(وقال) ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة" أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٥١﴾
ومعنى الحديث أن النبي ﷺ كان أسخى الناس وأكرمهم لأن نفسه ﷺ أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة، فلابد أن يكون فعله أحسن الأفعال، وخلقه أحسن الأخلاق. وكان جوده وكرمه في رمضان أكثر منه في سائر الأوقات. وفي الحديث فوائد: استحباب الإكثار من العطاء في رمضان ولا سيما عند ملاقاة الصالحين للتأثر بلقائهم، واستحباب زيارة أهل الصلاح والفضل ومجالستهم وتكرير ذلك إذا كان فيه مصلحة، وأن قراءة أفضل من التسبيح والتحميد وسائر الأذكار.
стр. 3047
(وكان) من هديه ﷺ في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات: كان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور حتى إنه كان يواصل فيه أحياناً ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة. وكان ينهي أصحابه عن الوصال فيقولون له: إنك تواصل. فيقول: "لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني (١). هذا ويستحب للرجل أن يوسع على عياله وأقاربه بلا تكلف ولا التزام ويحسن إلى جيرانه في شهر رمضان لاسيما في العشر الأواخر منه. ويسن الاعتكاف فيه وأكده العشر الأواخر منه (٢)، كما يأتي إن شاء الله تعالى في الاعتكاف.
(٦) التفريط في رمضان: يلزم العاقل أن يتحلى بالفضائل ويتخلى عن الرذائل عموماً وفي رمضان خصوصاً، فلا يفطر فيه بلا عذر ولا يشرب فيه خمراً ولا يزني ولا يغتاب ولا يرتكب إثماً أياً كان، وإلا كان من المحرومين من الثواب المطرودين من رحمة رب الأرباب، الذين تضاعف لهم السيئات. وقد جاء في هذا أحاديث (منها) حديث زياد بن نعيم الحضرمي أن النبي ﷺ قال: "أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن جاء بثلاث لم يغنين عنه شيئاً حتى يأتي بهن جميعاً: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت" أخرجه احمد مرسلا، لأن زياد بن نعيم ليس صحابياً. وفي سنده ابن لهيعة ضعفوه وله شواهد تعضده (٣) ﴿٥٢﴾
стр. 3048
والمعنى أن الله تعالى فرض على كل مسلم مكلف أربع خصال من أركان الإسلام، وهي: الصلاة، والزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً. من أتى بثلاث منها لم يغنين عن المتروك، لأنه ركن مستقل يثاب على فعله ويعاقب على تركه، فمن أدى الصلاة مثلاً ومنع الزكاة بعد وجوبها عليه، أثيب على تأدية الصلاة وعوقب على منع الزكاة. ومن جاء بهما وترك الصيام، أثيب عليهما وعوقب على ترك الصيام. ومن أتى بالثلاثة وهو مستطيع الحج ولم يحج، أثيب على الثلاثة وعوقب على ترك الحج. ومن أتى بهما جميعاً كان من الناجحين (هذا) ولم يذكر في الحديث النطق بالشهادتين وهو أول أركان الإسلام، لأنه ذكر هنا ما يفترض على كل مسلم ولا يتحقق الإسلام إلا بالنطق بالشهادتين فهو مذكور معنى.
(وقال) البخاري: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صوم الدهر وإن صامه. وبه قال ابن مسعود. وقال سعيد بن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقضي يوماً مكانه (١) (دل) على أن من أفطر في رمضان وهو مقيم صحيح متعمداً بلا عذر فعليه إثم كبير ولا يكفي عن ذلك صيام الدهر كله.
стр. 3049
والمراد به عند الجمهور أنه لا تحصل له فضيلة الصوم في رمضان وليس المراد أنه لو صام الدهر ناوياً قضاء ذلك اليوم لا يكفيه ولا يسقط عنه بل لو صام بنية القضاء سقط عنه الواجب عند الجمهور وعليه الكفارة على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(وعن) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "عري الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة المكتوبة وصوم رمضان" أخرجه أبو يعلي والديلمي بسند حسن وقال الذهبي: حديث صحيح (١) ﴿٥٣﴾
وهذا بالنسبة للشهادة على بابه. وأما بالنسبة للصلاة والصوم فهو من باب الزجر والتهويل أو محمول على مستحل الترك (قال) الذهبي في الكبائر وعند المؤمنين مقرر أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا عرض أنه شر من المكاس والزاني ومدمن الخمر. بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال (٢).
(وعن) ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الجنة لتزين من السنة إلى السنة لشهر رمضان فإذا دخل رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك سكاناً ويقلن الحور العين: اللهم اجعل لنا من عبدك في هذا الشهر أزواجاً. قال النبي ﷺ : فمن صان نفسه في شهر رمضان فلم يشرب فيه مسكراً ولم يرم فيه مؤمناً بالبهتان ولم يعمل فيه خطيئة، وزوجة الله كل ليلة مائة حوراء وبني له قصراً في الجنة من ذهب وفضة وياقوتٍ وزبرجدٍ. لو أن الدنيا جمعت فجعلت في ذلك القصر لم تكن فيه إلا كمربط عنز في الدنيا ومن شرب فيه مسكراً أو رمي فيه مؤمناً ببهتان أو عمل فيه خطيئة أحبط الله عمله سنة فاتقوا شهر رمضان،
стр. 3050
فإنه شهر الله - أن تفرطوا فيه فقد جعل الله لكم أحد عشر شهراً تنعمون فيها. وجعل لنفسه شهر رمضان فاحذروا شهر رمضان" أخرجه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن الأوزاعي إلا احمد بن أبيض. قال الهيثمي: ولم أجد من ترجمة وبقية رجاله موثقون (١) ﴿٥٤﴾
(ففي هذه) الأحاديث الوعيد الشديد والتشنيع الفظيع على من تعمد الفطر في رمضان بلا عذر أو ارتكب فيه إثماً وأنه يضيع ثوابه ويحبط عمله. ومما يؤلم نفس الغيور ويضيق به صدره، أن يرى مخالفة هذه الأحاديث من بعض من يزعم انهم مسلمون. فيفطرون في رمضان جهاراً في الشوارع والأسواق ولا يجدون من ينهاهم. وإذا نهاهم إنسان قل أن يسلم من أذى فإنا لله وإنا إليه راجعون. ونرى كثيراً من المطاعم والمقاهي في المدن والقرى مفتحة الأبواب للمفطرين نهاراً جهاراً (٢)
.. وفي الليل ترى محلات الفجور وحانات الخمور
стр. 3051
وأماكن الملاهي والقمار يؤمها الأشرار في ليالي رمضان التي هي جديرة بالصلاة
стр. 3052
والقيام والتوبة من جميع الآثام فلو علم هؤلاء الجهال ما في قيام رمضان من الثواب ونزول الرحمات لرجعوا إلى الله تائبين وعلى ما فرطوا نادمين. ولكن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون. نعم نرى المساجد يؤمها في رمضان كثير من الناس ولكنهم قليلون بالنسبة لمن يؤم محلات الفساد والفجور. فالعاقل من خالف نفسه وهواه وتاب إلى مولاه وأقبل في رمضان على طاعة الله وأكثر فيه من الصدقة على أهل الفقه والاحتياج ووصل الأرحام واعتصم بحبل الله الذي لا ينام واستمسك بالعروة الوثقى وبذا يجوز الفصل والرضا ويكون من حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون.
(٧) كف الصائم جوارحه عما لا يرضى ربه: هذا مطلوب من الصائم وغيره إلا انه من الصائم آكد. والجوارح سبعة.
(١) اللسان: فعلى الصائم حبسه عن النطق بالفحش والبهتان والمراء والخصومة والكذب وغيرها من الآثام. قال الله تعالى "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١) " ويلزم الصمت والاشتغال بالطاعة من صلاة وذكر وتلاوة.
стр. 3053
فهذا هو الذي يعتد به من صوم اللسان (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت" أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه (١) ﴿٥٥﴾
وليحذر الصائم كل الحذر من النميمة واللغو والزور والغيبة. وهي إفهام تنقيص الغير بما فيه. فإن لم يكن فبهتان (روي) أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا الله ورسوله اعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (٢) ﴿٥٦﴾
... ولا خلاف في أن الغيبة من الكبائر قد نفر عنها الشارع تنفيراً قال الله تعالى: "ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (٣) "
стр. 3054
والمعنى لا يأتي أحدكم بما يدل على تنقيص غيره ولو تعويضاً فإن من نقص مسلماً أو ثلم عرضه فهو كآكل لحمه حياً. ومن اغتابه فهو كآكل لحمه ميتاً. وهذا مكروه لديكم قطعاً فينبغي أن تكون الغيبة كذلك فامتثلوا أمر ربكم واحذروا عقابه بتباعدكم عما نهاكم عنه لأنه جل شأنه بليغ في قبول التوبة يجعل التائب كمن لم يذنب ويفيض عليه آثار إحسانه.
(واللغو) الباطل وكل ما لا ثواب فيه وهو والغيبة مذمومان منهي عنهما كل إنسان والصائم أشد نهياً عنهما وعن غيرهما. وقد جاء في تحذيره مما ذكر أحاديث (منها) حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"أخرجه الجماعة إلا مسلماً (١) ﴿٥٧﴾
المراد بالزور الحرام ومنه الكذب والغيبة. والمعنى أن من لم يترك حال صيامه القول الباطل من الكذب والغيبة وشهادة الزور والبهتان والقذف والسب واللعن والميل عن الحق وغير ذلك مما يجب على الإنسان اجتنابه، لا يقبل الله صيامه ولا يثيبه عليه (وقال) عبيد مولى رسول الله ﷺ "إن امرأتين صامتا وإن رجلاً قال: يا رسول الله. إن هاهنا امرأتين قد صامتا وإنهما قد كادنا أن تموتا من العطش فأعرض عنه أو سكت ثم عاد قال يا نبي الله إنهما والله قد ماتتا أو كادتا أن تموتا قال ادعهما فجاءتا فجيء
стр. 3055
بقدح أو عس فقال لإحداهما قيئ فقاءت قيحاً ودماً وصديداً ولحماً حتى قاءت نصف القدح ثم قال للأخرى قيء فقاءت من قيح ودم وصديد ولحم عبيط وغيره حتى ملأت القدح. ثم قال: إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جاست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس" أخرجه احمد وأبو يعلي وفيه رجل لم يسم (١) ﴿٥٨﴾
... (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم إني صائم، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم (٢) ﴿٥٩﴾
... (ففي) هذه الأحاديث حث الصائم على التحلي بالأخلاق الكريمة لأنه متلبس بعبادة عظيمة وألا يقابل السيئة بالسيئة. فإن سابه أحد أو شاتمه فليعرض عنه قائلاً: إني صائم مرتين وفيها تحذيره من اللغو والرفث وهو الكلام القبيح. وتحذيره من الغيبة ونحوها من كل محرم شرعاً. فإن من ارتكب شيئاً مما ذكر فقد أحبط ثواب صيامه واستحق المقت من ربه.
(٢) البصر: فليغضه عن النظر إلى ما يشغله عن ذكر ربه قال الله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (٣) " وقال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً (٤) "
стр. 3056
(روي) حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: "النظرة سهم من سهام إبليس من تركها مخافة الله أعطاه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه" أخرجه الحاكم وصححه وأقره العراقي وضعفه المنذري (١) ﴿٦٠﴾
... (٣) السمع: فيلزم صونه عن الإصغاء لكل ما يحرم قوله أو يكره لأن كل واحد منهما ينافي الكمال المطلوب من الإنسان التحلي به. وقد سوى الله تعالى بين القول الزور والفعل المذموم في التنقير، فقال الله تعالى: "سماعون للكذب أكالون للسحت" فقائل القبيح والمستمع له شريكان في الإثم.
(٤) البطن: الجسد إنما ينمو بما يتناوله الإنسان من الغذاء فليكن من الحلال المطلق فإنه مقلل للحساب مذهب للحسرة والندامة يوم المآب وهو من أعظم الأسباب للقرب من رب الأرباب (روي) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: يا نبي الله إنا نستحي من الله ولله الحمد. قال: ليس كذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعي وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" أخرجه احمد والترمذي والحاكم والبيهقي في الشعب. وفيه أبان بن إسحق متكلم فيه ووثقه العجلي. وفيه الصباح بن مرة وهو واه تكلم فيه لرفعة هذا الحديث والصواب وقفة. وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. وأخرجه الطبراني مرفوعاً من حديث عائشة (٢). ﴿٦١﴾
стр. 3057
فليحذر العاقل أن يتناول عند فطره وفي كل أوقاته شيئاً من الحرام أو ما فيه شبهة فلا ينبغي لمن صام عن الحلال طيلة النهار أن يفطر على الحرام.
(٥) الفرج: فليحفظ مما لا يرضى قال الله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم" (١) فإرسال الطرف مبدأ المحنة، والنظر يريد الزنا، ونهاية المحنة بلوغ النفس وطرها من المنظور إليه بالمباشرة والوطء (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوي ويتمنى وبصدق ذلك الفرج أو يكذبه" أخرجه مسلم (٢). ﴿٦٢﴾
... (٦ و ٧) اليد والرجل: فلا يمدها العاقل- ولا سيما الصائم - لمنهى عن فبذلك يكمل له صومه ويقبل عمله، فكل صوم صينت فيه الجوارح عن اللغو والآثام، ينال به العز والإكرام من الله تعالى في الدنيا ودار السلام. (روي) المطلب عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتكم وأدوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم"
стр. 3058
أخرجه احمد وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب بسند جيد غير أن المطلب لم يسمع عبادة (١). ﴿٦٣﴾
فمن أراد القبول والنجاة والحسنى وزيادة فليكف الجوارح عن استرسالها في القبائح نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق.
(ب) الصوم الفرض غير المعين
هو ما ليس له وقت معين كصوم قضاء رمضان وصوم كفارة القتل والظهار والفطر في رمضان، وكل منهما شهران متتابعان، وكفارة اليمين وجزاء الحلق، وكل منهما ثلاثة أيام، وصوم التمتع والقران وهي عشرة أيام، وكفارة جزاء الصيد وهو تقويم البدنة بدراهم والدراهم بطعام فصيام يوم بدلاً عن كل مد، أو يعطي نصف صاع من بر ونحوه على ما بين في الحج (٢).
ثم الصوم الفرض والواجب قسمان: (الأول) ما يلزم فيه التتابع وهو ستة: صوم رمضان وكل كفارة شرع فيها العتق ككفارة القتل والظهار والإفطار في رمضان وكذا كفارة اليمين عند الحنفيين وأحمد، فلابد فيما ذكر من التتابع للتقييد به في النص (قال) الله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" والشهر متتابع لتتابع أيامه فيكون صومه متتابعاً. وكذا الصوم المنذور المعين بأن قال: لله علىَّ أن أصوم شهر رجب مثلاً فلابد فيه من التتابع،
стр. 3059
وقال تعالى: "وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنةٍ فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة مً من الله" (١)، وقال تعالى: "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا" (٢) (وعن) أبى هريرة ﵁ أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: هلكت. قال: وما أهلكك؟ قال: واقعت امرأتي في رمضان. قال: فهل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا (الحديث) أخرجه السبعة (٣) ﴿٦٤﴾
وبهذا قال كافة العلماء (٤)، وقرأ ابن مسعود في كفارة اليمين: فمن لم يجد
стр. 3060
فصيام ثلاثة أيام متتابعات (وقال) مالك والشافعي: لا يلزم التتابع في صوم كفارة اليمين لعدم التقييد به في قراءة الجمهور.
(الثاني) ما لا يلزم فيه التتابع وهو ستة أنواع: قضاء رمضان وكل كفارة لم يشرع فيها عتق- كصوم التمتع والقران- وكفارة جزاء الحلق والصيد وصوم النذر المطلق واليمين المطلق، كأن يقول: والله لأصومن شهراً، لإطلاق الصوم فيما ذكر، قال الله تعالى: "فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر (١)، أي فأفطر فليصم عدة ما فاته في أيام أخر، وقال تعالى: "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم" (٢)، وقال تعالى: "فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" (٣) وقال تعالى: "يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو عدلٍ منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً" (٤)، ذكر الله الصيام فيما ذكر مطلقاً عن شرط التتابع وكذا الناذر والحالق في النذر المطلق واليمين المطلقة (وبهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور (وقالت) الظاهرية: يلزم التتابع في قضاء رمضان (روى) عن أبيّ بن كعب انه قرأ: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر متتابعات. (وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان عليه صوم رمضان فليشرده ولا يقطعه" أخرجه البيهقي والدارقطني،
стр. 3061
وفيه عبد الرحمن بن إبراهيم ضعفه يحيي بن معين والنسائي (١) ﴿٦٥﴾
فهو لضعفه لا يصلح دليلاً على لزوم التتابع، وقراءة أبي لم تثبت ولو ثبتت تحمل على الندب دون الاشتراط، إذ لو ثبت على وجه الاشتراط ما خالف ابياً أحدً في لزوم التتابع (٢) (فالحق) أنه لا يلزم التتابع في قضاء رمضان لما تقدم (ولقول) عائشة ﵂: نزلت: فعدة من أيام أخر متتابعات فسقطت متتابعات. أخرجه البيهقي والدارقطني وقال: إسناد صحيح (٣). وقال البيهقي: وسقطت أي نسخت لا يصح له تأويل غير ذلك (وعن) سفيان ابن بشر بسنده إلى ابن عمر أن النبي ﷺ قال في قضاء رمضان: إن شاء فرق وإن شاء تابع. أخرجه الدارقطني وقال: لم يسنده غير سفيان بن بشر وصححه ابن الجوزي وقال: ما علمنا أحداً طعن في سفيان بن بشر (٤) ﴿٦٦﴾
(جـ) الصوم المنهي عنه
... ورد النهي عن عشرة أنواع من الصيام هاك بيانها:
(١) يوم الشك: هو- عند الحنفيين والشافعي- اليوم الذي بلى التاسع والعشرين من شعبان إذا تحدث الناس بالرؤية ولم تثبت أو شهد بها من ردت شهادته لفسق ونحوه، فإن لم يتحدث بالرؤية أحد فليس يوم شك ولو كانت السماء مغيمة،
стр. 3062
واختاره ابن عبد السلام المالكي (لقول) النبي ﷺ : "فإن غم عليكم فاقدروا له" (١) أي أكملوا مدة ما قبله ثلاثين يوماً فإنه يدل على أن صبيحة يوم الغيم من شعبان جزماً. (وقالت) المالكية: يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة فلو كانت مصحبة لم يكن يوم شك لأنه إن لم ير الهلال كان من شعبان جزماً (٢). (وقالت) الحنبلية: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤية الهلال ليلته ولم يروه والسماء مصحية، فإن حال دون رؤيته غيم أو غبار فليس يوم الشك (والظاهر) مذهب الأولين هذا ولصوم يوم الشك ثلاث صور:
... (أ) أن ينوي صومه عن رمضان وهو مكروه تحريماً عند الحنفيين ومالك والليث (لقول) صلة بن زفر: كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مضية فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إني صائم، فقال عمار: من صام اليوم الذي شك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ أخرجه الأربعة والدارمي والدارقطني وقال: إسناد حسن صحيح ورواته ثقات (٣) ﴿٦٧﴾
(وقال) الترمذي: حسن صحيح والعمل على هذا عند اكثر أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق: كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم إن صامه وكان من شهر رمضان أن يقضي يوماً مكانه (٤). (وقال) الحنفيون: إن ظهر أنه من رمضان أجزأ عنه
стр. 3063
(وقال) بعض المالكية والشافعية يحرم صومه يوم الشك عن رمضان، لظاهر قول عمار: ومن صام اليوم الذي شك فيه فقد عصا أبا القاسم ﷺ . والقائل بالكراهة حمل العصيان فيه على شدة الزجر فلا يقتضي الحرمة (وقال) ابن عمر: يجب صومه عن رمضان إذا حال دون رؤية الهلال سحاب أو غبار. أما إذا كانت السماء سحواً ولم ير الهلال فلا يصام وهو ظاهر مذهب أحمد (وعنه) أنه في حال الغيم لا يجب صومه ولا يجزئه عن رمضان إن صامه، لأن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الشك ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه بالشك (وعنه) أيضاً رواية ثالثة أن الناس تبع للإمام فإن صاموا وإن أفطر أفطروا، وهو قول الحسن وابن سيرين (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون" أخرجه الترمذي بسند رجاله ثقات وقال: حسن غريب (١) ﴿٦٨﴾
ومعناه أن الصوم والفطر يكون مع الجماعة ومعظم الناس.
(ب) أن ينوي صوم يوم الشك عن واجب غير رمضان، وهو مكروه تنزيهاً عند الحنفيين ويقع عما نواه إن ظهر أنه من شعبان في الأصح، وإن لم يظهر الحال لا يكفي عما نوي، لجواز أن يكون من رمضان فلا يكون قضاء بالشك، وإن ظهر أنه من رمضان أجزأ عنه لو كان الصائم مقيماً، ولو كان مسافراً فنوى فيه واجباً آخر لم يكره عند النعمان لأن أداء رمضان غير واجب عليه ويقع عما نوى وإن بان أنه من رمضان (وقال) أبو يوسف ومحمد: يكره للمسافر صومه كالمقيم ويجزئ عن رمضان إن بان أنه منه (وقال) مالك والشافعي: يجوز صوم يوم الشك عن واجب غير أداء رمضان كقضاء عن رمضان سابق أو نذر أو كفارة يمين.
стр. 3064
(جـ) أن ينوي صوم يوم الشك تطوعاً فلا يكره- عند الحنفيين ومالك والشافعي- بل يستحب إن وافق صوماً اعتاده أو صام من آخر شعبان ثلاثة أيام فأكثر لا أقل (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين إلا أن يكون صوم يصومه رجل فليصم ذلك الصوم" أخرجه السبعة والدارقطني وقال: إسناده صحيح، وقال الترمذي: حسن صحيح (١) ﴿٦٩﴾
والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، وإن كان رجل يصوم صوماً فوافق صيامه ذلك فلا بأس به عندهم ففي الحديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له فإن يصله بصوم قبله ولا صادف عادة له فهو حرام على الصحيح عند الشافعي ولا بأس به عند الحنفيين ومالك، لأن المراد بالتقدم- المنهي عنه في الحديث- التقدم بصوم عن رمضان جمعاً بينه وبين حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال له أو لرجل: "هل صمت من سرر شعبان شيئاً؟ قال: لا. قال: فإذا أفطرت فصم يوماً أو يومين" أخرجه احمد ومسلم وأبو داود والدارمي وقال: سرره آخره (٢) ﴿٧٠﴾
... وفي رواية له: (فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه) أي بدل ما اعتدت صيامه.
стр. 3065
فالأمر بصوم آخر شعبان محمول على استحباب صومه تطوعاً والنهي عن التقدم محمول على صومه عن رمضان جمعاً بين الأدلة وقال النووي: هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم ويومين (ويجاب عنه) بأن هذا الرجل كان معتاداً صيام آخر الشهر أو نذره فتركه لخوفه من الدخول في النهي عن تقدم رمضان فبين له النبي ﷺ أن الصوم المعتاد لا يدخل في النهي (١) (وعليه) فالحديث يدل على أن من اعتاد الصوم في النصف الثاني من شعبان فله صومه بلا كراهة، وكذا من كان عليه صيام نذر فله أن يؤديه فيه. فإن ضاق الوقت عليه ودخل رمضان قضاء في شوالٍ (٢).
هذا. والأدلة الصحيحة تدل على أن يوم الشك لا يصام عن رمضان ولو كان بالسماء غيم ولا عن نفل غير معاذ ولا بأس بصومه عن غيرهما. والله ولي التوفيق.
... (٢) صوم العيدين: يحرم - عند مالك والشافعي وأحمد- صوم يومي عيد الفطر والأضحى سواء النذر والكفارة والقضاء والتطوع وبه قال بعض الحنفيين. ومشهور مذهبهم أن صومهما مكروه تحريماً؛ لما فيه من الإعراض عن ضيافة الله
стр. 3066
تعالى (ولحديث) أبي سعيد الخدري ﵁ "أن النبي ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر" أخرجه السبعة إلا النسائي وقال الترمذي: حسن صحيح (١) ﴿٧٢﴾
... وصف اليومين لبيان العلة في وجوب فطرهما وهي الإشعار بانتهاء صوم الفرض بعيد الفطر والتمكين من الأكل من الأضحية المتقرب يذبحها في الأضحى (وإن نذر) صوم هذين اليومين لم ينعقد نذره ولا شيء عليه عند مالك والشافعي والجمهور وهو رواية أبي يوسف عن النعمان، (وقال) أحمد وإسحق: من نذر صومها لا ينعقد نذره وعليه كفارة يمين (لحديث) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين" أخرجه أحمد والأربعة، وقال الترمذي: حديث غريب وفي سنده سليمان بن أرقم قال النسائي متروك الحديث (٢) ﴿٧٣﴾
стр. 3067
(وأجاب) الجمهور عن الحديث بأنه ضعيف (ورد) بأنه روى من عدة طرق يقوي بعضها بعضاً فهو صالح للاحتجاج به. وقد صححه الطحاوي وابن السكن. (وروي) محمد والحسن بن زياد عن النعمان أنه يصح نذر صوم يوم العيد لكن لا يصومه بل يقضيه في يوم آخر. لأنه نذر صوماً مشروعاً والنهي عن صومه لغيره وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى فيصح نذره لكنه يفطر احترازاً عن المعصية ثم يقضي إسقاطاً للواجب وإن صامه يخرج عن العهدة لأنه أداة كما التزمه، ومنشأ الخلاف أن النهي هل يقضي فساد المنهي عنه؟ قال الأكثر: يقتضي فساده (وقال) الحنفيون: لا يقتضي الفساد ولا ينفي مشروعية الأصل ونسب إلى أكثر الفقهاء (ويؤيده) قول زياد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄ فقال: رجل نذر أن يصوم يوماً فوافق ذلك يوم عيد فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر ونهى النبي ﷺ عن صوم هذا اليوم" أخرجه الشيخان (١) ﴿٧٤﴾
فقد عرض ابن عمر للسائل بأن الاحتياط قضاء ذلك اليوم جمعا بين أمر الله تعالى بوفاء النذر ونهى النبي ﷺ عن صوم يوم العيد (ولو شرع) في صوم يومي العيد ثم أفسده يلزمه القضاء عند أبي يوسف ومحمد وأن الشروع في التطوع سبب الوجوب كالنذر، فإذا وجب المضي فيه وجب القضاء بالإفساد كما لو شرع في التطوع في سائر الأيام ثم أفسده (وقال) النعمان: لا يلزمه القضاء لأن الشروع ليس سبب الوجوب وضعا وإنما الوجوب يثبت ضرورة صيانة للمؤدى عن البطلان وتؤدى هاهنا لا يجب صيانته لمكان النهي فلا يجب المضي فيه فلا يضمن بالإفساد (٢)
стр. 3068
(وأما) لو نذر صوم يوم معين فوافق يوم العيد، فلا يحل صومه إجماعاً ويلزمه قضاؤه عند الحنفيين ولا يلزمه عند الجمهور وهو أصح قولي الشافعي، لأن لفظه لم يتناول القضاء، وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار. وكذا لو صادف أيام التشريق لا يجب قضاؤه في الأصح (١).
... (٣) صوم أيام التشريق (٢): هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر. وصومها حرام ولو للمتمتع عند الليث بن سعد وهو المشهور عن الشافعي والأصح عند أحمد وبه قال بعض الحنفيين. ومشهور المذهب أن صومها مكروه تحريماً لما فيه من الإعراض عن ضيافة الله تعالى (ولقول) سعد بن أبي وقاص: أمرني النبي ﷺ أن أنادي أيام مني أنها أيام أكل وشرب فلا صوم فيها يعني أيام التشريق. أخرجه احمد والبزار بسند رجاله رجال الصحيح (٣) ﴿٧٥﴾
... والمعنى أن هذه الأيام لا يجوز صيامها لأن الله تعالى أكرمنا بضيافته لنا فيها فلا ينبغي الإعراض عنها كما يدل عليه قوله ﷺ : وهي أيام أكل وشرب. قال الخطابي وهذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيها فلا يجوز صيامها تطوعاً ولا نذراً ولا عن صوم التمتع (٤).
(وعن) أبي مرة مولى أم هانئ أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو ابن العاص ﵄ فقرت إليهما طعاماً فقال كل، فقال إني صائم. قال عمرو كل فهذه الأيام التي كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه
стр. 3069
وسلم بفطرها وينهانا عن صيامها. وهي أيام التشريق. أخرجه احمد وابن خزيمة والحاكم وصححاه والنسائي وأبو داود والبيهقي والدارمي (١) ﴿٧٦﴾
... (وقال) مالك: يحرم على غير المتمتع صوم ثاني وثالث يوم النحر ولو نذراً، وبكره صوم رابعه تطوعاً، وإن نذر صومه لزمه صومه. وإن صامه تطوعاً ينعقد. وإذا أفطره عامداً غير قاصد التخلص من النهي، يلزمه قضاؤه وإنما لزم نذره مع أن النذر إنما يلزم به ما ندب نظراً إلى كونه لا ينحر فيه عند مالك ولا يرمي فيه المتعجل فضعف كونه من أيام التشريق المنهي عن صيامها فأعمل فيه النذر لقوته. ولما كان له حكمها عند بعض العلماء كره تطوعاً لعدم المعارض القوي (٢) (وقال) الأوزاعي وإسحق والشافعي في القديم وأحمد في رواية: لا يجوز صيام أيام التشريق إلا للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم ثلاثة الأيام في تسع ذي الحجة (لقول) ابن عمر: الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة. فإن لم يجد هدياً ولم يصم صام أيام مني، أخرجه البخاري (٣).
(وقال) ابن عمر: "رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق" أخرجه الدارقطني وفيه يحيي بن سلام ليس بالقوي (٤) ﴿٧٧﴾
стр. 3070
(وهذا) الحديث وإن تكلم فيه يؤيده عموم قول الله تعالى "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج (١) " فإن الآية عامة فيما قبل يوم النحر وما بعده. فتدل على جواز صيام أيام التشريق للمتمتع. وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإذن بالصيام وعموم الحديث المشعر بالنهي. وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعاً فكيف، وفي كونه مرفوعاً نظر (٢) (فالراجح) القول بجواز صيام أيام التشريق للمتمتع دون غيره حملاً للأحاديث المطلقة في النهي عن صيامها على المقيدة بإباحة صومها للمتمتع.
... (فائدة) هل يصح نذر صوم أيام التشريق؟ (روي) محمد بن الحسن عن النعمان أنه يصح نذر صومها، لكن الأفضل أن يفطر فيها ويصوم أياماً أخر ولو صامها يكون مسيئاً، وإن خرج عن عهدة النذر، لأنه أوجب صومها ناقصاً وأداه ناقصاً (وروي) أبو يوسف عن النعمان انه لا يصح نذر صومها ولا يلزمه شي. ولو شرع في صومها ثم أفسده هل يلزمه القضاء؟ (٣) فيه خلاف تقدم بيانه في صوم يومي العيد (وقالت) الشافعية: يجوز صوم هذه الأيام لسبب كنذر أو كفارة أو قضاء. أما ما لا سبب له فلا يجوز فيها اتفاقاً.
(٤) صوم يوم الجمعة: يكره- عند أبي يوسف والشافعي وأحمد- إفراده بالصوم إلا أن يوافق عادة له (الحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده" أخرجه البيهقي والستة إلا النسائي. وقال الترمذي: حسن صحيح (٤) ﴿٧٨﴾
стр. 3071
(وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي. ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" أخرجه مسلم والبيهقي (١) ﴿٧٩﴾
... (حمل) الجمهور النهي في الحديثين ونحوهما على الكراهة (وحمله) ابن حزم على الحرمة فقال: يحرم إفراد يوم الجمعة بصوم (وقال) الطحاوي: ثبت بالسنة طلبه والنهي عنه والآخر منهما النهي، لأن فيه وظائف فلعله إذا صام ضعف عن فعلها (وعن) النعمان ومالك ومحمد بن الحسن: أنه يباح صوم يوم الجمعة مطلقاً (قال) مالك في الموطإ: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه، ومن يقتدي به ينهي عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن (وقال) ابن مسعود: "كان النبي ﷺ يصوم ثلاثةً أيام من غرة كل هلال وقلما يفطر يوم الجمعة" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي وابن حبان وصححه والترمذي وحسنه (٢) ﴿٨٠﴾
لكن لا يتم الاستدلال به، لأن المعنى أنه كان يصوم يوم الجمعة مع يوم قبله أو بعده لا أنه كان يصومه وحده (فقد) نهى ﷺ عن إفراده بالصوم. ولعل النعمان ومالكا ومن معهما لم يبلغهما أحاديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم ولو بلغتهم لم يخالفوها وسنة النبي ﷺ أحق أن تتبع (واختلف) في سبب النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم على أقوال (منها) أنه يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى صلاة الجمعة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها، لقول الله تعالى:
стр. 3072
"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون (١) " وغير ذلك من العبادات المطلوبة يومها فاستحب الفطر فيه، ليكون أعون للمؤمن على تأدبة هذه الوظائف بنشاط وانشراح بلا ملل ولا سآمة (ومنها) أن يوم الجمعة يوم للعيد الأسبوعي والعيد لا يصام (روي) أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن يوم الجمعة يوم عيد فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده" أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد (٢) ﴿٨١﴾
ولا يلزم من هذا أن يكون كالعيد من كل وجه؛ فإنه يباح صومه مع يوم قبله أو بعده أو وفق عادة بخلاف العيد فإنه لا يصام مطلقاً.
(٥) إفراد يوم السبت أو الأحد بصيام: نهي النبي ﷺ عن التطوّع بصوم يوم السبت وأباح صومه مع الجمعة وصامه هو مع الأحد (روي) عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبي ﷺ قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم. وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أو عود شجرة فلميضغه" أخرجه احمد والأربعة والدارمي والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي (٣) ﴿٨٢﴾
... (وقال) ومعنى الكراهية في هذا أن يختص الرجل يوم السبت بصيام،
стр. 3073
لأن اليهود يعظمون يوم السبت (وعن) جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة فقال "أصمت أمس؟ قالت: لا قال: تريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا. قال: فأفطري" أخرجه احمد والبخاري وأبو داود والشافعي والبيهقي (١) ﴿٨٣﴾
(دل) الحديث على أن من شرع فيما يظنه طاعة فتبين له خلافه يطلب منه قطعه وفيه دلالة على إباحة صوم يوم السبت موصولاً بما قبله (وقالت) أم سلمة ﵂: "كان النبي ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد اكثر مما يصوم من الأيام ويقول "إنهما عيدا المشركين. فأنا أحب أن أخالفهم" أخرجه أحمد والبيهقي والحاكم وابن خزيمة وصححاه. وهذا مختصر (٢) ﴿٨٤﴾ فالنهي عن صوم السبت في الحديث الأول، محمول على إفراده بالصوم. وأما إذا وصله بيوم قبله أو بعده كما في الحديثين بعده فجائز (ولذا) قال الحنفيون والشافعي وأحمد: يكره إفراد السبت بالصوم إن لم يوافق عادة له.
... (والحكمة) في النهي عن صومه أن اليهود كانوا يعظمونه باتخاذه عيداً، فأراد النبي ﷺ مخالفتهم (وقال) مالك وجماعة: لا يكره صومه ولو منفرداً. ولا دليل لهم على هذا (وقول) أبي داود: حديث عبد الله بن يسر منسوخ (غير) مقبول وأي دليل على نسخه؟ (٣)
стр. 3074
(ويكره) إفراد يوم النيروز ويوم المهرجان (١) بالصوم، لأنهما يومان يعظهما الكفار فيكون تخصصيهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما فكره كيوم السبت، وعلى قياس هذا كل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم (٢) كيوم الأحد إذا كانوا يعظمونه بالصوم. أما إذا عظموه بغيره فلا يكون صومه تشبهاً بهم (قال) العلامة القسطلاني: وقد ورد أيضاً النهي عن إفراد صوم يوم الأحد، لأن النصارى تعظمه كما أن اليهود تعظم يوم السبت (٣).
... (٦) صوم الدهر: ورد النهي عن صومه فيحرم صوم السنة كلها بما فيها أيام العيد والتشريق (وعليه) يحمل حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا صام من صام الأبد" أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه (٤) ﴿٨٥﴾
... (وحديث) عبد الله بن الشخير أن النبي ﷺ قال: "من صام الأبد فلا صام ولا أفطر" أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان بسند جيد (٥) ﴿٨٦﴾
... وهذا إخبار من النبي ﷺ بأنه لم يحصل له أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر لأنه أمسك عن الطعام والشراب ولأنه إذا اعتاد الصوم لم يجد
стр. 3075
مشقه يترتب عليها مزيد الثواب فكأنه لم يصم. وحيث لم ينل راحة المفطرين فكأنه لم يفطر. ويحتمل انه دعاء من النبي ﷺ على من فعل ذلك كراهة لفعله وزجراً له عن ذلك.
(وحديث) أبي قتادة أن عمر ﵁ قال: "يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؛ قال: لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر" (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود مطولاً والنسائي والترمذي وحسنه (١) ﴿٨٧﴾
فإن ظاهره أنه تضيق عليه حصرا له فيها لتشديده على نفسه ورغبته عن سنة النبي ﷺ واعتقاده أن غيرها أفضل. وهذا وعيد شديد يقتضي الحرمة (٢)، وحمله الجمهور كغيره على من صام السنة كلها وفيها الأيام المنهي عن صومها (٣)، أما لو صام السنة غير الأيام المنهي عنها فهو
стр. 3076
جائز (لحديث) أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن الآن الكلام وأطعم الطعام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام" أخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي بسند رجاله ثقات (١) ﴿٨٩﴾
فإن متابعة الصيام تشمل صيام الدهر (وعن) عائشة أن حمزة الأسلمي ﵁ قال: "يا رسول الله إني رجل أشرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت وأفطر إن شئت" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقي والدارمي والنسائي (٢) ﴿٩٠﴾
... فقد أقره النبي ﷺ على متابعة الصوم في غير الأيام المنهي عن صيامها. وفيه دلالة على أن صوم الدهر وسرده غير مكروه لمن لا يخاف منه ضرراً ولا يفوت به حقاً بشرط فطر يومي العيدين وأيام التشريق لأنه أذن له فيه في السفر ففي الحضر أولى.
... (وأما) إنكاره ﷺ على ابن عمرو بن العاص صوم الدهر (فلأنه) علم ﷺ أنه سيضعف عنه. وهكذا جرى فإنه ضعف في آخر عمره وكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ (٣). (وقال) أبو الخطاب الحنبلي: والذي يقوي عندي أن صوم الدهر مكروه وإن لم يصم الأيام المنهي عن صيامها، فإن صامها فقد فعل محرماً،
стр. 3077
وإنما كره صوم الدهر لما فيه من المشقة والضعف وشبه التبتل المنهي عنه (١).
(٧) وصال الصوم- الوصال هو صوم يومين فأكثر بلا فطر بينهما قصداً- فليس منه الإمساك عن الفطر بلا قصد- وهو منهي عنه (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إياكم والوصال- قالها ثلاث مرار- قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من العمل ما تطيقون" أخرجه مالك وأحمد والشيخان والبيهقي (٢) ﴿٩١﴾
... (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تواصلوا"، قالوا: يا رسول الله إنك تواصلُ، قال: "إني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال النبي ﷺ : "لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل بهم" أخرجه أحمد وكذا الشيخان والبيهقي بلفظ: نهى ﷺ عن الوصال (الحديث) (٣) ﴿٩٢﴾
стр. 3078
(وإنما) نهى النبي ﷺ عن الوصال رحمة بهم لئلا يشق عليهم (روي) نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ واصل فواصل الناسُ فشق عليهم فنهاهم، قالوا: إنك تواصل، قال: "لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأشقى" أخرجه البخاري (١) ﴿٩٣﴾
... وهل النهي للتحريم؟ (قال) الحنفيون ومالك والشافعي والجمهور: إنه للكراهة لأن النبي ﷺ واصل بالصحابة ولو كان حراماً ما واصل بهم وقال ابن حزم والظاهرية: النهي للتحريم واختاره ابن العربي المالكي أخذاً بظاهر النهي (ورد) بأنه مصروف عن التحريم (بحديث) أبي هريرة، وفيه أن النبي ﷺ واصل بأصحابه (وبحديث) عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب محمد ﷺ قال: إنما نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاء على أصحابه ولم يحرمهما على أحد. أخرجه أحمد بسند صحيح (٢) ﴿٩٤﴾
... (وقال) أحمد وإسحاق وابن المنذر وبعض المالكية: يجوز الوصال إلى السحر ويكره الزائد عليه (لحديث) أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر (الحديث) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود (٣) ﴿٩٥﴾
(قالوا) هذا الوصال لا يترتب عليه مشقة ولا حرج، فقد تناول الأكلة التي للصائم في اليوم والليلة غير أنه نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان هذا عوناً على قيام الليل. (ولا يخفى) أن محل ذلك لم يشق على الصائم وإلا فلا يكون قربة. (وفي) الحديثين رد على من قال: إن الإمساك بعد الغروب لا يجوز
стр. 3079
وإن كان تعجيل الفطر أفضل كما سيأتي (والظاهر) مذهب الجمهور: أن الوصال مكروه، لأن الأدلة صريحة في الكراهة. وقد واصل الصحابة ﵃ بعد النهي للتنزيه لا للتحريم (تنبيه) علم أن النبي ﷺ واصل بأصحابه يومين، وواصل أحياناً إلى السحر وثبت أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً. أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح.
... (٨) الصوم في النصف الثاني من شعبان- يكره- عند الشافعية- صوم التطوع في النصف الثاني من شعبان إلا صوماً اعتاده أو وصله بصوم في النصف الأول (لحديث) العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان" أخرجه أحمد والأربعة وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ (١) ﴿٩٦﴾
ولفظه عنده: إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا (والنهي) هنا للتنزيه رحمة بالأمة أن يضعفوا عن صيام رمضان على وجه النشاط، وأما من صام شعبان كله فقد تمرن على الصوم وتزول عنه الكلفة ولذا قيده بالانتصاف (وقيل): نهى عن الصوم في النصف الثاني من شعبان لأنه نوع من التقدم المنهي عنه (وقال) الحنفيون ومالك وأحمد والجمهور: لا يكره صوم التطوع في النصف الثاني من شعبان (لحديث) عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال له أو لرجل: "هل صمت من سرر هذا الشهر شيئاً؟ يعني شعبان. قال: لا. قال: فإذا أفطرت "فصم يومين" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والدارمي (٢) ﴿٩٧﴾
стр. 3080
وتقدم أنه يدل على أن من اعتاد الصوم في النصف الثاني من شعبان فله صومه بلا كراهة وأن من عليه صوم واجب كمنذر فله أن يؤديه فيه، فإن ضاق عليه الوقت ودخل رمضان قضاء في شوال (وأجاب) الجمهور عن حديث العلاء بأنه ضعيف، فقد قال أحمد وابن معين: إنه منكر (واستدل) البيهقي على ضعفه بحديث: لا تقدموا صوم رمضان بيوم أو يومين (١) فقال: الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، واستدل الطحاوي على ضعفه بحديث عمران ابن حصين (٢).
(٩) صوم المرأة وزوجها حاضر: لا يحل للمرأة المتزوجة أن تصوم تطوعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تصم المرأة يوماً واحداً وزوجها شاهد إلا بإذنه إلا رمضان" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقي والدارمي (٣) ﴿٩٨﴾
... فيحرم على امرأة- يحتاجها بعلها- تطوّع بصلاة أو صوم أو اعتكاف أو حج أو عمرة بلا إذن من الزوج. وكذا ليس لها نذر شيء من ذلك بلا إذن. فإذا تطوّعت بشيء من ذلك أو نذرته بلا إذن فله إفساده عليها بالجماع ويلزمها قضاؤه. وأولى لو استأذنته فقال لها لا تصومي مثلاً فأصبحت صائمة فله جماعها.
стр. 3081
وكذا لو دعاها لفراشه فأحرمت بصلاة نافلة أو فريضة متسعة الوقت فله قطعها وضمها إليها بخلاف ما ضاق وقته. وفي قطع الفرض إذا اتسع وقته نظر، لأن الصلاة أمرها يسير وهي فرض تلبست به وتريد براءة ذمتها. فإن أذن لها في نذر أو تطوع فليس له إفساده عليها. وإن علمت أنه لا يحتاج لها الزوج جاز لها التطوّع بلا إذن. ولها تعجيل قضاء ما عليها من صوم وله منعها بالأولى من فرض اتسع وقته (١) (وحكمة) حرمة ما ذكر على المرأة أن زوجها له حق الاستمتاع بها في أي وقت وهو واجب على الفور فلا يفوت بالتطوع ولا بواجب على يكره تطوعها بصوم وغيره بلا إذن زوجها. والصحيح الحرمة. فلو صامت بلا إذن صح صومها وإن كان حراماً، لأن تحريمه لحق الزوج لا لمعنى يعود على الصوم فهو كالصلاة في دار مغصوبة فإذا صامت بلا إذن فلا ثواب لها (٢).
أما لو كان الزوج غائباً فلها التطوّع بما ذكر، فلو صامت وقدم في أثناء الصيام فله إفساد صومها بلا كراهة، وفي معنى الغيبة كونه مريضاً لا يستطيع الجماع (٣).
... (١٠) ويكره لضيف تطوع بصوم بلا إذن رب المنزل (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من ألبسه الله نعمى فليكثر من الحمد لله، ومن كثرت ذنوبه فليستغفر الله، ومن أبطأ رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن نزل بقوم فلا يصومنَّ إلا بإذنهم" أخرجه الطبراني
стр. 3082
في الصغير والأوسط من حديث طويل وفيه يونس ابن تميم ضعفه الذهبي (١). ﴿٩٩﴾
... (وكان) ابن عمر إذا أراد أحد أن يصحبه في سفر اشترط عليه ألا يصحبنا على تغير خلال ولا ينازعنا الأدان ولا يصومنَّ إلا بإذننا. أخرجه الطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢) والنهي فيما ذكر للتنزيه (وحكمته) دفع تحرج أهل المنزل بصومه لتقييد الوقت وإحسان الطعام للصائم بخلاف ما إذا كان مفطراً فيأكل معهم ويندفع عنهم الحرج ولأن من آداب الضيف أن يطيع المضيف. فإن خالفه فقد ترك الأدب (٣).
(د) صوم التطوع
... التطوع بالصوم له فضل عظيم وثواب جزيل به تضاعف الحسنات وترفع الدرجات وتكفر السيئات "إن الحسنات يذهبن السيئات" والكلام هنا في أربعة وعشرين فصلاً:
(١) صوم ستة أيام من شوال- يستحب- عند الحنفيين والشافعي وأحمد ومحققي المالكية- صيام ستة أيام من شوال (لحديث) جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان وستاً من شوالٍ فكأنما صام السنة كلها" أخرجه احمد والبيهقي والطبراني في الأوسط والبزار، وفيه عمرو بن جابر ضعيف (٤) ﴿١٠٠﴾
... لكنه يتقوى بحديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوالٍ فكأنما صام الدهر" أخرجه
стр. 3083
أحمد ومسلم والبيهقي والدارمي والأربعة إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح وفيه سعد بن سعيد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه (١) ﴿١٠١﴾
(والمعنى) أن من واظب على صيام رمضان وستة أيام من شوال في كل سنة فكأنما صام طول حياته. أما من صام رمضان وستاً من شوال سنة واحدة فكأنما صام سنة واحدة لأن الحسنة بعشر أمثالها ورمضان بعشرة أشهر والستة الأيام بشهرين (والسر) في مشروعية صومها أنها تجبر ما وقع في رمضان من خلل. والأفضل عند الحنفيين والشافعي صومها متوالية عقب يوم الفطر لظاهر قوله "ثم أتبعه بست من شوال" فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال فقد حصل أصل السنة (وقال) أحمد: يستوي التتابع وعدمه في الفصل (وعن) مالك أنه يكره صوم هذه الأيام حذراً من اعتقاد وجوبها (قال) يحيي: سمعت مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء (٢) فمالك ﵁ إنما كره صيامها لذلك. فأما من صامها رغبة لما جاء فيها فلا كراهة. ويحتمل أنه إنما كره وصل صومها بيوم الفطر. فلو صامها في أثناء الشهر فلا كراهة وهو ظاهر قوله: صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان (٣)
ومنه تعلم أنه لا وجه
стр. 3084
للقول بكراهة صوم ستة أيام من شوال خشية اعتقاد وجوبها (وقول) مالك: لم أر أحداً يصومها (ليس) بحجة على الكراهة لأن السنة ثبتت في ذلك بلا معارض وكونه لم ير لا يضر (وقولهم) إنه قد يخفي ذلك فيعتقد وجوبه (مردود) بأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله أنه يكره صوم يوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه خشية اعتقاد الوجوب وهذا لا يقوله أحد (١).
... (٢) صوم شوال والأربعاء والخميس والجمعة: يستحب صوم شوال بعد يوم الفطر وصوم الأربعاء واليومين بعده من كل شهر (لقول) عكرمة بن خالد: حد ثني عريف من عرقاء قريش، حدثني أبي أنه سمع من فلق في رسول الله ﷺ يقول "من صام رمضان وشوالاً والأربعاء والخميس والجمعة دخل الجنة" أخرجه أحمد وفيه من لم يسم وبقية رجاله ثقات (٢) ﴿١٠٢﴾
... (وقال) مسلم القرشي: سألت النبي ﷺ عن صيام الدهر فقال "إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه وكل أربعاء وخميس فإذا أنت قد صمت الدهر" أخرجه أبو داود والترمذي وزاد: فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت. وقال حديث غريب (٣) ﴿١٠٣﴾
... وقد جاء في هذا أحاديث ضعيفة يقوي بعضها بعضاً.
стр. 3085
(٣) الصوم في الأشهر الحرم: الحرم بضمتين جمع حرام وصفت بذلك لحرمتها وحرمة القتال فيها في الجاهلية وصدر الإسلام. وهي أربعة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قال الله تعالى "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم" (١). (وعن) أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان (٢). ﴿١٠٤﴾
وقد جاء في الترغيب في الصوم فيها أحاديث (منها) حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله ﷺ ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته فقال يا رسول الله أما تعرفني؟ قال ومن أنت؟ قال أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال ما أكلت طعاماً إلا بليل منذ فارقتك. فقال رسول الله ﷺ لم عذبت نفسك؟ ثم قال صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر. قال: زدني فإن بي قوة قال صم يومين قال زدني قال: صم ثلاثة أيام قال زدني قال صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها" أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وأبو داود بسند جيد وهذا لفظه (٣) ﴿١٠٥﴾