بحرمة نقلها لغير قريب أو أحوج، لأن آية: "إنما الصدقات للفقراء" وغيرها من النصوص مطلقة عن التقييد بمكان.
(وقال) مالك وأحمد: يجب صرفها في موضع الوجوب أو قربه إلى ما دون مسافة القصر، سواء وجد بموضع الوجوب مستحق أو لا، لأنه في حكم موضع الوجوب. ولا يجوز نقلها لمسافة القصر فأكثر إلا أن يكون المنقول إليهم أحوج فيندب نقل أكثرها لهم. وإن نقلت إلى مسافة القصر فأكثر إلى من هم أقل منهم في الاحتياج أجزأت مع الحرمة، وإن نقلت إلى مثلهم أجزأت مع الكراهة.
(قال) أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال: لا. قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا. (وقال) طاوس في كتاب معاذ بن جبل: من خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشرة ترد إلى مخلافه. أخرجه الأثرم في سننه (١).
وإن لم يوجد بمحل الوجوب أو قربه مستحق، نقلت وجوبا إلى محل فيه مستحق ولو بعد مسافة القصر (وقالت) الشافعية: يجب صرفها في بلد المال، فلو نقلت إلى بلد آخر مع وجود المستحقين ففيه أربعة أقوال الأصح أنه لا يجوز النقل ولا يجزئ ولو لأقل من مسافة القصر (٢). ويجوز إن فقد المستحق في موضع الوجوب (لحديث) عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله ﷺ حتى مات النبي ﷺ ، ثم قدم على عمر فرده على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث صدقة
стр. 2977
الناس، فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعث إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه منى. فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا. أخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (١).
(وقال) أحمد: لا تخرج صدقة قوم عنهم من بلد إلى بلد إلا أن يكون فيها فضل عنهم، لأن الذي كان يجيء إلى النبي ﷺ وأبي بكر وعمر من الصدقة إنما كان عن فضل عنهم، وكذلك إذا كان ببادية ولم يجد من يدفعها غليه فرقها على فقراء أقرب البلاد إليه (٢).
(وإذا) أخذ الساعي الصدقة فاحتاج إلي بيعها لمصلحة- من كلفه في نقلها أو مرضها أو نحوها- فله ذلك لما روى قيس بن أبي حازم أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء، فسأل عنها، فقال المصدق: "إني ارتجعتها بإبل فسكت" أخرجه أبو عبيد في الأموال (٣). ﴿١٧٠﴾
وقال: الرجعة أن يبيعها ويشتري بثمنها أو غيرها. فإن لم يكن حاجة على بيعها، فقال بعض الحنبلية: لا يجوز والبيع باطل وعليه الضمان.
(وقيل) يجوز لحديث قيس فإن النبي ﷺ سكت حين أخبره المصدق بارتجاعها ولم يستفصل (٤).
стр. 2978
(٧) ما يطلب من المزكى والآخذ:
هو ثلاثة أمور:
(أ) يسن للمزكي دفع الزكاة بيده اليمني متواضعا لله تعالى، معتقدا أن الفضل والنعمة من الله تعالى، وإنما أجرى الخير على يديه تفضلا منه وإحسانا داعيا بقوله: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما (لحديث) سويد بن سعيد حدثنا الوليد بن مسلم عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما" أخرجه ابن ماجه وسويد فيه مقال، والوليد مدلس، والبختري متروك متفق على ضعفه (١). ﴿١٧١﴾
(ب) ويسن للأخذ أن يدعو للمزكي بنحو آخرك الله فيما أعطيت وجعله طهورا، وبارك لك فيما أبقيت (لحديث) وائل بن حجر أن النبي ﷺ بعث ساعيا فأتي رجلا فآتاه فصيلا مخلولا، فقال النبي ﷺ : "اللهم لا تبارك فيه ولا في إبله. فبلغ الرجل. فجاء بناقة حسنا، فقال: أتوب إلى الله وإلى نبيه ﷺ . فقال النبي ﷺ : اللهم بارك فيه وفي إبله" أخرجه النسائي (٢). ﴿١٧٢﴾
(وقال) عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: اللهم صل عليهم، فأتاه أبي أبو أوفي بصدقته، فقال: الهم صل على آل أبي أوفى" أخرجه السبعة إلا الترمذي (٣). ﴿١٧٣﴾
стр. 2979
(ولهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور: يسن دعاء آخذ الزكاة لرب المال. وأوجبه داود وبعض الشافعية لظاهر قوله تعالى: "وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم" (ورد) بأن هذا مختص بالنبي ﷺ لكون صلاته سكنا لهم بخلاف صلاة غيره، ولو كان الدعاء واجبا لأمر به النبي ﷺ السعادة.
(جـ) يندب ستر الزكاة عن أعين الناس، لأن عمل السر أفضل إلا أن يكون الغالب تركها فيستحب الإظهار للاقتداء به. وقيل: إن إظهارها أفضل، وكذا سائر الفرائض، لكن يحرم قصد المحمدة (وأما) صدقة التطوع فيستحب فيها الإسرار لخبر: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (١) (فعده) من السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظل عرشه.
стр. 2980
(وقال) ابن عباس في قوله تعالى: "إن تبدوا الصدقات فنعما هي" (١) الآية: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. وكذا في جميع الفرائض والنوافل. وعن عقبة بن عامر أن النبي ﵊ قال: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرىن كالمسر بالصدقة" أخرجه أحمد والثلاثة (٢). ﴿١٧٤﴾
(١٥) صدقة التطوع
الصدقة عطية يراد بها الثواب من الله تعالى، وقد تقدم في فضلها والترغيب فيها أحاديث (فيسن) للإنسان التصدق بما ينتفع به ويثاب عليه ولو قليلا، قال الله تعالى: "فمن يعمل مثال ذرة خيرا يره" (٣) (وعن) عدى بن حاتم أن النب ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يتقي النار فليتصدق ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة" أخرجه أحمد ومسلم (٤). ﴿١٧٥﴾
(وعن) عائشة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال
стр. 2981
لها: "يا عئشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان" أخرجه أحمد والبزار بسند حسن (١). ﴿١٧٦﴾
(ومن) آثار الصدقة الاستظلال بها يوم القيامة وإكرام الله للمتصدق وتأمينه يوم الفزع الأكبر (روى) يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير مرثد بن عبد الله حدثه، عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس أو يحكم بين الناس. قال يزيد: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة أو كذا" أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٢). ﴿١٧٧﴾
فتصدق أيها العاقل بفضل مالك يخلف الله عليك ويدعو لك الملك بالخلف ولا تمسك فيدعو عليك بالتلف فتكون من الهالكين وتندم ولا ينفعك الندم، قال الله تعالى: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" (٣).
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " أخرجه مسلم (٤). ﴿١٧٨﴾
وقال تعالى: "من ذا الذي يقرض الله فرضا حسنا فيضاعفه له
стр. 2982
أضعافا كثيرة" (١). وقال تعالى: "وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا" (٢).
(وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: "يا بن آدم أنفق أنفق عليك، وقال: يمين الله ملأي سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار" أخرجه مسلم (٣). ﴿١٧٩﴾
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سبق درهم مائة ألف درهم. قالوا وكيف؟ قال: لرجل درهمان تصدق بأحدهما وانطلق رجل إلى عرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق به" أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم وصححه (٤). ﴿١٨٠﴾
стр. 2983
(وظاهر) الحديث أن الأجر على قدر حال المعطي لا على قدر المال المعطى. فصاحب الدرهمين حيث أعطى نصف ماله في حال لا يعطي فيها إلا الأقوياء يكون أجره على قدر همته، بخلاف الغني فإنه ما أعطى نصف ماله ولا في حال يعطي فيها عادة (١).
والأدلة في هذا كثيرة- تقدم بعضها في فضل الزكاة (٢)، وكلها تحث على الإنفاق في وجوه الخير وأنواع البر في هذه الدار لينتفع به في الجزاء. فعلى العاقل الراغب في الخير لنفسه أن يبادر بتقديم ما ينفعه في رمسه فيتصدق وهو صحيح محتاج قبل الفوات بهجوم الموت، قال الله تعالى:
"وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعلمون" (٣).
стр. 2984
ثم الكلام في ستة فروع:
(أ) التنافس في الخير:
لما علم الصحابة ﵃ فضل الصدقة وعظيم ثوابها وجزيل نفعها تسابقوا إليها وتنافسوا فيها. فكان أحدهم يتصدق بما يناسب حاله ويتفق وماله (روى) الحارث الأعور عن علي ﵁ قال: جاء ثلاثة نفر إلى النبي ﷺ ، فقال أحدهم: يا رسول الله كانت لي مائة دينار فتصدقت منها بعشرة دنانير، وقال الآخر: يا رسول الله كانت لي عشرة دنانير فتصدقت منها بدينار، وقال الآخر: كان لي دينار فتصدقت بعشرة، فقال رسول الله ﷺ : "كلكم في الأجر سواء، كلكم تصدق بعشر ماله" أخرجه أحمد والبزار. والحارث فيه كلام كثير (١). ﴿١٨١﴾
(وفي) الحديث تسلية للفقير وحثه على الصدقة كي لا يحرم من ثوابها.
(وقال) أبو السليل: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي أنه رأى رسول الله ﷺ بالبقيع وهو يقال: من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة، فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين وأنا
стр. 2985
أريد أن أتصدق بهما فأدركني ما يدرك بني آدم، فعقدت على عمامتي، فجاء رجل ولم ار بالبقيع رجلا أشد سوادا أصفر منه ولا آدم يعير بناقة لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها، فقال: يا رسول الله أصدقة؟ قال: نعم، قال: دونك هذه الناقة، فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه؟ فوالله لهي خير منه، فسمعها رسول اله ﷺ فقال: كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرار، ثم قال: ويل لأصحاب المئين من الغبل ثلاثا. قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شمالهن ثم قال: قد أفلح المزهد المجهد ثلاثا، المزهد في العيش، المجهد في العبادة. أخرجه أحمد، وفي سنده من لم يسم (١). ﴿١٨٢﴾
وقد دل الحديث (على) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشهد للمتصدق يوم الجزاء (وعلى) ذم من لم يتصدق بفضل ماله من الأغنياء وأن لهم الويل وهو شدة الهلاك وأليم العذاب (وعلى) مدح الزاهد في الدنيا، المجتهد في عبادة ربه جل شأنه، وأنه المفلح السعيد، جعلنا الله تعالى منهم.
(وقال) عمر بن الخطاب ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر
стр. 2986
إن سبقت يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا"أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه (١). ﴿١٨٣﴾
(وفي الحديث) دليل على عدم كراهة التصدق بكل المال من صحيح البدن غير المدين الصبور الذي لا عيال له أو له عيال يصبرون، فإن فقد شيء من هذه كره. وهذا من حيث الجواز. أما من حيث الاستحباب فيستحب أن يكون ذلك من الثلث فقط جمعا بين قصة أبي بكر ﵁ وحديث كعب ابن مالك قال: قلت: يا رسول الله إن من توبتي إلى الله أن أخرج من مالي كله على الله وإلى رسوله صدقة. قال: لا. قلت: فنصفه. قال: لا. قلت: فثلثه. قال: نعم. قلت: فإني سأمسك سهمي من خيبر" أخرجه أبو داود (٢). ﴿١٨٤﴾
ولهذا قال الجمهور: يستحب أن تكون الصدقة من الثلث فقط.
(وقال) مالك والأوزاعي: لا يجوز التصدق إلا بالثلث يرد على المعطي الزائد. ويرده قصة الصديق وعمر ﵄.
(ب) صدقة الجسد:
إن الله تعالى كرم بني آدم وخصهم بمزايا لا تحصى وأنعم عليهم نعما لا تستقصى. فينبغي لكل منهم أن يشكر مولاه- على ما أولاه من فضل ورعاية- بالإكثار من ذكر الله تعالى وطاعته، قال تعالى:
стр. 2987
"فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون" (١).
(وعن) بريدة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "في الإنسان ستون وثلثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة، قالوا: فمن الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تجزئ عنك" أخرجه أحمد وابن حبان بسند جيد (٢). ﴿١٨٥﴾
والمعنى أنه يندب لكل مكلف أن يتصدق بعدد مفاصله شكرا لله بأن جعل له مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط. وخصت بالذكر لما في التصرف بها من دقائق الصنع التي اختص بها الآدمي. ولما فهم الصحابة ﵃ أن الصدقة لا تكون إلا بالمال وهم لا يقدرون على التصدق عن كل مفصل بين لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ثواب الصدقة ليس محصورا في المال فقال: النخاعة في المسجد تدفنها ... الخ، أي يكتب لك بها ثواب المتصدق بالمال، وكذا تنحية الشيء المؤذي- كشوك أو حجر- عن الطريق تثاب عليها فإن لم يتيسر لك ذلك فصل ركعتين سنة الضحى تجزئك عن صدقة الجسد.
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، قال: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة مشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الاذى عن الطريق صدقة" أخرجه أحمد والشيخان، وهذا لفظ مسلم (٣). ﴿١٨٦﴾
стр. 2988
والمعنى أن مما يثاب عليه ثواب الصدقة الإصلاح بين المتخاصمين بالعدل، ومعاونة الضعيف على ركوب دابته وفي رفع متاعه عليها، والكلمة التي يطيب ويطمئن لها قلب المخاطب، فطيب الكلام من جليل عمل البر، قال تعالى:
(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (١). والدفع يكون بالقول كما يكون بالفعل، ووجه كون الكلمة الطيبة صدقة أن عطاء المال يفرح به قلب من يعطاه وكذلك الكلام الطيب فتشابها من هذه الجهة.
(وعن) أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة وكل تسبيحة صدقة وتهليلة صدقة وتكبيرة صدقة وتحميده صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة، ويجزئ أحدكم من ذلك كله ركعتان يركعهما من الضحى. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي (٢). ﴿١٨٧﴾
والمعنى أن ركعتي الضحى تكفي عن الصدقات المطلوبة عن مفاصل الإنسان لأنه بتأديتها تتحرك جميع هذه المفاصل فيكون كل مفصل أدى ما عليه من الصدقة، ولعل تخصيص ركعتي الضحى بذلك أنه وقت غفلة أكثر الناس عن الطاعة لاشتغالهم فيه بأعمالهم الدنيوية. فالمصلى في هذا الوقت يكون قد أدى شكر المنعم الذي أنعم عليه بخلقه في أحسن تقويم وحفظه عما يغيره ويؤذيه.
стр. 2989
(وعن) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله وحمد الله وهلل الله وسبح الله واستغفر الله وعزل حجرا عن طريق الناس أو شوكة أو عظما عن طريق الناس وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامي فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار" أخرجه مسلم. وفي رواية: فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار (١). ﴿١٨٨﴾
(جـ) كل معروف صدقة:
المعروف: اسم جامع لأنواع البر والخير وكل ما عرف حسنه بالشرع والعقل. ومعنى كونه صدقة أن ثوابه كثواب من تصدق بالمال، فإن قارنته النية أجر صاحبها جزما وإلا ففيه احتمال. هذا والصدقة لا تختص بأهل اليسار بل كل واحد قادر على فعلها في أكثر الأوقات بلا مشقة.
والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة تقدم بعضها.
(ومنها) حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "كل معروف صدقة ومن المعروف أن تلقي أخاك بوجه طلق وأن تفرغ من دلوك في إنائه" أخرجه أحمد والحاكم والترمذي وقال: حسن صحيح. وأخرج مسلم صدره عن حذيفة (٢). ﴿١٨٩﴾
(وعن) أبي موسى الاشعري أن النبي ﷺ قال: "على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قيل: أرأيت إن لم يستطع أن يفعل؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير.
стр. 2990
قيل: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر فإنه له صدقة" أخرجه أحمد والشيخان والنسائي (١). ﴿١٩٠﴾
والمعنى أنه يطلب من كل مسلم رأى محتاجا عاجزا عن الكسب مشرفا على الهلاك أن يتصدق عليه وجوبا إحياء له وغلا كان التصدق مستحبا متاكدا (وقد) دل الحديث على أن الصدقة تكون بالمال وبغير المال. وهو إما فعل وهو الإعانة أو تعرك وهو الغمساك عن الشر وأن أعمال الخير إذا حسنت فيها النية تكون كالصدقة في الأجر ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة. وعلى أن الصدقة في حق القادرة عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعليها، وفيه أن من أمسك عن الشر يكتب له ثواب المتصدق. يعني إذا نوى بالإمساك القربة بخلاف محض الترك. والإمساك إما أن يكون عن غيره، فكأنه تصدق على الغير بالسلامة منه أو عن نفسه بأن كان شره لا يتعدى نفسه فأمسك عنه، فيكون قد تصدق على نفسه بمعنها من الإثم.
(د) تصدق المرأة والولد والخادم من مال المالك:
يجوز للمرأة والولد والخادم التصدق من مال الزوج والوالد والسيد ولو بلا إذنه- بما اعتيد التصدق بمثله- وبإذنه ورضاه في الكثير من غير إسراف ولا فساد وهم شركاء في الأجر (لديث) أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها قالت: يا نبي الله لي شيء إلا ما أدخل على الزبير فهل على جناح أن أرضخ مما يدخل على؟ فقال: "أرضخي ما استطعت ولا توعي
стр. 2991
فيوعى الله عليه" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي ولفظهما: ولا توكي فيوكي الله عليك (١). ﴿١٩١﴾
أي ليس لي من المال إلا ما أدخله الزبير بيته أيجوز لي أن أتصدق منه؟ فقال النبي ﷺ : انفقي منه ولا تمسكي فيضيق الله عليك.
(والحديث) محمول على إعطاء ما جرى العرف بإعطائه من غير إسراف، وأمرها النبي ﷺ بالإعطاء بلا توقف على إذن زوجها لعلمه ﷺ بأن الزبير تطيب نفسه بما تتصدق به. ولم يقيد إنفاقها بعدم الغسراف لعلمه ﷺ بأن السيدة أسماء ﵂ ذات دين تحسن التصرف.
(وعن) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا" أخرجه الستة وابن حبان (٢) ﴿١٩٢﴾
(والحديث) محمول على ما إذا علمت المرأة والخادم رضا رب المال
стр. 2992
بالتصدق منه، أما إن عُلم رضاه أوُ شكَّ فيه فلا يجوز لغيره التصدق من ماله إلا بإذن صريح (وفرق) بعض العلماء بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها النظر في مال الزوج والتصرف في بيته فلها أن تتصدق بالمعتاد بلا إسراف (وأما) الخادم فليس له التصدق من مال سيده إلا بإذن صريح.
(وقال) أبو أُمامة الباهلي: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبة عام حجة الوداع: "لا تنفق المرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها. قيل. يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذاك من أفضل أموالنا" أخرجه الترمذي وحسنه (١). ﴿١٩٣﴾
(وقال) عمير مولى آبى اللحم: كنت مملوكاً فسألت رسول الله ﷺ : أأتصدقَ من مالَ مواليَّ بشئ؟ قال: نعم والأجر بينكما نصفان" أخرجه مسلم (٢). ﴿١٩٤﴾
وهذا محمول على أنه استأذن في الصدقة بقدر يعلم رضا سيده به.
(ومعنى) والأجر بينكما نصفان، أى قسمان وإن كان أحدهما أكثر.
ويحتمل أن يكون الأجر سواء، لأن الأجر فضل الله يؤتيه من يشاء، والمختار الأول.
(ومعنى) هذه الأحاديث أن المشارك في الطاعة مشارك في الأجر، والمراد المشاركة في أصل الثواب وإن كان أحدهما أكثر. فإذا أعطى المالك لخازنه أو امرأته درهم مثلا يوصلها إلى فقير على باب الدار فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رمانة أون رغيفا ونحوهما ليعطيه إلى محتاج في مسافة بعيدة تزيد أجرة الذهاب إليها على الرمانة ونحوها فأجر الوكيل أكثر. وقد يكون عمله قدر الرغيف فيكون الأجر سواء.
стр. 2993
(واعلم) أنه لابد للعامل والزوجة والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن إذن اصلا فلا أجر لهم، بل عليهمك وزر بتصرفهم في مال الغير بغير إذنه، والإذن صريح مفهوم من العرف والعادة كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما جرت به العادة وعلم بالعرف رضا المالك وإذنه حاصل وإن لم يتكلم، فإن شاك في رضاه أو علم من حاله الشح بذلك أو شك فيه لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله إلا بصريح إذنه (١).
(هـ) التصدق على الصالحين:
الصالح المتقي الواقف عند الحدود القائم بحق العباد والمعبود- فهو الذي ترجى بركته وتستجاب دعوته- لذا يستحب للإنسان أن يخصه بصدقته إعانة له على طاعة الله تعالى (لحديث) أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي" أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح وأقره الذهبي (٢). ﴿١٩٥﴾
المراد أن المطاعمة توجب الألفة وتؤدي إلى الخلطة، ومخالطة غير التقي تخل بالدين وتوقع في الشبه والمحظورات، فكأنه ينهي عن مخالطة الفجار، إذ لا تخلو عن فساد إما بمتابعة في فعل أو مسامحمة في إغضاء عن منكر فإن سلم من ذلك ولا يكاد فلا تخطئه فتنة الغير به، وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان، لأن المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم أطعم المشركين وأعطى المؤلفة المئين، بل المراد الإرشاد إلى الأكمل وألا يخالط غير التقي. فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعا ولا تخالل إلا تقيا (٣).
стр. 2994
(عن) عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من أخرج صدقة فلم يجد إلا بربريا فليردها" أخرجه أحمد وفي سنده ابن لهيعة ضعيف (١). ﴿١٩٦﴾
والمراد بالبرابرة: المتوحشون الذين لا دين لهم ولا خشية عندهم. أما المسلمون منهم الصالحون فيعطون الصدقة (والحديث) يدل على كراهة إعطاء الصدقة لفاسق إذا علم أنه يستعين بها على ارتكاب مكروه، ويحرم إعطاؤه إذا علم أنه يستعين بها على ارتكاب محرمن أما إذا لم يعلم شيئا أو علم أنه يستعين بها على القوت فلا كراهة في إعطائه ولو كافرا ويثاب على ذلك، قال الله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (٢)، ومعلوم أن الاسير حربي، وتقدم في حديث- من تصدق على سارق وزانية وغني- أنه قيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها تستعف عن زناها (٣).
(و) الصدقة الجارية:
أي الباقي أجرها بعد موت المتسبب فيها ما دامت قائمة، وهي عشر خصال نظمها الحافظ السيوطي في قوله:
إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من خصال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو إجراء نهر
стр. 2995
وبيت للغريب بناه يأوى ... إليه أو بناء محل ذكر
وتعليم لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصر
وهاك بعض ما ورد فيها:
(ورى) أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة (١). ﴿١٩٧﴾
المعنى أن الإنسان إذا مات انقطع ثواب عمله إلا من ثلاث خصال:
(أ) الصدقة الجارية، أي المتصلة، كوقف أو بناء مسجد أو مستشفى أو منزل للضيف، ونحو ذلك.
(ب) علم ينتفع به، كتعليم وتصنيف، وهذا أكثر ثوابا لطول بقائه على ممر الزمان.
(جـ) ولد يدعو له، لأنه السبب في وجوده، وكذا دعاء غير الولد ينفع الميت، والتقييد بالولد لحثه على الدعاء لأصله.
(وعن) أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أربع تجري عليهم أجورهم بعد الموت: رجل مات مرابطا في سبيل الله، ورجل علم علما فأجره يجري عليه ما عمل به، ورجل أجرى صدقة فأجرها يجري عليه ما جرت عليه، ورجل ترك ولدا صالحا يدعو له" أخرجه
стр. 2996
أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة ورجل لم يسم، لكن حسنه الحافظ السيوطي لقوته بالحديث السابق (١). ﴿١٩٨﴾
والمرابط من لازم محلا بين داري إسلام وكفر لحراسة المسلمين، فمن مات على هذا الحال يكتب له كل يوم بعد موته ثواب المرابط إلى يوم القيامة أو إلى أن يأمن المسلمون من جهة العدو بأخذ بلاده أو الصلح بينهم وبينه. وكان هذا الأجر العظيم للمرابط، لأنه مهدد في كل لحظة بالقتل ولا يصبر على هذا إلا قوي الإيمان.
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله تعالى ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يارب اني لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك" أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح (٢). ﴿١٩٩﴾
دل الحديث على أن دعاء الولد لوالديه ينفعهما بعد موتهما، فمن لم يدرك والديه وأراد برهما أو أدركهما وقصر في برهما فليكثر من الدعاء لهما بعد موتهما، فهو من أعظم أنواع البر بالوالدين، وللولد في ذلك أجر عظيم.
وقد دلت أحاديث الباب أيضا:
(أ) على فضل الزواج لرجاء ولد صالح.
(ب) وعلى مشروعية الوقف وعظيم نفعه في الدنيا والآخرة.
(جـ) وعلى فضل العلم والحث على التعلم والتصنيف والتعليم وأن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع.
(د) وعلى أن الدعاء ينفع الميت وكذا الصدقة وقضاء الدين، والله تعالى ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق
стр. 2997
الصيام
هو رابع أركان الإسلام. ذكر بعد الزكاة لذكره بعدها في الحديث. وهو لغة: مطلق الإمساك عن الكلام وغيره. ومنه قوله تعالى حكاية عن مريم (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) (١)
وشرعاً: الإمساك بنية عن الأكل والشرب وكل مفطر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بشرائط يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
(وركنه) الإمساك عن كل مفطر- مما سيأتي- من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع نية الصوم من أهله وهو المسلم العاقل الخالي من حيض ونفاس.
ثم الكلام ينحصر في ثلاثة عشر أصلاً:
(١) فضل الصيام:
الصوم- فرضاً ونفلاً- له وللصائم فضل عظيم وثواب كبير جاء فيه أحاديث (منها) حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به. والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصحب ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان
стр. 2998
يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي (١). ﴿
١﴾
والمعنى أن كل عمل ابن آدم له فيه حظ نفسي- من رياء ونحوه فهو يتعجل به ثواباً من الخلق - إلا الصيام فإنه خالص لله تعالى لا يعلم ثوابه غيره وإنما خص الصيام بنسبته إلى الله تعالى- وكل الطاعات له- لأنه لم يعبد بالصيام غير الله تعالى. فلم يعظم الكفار في زمن ما معبوداً لهم بالصيام. وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج ونحوهما.
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله
стр. 2999
أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، والصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشرة أمثالها" أخرجه البخاري وأبو داود (١) ﴿٢﴾
(وعن) سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن للجنة باباً يقال له الريان، يقال يوم القيامة: أين الصائمون؟ هلموا إلى الريان، فإذا دخل أخرهم أغلق ذلك الباب" أخرجه احمد والشيخان والنسائي والترمذي وفيه: فمن كان من الصائمين دخله، ومن دخله لم يظمأ أبداً. وقال حسن صحيح (٢) ﴿٣﴾
(وعن) أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً" أخرجه السبعة إلا أبا داود (٣) ﴿٤﴾
стр. 3000
وهو محمول على من لا يتضرر بالصوم ولا يفوت به حقاً ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات الغزو وإلا تعين الفطر ولا ثواب له إن صام.
(وعن) عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيهن فيشفعان" أخرجه احمد والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (١). ﴿٥﴾
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكر الغناء والكفاية لمن أراد سلوك سبيل السعادة. والله ولي التوفيق والهداية.
(٢) وقت الصوم:
هو نوعان: ما يرجع إلى أصل الوقت، وما يرجع إلى وصفه:
(أ) فالذي يرجع إلى أصله هو بياض النهار من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فلا يجوز الصوم في الليل لأن الله تعالى أباح تناول المفطرات في الليل إلى طلوع الفجر، ثم أمر بالصوم إلى الليل.
قال تعالى: "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب الله عليكم وعفا عنكم، فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا
стр. 3001
واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل" (١).
والمراد بالخيط الأبيض بياض النهار وبالأسود ظلمة الليل (قال) عدي بن حاتم ﵁: لما نزلت "حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود" عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لين فغدوت على رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: "إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار" أخرجه الشيخان وأبو داود (٢) ﴿٦﴾
فكان هذا تعيين الليالي للفطر والنهار للصوم، ولأن الحكمة التي لها شرع الصوم من التقوى وتعرف قدر النعم الحامل على شكرها لا يحصل بالصوم في الليل لأن ذلك لا يحصل إلا بفعل شاق على البدن مخالف للعادة وهوى النفس ولا يتحقق ذلك بالإمساك في حالة النوم فلا يكون الليل محلاً للصوم (٣).
(ب) والذي يرجع إلى وصف الوقت من الخصوص والعموم ثلاثة أقسام:
(الأول) وقت صوم التطوع وهو السنة كلها ما عدا يومي العيد وأيام التشريق ورمضان، فيجوز صوم التطوع خارج رمضان في كل أيام السنة
стр. 3002
غير أيام العيد والتشريق (لحديث) أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك في كتابه: "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" اليوم بعشرة أيام" أخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه (١) ﴿٧﴾
فقد جعل الدهر كله محلاً للصوم من غير فصل ولأن المعاني التي كان الصوم لها حسناً وعبادةً موجودة في سائر الأيام فكانت الأيام كلها محلاً للصوم عدا ما تقدم على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(الثاني) وقت الصوم غير المعين كقضاء رمضان والكفارات وهو كل السنة إلا يومي العيدين وأيام التشريق الثلاثة ويوم الشك ورمضان. أما الخمسة الأولى فلورود النهي عن صيامها لما فيه من الإعراض عن ضيافة الله تعالى، فأوجب ذلك نقصاناً في صومها. والواجب في ذمته صوم كامل فلا يتأدى بالناقص. وأما يوم الشك فلأنه يحتمل أن يكون من رمضان وأن يكون من شعبان فإن كان من شعبان يكون قضاء هما لزم في الذمة، وإن كان من رمضان لا يكون قضاء، فلا يكون قضاء مع الشك (٢).
(الثالث) وقت صوم رمضان: وهو شهر رمضان فلا يجوز في غيره إلا قضاء، لقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" أي فليصم في الشهر. ثم الكلام ينحصر في ستة فصول:
стр. 3003
(١) ما يثبت بالهلال: يجب على الناس وجوباً كفائياً طلب رؤية الهلال في التاسع والعشرين من رجب وشعبان ورمضان وذي القعدة، لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوماً (روي) نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" أخرجه مسلم واحمد وزاد: قال نافع فكان ابن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر فإن رؤى فذاك. وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قتر أصبح مفطراً. وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً (١) ﴿٨﴾
(فإن) رؤى هلال رمضان في التاسع والعشرين من شعبان، صام الناس لزوماً. وإن لم ير الهلال لنحو غيم أو غبار، لزم إكمال شعبان ثلاثين يوماً (لحديث) أبي هريرة ﵁ ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان
стр. 3004
ثلاثين يوماً" أخرجه احمد والشيخان والنسائي والدارمي (١) ﴿٩﴾
(وعن) عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ بتحفظ من هلال شعبان مالا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام" أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين. والدارقطني وقال: إسناده حسن صحيح. وفيه معاوية بن صالح وثقه أحمد وإن قال أبو حاتم لا يحتج به (٢) ﴿١٠﴾
والمعنى أن النبي ﷺ كان يتحرى في رؤية هلال شعبان وعد أيامه محافظة على صوم رمضان تحرياً لا يتحراه في غيره من الأشهر التي لا يتعلق بها أمر شرعي كالحج والأضحية. فإن رؤى هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان صام رمضان وإن حال بين رؤيته غيم اكمل شعبان ثلاثين يوماً.
(وعن) طلق بن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى جعل هذه الأهلة مواقيت للناس صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأتموا العدة" أخرجه أحمد والطبراني في الكبير. وفيه محمد بن جابر اليماني وهو صدوق (٣) ﴿١١﴾
стр. 3005
والمعنى أن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت ليعلم الناس بها أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وغير ذلك. فصوموا لرؤية هلال رمضان وأفطروا لرؤية هلال شوال. وليس المراد الصيام والإفطار من وقت الرؤية بل المراد الصوم من فجر الليلة التي رؤى فيها هلال رمضان والإفطار بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان سواء رؤى الهلال قبل الغروب أو بعده. والمراد رؤية بعض المسلمين ولا يشترط رؤية كل إنسان بل يكفي رؤية عدلين أو عدل في الصوم. أما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل (١)
ففي هذه الأحاديث الأمر بصوم رمضان عند رؤية هلاله وإن كان شعبان ناقصاً وبالفطر من رمضان برؤية هلال شوال وإن كان رمضان ناقصاً. وفيها النهي عن صوم رمضان قبل رؤية هلاله ولم يكمل شعبان والنهي عن الفطر قبل رؤية هلال شوال إذا لم يكمل رمضان
(فائدة) "قوله" في حديث ابن عمر فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه (٢) "ظاهره" إيجاب الصوم والفطر للرؤية وجدت ليلاً أو نهاراً وحمله الجمهور على اليوم المستقبل في الصوم والفطر مطلقاً. وبيانه
(أ) انه إن رؤى في التاسع والعشرين بعد الزوال، تكون الرؤية لليوم المستقبل اتفاقاً. (ب) وإن رؤى يوم الثلاثين قبل الزوال فهي للماضية عند أبي يوسف وحكى عن احمد وهو المختار. فيلزم صوم ذلك اليوم إن كان في آخر شعبان وفطره إن كان في آخر رمضان
(وقال) النعمان ومحمد ومالك والشافعي: لا نعتبر للماضية بل للمستقبلة وهو المشهور عن أحمد (لقول) أبي وائل: جاءنا كتاب عمر- ونحن بخانقين-
стр. 3006
إن الأهلة بعضها أعظم من بعض فإذا رأيتم الهلال لأول النهار فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان ذوا عدل انهما أهلاه بالأمس عشية. أخرجه الدارقطني من طريقين (١).
(ب) الشهادة برؤية الهلال: إذا كان بالسماء مانع من الرؤية كغيم وغبار شديد يقبل في هلال رمضان خبر عدل واحد ولو أثنى أو عبداً (٢) لأنه أمر ديني، وخبر العدل مقبول في الديانات ويلزم أن يكون المخبر مسلماً مكلفاً، ومستور الحال كالعدل، ولا يشترط لفظ الشهادة ولا الدعوى (لقول) ابن عمر ﵄: "تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" أخرجه أبو داود والدارمي والبيهقي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٣) ﴿١٢﴾
(قال) الترمذي: والعمل على هذا عند اكثر أهل العلم قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك والشافعي واحمد. وقال إسحق: لا يصام إلا بشهادة رجلين، ولم يختلف أهل العلم في الإفطار انه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين (٤) فلابد في هلال شوال وذي الحجة من شهادة حرين أو حر وحرتين بشرط العدالة ولفظ الشهادة، لتعلق حق العباد بما ذكر، بخلاف صوم رمضان لأنه حق الشرع ولا تقبل شهادة واحد ولا شهادة النساء فقط ولا السبيل.
(لقول) الحارث بن حاطب: "عهد إلينا النبي صلى الله
стр. 3007
عليه وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهداً عدل نسكنا بشهادتهما، ثم قال: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني وشهد هذا من رسول الله ﷺ وأوماً إلى عبد الله بن عمر فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ " أخرجه أبو داود والدارقطني مختصراً بسند صحيح (١) ﴿١٣﴾
(فهذا) الحديث يدل بمفهومه على عدم جواز شهادة رجل واحد في الإفطار، ولا يعارضه منطوق (بل) يؤيده منطوق حديث عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال: "شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس، فجاء رجل إلى وإليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزها وقالا: إن رسول الله صلى وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين" أخرجه الطبراني في الأوسط والدارقطني وقال: تفرد به حفص بن عمر الأبلي وهو ضعيف (٢) ﴿١٤﴾
(وإن) لم يكن بالسماء مانع من رؤية الهلال فلابد في هلال رمضان وغيره- عند الحنفيين- من شهادة جمع عظيم يغلب على ظن القاضي صدقهم لأن خبر غيرهم في مثل هذا الحال ظاهر في الغلط فيتوقف في قبوله
(وروي) عن النعمان الاكتفاء بشهادة اثنين بالرؤية وإن لم يكن بالسماء علة. وأنه يقبل في رمضان شهادة الواحد العدل وهو أحد قولي الشافعي ﵀، لأن هذا من باب الإخبار لا من باب الشهادة، بدليل أنه تقبل شهادة
стр. 3008
الواحد إذا كان بالسماء علة. ولو كان شهادة لما قبل لأن العدد شرط في الشهادات. وإذا كان إخباراً لا شهادة فالعدد ليس بشرط في الإخبار عن الديانات وإنما تشترط العدالة فقط (١)
(قال) ابن نجيم: ولم أر من رجحها من المشايخ. وينبغي العمل بها في زماننا لأن الناس تكاسلوا عن ترائي الأهلة فكان التفرد غير ظاهر في الغلط (٢) (وقال) الشافعي وأحمد يكفي في هلال رمضان- وإن لم يكن بالسماء علة- رؤية عدل واحد ولو عبداً أو امرأة عند احمد وهو قول للشافعي. ومعتمد مذهبه انه لابد أن يكون حراً ذكراً. ولا يثبت هلال غير رمضان كشوال والحجة إلا بشهادة عدلين حرين لما تقدم
(وقالت) المالكية: يثبت هلال رمضان وشوال برؤية عدلين أو جماعة مستفيضة وأقلها خمسة. وهذا في حق قوم يعنون بأمر الهلال. أما من لم يعن به فيثبت برؤية عدل واحد. ووافقه- في اشتراط العدلين- الأوزاعي والليث وإسحق وداود (وقال) الثوري: يكفي رجلان أو رجل وامرأتان، لحديث الحارث بن حاطب (٣)
(قال) النووي: ومحل الخلاف ما لم يحكم بشهادة الواحد حاكم يراه وإلا وجب الصوم ولم ينقض الحكم إجماعاً.
(ج) من رأى الهلال ورد قول: من رأى وحده هلال رمضان وشهد عند القاضي ورد قوله لسبب ما، لزمه الصوم عند الثلاثة وهو المشهور عن احمد لتحقق رؤيته. وإن أفطر قضى فقط لأنه صار مكذباً شرعاً برد خبره ولأنه يحتمل الاشتباه. والكفارة تندرئ بالشبهة (ومن) رأى هلال شوال وشهد عند القاضي ورد قوله لزمه
стр. 3009
الصوم عند الحنفيين ومالك وأحمد احتياطاً للصوم (ولحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال "الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" أخرجه الترمذي بسند رجاله ثقات وحسنه وأخرجه الدارقطني من طريق الواقدي وقال ضعيف (١) ﴿١٥﴾
(قال) الترمذي: معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس (٢) (وقال) الخطابي معنى الحديث أن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوماً اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد ثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت أن الشهر كان تسعاً وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر. وكذلك في الحج إذا أخطئوا يوم عرفة فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك (٣)
(وقال) الشافعي: من رأى هلال شوال ورد قوله لزمه الفطر عملاً بقول النبي ﷺ : ولا تفطروا حتى تروه ولكن يخفيه لئلا يتهم. وهو قول للمالكية (وإن) رآه اثنان فلم يشهدا عند الحاكم جاز لمن سمع شهادتهما الفطر إذا عرف عدالتهما. ولكل واحد منهما أن يفطر بقولهما إذا عرف عدالة الآخر (لقول) عبد الرحمن بن زيد "إني جالست أصحاب النبي ﷺ وإنهم حدثوني أنه ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وأنسكوا لها فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين يوماً وإن
стр. 3010
شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" أخرجه احمد والنسائي بسند لا بأس به. ولم يذكر النسائي: مسلمان (١) ﴿١٦﴾
(وإن) شهدا عند الحاكم فرد شهادتهما لجهله بحالهما، فلمن علم عدالتهما الفطر لأن رد الحاكم هاهنا ليس بحكم منه وإنما هو توقف لعدم علمه. ولهذا لو ثبت عدالتهما يعد ذلك حكم بها وإن لم يعرف أحدهما عدالة صاحبه لم يجز له الفطر إلا أن يحكم بذلك الحاكم لأنه يكون مفطراً برؤيته وحده (٢)
(فائدة) إذا صام قوم ثمانية وعشرين يوماً من رمضان بعد إكمال شعبان ثم رأوا هلال شوال. فإن كانوا أكملوا شعبان بعد رؤية هلاله قضوا يوماً واحداً إذا لم يروا هلال رمضان حملا على نقصان شعبان. وإن أكملوه من غير رؤية هلاله قضوا يومين احتياطاً لاحتمال نقصان رجب وشعبان فإنهم لما لم يروا هلاله كملوا بالضرورة رجب (ولو) صام أهل بلد ثلاثين يوماً وصام أهل بلد آخر تسعة وعشرين يوماً (فإن كان) صوم أهل ذلك البلد برؤية الهلال وثبت ذلك عند قاضيهم أو عدوا شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا رمضان فعلى أهل البلد الآخر قضاء يوم لأنهم أفطروا يوماً من رمضان لثبوت الرمضانية برؤية أهل ذلك البلد وعدم رؤية أهل البلد لا يقدح في رؤية أولئك إذ العدم لا يعارض الوجود (وإن) كان صوم أهل ذلك البلد بغير رؤية هلال رمضان أو لم تثبت الرؤية عند قاضيهم ولا عدوا شعبان ثلاثين يوماً فقد أساءوا حيث تقدموا رمضان بصوم يوم وليس على أهل البلد الآخر قضاؤه لأن الشهر قد
стр. 3011
يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين: هذا إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها المطالع. فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر، لأن مطالع البلاد عند المسافة البعيدة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر. (١)
(د) اختلاف المطالع: أي مطلع الشمس وزوالها وغروبها: ولا يعتبر في رؤية الهلال اختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد لزم سائر البلاد العمل بمقتضى هذه الرؤية فيصوم المصري برؤية المكي وبالعكس- عند جمهور الحنفيين ومالك وأحمد والليث بن سعد وروي عن الشافعي- لعموم الخطاب في حدث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والدارمي (٢) ﴿١٧﴾
وهذا خطاب عام لا يختص بأهل ناحية فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم إذا ثبت عند الغير رؤية من رأى بطريق شرعي موجب للصيام كأن يشهد اثنان فأكثر أن قاضي بلد كذا شهد عنده اثنان برؤية الهلال في ليلة كذا وقضى بشهادتهما فلهذا القاضي أن يحكم بشهادتهما لأن قضاء القاضي حجة وقد شهدوا به. أما لو أخبر جماعة أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان ليلة كذا فصاموا وهذا يوم الثلاثين بحسابهم فلا يباح لمن أخبروا بذلك فطر غد لأن أولئك الجماعة لم يشهدوا بالرؤية.
стр. 3012
(والمختار) عند الشافعية وصاحب التجريد وغيره من الحنفيين أن لأهل كل بلد رؤيتهم وهو الأشبه لأن كل قوم يخاطبون بما عندهم فلا يصوم المصري برؤية المكي مثلاً (روي) كريب "أن أم الفضل ابنة الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتموه؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. قال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " أخرجه أحمد ومسلم والثلاثية والدارقطني وقال: إسناده صحيح. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم (١) ﴿١٨﴾
يعني أمرنا النبي ﷺ ألا نعتمد على رؤية غيرنا ولا نكتفي بها بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا (وأجاب) الجمهور عن هذا الحديث:
(أ) بأن الإشارة في قوله- هكذا امرنا- يحتمل أن يراد بها أنه ﷺ أمرنا ألا نقبل شهادة الواحدة في حالة الإفطار.
(ب) وبأنه خبر واحد ليس فيه لفظ الشهادة ونصابها اثنان.
(ج) وبأن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده.
стр. 3013
والمشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . هو قوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين (روي) عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تصوموا حتى تروه فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا" أخرجه الثلاثة وقال الترمذي حسن صحيح (١) ﴿١٩﴾
وهو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين. وعدم عمل ابن عباس ﵄ برؤية أهل الشام مع اختلاف المطلع إما لعدم ثبوت الشهادة على رؤيتهم، وإما اجتهاد منه وليس بحجة. فالذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه الأولون "ولا يلتفت" إلى قول ابن عبد البر: قد أجمعوا على أنه لا تراعي الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس "لأن" الإجماع، لا يتم والمخالف مثل الحنفيين ومالك وأحمد (وقال) ابن الماجشون: لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.
(فائدة) دل حديث كريب (٢) على أن من رأى هلال رمضان في جهة ثم انتقل إلى أخرى رؤى فيها الهلال في ليلة بعد الأولى فصام ثلاثين ولم ير هلال شوال في هذه الجهة، لزمه الصوم مع أهلها لأنه صار منهم. وأن أفطر لزمه القضاء عند من أخذ بظاهر الحديث. أما من لا يعتبر اختلاف المطالع فإنه يقول: يلزم أهل الجهة الثانية موافقته في الفطر إن ثبتت عندهم رؤية البلد
стр. 3014
الأولى بوجه شرعي ولزمهم قضاء اليوم الأول وإن لم تثبت عندهم لزمه هو الفطر سراً والله تعالى ولي التوفيق.
(و) لا يثبت الهلال بقول لحساب:
لا يعتمد في ثبوت الصوم والفطر على قول المنجمين، لأنه خلاف الثابت عن رسول الله ﷺ (روى) نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" الحديث (وفيه) كان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب. أخرجه أبو داود والدارقطني (١) ﴿٢٠﴾
(قال) المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ : فاقدروا له على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد. والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم (٢) وأيضاً فإن الشارع لا يعول على الحساب ولا يعتمد عليه (روى) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإتهام في الثالثة: والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي (٣) ﴿٢١﴾
стр. 3015
والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم والفطر بالرؤية لرفع الحجر عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو وجد بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً: ويوضحه قوله في الحديث الماضي: فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين (١) ولم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. وإجماع السلف الصالح حجة عليهم وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل (٢) وعلى هذا اتفق أهل الذكر من الفقهاء
(قال) ابن عابدين: ولا عبرة بقول المنجمين- ولو عدولاً- في وجوب الصوم على الناس بالإجماع ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه. وللإمام السبكي الشافعي تأليف مال فيه إلى اعتماد قولهم لأن الحساب قطعي. وما قاله رده متأخرو أهل مذهبه (منهم) ابن حجر والرملي في شرحي المنهاج (وفي فتاوي) الشهاب الرملي الكبير الشافعي سئل: