← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

فشقها بنصفين ثم غرز في كل قبر واحدة. فقالوا: يا رسول الله لم صنعت هذا؟ فقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" أخرجه السبعة وقال الترمذي: حسن صحيح، غير أنه لم يذكر وضع الجريد (١). ﴿٥٠﴾ (وقال) مورق العجلي: " أوصى بريدة الأسلمي أن يجعل في قبره جريدتان " أخرجه ابن سعد موصولا، والبخاري معلقا (٢) أمر بريدة أن يغرزا في ظاهر القبر اقتداء بالنبي ﷺ في وضعه الجريدتين على القبرين (٥). (وقال) الجمهور: ليس في الحديث ما يدل على استحباب وضع الجريد على القبر لأنه واقعة حال لا تفيد العموم. (قال) الخطابى: وأما غرسه ﷺ شق الجريد على القبر، وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" فإنه من ناحية التبرك بأثر التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لتخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس. والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه (٣).

стр. 2732

ويؤيده أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة ولا سيما الخلفاء الراشدين أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور، ولو كان ذلك سنة ما تركه أولئك الأئمة. ... (وفي حديث) العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والترمذي وقال: حسن صحيح (١). ﴿٥١﴾ (قال) الحافظ ابن حجر: وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصا بذينك الرجلين. ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذا عقبه بقوله: ورأى ابن عمر ﵄ فسطاطا على قبر عبد الرحمن ابن أبي بكر فقال: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله (٢). ... (هذا) ووصية بريدة ليست حجة على غيره. فما قاله الخطابي ومن نحا نحوه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس يعتقد في وضع هذا الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم. نسأل الله السلامة والهداية.

стр. 2733

(الشهيد) أفرد يبحث لاختصاصه بفضيلة وأحكام. والكلام فيه ينحصر في سبعة فروع: (أ) تعريفه: هو لغة فعيل بمعنى فاعل لأنه شاهد، أي حي حياة خاصة في قبره ولأنه يشهد رحمة الله تعالى، أو بمعنى مفعول أنه مشهود له بالجنة ولأن الملائكة تشهد موته إكراما له. واختلف العلماء فيه عرفا. (فقال) الحنفيون: الشهيد شرعا هو مسلم مكلف طاهر قتله أهل الحرب مباشرة أو تسببا، أو قتله البغاة أو قطاع الطريق ولو بغير آلة جارحة، أو وجد ميتا في المعركة وبه أثر جراحة- كخروج الدم من موضع لم يعتد خروجه منه كالعين والأذن، لا من الأنف أو الدبر- ولم يرتفق بشيء من مرافق الحياة بعد الجرح- كأكل وشرب ونوم وعلاج- ونقله حيا من المعركة لغير خوف عليه من وطء الأقدام- أو قتل ظلما ولم يجب بقتله دية (١). (وقالت) المالكية والشافعية: الشهيد مسلم مات حال قتال الكفار سواء أقتله كافر أم أصابه سلاح مسلم خطأ أم عاد إليه سلاح نفسه أو سقط عن فرسه أم ضربته دابة فمات أم أصابه سهم لا يعرف هل رماه مسلم أو كافر أم وجد قتيلا عند انكشاف الحرب ولم يعلم سبب موته، سواء أكان عليه أثر دم أم لا، وسواء مات في الحال أم تأخر ثم مات بذلك السبب قبل انقضاء الحرب، وسواء أكل أم شرب أم وصى أم لم يفعل شيئا من ذلك، لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة والصبي والصالح والفاسق. فإذا انقضت الحرب ولا ترجى حياته فهو شهيد، وإن كانت ترجى حياته فليس بشهيد.

стр. 2734

(وبنحوه) قالت الحنبلية، غير أنهم قالوا: إن مات في دار الحرب حتف أنفه أو عاد إليه سيفه فقتله، أو وجد ميتا ولا أثر به، أو حمل بعد جرحه فأكل أو شرب أو نام أو بال أو تكلم أو عطش أو طال بقاؤه عرفا غسل وسلى عليه وجوبا. ومن قتل مظلوما إن قتله الكفار صبرا في الحرب ألحق بشهيد المعركة فلا يغسل ولا يصلي عليه. (ب) تجهيز الشهيد: الشهيد لا يغسل، ويكفن في ثيابه الصالحة للكفن اتفاقا. ولا يصلي عليه عند مالك والشافعي والجمهور، وهو الأصح عن أحمد (لحديث) جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة، ولم يصل عليهم" أخرجه أحمد (١). ﴿٥٢﴾ وعن جابر أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: "أيهما أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا ولم يصل عليهم" أخرجه البخاري والأربعة وإلا أبا داود وصححه الترمذي (٢). ﴿٥٣﴾ ... وقال: قد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يصلي على الشهيد، وهو قول أهل المدينة وبه يقول الشافعي وأحمد. وقال

стр. 2735

بعضهم: يصلي على الشهيد، واحتجوا بحديث النبي ﷺ أنه صلى على حمزة، وهو قول الثوري وأهل الكوفة وبه يقول إسحاق. والأصح عند الشافعية أن الخلاف في منع الصلاة على الشهيد. وقيل الخلاف عندهم في الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة (قال) أحمد: الصلاة على الشهيد أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأ (١). ... (وحكمة) عدم غسل الشهيد بقاء الدم ورائحته لأنه أثر طاعة يبعث عليها. والصلاة تابعة للغسل (قال) الشافعي في الأم: لعل ترك الغسل والصلاة لأن يلقوا الله بكلومهم لما جاء أن ريح دمهم ريح المسك. واستغنوا بإكرام الله لهم عن الصلاة عليهم مع التخفيف على من بقى من المسلمين لما يكون فيمن قاتل من جراحات وخوف عودة العدو رجاء طلبهم وهمهم بأهلهم وهم أهلهم بهم (٢). (وقال) الحنفيون: يصلي على الشهيد بلا غسل، وروى عن أحمد (لقول) عطاء بن أبي رباح "إن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد" أخرجه أبو داود مرسلا وأخرجه الواقدي في المغازي عن عطاء عن ابن عباس (٣). ﴿٥٤﴾ ... (وعن) أبي حماد الحنفي عن ابن عقيل عن جابر قال: جئ بحمزة فصلى عليه النبي ﷺ ثم جئ بالشهداء فيوضعون إلى جانب حمزة فصلى عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم (الحديث) أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٤). ﴿٥٥﴾ ... (وروى) عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ خرج

стр. 2736

يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: " إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم " (الحديث) أخرجه الشيخان (١). ﴿٥٦﴾ ... (وأجاب) الأولون: (أولا) عن أحاديث الصلاة على الشهيد بأن المراد بالصلاة فيها الدعاء (ويرده) قوله في حديث عقبة: صلاته على الميت. (وثانيا) بأن هذا خاص بشهداء أحد، فإن النبي ﷺ صلى عليهم بعد ثمان سنين (ورد) بأن هذا لا يدل على الخصوصية لأن الحنفيين يقولون بمشروعية الصلاة على قبر من دفن بلا صلاة ما لم يظن تفسخه ومعلوم أن الشهداء لا يبلون، فالصلاة عليهم يقول بها الحنفيون. ... فالراجح القول بوجوب الصلاة على الشهيد، لأن أحاديث الصلاة قد شد من عضدها كونها مثبتة والإثبات مقدم على النفي. ومن مرجحات الإثبات هنا أنه لم يرو النفي إلا أنس وجابر (٢)، وهما قد رويا أن النبي ﷺ صلى على حمزة (٣)، فقد وافقا غيرهما في مشروعية الصلاة على الشهيد في تلك الواقعة. ويبعد كل البعد أن يخص النبي ﷺ بصلاته حمزة لمزية القرابة ويدع بقية الشهداء.

стр. 2737

(جـ) الشهيد غير المكلف: إن كان الشهيد صبيا أو مجنونا لا يغسل كغيره عند مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، لعموم حديث عبد الله بن ثعلبه أن النبي ﷺ قال لقتلى أحد: "زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى: لونه لون الدم وريحه ريح المسك" أخرجه النسائي (١). ﴿٥٧﴾ لم يفصل بين المكلف وغيره (وقال) النعمان: لا يثبت حكم الشهادة لغير المكلف لأنه ليس من أهل القتال فيغسل ويصلي عليه. (ورد) بأن النساء يعتبرن من الشهداء ولسن من أهل القتال. (د) الشهيد غير الطاهر: يعني الجنب والحائض ومن أصابته نجاسة- دلت الأحاديث السابقة على أن الشهيد لا يغسل ولو مات جنبا. وبه قالت المالكية وبعض الشافعية وأبو يوسف ومحمد (وقال) النعمان والحنبلية وبعض الشافعية: إذا مات الشهيد جنبا يغسل لأنه غسل وجب بغير الموت فلا يسقط بالموت كغسل النجاسة. (ولحديث) ابن الزبير ﵄ أن حنظلة بن أبي عامر قتل- يعني في غزوة أحد- فقال النبي ﷺ : "إن صاحبكم حنظلة تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة، فقال النبي ﷺ : لذلك غسلته الملائكة" أخرجه البيهقي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وسنده جيد (٢). ﴿٥٨﴾

стр. 2738

(وقال) ابن عباس ﵄: أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة ابن الراهب وهما جنب، فقال النبي ﷺ : "رأيت الملائكة تغسلهما" أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن (١). ﴿٥٩﴾ (قال) الحافظ: وهو غريب في ذكر حمزة (وأجاب) الأولون بأن غسله للجناية لو كان واجبا ما سقط بغسل الملائكة، ولأمر النبي ﷺ بغسله، ولهذا احتج القاضي حسين والبغوي بهذا الحديث لترك الغسل. هذا، والمرأة إذا طهرت من حيض أو نفاس ثم قتلت فهي كالجنب، ولو قتلت في حيضها أو نفاسها لم يجب الغسل لأن الطهر من الحيض شرط في الغسل فلا يثبت الحكم بدونه. وإذا أسلم الرجل ثم استشهد فلا غسل عليه لأنه روى أن أصيرم بن عبد الأشهل أسلم يوم أحد ثم قتل فلم يؤمن بغسله (٢). (فائدة) لو أصابت الشهيد نجاسة لا بسبب الشهادة، لزم غسلها عند الجمهور وهو الأصح عند الشافعي لأنها ليست من آثار الشهادة (وقال) بعض الشافعية: إن أدى غسلها إلى إزالة دم الشهادة لم تغسل وإلا غسلت. (هـ) كفن الشهيد: يكفن في ثيابه الصالحة للكفن ويكمل إن نقص ما عليه عن كفن السنة، وينقص ما زاد عن الثلاث اتفاقا (لحديث) عبد الله بن ثعلبه أن النبي ﷺ قال يوم أحد: "زملوهم في ثيابهم" أخرجه أحمد وكذا النسائي بلفظ: زملوهم بدمائهم. ورجاله رجال الصحيح (٣). ﴿٦٠﴾

стр. 2739

وينزع عن الشهيد ما لا يصلح للكفن كالفرو والقلنسوة والخف والنعل والسلاح والدرع والجلد والنقاب عند الحنفيين والشافعي وأحمد (لقول) ابن عباس ﵄: "أمر النبي ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم" أخرجه أبو داود وابن ماجه، وفي سنده على بن عاصم- تكلم فيه غير واحد- عن عطاء بن السائب وفيه مقال. وقد حدث به بعد الاختلاط (١). ﴿٦١﴾ (وقال) مالك: لا ينزع عنه شيء مما ذكر، لعموم قول النبي ﷺ : "ادفنوهم بدمائهم وثيابهم". (ورد) بأن الخف والخاتم والمنطقة ونحوها لا يعد من الثياب. هذا، ويجب عند الحنفيين ومالك دفن الشهيد بثيابه، لظاهر الأمر بدفنه بما قتل فيه (وقال) الشافعي وأحمد: يستحب دفنه بثيابه ويجوز تكفينه بغيرها لما تقدم أن صفية أخرجت ثوبين ليكفن فيهما حمزة ﵁، فكفن في أحدهما وكفن في الآخر رجل من الأنصار (٢) (وأجاب) الأولون بأنه لم يكن على حمزة والأنصاري ما يصلح للكفن فكفن كل بثوب. (و) من لا يعتبر شهيدا: هو من لا يشمله تعريف الشهيد، وهو خمسة أنواع: (١) من مات في معترك الكفار فجأة أو بمرض فلا يعد شهيدا فيغسل ويكفن في غير ثيابه ويصلي عليه عند الثلاثة، وهو الصحيح عند الشافعي، لأنه لم يقتله المشركون ولا قتل بسببهم. (٢) من قتله مسلم عمدا ولو باغيا أو قاطع طريق أو لصا فلا يعد شهيدا عند الثلاثة (وقال) الحنفيون: إنه شهيد لأنه قتل ظلما ولم تجب فيه دية فيصلي عليه بلا غسل.

стр. 2740

(٣) من وجد ميتا بعد الحرب وليس به أثر جراحة فلا يعد شهيدا عند الحنفيين وأحمد لعدم ما يدل على قتله، خلافا لمالك والشافعي. (٤) من رفسته دابة في حرب المشركين أو عاد إليه سلاحه أو تردى عن جبل أو في قبر في حال المطاردة، فلا يعد شهيدا، فيغسل ويصلى عليه عند الحنفيين ومالك وأحمد، لأنه لم يقتله المشركون (وقال) الشافعي: يعد شهيدا فلا يغسل ولا يصلى عليه لأنه مسلم قتل في معركة المشركين بسبب قتالهم (١). (٥) من مات بغير حرب الكفار- كالمبطون والمطعون والغريق والغريب والميتة في الطلق ومن قتله مسلم أو غيره في غير حال القتال ونحوهم- فهؤلاء ليسوا بشهداء فيغسلون ويصلى عليهم اتفاقا. ولفظ الشهادة الوارد فيهم- كما سيأتي - المراد به أنهم شهداء الآخرة لا المعركة. (ز) أقسام الشهداء: أقسامه ثلاثة: ... (١) شهيد الدنيا والآخرة: وهو من مات في المعركة في حرب الكفار أو البغاة على ما تقدم بيانه ولم يراء ولم يخن في الغنيمة ولم يقتل مدبرا عن القتال، وهم أحياء في البرزخ حياة خاصة. قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل أن الله لا يضيع أجر المؤمنين" (٢).

стр. 2741

وقد ورد في فضلهم أحاديث (منها) حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الشهداء على بارق- نهر بباب الجنة- في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا" أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط بسند رجاله ثقات، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (١). ﴿٦٢﴾

стр. 2742

(٢) شهيد الدنيا فقط: وهو المقتول في حرب الكفار وقد خان في الغنيمة أو قاتل رياء أو قتل مدبرا فله حكم الشهادة في الدنيا فلا يغسل ويصلى عليه عند الحنفيين، ولا يصلي عليه عند غيرهم على ما تقدم، ولا ثواب له على الشهادة في الآخرة. (٣) شهيد الآخرة فقط: بمعنى أن له ثوابا خاصا، وهو من مات في الطاعون والغريق والمبطون وغيرهم ممن ذكروا في أحاديث (منها) حديث جابر ابن عتيك أن النبي ﷺ قال: " الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجميع شهيدة" أخرجه مالك وأحمد وأربعة إلا الترمذي بسند صحيح (١). ﴿٦٣﴾ (وحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل. قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد" أخرجه مسلم (٢). ﴿٦٤﴾

стр. 2743

(وحديث) سعيد بن زيد أن النبي ﷺ قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد. ومن قتل دون دمه فهو شهيد. ومن قتل دون دينه فهو شهيد. ومن قتل دون أهله فهو شهيد" أخرجه أحمد والأربعة وابن حبان وصححه الترمذي. وأخرج البخاري صدره من حديث ابن عمرو (١). ﴿٦٥﴾ ... ذكر في هذه الأحاديث ثلاثة عشر شهيدا. وقد أجتمع للحافظ ابن حجر من الطرق الجيدة أكثر من عشرين ليسوا في المرتبة سواء (٢). ... هذا، و يتصل بما يتعلق بالميت أربعة أصول: (أ) التعزية ... هي من العزاء- بالفتح والمد- لغة: الصبر الحسن، وشرعا: تسلية المصاب وحثه على الصبر والرضا بالقدر، فإنه لابد للإنسان من أمر يمتثله ونهي يجتنبه وقدر يصبر عليه. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ... "إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المسحنين" (٣). ... (١) حكم التعزية وفضلها: ... هي مستحبة. وقد ورد في فصلها والحث عليها أحاديث (منها) حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة" أخرجه ابن ماجه والبيهقي. وفيه قيس أبو عمارة،

стр. 2744

ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه الذهبي. وقال البخاري: فيه نظر. وباقي رجاله ثقات (١). ﴿٦٦﴾ (وعن) الأسود عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من عزى مصابا فله مثل أجره" أخرجه ابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن عاصم. وروى بعضهم عن محمد بن سوقة بهذا الإسناد مثله موقوفا (٢). ﴿٦٧﴾ ... (وروى) معاوية بن قرة عن أبيه قال: "كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه، ففقده النبي ﷺ فقال: "مالي لا أرى فلانا؟ " قالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه، فأخبره أنه هلك فعزاه عليه، ثم قال: "يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ " قال: يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي لهو أحب إلي. قال: "فذاك لك" أخرجه النسائي والبيهقي (٣). ﴿٦٨﴾

стр. 2745

وتقدم في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: " ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم وعزيتهم" (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (١). ﴿٦٩﴾ ... فيه دليل على جواز خروج المرأة محتشمة متسترة لتعزي جيرانها (ولهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور: يستحب تعزية جميع أقارب الميت- بعد الدفن وقبله- إلا شابه يفتتن بها، لا نعلم في هذا خلافا إلا أن الثوري قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن لأنه خاتمة أمره. ... (ورد): (أ) بعموم أحاديث التعزية. ... (ب) أن المقصود بها تسلية أهل المصيبة وقضاء حقوقهم، والحاجة إليها بعد الدفن كالحاجة إليها قبله. ... (ويستحب) تعزية جميع أهل المصيبة الكبار والصغار والرجال والنساء إلا أن تكون المرأة شابة فلا يعزيها إلا محارمها. وتعزية الصلحاء والضعفاء عن احتمال المصيبة والصبيان أكد (٢). ... (٢) حكمتها: ... شرعت التعزية لما فيها من التعاطف والتحاب والتعاون على البر والتقوى والحمل على الصبر والرضا بالقدر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحث على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر. والمشروع منها مرة واحدة لقول النبي ﷺ : "التعزية مرة واحدة" (٣). ... (٣) وقتها: يدخل وقت التعزية من الموت إلى ثلاثة أيام بعد الدفن عند الحنفيين ومالك وأحمد وجمهور الشافعية، وأولها أفضل. وهي بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون قبل الدفن بتجهيزه ولأن وحشتهم بعد الدفن

стр. 2746

لفراقه أكثر. وهذا إذا لم ير منهم جزع شديد وإلا قدمت لتسكينهم وتسليتهم وتكره تنزيها بعد الثلاثة لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة فلا يجدد له الحزن إلا أن يكون المعزى أو المعزى غائبا فلا بأس بالتعزية بعد الثلاث. والحاضر الذي لم يعلم الموت كالغائب. والظاهر امتدادها بعد القدوم والعلم ثلاثة أيام (وقال) بعض الشافعية: لا حد لوقتها. وقيل: إنه يعزي قبل الدفن وبعده في رجوعه إلى منزله، ولا يعزي بعد وصوله المنزل (١). ... (٤) لفظ التعزية: تحصل التعزية بأي لفظ يتسلى به المصاب ويحمله على الصبر، والأفضل كونها بالوارد (ومنه) ما في حديث معاذ بن جبل أنه مات ابن له فكتب إليه النبي ﷺ يعزيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل. سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو (أما بعد) فأعظم الله لك الأجر وألهمك الصبر ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة متع بها إلى أجل معدود ويقبضها لوقت معلوم، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى والصبر إذا أبتلى، وكان ابنك من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر كثير: الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبته، فأصبر ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، وأعلم أن الجزع لا يرد ميتا ولا يدفع حزنا وما هو نازل فكأن قد والسلام" أخرجه الحاكم وقال: غريب حسن وابن مردويه والطبراني في الكبير والأوسط وفيه مجاشع بن عمرو ضعيف (٢). ﴿٧٠﴾

стр. 2747

(وقول) أسامة بن زيد: أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعض بناته أن صبيا لها- ابنا أو بنتا- قد أحتضر فاشهدنا، فأرسل إليها يقرأ السلام ويقول: "إن لله ما أخذ وما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب" أخرجه السبعة إلا الترمذي (١). ﴿٧١﴾ ... (وعن) جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ قال: لما توفى النبي ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: "إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب" أخرجه البيهقي وقال: وقد روى معناه من وجه آخر عن جابر، ومن وجه عن أنس، وفي أسانيده ضعيف (٢). ﴿٧٢﴾ (وقد) بلغ الشافعي أن عبد الرحمن بن مهدي ماتا له ابن، فجزع عليه عبد الرحمن جزعا شديدا، فبعث إليه الشافعي ﵀: يا أخي عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك. واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر. فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب

стр. 2748

وزر؟ فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك، ألهمك الله عند المصائب صبرا وأحرز لنا ولك بالصبر أجرا. وكتب إليه: إني معزيك لا أني على ثقة ... من الخلود ولكن سنة الدين فما المعز بباق بعد ميته ... ولا المعزى ولو عاشا إلى حين ... أخرجه البيهقي (١). ... وكتب رجل إلى آخر يعزيه بابنه: (أما بعد) فإن الولد على والده ما عاش حزن وفتنة. فإذا قدمه فصلاة ورحمة، فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته (٢). (وقال) أبو الحسن المدائني: دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في مرضه، فقال: يا بني كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق. قال: يا بني لأن تكون في ميزاني أحب إلى من أن أكون في ميزانك. فقال: يا أبت لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب (٣).

стр. 2749

(٥) جواب التعزية: ... قال أحمد بن الحسين: سمعت أحمد بن حنبل وهو يعزي في عبثر ابن عمه وهو يقول: استجاب الله دعاك ورحمنا وإياك (١). ويقال في جواب التعزية: آجرك الله. ... (٦) تعزية الذمي: ... يندب تعزيته كعيادته عند الحنفيين والشافعي والجمهور، ويستحب أن يدعو للميت المسلم. فإذا عزى مسلما بمسلم قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك وغفر لميتك. وإن عزى مسلما بكافر قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك. وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف الله عليك (٢). (وتوقف) أحمد ﵀ عن تعزية أهل الذمة وهي تخرج على عيادتهم. وفيها روايتها: (أ) لا نعودهم فكذا لا نعزيهم (لحديث) أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسم" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي (٣). ﴿٧٣﴾ (ب) نعودهم (لحديث) أنس: أن غلاما من اليهود مرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم. فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم. فقام النبي ﷺ وهو يقوم: "الحمد لله الذي أنقده بي من النار" أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي (٤). ﴿٧٤﴾

стр. 2750

فعلى هذا نعزيهم فنقول في تعزيتهم بمسلم: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وعن كافر: أخلف الله عليك. وقيل: يقول: أعطاك الله مصيبتك أفضل ما أعطى أحدا من أهل دينك (١). (٧) الجلوس للتعزية: يكره- عند الشافعي وأحمد وجماعة من الحنفيين- لولى الميت الجلوس في مكان خاص يعزى فيه لأنه محدث وبدعة. (قال) كثير من متأخري الحنفيين: يكره الاجتماع عند صاحب البيت، ويكره له الجلوس في بيته حتى يأتي إليه من يعزى، بل إذا فرغ ورجع الناس من الدفن فليتفرقوا ويشتغل كل بأمره (٢) لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء. (وقال) الشافعي في الأم: أكره المأتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر (٣) (وقال) متقدمو الحنفيين: لا بأس بالجلوس في غير المسجد ثلاثة أيام للتعزية بلا ارتكاب محظور من فرش البسط وتناول الدخان والقهوة وغيرها كعمل الأطعمة لأنها تتخذ عند السرور. (ونقل) الخطاب المالكي عن سند أنه يجوز الجلوس لها بلا مدة معينة. ومحل الخلاف في إباحة الجلوس وعدمها، إذا خلا المجلس من المنكرات وإلا امتنع اتفاقا، كما يقع من غالب أهل الزمان فإن مجالسهم للتعزية يرتكبون فيها مخالفات (منها) إتيانهم بأشخاص يقرءون القرآن بقصد إسماع الحاضرين في نظير أجر يأخذونه على قراءتهم. وغالب هذه المجالس في الأمصار تكون في الشوارع والطرقات، ويكثر إذ ذاك شرب الدخان واللغط ويحيى بعضهم بعضا بتحيات غير إسلامية نحو: نهارك سعيد، أو ليلتك سعيدة، أو البقية في حياتكم، أو لا يمشي أحد لكم في سوء، ونحو ذلك مما يشوش على القارئ.

стр. 2751

وينضم إلى ذلك اشتغالهم بشرب نحو القهوة والشاي. ومن المعلوم أن هذه الأمور كلها منكرات مخالفة لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، مضادة للشريعة المطهرة، ولا سيما قراءة القرآن في الأماكن القذرة والطرق وحال شرب الدخان الذي تنفر منه الملائكة وكل من له طبع سليم من الآدميين. كيف يرتكب العاقل شيئا مما ذكر. وقد ورد في الفرقان والتوراة أنه يلزم المستمع كلام الله تعالى أن يكون في غاية الأدب والخشوع متدبرا ما يتلى عليه ليعمه الله بالرحمة والإحسان. قال تعالى: "وإذا قرئ القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" (١). وقال تعالى: "أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالها" (٢). (وقال) في التوراة: يا عبدي أما تستحي مني إذا يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرأه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك منه شيء. وهذا كتابي أنزلته إليك أنظره كم فصلت لك فيه من القول وكم كررت فيه عليك لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه أو كنت أهون عليك من بعض إخوانك؟ يا عبدي يقصد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك. فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل في حديثه، أومأت إليه أن كف. وهأنذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني. أفجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك (٣)؟ (وأيضا) فإن شرب الدخان في ذاته حرام فضلا عن تعاطيه في مجلس القرآن. (ووجه) حرمته أنه مضر بالصحة بإخبار منصفي الأطباء. ولا خلاف في تحريم تعاطي المضر. وقد صار ضرره محققا محسوسا مشاهدا بمن يتعاطاه في بصره وأسنانه وقلبه ورئتيه وأعصابه ... كل ذلك فضلا عن إضاعة المال

стр. 2752

فيما يغضب الكبير المتعال، وأن ذلك إسراف وتبذير حرمه الرب القدير وسوى بين فاعله والشياطين، قال تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾ (١). ولو أنا شاهدنا رجلا يرمي درهما في البحر، لعددناه مجنونا، فكيف ومتعاطي الدخان قد رمى بماله وصحته في مكان سحيق. زد على ذلك إيذاءه لمن يتعاطاه سيما في مجامع الصلاة ونحوها. وهو مؤذ للملائكة الكرام البررة من أمرنا بإكرامهم. (روى) جابر مرفوعا: "من أكل ثوما أو بصلا فليعتز لنا أو فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته" أخرجه الشيخان وأبو داود (٢). ﴿٧٥﴾ ومعلوم أن رائحة الدخان إن لم تكن في النتن أقبح من البصل والثوم فهي لا تقل عنهما. (وقال) جابر: نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها فقال: "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" أخرجه مسلم (٣). [٧٦] (وعن) أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى" أخرجه الطبراني في الأوسط بسند حسن (٤). [٧٧]

стр. 2753

(٨) مأتم الأربعين والعام: ومن البدع المستنكرة والعادات المستقبحة الاحتفال بذكرى الأربعين ومرور العام، لأنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عهد الصحابة والتابعين، ولم يكن معروفا حينئذ. وفيه مفاسد دينية ودنيوية يأباها العقل والنقل. والخير في اتباع من سلف، والشر في ابتداع من خلف (١)

стр. 2754

(ب) صنع الطعام لأهل الميت ومنهم (أولا) يستحب- عند الأئمة الأربعة وغيرهم- لأقارب أهل الميت وجيرانهم تهيئة طعام لهم- إن لم يرتكبوا منكرا- فقد أتاهم من الحزن ما يشغلهم عن تهيئة الطعام لأنفسهم، فتقديمه لهم نوع من البر بالقريب والجار والعطف عليه. وفيه أعظم تسلية لأهل الميت وعظيم الأجر لفاعليه. وقد ورد في هذا أحاديث (منها) حديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: لما جاء نعى جعفر حين قتل قال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم" أخرجه أحمد والشافعي والأربعة إلا النسائي وحسنه الترمذي وصححه ابن السكن والحاكم وفي سنده خالد بن سارة وثقه أحمد والترمذي وابن معين والنسائي وغيرهم (١).

стр. 2755

(وحديث) عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها فإني سمعت

стр. 2756

النبي ﷺ يقول: "التلبينه مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن" أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٧٩﴾ والمطلوب صنع طعام يشبع أهل الميت يومهم وليتهم، فإن الغالب أن الحزن الشاغل عن تناول الطعام لا يستمر أكثر من يوم. ويسن الإلحاح عليهم في الأكل لئلا يضعفوا بتركه استحياء أو لفرط الجزع. ولو كان النساء ينحن لم يجز صنع طعام لهن لأنه إعانة على المعصية. (ثانيا) ويكره تحريما- اتفاقا- جمع الناس على طعام يصنعه أهل الميت إن لم تدع إلى ذلك ضرورة كمعز مسافر سفرا طويلا (لقول) جرير بن عبد الله البجلي: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. أخرجه أحمد وابن ماجه بسند صحيح (٢). ﴿٨٠﴾

стр. 2757

(وقول) الصحابي: كنا نعد كذا من بمنزلة رواية إجماع الصحابة ﵃ وله حكم الرفع. (والمعنى) أنهم كانوا يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه وأكل الطعام عندهم نوعا من النياحة الممنوعة شرعا لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلهم مع ما هم فيه من الاضطراب بموت أحدهم ولما فيه من مخالفة السنة، لأن الأهل والجيران مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت الطعام، وفي صنعهم هم عكس الموضوع ومخالفة المشروع. وعلى هذا اتفق العلماء. (قال) في شرح منية المصلى: ويكره اتخاذ الطعام في اليوم الأول والثالث وبعد الأسبوع، ونقل الطعام إلى القبر في المواسم واتخاذ الدعة لقراءة القرآن، وجمع الصلحاء والقراء للختم أو لقراءة سورة الأنعام أو الإخلاص. والحاصل أن اتخاذ الطعام عند قراءة القرآن لأجل الأكل يكره، وإن اتخذ طعاما للفقراء كان حسنا (١). وهذه الأفعال كلها للسمعة والرياء فيحترز عنها لأنهم لا يريدون بها وجه الله تعالى (٢)، وهذا إذا لم يكن في الورقة صغار أو غائب ولم يحصل منكر. أما إذا كان كذلك فحرام باتفاق. (قال) ابن عابدين: إذا كان في الورثة صغار أو غائب أو ما يرتكب من المنكرات كإيقاد الشموع والقناديل ودق الطبول والغناء بالأصوات الحسان واجتماع النساء والمردان، وأخذ الأجرة على الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، فلا شك في حرمة تقديم الطعام من أهل الميت، وما ذكر من المنكرات وبطلان الوصية به (٤). (وقال) بعض المالكية: وأما الاجتماع على طعام بيت الميت فبدعة مكروهة إن لم يكن في الورثة صغير وإلا فهو حرام. ومن الضلال الفظيع والمنكر الشنيع والحماقة غير الهينة تعليق الثريات (النجف) وإدارة القهوات

стр. 2758

في بيوت الأموات والاجتماع فيها للحكايات وتضييع الأوقات في المنهيات مع المباهاة والمفاخرات، ولا يتفكرون فيمن دفنوه في التراب تحت الأقدام ووضعوه في بيت الظلام والهوام، ولا في وحشته وضمته وهول السؤال، ولا فيما انتهى إليه الحال من الروح والريحان والنعيم، أو الضرب بمقامع الحديد والاشتعال بنار الجحيم، ولو نزل عليهم كتاب بانتهاء الموت وأنهم مخلدون بعده لقلنا إنما يفعلونه فرحا بذلك، ولكن الهوى أعماهم وأصمهم. وإن سئلوا عن ذلك أجابوا باتباع العادة والمباهاة ومحمدة الناس. فهل في ذلك خيرا؟ كلا بل هو شر وخسران وضير (١). (جـ) زيارة القبور ... يستحب زيارة القبور للرجال من غير وطء للقبر، ولا استعانة بأهلها، ولا سؤالهم شيئا ولا مس القبر ولا تقبيله ولا الطواف به، فإنه من عادة أهل الكتاب، ولم يعهد في الإسلام إلا للحجر الأسود والكعبة. ويقصد بزيارتها وجه الله تعالى وإصلاح القلب ونفع الميت بالدعاء له وما يتلى عنده، لأن زيارتها تحدث في القلب خشية وتذكرا للموت. (وقد ورد) في هذا أحاديث: (منها) حديث عبد الله بن بريدة بن الخصيب الأسلمى عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة". وفي رواية: "فإن في زيارتها تذكرة" أخرجه أحمد ومسلم والأربعة وابن حبان والحاكم والبيهقي (٢). ﴿٨١﴾

стр. 2759

(نهاهم) النبي ﷺ عن زيارة القبور أولا لقرب عهدهم بالجاهلية فربما تكلموا بما اعتيد حينئذ من فحش القول. فلما انتشر الإسلام واطمأنوا به وعرفت أحكامه واشتهرت تعاليمه أمرهم النبي صلى الله عليه السلم بالزيارة مع مرعاة الآداب الشرعية، كما في حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" أخرجه الشافعي وأحمد، وأخرجه الحاكم بلفظ: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة. وقال: حديث صحيح على شرط مسلم (١). ﴿٨٢﴾ ... والأمر في الحديثين للندب عند الجمهور للتعليل بعده (وقال) ابن حزم: إنه للوجوب (وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من زار قبري أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا" أخرجه البيهقي والطبراني في الأوسط والصغير، وفي سنده عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف (٢). ﴿٨٣﴾ (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال النبي ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي والحاكم وصححه والأربعة إلا الترمذي (٣). . ﴿٨٤﴾

стр. 2760

ولهذه الأحاديث قالت الأئمة الأربعة والجمهور: يسن للرجال زيارة القبور على الوجه المشروع حملا للأمر على الندب. (وقال) ابن حزم: زيارة

стр. 2761

القبور واجبة ولو مرة في العمر للأمر على الوجوب. ثم الكلام هنا ينحصر في أربعة مباحث:

стр. 2762

(١) كيفية الزيارة: ... يسن أن يخرج الزائر متواضعا مراقبا الله تعالى، معتبرا بمن تقدمه من الموتى، قاصدا وجه الله تعالى، ونفع الميت بالسلام عليه والدعاء له. فإذا وصل

стр. 2763

القبر قام مسلما داعيا مستقبل القبلة على المشهور عند الحنفيين بلا تمسح بالقبر ولا طواف حوله ولا دعاء صاحبه. (وقبل) يستقبل وجه الميت، وهو قول الشافعي. وكذا الكلام في زيارة النبي ﷺ . ... (قال) أبو الليث: لا يعرف وضع اليد على القبر سنة ولا مستحبا بل هو بدعة منكرة من عادة أهل الكتاب (١). ويستحب للزائر أن يدنو من قبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حيا وزاره. وهو بالخيار إن شاء زار قائما وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه في الحياة. ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله. ... (قال) أبو الحسن محمد الزعفراني: واستلام القبور وتقبيلها كما يفعله العوام من المبتدعات المنكرة يجب تجنبه وينهى فاعله، فمن قصد السلام على ميت

стр. 2764

سلم عليه من قبل وجهه. وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة (١). ... (٢) ما يقوله الزائر: يستحب للزائر التسليم على أهل القبور والدعاء لهم بالعافية والرحمة والمغفرة وإذا كان بالوارد فما أحسنه (ومنه) ما في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم فرطنا ونحن لك تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية". أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه والبيهقي (٢). ﴿٨٥﴾ ... (وحديث) ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" أخرجه الترمذي وحسنه (٣). ﴿٨٦﴾ ... (وحديث) عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ كلما كان ليتها- يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم

стр. 2765

لاحقون، اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد" أخرجه مسلم (١). ﴿٨٧﴾ (وحديث) عائشة ﵂ قالت: فقدت النبي ﷺ فإذا هو بالبقيع فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم. أخرجه ابن ماجه (٢). ﴿٨٨﴾ ... (وقال) أنس: "مر رجل بالمقابر فقال: اللهم رب الأرواح الفانية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا منك وسلاما منا، فاستغفر له من مات من لدن آدم" أخرجه ابن النجار (٣). دلت هذه الأحاديث: ... (أ) على أن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء يقدم فيه المبتدأ على الخبر وأنه يكون بأل أو التنوين، ويجوز في السلام على الموتى: عليكم السلام، بتقديم الخبر على المبتدأ (لقول) أبي جرى الهجيمي: أتيت النبي ﷺ فقلت: "عليك السلام يا رسول الله. فقال: لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى" أخرجه الثلاثة. وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). ﴿٨٩﴾ ... يعني أن هذه الصيغة تختص بالموتى. وأما السلام عليكم فمشترك (٥).

стр. 2766

(ب) وأنه يطلب الدعاء للأموات بما تقدم في الأحاديث، وليحذر مما اعتاده بعض الجاهلين من التمسح بالقبر وتقبيله والطواف حوله ودعاء صاحبه وطلب ما يحتاجه منه فإن ذلك من عادة المشركين (وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" (الحديث) أخرجه أحمد والترمذي والحاكم (١). ﴿٩٠﴾ ... وقد يفضي ذلك إلى ما كانت عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، وفي المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المؤدية إلى فساد العقيدة. ... (٣) زيارة النساء: ... يحرم على النساء زيارة القبور إن ارتكبن في زيارتها ما يغضب الواحد الغيور. وعليه تحمل الأحاديث الواردة في لعن زائرات القبور (ومنها) حديث ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" (الحديث) أخرجه أحمد والأربعة والبزار وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي (٢). ﴿٩١﴾ ... (وحديث) أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان (٣). ﴿٩٢﴾ أي دعا عليهن بالطرد عن رحمة الله تعالى لما يقع منهن حال الزيارة من الجزع وشق الجيوب ولطم الخدود والتبرج (قال) القرطبي: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة. ولعل السبب ما يفضي

стр. 2767

إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحوه (فقد) يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، فإذا كانت زيارتهن للاعتبار بلا تعديد ولا نوح فهي مكروهة تحريما عند بعض الحنفية والمالكية والشافعية لظاهر الأحاديث. ... (وقال) بعض الحنفية وأكثر الشافعية والحنبلية: تكره زيارتهن تنزيها. والصارف للأحاديث عن التحريم قول أم عطية: " نهينا أن نتبع الجنائز ولم يعزم علينا " أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه والبيهقي (١). ﴿٩٣﴾ ... (وقال) فريق ثالث من الحنفيين: زيارتهن حينئذ جائزة. وهو قول لمالك ورواية عن أحمد (قالوا) إن منعهن من الزيارة كان قبل الترخيص، فلما رخص فيها عمت الرخصة الرجال والنساء. (ويؤيده) حديث عبد الله ابن أبي مليكة أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قال: نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها. أخرجه الحاكم، وقال الذهبي: صحيح، والبيهقي وقال: " تفرد به بسطام بن مسلم البصري (٢). ﴿٩٤﴾ (وقالت) عائشة ﵂ من حديث طويل: "فكيف أقول: تعني إذا زارت القبور- يا رسول الله؟ فقال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" أخرجه أحمد ومسلم (٣). ﴿٩٥﴾

стр. 2768

فتعليمها ما تقول إذن لها بالزيارة للقبور (ويجمع) بين الأدلة بأن الإذن في الزيارة لمن خرجت متسترة خاشعة متذكرة أمر الآخرة، معتبرة بما صار إليه أهل القبور، تاركة النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب وسوء القول. وبأن المنع لمن فعلت شيئا مما ذكر كما يقع من كثير من نساء زماننا ولا سيما نساء مصر. ومعلوم أن أمن الفتنة في زماننا معدوم بل مستحيل عادة، إذ المرأة لو خرجت إلى زيارة القبور لا تسلم من ارتكاب الفجور وعبث الفساق وأهل الشرور. فيطلب طلبا أكيدا عدم خروج النساء لزيارة القبور لا ليلا ولا نهارا لا فرق في ذلك بين شابة وغيرها، إذ لكل ساقطة لا قطة ولا سيما ما هو فاش من غالب أهل الزمان من الفساد والإفساد. ومن القواعد المقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ومن ثم ذهب شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وغيرها إلى عدم جواز الزيارة للنساء. والله الهادي إلى سواء السبيل. ... (٤) بدع المقابر: ومن البدع المذمومة ما التزموه في المقابر من العادات المقبوحة كاتخاذها أعيادا تشد إليها الرحال ويجتمع فيها النساء والرجال والأطفال ولا سيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب، وتذبح عندها الذبائح وتطبخ أنواع المآكل فيأكلون ويشربون ويبولون ويتغوطون ويلعبون ويصخبون ويقرأ لهم القرآن من يستأجرون لذلك من العميان ولهم أعمال من دون ذلك هم عليها عاكفون. وإذا كان ما يأتون من القراءة والذكر هنالك من البدع المنكرة وكان بعض المباحات يعد هناك من الأمور المكروهة أو المحرمة، فما القول في سائر أفعالهم الظاهرة والباطنة "ولو لم يرد" في حظر هذه الاجتماعات في المقابر إلا حديث ابن عباس مرفوعا: لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. أخرجه أحمد والأربعة والحاكم وصححه (١). "لكفى" ولكن ذلك كله قد صار

стр. 2769

من قبيل شعائر الدين وآيات اليقين توقف له الأوقاف التي يسجلها ويحكم بصحتها قضاة جاهلون ويأكل منها أدعياء العلم الضالون المضلون. وقد كان بعض الصحابة وغيرهم من علماء السلف يتركون بعض السنن أحيانا حتى لا يظن العوام أنها مفروضة بالتزامها تأسيا بالرسول ﷺ في ترك المواظبة على بعض الفضائل خشية أن تصير من الفرائض. فخلف من بعدهم خلف قصروا في الفرائض وتركوا السنن والشعائر وواظبوا على هذه البدع حتى إنهم ليتركون لأجلها الأعياد والجمع. (ومن المنكر) ما يقع من بعض من لا خلاق لهم من اعتقادهم في قبور الصالحين والأولياء وبعض الأشجار والأولياء وبعض الأشجار والأبواب أنها تنفع أو تضر أو تقرب إلى الله تعالى أو تقضي الحوائج بمجرد التشفع بها إلى الله تعالى، يطوفون بها طواف الحجاج بيت الله الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات المكفرة كقولهم: "أقصم ظهره يا سيد وخذ عمره وتصرف فيه يا إمام، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد. ولكل جهة رجل ينادونه، فأهل مصر يدعون الشافعي والبدوي والبيومي. وأهل العراق والهند والشام يدعون عبد القادر الجيلي. وأهل مكة والطائف يدعون ابن عباس. وينذرون لهم النذور، ويذبحون لهم الذبائح، ويوقدون لهم السرج، ويضعون الدراهم في صناديقهم. ... ولا ريب أن هذا من أعمال الجاهلية ومخالف لدين الله تعالى ورسوله وما كان عليه سلفنا الصالح رضى الله تعالى عنهم، ولو عرف الناذر بطلان ذلك ما أخرج درهما، فإن الأموال عزيزة عند أهلها. قال تعالى: "ولا يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم" (١). ... فالواجب على كل عاقل تحذير من يفعل ذلك، لأنه إضاعة للمال، ولا ينفعه ما يخرجه، ولا يدفع عنه ضررا، بل فيه المخالفة والمحاربة لله تعالى ورسوله

стр. 2770

صلى الله عليه وسلم. ويجب رد المال إلى من أخرجه وقبضه حرام لأنه أكل مال الناذر بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (١). وفيه تقرير للناذر على قبح اعتقاده وشنيع مخالفته فهو كحلوان الكاهن ومهر البغى (٢) ولأنه تدليس من هؤلاء القوم وإيهام له أن الولي ينفعه ويضره. فأي تقرير لمنكر أشد من قبض النذر على الميت، وأي تدليس أعظم من هذا؟ ... (قال) الصنعاني بعد كلام في هذا الموضوع (فإن قلت) هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، فلا بلدة ولا قرية إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها ويلقون عليها الورد والرياحين ويلبسونها الثياب ويصنعون كل ما يقدرون عليه من العبادة لها وما في معناها من التعظيم والخشوع، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذكر أو بعضه، ولا يسع عقل عاقل أن منكرا يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام. ... (قلت) إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العالم جيلا بعد جيل، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حولها إنكارها ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل: ينشأ الواحد منهم فيجد أهل بلدته يلقنونه في الطفولة أن يهتف باسم من يعتقدون فيه ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه، ويطوفون به على قبره، فينشأ وقد قر في
следующие страницы →