﷺ : "هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر" أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه (١). ﴿٣٠﴾ (وعن عكرمة) عن ابن عباس ﵄ أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال: اقرأ (تبارك الذي بيده الملك) وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنها المنجية، والمجادلة تجادل يوم القيام عند ربها لقارئها، وتطلب له إلى ربها أن ينجيه من عذاب النار ومن عذاب القبر. قال النبي ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" أخرجه عبد بن حميد والحاكم والطبراني (٢). ﴿٣١﴾ .. (ومنها) جملة أعمال صالحة مبينة في حديث سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا النبي ﷺ ونحن بمسجد المدينة.

стр. 2716

فقال: إني رأيت البارحة عجبا: رأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءه وضوؤه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءته صلاته فاستنقذته من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه منهم، ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا فجاءه صيام رمضان فسقاه، ورأيت رجلا من أمتي من بين يديه ظلمة فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة، ورأيت رجلا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرده عنه، ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت: إن هذا كان واصلا لرحمه فكلمهم وكلموه وصار معهم، ورأيت رجلا من أمتي يأتي النبيين وهم حلق حلق كلما مر على حلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبي، ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار بيديه عن وجهه فجاءته صدقته فصارت ظلا على رأسه وسترا عن وجهه، ورأيت رجلا من أمتي جاءته زبانية العذاب فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى بها في الدنيا من خشية الله فأخرجته من النار، ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته إلى شماله فجاءه خوفه من الله تعالى فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءه أفراطه فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلا من أمتي على شفير جهنم فجاءه وجله من الله تعلى فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلا من أمتي يرعد كما ترعد السفعة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته، ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط مرة ويحبو مرة فجاءته صلاته على فأخذت بيده فأقامته على الصراط حتى جاز، ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله

стр. 2717

فأخذت بيده فأدخلت الجنة" أخرجه الطبراني في الكبير والديلمي وأبو موسى المديني وقال: حديث حسن جدا، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما سليمان بن أحمد الواسطي، وفي الآخر خالد بن عبد الرحمن المخزومي، وكلاهما ضعيف (١). ﴿٣٢﴾ ... وقال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام- يعني ابن تيمية- يعظم أمر هذا الحديث وقال: أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث (ومنه) تعلم رد قول ابن الجوزي: هذا الحديث لا يصح. ... (وقال) القرطبي: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمال خاصة تنجي من أحوال خاصة، وإنما هذا لمن أخلص لله في عمله وصدق الله في قوله وفعله وأحسن نيته في سره وجهره، فهو الذي تكون أعماله حجة له دافعة عنه مخلصة إياه، فلا تعارض بين هذا الحديث وبين أخبار أخر، فإن الناس مختلفو الحال في الإخلاص في الأعمال (٢). (١٣) المشي بالنعلين بين القبور يجوز- عند الحنفيين ومالك والشافعي- المشي بين القبور بالنعل والخف

стр. 2718

ونحوهما (لحديث) أنس أن النبي ﷺ قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع فرع نعالهم (الحديث) أخرجه احمد والشيخان وأبو داود والنسائي (١). ﴿٣٣﴾ (وقال) أحمد وبعض الشافعية: يكره المشي بين المقابر بالنعل مطلقا. ويسن خلعه إذا دخلها إلا لضرورة كخوف نجاسة أو شوك أو حرارة أرض (لقول) بشير بن معبد: بينما أنا أماشي النبي ﷺ مر بقبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا ثلاثا، ثم مر بقبور المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا ثلاثا، ثم حانت من النبي ﷺ نظرة فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتك، مرتين أو ثلاثا. فنظر الرجل، فلما رأى النبي ﷺ خلع نعليه. أخرجه أحمد والحاكم وصححه والأربعة إلا الترمذي، وهذا لفظ أبي داود (٢). ﴿٣٤﴾

стр. 2719

(وقال) ابن حزم: يحرم المشي بين القبور بنعلين سبتيتين، ويجوز بغيرهما عملا بالحديثين (١). ... (وأجاب) الجمهور عن حديث السبتيتين بأن النبي ﷺ إنما أمر الرجل بخلعهما لاحتمال أنه كان بهما قذر أو لاختياله بهما، لأن النعال السبتية إنما يلبسها أهل الترفه والتنعيم، فأحب النبي ﷺ أن يكون السائر في المقابر على زي التواضع. وبهذا يجمع بين الحديثين (٢). (١٤) دفن أكثر من واحد في القبر لا يدفن اثنان فأكثر في قبر، بل يفرد كل ميت في قبر حال الاختيار، لأن الأحاديث دلت على أن النبي ﷺ كان يدفن كل واحد في قبر. واستمر عمل الصحابة ومن بعدهم على هذا. فيكره جمع اثنين في قبر إلا لضرورة، ككثرة الموتى وتعسر إفراد كل ميت بقبر، أو قلة الدافنين أو ضعفهم، فيجمع بين الاثنين والأكثر في قبر بحسب الضرورة، لحديث هشام بن عامر ﵁ قال: جاءت الأنصار إلى النبي ﷺ يوم أحد فقالوا: يا رسول الله أصابنا قرح وجهد فكيف تأمرنا؟ فقال: احفروا وأوسعوا واعمقوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر، قالوا: فأيهم نقدم؟ قال: أكثرهم قرآنا. أخرجه أحمد والبيهقي والثلاثة. وقال الترمذي: حسن صحيح (٣). ﴿٣٥﴾

стр. 2720

(وروى) عبد الرحمن بن كعب أن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد. أخرجه البخاري (١). ﴿٣٦﴾ ... وفي الحديثين دليل على جواز دفن الرجلين والمرأتين في قبر للضرورة ويندب حاجز بين كل اثنين بتراب إن أمكن. وكذا يجوز دفن الرجل مع المرأة للضرورة (روى) واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل وتجعل المرأة وراءه. أخرجه عبد الرزاق بسند حسن (٤). ﴿٣٧﴾ وليس من الضرورة المبيحة لجمع أكثر من ميت في قبر ضيق محل الدفن في تلك المقبرة مع وجود غيرها مسبلة أو موقوفة، ولا دفن الرجل مع قريبه اتفاقا. فإن حصلت ضرورة لدفن أكثر من واحد في القبر يقدم فيه أفضلهم إلى القبلة؛ فلو اجتمع رجل وصبي وامرأة قدم إلى القبلة الرجل ثم الصبي ثم المرأة. ويقدم الأب على الابن وإن كان الابن أفضل لحرمة الأبوة. وتقدم الأم على البنت. ولو مات جماعة من أهله وأمكنه دفنهم واحدا واحدا فعل، فإن خشي تغير أحدهم بدأ به ثم بمن خشي تغيره، وإن لم يخش تغير أحد بدأ بأبيه ثم أمه ثم الأقرب فالأقرب، فإن كانا أخوين قدم أكبرهما، فإن استويا أو كانتا زوجتين أقرع بينهما (٢).

стр. 2721

(الفوائد): ... (الأولى) من مات في سفينة دفن في قبر إن أمكن الخروج قبل تغيره وإلا ألقى في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه- عند النعمان ومالك وأحمد لما روى أنس بن مالك أن أبا طلحة ركب البحر فمات فلم يجدوا له جزيرة إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها ولم يتغير. أخرجه البيهقي بسند صحيح (١). ﴿٣٨﴾ ... وقال: وروينا عن الحسن البصري أنه قال: يغسل ويكفن ويصلي عليه ويطرح في البحر. وفي رواية: يجعل في زمبيل ثم يقذف به في البحر. ... (وقالت) الشافعية: يجهز ثم يجعل بين لوحين ويلقى في البحر ليلقيه إلى الساحل فلعله يصادفه من يدفنه. ... (الثانية) لو ماتت امرأة حامل واضطرب في بطنها ما رأوا أنه جنين حي، شق بطنها وأخرج، صيانة لحق الحي- عند الحنفيين وأكثر الفقهاء. (قالت) الشافعية: إن رجى حياة الجنين وجب شق جوفها وإخراجه، وإلا فثلاثة أوجه: أصحها لا تشق ولا تدفن حتى يموت، وقيل: تشق ويخرج، وقيل: يثقل بطنها بشيء ليموت الجنين، وهو مردود منكر، وكيف يؤمر بقتل حي معصوم وإن كان ميئوسا من حياته من غير سبب منه يقتضي القتل؟ وإذا قلنا بشق جوفها شق في مكان يسهل على الطبيب شقه (٢). ... (وقالت) الحنبلية: لو ماتت وفي بطنها جنين ترجى حياته حرم شق بطنها بل تخرجه النساء لا الرجال، وهو معتمد مذهب مالك، لأن حياة الجنين مشكوكة فلا تهتك حرمتها لهذا المشكوك فيه. وإن لم يمكن إخراجه لا تدفن حتى يتحقق موته ولو تغيرت (وعن) مالك أنه إن رجى حياته يشق بطنها من خاصرتها اليسرى إن كان الحمل أنثى، ومن اليمين إن كان الحمل ذكرا.

стр. 2722

واتفق العلماء على أنه إن أمكن إخراجه بحيلة غير الشق وجب (١)، ولو خرج بعض الولد حيا ولم يمكن إخراجه إلا بشق شق المحل وأخرج لما ذكرنا. وإن مات على تلك الحال وأمكن إخراجه أخرج وغسل. وإن تعذر غسله ترك وغسلت الأم وما ظهر من الولد. وما بقى ففي حكم الباطن لا يحتاج إلى التيمم من أجله، لأن الجميع كان في حكم الباطن، فلما ظهر البعض تعلق به حكم الظاهر وما بقي فهو على ما كان عليه (٢). ... والظاهر مذهب الأولين. والعمدة في ترجيح حياة الجنين وعدمها قول ثقات الأطباء. وقد ثبت ذلك فليس أمرا موهوما كما قاله الحنبلية بناء على تجربة ناقصة. ... (الثالثة) لو ماتت نصرانية حامل من مسلم دفنت في قبر وحدها وظهرها إلى القبلة على جانبها الأيسر- على المختار عند أحمد- ليكون وجه الجنين إلى القبلة على جانبه الأيمن لأن وجهه إلى ظهرها وهي كافرة فلا تدفن في مقابر المسلمين وولدها محكوم بإسلامه فلا يدفن بين الكفار (روى) سليمان بن موسى عن واثلة بن الأسقع أنه دفن امرأة نصرانية في بطنها ولد مسلم في مقبرة ليست بمقبرة النصارى ولا المسلمين. أخرجه البيهقي (٣). ... (الرابعة) يستحب اتفاقا جمع الموتى الأقارب في مكان واحد بأن يقارب بين قبورهم، لأنه أيسر لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم، ولأن النبي ﷺ لما دفن عثمان بن مظعون وضع صخرة عند رأسه وقال: أتعلم بها قبره وأدفن إليه من مات من أهلي (٤).

стр. 2723

(الخامسة) إن بلع شخص مالا فمات لا يشق بطنه ولو كان المال لغيره ولم يدع ما يفي به فعلى ورثته قيمته عند الحنفيين وابن حبيب المالكي وهو مشهور مذهب أحمد. وروى عن الشافعي (الحديث) عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "كسر عظم الميت ككسره حيا" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من عدة طرق بسند صحيح إلا سعد ابن سعيد الأنصاري فقد ضعفه أحمد ووثقه الكثيرون (١). ﴿٣٩﴾ وجه الدلالة أن كسر العظم وشق الجوف في الحياة لا يجوز لاستخراج جوهرة وغيرها فكذا بعد الموت (ومشهور) مذهب مالك: أنه يشق بطنه إن ثبت- ولو بشاهد ويمين- أنه ابتلع مالا نصاب زكاة (٢). ... (والصحيح) عند الشافعي: أنه يشق بطنه إن بلع مالا ليغره وطلبه صاحبه. وهو قول لأحمد، لأن فيه رفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت بإبراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة لهم. فعلى هذا الوجه إذا بلى جسده وغلب على الظن ظهور المال وتخليصه من أعضاء الميت جاز نبشه وإخراجه. ... (ففي حديث) عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "هذا قبر أبي رغال دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس فاستخرجوا الغصن" أخرجه أبو داود (٣). ﴿٤٠﴾

стр. 2724

(وقيل) لا يشق بل تجب قيمته في تركته (أما) إذا بلع مالا لنفسه فوجهان مشهوران عند الشافعي: أحدهما يشق لأنه صار للورثة، والثاني لا يشق لأنه استهلكه في حياته فلم يتعلق به حق الورثة (ورد) بأنه لو كان مستهلكا لما شق جوفه لمال الأجنبي. وحيث قلنا بشق جوفه وإخراج المال، فلو دفن قبل الشق نبش القبر لذلك. (وقالت) الحنبلية: إن بلع الميت مالا له لا يشق بطنه لأنه استهلكه في حياته (١) (وقيل) إنه إن كان يسيرا ترك، وإن كان كثيرا شق بطنه وأخرج، لأن فيه حفظ المال من الضياع ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه. وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كماله، لأن صاحبه أذن في إتلافه، ولو كان في أذن الميت حلق أو في إصبعه خاتم نزع، فإن صعب نزعه برد وأخذ، لأن تركه تضييع للمال (٢). (١٥) نبش القبر ... يحرم نبش قبر ميت لدفن غيره لما فيه من هتك حرمة الميت. فلا يجوز دفن ميت في موضع ميت حتى يبلى الأول بحيث لا يبقى منه شيء من لحم أو عظم. فإذا بلى وصار ترابا جاز الدفن في موضعه اتفاقا. ولا يجوز أن يسوي عليه التراب ويعمر عمارة قبر جديد إن كان في مقبرة مسبلة لأنه يوهم الناس أنه قبر جديد فلا يدفنون فيه، بل يجب تركه على حاله ليدفن فيه من أراد الدفن. ويرجع في مدة البلى إلى أهل الخبرة، ولو حفر فوجد فيه عظام الميت لا يتمم حفره، ولو فرغ من حفره وظهر شيء من العظام جعل في جنب

стр. 2725

القبر ودفن الثاني معه، وكذا لو دعت الحالة إلى دفن الثاني مع العظام دفن معها (١). ... (قال) في المدخل: اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن فيه المسلم وقف عليه ما دام شيء موجودا فيه حتى يفني، فإن فني جاز حينئذ دفن غيره فيه، فإن بقى شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه. (قال) بعضهم: ولا يجوز أخذ أحجار المقابر العافية لبناء قنطرة أو دار ولا حرثها للزراعة، لكن لو حرثت جعل كراؤها في مؤن دفن الفقراء (٢). وكذا يحرم نبش قبر من دفن وأهيل عليه التراب بلا صلاة بل يصلي على القبر عند الحنفيين والشافعي وروى عن أحمد. وعنه أنه ينبش ويصلي عليه لأنه دفن قبل واجب الصلاة كما لو دفن بلا غسل. أما من لم يهل عليه التراب فيخرج ويصلي عليه لأن هذا ليس نبشا (٣). هذا، ويجوز عند مالك والشافعي وأحمد نبش القبر لغرض صحيح كتحسين الكفن، وغسل من دفن بلا غسل، وتوجيه من دفن لغير القبلة، وإخراج مال وقع في القبر أو ترك فيه إلا أن يخاف على الميت أن يتفسخ فيترك. ... (قال) جابر بن عبد الله: "أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبى بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه" أخرجه الشيخان والنسائي (٤). ﴿٤١﴾ (وقال) جابر بن عبد الله: "دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة" أخرجه البخاري والنسائي والبيهقي (٥). ﴿٤٢﴾

стр. 2726

ففيه دليل على جواز نبش القبر لأمر يتعلق بالحي، لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه. وقد بين جابر ذلك بقوله: فلم تطب نفسي. ولكن هذا إن ثبت أن النبي ﷺ أذن له بذلك أو أقره فيها وإلا فلا حجة في فعل الصحابي. ... (وقال) الحنفيون: لا ينبش القبر لما ذكر لأن النبش مثلة، وقد نهى عنها. ... (وأجاب) الأولون بأن النبش إنما يكون مثله في حق من تغير وهو لا ينبش قبره (١) وإن وقع في القبر ماله قيمة نبش وأخرج، فإذا نسى الحفار مسحاته في القبر جاز نبشه وإخراجها، فإن أعطاه أولياء الميت ثمنها لا ينبش (٢) ... وإن دفن من غير كفن ففيه وجهان: ... (أحدهما) يترك لأن المقصود من الكفن ستره، وقد حصل بالتراب. (الثاني) ينبش ويكفن لأن التكفين واجب فأشبه الغسل (٣). وكذا يجوز نبش القبر إذا دفن في أرض مغصوبة ولم يرض صاحبها ببقائه فيها عند مالك والشافعي وأحمد. ... (وقال) الحنفيون: إذا دفن في أرض مغصوبة أو أخذت بعد دفنه بشفعة، فالمالك مخير بين إخراجه ومساواة القبر بالأرض والانتفاع بها بزرع

стр. 2727

ونحوه، لأن حقه في باطنها وظاهرها، فإن شاء ترك حقه في باطنها وإن شاء استوفاه (١). وإن كفن بثوب مغصوب فقيل تلزم قيمته من تركته ولا ينبش لما فيه من هتك حرمته مع إمكان دفع الضرر بدونها. وقيل: ينبش إذا كان الكفن باقيا بحاله ليرد إلى مالكه، وإن كان باليا لزم قيمته من تركته، فإن أذن المالك في الدفن في أرضه ثم أراد إخراجه لا يملك ذلك، لأن فيه ضررا بالميت وإن بلى وعاد ترابا فلصاحب الأرض أخذها، وكل موضع أجيز نبشه لحرمة مالك الآدمي فالمستحب تركه احتراما للميت (٢). ... (وجملة) القول أنه يجوز نبش القبر- لسبب شرعي- إذا بلى الميت وصار ترابا، وحينئذ يجوز دفن غيره فيه وزرع أرضه والبناء وسائر وجوه الانتفاع، وإن كانت عارية رجع فيها المعير، وهذا كله إذا لم يبق للميت أثر من عظم أو غيره، ويختلف ذلك باختلاف البلاد والأرض. والمعتمد فيه قول أهل الخبرة بها (٣). (١٦) نقل الميت يحرم عند الحنفيين إخراج الميت ونقله من قبره بعد دفنه إلا لعذر مما تقدم، ولذا لم ينقل كثير من الصحابة وقد دفنوا بأرض الحرب إذ لا عذر. ولو مات ابن لامرأة ودفن في غير بلدها وهي غائبة ولم تصبر وأرادت نقله لا تجاب إلى ذلك (٤)، أما إذا أرادوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار. أما نقله من بلد إلى بلد فمكروه عند الحنفيين. والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلد التي مات بها (٥).

стр. 2728

(روى) ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة أنه لما توفى عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ بالحبشى حمل إلى مكة فدفن بها. فلما قدمت عائشة ﵂ أتت قبره وقالت: " والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ولو شهدت ما زرتك " أخرجه الترمذي بسند رجله ثقات، إلا أن ابن جريح مدلس وقد رواه بالعنعنة (١). ﴿٤٣﴾ ... (وعن عروة) بن رويم أن أبا عبيدة بن الجراح هلك بفحل فقال: "ادفنوني خلف النهر، ثم قال: ادفنوني حيث قبضت" أخرجه البيهقي (٢). ﴿٤٤﴾ (وقال) بعض الحنفيين: لا بأس بنقله من بلد إلى بلد قبل الدفن إذا أمن تغير رائحته (روى) أن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها. أخرجه مالك في الموطأ (٣). ﴿٤٥﴾ ... (وقال) داود بن قيس: حدثتني أمي أن سعد بن أبي وقاص مات بالعقيق على نحو من عشرة أميال، فرأيته حمل على أعناق الرجال حتى أتى به فأدخل المسجد فوضع عند بيوت النبي ﵌ بفناء الحجر، فصلى عليه الإمام وصليت عليه بصلاة الإمام. أخرجه البيهقي (٤). ﴿٤٦﴾ ... (وقالت) المالكية: يجوز نقل الميت من مكان إلى آخر قبل دفنه وبعده لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو السبع وكرجاء بركته للمكان المنقول إليه أو لزيارة أهله أو لدفنه بينهم ونحو ذلك. فالنقل حينئذ جائز ما لم تنتهك حرمة الميت بانفجاره أو نتانته أو كسر عظمه (٥).

стр. 2729

(والمعتمد) عند الشافعية: أنه يحرم نقل الميت من بلد إلى بلد إلا أن تكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فيجوز النقل إليها لفضل المكان. ويحرم نقله من القبر إلا لغرض صحيح كما تقدم. ولو أوصى بنقله إلى غير الحرمين وبيت المقدس لم تنفذ وصيته لأن الشرع أمر بتعجيل دفنه، وفي نقله تأخيره وانتهاكه من وجوه وتعرضه للتغير وغيره. (قال) جابر بن عبد الله: "كنا حملنا القتلى يوم أحد لندفنهم فجاء منادى النبي ﷺ ، فقال: إن النبي ﷺ يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم فرددناهم" أخرجه أحمد والأربعة والبيهقي بأسانيد صحيحة. وقال الترمذي: حسن صحيح (١). ﴿٤٧﴾ ... وإذا لحق القبر سيل أو نداوة يجوز نقله على الأصح عندهم (لما) في حديث جابر بن عبد الله قال: "دفن مع أبي يوم أحد آخر في قبر ثم لم تطب نفسي أن أتركه من الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هنية في أذنه" أخرجه البخاري والبيهقي (٢). ﴿٤٨﴾ ... (وقالت) الحنبلية: لا يجوز نقل الشهداء لما تقدم عن جابر. ويجوز نقل غيرهم ولو بعد الدفن إلى بقعة خير من بقعته ولحاجة كإفراده عمن دفن معه (لقول) جابر: "دفن مع أبي رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة، فأخرجته بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئا إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض" أخرجه أبو داود والبيهقي (٣). ﴿٤٩﴾

стр. 2730

(وقال) أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا. وقال الزهري: قد حمل سعد بن أبي وقاص ﵁ من العقيق إلى المدينة، وحمل أسامة بن زيد من الجرف. أخرجه البيهقي (١). وهذان موضعان قريبان لا يتغير الميت بالنقل إلى مثلهما. أما إذا كان المكان بعيدا يخشى من النقل إليه تغير الميت فلا يجوز نقله اتفاقا، لأن تعريض الميت للتغيير حرام. (١٧) إعداد القبر ... لا بأس أن يعد الإنسان لنفسه قبرا في أرض مملوكة له أو في مقبرة غير مسبلة ويوصى بدفنه فيه (قال) أحمد: لا بأس أن يشتري الرجل موضع قبره ويوصى أن يدفن فيه. وعن عثمان وعائشة وعمر بن عبد العزيز ﵃ أنهم فعلوا ذلك. ويحرم حفره في مقبرة مسبلة قبل وقت الدفن واتخاذ قبر فيها ليدفن فيه (٢). (وقالت) المالكية: يحرم البناء في مقبرة موقوفة وإعداد القبر حال الحياة. وترب مصر كالملك فيجوز إعداد القبر فيها (٣). (١٨) وضع الجريد على القبر قيل: لا بأس بما اعتيد من وضع الريحاني والجريد على القبور، لظاهر (حديث) ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين يعذبان، فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة

стр. 2731

فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبر واحدة. فقالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" أخرجه السبعة وقال الترمذي: حسن صحيح، غير أنه لم يذكر وضع الجريد (١). ﴿٥٠﴾ (وقال) مورق العجلي: " أوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان " أخرجه ابن سعد موصولا، والبخاري معلقا (٢) أمر بريدة أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداء بالنبي ﷺ في وضعه الجريدتين على القبرين (٥). (وقال) الجمهور: ليس في الحديث ما يدل على استحباب وضع الجريد على القبر لأنه واقعة حال لا تفيد العموم. (قال) الخطابى: وأما غرسه ﷺ شق الجريد على القبر، وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" فإنه من ناحية التبرك بأثر التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لتخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس. والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه (٣).

стр. 2732

ويؤيده أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور، ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة. ... (وفي حديث) العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والترمذي وقال: حسن صحيح (١). ﴿٥١﴾ (قال) الحافظ ابن حجر: وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصا بذينك الرجلين. ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذا عقبه بقوله: ورأى ابن عمر ﵄ فسطاطا على قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر فقال: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله (٢). ... (هذا) ووصية بريدة ليست حجة على غيره. فما قاله الخطابي ومن نحا نحوه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس يعتقد في وضع هذا الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم. نسأل الله السلامة والهداية.

стр. 2733

(الشهيد) أفرد يبحث لاختصاصه بفضيلة وأحكام. والكلام فيه ينحصر في سبعة فروع: (أ) تعريفه: هو لغة فعيل بمعنى فاعل لأنه شاهد، أي حي حياة خاصة في قبره ولأنه يشهد رحمة الله تعالى، أو بمعنى مفعول أنه مشهود له بالجنة ولأن الملائكة تشهد موته إكراما له. واختلف العلماء فيه عرفا. (فقال) الحنفيون: الشهيد شرعا هو مسلم مكلف طاهر قتله أهل الحرب مباشرة أو تسببا، أو قتله البغاة أو قطاع الطريق ولو بغير آلة جارحة، أو وجد ميتا في المعركة وبه أثر جراحة- كخروج الدم من موضع لم يعتد خروجه منه كالعين والأذن، لا من الأنف أو الدبر- ولم يرتفق بشيء من مرافق الحياة بعد الجرح- كأكل وشرب ونوم وعلاج- ونقله حيا من المعركة لغير خوف عليه من وطء الأقدام- أو قتل ظلما ولم يجب بقتله دية (١). (وقالت) المالكية والشافعية: الشهيد مسلم مات حال قتال الكفار سواء أقتله كافر أم أصابه سلاح مسلم خطأ أم عاد إليه سلاح نفسه أو سقط عن فرسه أم ضربته دابة فمات أم أصابه سهم لا يعرف هل رماه مسلم أو كافر أم وجد قتيلا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء أكان عليه أثر دم أم لا، وسواء مات في الحال أم تأخر ثم مات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب، وسواء أكل أم شرب أم وصى أم لم يفعل شيئا من ذلك، لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والصبي والصالح والفاسق. فإذا انقضت الحرب ولا ترجى حياته فهو شهيد، وإن كانت ترجى حياته فليس بشهيد.

стр. 2734

(وبنحوه) قالت الحنبلية، غير أنهم قالوا: إن مات في دار الحرب حتف أنفه أو عاد إليه سيفه فقتله، أو وجد ميتا ولا أثر به، أو حمل بعد جرحه فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطش أو طال بقاؤه عرفا غسل وسلى عليه وجوبا. ومن قتل مظلوما إن قتله الكفار صبرا في الحرب ألحق بشهيد المعركة فلا يغسل ولا يصلي عليه. (ب) تجهيز الشهيد: الشهيد لا يغسل، ويكفن في ثيابه الصالحة للكفن اتفاقا. ولا يصلي عليه عند مالك والشافعي والجمهور، وهو الأصح عن أحمد (لحديث) جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم" أخرجه أحمد (١). ﴿٥٢﴾ وعن جابر أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم" أخرجه البخاري والأربعة وإلا أبا داود وصححه الترمذي (٢). ﴿٥٣﴾ ... وقال: قد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يصلي على الشهيد، وهو قول أهل المدينة وبه يقول الشافعي وأحمد. وقال

стр. 2735

بعضهم: يصلي على الشهيد، واحتجوا بحديث النبي ﷺ أنه صلى على حمزة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق. والأصح عند الشافعية أن الخلاف في منع الصلاة على الشهيد. وقيل الخلاف عندهم في الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة (قال) أحمد: الصلاة على الشهيد أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ (١). ... (وحكمة) عدم غسل الشهيد بقاء الدم ورائحته لأنه أثر طاعة يبعث عليها. والصلاة تابعة للغسل (قال) الشافعي في الأم: لعل ترك الغسل والصلاة لأن يلقوا الله بكلومهم لما جاء أن ريح دمهم ريح المسك. واستغنوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم مع التخفيف على من بقى من المسلمين لما يكون فيمن قاتل من جراحات وخوف عودة العدو رجاء طلبهم وهمهم بأهلهم وهم أهلهم بهم (٢). (وقال) الحنفيون: يصلي على الشهيد بلا غسل، وروى عن أحمد (لقول) عطاء بن أبي رباح "إن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد" أخرجه أبو داود مرسلا وأخرجه الواقدي في المغازي عن عطاء عن ابن عباس (٣). ﴿٥٤﴾ ... (وعن) أبي حماد الحنفي عن ابن عقيل عن جابر قال: جئ بحمزة فصلى عليه النبي ﷺ ثم جئ بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فصلى عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم (الحديث) أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٤). ﴿٥٥﴾ ... (وروى) عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ خرج
следующие страницы →