توضأ مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين (الحديث) أخرجه البيهقي (١).
وهذا هو المختار. وزيادة: أو نقص ضعيفة أو شاذة لأن ظاهرها ذم النقص عن الثلاثة وهو جائر فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكيف يعبر عنه بأساء أو ظلم. (قال) ابن المواق: إن لم يكن اللفظ شكا من الراوي فهو من الأوهام البينة فإنه لا خلاف في جواز الوضوء مرة ومرتين. والآثار بذلك صحيحة (٢).
(ومنها) مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه، لما تقدم من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث لقيط بن صبرة. وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما. ولفظه عند أحمد "إذا توضأت فأسبغ وخلل الأصابع، وإذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما" (٣). وعلى الجملة فيكره للمتوضئ كل ما يؤدي إلى ترك سنة أو مستحب على ما تقدم بيانه.
(فائدة) قال بعض الفقهاء: يكره استعمال الماء المشمس أي الساخن بالشمس في إناء منطبع غير الذهب والفضة كالنحاس والرصاص في بلد حار. (لقول) عائشة أسخنت ماء في الشمس فأتيت به النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم ليتوضأ به فقال: لا تفعلي يا عائشة، فإنه يورث البرص. أخرجه الطبراني في الأوسط. وفيه محمد بن مروان السدى مجمع على ضعفه. وأخرجه
стр. 317
البيهقي من طريق خالد بن إسماعيل وقال: وهذا لا يصح. خالد بن إسماعيل متروك (١) [٢١٧].
(والمشهور) عند مالك والشافعيةك أنه لا يكره إلا ما قصد تشميسه في قطر حار كالحجاز وفي الأواني النحاسية ونحوها لأنها تورث البرص. أما أواني الفخار والمغشي من النحاس والرصاص والقصدير بما يمنع الزهومة فلا كراهة في استعمال المشمس فيها. (وقالت) الحنبلية: لا يكره استعماله. وبه قال بعض الحنفيين والشافعية وهو المختار، لأن الأصل الإباحة (وأجابوا) عن حديث عائشة بأنه ضعيف باتفاق المحدثين. وقد رواه البيهقي من طرق وبين ضعفها كلها. ومنهم من يجعله موضوعا.
(وقال عمر) بن الخطاب لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص. أخرجه البيهقي وهو ضعيف (٢) [٢٠].
(فإن) فيل إسماعيل بن عياش متكلم فيه (فحصل) من هذا أن المشمس لا أصل لكراهته. ولم يثبت فيه عن الأطباء شيء. (فالصواب) الجزم بأنه لا كراهة فيه، لأنه الموافق للدليل ولنص الشافعي، فإنه قال في الأم: لا أكره المشمس إلا أن يكره من جهة الطب. ونقله البيهقي عن الشافعي في معرفة السنن والآثار (٣).
стр. 318
٦ - فضل الوضوء
قد ورد في فضله أحاديث كثيرة (منها) حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعنه مع الماء. أو مع آخر قطر الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب" أخرجه مالك وأحمد ومسلم والترمذي وقال حسن صحيح (١) [٢١٨].
(وحديث) عبد الله الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه. فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه. فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له" أخرجه مالك وأحمد والنسائي والحاكم وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. وليس له عله (٢) [٢١٩].
стр. 319
(وعن) أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا ويزيد به في الحسنات؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: اسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة" أخرجه أحمد وابن حبان (١) [٢٢٠].
٧ - هدى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الوضوء
كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد (وكان) يتوضأ بالمد تارة، وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة (وكان) من أيسر الناس صبا لماء الوضوء (وكان) يحذر أمته من الإسراف فيه. وصح عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا. وفي بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثا (وكان) يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة وتارة بغرفتين، وتارة بثلاث (وكان) يصل بين المضمضة والاستنشاق، فيأخذ نصف الغرفة لفمه ونصفها لأنفه. ولا يمكن في الغرفة إلا هذا وأما الغرفتان والثلاث، فيمكن فيهما الفصل والوصل، إلا أن هده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان الوصل بينهما كما تقدم عن عبد الله ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة. فعل ذلك ثلاثا. وفي لفظ تمضمض واستنثر بثلاث غرفات (٢). فهذا أصح ما روى في المضمضة والاستنشاق (وكان) يستنشق بيده اليمني ويستنثر باليسري (وكان) يمسح راسه كله. وتارة يقبل بيديه ويدبر. والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء، أفرد مسح الرأس. هكذا جاء عنه صريحا.
стр. 320
ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض راسه ألبته. ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة (ولم يتوتضأ) صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا تمضمض واستنشق. ولم يحفظ عنه أنه أخل به مرة واحدة (وكذلك) كان وضوءه مرتبا متواليا لم يخل به مرة واحدة ألبته (وكان) يمسح على راسه تارة، وعلى العمامة تارة وعلى الناصبة والعمامة تارة (وأما) اقتصاره على الناصية مجردة، فلم يحفظ عنه كما تقدم (وكان) يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفين ولا جوربين. ويمسح عليهما إذا كانا في الخفين (وكان) يمسح أذنيه مع رأسه.
وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما (ولم) يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئا غير التسمية في أوله وقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين" في آخره. ومما يقال بعد الوضوء أيضا: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك (ولم) يكن يقول في أوله نويت رفع الحدث ولا استباحة الصلاة. ولا هو ولا أحد من أصحابه ألبته. ولم يرو عنه في ذلك حرف واحد لا باسناد صحيح ولا ضعيف (ولم) يتجاوز الثلاث قط (١).
٨ - كيفية الوضوء
أجمع حديث في هذا ما روى عن سيدنا عثمان وعلي ﵄:
(أ) قال حمران بن أبان: دعا عثمان ﵁ بماء فسكب على يمينه فغسله. وفي رواية "فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما" ثم أدخل يمينه في الإناء فغسل كفية ثلاثا. ثم غسل وجه ثلاث مرار، ومضمض واستنشق واستنثر. وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثلاث مرات. ثم مسح رأسه. وأمر بيديه على ظهر أذنيه. ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاث مرات. ثم قال: سمعت رسول الله
стр. 321
صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلي ركعتين لا يحدث نفسه فيهما، غمر له ما تقدم من ذنبه". وفي روايه "غفر له ما كان بينهما وبين صلاته بالأمس" أخرجه أحمد والشيخان (١) [٢٢١].
(ب) (وقال عبد خير): جلس علي ﵁ بعد ما صلى الفجر، ثم قال لغلامه ائتني بطهور، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست ونحن جلوس ننظر إليه. فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه. ثم أخذ بيده اليمنى فأفرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه فعله ثلاث مرار، كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث ثم أدخل يده اليمنى في الإناء
فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى. فعل ذلك ثلاث مرات وفي رواية: فتمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحدة، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى ثلاث مرات إلى المرفق، ثم غسل يده اليسرى ثلاث مرات إلى المرفق، ثم أدخل يديه اليمنى في الإناء حتى غمرها الماء، ثم رفعها بما حملت من الماء، ثم مسحها بيده اليسرى ثم مسح رأسه بيديه كلتيهما مرة. وفي رواية "ثبدأ بمقدم راسه إلى مؤخره"، ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليمنى، ثم غسلها بيده اليسرى، ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى فغرف بكفه فشرب فضل وضوئه. ثم قال: هذا طهور نبي الله ﵌. أخرجه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود، والنسائي بسند جديد (٢) [٢٢٢].
стр. 322
٩ - نواقض الوضوء
نواقض جمع ناقض، والمراد به ما يخرج الوضوء عن إفادة المقصود منه، وهو استباحه ما لا يحل بدونه (والناقض) قسمان: حقيقي وهو ما كان حدثا بنفسه وحكمي وهو ما يعد سببا للحدث غالبا.
(فالأول) كل ما خرج من السبيلين على وجه الصحة، سواء أكان معتادا كالبول، أم غير معتاد كالحصاة، نجسا أو غيره كريح من الدبر، لقوله تعالى (أو جاء أحد منكم من الغائط) (١)، وذلك أن الغائط في الأصل المطمئن من الأرض يقصد للحاجة، والمجئ منه ليس ناقضا، فهو كناية عما يلزمه من الخارج (ولحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ" فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا ابا هريرة قال: فساء أو ضراط. أخرجه أحمد والشيخان (٢) [٢٢٣].
والحدث يشمل كل خارج من السبيلين، وإنما فسره أبو هريرة بأخص من ذلك، تنبيها بالأخف على الأغلظ، ومنه:
(أ) "الودي" بسكون الدال المهملة. وهو ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول غالبا.
(ب) "والمذي" بسكون الذال المعجمة: وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند
стр. 323
ملاعبة من يشتهي أو النظر إليه والفكر ونحوهما من كل من يؤدي إلى نزول المذي فهما ناقضان للوضوء (لقول) ابن عباس: المني والودي والمذي. أما المني فهو الذي منه الغسل، وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك، أو مذاكيرك، وتوضأ وضوءك للصلاة. أخرجه البيهقي (١) [٢١].
(وقال) على كرم الله وجهه: كنت رجلا مذاء، فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: "من المذي الوضوء، ومن المني الغسل" أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢) [٢٢٤].
وما تقدم ناقض للوضوء اتفاقا (واختلفوا) في القيء والقلس والدم يخرج من الجسد.
(أ) (أما القيء) فقال الحنفيون وأحمد وإسحاق: أنه ينقض الوضوء إذا كان ملء الفم، بأن لم يقدر على إمساكه، سواء أكان ماء أم طعاما لم يتغير أو مرة صفراء أو علقا وهو ما اشتدت حمرته وجمد. وأما ما نزل من الرأس فإن كان علقا لم ينقض، وإن كان سائلا نقض ولو قل (لحديث) معدان ابن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاء فتوضأ. قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: صدق أنا صببت له وضوءه. أخرجه أبو دواد والترمذي وقال: قد رأى غير واحد من أهل العلم الوضوء من القيء والرعاف، وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد
стр. 324
وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: ليس في القيء والرعاف وضوء. وهو قول مالك والشافعي، وقد جود حسين المعلم هذا الحديث وهو أصح شيء في هذا الباب (١) وقال ابن مندة: هذا إسناد متصل صحيح (٢) [٢٢٥].
(ب) - (والقلس) بفتحتين أو بفتح فسكون، ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه ولم يعد فإن عاد فهو القيء (٣)، وهو ناقض للوضوء كالقيء عند الحنفيين (لحديث) إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من إصابة قيء أو رعاف أو قلس أو مذي: فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته. وهو في ذلك لا يتكلم". أخرجه الدارقطني (٤) [٢٢٦] وأعله غير واحد، بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وهو حجازي ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة. وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج فرووه مرسلا. قال أحمد: الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذا ضعفه ابن معين.
(وقال) أحمد: القلس لا ينقض الوضوء لضعف الحديث (وقالت) المالكية
стр. 325
والشافعية: القيء والقلس لا ينقضان الوضوء عملا بالبراءة الأصلية (ولقول) معاذ ابن جبل: ليس الوضوء من الرعاف والقيء ومس الذكر وما مست النار بواجب. أخرجه البيهقي. وفيه مطرف ابن مازن تكلموا فيه وهو ضعيف (١) [٢٢].
(وأجابوا) عما استدل به الأولون بأنه ضعيف (ومنه) تعلم أن الأدلة لا تنهض للزوم الوضوء من القيء والقلس ولا لعدمه، ولكن يطلب الوضوء خروجا من الخلاف.
(جـ) (الدم الخارج من الجسد) هو ناقض للوضوء إذا سال إلى ظاهر الجسد عند الحنفيين والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق، لحديث ابن جريج المتقدم (ولقول) عائشة: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني ارماة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة، قال: لا إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم توضئ لكل صلاة حتي يجيء ذلك الوقت. أخرجه السبعة (٢) [٢٢٧].
وجه الدلالة أنه علل وجوب الوضوء بأنه دم عرق وكل الدماء كذلك.
(وعن) ابن عمر أنه كان إذا رعف انصرف فتوضأ ثم رجع فبني على ما صلى ولم يتكلم. أخرجه مالك والبيهقي وصححه (٣) [٢٣].
стр. 326
(وقال) مالك والشافعي: الدم الخارج من الجسد لا ينقض الوضوء (لحديث) أنس ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه. أخرجه الدارقطني والبيهقي. وفيه صالح بن مقاتل ضعيف (١) [٢٢٨].
(وعن) ابن عباس أنه كان يرعف فيخرج فيغسل الدم ثم يرجع فيبني على ما قد صلى. أخرجه مالك (٢) [٢٤].
وقد تواترت الأخبار على أن المجاهدين كانوا يذوقون آلام الجراحات فلا يستطيع أحد أن ينكر سيلان الدم من جراحاتهم. وأنهم كانوا يصلون على حالهم ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمرهم بإعادة وضوئهم للصلاة من أجل ذلك. وهذا هو الراجح (وحديث) ابن جريج الذي استدل به الأولون (ضعيف) باتفاق الحفاظ كما علمت (وحديث) فاطمة بنت أبي جيش خاص بأرباب الأعذار كسلس البول.
والناقض الحكمي ثمانية أمور:
(أ) النوم- وقد اختلف فيه على سبعة مذاهب:
(الأول) لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهو قول ابي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب. واستدلوا (أ) بحديث أنس قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون. أخرجه مسلم وابو داود وقال: زاد شعبة عن قتاده على
стр. 327
عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، والبيهقي والدارقطني وقال صحيح (١) [٢٢٩].
(قال) ابن المبارك هذا عندنا وهم جلوس، وعلى هذا حمله الجمهور.
(ب) وبحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم شغل عنها ليلة فأخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا، ثم رقدنا ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم خرج علينا فقال: ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم. أخرجه الشيخان وأبو داود (٢) [٢٣٠].
وهو محمول علىة النوم الخفيف عند الجمهور.
(الثاني) أن النوم ينقض الوضوء بكل حال قليله وكثيره وهو مذهب الحسن البصري وإسحاق بن راهوية. وقول غريب للشافعي (قال) ابن المنذر: وبه أقول (لحديث) علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارقطني. [٢٣١].
стр. 328
(قالوا) أمر بالوضوء من النوم، ولم يفرق فيه بين قليل النوم وكثيره (ورد) بأن الحديث ضعيف، لأنه من رواية بقية عن الوضين ابن عطاء، قال الجوزجاني: واه. وعلى فرض صحته فهو محمول على نوم غير المتمكن.
(الثالث) أن النوم الثقيل ينقض مطلقا، وبه قال الزهري والأوزاعي ومالك وأحمد في رواية، لمفهوم قوله في حديث أنس المتقدم: "حتى تخفق رءوسهم" فإن خفقان الرأس يكون في النوم الخفيف، ومعه يشعر الناعس بالخارج منه، بخلاف الثقيل (ومشهور) مذهب مالك أن النوم الثقيل الطويل ينقض اتفاقا، وكذا القصير على المشهور، أما الخفيف فغير ناقض إلا أنه يستحب الوضوء من طويله.
(الرابع) إذا نام على هيئة من قيئات المصلي كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينقض وضوء. وسواء أكان في الصلاة أم لم يكن. وإن نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه، أنتقض. وهو مذهب الحنفيين وداود الظاهرى وقول للشافعي (لحديث) يزيد الدلاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا يجب الوضوء على من نام جالسا أو قائما أو ساجدا حتى يضم جنبه فإنه إذا وضع جنبه استرخت مفاصله". أخرجه البيهقي وقال: تفرد بهذا الحديث على هذا الوجه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني. قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء. ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس
стр. 329
من قوله، ولم يذكر فيه أبا العالية. ولا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعا من قتادة (١) [٢٣٢].
"ورده" في الجوهر النقي بأن صاحب الكمال ذكر أنه "أي الدالاني" سمع عن قتادة، وصحح الحديث ابن جرير الطبري وقال الدالاني: لا ندفعه عن العدالة والأمانة. والأدلة تدل على صحة خبره، لنقل العدول من الصحابة أن النبي ﵊ قال: "من نام وهو جالس فلا وضوء عليه. ومن اضطجع فعليه الوضوء (٢). (وعن) يزيد بن قسيط قال سمعت أبا هريرة يقول: ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع إذا اضطجع توضأ. أخرجه البيهقي بسند جيد وقال هذا موقوف (٣) [٢٥].
(الخامس) أنه لا ينقض إلا بنوم الراكع والساجد. وهو رواية عن أحمد. ولعل وجهه أن هيئة الركوع والسجود مظنة للانتقاض (السادس) أنه لا ينقض إلا نوم الساجد. ويروي أيضا عن أحمد. ولعل وجهه أن مظنة الانتقاض في السجود أكثر منها في الركوع (السابع) أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الارض لا ينقض، سواء أقل أم كثر، وسواء أكان في الصلاة أم خارجها. وهذا مذهب الشافعية لا فرق في نوم القاعد الممكن بين قعوده متربعا أو مفترشا أو متوركا أو غيرها من الحالا، بحيث يكون مقعده لاصقا بالأرض أو بغيرها متمكنا. وسواء القاعد على الأرض وراكب السفينة والبعير وغيره من الدواب، فلا ينقض الوضوء بشيء من ذلك (٤) (واستدلوا).
стр. 330
(أ) بحديث أنس السابق في المذهب الأول (١).
(ب) وبحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من نام وهو جالس فلا وضوء عليه فغذا وضع جنبه فعليه الوضوء". أخرجه الطبراني في الأوسط. وفيه الحسن بن أبي جعفر الجفري ضعفه البخاري وغيره. وقال ابن عدى له أحاديث صالحة ولا يتعمد الكذب (٢) [٢٣٣].
وقال النووي: حديث ضعيف جدا (٣).
وهذا أقرب المذاهب وبه يجمع بين الأدلة. والأحوط لمن نام على أي هيئة كانت أن يتوضأ خروجا من الخلاف (فوائد) (الأولى) خرج بالنوم النعاس وهو قسمان ثقيل وهو كالنوم. وخفيف وهو لا ينقض الوضوء اتفاقا (لقول) ابن عباس: قام رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم يصلي في الليل فقمت إلى جنبه الأيسر فجعلني في شقة الأيمن فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمه أذني، فصلي احدى عشرة ركعة. أخرجه الشيخان (٤) [٢٣٤].
(والفرق) بين النوم والنعاس أن النوم فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيرها. والنعاس لا يغلب على العقل، وإنما تفتر به الحواس بغير سقوط حاسة. ومن علامات النعاس أن يسمع كلام من بجواره وغن لم يفهم معناه، ومن علامات النوم الرؤيا. (الثانية) لوشك أنام أم نعس؟ فلا وضوء عليه ويستحب أن يتوضأ (ولو) تيقن النوم وشك أنام متمكنا أم لا؟ لم ينتقض وضوءه
стр. 331
ويستحب الوضوء (ولو) نام جالسا ثم زالت أليتاه أو إحداهما عن الارض فإن زالت قبل الانتباه انتقض وضوءه لمضي لحظة وهو نائم غير متمكن (وإن) زالت بعد الانتباه أو معه أو شك في وقت زوالها لم ينتقض وضوءه حتى ولو نام متمكنا مستندا على حائط أو غيره لم ينتقض وضوءه ولو كان بحيث لو أزيل المستند لسقط. ولو نام محتبيا (١) لا ينتقض وضوءه كالمتربع وقيل ينتقض كالمضطجع وقيل أن كان نحيف البدن بحيث لا تنطبق أليتاه على الأرض انتقض وضوءه وإن كان سمينا بحيث ينطبقان لم ينتقض (٢).
(الثالثة) ثبت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. ولذا لا ينتقض وضوءهم بالنوم على أي حال. (قالت) عائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. ثم صلي ثلاثا، قالت فقلت يا رسول الله: أتنام قبل أن توتر؟ فقال يا عائشة: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي. أخرجه الجماعة (٣) [٢٣٥]. وأخرجه البيهقي وقال: قال أنس وكذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (٤) (وعن ابن عباس) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نام حتى نفخ ثم قام فصلي ولم يتوضأ. أخرجه أحمد والشيخان (٥) [٢٣٦].
стр. 332
(وعن) عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نام حتى سمع له غطيط، فقام فصلى ولم يتوضأ. فقال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محفوظا. أخرجه أحمد والبيهقي وصححه النووي (١) [٢٣٧].
(وقد) نقل منلا على قارئ في شرح الشفاء الإجماع على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نواقض الوضوء كالأمة إلا ما صح من استثناء النوم. "وأما ما قيل" من أنه لا نقض من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مطلقا، وإنما وضوءهم تشريع للأمم "فلم نقف" له على دليل.
٢ - غياب العقل: بإغماء أو جنون أو سكر ولو بمباح (كينج أو دواء) وهو ناقض للوضوء اتفاقا قل أو كثر متمكنا أو غير متمكن.
(أ) أما الإغماء فهو مرض يزيل القوى ويستر العقل وهو أشد من النوم، فلذا كان ناقضا مطلقا بالإجماع (لقول) عائشة: ثقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أصلي الناس؟ قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب. ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلي الناس؟ فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: أصلي الناس؟ فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله، قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصلاة العشاء الآخرة. فأرسل إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس (الحديث). أخرجه الشيخان (٢) [٢٣٨].
стр. 333
(ب) والجنون مرض يزيل العقل ويزيل القوى وهو ناقض للوضوء اجماعا لأنه أشد من الإغماء.
(جـ) والسكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء، وهو سرور يغلب على العقل بمباشرة ذلك ولا يزيله، ويظهر أثره بالتمايل وتلعثم الكلام، وهو كالإغماء اتفاقا.
٣ - لمس المرأة: قال ابن مسعود وابن عمر والزهري والشافعية وغيرهم: لمس المرأة غير المحرم ينقض الوضوء لقوله تعالى: (أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) من آية (٦) سورة المائدة. (قالوا) صرحت الأية بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمس اليد وألحق به الجس بباقي البشرة. ويؤيد بقاءه على معناه الحقيقي، قراءة "أو لمستم" فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع (ولحديث) عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل أنه كان قاعدا عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجاءه رجل وقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته إلا وقد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصل (الحديث). أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (١) [٢٣٩].
وفيه انقطاع لأن ابن أبي ليلي لم يسمع من معاذ. فقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم السائل بالوضوء من لمسه المرأة.
(وعن) سالم بن عبد الله عن ابن عمر أنه كان يقول: قبلة الرجل ارمرأته
стр. 334
وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء. أخرجه مالك والشافعي والبيهقي. ورواه عن ابن مسعود بلفظ: "القبلة من اللمس وفيها الوضوء واللمس مادون الجماع (١) " [٢٦].
(وقال) الحنفيون: لا ينقض من اللمس إلا المباشرة الفاحشة. وهي أن يتماس الفرجان بلا حائل مع الانتشار ولو كانت بين رجلين أو امرأتين أو رجل وغلام فيبطل وضوءهما وإن لم يوجد بلل عند أبي حنيفة وابي يوسف لأنها لا تخلوا غالبا عن خروج مذي (وعن) محمد: لا تنقص ما لم يظهر شيء. أما لمس الرجل امرأة ولو غير محرم بلا مباشرة قاحشة فلا ينقض الوضوء عند الحنفيين (لحديث) عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي صلى الله وعلى آله وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال عروة: قلت لها من هي إلا أنت؟ فضحكت. أخرجه أحمد والأربعة والدارقطني بسند رجاله ثقات. وأخرجه الزار بسند حسن (٢) [٢٤٠].
وقال ابن عبد البر: صححه الكوفيون وأثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له.
стр. 335
(وأجابوا) (أ) عن الأية بأن المراد بالملامسة فيها الجماع مجازا بقرينة هذه الأحاديث الصريحة في عدم النقض باللمس. وهو تفسير على وابن عباس الذي علمه الله تأويل كتابه (ب) (وعن حديث) معاذ، بأن أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجل بالوضوء يحتمل أنه لأجل المعصية. فإن الوضوء من مكفرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروجد المذي فهي من مكفرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروج المذي فهي من المباشرة الفاحشة (جـ) وعما روى عن ابن عمر وبان مسعود، بأنه لا حجة فيه، لأنه قول صحابي لا سيما وأنه وقع معارضا لما ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(وقال) مالك والليث بن سعد وأحمد في المشهور عنه: إن اللمس إن كان بشهوة نقض وإلا فلا، جمعا بين الأية والأحاديث. فحملوا اللمس في الآية على ما إذا كان بشهوة، وفي الأحاديث على ما إذا كان بدونها، فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد لمس عائشة وهو في الصلاة وهي ليست حال شهوة.
(وهذا) التفصيل عند مالك في غير القبلة في الفم. أما القبلة فيه فتنقض مطلقا ما لم تكن لوداع أو رحمة. واللامس والملموس عند مالك في ذلك سواء. وللشافعي في الملموس قولان: أشهرهما نقض الوضوء (وعلى الجملة) ففي نقض الوضوء وعدمه باللمس خلاف. والقول بعدم النقض أقوى دليلا، فهو الراجع.
٤ - مس الذكر- قال مالك والشافعي وأحمد واسحاق: مس الذكر ناقض للوضوء، لا فرق بين مسه عمدا أو نسيانا (لحديث) بسرة بنت صفوان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ
стр. 336
أخرجه مالك وأحمد والأربعة، وصححه الترمذي والدارقطني، وقال البخاري: هو اصح شيء في الباب (١) [٢٤٢].
(وعن) عائشة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون. أخرجه الدارقطني (٢) [٢٤٣].
والدعاء بالشر لا يكون إلا على ترك واجب (وقالت) أم حبيبة: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من مس فرجه فليتوضأ. أخرجه ابن ماجه وكذا أحمد عن زيد بن خالد (وقال) ابن السكن: لا أعلم له علة (٣) [٢٤٤].
ولفظ (من) يشمل الذكر والأنثى، ولفظ (الفرج) يشمل القبل والدبر من الرجل والمرأة. وهو حجة على المالكية حيث خصصوا نقض الوضوء بمس الرجل ذكره وأنه لا ينقض بمسه الأنثيين والدبر، ولا بمس المرأة فرجها على الصحيح (٤)، ويرده أيضا حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده "عبد الله بن عمرو" أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالك أيما رجل مس ذكره فليتوضأ. وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ. أخرجه أحمد والبيهقي والدارقطني والترمذي في العلل وقال عن البخاري: وهذا عند صحيح (٥) [٢٤٥].
(وقد اختلفوا) فيما يكون به المس الناقض (فقالت) المالكية: المس الناقض
стр. 337
يكون بباطن الكف أو جنبه، أو بباطن الأصابع أو بجنبها أو برءوسهاز لا بظفر ولا بظهر كف، ولا ذراع (وقالت) الحنبلية: يكون بباطن الكف وظاهرها وجوانبها، لا بظفر (وقالت) الشافعية: يكون بباطن الكف فقط، لا برءوس الاصابع ولا بجوانبها ولا بظهر الكف (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من افضى بيده على ذكره ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء. أخرجه أحمد والبيهقي والطبراني في الأوسط (١) [٢٤٦].
وفي سندهيزيد بن عبد الملك ضعيف. لكن أخرجه ابن حبان من طريق نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عبد الملك، كلاهما عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وقال: احتججنا في هذا بنافع دون يزيد. ولذا صحح الحديث وصححه أيضا الحاكم وابن عبد البر من هذا الوجه.
(قال) الحافظ في التلخيص: احتج أصحابنا بهذا الحديث في أن النقض إنما يكون إذا مس الذكر بباطن الكف، لما يعطيه لفظ الأفضاء، ومفهوم الشرط يدل على أن غير الإفضاء لا ينقض، فيكون تخصيصا لعموم المنطوق. لكن نازع في دعوى أن الإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف غير واحد (قال) ابن سيده في المحكم: أفضى فلان إلا فلان وصل إليه. والوصول أعم من أن يكون بظاهر الكف وباطنها (٢).
(وقال) علي وابن مسعود والثوري والحنفيون: إن مس الذكر غير ناقض للوضوء. (لقول) طلق بن علي: جاء رجل كأنه بدوى فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما توضأ؟ فقال: هل هو إلا مضغة منه، أو قال بضعة منه. أخرجه أحمد والبيهقي والطحاوي والثلاثة. وقال الترمذي: هذا
стр. 338
الحديث أحسن شيء يروي في هذا الباب. وقال علي بن المديني: هو أحسن من حديث بسرة. وصححه أيضا ابن حبان والطبراني وابن حزم (١) [٢٤٧].
(ورد) بأنه قد ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي لأن فيه قيس بن طلق مجهول ولا تقوم به حجة (وادعي) نسخة ابن حبان والطبراني وغيرهما. (وقال) البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يحتج الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة احتجا بجميع رواته. (ويؤيد) حديث بسرة أن حديث طلق موافق لما كان عليه الأمر من قبل. وحديث بسرة ناقل عنه فيصار إليه وبأنه أرجح، لكثرة طرقه وصحتها، وكثرة من صححه من الائمة، وكثرة شواهده، ولأن بسرة حدثت به في دار المهاجرين والأنصار وهم متوفرون. (وقد روى) طلق بن علي نفسه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من مس فرجه فليتوضأ أخرجه الطبراني في الكبير وقال: لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة الأحماد بن محمد (٢) [٢٤٨].
وقد روى الحديث الآخر حماد بن محمد وهما عندي صحيحان ويشبه أن يكون طلق سمع الحديث الأول من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل هذا، ثم سمع هذا بعد، فوافق حديث بسرة (٣). (فالظاهر) ما ذهب إليه الأولون.
стр. 339
٥ - أكل لحم الإبل: (قال) إسحاق بن راهويه وابن خزيمة وابن المنذر وأحمد: ينتقض الوضوء بأكل لحم الإبل ولو نيئا أو تناوله جاهلا. وروى عن الشافعي واختاره البيهقي (لحديث) جابر بن سمرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتعوضأت، وإن شئت فلا تتوضأ قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل (الحديث). أخرجه أحمد ومسلم. وهذا لفظه (١) [٢٤٩].
(وقال) الجمهور: أن الوضوء لا ينقضه أكل لحم الإبل. وبه قال الحنفيون ومالك والشافعي (لقول) جابر: كان آخر الأمرين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار. أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان بأسانيد صحيحة. ولذا صححه النووي (٢) [٢٥٠].
(ويشهد) له حديث محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكل آخر أمريه لحما ثم صلى ولم يتوضأ. أخرجه الطبراني في الكبير، قال
стр. 340
الهيشمي: وفيه يونس بن أبي خالد ولم أر من ذكره (١) [٢٥١].
(وهو) عام في لحم الإبل وغيرها. والأصل البراءة فلا يصار إلى غسرها إلا بناقل صريح ولم يوجد. وهذا هو الراجح لقوة أدلته (وأجابوا) عن أدلة المخالف بأن المراد بالوضوء فيها الوضوء اللغوي لا الشرعي (قال الخطابي) وأما عامة الفقهاء فمعنى الوضوء عندهم متأول على الوضوء الذي هو النظافة ونفي الزهومة. كما روى: توضئوا من لحوم الإبل فإن له دسما. ومعلموم أن في لحوم الإبل من الحرارة وشدة الزهومة ما ليس في لحوم الغنم. فكان معنى الأمر بالوضوء منه منصرفا إلى غسل اليد، لوجود سببه دون الوضوء الذي هو من أجل رفع الحدث، لعدم سببه أهـ بتصرف (٢).
٦ - القهقهة في الصلاة: (قال) مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ودواد الظاهرى والجمهور: ان القهقهة في الصلاة تبطلها دون الوضوء (لقول) أبي سفيان الواسطي: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يضحك في الصلاة، فقال: يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء. أخرجه البيهقي من عدة طرق (٣) [٢٧].
(وقال) الحسن البصري وإبراهيم النخعي وسفيان الصوري والحنفيون: أن الوضوء ينقضه قهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود إذا سمعه جيرانه وإن لم تبد أسبابه (لقول) معبد بن أبي معبد الخزاعي: بينما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصلاة إذ أقبل أعمى يريد الصلاة فوقع في زبية، فاستضحك
стр. 341
القوم حتى قهقهوا، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة". أخرجه أبو حنيفة في مسنده والدارقطني وأبو يوسف في الآثار (١) [٢٥٢].
"وما قيل" من أن معبدا لا صحبة لا فالحديث مرسل "رد" بأن معبدا الذي لا صحبة له هو معبد الجهني. ومعبد هذا خزاعى ذكره ابن مندة وأبو نعيم في الصحابة (٢) (وقال) عطية بن بقية: حدثني أبي حدثنا عمرو بن قيس السكوني عن عطاء عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من ضحك في الصلاة قهقة فليعد الوضوء والصلاة". أخرجه البيهقي وابن عدى في الكامل (٣) [٢٥٣].
(وقول) ابن الجوزى فى العلل المتناهية: هذا حديث لا يصح فإن بقية من عادته التدليس وكأنه سمعه من بعض الضعفاء فحذف اسمه (مردود) بأن بقية صدوق قد صرح بالتحديث. والمدلس الصدوق إذا صرح بذلك زالت تهمة تدليسة (٤) قال فى الجوهر النقى ثم ذكر البيهقى عن الشافعى أنه لو ثبت حديث الضحك فى الصلاة لقلنا به. (قلت) مذهبه أن المرسل إذا أرسل من وجه آخر أو أسند يقول به. الحديث أرسل من وجوه، وأسند كما مر فيلزمه أن يقول به. (قال) ابن حزم: كان يلزم المالكيين والشافعيين لشدة تواترة عن عدد من أرسله.
стр. 342
(قلت) ويلزم الحنبلية أيضا لأنهم يحتجون بالمرسل. وعلى تقدير أنهم لا يحتجون به، فأقل أحواله أن يكون ضعيفا. والحديث الضعيف عندهم مقدم على القياس الذى اعتمدوا عليه فى هذه المسألة (فإن قيل) القياس يقضى ألا نقض بالقهقهة، لأنها ليست حدثا ولا سبب حدث (قلنا) لزم الوضوء بها بالنص عقوبة وزجرا وهو موافق للقياس.
لأنها ليست حدثا. وعليه يجوز مس المصحف بعدها بلا طهارة. وينبغى ترجيحه لموافقته والأحاديث (١). ومنه تعلم رد قول النووى: أما ما نقلوه عن أبى العالية ورفقته فكلها ضعيفة واهية باتفاق أهل الحديث ولم يصح فى هذه المسالة حديث (٢).
٧ - الشك فى الحدث: (قالت) المالكية فى المشهور عنهم: أن الوضوء ينتقض بالشك فى الحدث قبل الدخول فى الصلاة. ولا يجوز له الدخول فيها إلا بطهارة متيقنة. أما من شك فى أثناء الصلاة، فإنه يتمادى ولا يقطعها لحرمتها ما لم يتبين حدثه. فإن تبين طهره بعد فلا شئ عليه. وأن دام على شكه أو تبين حدثه، أعاد الوضوء والصلاة، لظاهر حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: شكى إلى النبى ﵌ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ " أى الحدث " فى الصلاة. قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود (٣) ﴿٢٥٤﴾.
(قالوا) ولافرق بين من كان فى الصلاة وغيره أن من دخل الصلاة دخل بوجه جائز فلا تبطل الصلاة التى دخل فيها إلا بيقين، وهو ما نص عليه فى
стр. 343
الحديث بخلاف من كان خارج الصلاة فلا يدخلها إلا بطهارة متيقنة (وقالت) الحنفية والشافعية والحنبلية والجمهور: أن الشك فى الحدث لا ينقض الوضوء. ولو كان الشك خارج الصلاة (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﵌ قال: " إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ". أخرجه مسلم والترمذى (١) ﴿٢٥٥﴾.
(والمراد) بسماع الصوت ووجدان الريح، تيقن وجود أحدهما ولا يشترط السماع والشم بالإجماع (والحديث) يدل على طرح الشكوك العارضة لمن فى الصلاة والوسوسة التى أخبر عنها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأناه من تسويل الشيطان، وعدم الانصراف من الصلاة إلا بناقض متيقن كسماع الصوت وشم الريح ورؤية الخارج (قال) النووي: وهذا الحديث أصل من أصل الإسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الدين. وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك. ولا يضر الشك الطارئ عليها. فمن ذلك ما ورد فيه الحديث وهو أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة. ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارجها. هذا مذهب الجمهور. وعن مالك روايتان. أحدهما أنه يلزمه الوضوء أن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان في الصلاة. الثانية يلزمه الوضوء مطلقا ولا فرق في شكه بين أن يستوي الاحتمالان في وقع الحدث وعدمه، أو يترجح أحدهما أو يغلب على ظنه، فلا وضوء عليه بكل حال. ويستحب له أن يتوضأ احتياطا (وأما) إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين (ومن) مسائل
стр. 344
القاعدة المذكورة، أن من شك في طلاق زوجته، أو عتق عبده، أو نجاسة الماء الطاهر أو طهارة النجس، أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره، أو أنه صلى ثلاث ركعات أو أربعا أم أنه ركع وسجد أم لا، أو أنه نوي الثلاة أو الصوم أو الوضوء أو الاعتكاف وهو في أثناء هذه العبادات. وما اشبه هذه الأمثلة. فكل هذه الشكوك لا تاثير لها والأصل عدم هذا الحادث (١). (والراجح) مذهب الجمهور: وهو أن الطهارة لا تبطل بالشك مطلقا (وأجابوا) عن حديث عبد الله بن زيد التقييد فيه بالصلاة، إنما وقع في سؤال السائل فلا مفهوم له.
٨ - الردة: (قال) الأوزاعي ومالك في المشهور عنه وأحمد: يبطل الوضوء بالردة. وهي الاتيان بما ينافي الإسلام (أ) "نطقا" بإجراء كلمة الكفر على اللسان مختارا. (ب) "أو اعتقادا" مخالفا لما علم من الدين بالضرورة. (جـ) "أوشكا" في عقيدة من العقائد (فمن ارتد) وعاد إلى الإسلام، فليس له الصلاة حتى يتوضأ وإن كان متوضئا قبل ردته لقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) من آية ٦٥ - الزمر وقوله تعالى: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) من آية ٥ - المائدة. والطهارة عمل باق حكما فيجب أن تبطل بالردة، ولأنها عبادة يفسدها الحدث فيفسدها الشرك كالصلاة والتيمم ولأن الردة حدث (لقول) ابن عباس: الحدث حدثان: حدث اللسان وحدث الفرج وأشدها حدث اللسان. ذكر ابن قدامة (٢) ﴿٢٨﴾ وإذا أحدث لا تقبل صلاته بغير وضوء (لما تقدم) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا تقبل
стр. 345
صلاة من أحدث حتى يتوضأ". أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٢٥٦﴾.
(وقال) الحنفيون والشافعي: لا ينتقض الوضوء بالردة، لأنه يصح من الكافر ابتداء، فلا ينافيه الكفر بقاء. (ولحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا وضوء إلا من حدث أو ريح". أخرجه أحمد وهذا لفظه وابن ماجه والترمذي: وقال: هذا حديث حسن صحيح. روى من عدة طرق (٢) ﴿٢٥٧﴾.
ولأنه طهارة فلا يبطل بالردة كالغسل من الجنابة (وأجابوا) عن الآية بأن الاحباط فيها مقيد بالموت على الردة، لقوله تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه. فيمن وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) ٢١٧ - البقرة (أما الكافر) الأصلي إذا توضأ أو تيمم ثم أسلم، فعليه إعادة الوضوء أو التيمم للصلاة عند مالك والشافعي وأحمد، لأن الطهارة عبادة متوقفة على النية، فلا تصح من مشرك (وقال) الحنفيونك يعيد التيمم دون الوضوء. لأن التيمم مفتقر إلى النية. ونية العبادة لا تصح من مشرك والوضوء غير متوقف صحته على نية. فإذا وجد من المشرك حكم بصحته.
٩ - تغسيل الميت: (قال) أكثر الحنبلية: يجب الوضوء من غسل الميت. سواء أكان المغسول صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا. وهو قول اسحاق. وروى عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء (وقال) أبو هريرة أقل ما فيه الوضوء ولا نعلم لهم مخالفا في الصحابة، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت، فكان مظنة
стр. 346
ذلك قائما مقام حقيقته، كما أقيم النوم مقام الحديث (١). (وقال) الجمهور: لا وضوء لتغسيل الميت. وهو الصحيح لأن الوجوب من الشرع ولم يرد في هذا نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه. فبقى على الأصل، ولأنه غسل آدمي فأشبه فأشبه غسل الحي. وما روى عن أحمد في هذا، يحمل على الاستحباب دون الإيجاب. فإن كلامه يقتضي نفي الوجوب. فإنه ترك العمل بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من غسل ميتا فليغتسل". أخرجه أحمد والثلاثة وزاد الترمذي ومن حمله فليتوضأ (٢) ﴿٢٥٨﴾.
وفيه صالح مولي التوءمة وهو ضعيف قال البيهقي: والصحيح أنه موقوف. وعلل أحمد ذلك بأن الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة، وإذا لم يوجب الغسل بقول أبي هريرة مع احتمال أن يكون من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلأن لا يوجب الوضوء بقوله مع عدم ذلك الاحتمال أولي وأحرى (٣).
(تنبيه) علم أن مجمل نواقض الوضوء (أ) عند الحنفيين سبعة: كل ما خرج من أحد السبيلين حال الصحة. وكل نجس خرج من البدن أن سال على مكان يلزم تطهيرة. والقئ ملء الفم. والنوم مضطجعا أو متكئا أو مستندا إلى ما لو أزيل لسقط. وغلبة العقل بالإغماء أو الجنون أو السكر. وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود. ومباشرة فاحشة (ب) وعند المالكية نواقضه ستة: الخارج المعتاد من أحد السبيلين حال الصحة ومنه الريح والهادي على المعتمد "وهو ماء أبيض يخرج قرب الولادة" وغيبة العقل بجنون أو إغماء
стр. 347
أو سكر أو نوم ثقيل. ولمس مشتهاة أن قصد اللذة أو وجدها على ما تقدم بيانه. ومس الذكر بشرطه والشك في الحدث أو سببه. والردة. (جـ) وعند الشافعية نواقضه أربعة: كل ما خرج من أحد السبيلين إلا المني. وغلبة العقل بجنون أو إغماء أو سكر أو صرع أو نوم لم تتمكن فيه المقعدة. ولمس رجل يشتهي امرأة أجنبية تشتهي بلا حائل. ومس قبل أو دبر آدمي بلا حائل. (د) وعند الحنبلية نواقضه ثمانية: كل ما خرج من أحد السبيلين. وكل نجس كثير خرج من سائر الجسد. وغلبة العقل بما تقدم عند الشافعية. ومس فرجه أو فرج آدمي بلا حائل. ولمس ذكر أو أنثى بشرة الآخر على ما تقدم بيانه. والردة وأكل لحم الإبل. وتغسيل الميت على ما تقدم.
١٠ - وضوء المعذور
تقدم أن الوضوء ينتقض بالخارج من أحد السبيلين حال الصحة "أما الخارج لمرض" كاستحاضة، وسلس بول أو غيره، واستطلاق بطن، وانفلات ريح ورعاف دائم، وجرح لا يسكن دمه ولم يمكن حبسه بحشو من غير مشقة ولا بجلوس وكذا بإيماء في الصلاة عند الحنفيين "فصاحبه معذور" لا يبطل وضوءة به. بل بدخول الوقت عند أبي حنيفة ومحمد وأحمد وكذا بخروجه عند أبي يوسف إذا كان العذر موجودا وقت الوضوء او بعده. أما لو توضأ المعذور مع الانقطاع ودام إلى خروج الوقت فلا يبطل وضوءه بخروج الوقت ما لم يحدث حدثا آخر.
(ودليله) ما تقدم في حديث عائشة من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للمستحاضة فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت (١).
стр. 348
(واللام) (في قوله لكل صلاة للتوقيت كما في قوله تعالى: "أقم الصلاة لدلوك الشمس) من آية ٧٨ - الإسراء. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في بحث الاستحاضة (وإلى هذا) ذهب الحنفيون والحنبليون فقالوا: إن المعذور بسلس ونحوه يتوضأ لوقت كل صلاة، ويصلي به ما شاء من فرض ونقل، ما لم يطرأ حدث غير العذر. فلو طرأ آخر في الوقت لا تبقى الطهارة كما إذا سال الدم من أحد منخريه فتوضأ ثم سال من الآخر فعفليه الوضوء، لأنه حدث جديد. هذا (ويشترط) في ثبوت العذر استمراره وقتا كاملا بغير انقطاع زمنا يسع الطهارة والصلاة. بأن لم ينقطع أصلا أو انقطع زمنا لا يسعهما (ويشترط) لدوامه عند الحنفيين وجوده في كل وقت بعد ذلك ولو مرة واحدة ويشترط لانقطاعه خلو وقت كامل عنه وبه يخرج الشخص عن كونه معذورا (وشرطه) عند الحنبلية. (أ) دخول الوقت. فلو توضأ قبل دخوله لم يصح وضوءه عندهم إلا إذا توضأ لفائتة أو صلاة جنازة. فإنه يصح. (ب) وداوم الحدث وعدم انقطاعه زمنا يسع الطهارة والصلاة. أما إذا اعتاد انقطاع حدثه زمنا يسع ذلك، لزمه تأدية الصلاة فيه ولا يعد معذورا. (ولو) عرض هذا الانقطاع في أثناء الوقت، بطل الوضوء أن استمر الانقطاع، لأن الحدث مبطل للطهارة وقد عفى عنه للعذر. فإذا زالت الضرورة. وإن عاد العذر فظاهر كلام أحمد أنه لا عبرة بهذا الانقطاع. فإذا توضأت المستحاضة وقد انقطع الدم ثم سال قبل الصلاة لا تعيد الوضوء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرها بالوضوء لكل صلاة من غير تفصيل والعذر يجري وينقطع. واعتبار مقدار الانقطاع فيما يمكن فعل العبادة فيه يشق. وإيجاب الوضوء بسببه حرج لم يرد الشرع به. قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) من ىية ٧٨ - الحج. ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أحد من أصحابه هذا
стр. 349
التفصيل (١)
(وقالت) المالكية: السلس. (أ) ان تمكن صاحبه من التداوي منه لزمه التداوي ولا تغتفر له الصلاة بلا طهارة منه إلا مدة التداوى. (ب) وإن لم يتمكن من الداوي منه والعمل على قطعه ففليه تفصيل.
١ - إن استمر كل أقوات الصلاة أو استمر غالبه أو نصفه ولم ينضبط وقت انقطاعه، لا ينقض الوضوء. ولكن يستحب الوضوء منه لكل صلاة فيما إذا استمر غالب الزمن أو نصفه (ودليله) حديث عروة ابن الزبير: أن فاطمة بنت أبي حبيش أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فشكت إليه الدم فقال: إنما ذلك عرق فانظري إذا اتى قرؤك فلا تصلي. فإذا مر القرء تطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء. أخرجه أحمد وابن ماجه بسند جيد (٢) ﴿٢٥٩﴾.
(وجه) الدلالة أنه لم يأمرها بالوضوء، ولأن مثل هذا العذر لم ينص على الوضوء منه، ولا هو في معنى المنصوص، لأن المنصوص عليه الخارج المعتاد. وهذا ليس بمعتاد. وأيضا فإن إيجاب الوضوء منه لكل صلاة فيه مشقة وحرج لم يرد به الشرع (وأجاب) الأولون بأن الحديث مطلق يحمل على المقيد وهو ما رويناه ففيه "ثم صلي وتوضئ لكل صلاة (٣) " وللمالكية أن يقولوا أن الأمر بالوضوء فيه للاستحباب دفعا للحرج وجمعا بين الأدلة.
٢ - وإن انضبط انقطاع السلس "بأن كان في أول الوقت أو آخره، لزم
стр. 350
الوضوء منه. وكذا ينقض الوضوء أن استمر أقل من نصف أوقات الصلاة لعدم الحرج وصيرورته كالمعتاد حينئذ وعلى صاحبه أن يتطهر ويصلي وقت الانقطاع.
(وقالت) الشافعية: ما خرج على وجه السلس كالاستحاضة والبول والمذي والودي يجب على صاحبه التحفظ والتحرز من خروج شيء بأن يحشو محل الخروج ويعصبه ثم يتوضأ، فإن خرج منه شيء لا يمنع الصلاة وغيرها ان استوفى ما يأتي.
(أ) تقدم الاستنجاء على الوضوء.
(ب) الموالاة بين الاستنجاء والتحفظ وبين التحفظ والوضوء، وبين أفعال الوضوء، وبين الوضوء والصلاة.
(جـ) أن تكون هذه الأعمال كلها بعد دخول الوقت، ولا يضر تأخير الصلاة عن الوضوء لمصلحتها كالذهاب إلى المسجد وانتظار الجماعة. ويصلي بهذا الوضوء فرضا واحدا وما شاء من النوافل قبله أو بعده. وينوي به الاستباحة لا رفع الحديث، لأنه لا يرفعه بل تباح به العبادة وعليه أن يكرر هذه الأعمال لكل فريضة (ودليل) ذلك حديث حبيب ابن ابي ثابت عن عروة عن عائشة قالت: أتت فاطمة بنت أبي حبيش النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: أني استحضت فقال دعى الصلاة أيام حيضك ثم اغتسلي وتوضئ لكل صلاة وأن قطر الدم على الحصير. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي وابن حبان (١) ﴿٢٦٠﴾ وحبيب مدلس وقد عنعن (فظاهر) قوله وتوضئ لكل صلاة، يقتضي أن لا يصلي به أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية. وقد تقدم أن الحنفيين والحنبلية، قالوا: اللام في قوله لكل صلاة للتوقيت. قال
стр. 351
الطحاوي: فقد ثبت بما ذكرنا صحة الرواية في المستحاضة أنها تتوضأ في حال استحاضتها لوقت كل صلاة (١) ورد بأنك عرفت من الحديث السابق أن الرواية: لكل صلاة لا لوقت كل صلاة. فالحق أنه يجب على المعذور بسلس ونحوه الوضوء لكل فرض.
١ - أقسام الوضوء
هي أربعة عند الأئمة الثلاثة، وخمسة عند أبي حنيفة (الأول) فرض على المحدث للصلاة ومس المصحف ونحوهما مما لا يصح إلا بالطهارة وهو.
(أ) الطهارة للصلاة: يشترط لصحة الصلاة الطهارة من الحدث إجماعا لقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) الآية- ٦ - المائدة (وعن ابن عمر) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول. أخرجه مسلم والأربعة وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب (٢) ﴿٢٦١﴾.
(قال) القاضي عياض: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة (فذهب) ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم.
(وقال الجمهور) بل كان قبل ذلك فرضا (واختلفوا) في الوضوء. أهو فرض
стр. 352
على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة؟ (فقال) جماعة من السلف: الوضوء لكل صلاة فرض لقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) الآية (وقال) الجمهور: إن ذلك كان ثم نسخ وبقى لأمر فيه على الندب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم خلاف. ومعنى الآية عندهم إذا قمتم محدثين (لحديث) عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسلوك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. أخرجه أحمد والدارمي بسند جيد. وصححه ابن خزيمة (١) ﴿٢٦٢﴾.
(وقال بريدة) كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ عند كل صلاة. فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والدارمي (٢) ﴿٢٦٣﴾.
وقال: فدل فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن معنى قول الله تعالى: (إذا قمتم على الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية لكل محدث ليس للطاهر. ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا وضوء إلا من حدث".
стр. 353
(ب) الطهارة لمس المصحف: (قال) الأئمة الأربعة والجمهور: تجب الطهارة لمس المصحف. لظاهر قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم (٧٧) في كتاب مكنون (٧٨) (لا يمسه إلا المطهرون) (٧٩) الواقعة. (ولقول) حكيم ابن حزام: لما بعثني النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم إلى اليمن قال: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر. أخرجه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد والطبراني في الكبير والأوسط. وفيه سويد أبو حاتم ضعفه النسائي ووثقه ابن معين في رواية (١) ﴿٢٦٤﴾.
(فيحرم) على المحدث مس القرآن أو بعضه بيد أو غيرها ولو في لوح أو درهم أو حائط، أو كان كتوبا بغير العربية من غير حائل منفصل، لأن النهي إنما ورد عن مسه. ومع الحائل إنما يكون المس له دون المصحف.
(ومثل) القرآن في ذلك باقي الكتب السماوية (ويكره) تحريما مسه بالكم ونحوه على الصحيح عند الحنفيين (ويحل) تقليب أوراق المصحف بعود ونحوه واختلفوا في مسه بما غسل من الأعضاء والصحيح عدم الجواز إلا بطهارة كاملة (وكذا) يحرم على المحدث حمل القرآن إلا بغلاف منفصل عن القرآن والماس كالكيس والمنديل والصندوق، لأن الحمل أبلغ من المس. نعم يجوز مسه وحمله لضرورة كخوف عليه من حرق أو غرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر ولم يتمكن من الطهارة (ويحل) حمله في متاع تبعا إذا لم يكن مقصودا بالحمل (ولا يحرم) توسد حقيبة فيها مصحف ولا ركوب عليها في السفر إذا كان للحفظ، والإحرام (ورخص) مالك في مس المصحف للمعلم والمتعلم إذا خشيا النسيان (وقال)
стр. 354
داود الظاهري وابن حزم: يجوز مسه بدون طهارة (لحديث) ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أنه كان عند هرقل فدعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصري فدفعه إلى هرقلف فقرأه فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم" من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم* سلام على من اتبع الهدى (أما بعد) فإني أدعوك بدعاية الإلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك أثم الاريسيين (ويأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون). أخرجه البخاري (١) ﴿
٢٦٥﴾.
(قال) ابن حزم في المحلي: فهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بعث كتابا وفيه هذه الآية إلى النصارى. وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب (٢) (ورد) بأن الذي كان في الخطاب آية واحدة فلا تسمى مصحفا على أن الحالة ضرورة، فلا يقاس عليها. وقياس المس على القراءة قياس مع الفارق. فإن القراءة يشق معها الطهارة دائما. فالاحتياط عدم مس المصحف إلا على طهارة.
стр. 355
(الثاني) من أقسام الوضوء الواجب- يجب الوضوء للطواف بالكعبة ولو نفلا عند الحنفيين ورواية عن أحمد. ويفترض عند غيرهم (لحديث) ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم فيه إلا بخير". أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد والبيهقي. وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان (١) ﴿٢٦٦﴾.
(وعن) طاوس عن صحابي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلامز أخرجه أحمد والنسائي (٢) ﴿٢٦٧﴾.
(فيحرم) الطواف مع الحديث اتفاقا، ولا يصح عند الثلاثة، لأن شرطه الطهارة، ويصح عند الحنفيين، وروى عن أحمد ويلزمه شاة أو بدنة على ما بين في الحج (٣).
(تنبيه) علم أنه يحرم على المحدث حدثا أصغر أربعة أشياء (أ) الصلاة ولو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة أو شكر، فلا تصح ويحرم أداؤها مع الحدث إجماعا (ب، ج) مس شيء من القرآن وباقي الكتب السماوية، وحمله إلا بغلاف منفصل من القرآن على ما تقدم بيانه (د) الطواف بالكعبة ولو نفلا على ما تقدم تفصيله.