المكلف إخراج زكاة ماله، لأن الزكاة تراد للثواب ومواساة الفقير. وغير المكلف من أهل الثواب والمواساة. ويجب في ماله غرامة ما أتلفه فوجبت الزكاة في ماله. (قال) الترمذي: اختلف أهل العلم في هذا. فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد واسحق. وقالت طائفة: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك (١).
... (وأجاب) الجمهور:
(أ) عن استدلال الحنفيين - بآية: "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" فإن غير المكلف ليس من أهل التطهير- بأن الغالب في الزكاة أنها تطهير وليس ذلك شرطا. فإن العلماء اتفقوا على وجوب زكاة الفطر والعشر في مال غير المكلف وإن لم يكن في حاجة إلى التطهير.
(ب) وعن حديث: رفع القلم عن ثلاثة، بأن المراد رفع الإثم والوجوب. والجمهور يقولون: لا إثم على غير المكلف ولا تجب الزكاة عليه بل في ماله، ويطالب بإخراجها وليه. وذلك أن المقصود من الزكاة سد حاجة الفقير من مال الغني شكرا لله وتطهيرا للمال. ومال غير المكلف قابل لأداء النفقات والغرامات. فعلى الولي إخراجها من مال غير المكلف. فإن لم يخرجها وجب على غير المكلف إخراجها بعد البلوغ والإفاقة، لأن الحق توجه إلى المال والولي عصى بالتأخير فلا يسقط ما توجه إلى المال. وإذا نسب إلى الجنين مال بإرث
стр. 2802
أو غيره وانفصل حيا هل تجب فيه الزكاة عند الجمهور؟ الظاهر أنها لا تجب لأن الجنين لا تتيقن حياته ولا يوثق بها فلا يحصل تمام الملك واستقراره، فعلى هذا يبتدئ حولا من حين ينفصل (١).
(والراجح) الذي يشهد له العقل والنقل ما ذهب إليه الحنفيون من أن زكاة غير العشر والفطرة لا تفترض في مال غير المكلف كباقي أركان الإسلام (قال) في الدرر البهية وشرحها: وتجب الزكاة في الأموال إذا كان المالك مكلفا. أعلم أن هذه المقالة قد ينبو عنها ذهن من يسمعها. فإذا راجع الإنصاف ووقف حيث أوقفه الحق- علم أن هذا هو الحق. وبيانه أن الزكاة هي أحد أركان الإسلام. ولا خلاف أنه لا يجب شيء من الأربعة الأركان التي الزكاة خامستها على غير مكلف. فإيجاب الزكاة عليه إن كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء مما تقوم به الحجة كما يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمر بالاتجار في أموال الأيتام لئلا تأكلها الزكاة (٢). فلم يصح ذلك في شيء مرفوعا إلى النبي ﷺ فليس مما تقوم به الحجة. وأما ما روي عن ابن مسعود أنه قال: من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين، فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة، فإن شاء زكى وإن شاء ترك (٣). وروى نحو ذلك عن ابن عباس.
(وإن قال) قائل: إن الخطاب في الزكاة عام كقوله تعالى: "خذ من أموالهم صدقة" (فذلك) ممنوع، وليس الخطاب في ذلك إلا لمن يصلح له الخطاب وهم المكلفون. وأيضا بقية الأركان بل وسائر التكاليف- التي وقع
стр. 2803
الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف- الخطاب بها عامة للناس. والصبي من جملة الناس. فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين، لكان العموم في غيرها كذلك، وهو باطل بالإجماع. وما استلزم الباطل باطل. مع أن تمام الآية- أعني قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة- يدل على عدم وجوبها على الصبي وهو قوله: تطهرهم وتزكيهم بها، فإنه لا معنى لتطهير الصبي والمجنون ولا لتزكيته. فما جعلوه مخصصا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة، لزمهم أن يجعلوه مخصصا في الركن الخامس وهو الزكاة. وبالجملة فأموال العباد محرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحللها إلا التراضي وطبية النفس، أو ورود الشرع كالزكاة والدية والأرش والشفعة. فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله- سيما من كان قلم التكليف عنه مرفوعا- فعليه البرهان. والواجب على المنصف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل. ولم يوجب الله تعالى على ولي اليتيم والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما ولا أمره بذلك ولا سوغه له، بل وردت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدع لها القلوب وترجف لها الأفئدة (١).
... (وقال) العلامة صديق بن حسن البخاري: والحق الذي لا محيص عنه أنها لا تجب الزكاة في مال الصبي. والمرفوع في هذه المسألة لم يثبت والموقوف لا حجة فيه. وحكم الصبي في جميع الفرائض- في الصلاة والصوم والزكاة- وأحد لم يخص منها شيء دون شيء (٢).
... هل على العبد زكاة؟
(الثالث) من شروط افتراض الزكاة: الحرية، فلا تفترض على العبد القن والمدبر عند كافة العلماء وكذا المكاتب والمستسعى لا تجب عليهما زكاة عند الجمهور سواء الزرع وغيره لضعف ملكهما ولأن الزكاة للمواساة وليس
стр. 2804
الرقيق من أهلها (وقال) الحنفيون: على المكاتب زكاة الزرع دون باقي الأموال (لعموم) حديث معاذ ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن آخذ مما سقت السماء العشر ومما سقى بالدوالي نصف العشر" أخرجه النسائي (١). ﴿٢٣﴾
... والمستسعى كالمكاتب عند أبي حنيفة (وقال) أبو يوسف ومحمد: هو حر مدين يزكي ما زاد على الدين المطلوب منه لسيده إن بلغ نصابا وحال عليه الحول (وقال) الجمهور: إن عتق المكاتب والمال في يده استأنف له الحول من حين العتق، وإن عجز وصار المال للسيد ابتدأ الحول من حينئذ.
... زكاة الصداق والموقوف وغير المملوك ونحوها:
... (الرابع) من شروط افتراض الزكاة: الملك التام (وهو) عند الحنفيين أن يكون المال مملوكا في اليد (وعند) المالكية أن يكون للشخص حق التصرف فيما ملك (وعند) الشافعية والحنبلية أن يكون المال بيده يتصرف فيه باختياره وثمرته له ولم يتعلق به حق الغير، وعليه:
(أ) فلا زكاة في الزرع الثابت بأرض مباحة اتفاقا لعدم الملك.
(ب) ولو ملك ما لم يقبضه كصداق المرأة قبل قبضه فلا زكاة فيه حتى تقبضه على ما سيأتي بيانه في زكاة الدين إن شاء الله تعالى.
(جـ) ومن قبض ما لا يملك كالمدين الذي بيده مال الدائن فلا زكاة عليه عند الحنفيين، لأنه غير مملوك له.
(وقال) مالك: إن كان ما بيده نقدا وعنده عقار أو غيره يوفى منه الدين فعليه زكاة ما بيده متى مضى عليه حوله لأنه- بقدرته على تسديده من ماله- أصبح مملوكا له. أما إذا كان ما بيده حرثا أو ماشية أو معدنا فعليه زكاته وإن لم يوجد عنده ما يوفي به الدين.
стр. 2805
(وقالت) الشافعية والحنبلية: يجب على من استدان مالا أن يزكيه إذا حال عليه الحول وهو في يده لأنه ملكه بالاستقراض ملكا تاما.
... (د) ولا زكاة في المال الموقوف مطلقا عند الحنفيين لعدم الملك (وقالت) المالكية: تجب الزكاة في المال الموقوف على ملك الواقف لأن الوقف لا يخرج العين عن الملك. فلو وقف بستانا ليفرق ثمره على الفقراء أو بين بني فلان، وجب عليه أن يزكى ثمره إن بلغ نصابا وإلا فلا، إلا إذا كان عند الواقف ثمر بستان آخر يكمل النصاب فيجب عليه زكاة الجميع.
... (وقالت) الشافعية والحنبلية: لا تجب الزكاة في مال موقوف على غير معين كالمساكين أو على مسجد ومدرسة ونحوها. وتجب في الموقوف على معين إذا بلغ ثمره نصابا. وكذا تجب على من أجر أرضا موقوفة وزرعها فعليه زكاة الخارج إن بلغ نصابا مع أجرة الأرض. فإذا كانت الماشية موقوفة على جهة عامة كالفقراء والمساجد واليتامى فلا زكاة فيها اتفاقا، لأنه ليس لها مالك معين، وإن كانت موقوفة على معين واحد أو جماعة.
فإن قلنا: إن الملك- في رقبة الموقوف- لله تعالى وهو الأصح، فلا زكاة اتفاقا كالوقف على جهة عامة. وإن قلنا: إن الملك في الرقبة للموقوف عليه وهو قول ضعيف عندهم، ففي وجوبها على الموقوف عليه وجهان: أصحهما لا تجب. والأشجار الموقوفة من نخل أو عنب إن كانت موقوفة على جهة عامة كالمساجد والمدارس والقراء والمساكين فلا زكاة في ثمارها. وإن كانت على معين وجبت الزكاة في ثمارها إذا بلغت نصابا اتفاقا. ويخرجها من نفس الثمرة إن شاء، لأنه يملك الثمرة ملكا مطلقا (وعن) أحمد: إن كانت موقوفة على غير معين لم تجب، وإن كانت على معين وجبت. وهكذا حكم الغلة الخالصة من ارض موقوفة إن كانت على معين وجبت زكاتها اتفاقا وإن كانت على جهة عامة لم تجب على المذهب (١).
стр. 2806
(الخامس) من شروط افتراض الزكاة: ملك النصاب- في غير الزروع اتفاقا، وكذا في الزروع عند غير النعمان- فلا تفترض على من لم يملك نصابا، وهو ما قدره الشارع لافتراض الزكاة، ويختلف باختلاف المال المزكى كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
... (السادس) حولان: الحول القمري على ملك النصاب- في الأثمان والمواشي وعروض التجارة- فلا زكاة فيما ذكر إلا بعد مضي حول تام- تحديدا- بعد ملك النصاب عند غير الحنبلية- وتقريبا- عندهم فلا يضر نقصانه نصف يوم (لحديث) حارثة بن محمد عن عمرة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" أخرجه ابن ماجه مرفوعا والبيهقي مرفوعا وموقوفا (١). ﴿٢٤﴾
... قال البيهقي: وحارثة لا يحتج بخبره، والاعتماد في ذلك على الآثار الصحيحة فيه عن أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم ﵃.
(وعن) أيوب عن نافع أن ابن عمر قال: "من استفاد مالا فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول عند ربه" أخرجه الترمذي وقال: وهذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه (٢). ﴿٢٥﴾
... (وعن) عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول
стр. 2807
ففيها خمسة دراهم" (الحديث) وفيه: وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. أخرجه أبو داود والبيهقي (١). ﴿٢٦﴾
... (أما) ما يخرج من الأرض كالزرع والمعدن والركاز فتفترض فيها الزكاة ولم يحل عليها الحول. وكذا ربح التجارة لأنه يزكي بحول أصله إن كان نصابا (وجملة) القول أن أموال الزكاة ضربان:
(أ) ما هو نماء في نفسه كالحبوب والثمار: فهذا تجب فيه الزكاة بلا توقف على الحول.
(ب) ما هو مرصد للنماء كالنقود وعروض التجارة والماشية: فهذا يعتبر فيه الحول اتفاقا (٢).
(والفرق) أن ما اعتبر له الحول مرصد للنماء. فالماشية مرصدة للدر والنسل. وعروض التجارة مرصدة للربح وكذا الأثمان. فاعتبر له الحول لكونه مظنة النماء، ولأن الزكاة إنما وجبت مواساة. ولم تعتبر حقيقة النماء لكثرة اختلافه وعدم ضبطه ولأن الزكاة تتكرر في هذه الأحوال فلابد لها من ضابط كيلا يفضي إلى تعاقب الوجوب في الزمن الواحد فينفذ مال المالك. أما الزروع والثمار فهي نماء في نفسها تتكامل عند نضوجها، فتؤخذ الزكاة منها حينئذ ثم تعود في النقص فلا تجب فيها ثانية لعدم إرصادها للنماء. وكذلك الخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض فنزل منزلة الزروع والثمار، إلا أنه إن كان من جنس الأثمان وجبت فيه الزكاة عند كل حول لأنه مظنة للنماء من حيث إن الأثمان قيم الأموال ورءوس مال التجارات (٣).
стр. 2808
(السابع) من شروط افتراض الزكاة: كمال النصاب في طرق الحول- عند الحنفيين ومالك- ولا يضر نقصانه في أثنائه ما بقى من النصاب شيء، أما لو عدم بالمرة أو نقص في آخر الحول فلا تفترض الزكاة (وقال) الشافعي وأحمد: يشترط كمال النصاب في كل الحول، فلو كمل في أول الحول ثم نقص في أثنائه ثم كمل فلا زكاة إلا إذا مضى حول كامل من يوم التمام ولو بادل بماشية ماشية من جنسها، استأنف كل واحد منهما الحول على ما أخذه من حين المبادلة، وكذا لو بادل الذهب بالذهب والفضة بالفضة استأنف الحول وإن كان صيرفيا على الأصح (١).
(وقال) بعض الحنبلية: نقص الحول ساعة أو ساعتين معفو عنه.
(وقال) بعضهم: لا يعفى عن النقص في الحول وإن كان يسيرا لعموم قوله ﵊: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (٢).
(وقال) بعضهم: نقص الحول أقل من يوم لا يؤثر لأنه يسير فأشبه الحبة والحبتين. وظاهر الحديث يقتضي التأثير وهو أولى، ومتى باع النصاب في أثناء الحول أو أبدله بغير جنسه أنقطع حول الزكاة واستأنف له حولا لما ذكرنا من الحديث. ولا نعلم في ذلك خلافا إلا أن يبدل ذهبا بفضة أو فضة بذهب فإنه مبني على الروايتين في ضم أحدهما إلى الآخر، فقيل: يضم لأنهما كالجنس الواحد. فعلى هذا لا ينقطع الحول. وقيل: لا يضم أحدهما إلى الآخر لأنهما جنسان في باب الربا. فعلى هذا ينقطع الحول ومحل انقطاع الحول بالبيع والإبدال ما لم يقصد بذلك الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها وإلا فلا تسقط. وكذا لو أتلف جزءا من النصاب لتسقط عنه الزكاة لم تسقط وتؤخذ منه في آخر الحول من جنس المال المبيع أو المبدل دون الموجود لأنه الذي وجبت فيه الزكاة. وهذا قول مالك والأوزاعي وابن الماجشون وإسحاق (٣).
стр. 2809
(فائدة) لو ملك أقل من نصاب ثم كمل بالربح ثم كمل بالربح لا يحسب الحول إلا من وقت الكمال عند الثلاثة لعموم حديث: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول.
... (وقالت) المالكية: لو ملك أقل من نصاب في أول الحول ثم اتجر فيه فربح ما يكمل النصاب في آخر الحول وجب عليه زكاة الجميع (وعن أحمد) فيمن ملك دون النصاب من الغنم فكمل بنتاجها احتسب الحول من حين ملك الأمهات. والمذهب الأول لأن النصاب هو السبب فاعتبر معنى الحول على جميعه (١).
... (الثامن) - من شروط افتراض الزكاة- العلم بفرضيتها لمن أسلم في دار الحرب- عند الحنفيين- أما من أسلم في دار الإسلام فلا يشترط في حقه العلم بفرضيتها لأن لا يعذر بالجهل.
(وقال) غيرهم: لا يشترط العلم بفرضية الزكاة ولو لمن أسلم في دار الحرب. فإذا مضت عليه سنين ولم يؤد زكاتها لومه إخراج الزكاة عن جميعها ولو لم يعلم بوجوب الزكاة أو كان في دار الحرب. ولو غلب أهل البغي على بلد ولم يؤد أهل ذلك البلد الزكاة أعواما ثم ظفر بهم الإمام أخذ منهم زكاة الماضي عند مالك والشافعي وأحمد.
... (وقال) الحنفيون: لا زكاة عليهم لما مضى (٢)، لأن العلم بفرضية الصلاة والصيام والزكاة شرط لمن أسلم في دار الحرب لأنه يعذر بجهله بخلاف من اسلم في دارنا، وأيضا فإن الصلاة والصوم عبادتان بدنيتان والزكاة عبادة مالية تتعلق بمرافق الأمة الاجتماعية العامة التي يكفلها الإمام وينفق منها في مصالح العامة، فلابد أن يكون له الولاية التامة على من يأخذها منه (٣).
стр. 2810
زكاة مال المدين:
... (التاسع) فراغ مال الزكاة- غير الزرع- من دين محيط بماله له مطالب من العباد- عند الحنفيين- بأن كان دينا للعبد أو لله له مطالب من العباد كالزكاة والمطالب بها الإمام في الأموال الظاهرة وهي المواشي وما يخرج من الأرض والملاك في الأموال الباطنة وهي أموال التجارة والأثمان، لأن الإمام كان يأخذها إلى زمن عثمان ﵁ ثم فوضها إلى أربابها فهم نواب الإمام فيها. فلا تفترض الزكاة على مدين بما ذكر دينا محيطا بماله كله أو جله والباقي أقل من النصاب. أما إذا بقى منه نصاب فإنه يزكى الباقي لعدم المانع. أما الدين الخالص لله تعالى الذي ليس له مطالب من العباد كالنذر والكفارات ونفقة الحج فإنه لا يمنع وجوب الزكاة.
(وقالت) المالكية: يشترط في زكاة النقدين- غير المعدن والركاز (١) - عدم دين ينقص النصاب وليس عند المالك ما يفي به من غير حاجته الضرورية. فلا تفترض زكاة النقدين على مدين دينا ينقص النصاب وليس عنده ما يفي بالدين من غير مال الزكاة بعد حوائجه الضرورية كدار السكنى. أما الماشية والحرث والمعدن والركاز فتجب فيها الزكاة ولو مع الدين.
... (والأصح) عند الشافعية: أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة في أي مال كان. وقيل: إنه يمنع وجوبها في الأموال الباطنة وهي الذهب والفضة وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة وهي الزروع والثمار والمواشي والمعادن (والفرق) أن الظاهرة نامية بنفسها، وبهذا قال مالك (٢).
... (والأصح) عند الحنبلية أنه يشترط في كل أموال الزكاة عدم دين يستغرق النصاب أو ينقصه ولو كان الدين من غير جنس المال المزكى أو كان دين خراج أو أجرة أرض وحرث وغيرها؛ فمن كان عنده مال وجبت
стр. 2811
زكاته وهو مدين فليخرج منه ما يفي بدينه ثم يزكي الباقي إن بلغ نصابا وإلا فلا، لأن المدين محتاج والصدقة إنما تجب على الأغنياء (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" أخرجه أحمد وكذا البخاري معلقا في الوصايا (١). ﴿٢٧﴾
... (وروى) أبو عبيد في كتاب الأموال عن السائب بن يزيد قال: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم ومن لم يكن عنده زكاة لم يطلب منه حتى يأتي تطوعا. قال إبراهيم النخعي: أراه (يعني شهر رمضان) (٢).
... (وقالت) الحنبلية: دين الله تعالى كالنذر والكفارة فيه وجهان:
(أحدهما) يمنع الزكاة لأنه دين يجب قضاؤه كدين الآدمي (وقد) روى ابن عباس ﵄ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر افأقضيه عنها؟ قال: "نعم فدين اله أحق أن يقضي" أخرجه الشيخان (٣). ﴿٢٨﴾
... (وثانيهما) لا يمنع دين الله الزكاة، لأنها آكد منه لتعلقها بالعين. ويفارق دين الآدمي لتأكده وتوجه المطالبة به. فإن نذر الصدقة بمعين فقال: لله على أن أتصدق بهذه المائتي ريال إذا حال الحول (فقيل) يخرجها ولا زكاة عليه لأن النذر آكد لتعلقه بالعين والزكاة مختلف فيها (وقيل) تلزمه زكاتها وتجزيه الصدقة بالباقي ويكون ذلك صدقة مجزئة عن الزكاة والنذر، لأن الزكاة صدقة وباقيها يكون صدقة لنذره وليس بزكاة (٤).
стр. 2812
(العاشر) - من شروط افتراض الزكاة- التمكن من أدائها- عند مالك والشافعي في القديم- فلا تفترض فيما حال عليه الحول قبل التمكن من أدائها حتى لو هلك المال حينئذ فلا زكاة فيه لأنها عبادة، فيشترط لوجوبها إمكان أدائها كسائر العبادات. وكذا لو أتلف المال بعد الحول وقبل إمكان الأداء فلا زكاة عليه إذا لم يقصد بإتلافه الفرار من الزكاة.
(وقال) الحنفيون وأحمد والشافعي في الجديد: لا يشترط لوجوب الزكاة التمكن من أدائها. فتجب بحلول الحول ولو لم يتمكن من الأداء. واتفق العلماء على أن إمكان الأداء شرط في الضمان. ومعناه أنه يضمن من الزكاة بقدر ما بقي من النصاب. فلو هلك النصاب كله بعد الحول وقبل إمكان الأداء فلا شيء على المالك، لأنا إن قلنا: الإمكان شرط في الوجوب فلم يصادف وقت الوجوب مالا، وإن قلنا: الإمكان شرط في الضمان فلم يبق شيء يضمن بقسطه. فلو حال الحول على خمس من الإبل فتلف واحد قبل الإمكان فلا زكاة على التالف اتفاقا. وأما الأربعة فإن قلنا: الإمكان شرط في الوجوب فلا شيء فيها. وإن قلنا: شرط في الضمان فقط وجب أربعة أخماس شاة. ولو تلف أربعة فعلى الأول لا شيء وعلى الثاني يجب خمس شاة. ولو ملك ثلاثين بقرة فتلف خمس منها بعد الحول وقبل الإمكان فعلى الأول لا شيء عليه، وعلى الثاني يجب خمسة أسداس تبيع. ولو تم الحول على تسع من الإبل فتلف أربعة قبل الإمكان، فإن قلنا: التمكن شرط في الوجوب وجب شاة، وإن قلنا: شرط في الضمان والوقص (١) عفو فكذلك، وإن قلنا: يتعلق الفرض بالجميع الفصحيح الذي قطع به الجمهور يجب خمسة اتساع شاة (٢).
(والراجح) أن الزكاة تجب بحلول الحول سواء تمكن من الأداء أو لم يتمكن (لحديث) لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٣). فمفهومه وجوبها عليه إذا حال الحول ولأنه لو لم يتمكن من الأداء حتى حال عليه حولان
стр. 2813
وجبت عليه زكاة الحولين، ولا يجوز وجوب فرضين في نصاب واحد في حال واحد. وقياس المالكية الزكاة على سائر العبادات ينقلب عليهم، فإننا نقول هذه عبادة فلا يشترط لوجوبها إمكان أدائها كسائر العبادات، فإن الصوم يجب على الحائض والمريض العاجز عن أدائه والصلاة تجب على المغمي عليه والنائم ومن أدرك من أول الوقت جزءا ثم جن أو حاضت المرأة، والحج يجب على من أيسر في وقت لا يتمكن من الحج فيه أو منعه من المضي مانع. ثم الفرق بينهما أن تلك عبادات بدنية يكلف فعلها ببدنه فأسقطها تعذر فعلها. وهذه عبادة مالية يمكن ثبوت الشركة للمساكين في ماله والوجوب في ذمته مع عجزه عن الأداء كثبوت الديون في ذمة المفلس وتعلقها بماله بجنايته (١).
(ب) شروط صحة أداء الزكاة:
... يشترط لصحة أدائها شرطان:
... (الأول) الإسلام- عند المالكية- بناء على المعتمد عندهم من أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. فلا تصح الزكاة من الكفار عندهم، كما لا تجب عليه عند غيرهم القائلين بأن الكفار غير مخاطبين بالفروع.
... (الثانية) النية المقارنة لأداء الزكاة حقيقة أو حكما- بأن دفع إلى الفقير بلا نية ثم نوى والمال بيد الفقير- أو المقارنة لعزل المقدار الواجب إخراجه لقوله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" (٢). فإن الإخلاص هو النية لأنه عمل قلبي (ولحديث) عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات" أخرجه الشيخان (٣). ﴿٢٩﴾
أي إنما صحتها بالنية (وقد) أجمع العلماء على أن النية فرض في الزكاة وغيرها من مقاصد العبادات، لكنه لو تصدق بكل المال ولم ينو الزكاة سقطت- عند الحنفيين- لدخول الواجب فيما تصدق به فلا يحتاج للتعيين.
стр. 2814
(وقال) غير الحنفيين: لا تسقط الزكاة لعدم النية. (وشذ) الأوزاعي فقال: لا يشترط للزكاة نية لأنها دين فلا تجب لها النية كسائر الديون، ولهذا يخرجها ولي اليتيم ويأخذها السلطان من الممتنع. (ورد):
(أ) بحديث: إنما الأعمال بالنيات؛ وأداؤها عمل فلابد له من النية.
(ب) وبأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل فافتقرت إلى النية كالصلاة، وتفارق قضاء الدين بأنه ليس بعبادة، ولهذا يسقط بإسقاط مستحقة، وولي الصبي والسلطان ينويان عند الحاجة.
(هذا) والنية أن يعتقد أنها زكاته أو زكاة من يخرج عنه كالصبي والمجنون، ومحلها القلب، ويجوز تقديمها على الأداء زمنا يسيرا كسائر العبادات، ولأن الزكاة تجوز النيابة فبها فاعتبار مقارنة النية للإخراج يؤدي إلى الحرج، فإن دفع الزكاة إلى وكيله ونوي هو دون الوكيل جاز إن قرب الزمن وإلا لم يجز إلا إن نوى الوكيل أيضا عند الدفع، ولو نوى الوكيل دون الموكل لم يجز لأن الفرض يتعلق به، وإن دفعها إلى الإمام ناويا ولم ينو الإمام حال دفعها للفقراء جاز وإن تأخر دفعها لهم لأنه وكيل عنهم (١).
(وحاصل) مذهب المالكية: أنه يجب على المزكي نية الزكاة عند عزلها أو دفعها لمستحقها لتتميز عن صدقة التطوع، فإن لم ينو ولو جهلا أو نسيانا لم تجزه. وهل يشترط إعلام الآخذ أو علمه بأنها زكاة أو لا يشترط لما فيه من كسر النفس؟ خلاف. ولا يجوز سرقة قدر الزكاة من مال من اشتهر بعدم التزكية لعدم النية (وقيل) يجوز إذا علم من شخص أنه لا يخرجها بحال وليس حاكم يكرهه على إخراجها. وإذا نوى رب المال بما سرق منه زكاة ماله لم تفده هذه النية لأن شرط النية أن تكون عند عزلها أو دفعها (٢).
стр. 2815
(١٠) وقت تأدية الزكاة:
يجب إخراجها فورا عند الثلاثة والجمهور، وهو المختار عند الحنفيين (لقول) عقبة بن الحارث النوفلي: "صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر فسلم فقام مسرعا فتخطي رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال: "ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته" أخرجه البخاري (١). ﴿٣٠﴾
ففي الحديث دليل على:
(أ) طلب المبادرة بإخراج الزكاة بعد وجوبها كراهة أن يحبس في القيامة على التأخير (قال) ابن بطال: إن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة.
(ب) أنه ينبغي أن يبادر بالخير، فإن الآفات تعرض والموانع تمنع والتسويف غير محمود. وفي المبادرة تخليص الذمة وبعد من المطل المذموم وحفظ للمال من الدمار (قالت) عائشة ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: "ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته" أخرجه الشافعي والبخاري في التاريخ وابن عدى والبيهقي والحميدي (٢). ﴿٣١﴾
(فهو) يدل على أن التراخي عن إخراج الزكاة بعد وجوبها سبب لإهلاك المال وإن كان عازما على إخراجها. وفيه دليل على تعلق الزكاة بعين المال لا بالذمة لأن الزكاة إذا لم تكن في جزء من المال فلا يستقيم اختلاطها بغيرها ولا كونها سببا لإهلاك ما خالطته (وفي) المنتقى: إذا لم يؤد الزكاة حتى مضي حولان فقد أساء وأثم وعليه زكاة حول واحد عند الحنفيين. (وعن) محمد أن
стр. 2816
التأخير لا يجوز وهو نص على الفور. وذكر الجصاص أنها على التراخي لأنه إذا هلك النصاب بعد تمام الحول والتمكن من الأداء لا يضمن، ولو كانت واجبة على الفور لضمن كمن أخر صوم شهر رمضان عن وقته فإنه يجب عليه القضاء. ومعنى التراخي أنها تجب مطلقا بلا تعيين وقت، فمتى أدى في وقت ما جاز، وإذا لم يؤد إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب (١).
والدليل يشهد للفورية، وعليه فإذا وجبت الزكاة وتمكن من إخراجها لم يجز تأخيرها لأنه حق يجب صرفه إلى الآدمي فلم يجز فيه التأخير كالوديعة إذا طلبها صاحبها، فإن أخر الزكاة وهو قادر على أدائها ضمنها لأنه أخر ما يجب عليه مع إمكان الأداء فيضمنه كالوديعة وإن لم يتمكن فله التأخير إلى التمكن فإن أخر بعد التمكن عصى وصار ضامنا، فلو تلف المال كله بعد ذلك لزمته الزكاة، وإن تلف المال بعد الحول وقبل التمكن فلا إثم ولا ضمان عليه اتفاقا، وإن أتلفه المالك لزمه الضمان، وإن أتلفه أجنبي فعلى القول بأن التمكن شرط في الوجوب فلا زكاة، وكذا على أنها تتعلق بالعين فينتقل حق الفقراء إلى القيمة (٢).
(١١) قضاء الزكاة:
من وجبت عليه الزكاة وتمكن من أدائها ثم مات لم تسقط عند الشافعي وأحمد والحسن البصري، فيجب إخراجها من ماله (لحديث) فدين الله أحق أن يقضي (٣) (وقال) الليث والأوزاعي: تخرج من ثلث ماله قبل الوصايا (وقال) الحنفيون ومالك والشعبي والنخعي وسفيان الثوري: إن أوصى بها أخرجت من ثلث ماله كسائر الوصايا، وإن لم يوص لم يلزم الورثة إخراجها، وإن أخرجها وارث أو أجنبي لا يسقط الواجب لعدم نيته، وفعلهم لا يقوم
стр. 2817
مقام فعله بدون إذنه وتعتبر صدقة تطوع، وإن أوصى معها بوصايا وضاق الثلث عن الكل يوزع بينهم بالسوية (فلو) قال: ثلث مالي لحج والزكاة ولعلي والكفارات قسم الموصى به على أربعة، ولا يقدم الفرض على حق الآدمي لحاجته. (واستدلوا) على سقوط الزكاة بالموت بأنها عبادة محضة شرطها النية فتسقط بالموت كالصلاة (وأجاب) الأولون: بأنها ليست كالصلاة لأنها لا تصح الوصية بها ولا تدخلها النيابة بخلاف الزكاة (١).
(وعلى هذا) الخلاف: إذا مات من عليه صدقة الفطر أو النذر أو الكفارات أو الصوم أو النفقات فإنه لا يستوفى من تركته عند الحنفيين ومالك، ويستوفى عند الشافعي وأحمد، وإن مات من لزمه العشر، فإن كان الثمر أو الزرع باقيا فلا يسقط بالموت في ظاهر الرواية- عند الحنفيين- وإن استهلكه حتى صار دينا في ذمته فهو على هذا الخلاف، وإن أوصى بالأداء يؤدي من ثلث ماله عند الحنفيين ومالك. وعند الشافعي وأحمد يؤدي من جميع ماله. والكلام فيه مبني على أن الزكاة حق الله تعالى عند الحنفيين ومالك وهو لا يتأدى إلا بمباشرة أو إنابة، وعند الشافعي وأحمد: الزكاة حق العبد وهو الفقير فأشبهت سائر الديون وهي لا تسقط بموت المدين فكذا الزكاة ولو مات من عليه الزكاة في خلال الحول انقطع حكم الحول عند الحنفيين ومالك. وعند الشافعي وأحمد لا ينقطع الحول بل يبنى الوارث عليه، فإذا تم الحول أدى الزكاة (٢).
(فائدة) من لزمته زكاة ثم مرض ولا مال له لزمه أن ينوي تأدية الزكاة عند القدرة ولا يقترض، فإن اقترض ودفع الزكاة ناويا الوفاء عند التمكن فقد سقط عنه الواجب (٣).
стр. 2818
(١٢) ركن الزكاة:
هو تمليك الحق الواجب في المال لمستحقه بتسليمه إليه أو إلى نائبه مع قطع المنفعة عن المالك من كل وجه لقوله تعالى: "وآتوا الزكاة" والإيتاء التمليك. وقوله: "إنما الصدقات للفقراء. . . . . . الآية" واللام تفيد التمليك فلا تدفع الزكاة فيما لا تمليك فيه، كبناء مسجد أو إصلاح طريق أو تكفين ميت فقير أو قضاء دينه ولو بأمره قبل موته، لأن قضاء دين الحي لا يقتضي التمليك للمدين، ففي الميت أولي. أما قضاء دين الحي الفقير بإذنه فإنه يجوز باعتبار أنه تمليك للمدين والدائن يقبضه بالنيابة.
(١٣) أنواع الزكاة:
هي نوعان: زكاة مال، وزكاة رأس، وهي صدقة الفطر (فزكاة) المال تكون في النعم والأثمان والعروض والزروع والثمار والمعادن، وهاك بيانها مرتبة:
(أ) زكاة النعم
... النعم- بفتحتين- الإبل والبقر والغنم. وتفترض فيها الزكاة- بالسنة والإجماع- إذا بلغت نصابا وحال عليها
الحول وكانت سائمة- وهي التي تكتفي بالرعي في كلأ مباح في أكثر السنة- عند الحنفيين وأحمد، ولا عبرة لعلفها أقل الزمن لأنه لا يمكن الاحتزاز عنه، إذ لا توجد المرعى في كل سنة. والصحيح عند الشافعية أنها إن علفت قدرا تعيش بدونه وجبت الزكاة وإلا فلا. والماشية تصبر عن العلف اليومين ولا تصبر الثلاثة (ودليل ذلك) ما في حديث أنس من قول النبي ﷺ : "وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي. وفي رواية للبخاري والنسائي: "فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها" (١). ﴿٣٢﴾
стр. 2819
وعن معاوية بن حيدة أن النبي ﷺ قال: "في كل خمس ذود سائمة صدقة" أخرجه الطبراني في الأوسط بسند رجاله موثقون (١). ﴿٣٣﴾
... (قيد) وجوب الزكاة بالسائمة فدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها. (وقال) مالك والليث: تجب الزكاة في الماشية ولو معلوفة أو عاملة متى بلغت النصب للإطلاق في عدة أحاديث:
(منها) حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" الحديث أخرجه الجماعة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد روى من غير وجه (٢). ﴿٣٤﴾
... (وحديث) معاذ أن النبي صلى اله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة" (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه (٣). ﴿٣٥﴾
... (وأجابوا) عن أدلة الجمهور بأن التقييد فيها بالسائمة خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، ويحتمل أن يكون ذكر السائمة لأن النعم وقتئذ كانت سائمة.
стр. 2820
(وأجاب) الجمهور عن هذا بأن الأصل في القيود في كلام الشارع اعتبارها فلا يترك ظاهرها والعمل بمفهومها إلا بدليل، ولا دليل يقضي بعدم اعتبار القيد، فذكر السوم لابد له من فائدة يعتد بها صيانة لكلام الشارع عن اللغو. والمتبادر منه أن للمذكور حكما يخالف المسكوت.
... (ويؤيده) حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ليس في البقر العوامل صدقة ولكن في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسن أو مسنة" أخرجه الطبراني في الكبير وفي ليث بن أبي سليم وهو ثقة ولكنه مدلس (١). ﴿٣٦﴾
(وحديث) أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة والحارث الأعور عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "هاتوا ربع العشور من كل أربعين درهم" (الحديث) وفيه: وفي البقر في كل ثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة وليس على العوامل شيء" أخرجه أبو داود والدارقطني وابن أبي شيبة والبيهقي (وقال) ابن القطان: إسناده صحيح (٢). ﴿٣٧﴾
... (وقد) روى مرفوعا وموقوفا، والموقف في هذا الباب له حكم الرفع. (وبهذا) يظهر أن ما ورد في زكاة المواشي مطلقا عن ذكر السوم غير باق على العموم لوجود ما يخصصه نصا أو قياسا (ومنه) تعلم أن الراجح مذهب الجمهور (وقال) ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بقول مالك والليث من فقهاء الأمصار، ثم الكلام ينحصر في تسعة فروع:
стр. 2821
(١) زكاة الإبل:
الإبل: اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهو يشمل العربي والبختي، وهو المتولد بين عربي وعجمي- منسوب إلى بختنصر- فهما في الزكاة سواء، وأقل نصاب الإبل خمس، ففيها إلى تسع شاة ثني من الضأن وهو ما تم له سنة، ولا يجزئ الجذع وهو ما أتى عليه أكثر السنة، وفي عشر إلى أربع عشرة شاتان، وفي خمس عشرة إلى تسع عشرة ثلاث شياه. وفي عشرين إلى أربع وعشرين أربع شياه. وفي خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض- وهي التي تم لها سنة ودخلت في الثانية- سميت بذلك لأن أمها تصير في الغالب ذات لبن لأخرى. وفي ست وأربعين إلى ستين حقة- بكسر الحاء- وهي التي دخلت في السنة الرابعة وحق لها أن تركب وتحمل. وفي إحدى وستين إلى خمس وسبعين جذعة- بالذال المعجمة وهي التي دخلت في الخامسة وأجذعت، أي أسقطت مقدم أسنانها- وهي أكبر سن يؤخذ في الزكاة. واعتبر في الكل الأنوثة لما فيها من منفعة الدر والنسل. وفي ست وسبعين إلى تسعين بنتا لبون. وفي إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة حقتان.
(وعلى هذا) أجمعت الأمة واتفقت الآثار واشتهرت كتب الصدقات عن النبي ﷺ (ومن) أحسنها حديث أنس أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة إلى فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر اله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعط في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاه، فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض
стр. 2822
أنثى، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل (الحديث) أخرجه الجماعة إلا مسلما والترمذي، وهذا لفظ البخاري (١). ﴿٣٨﴾
ثم بعد عشرين ومائة تستأنف الفريضة عند الحنفيين والثوري. ففي كل خمس- تزيد على عشرين ومائة- شاة مع الحقتين إلى خمس وأربعين ومائة ففيها حقتان وبنت مخاض، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق. ثم تستأنف الفريضة. فيجب في كل خمس شاة مع ثلاث حقاق إلى خمس وسبعين ومائة ففيها بنت مخاض \وثلاثة حقاق. وفي ست وثمانين ومائة بنت لبون وثلاث حقاق. وفي ست وتسعين ومائة إلى مائتين أربع حقاق أو خمس بنات لبون. ثم تستأنف الفريضة كما استؤنفت في الخمسين التي بعد المائة والخمسين.
(واستدلوا) بحديث حماد بن سلمة: قلت لقيس بن سعد: اكتب لي كتاب أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابا أخبر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتبه لجده عمرو بن حزم فكان فيه: "فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة فإنها تعاد إلى أول فريضة الإبل" أخرجه أبو داود في المراسيل والطحاوي (٢). ﴿٣٩﴾
(وفي رواية) عن قيس بن سعد قلت: لأبي بكر بن عمرو بن حزم: أخرج لي كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم: فأخرج لي كتابا فيه: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة، فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة.
стр. 2823
(وقال) الشافعي والأوزاعي وابن القاسم المالكي: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة بواحدة ففيها ثلاث بنات لبون، وفي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وهكذا في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وهو رواية عن أحمد (لقول) ابن شهاب: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه في الصدقة وهي عند آل عمر بن الخطاب وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله بن عبد الله ابن عمر وسالم بن عبد الله بن عمر. فذكر الحديث (وفيه) فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة، فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة، فإذا كانت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة، فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون حتى تبلغ تسعا وستين ومائة، فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقه حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة، فإذا كانت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة، فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة، فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وحدت أخذت" (الحديث) أخرجه أبو داود والحاكم والدارقطني (١). ﴿٤٠﴾
(ومشهور) مذهب المالكية كمذهب الشافعي، غير أنهم حملوا الزيادة على عشرين ومائة على عشرة لا على واحدة وهو رواية عن أحمد (قالوا) إن زادت الإبل على مائة وعشرين، فإذا كانت الزيادة من واحد وعشرين إلى
стр. 2824
تسع وعشرين ومائة اختار الساعي حقتين أو ثلاث بنات لبون، وإن كانت الزيادة عشرات بأن بلغت مائة وثلاثين أو أربعين أو خمسين تغير الواجب وتقدر في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة (١).
(واستدلوا) بقوله في حديث أنس: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة (٢).
(وأجاب) الحنفيون: بأنه لا تعارض بين هذا وبين ما في حديث حماد ابن سلمة لحمل الزيادة في هذا على الزيادة الكثيرة جمعا بين الأخبار (روى) سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: "كتب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، فكان فيه: في خمس من الإبل شاه" (الحديث) وفيه عند أحمد: فإذا زادت (يعني على تسعين) ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون" (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه (٣). ﴿٤١﴾
(وقال) والعمل على هذا عند عامة الفقهاء.
(وجملة) القول في زكاة الإبل أنهم أجمعوا على أن في أربع وعشرين فما دونها الغنم، وعلى أن في خمس وعشرين بنت مخاض، وعلى أن مقدار
стр. 2825
الواجب في الإبل إلى مائة وعشرين على ما في حديث أنس (١): فإذا زادت على مائة وعشرين، فمذهب الشافعي والأوزاعي وأحمد وأبو داود أن في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة كما سبق. (وعن) مالك روماية كمذهب الشافعي، ورواية ثالثة أن الساعي يتخير في مائة وإحدى وعشرين بين ثلاث بنات لبون وحقتين.
(وقال) إبراهيم النخعي والثوري والحنفيون: إذا زادت الإبل على عشرين ومائة تستأنف الفريضة. فيجب في خمس وعشرين ومائة حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان، وهكذا على ما تقدم (٢).
(٢) ما يؤخذ في الزكاة عند عدم السن المطلوب:
من لزمه سن كبنت لبون توجد عنده دفع أدنى منه والفرق بين السنين وهو شاتان أو عشرون درهما عند الشافعي وأحمد أو دفع أعلى وأخذ الفرق (لقول) النبي ﷺ في حديث أنس: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين- إن استيسرتا له- أو عشرين درهما. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين. ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما. ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين" (الحديث) أخرجه الجماعة، إلا مسلما والترمذي (٣). ﴿٤٢﴾
стр. 2826
(وقال) الحنفيون: من لزمه سن ولم يوجد عنده يدفع أدنى منه والفرق بين السنين بالغا ما بلغ- ويجبر الساعي على قبول ذلك- أو يدفع أعلى من السن الواجب ويأخذ الفرق بين السنين من الساعي إن شاء لأنه في حكم البيع، وهو مبني على التراضي أو يدفع قيمة السن المطلوب مستدلين (بحديث) أنس المذكور، وتقدير الفرق فيه بالشاتين أو العشرين درهما بناء على أن ذلك كان قيمة التفاوت في زمنهم لا أنه تقدير لازم (وقال) مالك: يلزم رب المال بإحضار السن الواجب ولو بالشراء (والظاهر) المعقول ما ذهب إليه الحنفيون. واله ولي التوفيق.
(٣) زكاة البقر:
البقر: اسم جنس واحدة بقرة ذكرا أو أنثى، وهو يشمل الجاموس، فهما في الزكاة سواء- سمي بقرا لأنه يبقر الأرض أي يشقها- وليس في أقل من ثلاثين منه زكاة بالإجماع، فإن كان ثلاثين سائمة متخذة للنسل والدر لا للتجارة وحال عليها الحول ففيها تبيعة أو تبيع له سنة عند الجمهور، وتشهد له اللغة.
(وقال) مالك: التبيع ماله سنتان- سمي بذلك لأنه يتبع أمه- أما إن كانت للتجارة فالمعتبر أن تبلغ قيمتها نصابا وكذا الإبل والغنم. وإذا كانت أربعين ففيها مسنة أو مسن عند الحنفيين. والمسن ما له سنتان عند الجمهور (وقال) مالك: المسن ماله ثلاث سنين.
(ودليل) ذلك حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ليس في البقر العوامل صدقة ولكن في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسن أو مسنة" أخرجه الطبراني في الكبير وفي ليث بن أبي سليم وهو ثقة لكنه مدلس (١). ﴿٤٣﴾
стр. 2827
(وقال) غير الحنفيين: يلزم في الأربعين مسنة أنثى للاقتصار عليها في أكثر الروايات كرواية أبي وائل بن سلمة عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة" أخرجه أحمد والثلاثة، وهذا لفظ النسائي (١). ﴿٤٤﴾
ولا شيء فيما زاد على الأربعين إلى تسع وخمسين عند الثلاثة وأبي يوسف ومحمد. وروى عن النعمان وهو المختار وعليه الفتوى عند الحنفيين (لقول) معاذ: "بعثني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصدق أهل اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا- والتبيع: الجذع أو الجذعة- ومن كل أربعين مسنة. قال: فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين، فأبيت ذاك وقلت لهم: حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاثة اتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة والمائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة اتباع، وأمرني ألا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا، وقال: إن الأوقاص لا فريضة فيها" أخرجه أحمد والبزار وهو ضعيف لأن في سند أحمد مجهولا وفي سند البزار الحسن بن عمارة وهو ضعيف (٢). ﴿٤٥﴾
стр. 2828
(وظاهر) الرواية عند النعمان أن فيما زاد عن الأربعين من البقر بحسابه. ففي الواحدة ربع عشر مسنة، وفي الاثنين نصف عشر مسنة وهكذا، لأن الأصل أن لا يخلو المال عن شكر نعمته بعد بلوغه النصاب، والعفو لا يثبت إلا بنص، والمراد بالأوقاص في دليل الجمهور الصغار فلا تسقط الزكاة بالشك بعد تحقق السبب.
(وروى) الحسن بن زياد عن النعمان أنه لا شيء فيما زاد عن الأربعين إلى الخمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع، لأن نصاب البقر مبني على أن يكون بين كل عقدين وقص وفي كل عقد واجب بدليل ما قبل الأربعين وبعد الستين، فيكون ما بين الأربعين والخمسين كذلك (ورد):
(أ) بقول معاذ في الحديث السابق: وأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذعا.
(ب) وبقوله: "لم يأمرني النبي ﷺ في أوقاص البقر بشيء" أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح (١). ﴿٤٦﴾
(قال) ابن عبد البر في الاستذكار: لا خلاف بين العلماء أن النسبة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه فيها (٢).
стр. 2829
(فوائد)
... (الأولى) لا يخرج الذكر في الزكاة إلا في البقر والغنم. (قال) الخطابي: يشبه أن يكون ذلك لقلة نصاب البقر وانحطاط نوعه فيسوغ إخراج الذكر منه ما دام قليلا إلى أن يبلغ كمال النصاب وهو الأربعون (١)، يعني فتتعين حينئذ الأنثى وهي المسنة عند غير الحنفيين، أما هم فقد سووا بين الذكر والأنثى في كل نصب البقر (لحديث) ابن عباس ﵄ السابق (٢).
... (وحكمة ذلك التقارب بين الذكر والأنثى في البقر والغنم دون الإبل، وعليه فابن اللبون في الغبل ليس بأصل إنما هو بدل من ابنة المخاض، ولهذا لا يجزئ مع وجودها.
(الثانية) لرب المال أن يعطي المسنة عن التبيع والتبيعين عن المسنة أو يخرج أكثر منها سنا عنها، فإذا وجب تبيع فأخرج تبيعة أو مسنة أو مسنا قبل منه لأنه أكمل من الواجب، ولو وجب مسنة فأخرج تبيعين قبل منه، وإن أخرج مسنا لم يقبل (٣) عند غير الحنفيين على ما تقدم.
стр. 2830
(الثالثة) لا مدخل للجبران في غير زكاة الإبل. فإذا وجب تبيع أو مسنة ففقده لم يجز الصعود لسن أعلى ولا النزول لأسفل مع الجبران لعدم ورود النص به. والعدول إلى غير المنصوص عليه في الزكاة لا يجوز.
... (الرابعة) لا زكاة في بقر الوحش على الأصح عند الجمهور، لأن اسم البقر لا ينصرف إليها عند الإطلاق، ولأنه لا يتأتى فيها تحقق نصاب مع السوق وحولان الحول، ولأنها لا تجزئ في الضحية والهدى فلا تجب فيها الزكاة. وسر ذلك أن الزكاة إنما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها لكثرة النماء فيها بالدر والنسل وكثرة الانتفاع بها لكثرتها وخفة مئونتها فاختصت الزكاة بها دون غيرها (١).
... (٤) زكاة الغنم:
... الغنم اسم جنس لا واحد له من لفظه يطلق على الذكر والأنثى ويشمل الضأن والمعز فهما في الزكاة سواء- سميت غنما لأنه ليس لها آلة دفاع فكانت غنيمة لكل طالب- وأول نصاب الغنم أربعون. فإذا كانت سائمة وحال عليها الحول ففيها إلى عشرين ومائة شاة وفي إحدى وعشرين ومائة إلى مائتين شاتان. وفي واحدة ومائتين إلى تسع وتسعين وثلاثمائة ثلاث شياه. وفي أربعمائة إلى تسع وتسعين وأربعمائة أربع شياه. ثم في كل مائة شاة.
على هذا أجمعت الأمة وبه جاءت كتب الصدقات (منها) ما في كتاب أبي بكر الصديق ﵁ لأنس من قوله ﷺ : "وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين فقيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت على مائتين ففيها ثلاث شياه
стр. 2831
إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار من الغنم ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المتصدق" (الحديث) أخرجه الجماعة إلا مسلما والترمذي (١). ﴿٤٧﴾
... هذا. والشاة الواجبة في الغنم الثني من الضأن وهو ما له سنة، والثني من المعز ما له سنتان عند الحنفيين والشافعي، وماله سنة عند مالك وأحمد. ولا يجزئ الجذع من الضأن وهو ماله أكثر من ستة أشهر عند الحنفيين وهو المعتمد عند مالك. ويجزئ عند الشافعي وأحمد.
... (٥) ما لا يؤخذ في زكاة الماشية:
... لا يؤخذ في زكاة النعم معيب ولا فحل للضراب ولا كريم (لما) في حديث سالم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار من الغنم ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق" أخرجه أبو داود والدارقطني (٢). ﴿٤٨﴾
والهرمة- بفتح فكسر- كبيرة السن التي سقطت أسنانها (والعوار) بفتح العين أو ضمها: العيب والنقص (والتيس) - بفتح فسكون- الفحل. أي لا يؤخذ فحل الغنم إذا كانت كلها أو بعضها إناثا لقلة الرغبة فيه لعدم سمنة أو لأن المالك يتضرر بأخذه. أما إذا كانت كل الغنم ذكورا فيؤخذ التيس
стр. 2832
وقيد بالغنم لأن الذكر من غيرها قد يؤخذ كابن اللبون والتبيع والمسن (وقال) أحمد: لا يؤخذ الذكر في شيء من الزكاة إذا كان في النصاب إناث غير تبيع البقر وابن اللبون بدلا عن بنت مخاض لم توجد.
... (وقال) الحنفيون: يجوز إخراج الذكر من الغنم الإناث لقوله ﷺ : "في أربعين شاة شاة" ولفظ الشاة يشمل الذكر والأنثى. وإن كان النصاب كله ذكر والأنثى. وإن كان النصاب كله ذكورا جاز إخراج الذكر في الغنم اتفاقا. وفي البقر في أصح الوجهين عند أحمد. وفي الإبل وجهان (والفرق) بين الثلاثة أن النبي صلى اله عليه وسلم نص على الأنثى في فرائض الإبل والبقر غير التبيع والمسن وأطلق في الشاة (وقال) في الإبل "من لم يجد بنت مخاض أخرج ابن لبون ذكرا".
... هذا (واختلف) في العيب المانع من الأجزاء في الزكاة، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وهو ما يوجب نقصان الثمن عند التجار (وقيل) هو ما يمنع الإجزاء في الأضحية. ومحل عدم إجزاء المعيب إذا كان المال كله سليما، فإن كان فيه سليم ومعيب أخذ سليما وسطا قيمته بين المعيب والسليم، وإن كان كله معيبا أخذ الساعي واحدة من أوسطه عند الثلاثة، وهو رواية عن مالك. والمشهور عنه أنه يكلف رب المال إعطاء صحيحة أخذا بظاهر الحديث.
... (ودليل) الجمهور قول النبي ﷺ : "فإياك وكرائم أموالهم" (١)، ولأن مبنى الزكاة على المواساة وتكليف المالك إخراج الصحيحة عن المرضى إخلال بالمواساة. ولهذا يؤخذ الردئ من الحبوب والثمار الرديئة، والحكم في الهرمة كالحكم في المعيبة.
(وجملة) القول أن أسباب النقص خمسة:
... (الأول) المرض، وتقدم بيانه.
стр. 2833
(الثاني) العيب، وحكمه حكم المرض سواء أكانت الماشية معيبة كلها أو كانت معيبة كلها أو كانت معيبة وصحيحة، ولو ملك خمسا وعشرين بعيرا معيبة وفيها بنتا مخاض إحداهما من أجود المال مع عيبها والأخرى دونها، فهل يأخذ الأجود؟ الصحيح أنه يأخذ الوسط لئلا يجحف برب المال.
... (الثالث) الذكورة- فإذا كانت الإبل كلها إناثا أو انقسمت ذكورا وإناثا لم يجز فيها الذكر إلا في خمس وعشرين من الإبل فإنه يجزئ فيها ابن لبون عند فقد بنت المخاض، وإن تمحضت ذكورا فالأصح جواز الأخذ الذكر. وعليه يؤخذ في ست وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين. وأما البقر فالتبيع يؤخذ منها في موضع وجوبه وهو في كل ثلاثين وحيث وجبت المسنة تعينت عند غير الحنفيين إن تمحضت البقر إناثا أو كانت ذكورا وإناثا.
... (وقال) الحنفيون: يجوز أخذ المسن وإن تمحضت إناثا لما تقدم، وإن تمحضت البقر ذكورا جاز أخذ الذكر اتفاقا، ولو كانت البقر أربعين أو خمسين فأخرج تبيعين أجزأه. وأما الغنم فإن كانت كلها إناثا أو انقسمت ذكورا وإناثا تعينت الأنثى عند غير الحنفيين، وعندهم: يجوز الذكر لأن واجبها شاة وهو يقع على الذكر والأنثى، وإن تمحضت ذكورا أجزأ الذكر اتفاقا.
... (الرابع) الصغر- وللماشية فيه حالات:
(أ) أن تكون كلها أو بعضها، ولو قدر الفرض في سن الفرض فيجب سن الفرض المنصوص عليه ولا يكلف فوقه ولا يدفع دونه وإن كان أكثرها كبارا أو صغارا.
(ب) أن تكون كلها فوق سن الفرض فلا يكلف الإخراج منها بل يحصل السن الواجبة ويخرجها وله أن يدفع الأعلى أو الأقل مع الجبران في الإبل كما سبق.
стр. 2834
(الخامس) رداءة النوع- فإن اتحد نوع الماشية وصفها أخذ الساعي من أيها شاء، إذ لا تفاوت، وإن اختلفت صفتها وهي نوع واحد ولا عيب فيها ولا صغر، فقيل: يختار الساعي خيرهما، وقيل: بل يأخذ الوسط لئلا يجحف برب المال (١).
(٦) توقي كريم المال في الزكاة:
لا يؤخذ في الزكاة الماخض وهي الحامل ولا ما طرقها الفحل لاحتمال حملها ولا الأكولة وهي السمينة التي أعدت للأكل ولا خيار المال ولا ذات اللبن والولد (لقول) النبي ﷺ لمعاذ: "فإياك وكرائم أموالهم". (وروى) سفيان بن عبد الله الثقفي: أن عمر بن الخطاب ﵁ بعثه مصدقا- علىالطائف- وكان يعد على الناس السخل فقالوا: أتعد علينا السخل ولا تأخذ منه شيئا؟ فلما قدم على عمر ذكر ذلك له، فقال عمر: نعم نعد عليهم السخلة يحملها الراعي ولا نأخذها ولا نأخذ الأكولة ولا الربي ولا الماهخض ولا فحل الغنم ونأخذ الجذعة والثنية وذلك عدل بين غذاء المال وخياره" أخرجه مالك والشافعي والبيهقي (٢). ﴿٤٩﴾
(وأيضا) فإن الزكاة تجب على وجه الرفق، وأخذ خيار المال خروج عن حد الرفق، فإن رضى رب المال بإخراج ذلك قبل منه (لقول) أبي بن كعب: بعثني النبي ﷺ مصدقا فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أد ابنة مخاض، فقلت له: أد ابنة مخاض فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخدها. فقلت له:
стр. 2835
ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت على فأفعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته. قال: فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ، فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي، فزعم أن ما علي فيه ابنة مخاض وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة عظيمة فتية ليأخذها، فأبى علي، وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها. فقال له رسول الله ﷺ : ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك. قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها. فأمر رسول الله ﷺ بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة. أخرجه أحمد والحاكم وصححه والبيهقي وأبو داود، وهذا لفظه، وفيه محمد بن إسحاق مدلس لكنه صرح هنا بالتحديث (١). ﴿٥٠﴾
(دل) الحديث على أن الكريم من المال لا يؤخذ لحق رب المال إلا إن تطوع به، وإذا ثبت هذا وأنه لا يؤخذ الردئ لحق الفقراء، ثبت أن الحق في الوسط من المال، فإذا جاء الساعي قسم الماشية أثلاثا: ثلث خيار، وثلث أوساط، وثلث ردئ، وأخذ من الوسط (٢).
(ومما يدل) على هذا حديث عبد الله بن معاوية الغاضري- من غاضرة قيس- أن النبي ﷺ قال: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله
стр. 2836
طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالك، فإن الله لم يسألكم خيره ولا يأمركم بشره" أخرجه أبو داود والبزار والطبراني بسند جيد (١). ﴿٥١﴾
(فائدة) لو تبرع المالك بالحامل قبلت منه عند العلماء كافة غير داود قال: لا تجزئ الحامل لأن الحمل عيب في الحيوان، بدليل أنه لو اشترى جارية فوجدها حاملا فله ردها بسبب الحمل ولا تجزئ في الأضحية (ورد) بأن الحمل نقص في الآدميات لما يخاف عليهن من الولادة بخلاف البهائم. ولذا لو اشترى بهيمة فوجدها حاملا ليس له ردها به فليس الحمل فيها عيبا بل فضيلة، وإنما لم تجزئ الحامل في الأضحية، لأن المقصود من الأضحية اللحم، والحمل يهزلها. والمقصود في الزكاة كثرة القيمة والدر والنسل وذلك في الحامل فكانت أولى بالجواز (٢).
(٧) ما لا زكاة فيه:
هو خمسة أنواع:
(أ) الرقيق والخيل:
الرقيق آدمي مملوك (٣)، فإن كان مملوكا للتجارة فيه الزكاة عند عامة العلماء إلا الظاهرية فلا زكاة فيه عندهم مطلقا كالخيل (والخيل) أسم جنس لا واحد له من لفظه، وأحوالها ثلاث:
стр. 2837
(١) أن تكون للتجارة، ففيها زكاة التجارة إجماعا- خلافا للظاهرية- لكونها مالا ناميا فاضلا عن الحاجة، لأن الإعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة.
(٢) أن تكون معدة للركوب أو للحمل أو للجهاد في سبيل الله، فلا زكاة فيها اتفاقا لأنها مشغولة بالحاجة. ومال الزكاة إنما هو المال النامي الفاضل عن الحاجة.
(٣) أن تسام للدر والنسل، فلا زكاة فيها عند الجمهور والثلاثة وأبي يوسف ومحمد (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه" أخرجه السبعة، وقال الترمذي: حسن صحيح (١). ﴿٥٢﴾
والعمل عليه عند أهل العلم أنه ليس في الخيل السائمة صدقة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة. فإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر" أخرجه أحمد ومسلم والدراقطني (٢). ﴿٥٣﴾
(وعن) علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" أخرجه أحمد والطحاوي والأربعة. وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: صحيح (٣). ﴿٥٤﴾
стр. 2838
(وقال) النعمان وزفر وزيد بن ثابت: لا زكاة في ذكور الخيل الخلص لعدم التناسل فيها. وتجب في الخيل- إذا كانت سائمة متخذة للنسل ذكورا وإناثا أو إناثا- عن كل فرس دينار أو ربع عشر قيمة الخيل إن بلغت نصابا ولا يقدر فيها نصاب عند النعمان في المشهور عنه (وقيل) نصابها ثلاثة أو خمسة (روي) أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي قال: في الخيل السائمة التي يطلب نسلها إن شئت في كل فرس دينار أو عشرة دراهم. وإن شئت فالقيمة. فيكون في كل مائتي درهم خمسة دراهم" أخرجه محمد في الآثار. وروى نحوه أبو يوسف (١).
(وقد) تنازع العلماء في زكاة الخيل في زمن مروان بن الحكم فشاور الصحابة في ذلك فروى أبو هريرة الحديث: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة (فقال) مروان لزيد بن ثابت: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجبا من مروان أحدثه بحديث رسول الله ﷺ وهو يقول: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال زيد: صدق رسول الله ﷺ إنما أراد به الفرس الغازي. فأما تاجر يطلب نسلها ففيها الصدقة. فقال: كم؟ قال: في كل فرس دينار أو عشرة دراهم (٢).
(وقال) يعلي بن أمية: ابتاع عبد الرحمن بن أمية أخو يعلي من رجل من أهل اليمن فرسا أنثى بمائة قلوص فندم البائع فلحق بعمر فقال: غصبني يعلي وأخوه فرسا لي. فكتب إلى يعلي أن ألحق بي. فأتاه فأخبره الخبر فقال: إن الخيل لتبلغ هذا عندكم؟ ما علمت أن فرسا يبلغ هذا فنأخذ من كل أربعين شاة ولا نأخذ من الخيل شيئا، خذ من كل فرس دينارا. فضرب علي الخيل دينارا دينارا " أخرجه عبد الرزاق والبيهقي (٣). ﴿٥٥﴾
стр. 2839
(وقال) وقد روينا ما دل علي أن عمر ﵁ إنما أمر بذلك حين أحبه أربابها (١). وهذه الرواية إن صحت تكون محمولة على مثل ذلك لتتفق الروايات (وقال) السائب بن يزيد: "رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب" أخرجه الطحاوي والدارقطني بسند صحيح (٢). ﴿٥٦﴾
(وأجاب) الجمهور بأن ذلك اجتهاد من عمر ﵁ فلا يكون حجة. علي أنه روى عنه أنه إنما أمرهم بذلك حين اختاروا دفع الزكاة عن الخيل (روى) الزهري عن سليمان بن يسار أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة ابن الجراح ﵁: "خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة، فأبى، ثم كتب إلى عمر ﵁، فأبى، فكلموه أيضا، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم وارزق رقيقهم" أخرجه البيهقي ومالك وقال: أي أرددها على فقرائهم (٣). ﴿٥٧﴾
(ففي) امتناع أبي عبيدة وعمر أولا من أخذ الزكاة في الخيل والرقي، دليل واضح على أنه لا زكاة فيهما، وإلا فما كان ينبغي أن يمتنعا عن أخذ ما أوجب الله أخذه.
(ومما تقدم) يعلم أن القول بعدم وجوب الزكاة في الخيل والرقيق هو الأصح لقوة دليله. ولذا اختاره
الطحاوي وأجاب عن أدلة الحنفيين. وقال: فلما لم يكن في شيء من هذه الآثار دليل على وجوب الزكاة في الخيل السائمة وكان فيها ما ينفي الزكاة فيها، ثبت بتصحيح هذه الآثار قول الذين لا يرون فيها زكاة (٤).
стр. 2840
(ب) البغال والحمير:
إن اتخذت للتجارة ففيها زكاة العروض كسائر أموال التجارة، وإن لم تكن للتجارة فلا زكاة فيها اتفاقا لعدم التناسل في البغال وعدم قصده في الحمير (وفي حديث) أبي هريرة قال: يا رسول الله فالحمر؟ قال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" أخرجه أحمد ومسلم (١). ﴿٥٨﴾
(وعن) عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا صدقة في الكسعة والجبهة والنخة". وفسره أبو عمر قال: الكسعة: الحمير: الخيل، والنخة: العبيد. أخرجه الطبراني في الكبير، وفيه سليمان بن أرقم متروك (٢). ﴿٥٩﴾
دل ما ذكر على عدم وجوب الزكاة في الحمير والبغال إلا إذا كانت للتجارة، لأن النبي ﷺ أخبر بذلك.
(جـ) صغار النعم:
يشترط في نصاب السائمة أن يكون كله أو بعضه كبيرا ذا سنة فأكثر فإن كان كله صغارا- فصلانا أو حملانا أو عجولا- (٣) فلا زكاة فيه عند أبي حنيفة ومحمد وروي عن أحمد، فلو ملك خمسا وعشرين من الإبل ثم وضعت خمسا وعشرين فصيلا ومات الكبار قبل تمام الحول وتم على الصغار،