يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين: هذا إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها المطالع. فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر، لأن مطالع البلاد عند المسافة البعيدة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر. (١)
(د) اختلاف المطالع: أي مطلع الشمس وزوالها وغروبها: ولا يعتبر في رؤية الهلال اختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلد لزم سائر البلاد العمل بمقتضى هذه الرؤية فيصوم المصري برؤية المكي وبالعكس- عند جمهور الحنفيين ومالك وأحمد والليث بن سعد وروي عن الشافعي- لعموم الخطاب في حدث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان والنسائي والدارمي (٢) ﴿١٧﴾
وهذا خطاب عام لا يختص بأهل ناحية فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم إذا ثبت عند الغير رؤية من رأى بطريق شرعي موجب للصيام كأن يشهد اثنان فأكثر أن قاضي بلد كذا شهد عنده اثنان برؤية الهلال في ليلة كذا وقضى بشهادتهما فلهذا القاضي أن يحكم بشهادتهما لأن قضاء القاضي حجة وقد شهدوا به. أما لو أخبر جماعة أن أهل بلد كذا رأوا هلال رمضان ليلة كذا فصاموا وهذا يوم الثلاثين بحسابهم فلا يباح لمن أخبروا بذلك فطر غد لأن أولئك الجماعة لم يشهدوا بالرؤية.
стр. 3012
(والمختار) عند الشافعية وصاحب التجريد وغيره من الحنفيين أن لأهل كل بلد رؤيتهم وهو الأشبه لأن كل قوم يخاطبون بما عندهم فلا يصوم المصري برؤية المكي مثلاً (روي) كريب "أن أم الفضل ابنة الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتموه؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. قال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه قال: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ " أخرجه أحمد ومسلم والثلاثية والدارقطني وقال: إسناده صحيح. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم (١) ﴿١٨﴾
يعني أمرنا النبي ﷺ ألا نعتمد على رؤية غيرنا ولا نكتفي بها بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا (وأجاب) الجمهور عن هذا الحديث:
(أ) بأن الإشارة في قوله- هكذا امرنا- يحتمل أن يراد بها أنه ﷺ أمرنا ألا نقبل شهادة الواحدة في حالة الإفطار.
(ب) وبأنه خبر واحد ليس فيه لفظ الشهادة ونصابها اثنان.
(ج) وبأن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده.
стр. 3013
والمشار إليه بقوله: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ . هو قوله: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين (روي) عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا تصوموا حتى تروه فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا" أخرجه الثلاثة وقال الترمذي حسن صحيح (١) ﴿١٩﴾
وهو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين. وعدم عمل ابن عباس ﵄ برؤية أهل الشام مع اختلاف المطلع إما لعدم ثبوت الشهادة على رؤيتهم، وإما اجتهاد منه وليس بحجة. فالذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه الأولون "ولا يلتفت" إلى قول ابن عبد البر: قد أجمعوا على أنه لا تراعي الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس "لأن" الإجماع، لا يتم والمخالف مثل الحنفيين ومالك وأحمد (وقال) ابن الماجشون: لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع.
(فائدة) دل حديث كريب (٢) على أن من رأى هلال رمضان في جهة ثم انتقل إلى أخرى رؤى فيها الهلال في ليلة بعد الأولى فصام ثلاثين ولم ير هلال شوال في هذه الجهة، لزمه الصوم مع أهلها لأنه صار منهم. وأن أفطر لزمه القضاء عند من أخذ بظاهر الحديث. أما من لا يعتبر اختلاف المطالع فإنه يقول: يلزم أهل الجهة الثانية موافقته في الفطر إن ثبتت عندهم رؤية البلد
стр. 3014
الأولى بوجه شرعي ولزمهم قضاء اليوم الأول وإن لم تثبت عندهم لزمه هو الفطر سراً والله تعالى ولي التوفيق.
(و) لا يثبت الهلال بقول لحساب:
لا يعتمد في ثبوت الصوم والفطر على قول المنجمين، لأنه خلاف الثابت عن رسول الله ﷺ (روى) نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" الحديث (وفيه) كان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب. أخرجه أبو داود والدارقطني (١) ﴿٢٠﴾
(قال) المازري: حمل جمهور الفقهاء قوله ﷺ : فاقدروا له على أن المراد إكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر: ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين، لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد. والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم (٢) وأيضاً فإن الشارع لا يعول على الحساب ولا يعتمد عليه (روى) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإتهام في الثالثة: والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي (٣) ﴿٢١﴾
стр. 3015
والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم والفطر بالرؤية لرفع الحجر عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو وجد بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً: ويوضحه قوله في الحديث الماضي: فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين (١) ولم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. وإجماع السلف الصالح حجة عليهم وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل (٢) وعلى هذا اتفق أهل الذكر من الفقهاء
(قال) ابن عابدين: ولا عبرة بقول المنجمين- ولو عدولاً- في وجوب الصوم على الناس بالإجماع ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه. وللإمام السبكي الشافعي تأليف مال فيه إلى اعتماد قولهم لأن الحساب قطعي. وما قاله رده متأخرو أهل مذهبه (منهم) ابن حجر والرملي في شرحي المنهاج (وفي فتاوي) الشهاب الرملي الكبير الشافعي سئل:
стр. 3016
(أ) عن قول السبكي: لو شهدت بينة برؤية الهلال ليلة الثلاثين من الشهر وقال الحساب بعدم إمكان الرؤية تلك الليلة، عمل بقول أهل الحساب لأن الحساب قطعي والشهادة ظنية. فهل يعمل بما قال؟
(ب) وفيما إذا رؤى الهلال نهاراً قبل طلوع الشمس يوم التاسع والعشرين من الشهر وشهدت بينة برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، فهل تقبل الشهادة؟ لأن الهلال إذا كان الشهر كاملاً يغيب ليلتين أو ناقصاً يغيب ليلة.
(جـ) أو غاب الهلال الليلة الثالثة قبل دخول وقت العشاء، لأنه ﷺ كان يصلي العشاء لسقوط القمر الليلة الثالثة. هل يعمل بالشهادة؟
(فأجاب) بأن المعمول به في المسائل الثلاث ما شهدت به البينة، لأن الشهادة نزلها الشارع منزلة اليقين. وما قاله السبكي مردود وليس في العمل بالبينة مخالفة لصلاته ﷺ . ووجه ما قلنا: أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية بقوله: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا" (١).
(وقال) الشيخ عبد الحافظ في شرح مجموع الأمير: ولا يثبت رمضان بقول منجم لا في حق غيره ولا في حق نفسه، لأنه ليس من الطرق الشرعية ونحن مأمورون بتكذيبه، قال الله تعالى: "قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله"، وقال ﷺ : "من صدق كاهناً أو عرافاً أو منجماً فقد كفر بما أنزل على محمد" (٢). والكاهن الذي يخبر عن الأمور المستقبلة. والعراف هو الذي يخبر عن الأمور الماضية أو
стр. 3017
المسروق أو الضال ونحو ذلك. والمنجم هو الذي يعرف سير القمر وقوس الهلال ونوره، ومثله من يقول: أول الشهر طلوع النجم الفلاني، فإذا قال المنجم: الشهر ناقص أو تام لم يلتفت إلى قوله ولا إلى حسابه، لأن الشارع أناط الصوم والفطر والحج برؤية الهلال لا بوجوده وإن فرض صحة قوله (١).
(وقال) النووي: إذا غم الهلال وعرف رجل الحساب ومنازل القمر وعرف بالحساب أنه من رمضان ففيه أوجه (أصحها) لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك. لكن يجوز لهما دون غيرهما ولا يجزئهما عن فرضهما (٢). (وقال) الإمام القسطلاني: قالت الشافعية: ولا عبرة بقول المنجم فلا يجب به الصوم ولا يجوز، والمراد بآية "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" (٣)
الاهتداء في أدلة القبلة. ولكن له أن يعمل بحسابه كالصلاة ولظاهر هذه الآية. وقيل: ليس له ذلك (٤)
стр. 3018
(فتحصل) مما ذكر أنه لا يعول على حساب ولا تنجيم لا في صيام ولا في إفطار ولو بالنسبة إلى نفس الحاسب والمنجم بل لابد في ذلك من رؤية الهلال أو إكمال العدد "ومن زعم" أن المقصود العلم أو الظن بدخول الشهر وخروجه، وأن الحديث لا يدل على إناطة ثبوت الصوم والإفطار برؤية الهلال "فقد غفل" عن كون الشارع لم يجعل الحساب ولا التنجيم طريقاً للعلم أو الظن بدخول الشهر أو خروجه، وإلا لقال: صوموا لعلمكم أو ظنكم بدخول الشهر أو خروجه مثلاً، والله الهادي إلى سواء السبيل.
(ز) ما يقال عند رؤية الهلال: يستحب لمن رأى هلال رمضان أو غيره أن يقول: (ما في حديث) ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "الله اكبر أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما يحب ربنا ويرضى، ربنا وربك الله" أخرجه الدارمي والأثرم (١) ﴿٢٢﴾
(وما في حديث) طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام
стр. 3019
ربي وربك الله" أخرجه أحمد والدارمي والترمذي وحسنه والحاكم وابن حبان وزاد: والتوفيق لما تحب وترضى (١) ﴿٢٣﴾
(وما روي) قتادة أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: "هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك ثلاث مرات. ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا" أخرجه أبو داود وقال: ليس عن النبي ﷺ في هذا الباب حديث مسند صحيح (٢) ﴿٢٤﴾
(هذا) ما ورد "أما ما يفعله" بعض العوام من رفع الأيدي عند رؤية الهلال قائلين: (هل هلالك، جل جلالك، شهر رمضان علينا وعليك) ونحو ذلك، ثم يمسحون وجوههم "فبدعة" منكرة من عمل الجاهلية لم تفعل في زمن النبي ﷺ ولا السلف الصالح
(ومن البدع) ما يفعله بعض العوام وأرباب الطرق، من الطواف ليلة رؤية رمضان- في العواصم وبعض القرى- بالرايات رافعين أصواتهم بالأذكار والصلوات مع اللغط والتشويش والزمر والطبل وزغاريد النساء واختلاط الرجال بهن وبالأحداث واستعمال آلات اللهو وغير ذلك فإنه لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه ولا السلف الصالح ﵃.
(٣) شروط الصيام
هي نوعان: ما يعم الصيام كله، وهو شرط الأداء، وما يخص البعض، وهو شرط الوجوب.
стр. 3020
(أ) شروط الأداء: هي ثلاثة أنواع: (١) ما يرجع إلى رفث الصوم، وتقدم بيانه (١). (٢) شرط جواز الأداء، وهو الإسلام فلا يجوز صوم الكافر إجماعاً وفي كونه شرط وجوب خلاف يأتي بيانه.
(٣) شروط صحة الأداء، وهي ثلاثة: (الأول) الخلو عما ينافي الصوم من مفسد بطروه عليه ومن حيض ونفاس (وهو) شرط صحة عند الحنفيين والشافعي وأحمد وشرط صحة ووجوب عند مالك. فيجب الصوم على الحائض والنفساء إن رأت علامة الطهر ولو مع الفجر فتنوي حينئذ ويصح صومها، وإن شكت بعد الفجر هل طهرت قبله أم بعده؟ أمسكت بقية يومها وجوباً ولا كفارة إن لم تمسك وقضت ذلك اليوم المشكوك فيه (٢) (والبلوغ) ليس من شروط الصحة لصحة صوم الصبي العاقل.
(الثاني) التمييز، وهو شرط صحة عند الشافعي، فلا يصح صوم غير مميز كمجنون وإن قل جفونه ومغمىً عليه وسكران إذا لم يفيقا لحظة من النهار، أما إذا أفاق كل منهما ولو لحظة من النهار فإنه يصح صومه ولا يضر النوم جميع النهار، لأن النائم مميز حكماً لسرعة انتباهه إذا نبه. (ويلزم) المغمى عليه القضاء اتفاقاً لأن مدقه لا تطول غالباً ولا يزول به التكليف كالنوم. أما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى في جنونه ولو كان غير مطبق لأنه يطول غالباً ويزول به التكليف.
(وقال) مالك وأحمد: العقل شرط صحة ووجوب فلا يصح صوم المجنون ولا المغمى عليه ولا يجب عليهما. ومن زال عقله بجنون أو إغماء كل
стр. 3021
اليوم أو جله ولو سلم أوله أو دون جله ولم يسلم عند طلوع الفجر، قضى الصوم وجوباً بأمر جديد، فلا ينافي أن العقل شرط وجوب وصحة معاً. أما من جن أو أغمى عليه نصف اليوم فأقل وسلم مما ذكر وقت طلوع الفجر، فلا قضاء عليه وإن لم ينو بالفعل حيث تقدمت له النية تلك الليلة ولو باندراجها في نية الشهر. والسكر ولو بحلال كالإغماء على الراجح ولا قضاء على النائم ولو نام كل الشهر إن بيت النية أولاً (١).
(وقال) الحنفيون: ليس العقل ولا الإفاقة شرطاً لصحة الصوم لأن من نوى الصوم ليلاً ثم جن أو أغمى عليه نهاراً يصح صومه في ذلك اليوم، وإنما لم يصح فيما بعده لعدم تصور النية منهما، ومن جن كل رمضان بأن زال عقله قبل غروب شمس آخر شعبان واستمر حتى تم رمضان لا يقضي، لأنه لما طال جنونه باستيعاب الشهر سقط به القضاء دفعاً للحرج وإن أفاق لحظة منه ولو آخر النهار قضى ما مضى لتحقق سبب الوجوب وهو شهود بعض الشهر ولا حرج في القضاء حيث لم يستوعب الجنون الشهر كله. ولا فرق في ذلك بين الجنون الأصلي والطارئ في ظاهر الرواية. واختاره الكمال ابن الهمام.
واختار الحلواني أن من أفاق في وقت غير صالح لإنشاء النية بأن أفاق بعد الزوال أو ليلاً لا قضاء عليه وصححه غير واحد فهما فولان مصححان. والمعتمد الأول، لأنه ظاهر الرواية، ومن أغمى عليه أياماً ولو كل الشهر قضاها إلا يوماً حدث فيه أو في ليلته الإغماء ولم يفطره، فلا يقضيه لتحقق الصوم فيه إذ الظاهر أنه نوى الصوم حملاً لحال المسلم على الصلاح، والفرق بين الإغماء والجنون أن الإغماء لا يطول عادة فلا يسقط به القضاء.
(الثالث) النية وهي لغة: العزم، وشرعاً الإرادة المقارنة للفعل المسبوقة بعلم النوى. وصحت غير المقارنة في الصوم للضرورة. والشرط علمه بقلبه
стр. 3022
أي صوم يصوم. ولا عبرة باللسان وإن خالف القلب ويقوم مقامها التسحر. ولو قال: نويت صوم غد إن شاء الله تعالى صح استحساناً لأن النية أمر قلبي والمشيئة إنما تبطل العمل اللفظي. ثم الكلام فيها في ثلاثة مواضع: صفتها، وكيفيتها، ووقتها.
(فصفتها) أنها ركن عند الشافعية وشرط لصحة كل صوم عند الثلاثة، لقوله تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" (١)، فإن الإخلاص هو النية، لأنه من أعمال القلب (وعن) عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" أخرجه الشيخان (٢). ﴿٢٥﴾
أي صحتها بالنية. وقد أجمع العلماء على أنها فرض في الصوم وغيره من مقاصد العبادات. والعبادة عمل يأتيه العبد باختياره خالصاً لله تعالى بأمره. والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية.
(كيفيتها) يكفي عند الحنفنيين نية طلق الصوم في صوم النفل وفي الصوم المعين وقته كرمضان والمنذور المعين لقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" وهذا قد شهد الشهر وصامه فيخرج عن العهدة (ولو) نوى في رمضان النفل أو واجباً آخر، وقع عن رمضان (ولو نوى) في المنذور المعين وقته النفل، وقع عن المنذور. ولو نوى فيه واجباً آخر وقع عما نوى بخلاف رمضان. ووجه الفرق أن شهر رمضان معين بتعيين الله تعالى فيظهر تعيينه في حق كل صوم آخر وأن التعيين في المنذور بتعيين العبد فيظهر تعيينه بالنسبة
стр. 3023
لصوم التطوع دون الواجبات التي هي حق الله تعالى في هذه الأوقات فبقيت محلاً لها، فإذا نواها صح
(وهذا) في حق المقيم. أما المسافر فإن صام رمضان بمطلق النية وقع صومه عن رمضان وإن صام فيه ناوياً واجباً آخر وقع عما نوى عند النعمان وعند الصاحبين يقع عن رمضان وكذا إن صام ناوياً التطوع عندهما وعن النعمان روايتان الأصح أنه يقع عن التطوع (١)
(وهذا) وصوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة لا يجوز إلا بتعيين النية حتى لو صام ناوياً مطلق الصوم لا يقع عما عليه ولو نوى بصومه قضاء رمضان والتطوع كان عن القضاه عند أبي يوسف لأن نية التعيين في التطوع لغو فلغت وبقي أصل النية فصار كأنه نوى قضاء رمضان
(وقال) محمد: يكون عن التطوع، لأنه عين الوقت لجهتين مختلفتين فسقطتا وبقي أصل النية وهو نية الصوم فيكون عن التطوع (وإن) نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار يكون عن القضاء استحساناً عند أبي يوسف، لأنه خلف عن صوم رمضان وخلف الشيء يقوم مقامه. وصوم رمضان أقوى حتى تندفع به نية أي صوم آخر .. والقياس أن يقع عن التطوع وهو قول محمد، لأن جهتي التعيين تعارضتا فسقطتا فبقي نية مطلق الصوم فيكون تطوعاً (٢)
(وقال) مالك والشافعي وأحمد: يجب تعيين النية في كل صوم واجب بأن يعزم أنه يصوم غداً من رمضان أو من قضائه أو من كفارته أو عن نذر. ويجوز عندهم صوم النفل بنية مطلقة وعن أحمد أنه لا يجب تعيين النية لرمضان (فلو) نوى في رمضان الصوم مطلقاً أو نوى نفلاً وقع عن رمضان وصح صومه (ولو) نوى ليلة الشك: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم فرضاً
стр. 3024
وإلا فهو نفل، لم يجزئه على الرواية الأولى، لأنه لم يعين الصوم عن رمضان جزماً ويجزيه على الأخرى، لأنه قد نوى الصوم. ولو كان عليه صوم من سنة خمس فنوى أن يصوم عن سنة ست أو نوى الصوم عن يوم الأحد وكان الإثنين أو ظن أن غداً الأحد فنواه وكان الإثنين، صح صومه لأن نية الصوم لم تحتل وإنما اخطأ في الوقت. وإذا عين النية عن صوم رمضان أو قضائه أو كفارة أو نذر لم يحتج أن ينوي كونه فرضاً. وقال ابن حامد يجب ذلك (١).
وقت النية:
وقتها عند مالك والليث: الليل في كل صوم ولو نفلاً (وقال) الشافعي وأحمد: وقتها الليل في الفرض والليل وأول النهار في النفل (وقال) الحنفيون: وقتها الليل في صوم ليس له وقت معين كقضاه رمضان وصوم الكفارات والنذر المطلق. أما الصوم المعين زمنه كأداء رمضان والنذر المعين فوقتها فيه من أول الليل إلى ما قبل الزوال. وكذا صوم النفل والمكروه (فيلزم) تبييت نية الصوم بإيقاعها في جزء من الليل بلا فرق بين صوم الفرض والنفل عند مالك، لعموم حديث سالم بن عبد الله عن أبيه عن حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" أخرجه أحمد والأربعة والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعاً (وقال) الترمذي: حديث حفصة لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح (٢) ﴿٢٦﴾
فقوله: فلا صيام له نكرة. في سياق النفي تعم الفرض والنفل. والحديث وإن اختلف في رفعه ووقفه فهو صالح للاحتجاج به، لأن له شاهداً يقويه
стр. 3025
(روت) عائشة أن النبي ﷺ قال "من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له" أخرجه الدارقطني والبيهقي. وفيه عبد الله بن عباد ضعيف (١) ﴿٢٧﴾
(وقال) الشافعي وأحمد: يجب تبييت النية في الفرض دون التطوع.
وحملوا الأحاديث السابقة على الفرض دون النفل فلا يجب فيه التبييت (لحديث) عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان يأتيها فيقول: هل عندكم طعام؟ فإذا قلنا: لا قال إني صائم" أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة. وهذا لفظ أبي داود (٢) ﴿٢٨﴾
(وقال) الحنفيون: يلزم تبيت نية الصوم من الليل ولو عند طلوع الفجر إن لم يتعلق بوقت معين كقضاء رمضان وصوم الكفارات والنذر المطلق. وحملوا على هذا حديث: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له (٣) أما ماله زمن معين كأداء رمضان والنذر المعين فيصح صومه بنية في الليل والنهار قبل الزوال. وكذا الصوم المسنون والمكروه، فلا يلزم فيما ذكر تبييت النية لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل (٤) (أباح) الله تعالى الأكل والشرب إلى طلوع الفجر وأمر بالصيام بكلمة ثم التي للتراخي فأفاد أن النية تعتبر بعد الفجر قطعاً
(وعن) سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر رجلاً من أسلم أن أذن في الناس أن من كان أكل فليصم بقية
стр. 3026
يومه ومن لم يكن أكل فليصم. فإن اليوم يوم عاشوراء" أخرجه احمد والشيخان والنسائي والبيهقي (١) ﴿٢٩﴾
كان صوم عاشوراء فرض حتى فرض رمضان فصار سنة كما سيأتي (٢) ولو نوى صوم ما ذكر عند الزوال أو بعده, لا يصح لعدم مقارنة النية لأكثر النهار. (هذا) وقد علم أن الصوم في الليل كافية في كل صوم بالإجماع, لكن بشرط عدم الرجوع عنها. حتى لو نوي ليلا صوم غد ثم عزم ليلا على الفطر لم يصبح صائما، فلو أفطر لا شئ عليه في غير رمضان ولو مضى عليه لا يجزئه لا نتقاض النية بالرجوع. ولو نوي الصائم بالنهار الفطر لم يفطر.
والأفضل في كل صوم أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه أو من الليل لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء من العبادة حقيقة ومن الليل تقارنه تقديرا (٣).
(وأجاب) من أجب تبييت النية في كل صوم:
(أ) عن الآية بأنها محتملة لأن تكون نية الصوم نهاراً وأن تكون ليلاً. والمعني: ثم أتموا الصيام الذي نويتموه ليلاً.
... (ب) وعن حديث سلمة بأنه منسوخ بحديث: من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له, لتأخر هذا. ولو سُلّم عدم النسخ فالنية إنما صحت في نهار عاشوراء لأنه ما بلغهم فرضية صوم إلا نهاراً. والرجوع إلى الليل حينئذ متعذر. والنزاع فيما كان ممكنا فيختص جواز النية بالنهار بمن ظهر له
стр. 3027
وجوب الصيام عليه نهارًا، كالمجنون يفيق، والصبي يحتلم، والكافر يسلم، ومن ظهر له نهاراً أن اليوم من رمضان.
... (ج) وعن حديث عائشة بأنه يحتمل أن النبي ﷺ كان قد نوي الصوم وأراد الفطر لعذر (ويقوي) هذا قوله في رواية أحمد: أن النبي ﷺ كان بأتيها وهو صائم. ولو سلم عدم الاحتمال فإن غايته تخصيص صوم التطوع من عموم الحديث من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له.
(تنبيه) قد دلت أحاديث لزوم تبييت نية الصوم على أنها تجب لكل يوم وبه قال الحنفيون والشافعي والجمهور. وهو أصح الروايتين عن أحمد، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة (وقال) مالك وإِسحق: يكفي نية صوم لشهر أول ليلة من رمضان ولا يجب تجديدها لكل يوم بل يستحب، لقوله ﷺ : وإنما لكل امرئ ما نوى. وهذا قد نوى جمع الشهر فكان له ما نوى (ورد) بإن معناه أن كل عبادة تحتاج إلى نية وصوم كل يوم من رمضان عبادة مستقلة فتحتاج إلى نية (ومنه) يعلم أن الراجح قول من قال بلزوم تبييت النية في كل يوم غير النقل. وقول من قال بلزومها في كل ليلة من رمضان وعلى قياس رمضان إذا نذر صوم شهر بعينه فيقال فيه مثل ما ذكر في رمضان (١).
... (ب) شروط وعيوب الصوم: يشترط لوجوبه ستة شروط.
(١) الإسلام. وهو شرط وجوب وصحة عند الحنفيين وأحمد, فلا يفترض الصوم على الكافر الأصلي وإن عوقب في الآخرة على ترك اعتقاد افتراضه لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة على المرتد عند الحنفيين وهو الصحيح عند أحمد لأنه يصير كالكافر الأصلي، وكذا لا يصح منه لأن النية شرط لصحته وهي لا تصلح إلا من المسلم كما تقدم
стр. 3028
(وقال) الشافعي: الإسلام - ولو فيما مضى - شرط وجوب فلا وجوب فلا يجب الصوم على الكافر الأصلي وجوب مطالبة وإن كان يعاقب عليه في الآخرة عقاباً زائداً على عقاب الكفر ويجب على المرتد وجوب مطالبة بأن يقال له أسلم وصم. ويجب القضاء عليه إن عاد للإسلام. وهو رواية عن أحمد (هذا) ولا يجوز للمسلم إعانة الكافر على ما لا يحل عندنا كالأكل والشرب في نهار رمضان بضيافة أو غيرها لأنه إعانة على معصية (وقال) مالك الإسلام شرط صحة. فلا يصح صوم الكافر وإن كان واجباً عليه ويعاقب على تركه زيادة على عقاب الكفر، لأنه يرى أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة وإن كانت لا تصح إلا بالإسلام. وإذا أسلم سقطت عنه ولو مرتداً لقوله تعالى "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (١) ".
... (٢) البلوغ: وهو شرط وجوب عند الأربعة. فلا يفترض الصيام على صبي لعدم تكليفه. لكن على ولي الصبي أن يأمره به إذا أطاقه ويضربه عليه إذا امتنع كالصلاة في الأصح عند الحنفيين والشافعي واحمد (لحديث) الربيع بنت معوذ قالت "أرسل رسول الله ﷺ صبيحة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائماً فليتم صومه. ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه فكنا نصومه بعد ذلك ونصوم صبياننا الصغار" (الحديث) أخرجه الشيخان والبيهقي (٢) ﴿٣٠﴾
(وفي الحديث) تمرين الصبيان على الطاعات وتعويدهم العبادات ولكنهم ليسوا مكلفين (واختلف) في تحديد السن التي يؤمر الصبي عندها بالصيام (فعند) الحنفيين والشافعي يؤمر به لسبع ويضرب عليه لعشر إذا أطاقه
стр. 3029
(وقال) احمد يؤمر به لعشر
(وقالت) المالكية: لا يجب الصوم على الصبي ولو مراهقاً ولا يطلب من الولي أمره به لأن الصوم غير مشروع في حقه (وحديث) الربيع بنت معوذ (يرده) لأنه يبعد كل البعد ألا يطلع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك.
... (٣) العقل: وهو شرط وجوب عند الحنفيين والشافعي. فلا يفترض الصوم عند الحنفيين على مجنون مطلقاً، لعدم تكليفه (ولحديث) علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم" أخرجه أحمد وأبو داود
والترمذي (١). ﴿٣١﴾
(وقالت) الشافعية: لا يجب الصوم على المجنون إلا إن تعدى بتعاطي ما يزيل عقله من شرب أو غيره فيجب ويلزمه قضاؤه بعد الإفاقة. ومثله السكران على المعتمد. فإن تعدى بشرب المسكر وجب عليه الصوم ولزمه قضاؤه بعد الإفاقة، وإلا فلا يدب عليه. وأما المغمى عليه فيجب عليه قضاء الصوم وإن لم يعتمد بسبب الإغماء (وقال) مالك وأحمد: العقل شرط وجوب وصحة معاً. فلا يجب الصوم على مجنون ولا يصح منه على ما تقدم بيانه في شروط صحة الأداء (٢).
(٤) يشترط لوجوب الصوم- عند الحنفيين- العلم بافتراضه لمن أسلم في دار الحرب بإخبار رجلين أو رجل وامرأتين أو واحد عدل عند النعمان (وقال) أبو يوسف ومحمد: لا تشترط في المخبر العدالة ولا البلوغ ولا الحرية فلو أسلم الحربي في دارهم ولم يعلم أن عليه صوم رمضان ثم علم لا يلزمه قضاء ما مضى، أما من أسلم في دار الإسلام فلا يشترط في حقه العلم
стр. 3030
بافتراضه فيلزمه قضاء ما لم يصمه بعد الإسلام، لأن الجاهل في دارنا لا يعذر بجهله في مثل هذا.
(٥ و ٦) الإقامة والقدرة على الصوم: وهما شرطان لوجوب الأداء: فلا يجب أداء صوم رمضان على مسافر ولا على عاجز عنه حسا- لكبر أو مرض- أو شرعاً- لحيض أو نفاس- وعلى من زال عذره القضاء، لقوله تعالى "فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدة من أيامٍ أخر (١) " (ولحديث) معاذة العدوية "أن امرأة سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة ﵂: كان يصيبنا ذلك على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" أخرجه السبعة والبيهقي (٢) ﴿٣٢﴾
(فائدة) من صار أهلاً لوجوب الصوم بعد أن لم يكن واجباً عليه، لزمه إمساك بقية اليوم- احتراماً للوقت بقدر المستطاع عند الحنفيين وروي عن أحمد- ككافر أسلم أو صبي بلغ أو مجنون أفاق أو مسافر أقام أو مريض بريء وقد أفطر أو فات وقت النية. وأما لو زال المانع من الصوم قبل تناول مفطر وفوات وقت النية فيلزمه الصوم وإن نوى الفطر وكذا إذا طهرت حائض أو نفساء بعد الفجر أو معه، يلزمها الإمساك
(هذا) والكافر إذا أسلم والصبي إذا بلغ، لا يلزمهما قضاء اليوم الذي صارا فيه أهلاً للصيام، لعدم أهليتهما له أول اليوم أما غيرهما- إذا صار أهلاً للصوم وكان قد أفطر أو فات وقت النية- فيجب عليه قضاء اليوم الذي صار
стр. 3031
فيه أهلاً للصوم (لحديث) عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه أن أسلم أتت النبي ﷺ فقال "صمتم يومكم هذا؟ قالوا. لا. قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه" أخرجه أبو داود وقال: يعني يوم عاشوراء (١) ﴿٣٣﴾
... (دل) الحديث على وجوب الإمساك على من وجب عليه الصوم في أثناء اليوم. وعلى لزوم القضاء إذا كان تناول مفطراً أو لم ينو الصوم، لأن النبي ﷺ أمر أسلم بالإمساك بقية يوم عاشوراء وقضائه. وكأن صومه واجباً على ما يأتي (وقال) مالك والشافعي: لا يلزم من ذكر إمساك ولا قضاء (وروي) عن احمد: بل يستحب له الإمساك لحرمة الشهر ولم يجب لأنه أبيح له الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً: وإذا أفطر كان له استدامة الفطر كما لو دام العذر. أما من أفطر والصوم واجب عليه، فيلزمه الإمساك والقضاء اتفاقاً كمن أفطر لغير عذر (ومن ظن) أن الفجر لم يطلع فأكل وقد طلع، أو أن الشمس قد غابت فأفطر ولم تغب والناسي للنية ونحو ذلك، فهؤلاء يلزمهم الإمساك والقضاء اتفاقاً. وكذا لو ثبتت رؤية الهلال في أثناء النهار. والله الهادي إلى سواء السبيل.
(٤) أقسام الصيام
هو أربعة أقسام إجمالاً وثمانية تفصيلاً عند الحنفنيين (فرض) معين كأداء رمضان. وغير معين كقضائه وصوم الكفارات (وواجب) معين كالمنذر المعين بوقت كنذر صوم يوم الخميس وغير معين كالنذر المطلق. وإتمام صوم التطوع بعد الشروع فيه (ومنهي عنه) وهو حرام كصوم العيدين وأيام التشريق ومكروه تحريماً كصوم يوم الشك ومكروه تنزيهاً كصوم
стр. 3032
يوم عاشوراء مفرداً وسبت وأحد (وتطوع) وهو سنة كصوم عاشوراء مع التاسع. ومندوب كصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وهاك بيانها مفصلاً:
(أ) صيام رمضان:
فرض صومه يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان من السنة الثانية من الهجرة. وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال تعالى "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١) " وقال تعالى "فمن شهد منكم الشهر فليصمه (٢) " (وروي) ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال "إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت" أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿٣٤﴾
(وقال) طلحة بن عبيد الله: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل مجد ثائر الرأس نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال النبي ﷺ : خمس صلوات في اليوم
стр. 3033
والليلة فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع. قال النبي ﷺ : وصوم رمضان. قال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تطوع (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وأبو داود وهذا لفظ مسلم (١) ﴿٣٥﴾
والأحاديث في هذا كثيرة، وقد أجمعت الأمة على فرضية صوم رمضان لا يجحدها إلا كافر (وشرع) الصوم لحكم (منها) أنه وسيلة إلى شكر النعمة إذ هو كف للنفس على الأكل والشرب والمفطر، وهي من أجل النعم وأعلاها والامتناع عنها زماناً معتبراً يعرف قدرها إذ النعم مجهولة فإذا فقدت عرفت فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى في آية الصوم "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون" (٢).
(ومنها) أنه وسيلة إلى التقوى لأنه إذا انقادت نفسه للامتناع عن الحلال طمعاً في مرضاة الله تعالى وخوفاً من أليم عقابه، فأولى أن تنقاد للامتناع عن
стр. 3034
الحرام فكان الصوم سبباً للاتقاء عن محارم الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (ومنها) أن فيه قهر النفس وكسر الشهوة لأن النفس إذا شبعت مالت إلى الشهوات. وإذا جاءت امتنعت عما تهوي (روي) ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجالاً" أخرجه الشيخان (١) ﴿٣٦﴾
.. فكان الصوم وسيلة إلى الامتناع عن المعاصي (ومنها) أن فيه كسر النفس وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان والجوع نهر في الروح ترده الملائكة (ومنها) كونه موجباً للرحمة والعطف على المساكين فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع والعطش في بعض الأوقات تذكر حال المسكين في عمومها فيسارع إلى رحمته ومواساته بما يمكن من ذلك وبه ينال حسن الجزاء من الله تعالى.
(ومنها) ما يترتب على الصوم من رياضة النفس وراحة أعضاء الجهاز الهضمي شهراً من السنة لتقوى وتقوم بما خلقت له خير قيام. ولذا أباح الشارع الفطر لمن لا يلائمه الصوم كالمريض والمسافر. وهذه الحكم إنما تظهر ثمرتها لمن يعتدل في الطعام والشراب ويتحلى بالآداب الشرعية في الصيام. ثم الكلام ينحصر في سبعة فصول.
стр. 3035
(١) أحوال الصيام: شرع الصوم على ثلاثة مراتب (أ) إيجابه على وجه التخيير، فكان من شاء صام ومن شاء أفطر- ولو قادراً صحيحاً مقيماً- وأطعم عن كل يوم مسكيناً.
(ب) تحتم الصيام على القادر الصحيح المقيم، وكان إذا غربت الشمس يتناولون المفطر ما لم يناموا، ومن نام قبل أن يطعن ويشرب حرم عليه الطعام والشراب إلى الليلة القابلة، قال تعالى: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياماً معدوداتٍ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيامٍ أخر وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين" (١)
стр. 3036
(جـ) التخفيف على الصائم بإباحة تناول المفطرات طول الليل قبل النوم وبعده،
стр. 3037
قال الله تعالى: "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل" (١)
стр. 3038
(٢) مبدأ فرض الصيام: (قال) الحنفيون ومالك وبعض الشافعية: أول ما فرض صيام عاشوراء ثم ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ ذلك بصوم رمضان بالإمساك كل يوم وليلة من بعد النوم إلى غروب الشمس، ثم نسخ ذلك بآية "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" وروي عن أحمد (قالت) عائشة ﵂: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه" أخرجه الجماعة
إلا ابن ماجه وقال الترمذي: صحيح (١) ﴿٣٧﴾
... (والمشهور) عند الشافعية واحمد: أنه لم يفرض علينا صوم قبل رمضان (قال) معاوية بن أبي سفيان: سمعت النبي ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر" أخرجه مالك وأحمد والشيخان (٢) ﴿٣٨﴾
стр. 3039
استدلوا به على أنه لم يكن صوم عاشوراء فرضاً قط، ولا دلالة فيه لاحتمال أنه يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه (١).
(٣) فضل صيام رمضان: صيام رمضان وقيامه لهما فضل كبير وثواب جزيل من أداهما مصدقاً محتسباً: أي طالباً رضاء الله وثوابه، غفرت ذنوبه وضوعفت حسناته ورفعت درجاته (روي) أبو هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" أخرجه السبعة. وزاد احمد في رواية: وما تأخر (٢) ﴿٣٩﴾
... (وعن) أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما كان ينبغي أن يتحفظ منه كفر ما قبله" أخرجه احمد وابن حبان والبيهقي بسند جيد (٣) ﴿٤٠﴾
стр. 3040
(وقال) أبو هريرة: سمعت النبي ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" أخرجه السبعة. وزاد النسائي في رواية "وما تأخر" (١).
(وعن) معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً يصلي الخمس ويصوم رمضان غفر له. قلت: أفلا أبشرهم يا رسول الله؟ قال: دعهم يعملوا" أخرجه أحمد بسند جيد (٢) ﴿٤٢﴾
قد دلت هذه الأحاديث على أن صيام رمضان وقيامه يكفر أن الذنوب المتقدمة وفي بعضها والمتأخرة. ويأتي في صوم عرفة أنه كفارة سنتين وفي عاشوراء أنه كفارة سنة وأن رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما وأن العمرة إلى العمرة والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما وأن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. فكيف الجمع بينهما؟
(والجواب) أن كل واحدة من هذه الخصال صالحة لتكفير الصغائر فإن صادفتها كفرتها (وإن لم) يصادفها ذنب بأن كان عاملها سليماً من الذنوب لكونه غير مكلف أو موفقاً فلم يرتكب صغيرة أو ارتكبها وتاب أو عقبها بحسنة أذهبتها، قال تعالى: "إن الحسنات يذهبن السيئات" (٣)
стр. 3041
فهذا (يكتب) له بهذا العمل حسناتٌ ويرفع له بدرجات، ويرجي أن يخفف عنه بعض الكبائر.
(٤) فضل رمضان: رمضان شهر عظيم مبارك أنزل الله في القرآن، قال تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" (١)، وهو أفضل الشهور وشهر الصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. فرض الله صيامه وسن رسول الله ﷺ قيامه. وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر يضاعف الله فيه أجر العاملين ويغفر للصائمين (وقد) جاء في فضله والحث على العمل فيه أحاديث (منها) حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ : "قد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتفل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي (٢) ﴿
٤٣﴾
стр. 3042
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين" أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، وعندهما: فتحت أبواب الرحمة، بدل أبواب السماء (١) ﴿٤٤﴾
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار في كل
стр. 3043
ليلة" أخرجه ابن ماجه والترمذي وفيه أبو بكر بن عياش مختلف فيه (١) ﴿٤٥﴾
(دلت) هذه الأحاديث على أن أبواب الجنة تفتح في رمضان حقيقة. وقيل: المراد بفتحها كثرة الطاعات المستلزمة دخول الجنة من الصيام والصلاة والذكر والقراءة في شهر رمضان.
(وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه أو أحدهما الكبر فلم يدخلاه الجنة" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه بسند جيد (٢) ﴿٤٦﴾
... المعنى أن الصلاة على النبي ﷺ عند ذكره؛ وبر الوالدين وصيام رمضان والعمل الصالح فيه، أسباب لدخول الجنة، فمن بخل بالصلاة
стр. 3044
على النبي ﷺ عند ذكره أو عق والديه أو لم يصم رمضان وقصر في طاعة الله تعالى لم يدخل الجنة مع السابقين وأذله الله وأخزاه.
... (وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما أتى على المسلمين شهر خير لهم من رمضان ولا أتى على المنافقين شهر شر لهم من رمضان وذلك لما يعد المؤمنون فيه من القوة للعبادة وما يعد المنافقون فيه من غفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمنين يغتنمه الفاجر" أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي (١) ﴿٤٧﴾
وفي رواية له: "ونقم للفاجر" أي أن الله تعالى ينتقم من الفاجر ويذيقه العذاب الأليم بسوء فعله وإيذائه المسلمين بتتبع عوراتهم في أثناء غفلتهم عن الدنيا وانقطاعهم لطاعة الله، فكأن ذلك غنيمة يغتنمها الفاجر في نظره ولكنها في الحقيقة شر له لو كان يعلم ما أعد له في الآخرة من العذاب الأليم. وأما المؤمن فإنه بعد ما يقويه على الطاعة في رمضان من ادخار ما ينفقه على عياله فيه لأن اشتغاله بالطاعة فيه يمنعه من تحصيل المعاش أو يقلل منه، فهو يحصل ما يلزمه وأولاده من القوت في رمضان قبل حلوله ليتفرغ فيه للطاعة فهو خير له لما اكتسبه فيه من الأجر العظيم والرحمة والمغفرة والعتق من النار.
... (وعن) ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى الحول المقبل، فإذا كان أول يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة ويجيء الحور العين يقلن يارب اجعل لنا من عبادك أزواجاً تقر بهم أعيننا وتقر
стр. 3045
أعينهم بنا" أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، وفيه الوليد القلانسي وثقه أبو حاتم وضعفه جماعة (١) ﴿٤٨﴾
... (وعن) أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر" أخرجه مسلم (٢) ﴿٤٩﴾
والأحاديث في هذا كثيرة (٣)، وفيما ذكر الغناء والكفاية لمن تدبر واتعظ وكان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
(٥) الطاعة في رمضان: ينبغي لكل عاقل الإكثار من العبادة في رمضان لأنها في الأيام الفاضلة لها مزية على غيرها. ولذا كان النبي ﷺ يكثر من العبادة في شهر رمضان ويحث على فعل الخير والإكثار منه فيه (روي) سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من فطر صائماً على طعام وشراب من حلالٍ صلت عليه الملائكة في ساعات شهر رمضان وصلى عليه جبريل ليلة القدر" أخرجه الطبراني في الكبير والبزار وزاد: ورزق دموعاً ورقة. قال سلمان: إن كان لا يقدر على قوته؟ قال: على كسرة خبز أو مذقة لبن أو شربة ماء كان له ذلك. وفيه الحسن بن أبي جعفر. قال ابن عدي: له أحاديث صالحة وهو صدوق، وفيه كلام (٤) ﴿٥٠﴾
стр. 3046
(وقال) ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٥١﴾
ومعنى الحديث أن النبي ﷺ كان أسخى الناس وأكرمهم لأن نفسه ﷺ أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة، فلابد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وخلقه أحسن الأخلاق. وكان جوده وكرمه في رمضان أكثر منه في سائر الأوقات. وفي الحديث فوائد: استحباب الإكثار من العطاء في رمضان ولا سيما عند ملاقاة الصالحين للتأثر بلقائهم، واستحباب زيارة أهل الصلاح والفضل ومجالستهم وتكرير ذلك إذا كان فيه مصلحة، وأن قراءة أفضل من التسبيح والتحميد وسائر الأذكار.
стр. 3047
(وكان) من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات: كان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى إنه كان يواصل فيه أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة. وكان ينهي أصحابه عن الوصال فيقولون له: إنك تواصل. فيقول: "لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني (١). هذا ويستحب للرجل أن يوسع على عياله وأقاربه بلا تكلف ولا التزام ويحسن إلى جيرانه في شهر رمضان لاسيما في العشر الأواخر منه. ويسن الاعتكاف فيه وأكده العشر الأواخر منه (٢)، كما يأتي إن شاء الله تعالى في الاعتكاف.
(٦) التفريط في رمضان: يلزم العاقل أن يتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل عموماً وفي رمضان خصوصاً، فلا يفطر فيه بلا عذر ولا يشرب فيه خمراً ولا يزني ولا يغتاب ولا يرتكب إثماً أياً كان، وإلا كان من المحرومين من الثواب المطرودين من رحمة رب الأرباب، الذين تضاعف لهم السيئات. وقد جاء في هذا أحاديث (منها) حديث زياد بن نعيم الحضرمي أن النبي ﷺ قال: "أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن جاء بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جميعاً: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت" أخرجه احمد مرسلا، لأن زياد بن نعيم ليس صحابياً. وفي سنده ابن لهيعة ضعفوه وله شواهد تعضده (٣) ﴿٥٢﴾
стр. 3048
والمعنى أن الله تعالى فرض على كل مسلم مكلف أربع خصال من أركان الإسلام، وهي: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً. من أتى بثلاث منها لم يغنين عن المتروك، لأنه ركن مستقل يثاب على فعله ويعاقب على تركه، فمن أدى الصلاة مثلاً ومنع الزكاة بعد وجوبها عليه، أثيب على تأدية الصلاة وعوقب على منع الزكاة. ومن جاء بهما وترك الصيام، أثيب عليهما وعوقب على ترك الصيام. ومن أتى بالثلاثة وهو مستطيع الحج ولم يحج، أثيب على الثلاثة وعوقب على ترك الحج. ومن أتى بهما جميعاً كان من الناجحين (هذا) ولم يذكر في الحديث النطق بالشهادتين وهو أول أركان الإسلام، لأنه ذكر هنا ما يفترض على كل مسلم ولا يتحقق الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين فهو مذكور معنى.
(وقال) البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صوم الدهر وإن صامه. وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقضي يوماً مكانه (١) (دل) على أن من أفطر في رمضان وهو مقيم صحيح متعمداً بلا عذر فعليه إثم كبير ولا يكفي عن ذلك صيام الدهر كله.
стр. 3049
والمراد به عند الجمهور أنه لا تحصل له فضيلة الصوم في رمضان وليس المراد أنه لو صام الدهر ناوياً قضاء ذلك اليوم لا يكفيه ولا يسقط عنه بل لو صام بنية القضاء سقط عنه الواجب عند الجمهور وعليه الكفارة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "عري الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة المكتوبة وصوم رمضان" أخرجه أبو يعلي والديلمي بسند حسن وقال الذهبي: حديث صحيح (١) ﴿٥٣﴾
وهذا بالنسبة للشهادة على بابه. وأما بالنسبة للصلاة والصوم فهو من باب الزجر والتهويل أو محمول على مستحل الترك (قال) الذهبي في الكبائر وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا عرض أنه شر من المكاس والزاني ومدمن الخمر. بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال (٢).
(وعن) ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الجنة لتزين من السنة إلى السنة لشهر رمضان فإذا دخل رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك سكاناً ويقلن الحور العين: اللهم اجعل لنا من عبدك في هذا الشهر أزواجاً. قال النبي ﷺ : فمن صان نفسه في شهر رمضان فلم يشرب فيه مسكراً ولم يرم فيه مؤمناً بالبهتان ولم يعمل فيه خطيئة، وزوجة الله كل ليلة مائة حوراء وبني له قصراً في الجنة من ذهب وفضة وياقوتٍ وزبرجدٍ. لو أن الدنيا جمعت فجعلت في ذلك القصر لم تكن فيه إلا كمربط عنز في الدنيا ومن شرب فيه مسكراً أو رمي فيه مؤمناً ببهتان أو عمل فيه خطيئة أحبط الله عمله سنة فاتقوا شهر رمضان،
стр. 3050
فإنه شهر الله - أن تفرطوا فيه فقد جعل الله لكم أحد عشر شهراً تنعمون فيها. وجعل لنفسه شهر رمضان فاحذروا شهر رمضان" أخرجه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا احمد بن أبيض. قال الهيثمي: ولم أجد من ترجمة وبقية رجاله موثقون (١) ﴿٥٤﴾
(ففي هذه) الأحاديث الوعيد الشديد والتشنيع الفظيع على من تعمد الفطر في رمضان بلا عذر أو ارتكب فيه إثماً وأنه يضيع ثوابه ويحبط عمله. ومما يؤلم نفس الغيور ويضيق به صدره، أن يرى مخالفة هذه الأحاديث من بعض من يزعم انهم مسلمون. فيفطرون في رمضان جهاراً في الشوارع والأسواق ولا يجدون من ينهاهم. وإذا نهاهم إنسان قل أن يسلم من أذى فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونرى كثيراً من المطاعم والمقاهي في المدن والقرى مفتحة الأبواب للمفطرين نهاراً جهاراً (٢)
.. وفي الليل ترى محلات الفجور وحانات الخمور