(ب) وأنه يطلب الدعاء للأموات بما تقدم في الأحاديث، وليحذر مما اعتاده بعض الجاهلين من التمسح بالقبر وتقبيله والطواف حوله ودعاء صاحبه وطلب ما يحتاجه منه فإن ذلك من عادة المشركين (وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" (الحديث) أخرجه أحمد والترمذي والحاكم (١). ﴿٩٠﴾
... وقد يفضي ذلك إلى ما كانت عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، وفي المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المؤدية إلى فساد العقيدة.
... (٣) زيارة النساء:
... يحرم على النساء زيارة القبور إن ارتكبن في زيارتها ما يغضب الواحد الغيور. وعليه تحمل الأحاديث الواردة في لعن زائرات القبور (ومنها) حديث ابن عباس قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور" (الحديث) أخرجه أحمد والأربعة والبزار وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي (٢). ﴿٩١﴾
... (وحديث) أبي هريرة ﵁: "أن رسول الله ﷺ لعن زوارات القبور" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان (٣). ﴿٩٢﴾
أي دعا عليهن بالطرد عن رحمة الله تعالى لما يقع منهن حال الزيارة من الجزع وشق الجيوب ولطم الخدود والتبرج (قال) القرطبي: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة. ولعل السبب ما يفضي
стр. 2767
إليه ذلك من تضييع حق الزوج وما ينشأ منهن من الصياح ونحوه (فقد) يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، فإذا كانت زيارتهن للاعتبار بلا تعديد ولا نوح فهي مكروهة تحريما عند بعض الحنفية والمالكية والشافعية لظاهر الأحاديث.
... (وقال) بعض الحنفية وأكثر الشافعية والحنبلية: تكره زيارتهن تنزيها. والصارف للأحاديث عن التحريم قول أم عطية: " نهينا أن نتبع الجنائز ولم يعزم علينا " أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه والبيهقي (١). ﴿٩٣﴾
... (وقال) فريق ثالث من الحنفيين: زيارتهن حينئذ جائزة. وهو قول لمالك ورواية عن أحمد (قالوا) إن منعهن من الزيارة كان قبل الترخيص، فلما رخص فيها عمت الرخصة الرجال والنساء. (ويؤيده) حديث عبد الله ابن أبي مليكة أن عائشة ﵂ أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قال: نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها. أخرجه الحاكم، وقال الذهبي: صحيح، والبيهقي وقال: " تفرد به بسطام بن مسلم البصري (٢). ﴿٩٤﴾
(وقالت) عائشة ﵂ من حديث طويل: "فكيف أقول: تعني إذا زارت القبور- يا رسول الله؟ فقال قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" أخرجه أحمد ومسلم (٣). ﴿٩٥﴾
стр. 2768
فتعليمها ما تقول إذن لها بالزيارة للقبور (ويجمع) بين الأدلة بأن الإذن في الزيارة لمن خرجت متسترة خاشعة متذكرة أمر الآخرة، معتبرة بما صار إليه أهل القبور، تاركة النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب وسوء القول. وبأن المنع لمن فعلت شيئا مما ذكر كما يقع من كثير من نساء زماننا ولا سيما نساء مصر. ومعلوم أن أمن الفتنة في زماننا معدوم بل مستحيل عادة، إذ المرأة لو خرجت إلى زيارة القبور لا تسلم من ارتكاب الفجور وعبث الفساق وأهل الشرور. فيطلب طلبا أكيدا عدم خروج النساء لزيارة القبور لا ليلا ولا نهارا لا فرق في ذلك بين شابة وغيرها، إذ لكل ساقطة لا قطة ولا سيما ما هو فاش من غالب أهل الزمان من الفساد والإفساد. ومن القواعد المقررة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ومن ثم ذهب شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية وغيرها إلى عدم جواز الزيارة للنساء. والله الهادي إلى سواء السبيل.
... (٤) بدع المقابر:
ومن البدع المذمومة ما التزموه في المقابر من العادات المقبوحة كاتخاذها أعيادا تشد إليها الرحال ويجتمع فيها النساء والرجال والأطفال ولا سيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب، وتذبح عندها الذبائح وتطبخ أنواع المآكل فيأكلون ويشربون ويبولون ويتغوطون ويلعبون ويصخبون ويقرأ لهم القرآن من يستأجرون لذلك من العميان ولهم أعمال من دون ذلك هم عليها عاكفون. وإذا كان ما يأتون من القراءة والذكر هنالك من البدع المنكرة وكان بعض المباحات يعد هناك من الأمور المكروهة أو المحرمة، فما القول في سائر أفعالهم الظاهرة والباطنة "ولو لم يرد" في حظر هذه الاجتماعات في المقابر إلا حديث ابن عباس مرفوعا: لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. أخرجه أحمد والأربعة والحاكم وصححه (١). "لكفى" ولكن ذلك كله قد صار
стр. 2769
من قبيل شعائر الدين وآيات اليقين توقف له الأوقاف التي يسجلها ويحكم بصحتها قضاة جاهلون ويأكل منها أدعياء العلم الضالون المضلون. وقد كان بعض الصحابة وغيرهم من علماء السلف يتركون بعض السنن أحيانا حتى لا يظن العوام أنها مفروضة بالتزامها تأسيا بالرسول ﷺ في ترك المواظبة على بعض الفضائل خشية أن تصير من الفرائض. فخلف من بعدهم خلف قصروا في الفرائض وتركوا السنن والشعائر وواظبوا على هذه البدع حتى إنهم ليتركون لأجلها الأعياد والجمع.
(ومن المنكر) ما يقع من بعض من لا خلاق لهم من اعتقادهم في قبور الصالحين والأولياء وبعض الأشجار والأولياء وبعض الأشجار والأبواب أنها تنفع أو تضر أو تقرب إلى الله تعالى أو تقضي الحوائج بمجرد التشفع بها إلى الله تعالى، يطوفون بها طواف الحجاج بيت الله الحرام ويخاطبون الميت بالكلمات المكفرة كقولهم: "أقصم ظهره يا سيد وخذ عمره وتصرف فيه يا إمام، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد. ولكل جهة رجل ينادونه، فأهل مصر يدعون الشافعي والبدوي والبيومي. وأهل العراق والهند والشام يدعون عبد القادر الجيلي. وأهل مكة والطائف يدعون ابن عباس. وينذرون لهم النذور، ويذبحون لهم الذبائح، ويوقدون لهم السرج، ويضعون الدراهم في صناديقهم.
... ولا ريب أن هذا من أعمال الجاهلية ومخالف لدين الله تعالى ورسوله وما كان عليه سلفنا الصالح رضى الله تعالى عنهم، ولو عرف الناذر بطلان ذلك ما أخرج درهما، فإن الأموال عزيزة عند أهلها. قال تعالى: "ولا يسألكم أموالكم. إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم" (١).
... فالواجب على كل عاقل تحذير من يفعل ذلك، لأنه إضاعة للمال، ولا ينفعه ما يخرجه، ولا يدفع عنه ضررا، بل فيه المخالفة والمحاربة لله تعالى ورسوله
стр. 2770
صلى الله عليه وسلم. ويجب رد المال إلى من أخرجه وقبضه حرام لأنه أكل مال الناذر بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ (١).
وفيه تقرير للناذر على قبح اعتقاده وشنيع مخالفته فهو كحلوان الكاهن ومهر البغى (٢) ولأنه تدليس من هؤلاء القوم وإيهام له أن الولي ينفعه ويضره. فأي تقرير لمنكر أشد من قبض النذر على الميت، وأي تدليس أعظم من هذا؟
... (قال) الصنعاني بعد كلام في هذا الموضوع (فإن قلت) هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، فلا بلدة ولا قرية إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها ويلقون عليها الورد والرياحين ويلبسونها الثياب ويصنعون كل ما يقدرون عليه من العبادة لها وما في معناها من التعظيم والخشوع، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذكر أو بعضه، ولا يسع عقل عاقل أن منكرا يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام.
... (قلت) إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل لا ما اتفق عليه العالم جيلا بعد جيل، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حولها إنكارها ونسعى في هدم منارها صادرة عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل: ينشأ الواحد منهم فيجد أهل بلدته يلقنونه في الطفولة أن يهتف باسم من يعتقدون فيه ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه، ويطوفون به على قبره، فينشأ وقد قر في
стр. 2771
قلبه عظمة ما يعظمونه، فنشأ على هذا الصغير وشاخ عليه الكبير ولا يسمعون من أحد إنكارا عليهم، بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضل معظما لما يعظمونه، قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام.
ولا يخفي على أحد يتأهل للنظر ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جوازه، ولنضرب لك مثلا من ذلك: هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق أحدث فيه بعض الملوك هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله تعالى من الفساد وصيرت المسلمين كالملل المختلفة في الدين. بدعة قرت بها عين إبليس اللعين وقد سكت الناس عليها ووفد علماء الأقطار إليها وشاهدوها وسكت منهم من سكت، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله عاقل وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من القبوريين (١).
... وقال ابن القيم: كان النبي ﷺ إذا زار القبور يزورها للدعاء لأهلها والترحم عليهم والاستغفار لهم، فأبى المشركون إلا دعاء الميت والأقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه بعكس هدية ﷺ فإنه هدى توحيد وإحسان إلى الميت، وهدى هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا للميت أو يدعوا به أو عنده، ويرون الدعاء عنده أولى من الدعاء في المساجد. ومن تأمل هدى رسول الله ﷺ وأصحابه تبين له الفرق بين الأمرين (٢).
стр. 2772
(د) القرب تهدي إلى الميت
الميت ينتفع بما يهدي إليه من الطاعات وأنواع البر، كالصدقة والدعاء والصلاة والصيام وغيرها، قال تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" (١).
... (وعن) ابن عباس ﵄ أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت بشيء عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أشهدك أن حائطي المخرف صدقة عليها. أخرجه أحمد والبخاري والثلاثة (٢). ﴿٩٦﴾
... (وعن) أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالا ولم يوص فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ فقال: نعم. أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه (٣). ﴿٩٧﴾
стр. 2773
(وقال) أنس ﵁: يا رسول الله إنا نتصدق عن مواتانا ونجح عنهم وندعو لهم، فهل يصل ذلك إليك؟ فقال: نعم، إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه. أخرجه أبو حفص العكبري (١). ﴿٩٨﴾
... وعن سعد بن عبادة ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : إن أمي ماتت وعليها نذر أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك. أخرجه مالك وأحمد والبخاري والنسائي (٢). ﴿٩٩﴾
... وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه. أخرجه أحمد والشيخان (٣). ﴿١٠٠﴾
... (وروي) أن رجلا سأل النبي صلى اغلله عليه وسلم فقال: كان لي أبوان أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال له النبي ﷺ : إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك وتصوم لها مع صيامك. أخرجه الدارقطني (٤). ﴿١٠١﴾
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إذا
стр. 2774
مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. أخرجه السبعة إلا البخاري (١). ﴿١٠٢﴾
... (والأحاديث) في هذا كثيرة وكلها تدل على أن الميت ينتفع بعمل الحي من دعاء وصلاة وصدقة وصيام وحج، وغير ذلك من أنواع البر، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء. وبه قال جمهور أهل السنة منهم الحنفيون وأحمد.
... وقد أمر الله تعالى بالدعاء للوالدين بقوله:
... "وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا" (٢).
... وأخبر باستغفار الملائكة للمؤمنين، قال تعالى:
... "والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض" (٣).
... وقال: "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم" (٤).
(فهذه) الأدلة تفيد القطع بحصول الانتفاع بعمل الغير، ولا ينافيه قوله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعي" (٥)، لأن المؤمن إذا عمل عملا
стр. 2775
خيريا وقصد به أخاه المؤمن وصل إليه ثوابه بسبب إيمانه، فكأنه من عمله (وقيل) إن الآية مخصوصة بغير ما دلت عليه الأدلة السابقة من أن الإنسان ينتفع بعمل غيره من دعاء وصلاة وصدقة وقراءة قرآ.
... (وعن) عكرمة أن الآية خاصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. أماهذه الأمة فالواحد منها ينتفع بعمل غيره لما تقدم. (وقيل) المراد بالإنسان في الآية الكافر، أي ليس له من الخير في الدنيا إلا ما عمل هو فيثاب عليه بالتوسعة في رزقه والعافية في بدنه وليس له في الآخرة شيء.
هذا. وأعلم أن العبادة مالية وبدنية، فالمالية كالصدقة، نبه الشارع بوصول ثوابها على وصول ثواب سائر الأعمال المالية. أما أداء الدين فبالإجماع ولو كان من أجنبي بلا إذن. ونبه بوصول ثوابت الصوم وهو من العبادة البدنية على وصول ثواب العبادات البدنية. ونبه بوصول ثواب الحج المركب من عبادتين مالية وبدنية على وصول ثواب المركب منهما (ومشهور) مذهب مالك والشافعي أن ثواب العبادة البدنية لا يصل كالصلاة والصيام وقراءة القرآن أخذا بعموم قوله تعالى: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" وقد علمت أن الآية لا تنافى انتفاع الميت بعمل غيره من قراءة وغيرها.
стр. 2776
ولذا قال الحنفيون وأحمد: إنه ينتفع بعمل غيره إذا أدى بخشوع وخضوع ووقار ولم تكن القراءة بأجر وكانت على الوجه المشروع.
... (قال) ابن القيم: أفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار والدعاء له والحج عنه. وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجر فيصل إليه ثوابها كما يصل ثواب الصوم والحج (١). ولذا اختار المحققون من أصحاب مالك والشافعي أن ثواب القراءة يصل إلى الميت إذا جعلت من قبيل الدعاء بأن يقول: اللهم أجعل لفلان مثل ثواب ما قرأت.
(قال) النووي: أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصل ثوابه إليهم، لقوله تعالى: "والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان" (٢). وغيرها من الآيات والأحاديث، كقول النبي ﷺ : "اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد". وقوله ﷺ : "اللهم اغفر لحينا وميتنا".
... (واختلف) العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن. فالمشهور من مذهب الشافعي أنه لا يصل. وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل، فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان (٣) (أما القراءة) بأجر ولو بشرط فلا يصل ثوابها، والآخذ والمعطي آثمان به عند الحنفيين وأحمد (لحديث) عبد الرحمن بن شبل أن النبي ﷺ قال: "اقرءوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه ولا تغلوا
стр. 2777
فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به" أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني والبيهقي في الشعب بسند قوي رجاله ثقات (١). ﴿١٠٣﴾
فقد حضر النبي ﷺ على القراء أن يتعوضوا بالقرآن شيئا من عرض الدنيا ولأن القراءة عبادة وأجرها من الله تعالى (وقالت) المالكية والشافعية: يجوز أخذ الأجر على القرآن لإطلاق حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " ذكره البخاري معلقا (٢). ﴿١٠٤﴾
... وحمله الألون على خصوص ما ورد فيه من الرقي جمعا بين الأحاديث. وعلى الجملة فإن الصدقة على الميت والدعاء له يصل ثوابهما إليه باتفاق أهل السنة. أما القراءة والعبادة البدنية ففيهما خلاف والراجح وصول ثوابهما إليه. والخلاف في القراءة إن لم تخرج مخرج الدعاء وإلا وصل ثوابها اتفاقا. والواصل في الحج إلى الميت ثواب العمل عند الجمهور. وقال بعض الحنفيين: بل ثواب الإنفاق.
... وقال أحمد بن حنبل: الميت يصل إليه كل شيء من الخير للنصوص الواردة فيه، ولأن المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير فكان إجماعا (٣).
стр. 2778
هذا، ولا يشترط في وصول الثواب الإهداء باللفظ بل يكفي نيته، لأن النبي ﷺ أطلق الفعل عن الغير كالصوم والحج والصدقة، ولم يقل لفاعل ذلك: قل اللهم هذا عن فلان بن فلان، والله تعالى يعلم نية العبد وقصده بعمله، فإن ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفى بالنية وصل الثواب. ولا يحتاج أن يقول: اللهم إني صائم غدا عن فلان بن فلان.
ولهذا اشترط من اشترط نية الفعل قبل الفعل ليكون واقعا بالقصد عن الميت. فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر للغير بمجرد النية، كما لو نوى أن يهب أن يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية، ولا يلزم أيضا تعليق الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنت قبلت هذا العمل وأثبتني عليه فاجعل ثوابه لفلان: بل لا فائدة في هذا الشرط فإن الله تعالى يعطي ثوابه للمهدي إليه وإن لم يشترطه (١).
... واختلفوا أيضا في إهداء الثواب إلى النبي ﷺ ، فمنهم من لم يستحبه ورآه بدعة فإن الصحابة لم يفعلوا ذلك، وأن النبي ﷺ له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من اجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ فللنبي ﷺ مثل أجر من اتبعه، أهداه إليه أم لم يهده (٢).
ومن العلماء من استحبه لأن النبي ﷺ أحق بذلك حيث أنقذنا من الضلالة، ففي ذلك نوع شكر وإسداء جميل له والكامل قابل لزيادة
стр. 2779
الكامل (وما استدل به) المانعون من أنه تحصيل حاصل لأن جميع أعمال أمته في ميزانه (يجاب عنه) بأنه لا مانع من ذلك، فإن الله تعالى أخبرنا بأنه صلي عليه، ثم أمرنا بالصلاة عليه. وكذا اختلف في إطلاق قول العامل: اللهم أجعل ذلك زيادة في شرف النبي ﷺ ، فمنعه الحافظ ابن حجر لأنه لم يرد له دليل.
... (وأجاب) ابن حجر المكي في الفتاوى الحديثية بأن قوله تعالى: "وقل رب زدني علما" وحديث مسلم: أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: "واجعل الحياة زيادة لي في كل خير" دليل على أن مقامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكماله يقبل الزيادة في العلم والثواب وسائر المراتب والدرجات (١).
... (خاتمة) يكره تحريما عند النعمان ومالك قراءة القرآن عن القبر لأنه لم يصح فيها شيء عن النبي ﷺ ، وليس من عمل السلف بل كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة.
... (وقال) محمد بن الحسن والشافعي: تستحب القراءة عند القبر لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يؤمئذ وكان له بعدد من فيها حسنات" ذكره القرطبي وابن قدامة (٢). ﴿١٠٥﴾
(وأجاب) الأولون بأن الحديث لا أصل له في كتب الحديث (وقال) في شرح اللباب: ويقرأ من القرآن ما تيسر له من الفاتحة وأول البقرة إلى قوله: "أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" وآية الكرسي
стр. 2780
وآمن الرسول ويس وتبارك وسورة التكاثر والإخلاص ثنتي عشرة مرة أو إحدى عشرة مرة أو سبعا أو ثلاثا. ثم يقول: اللهم أو صل ثواب ما قرأناه إلى فلان أو إلى الأموات (١) (ورد) بأنه لا يوجد ما يؤيد هذا ولو من طريق ضعيف.
... (وعن) على مرفوعا: من مر على المقابر وقرأ "قل هو الله أحد" إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات. أخرجه الدارقطني (٢). ﴿١٠٦﴾
... (ورد) بأن ابن الجوزي قال في التذكرة: هو مأخوذ من نسخة عبد الله ابن أحمد في الموضوعات (وقالت) الحنبلية وبعض المالكية: لا بأس بالقراءة عند القبر وجعل ثوابها للميت (روى) عن أحمد أنه قال: إذا دخلتم المقابر فاقرءوا آية الكرسي ثلاث مرات، وقل هو الله أحد، ثم قل: اللهم إن فضله لأهل المقابر (٣). ولم يثبت ما يؤيده.
(وقال) علي بن موسى الحداد: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من القبر قال محمد بن قدامة لأحمد: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة. قال: كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم. قال: أخبرني مبشر عن عبد الرحمن بن العلاء ابن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها. وقال: سمعت ابن عمر يوصى بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ. ذكره الخلال (٤) (ورد) بأن هذا الحديث شاذ منكر رواه مبشر عن
стр. 2781
عبد الرحمن اللجلاج، وهو ليس من رجال الصحيح ولا السنن الذين يعتد بهم ولا يعرف له في الصحيحين إلا حديث واحد عند الترمذي، وقد قالوا إنه مقبول، ولم يوثقه إلا ابن حبان، وتساهله في التعديل معروف، على أن مبشرا نفسه ضعفه بعضهم ولم يعتدوا بما رواه لأنه لم يتبين سببه فهو حديث لا يثبت، وعلى فرض ثبوته فهو من قول العلاء وابن عمر، ولعله اجتهاد منهما وهو موقوف لا حجة فيه. ولم يرد في هذا حديث صحيح ولا حسن ألبته.
... (وعن) أبي بكر ﵁ مرفوعا: "من زار قبر والديه أو أحدهما يوم الجمعة فقرأ عنده (يس) غفر له" أخرجه ابن عدى وضعفه السيوطي. وقال ابن عدى: هذا الحديث بهذا الإسناد باطل، لأن فيه عمرو بن زياد متهم بالوضع (١). ﴿١٠٧﴾
... ولذا حكم ابن الجوزي عليه بالوضع وتعقبه السيوطي بأن له شاهدا، وهو حديث: "من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة مرة غفر الله له وكتب برا" أخرجه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة (٢). ﴿١٠٨﴾
(وهذا) غير صواب لتصريح العلماء حتى السيوطي نفسه بأن الشواهد لا أثر لها في الحديث الموضوع بل في الضعيف (٣).
... (واختار) ابن القيم أنه لا بأس بالقراءة على القبر تطوعا (لقول) الحسن ابن الصباح: سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال: لا بأس بها. وذكر الخلال عن الشعبي قال: كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن (٤) (ورد) بأن هذا لا يثبت وعلى فرض ثبوته لا حجة فيه فقد قالوا: إن الصحابي إذا انفرد بقول أو عمل لا يعد قوله أو عمله حجة
стр. 2782
ولا يتخذ قدوة فيه، فكيف بغيرهم إذا كان قوله مخالفا للنصوص الصريحة في الكتاب والسنة. (فإن قيل) إن النبي ﷺ أرشد إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة (قيل) إن النبي ﷺ لم يبتدئهم بذلك بل أجاب كلا عن سؤاله، فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذى له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك. وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك، وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ "والقائل" إن أحدا من السلف لم يفعل ذلك "قال" ما لم علم له به فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلم. فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه بل يكفي إطلاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنية الإهدار لا يشترط كما تقدم (١). (ورد) بأنه ما من نوع من أنواع البر المشروعة إلا وقد نقل عن الصحابة والسف الصالح فيه الكثير الطيب حتى الصدقات التي صرح القرآن بتفضيل إخفائها على إبدائها تكريما للفقراء وسترا عليهم ولما قد يعرض فيها من المن والأذى والرياء المبطلة لها.
وقراءة القرآن على القبر ليست كذلك حتى إن المراءاة بها مما لا يكاد يقع لأن من يقرأ لغيره لا يعد من العباد الممتازين على غيرهم فيكتمها خوف الرياء. فلو كانت القراءة عند القبر مشروعة لفعله السلف ولنقل إلينا منه الكثير، ولكنه لم يكن.
... (فالراجح) الذي تشهد له الأدلة الثابتة أن قراءة القرآن عند القبر مكروهة لأنه لم يثبت فيها حديث مرفوع صحيح ولا حسن ولم ينقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين. ولذا قال الإمام أحمد: القراءة عند القبر بدعة. وتقدم الجواب عما استند إليه القائلون بالاستحباب. والله الموفق للصواب.
стр. 2783
الزكاة
... هي الركن الثالث من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة. ذكرت بعد الصلاة لاقترانها بها في اثنتين وثمانين آية، وفي عدة أحاديث (منها) حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن الإسلام، فقال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتى الزكاة المفروضة وتصوم
رمضان" (الحديث) أخرجه الشيخان (١). ﴿١﴾
... (وحديث) ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصمونا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" أخرجه الشيخان وكذا أحمد عن أبي هريرة (٢). ﴿٢﴾
(وقال) ابن مسعود ﵁: مرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومن لم يزك فلا صلاة له. أخرجه الطبراني بسند صحيح (٣). ﴿٣﴾
... (ثم) الكلام هنا ينحصر في خمسة عشر مبحثا:
... (١) تعريف الزكاة:
... هي لغة الطهارة والنماء والبركة، قال تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" (٤)، وقال: "وما ءاتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون" (٥) (وشرعا) حق واجب في المال لله تعالى.
стр. 2784
وبعبارة أخرى تمليك جزء من مال عينه الشارع لمستحقه مع قطع المنفعة عن المملك من كل وجه (١) (سميت) بذلك لأنها مطهرة للمال بإخراج حق الغير منه، ومطهرة للمزكى من دنس البخل والآثام. وبها يبارك في المال ويخلف على المتصدق، قال تعالى: "وما انفقتم من شيء فهو يخلفه" (٢).
... (وعن) أبي كبشة الأنماري أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر" (الحديث) أخرجه الترمذي (٣). ﴿٤﴾
... (٢) دليلها:
... الزكاة فرض قطعي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
(قال) الله تعالى: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (٤)، وقال "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" وقال تعالى: "كلوا من ثمره إذا أثمر وءاتوا حقه يوم حصاده" (٥). وغير ذلك من الآيات.
... (وقد) ورد فيها أحاديث غير ما تقدم (منها) حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن قال: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله
стр. 2785
وأني رسول الله، فإنهم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجه السبعة وقال الترمذي: حسن صحيح (١). ﴿٥﴾
(وحديث) على ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا ويعذبهم عذابا أليما" أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط وقال: تفرد به ثابت بن محمد الزاهد وهو من رجال الصحيح، وبقية رجاله وثقوا، وفيهم كلام (٢). ﴿٦﴾
... (وحديث) أنس بن مالك ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول الله تعالى: وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأباعدنهم
стр. 2786
ثم تلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "وفي أموالهم حق معلوم* للسائل والمحروم" أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط. وفيه الحارث بن النعمان وهو ضعيف (١). ﴿٧﴾
... (وأجمع) المسلمون في جميع الأعصار والأقطار على فرضية الزكاة. فمن جحد فرضيتها وهو بين المسلمين فهو مرتد يستتاب ثلاثا. فإن تاب وإلا قتل لأنه أنكر أمرا ثابتا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما من أنكر فرضيتها جهلا لحداثة عهده بالإسلام أو لأنه نشأ بعيدا عن الأمصار والعلماء لا يحكم بكفره لعذره، بل يعرف فرضيتها وتؤخذ منه، فإن جحدها بعد ذلك حكم بكفره (٢).
... (٣) وقت افتراضها:
فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة. وقيل: فرضت بمكة إجمالا وبينت بالمدينة تفصيلا جمعا بين "الآيات" الدالة على فرضيتها بمكة، كقوله تعالى: "وءاتوا حقه يوم حصاده (٣) ". وقوله: "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" (٤). "والآيات" الدالة على فرضيتها بالمدينة، كقوله: "وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة" (٥). وقوله: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" (٦).
... (٤) سببها:
... سبب لزوم الزكاة الملك التام لنصاب حولي فارغ عن:
(أ) دين ولو مؤجلا له مطالب من العباد سواء أكان لله كزكاة أو للعبيد.
(ب) وعن حاجته الأصلية كدار السكني، وكتب العلم لأهله، وآلات الصناعة لأربابها، وأثاث المنزل، وآلات الحرب للمجاهدين.
стр. 2787
(٥) حكمتها:
... وحكمة مشروعية الزكاة:
(أ) التطهر من أدناس الذنوب والبخل.
(ب) حفظ المال من التلف.
(روي) أبو هريرة عن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ما تلف مال في بحر ولا بر غلا بحبس الزكاة" أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه عمر بن هارون ضعيف (١). ﴿٨﴾
... (جـ) لما فيها من الإحسان إلى المحتاجين والرفق بهم ورفع درجات المزكي وتطييب قلوب الفقراء واطمئنانهم بما يأخذون من الأغنياء، فلا يطمعون في الاستيلاء على أموالهم بوجه غير مشروع.
... (د) وأيضا فإن المال محبوب بالطبع، فإذا استغرق القلب في حبه. اشتغل به عن حب الله وعن الطاعة المقربة إلى الله تعالى، فاقتضت الحكمة إيجاب الزكاة في ذلك المال ليكون سببا للقرب من الله تعالى.
... (هـ) وأيضا فإن إخراج المال شاق على النفس، فأوجب الله تعالى الزكاة لامتحان أرباب الأموال ليتميز بذلك المطيع المخرج لها عن طيب نفس من العاصي المانع لها. ولا ريب أن من أخرج الزكاة فقد حفظ دينه وأرضى ربه ونما ماله وحفظ من التلف، وتبرأ من دنس الشح.
стр. 2788
(٦) منع الزكاة:
منعها إثم كبير وضلال مبين جاء فيه الوعيد الشديد في آيات وأحاديث كثيرة (قال) تعالى: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم* يوم يحمي عليها في نار جهنم فتكوي بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون" (١).
... (وقال) تعالى: "ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة. ولله ميراث السموات والأرض" (٢).
.. (وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمي عليه صفائح في نار جهنم فتكوي بها جنبته وجنبه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون. ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا جيء به يوم القيامة وبإبله كأوفر ما كانت عليه فيبطح لها باقع قرقر تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مضى أخراها ردت عليه أولادها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى
стр. 2789
الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا جيء به وبغنمه يوم القيامة كأوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. قيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة. والخيل ثلاثة وهي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر الذي يتخذها ويحبسها في سبيل الله فما غيبت في بطونها فهو له أجر وإن استنت منه شرفا أو شرفين كان له في كل خطوة خطاها أجر، ولو عرض له نهر فسقاها منه كان له بكل قطرة غيبته في بطونها اجر حتى ذكر الأجر في أرواثها وأبوالها. وأما الذي هي ستر فرجل يتخذها تعففا وتجملا وتكرما ولا ينسى حقها في ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأما الذي عليه وزر فرجل يتخذها أشرا وبطرا ورثاء الناس وبذخا عليه.
قيل: يا رسول الله فالحمر؟ قال: ما أنزل على فيها شيء إلا هذه الآية: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (١). [٩]
стр. 2790
(وحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا:
стр. 2791
"ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله" الآية. أخرجه مالك وأحمد والبخاري (١). ﴿١٠﴾
... (وحديث) عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه وهو يتبعه فيقول: أنا كنزك، ثم قرأ عبد الله: سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وصححه المنذري (٢). ﴿١١﴾
... ففي هذه الآيات والأحاديث التنفير من منع الزكاة وأن مانعها يعذب بأنواع من العذاب. فتارة يجعل ماله صفائح من نار يكوي بها. وتارة يمثل ماله ثعبانا عظيما يطوقه ويأخذ بشدقيهز وتارة يمثل حيوانا يطؤه بأظلافه وينطحه بقرونه. وتارة يتبعه وهو يفر منه فيهدده وينهره بقوله: أنا كنزك أنا مالك الذي لم تؤد حقه فذق وباله وجزاء تفريطك. ودلت الأحاديث أيضا أن مانع الزكاة لا يخلد في النار إن لم يستحل تركها على ما تقدم.
(٧) قتال مانع الزكاة:
... اتفقت الصحابة ﵃ على قتال مانع الزكاة. (قال) أبو هريرة
стр. 2792
رضي الله تعالى عنه: "لما توفى النبي ﷺ واستخلف أبو بكر بعدهن وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلك: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق" أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه (١). . ﴿١٢﴾
стр. 2793
(وقد) جاء في هذا أحاديث كثيرة صحيحة تدل على أنه يطلب من الإمام قتال من امتنع عن تأدية الزكاة وكان ذا قوة (فإن) ظفر به وبماله أخذ منه الزكاة بلا زيادة ولا تسبي ذريته، لأن الجناية من غيرهم ولأن مانع الزكاة لا يسبي (وإن) ظفر به دون ماله دعاه إلى أداء الزكاة واستتابه ثلاثا. فإن تاب وأدى الزكاة إلا قتل عقوبة لا كفرا، لأن عمر وغيره من الصحابة ﵃ امتنعوا من قتال مانعي الزكاة في بدء الأمر ولو اعتقدوا كفرهم لما توقفوا عنه. ثم اتفقوا على القتال وبقي الكفر على اصل النفي، ولأن الزكاة فرع من فروع الدين فلا يكفر تاركه بمجرد تركه كالحج (وروي) عن أحمد ما يفيد أنه يكفر بقتاله عليها (روى) الميموني عنه أنه قال: إذا منعوا الزكاة كما منعوها أبا بكر وقاتلوا عليها لم يورثوا ولم يصل عليهم.
... (وقال) ابن مسعود: ما تارك الزكاة بمسلم وذلك أن أبا بكر ﵁ لما قاتلهم وعضتهم الحرب قالوا: نؤديها، قال: لا أقبلها حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فدل على كفرهم.
... (وأجاب) الجمهور عن هذا بأنه يحتمل أنهم جحدوا وجوبها، فقد نقل عنهم أنهم قالوا: إنما كنا نؤدي إلى النبي ﷺ لأن صلاته سكن لنا وليس صلاة أبي بكر سكنا لنا فلا نؤدي إليه.
... (ويحتمل) أن أبا بكر ﵁ قال ذلك لأنهم ارتكبوا كبائر من غير توبة، فحكم لهم بالنار ظاهرا كما حكم لقتلى المجاهدين بالجنة ظاهرا.
стр. 2794
والأمر مفوض إلى الله تعالى في الجميع ولم يحكم عليهم بالخلود في النار ولا يلزم من الحكم بها الحكم بالخلود بعد أن أخبر النبي ﷺ أن قوما من أمته يدخلون النار ثم يخرجهم الله تعالى منها ويدخلهم الجنة (١).
(أما) من منعها بلا قوة معتقدا وجوبها فإن الإمام يأخذها منه ويعزره، ولا يؤخذ منه أزيد منها عند الأئمة الأربعة والجمهور (لحديث) أبي هريرة أن أعرابيا قال للنبي صلى اله عليه وسلم: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما أدبر قال: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" أخرجه الشيخان (٢). ﴿١٣﴾
فقوله: لا أزيد على هذا، أقره عليه النبي ﷺ وهو مطلق يشمل من منع الزكاة ثم أداها (وقال) الشافعي في القديم وإسحاق بن راهويه: يأخذ منه الزكاة وشطر ماله (لحديث) بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية ابن حيدة أن النبي ﷺ قال: في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنه لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها منه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي (٣). ﴿١٤﴾
стр. 2795
(وأجاب) الجمهور بأنه لم يثبت (فقد) روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، وليس بهز حجة.
... (وقال) أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وسئل أحمد عنه فقال: ما أدري وجهه. وسئل عن سنده فقال: صالح.
... (٨) فضل الزكاة:
قد ورد في فضل الصدقة- واجبة أو غير واجبة - أحاديث (منها) حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الله يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه أو فصيله حتى إن اللقمة لتصير مثل جبل أحد، قال تعالى: "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات". "ويمحق الله الربا ويربي الصدقات". أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه المنذري (١). ﴿١٥﴾
(وحديث) أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: "ما طلعت
стр. 2796
شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يأيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: الهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا مالا تلفا" أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد (١). ﴿١٦﴾
(وحديث) أنس أن رجلا من بني تميم أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف النفق وكيف أصنع؟ فقال النبي ﷺ : تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك وتعرف حق السائل والجار والمسكين. فقال: يا رسول الله أقلل لي. قال: "فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا". قال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها فلك أجرها وإثمها على من بدلها. أخرجه أحمد والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢). ﴿١٧﴾
стр. 2797
والأحاديث في هذا كثيرة (١)، وهي تدل على أن الله تعالى يقبل الصدقة من عبده ويثيبه عليها ويبارك له في ماله إذا أخرجها من حلال مخلصا لله تعالى، وأن من أنفق في طاعة الله أخلف الله عليه وضاعف له الثواب أضعافا كثيرة، وأن أفضل الإنفاق الإنفاق على العيال ثم الأقارب والمساكين ونحوهم مع عدم التبذير، وأن البخل لا يزيد في المال إلا خسارا بل يذهب البركة منه ويحرم صاحبه من الثواب، ويقع في العذاب الأليم إذا بخل بالصدقة الواجبة.
стр. 2798
(٩) شروط الزكاة:
... للزكاة شروط افتراض وشروط ضحة:
... (أ) فشروط الافتراض عشرة:
... (الأول) الإسلام- عند غير مالك- لقول أبي بكر فيما كتبه لأنس حين بعثه مصدقا: هذه فريضة الصدقة التي فرضها النبي ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها نبيه ﵊، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها (الحديث) أخرجه الجماعة إلا مسلما والترمذي (١). ﴿١٨﴾
... (فلا تفترض) على كافر أصلي ولو ذميا لأنها قربة وليس هو من أهلها وهو غير مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح عند غير مالك. وإن أسلم لم يطالب بها في مدة الكفر لقوله تعالى: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف" (٢). (وكذا) لا تفترض في مال المرتد عند الحنفيين لأنه يصير كالكافر الأصلي حتى لو ارتد بعد لزومها تسقط عنه.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: من ارتد بعد لزومها لا تسقط عنه، لأن ما ثبت وجوبه لا يسقط بالردة كغرامة المتلفات. وأما ما لزمه حال الردة فيجب عليه وجوبا موقوفا- على الأصح- عند الشافعي فإن عاد إلى الإسلام وجبت عليه وإلا فلا (٣). (وعند) الحنبلية قولان بالوجوب وعدمه.
... (وقالت) المالكية: الإسلام شرط لصحة الزكاة لا لوجوبها، فتجب على الكافر بمعنى أنه يعاقب على تركها عقابا زائدا على عقاب الكفر، لأنه
стр. 2799
مخاطب بفروع الشريعة وإن كانت لا تصح إلا بالإسلام، وإذا أسلمت سقطت عنه بلا فرق بين الكافر الأصلي والمرتد (١).
... الزكاة في مال غير المكلف:
... (الثاني) من شروط افتراض الزكاة عند الحنفيين: التكليف- في غير زكاة الزروع والفطر- بالبلوغ والعقل فلا تفترض على صبي ومجنون لقول الله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" (٢). وهما ليسا في حاجة إلى التطير، إذ لا ذنب عليهما (ولحديث) علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي، لكن النسائي أخرجه من عدة طرق وقال: لا يصح منها شيء والموقوف أولي بالصواب (٣). ﴿١٩﴾
(ولا يطالب) وليهما بإخراجها من مالهما لأنها عبادة محضة وليس مخاطبين بها، وإلزامهما بالمتلفات والغرامات لكونها من حقوق العباد، ووجوب العشر وصدقة الفطر في مالهما لما فيهما من معنى المؤنة فالتحقا بحقوق العباد (والمجنون) الأصلي إذا أفاق يعتبر ابتداء الحول من وقت إفاقته كوقت بلوغ الصبي. وكذا الجنون الطارئ إن استوعب الحول على الأصح. ولا عبرة بالجنون غير المستوعب. وهذا التفصيل يجري في المعتوه.
... (وقال) مالك والشافعي وأحمد والجمهور: لا يشترط في وجوب الزكاة
стр. 2800
التكليف فتجب في مال الصبي والمجنون (لحديث) المثنى بن الصباح عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "ألا من ولي يتيما له مال فليتجزأ له ولا يتركه تأكله الصدقة" أخرجه الدارقطني والترمذي وقال: " ألا من ولى يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه تأكله الصدقة " أخرجه الدار قطنى والترمذى وقال:
إنما روى من هذا الوجه. والمثنى بن الصباح يضعف في الحديث. وأخرجه البيهقي والدارقطني بسند فيه مندل بن علي وهو ضعيف، والعزرمي وهو متروك (١). ﴿٢٠﴾
... (ولكن) له شاهدان:
... (أ) ما روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح (٢). ﴿٢١﴾
... (ب) ما روى ابن جريح عن يوسف بن ماهك أن النبي ﷺ قال: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" أخرجه الشافعي والبيهقي بسند صحيح (٣). ﴿٢٢﴾
(وقد) أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقا وما روى عن الصحابة في ذلك (٤) (ولذا) قال الجمهور: يجب على ولي غير
стр. 2801
المكلف إخراج زكاة ماله، لأن الزكاة تراد للثواب ومواساة الفقير. وغير المكلف من أهل الثواب والمواساة. ويجب في ماله غرامة ما أتلفه فوجبت الزكاة في ماله. (قال) الترمذي: اختلف أهل العلم في هذا. فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد واسحق. وقالت طائفة: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك (١).
... (وأجاب) الجمهور:
(أ) عن استدلال الحنفيين - بآية: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" فإن غير المكلف ليس من أهل التطهير- بأن الغالب في الزكاة أنها تطهير وليس ذلك شرطا. فإن العلماء اتفقوا على وجوب زكاة الفطر والعشر في مال غير المكلف وإن لم يكن في حاجة إلى التطهير.
(ب) وعن حديث: رفع القلم عن ثلاثة، بأن المراد رفع الإثم والوجوب. والجمهور يقولون: لا إثم على غير المكلف ولا تجب الزكاة عليه بل في ماله، ويطالب بإخراجها وليه. وذلك أن المقصود من الزكاة سد حاجة الفقير من مال الغني شكرا لله وتطهيرا للمال. ومال غير المكلف قابل لأداء النفقات والغرامات. فعلى الولي إخراجها من مال غير المكلف. فإن لم يخرجها وجب على غير المكلف إخراجها بعد البلوغ والإفاقة، لأن الحق توجه إلى المال والولي عصى بالتأخير فلا يسقط ما توجه إلى المال. وإذا نسب إلى الجنين مال بإرث
стр. 2802
أو غيره وانفصل حيا هل تجب فيه الزكاة عند الجمهور؟ الظاهر أنها لا تجب لأن الجنين لا تتيقن حياته ولا يوثق بها فلا يحصل تمام الملك واستقراره، فعلى هذا يبتدئ حولا من حين ينفصل (١).
(والراجح) الذي يشهد له العقل والنقل ما ذهب إليه الحنفيون من أن زكاة غير العشر والفطرة لا تفترض في مال غير المكلف كباقي أركان الإسلام (قال) في الدرر البهية وشرحها: وتجب الزكاة في الأموال إذا كان المالك مكلفا. أعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من يسمعها. فإذا راجع الإنصاف ووقف حيث أوقفه الحق- علم أن هذا هو الحق. وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام. ولا خلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي الزكاة خامستها على غير مكلف. فإيجاب الزكاة عليه إن كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة كما يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمر بالاتجار في أموال الأيتام لئلا تأكلها الزكاة (٢). فلم يصح ذلك في شيء مرفوعا إلى النبي ﷺ فليس مما تقوم به الحجة. وأما ما روي عن ابن مسعود أنه قال: من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين، فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة، فإن شاء زكى وإن شاء ترك (٣). وروى نحو ذلك عن ابن عباس.
(وإن قال) قائل: إن الخطاب في الزكاة عام كقوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة" (فذلك) ممنوع، وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح له الخطاب وهم المكلفون. وأيضا بقية الأركان بل وسائر التكاليف- التي وقع
стр. 2803
الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف- الخطاب بها عامة للناس. والصبي من جملة الناس. فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين، لكان العموم في غيرها كذلك، وهو باطل بالإجماع. وما استلزم الباطل باطل. مع أن تمام الآية- أعني قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة- يدل على عدم وجوبها على الصبي وهو قوله: تطهرهم وتزكيهم بها، فإنه لا معنى لتطهير الصبي والمجنون ولا لتزكيته. فما جعلوه مخصصا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة، لزمهم أن يجعلوه مخصصا في الركن الخامس وهو الزكاة. وبالجملة فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحللها إلا التراضي وطبية النفس، أو ورود الشرع كالزكاة والدية والأرش والشفعة. فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله- سيما من كان قلم التكليف عنه مرفوعا- فعليه البرهان. والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل. ولم يوجب الله تعالى على ولي اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما ولا أمره بذلك ولا سوغه له، بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدع لها القلوب وترجف لها الأفئدة (١).
... (وقال) العلامة صديق بن حسن البخاري: والحق الذي لا محيص عنه أنها لا تجب الزكاة في مال الصبي. والمرفوع في هذه المسألة لم يثبت والموقوف لا حجة فيه. وحكم الصبي في جميع الفرائض- في الصلاة والصوم والزكاة- وأحد لم يخص منها شيء دون شيء (٢).
... هل على العبد زكاة؟
(الثالث) من شروط افتراض الزكاة: الحرية، فلا تفترض على العبد القن والمدبر عند كافة العلماء وكذا المكاتب والمستسعى لا تجب عليهما زكاة عند الجمهور سواء الزرع وغيره لضعف ملكهما ولأن الزكاة للمواساة وليس
стр. 2804
الرقيق من أهلها (وقال) الحنفيون: على المكاتب زكاة الزرع دون باقي الأموال (لعموم) حديث معاذ ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن آخذ مما سقت السماء العشر ومما سقى بالدوالي نصف العشر" أخرجه النسائي (١). ﴿٢٣﴾
... والمستسعى كالمكاتب عند أبي حنيفة (وقال) أبو يوسف ومحمد: هو حر مدين يزكي ما زاد على الدين المطلوب منه لسيده إن بلغ نصابا وحال عليه الحول (وقال) الجمهور: إن عتق المكاتب والمال في يده استأنف له الحول من حين العتق، وإن عجز وصار المال للسيد ابتدأ الحول من حينئذ.
... زكاة الصداق والموقوف وغير المملوك ونحوها:
... (الرابع) من شروط افتراض الزكاة: الملك التام (وهو) عند الحنفيين أن يكون المال مملوكا في اليد (وعند) المالكية أن يكون للشخص حق التصرف فيما ملك (وعند) الشافعية والحنبلية أن يكون المال بيده يتصرف فيه باختياره وثمرته له ولم يتعلق به حق الغير، وعليه:
(أ) فلا زكاة في الزرع الثابت بأرض مباحة اتفاقا لعدم الملك.
(ب) ولو ملك ما لم يقبضه كصداق المرأة قبل قبضه فلا زكاة فيه حتى تقبضه على ما سيأتي بيانه في زكاة الدين إن شاء الله تعالى.
(جـ) ومن قبض ما لا يملك كالمدين الذي بيده مال الدائن فلا زكاة عليه عند الحنفيين، لأنه غير مملوك له.
(وقال) مالك: إن كان ما بيده نقدا وعنده عقار أو غيره يوفى منه الدين فعليه زكاة ما بيده متى مضى عليه حوله لأنه- بقدرته على تسديده من ماله- أصبح مملوكا له. أما إذا كان ما بيده حرثا أو ماشية أو معدنا فعليه زكاته وإن لم يوجد عنده ما يوفي به الدين.
стр. 2805
(وقالت) الشافعية والحنبلية: يجب على من استدان مالا أن يزكيه إذا حال عليه الحول وهو في يده لأنه ملكه بالاستقراض ملكا تاما.
... (د) ولا زكاة في المال الموقوف مطلقا عند الحنفيين لعدم الملك (وقالت) المالكية: تجب الزكاة في المال الموقوف على ملك الواقف لأن الوقف لا يخرج العين عن الملك. فلو وقف بستانا ليفرق ثمره على الفقراء أو بين بني فلان، وجب عليه أن يزكى ثمره إن بلغ نصابا وإلا فلا، إلا إذا كان عند الواقف ثمر بستان آخر يكمل النصاب فيجب عليه زكاة الجميع.
... (وقالت) الشافعية والحنبلية: لا تجب الزكاة في مال موقوف على غير معين كالمساكين أو على مسجد ومدرسة ونحوها. وتجب في الموقوف على معين إذا بلغ ثمره نصابا. وكذا تجب على من أجر أرضا موقوفة وزرعها فعليه زكاة الخارج إن بلغ نصابا مع أجرة الأرض. فإذا كانت الماشية موقوفة على جهة عامة كالفقراء والمساجد واليتامى فلا زكاة فيها اتفاقا، لأنه ليس لها مالك معين، وإن كانت موقوفة على معين واحد أو جماعة.
فإن قلنا: إن الملك- في رقبة الموقوف- لله تعالى وهو الأصح، فلا زكاة اتفاقا كالوقف على جهة عامة. وإن قلنا: إن الملك في الرقبة للموقوف عليه وهو قول ضعيف عندهم، ففي وجوبها على الموقوف عليه وجهان: أصحهما لا تجب. والأشجار الموقوفة من نخل أو عنب إن كانت موقوفة على جهة عامة كالمساجد والمدارس والقراء والمساكين فلا زكاة في ثمارها. وإن كانت على معين وجبت الزكاة في ثمارها إذا بلغت نصابا اتفاقا. ويخرجها من نفس الثمرة إن شاء، لأنه يملك الثمرة ملكا مطلقا (وعن) أحمد: إن كانت موقوفة على غير معين لم تجب، وإن كانت على معين وجبت. وهكذا حكم الغلة الخالصة من ارض موقوفة إن كانت على معين وجبت زكاتها اتفاقا وإن كانت على جهة عامة لم تجب على المذهب (١).