← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

وكذا لو دعاها لفراشه فأحرمت بصلاة نافلة أو فريضة متسعة الوقت فله قطعها وضمها إليها بخلاف ما ضاق وقته. وفي قطع الفرض إذا اتسع وقته نظر، لأن الصلاة أمرها يسير وهي فرض تلبست به وتريد براءة ذمتها. فإن أذن لها في نذر أو تطوع فليس له إفساده عليها. وإن علمت أنه لا يحتاج لها الزوج جاز لها التطوّع بلا إذن. ولها تعجيل قضاء ما عليها من صوم وله منعها بالأولى من فرض اتسع وقته (١) (وحكمة) حرمة ما ذكر على المرأة أن زوجها له حق الاستمتاع بها في أي وقت وهو واجب على الفور فلا يفوت بالتطوع ولا بواجب على يكره تطوعها بصوم وغيره بلا إذن زوجها. والصحيح الحرمة. فلو صامت بلا إذن صح صومها وإن كان حراماً، لأن تحريمه لحق الزوج لا لمعنى يعود على الصوم فهو كالصلاة في دار مغصوبة فإذا صامت بلا إذن فلا ثواب لها (٢). أما لو كان الزوج غائباً فلها التطوّع بما ذكر، فلو صامت وقدم في أثناء الصيام فله إفساد صومها بلا كراهة، وفي معنى الغيبة كونه مريضاً لا يستطيع الجماع (٣). ... (١٠) ويكره لضيف تطوع بصوم بلا إذن رب المنزل (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من ألبسه الله نعمى فليكثر من الحمد لله، ومن كثرت ذنوبه فليستغفر الله، ومن أبطأ رزقه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ومن نزل بقوم فلا يصومنَّ إلا بإذنهم" أخرجه الطبراني

стр. 3082

في الصغير والأوسط من حديث طويل وفيه يونس ابن تميم ضعفه الذهبي (١). ﴿٩٩﴾ ... (وكان) ابن عمر إذا أراد أحد أن يصحبه في سفر اشترط عليه ألا يصحبنا على تغير خلال ولا ينازعنا الأدان ولا يصومنَّ إلا بإذننا. أخرجه الطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢) والنهي فيما ذكر للتنزيه (وحكمته) دفع تحرج أهل المنزل بصومه لتقييد الوقت وإحسان الطعام للصائم بخلاف ما إذا كان مفطراً فيأكل معهم ويندفع عنهم الحرج ولأن من آداب الضيف أن يطيع المضيف. فإن خالفه فقد ترك الأدب (٣). (د) صوم التطوع ... التطوع بالصوم له فضل عظيم وثواب جزيل به تضاعف الحسنات وترفع الدرجات وتكفر السيئات "إن الحسنات يذهبن السيئات" والكلام هنا في أربعة وعشرين فصلاً: (١) صوم ستة أيام من شوال- يستحب- عند الحنفيين والشافعي وأحمد ومحققي المالكية- صيام ستة أيام من شوال (لحديث) جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان وستاً من شوالٍ فكأنما صام السنة كلها" أخرجه احمد والبيهقي والطبراني في الأوسط والبزار، وفيه عمرو بن جابر ضعيف (٤) ﴿١٠٠﴾ ... لكنه يتقوى بحديث أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوالٍ فكأنما صام الدهر" أخرجه

стр. 3083

أحمد ومسلم والبيهقي والدارمي والأربعة إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح وفيه سعد بن سعيد تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه (١) ﴿١٠١﴾ (والمعنى) أن من واظب على صيام رمضان وستة أيام من شوال في كل سنة فكأنما صام طول حياته. أما من صام رمضان وستاً من شوال سنة واحدة فكأنما صام سنة واحدة لأن الحسنة بعشر أمثالها ورمضان بعشرة أشهر والستة الأيام بشهرين (والسر) في مشروعية صومها أنها تجبر ما وقع في رمضان من خلل. والأفضل عند الحنفيين والشافعي صومها متوالية عقب يوم الفطر لظاهر قوله "ثم أتبعه بست من شوال" فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال فقد حصل أصل السنة (وقال) أحمد: يستوي التتابع وعدمه في الفصل (وعن) مالك أنه يكره صوم هذه الأيام حذراً من اعتقاد وجوبها (قال) يحيي: سمعت مالكاً يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إنه لم ير أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء (٢) فمالك ﵁ إنما كره صيامها لذلك. فأما من صامها رغبة لما جاء فيها فلا كراهة. ويحتمل أنه إنما كره وصل صومها بيوم الفطر. فلو صامها في أثناء الشهر فلا كراهة وهو ظاهر قوله: صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان (٣) ومنه تعلم أنه لا وجه

стр. 3084

للقول بكراهة صوم ستة أيام من شوال خشية اعتقاد وجوبها (وقول) مالك: لم أر أحداً يصومها (ليس) بحجة على الكراهة لأن السنة ثبتت في ذلك بلا معارض وكونه لم ير لا يضر (وقولهم) إنه قد يخفي ذلك فيعتقد وجوبه (مردود) بأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله أنه يكره صوم يوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه خشية اعتقاد الوجوب وهذا لا يقوله أحد (١). ... (٢) صوم شوال والأربعاء والخميس والجمعة: يستحب صوم شوال بعد يوم الفطر وصوم الأربعاء واليومين بعده من كل شهر (لقول) عكرمة بن خالد: حد ثني عريف من عرقاء قريش، حدثني أبي أنه سمع من فلق في رسول الله ﷺ يقول "من صام رمضان وشوالاً والأربعاء والخميس والجمعة دخل الجنة" أخرجه أحمد وفيه من لم يسم وبقية رجاله ثقات (٢) ﴿١٠٢﴾ ... (وقال) مسلم القرشي: سألت النبي ﷺ عن صيام الدهر فقال "إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه وكل أربعاء وخميس فإذا أنت قد صمت الدهر" أخرجه أبو داود والترمذي وزاد: فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت. وقال حديث غريب (٣) ﴿١٠٣﴾ ... وقد جاء في هذا أحاديث ضعيفة يقوي بعضها بعضاً.

стр. 3085

(٣) الصوم في الأشهر الحرم: الحرم بضمتين جمع حرام وصفت بذلك لحرمتها وحرمة القتال فيها في الجاهلية وصدر الإسلام. وهي أربعة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب قال الله تعالى "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم" (١). (وعن) أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان (٢). ﴿١٠٤﴾ وقد جاء في الترغيب في الصوم فيها أحاديث (منها) حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله ﷺ ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته فقال يا رسول الله أما تعرفني؟ قال ومن أنت؟ قال أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال ما أكلت طعاماً إلا بليل منذ فارقتك. فقال رسول الله ﷺ لم عذبت نفسك؟ ثم قال صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر. قال: زدني فإن بي قوة قال صم يومين قال زدني قال: صم ثلاثة أيام قال زدني قال صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها" أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي وأبو داود بسند جيد وهذا لفظه (٣) ﴿١٠٥﴾

стр. 3086

(صم من الحرم) أي إذا أردت الزيادة عن ثلاثة أيام من كل شهر فصم من الأشهر الحرم غير أنك لا توالي الصيام فيها أكثر من ثلاثة أيام ثم أفطر مثلها وهكذا كما أشار النبي ﷺ بضم أصابعه الثلاثة إلى أنه يصوم منها ثلاثة أيام وأشار بإرسالها إلى أنه يفطر ثلاثة أيام مع صيام رمضان وصيام ثلاثة أيام من كل شهر غير الأشهر الحرم. (٤) صوم تسع ذي الحجة: يستحب لغير الحاج صيام تسعة أيام من أول ذي الحجة (لحديث) هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر أو اثنين من الشهر والخميس" أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي بسند جيد وقال تعني ويوماً آخر (١) ﴿١٠٦﴾ دل على استحباب صوم هذه الأيام ولا يعارضه (قول) عائشة ﵂: "ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً العشر قط" أخرجه أحمد ومسلم والأربعة والبيهقي وفي رواية لمسلم: لم يصم العشر (٢) ﴿١٠٧﴾ (لأن) عائشة ﵂ أخبرت بأنها لم تره صائماً، ولا يلزم من نفي

стр. 3087

رؤيتها عدم صيامه في الواقع. وقد ثبت أنه كان يصوم تسع ذي الحجة والمثبت مقدم على النافي (ويحتمل) أنها أرادت أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيره (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها صيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس وفيهما مقال فالحديث ضعيف (١) ﴿١٠٨﴾ ... (٥) صوم يوم عرفة: هو اليوم التاسع من ذي الحجة. ويتأكد صومه بغير عرفة (لحديث) أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: "صوم يوم عرفة يكفر سنتين ماضية ومستقبلة وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي من عدة طرق (٢) ﴿١٠٩﴾ ... قال الترمذي: قد استحب أهل العلم صيام يوم عرفة إلا بعرفة. ومعنى الحديث أن صيام يوم عرفة يكفر ذنوب السنة الماضية ويحول بين صائمه وبين الذنب في السنة الآتية: والمكفر الذنوب الصغائر عند الجمهور لأن الكبار لا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله، فإن لم يكن له صغائر خفف عنه من الكبائر إن كانت وإلا رفعت درجاته.

стр. 3088

(وعن) سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "من صام يوم عرفة غفر له سنتين متتابعتين" أخرجه الطبراني في الكبير وأبو يعلي بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿١١٠﴾ ... وحكمة تكفير صومه سنتين وجوه (منها) أنه من شهر حرام توسط بين شهري حرام من عامين فناسب أن يكفر العامين ولا كذلك عاشوراء (ومنها) اختصاص صوم يوم عرفة بالأمة المحمدية بخلاف يوم عاشوراء فإن اليهود كانت تصومه. هذا وصومه سنة لغير الحاج أما الحاج فيكره له صومه عند الجمهور (قال) عكرمة: سألت أبا هريرة عن صوم يوم عرفة بعرفات فقال: "نهى النبي ﷺ عن صوم عرفة بعرفات" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وصححه ابن خزيمة (٢) ﴿١١١﴾ ... أي نهى النبي ﷺ الحاج عن صيام يوم عرفة لأنه يضعفه عن الدعاء والذكر وسائر الأعمال المطلوبة منه في هذا اليوم، ولأنه يوم عيد لأهل عرفة لاجتماعهم فيه، (ولظاهر) النهي قال يحيي بن سعيد: يحرم على الحاج صوم يوم عرفة. وحمل الجمهور النهي عن صومه على الكراهة بالنسبة لمن يضعفه الصيام عن الدعاء والابتهال في ذلك المقام. فأما من وجد قوة لا يخاف معها ضعفاً فصوم ذلك اليوم أفضل له (وقال) أحمد: إن قدر على ان يصوم صام وإن أفطر فذلك يوم يحتاج فيه إلى قوة (٣). (وقال) جماعة: يستحب صوم يوم عرفة ولو للحاج إلا من يضعفه الصوم عن الوقوف بعرفات ويكون مخلاً له في الدعوات محتجين بعموم الأحاديث المرغبة في صيامه (وأجاب) الجمهور بأنها محمولة على من لم يكن بعرفة

стр. 3089

جمعاً بين الأحاديث، ولذا قالوا: يستحب إفطاره لمن بعرفة حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم (١). ... (تنبيه) علم: من حديث أبي هريرة النهي عن صوم يوم عرفة بعرفة، ومن حديث أبي قتادة استحباب صومه مطلقاً "ومن حديث" عقبة بن عامر مرفوعاً "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا لأهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب" أخرجه احمد والثلاثة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم والبيهقي والدارمي وقال الترمذي: حسن صحيح (٢) ﴿١١٢﴾ ... "كراهة" صوم يوم عرفة مطلقاً (ويجاب) عنه بأن كونه عيداً لا ينافي الصوم أو أنه مختص بأهل عرفة. والظاهر أن قوله ﷺ : وهي أيام أكل وشرب. راجع إلى يوم النحر وأيام التشريق. (هذا) ويجمع بين الأحاديث بأن صوم يوم عرفة مستحب لغير الحاج مكروه للحاج بعرفة إن كان الصوم يضعفه. ... (٦) الطاعة في عشر ذي الحجة: هذه الأيام من المواسم الشرعية ذات النفحات الإلهية: للطاعة فيها فضل عظيم يضاعف فيها ثواب العمل الصالح. حث الشارع على الاجتهاد في أنواع العبادة فيها من صوم وصلاة وتكبير واستغفار وذكر وغيرها. (وقد) ورد في هذا أحاديث (منها) حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام اعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" أخرجه أحمد

стр. 3090

والبيهقي في الشعب وأخرجه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس بسند جيد (١) ﴿١١٣﴾ ... أي أكثروا فيهن من قول لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله (وقال) ابن عباس ويذكروا اسم الله في أيام معلومات. أيام العشر والأيام المعدودات أيام التشريق. وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. ذكره البخاري (٢). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر. قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء" أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال حديث حسن غريب صحيح (٣) ﴿١١٤﴾ والمعنى أن العمل الصالح في الأيام المذكورة يعطي الإنسان عليه أجراً عظيماً لا يعطاه عليه لو عمله في غيرها جهاداً كان أو غيره. فالعمل فيها أفضل من العمل في غيرها وتظهر فائدة الأفضلية فيمن نذر الصيام أو علق عملاً من

стр. 3091

الأعمال بأفضل الأيام. فلو أفرد يوماً منها تعين يوم عرفة؛ لأنه أفضل الأيام العشر المذكور على الصحيح، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة جمعاً بين هذه الأحاديث وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة" (الحديث) أخرجه مالك وأحمد ومسلم والثلاثة (١) ﴿١١٥﴾ ... (قال) الداودي: لم يرد النبي ﷺ أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة، لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة فيلزم تفضيل الشيء على نفسه (ورد) بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة سواء أكان يوم الجمعة أم لا. ويوم الجمعة فيها أفضل من يوم الجمعة من غيرها لاجتماع الفضيلتين فيه. (٢) ... (٧) صوم المحرم: يستحب صوم شهر الله المحرم (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم" أخرجه أحمد ومسلم والأربعة والبيهقي والدارمي (٣) ﴿١١٦﴾ وظاهره أن المراد صيام المحرم بتمامه. (ويؤيده) حديث النعمان بن سعد أن رجلاً قال لعلي ﵁ يأمير المؤمنين. أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ فقالت ما سمعت أحداً سأل عن هذا بعد رجل سأل رسول الله ﷺ فقال:

стр. 3092

يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ فقال ﷺ : إن كنت صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب فيه على قوم ويتوب فيه على قوم" أخرجه ابن احمد في زوائد المسند والدارمي والترمذي وقال حديث حسن غريب (١) ﴿١١٧﴾ ... دلت هذه الأحاديث على فضل شهر الله المحرم لإضافته إلى الله تعالى، وعلى أن صيامه أفضل من صيام سائر الشهور بعد رمضان، لأن فيه تاب الله على قوم ويتوب على قوم آخرين. ... (٨) صوم عاشوراء: عاشوراء بالمد وقد يقصر معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة ثم صار علماً على اليوم العاشر من المحرم عند الجمهور (لحديث) عائشة ﵂: "إن النبي ﷺ أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر" أخرجه البزار بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿١١٨﴾ وعاشوراء يوم معظم في الجاهلية والإسلام (قال) ابن عباس: "لما قدم النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون ونحن نصومه تعظيماً له. قال رسول الله ﷺ نحن أولى بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه" أخرجه الدارمي والسبعة إلا الترمذي (٣) ﴿١١٩﴾

стр. 3093

قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة في ربيع الأول فأقام بها إلى عاشوراء من السنة الثانية فوجد اليهود يصومونه فصامه وأمر بصيامه لا تقليداً لهم بل لوحي نزل عليه، أو لأنهم اخبروا أن موسى كان يصومه فصامه شكراً لله على نجاة موسى من عدوه. ... وكانت قريش تصومه عملاً بما علموا من شريعة إبراهيم وإسماعيل وموسى عليهم الصلاة والسلام وكانوا يعظمونه بكسوة الكعبة فيه وكان النبي ﷺ يصومه قبل البعثة موافقة لهم وبعد البعثة وقبل الهجرة بوحي لأنه فعل خير. ولما هاجر إلى المدينة صامه وأمر الناس بصيامه استئلافاً لليهود. وكان ﷺ في بدء الهجرة يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه (وكان) اليهود يعظمونه بالصوم وغيره كما قال أبو موسى الأشعري: "كان أهل خيبر يصومون عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم فقال النبي ﷺ : فصوموه أنتم" أخرجه مسلم (١) ﴿١٢٠﴾ وللأمر بصيامه قال الحنفيون ومالك وبعض الشافعية: إن صيام يوم عاشوراء كان فرضاً ثم نسخ بفرض رمضان وصار صومه سنه وروي عن أحمد (ويؤيده) ما تقدم أن أسلم أتت النبي ﷺ فقال: "صمتم يومكم هذا؟ قالوا لا. قال: فأتموا بقية يومكم واقضوه" أخرجه أبو داود، قال يعني يوم عاشوراء (٢) ﴿١٢١﴾ يعني أمسكوا عن المفطر بقية اليوم واقضوه بعد وهذا يدل على أن صيامه كان واجباً. (والمشهور) عند الشافعية وأحمد: أن صوم عاشوراء سنة من حين شرع

стр. 3094

ولم يجب قط على هذه الأمة لكنه كان مؤكداً. ولما فرض رمضان صار مستحباً مستدلين (أ) بحديث بن معاوية بن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر" أخرجه مالك وأحمد والشيخان (١) ﴿١٢٢﴾ ... (ورد) بان معاوية أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، فإن كان سمع هذا بعد إسلامه فإنما سمعه سنة تسع أو عشر وذلك بعد نسخه برمضان فمعنى لم يكتب لم يفرض بعد إيجاب رمضان جمعاً بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبها. وإن كان سمعه قبل إسلامه فالمراد لم يكتبه عليكم على الدوام كصيام رمضان (ب) وبحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "يوم عاشوراء يوم كان يصومه أهل الجاهلية. فمن أحب أن يصومه فليصمه. ومن كره فليدعه" أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي (٢). ﴿١٢٣﴾ (وأجيب) بان تخيير النبي ﷺ بين صومه وعدمه لا يدل على أنه لم يكن واجباً ثم نسخ وجوبه (قال) الحافظ في الفتح: ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه. ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالغداء العام ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك ويقول ابن مسعود: لما فرض رمضان ترك عاشوراء (٣) مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق. فدل على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكد

стр. 3095

استحبابه والباقي مطلق استحبابه فهو ضعيف بل تأكد استحبابه باقي لاستمرار اهتمام النبي ﷺ يصومه حتى في عام وفاته ﷺ حيث يقول: "لئن عشت لأصومن التاسع والعاشر" ولترغيبه في صومه وأنه يكفر سنة وأي تأكيد أبلغ من هذا؟ (١) ... (٩) الصوم قبل يوم عاشوراء وبعده: يستحب صوم التاسع من المحرم أو الحادي عشر أو هما مع عاشوراء (قال) ابن عباس ﵄: "حين صام النبي ﷺ يوم عاشوراء وأمرنا بصيامه قالوا. يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال ﷺ : "فإذا كان العام المقبل إن إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" فلم يأت العام المقبل حتى توفى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم" أخرجه مسلم وأبو داود والبيهقي (٢) ﴿١٢٤﴾ وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لئن بنيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع" أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي (٣) ﴿١٢٥﴾ ... يحتمل أن المعنى: إن عشت لأصومن التاسع بدل العاشر. والصحيح أن المعنى: إن عشت لأصومن التاسع والعاشر (ويؤيده) حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود. وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً" أخرجه احمد والبزار والبيهقي بسند جيد (٤) ﴿١٢٦﴾

стр. 3096

أي صوموا معه يوماً آخر أو يومين مخالفة لليهود لأنهم يصومون عاشوراء فقط. (١٠) التوسعة في يوم عاشوراء: يوم عاشوراء موسم شرعي يستحب صيامه وإحياؤه بالطاعة والتوسعة على الأهل والأقارب والفقراء بلا تكلف ولا التزام (وقد) ورد في هذا أحاديث اجودها حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من وسع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته" أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار والبيهقي في الشعب على شرط مسلم وهذا أصح طرقه (١) ﴿١٢٧﴾ ... (١١) بدع عاشوراء: قد أحدث الناس في هذا اليوم العظيم بدعاً منكرة وارتكبوا فهي أعمالاً مستقبحة (منها) صلاة أربعين ركعة بين الظهر والعصر على كيفية مخصوصة تقدم بيانها في الصلوات غير المشروعة وأنها موضوعة (٢) (ومنها) ما قيل عن أبي هريرة ﵁: من صلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد لله مرة وقل هو الله أحد إحدى وخمسين مرة غفر الله له ذنوب خمسين عاماً.

стр. 3097

وهذا لم يثبت (ومنها) الاغتسال والاكتحال فيه وما قيل في الترغيب فيهما فيه لم يثبت (من ذلك) ما روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه أبداً. رواه الحاكم والبيهقي في شعبة والديلمي وقال الحاكم منكر. وقال في المقاصد: بل موضوع. وقال في اللاليء حديث منكر والاكتحال في هذا اليوم لا يصح فيه أثر فهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين "﵁" وقبحهم (قال) ابن رجب في الطائف المعارف: كل ما روي في فضل الاكتحال والاختصاب والاغتسال يوم عاشوراء موضوع لم يصح (١) (ومنها) ما قبل عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: من اغتسل وتطهر في يوم عاشوراء لم يمرض في سنته إلا مرض الموت. وضعه أيضاً قتلة الحسين (ومن البدع المذمومة) البخور الذي يسير به بعض العاطلين في الأزقة والحارات بمصر وغيرها في شهر المحرم ويسمونه بخور العشر وهو ملح ونحوه يصبغونه ألواناً ويرقى حاملوه الأطفال بكلمات ساقطة يقولونها بمحضر أمهاتهم يزعمون أن هذه الرقية وقاية لهم من العين وكل مكروه إلى السنة القابلة وتدخره النساء جميع العام ويزعمون أن المسحور إذا تبخر به بريء من السحر، وأنه ينفع من النظرة وهو من خرافاتهن (ومن البدع) أيضاً طبخ الحبوب في يوم عاشوراء زاعمين أن لذلك مزية في هذا اليوم وأن له أجراً عزيماً لمن يفعله ويطعم الفقراء والمساكين. وهذا أمر يحتاج إلى توقيف من المشرع ﷺ ولم يثبت فهو بدعة وضلالة (ومنها) الشحذ على الأطفال في هذا اليوم باسم زكاة العشر رجاء أن يعيشوا وبعض أرباب الأموال يزعم ان ذلك يكفي عن زكاة ماله وهو وهم وجهل (ومنها) طواف البنات في شوارع مصر بأطباق الحلوى منادين بقولهن (ياسي على لوز) فهذا ضلال وعار وشنار تأباه المروءة والغيرة فإنهن

стр. 3098

يخرجن متبرجات متهتكات خليعات كالعاهرات يداعبهن الكهول والشبان وفي هذا من الفتنة والفساد ما تئن له الفضيلة. (وما قيل) من أنه يطلب في هذا اليوم بعد الاغتسال زيارة العالم وعيادة المريض ومسح رأس اليتيم وتقليم الأظفار وقراءة سورة الإخلاص ألف مرة وصلة الرحم (ليس له أصل) يدل على زيادة فضل لهذه الأمور في خصوص هذا اليوم بل هذه الخصال كلها مطلوبة شرعاً في أي وقت كان. أما تخصيصها بهذا اليوم فهو بدعة (قال) ابن الحاج: يوم عاشوراء موسم شرعي والتوسعة فيه على الأهل واليتامى والمساكين والصدقة مندوب إليها بلا تكلف وأن لا يصير ذلك سنة يسنن بها لابد من فعلها. فإن وصل إلى هذا الحد كره سيما إذا كان الفاعل ممن يقتدي به ولم يكن السلف يعتادون فيه طعاماً مخصوصاً بل كان بعضهم يترك التوسعة فيه قصداً للتنبيه على أنها غير واجبة. أما ما يفهمه الناس اليوم من أن عاشوراء يختص بذبح الدجاج وغيره وطبخ الحبوب وغيرها، فلم يكن السلف يفعلون ذلك في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير لا بالتوسعة في المأكول (ومن) البدع المحدثة فيه تخصصه بزيارة القبور للرجال والنساء (ومنها) استعمال الحناء للنساء في هذا اليوم بزعم أنه من حق عاشوراء وتمامه فيه (١) (ومن) المختلق ما قيل إن آدم تاب الله عليه يوم عاشوراء، وإبراهيم نجاه من النار، وأيوب عافاه الله يومه، ويونس أخرجه الله من بطن الحوت يومه، ويعقوب اجتمع بيوسف يومه عليهم الصلاة والسلام. ... (١٢) صوم يوم الاثنين والخميس: يستحب صومهما (لقول) عائشة ﵂: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يتحرى صيام الاثنين والخميس" أخرجه احمد

стр. 3099

والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه والترمذي وقال: حسن صحيح (١) ﴿١٢٨﴾ (وعن) أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ كان أكثر ما يصوم الاثنين والخميس فقيل له، فقال: إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس فيغفر الله لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول: أخرهما" أخرجه أحمد وابن ماجه بسند صحيح (٢) ﴿١٢٩﴾ ... (١٣) صوم ثلاثة أيام من كل شهر: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر فإنه كصيام السنة (لحديث) أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كله" أخرجه احمد وابن حبان وابن خزيمة، وكذا النسائي وابن ماجه والترمذي وزادوا: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه:

стр. 3100

"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" اليوم بعشرة، وحسنه الترمذي (١) ﴿١٣٠﴾ (وعن) قرة بن إياس ان النبي ﷺ قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره" أخرجه احمد والبزار والطبراني في الكبير بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿١٣١﴾ ... (وقال) أبو هريرة ﵁: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام" أخرجه البخاري والنسائي والبيهقي والترمذي (٣) ﴿١٣٢﴾ ... (دلت) هذه الأحاديث على استحباب صيام ثلاثة أيام غير معينة من كل شهر. ويؤيده حديث معاذة عن عائشة أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. قالت: فقلت من أيه كان يصوم؟ فقالت: لم يكن يبالي من أيه كان يصوم" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح (٤) ﴿١٣٣﴾

стр. 3101

(١٤) صوم أيام البيض: هي أيام الليالي المقمرة طول الليل (وقد) جاءت مفسرة في حديث قتادة بن ملحان قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وقال: هي كصوم الدهر" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي (١) ﴿١٣٤﴾ (وقال) أبو ذر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" أخرجه النسائي وصححه ابن حبان (٢) ﴿١٣٥﴾ ... والأحاديث في هذا كثيرة وهي تدل على استحباب صوم أيام البيض وأنها الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر. وبه قال الحنفيون وأحمد وجمهور الشافعية وابن حبيب المالكي (وقالت) المالكية: يستحب صوم ثلاثة أيام من كل شهر ويكره تخصيصها بالبيض، وأحاديث الباب حجة عليهم (قال) ابن رشد: إنما كره مالك تحرى صومها مع ما جاء فيها من الأثر مخافة أن يظن الجاهل وجوبها (٣)، وقد روي أن مالكاً ﵀ كان يصومها وحض الرشيد على صيامها. ... (١٥) صيام ثلاثة أيام متفرقة: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر موزعة بين الاثنين والخميس وأحدهما مكرر، أو يصوم من كل عشرة أيام يوماً (لقول) حفصة:

стр. 3102

"كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى" اخرجه احمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (١). ﴿١٣٦﴾ (وقال) ابن عمر ﵄: "كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الخميس من أول الشهر والاثنين الذي يليه والاثنين الذي يليه" أخرجه احمد بسند جيد. وكذا النسائي بلفظ: أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين من أول الشهر والخميس الذي يليه ثم الخميس الذي يليه (٢) ﴿١٣٧﴾ (وقالت) أم سلمة: "كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس والخميس" أخرجه أبو داود والبيهقي. وكذا النسائي بلفظ: كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس والاثنين والاثنين (٣) ﴿١٣٨﴾ ... هذه الرواية فيها انه ﷺ أمر بتكرير يوم الاثنين، والتي قبلها فيها أنه أمر بتكرير الخميس. وقد سبق بفعله ﷺ أنه كرر كلاً منهما. فدل المجموع على المطلوب إيقاع صيام الثلاثة في هذين اليومين إما بتكرار الخميس وإما بتكرار يوم الاثنين.

стр. 3103

(وعن) أبي الدرداء أنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام اليوم الأول ويوم العاشر ويوم العشرين ويقول: هو صيام الدهر كل حسنة بعشر أمثالها. ... (١٦) صيام ثلاثة أيام معينة: يستحب صيام ثلاثة أيام معينة من كل شهر من أوله، أو السبت والأحد والاثنين من أول الشهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من أول الشهر الذي بعده، أو الاثنين من أوله ثم الخميس والجمعة، أو ثلاثة من آخره (لحديث) ابن مسعود ﵁: "أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل هلال وقاما يفطر يوم الجمعة" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال: حسن غريب (١) ﴿١٣٩﴾ ... (وعن) سفيان عن منصور عن خيثمة عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس" أخرجه الترمذي وحسنه، وقال: وروي عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه (٢) ﴿١٤٠﴾ قال الحافظ في الفتح وهو أشبه (٣): وإنما فعل هذا النبي ﷺ مراعاة للعدالة بين الأيام، وقد ذكر الجمعة في الحديث السابق، وإنما لم يصم النبي ﷺ الستة متوالية كي لا يشق على الأمة الاقتداء به رحمة لهم وشفقة عليهم. ... قال الروباني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب (وقال) غير واحد من العلماء: إن استحباب صيام البيض

стр. 3104

غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر (١) وهذا هو الأولى. وحمل المطلق من الأحاديث على المقيد منها لا حاجة إليه فإن الباب باب تطوع وهو واسع. ... (١٧) صوم داود ﵇: وهو صوم يوم وإفطار يوم وهو احب الصوم وأفضله؛ لأنه أشق على النفس، فإنه لا يعتاد الصيام ولا الفطر، وفاعله يمكنه أن يؤدي حق نفسه وأهله وزائره أيام فطره بخلاف من يتابع الصوم فإنه لا يمكنه القيام بهذه الحقوق. ... (قال) عبد الله بن عمرو: قال لي رسول الله ﷺ : "أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، واحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه" أخرجه الدارمي والبيهقي والسبعة إلا الترمذي، وهذا لفظ البخاري (٢) ﴿١٤١﴾ (وعن) ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "أفضل الصيام صيام داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" أخرجه البخاري والنسائي وهذا لفظه (٣) ﴿١٤٢﴾ ... (والأحاديث) في هذا كثيرة وهي صريحة في أنه ليس في صيام التطوع أفضل من صيام يوم وفطر يوم، فهو أفضل من صيام يومين وإفطار يوم ومن صيام الدهر سوى الأيام المنهي عن صيامها.

стр. 3105

(١٨) صوم رجب: لم يثبت من طريق صحيح في صوم رجب نهي ولا ندب إلا: (أ) ما ورد في الترغيب في صوم الأشهر الحرم وهو منها. (ب) وما ورد في صوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وصوم أيام البيض وصوم داود، وتقدم كل هذا. (ج) وما ورد في مطلق التطوع (كحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك سبعين خريفاً" أخرجه احمد والنسائي وابن ماجه (١) ﴿١٤٣﴾ والمراد من سبيل الله الجهاد. وقيل: طاعة الله تعالى. والمراد من صام قاصداً وجه الله، والأول أقرب ولا يعارض ذلك أن الفطر في الجهاد أولى لأن الصيام يضعفه عن اللقاء لأن أفضل الصوم حينئذ محمول على من لم يخش ضعفاً، ولاسيما من اعتاده فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد، فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين (وقال) عثمان بن حكيم: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب كيف أترى؟ قال: حدثني ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (٢) ﴿١٤٤﴾

стр. 3106

والمعنى أن النبي ﷺ كان إذا صام التطوع تابع الصيام حتى تظن أنه لا يفطر، وإذا أفطر تابع الإفطار حتى نظن أنه لا يصوم. وهذه كانت حالته ﷺ في رجب وغيره، لكن الحديث يؤخذ منه أن هذه الحالة برجب فيفيد فضل الإكثار من الصوم فيه، والأولى إبقاء الحديث على عمومه وأن رجباً كغيره من الشهور. ويؤيده (حديث) سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "ما صام النبي ﷺ شهراً كاملاً قط غير رمضان ويصوم حتى يقول القائل لا والله لا يفطر ويفطر حتى يقول القائل لا والله لا يصوم" أخرجه البخاري (١) ﴿١٤٥﴾ فالظاهر أن مراد سعيد بن جبير بهذا الاستدلال انه لا نهي عنه ولا ندب فيه لعينه بل له حكم باقي الشهور ولم يثب في صوم رجب نهي ولا ندب لعينه ولكن أصل الصوم مندوب إليه (٢). "وأما حديث" ابن عباس: "أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم نهى عن صوم رجب" أخرجه ابن ماجه (٣) ﴿١٤٦﴾ "فضعيف" لأن فيه داود بن عطاء متفق على ضعفه وزيد بن عبد الحميد متكلم فيه، وعلى تقدير صحته فهو محمول على صوم رجب كله وإفراده بالصوم. ولذا قال أحمد: يكره صوم جميعه منفرداً، فإن صام السنة كلها ما عدا يومي العيد وأيام التشريق فلا بأس بصيام جميعه (وقد) ورد في صيام رجب والعبادة فيه أحاديث منها الباطل ومنها الضعيف ذكر بعضها- للتنبيه وعدم الاغترار بها- في المنهل العذب المورود (٤) (ولذا) حكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: لم يرد في استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروي فيه

стр. 3107

(قال) حرشة بن الحر: رأيت عمر بن الخطاب يضرب أكف الرجال في صوم رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: رجب وما رجب؟ إنما رجب يعظمه أهل الجاهلية فلما جاء الإسلام ترك. أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه الحسن بن جبلة. قال الهيثمي: لم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات (١). (وقال) ابن حجر في تبيين العجب بما ورد في فصل رجب: لم يرد في فضله ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة منه حديث صحيح يصلح للحجة (وقال) أبو شامة: وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر ﵄. وكان عمر يضرب بالدرة صوامه، ثم قال: وعن أبي بكر ﵁ أنه دخل على أهله وقد أعدوا لرجب، فقال: ما هذا؟ فقالوا: لرجب نصومه، فقال: أجعلتم رجباً كرمضان قال الطرطوشي: يكره صيام رجب لأنه إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام حسب العوام- ومن لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه- أنه فرض كرمضان أو أنه سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ صيامه- أنه فرض كرمضان أو انه سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ كالسنن الراتبة أو أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور جار مجرى صوم عاشوراء، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض ولو كان من باب الفضائل لسنة النبي ﷺ أو فعله مرة في العمر كما فعل في يوم عاشوراء ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصاً بالفضيلة وليس هو فرضاً ولا سنة باتفاق فلم يبق لتخصيصه للصيام وجه، فكره صومه والدوام عليه حذراً من أن يلتحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام، فإن احب امرؤ أن يصومه على وجه تؤمن فيه الذريعة وانتشار الأمر حتى لا يعد فرضاً أو سنة فلا بأس بذلك (٢)

стр. 3108

(١٩) بدع رجب: قد أحدث الناس في هذا الشهر الحرام أموراً شنيعة وبدعاً ذميمة (منها) زيارة النساء المقابر في الجمعة الأولى منه وغيرها مما يعد عنهم موسماً، وهي من البدع المقبوحة والعادة المستنكرة وأي بدعة أكبر قبحاً وأعظم وزراً من بدعة جمعت مفاسد عديدة وشروراً كثيرة من انتهاك الحرمات وابتذال الأعراض وإضاعة الأموال وإيذاء الموتى وتهتك النساء واختلاطهن بالرجال مع فساد الأخلاق وانتشار الفساد وإحياء عادة الجاهلية من الندب والنياحة وشق الجيوب ولطم الخدود وصبع الوجوه والأيدي بالسواد ولا يخشين الوعيد، فيما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية" أخرجه السبعة إلا أبا داود، وقال الترمذي: حسن صحيح (١) ﴿١٤٧﴾ يحل الموسم بزعمهم- رجب أو غيره- فتصير النساء لا هم لهن إلا ما يعدونه للخروج إلى المقابر من ألوان الطعام وأنواع الفواكه وطاقات الأزهار. فالغني ينفق ذو سعة، والفقير يضيع ما تحتاج إليه عياله وقد يقترض لذلك بفوائد أو يرهن متاع بيته عند المرابين، ويكثر النزاع بين المرء وزوجه وقد يؤدي إلى الفراق أو دوام الخصام والشقاق، وإذا خرجن إلى المقابر رفعت الساء أصواتهن بالبكاء، وأظهرن الحزن والجزع، وتكلمن بكلمات كفرية فيها السخط على القدر والاعتراض على الله تعالى في حكمه وقضائه، وبعد قليل توضع الموائد فوق المقابر وعلى رؤوس الموتى، ومنها يأكلون كما تأكل الأنعام ناسين الموت وسكراته، وغافلين عن الموتى وما هم فيه من ظلمة ووحشة، فإذا أكلوا انتشروا في الصحراء يتزاورون كأنهم في منازل الأحياء لا في مقابر الأموات وأماكن الخشية والاعتبار. ذلك هو الضلال البعيد، كيف لا وهذا لا يرضى الرب ولا به ترحم الموتى، بل الأمر بالعكس،

стр. 3109

ولم يأت في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ أن أول جمعة من رجب أو أي موسم جعل لزيارة القبور، ولم يثبت أن أحداً من الصحابة أو أئمة السلف كان يخرج هو ونساؤه في هذه المواسم لزيارة الموتى. وكذا حمل الأطعمة إلى المقابر لم يعرف عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من السلف الصالح، بل هو مناف للعبرة والاتعاظ مبطل لثواب الصدقة لما فيه من الرياء، ولو تصدقوا في البيوت سراً على المحتاجين لكان أرجى للقبول، وأقرب إلى الوصول ولكفوا حملها وحمل أوزارها (وقال) ابن عباس: " لعن النبي ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " أخرجه احمد والأربعة وحسنه الترمذي (١). ﴿١٤٨﴾ أي دعا رسول الله ﷺ على من ذكر بالطرد عن رحمة الله تعالى، أما الزائرات فلما يكون منهن حال الزيارة من التبرج والجزع ولطم الخدود والندب والنياحة والتسخط وعدم الرضا بالقضاء والقدر. وأما المتخذون عليها المساجد فلما يكون منهم من تعظيم القبور والتشبه بعباد الأوثان. وأما المتخذون عليها السرج فلما فيه من تضييع المال بلا منفعة والمبالغة في تعظيم القبور. ... (ومن بدع رجب) صلوات غير مشروعة في أول ليلة من رجب وليلة الجمعة الأولى منه (صلاة الرغائب) وليلة النصف منه. وتقدم- في بحث الصلوات غير المشروعة- بيانها وأن ما ورد منها موضوع (٢) (ومنها) ما قيل عن ابن عباس: من صلى ليلة سبع وعشرين من رجب اثنتى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة منها فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغ من صلاته قرأ فاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس ثم قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أربع مرات ثم أصبح

стр. 3110

صائماً حط الله عنه ذنوب ستين سنة وهي الليلة التي بعث فيها محمد ﷺ . ... (قال) العجلوني: وكذلك صلاة عاشوراء وصلاة الرغائب موضوع بالاتفاق وكذلك صلاة ليالي رجب وليلة السابع والعشرين منه (١) (ومن الموضوع) ما قيل عن أبي هريرة ﵁: من صام السابع والعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهراً. قال أبو الخطاب: وهذا حديث لا يصح (٢). (ومن الموضوع) ما روي حصين بن مخارق بسنده إلى الحسين ﵁ مرفوعاً: من أحيا ليلة من رجب وصام يوماً أطعمه الله من ثمار الجنة وكساه من حلل الجنة وسقاه من الرحيق المختوم إلا من فعل ثلاثاً: من قتل نفساً، أو سمع مستغيثاً بليل أو نهار فلم يغثه، أو شكاً إليه أخوه حاجة فلم يفرج عنه. (قال) السيوطي: موضوع آفته حصين (٣) (ومن البدع) الاجتماع في المساجد وزيادة الغور فيها وعلى المآذن واختلاط الرجال والنساء احتفالاً بالإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب مع القراءة والذكر بالتحريف والتلحين في أسماء الله تعالى وغير ذلك من المنكرات والمفاسد على ما تقدم بيانه في بحث المواسم غير المشروعة (٤). ... (٢٠) صوم شعبان (٥): يستحب صومه كله أو جله (لحديث) أم سلمة ﵂ أن النبي

стр. 3111

صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم من السنة شهراً تاماً إلا شعبان يصله برمضان" أخرجه أبو داود والنسائي (١) ﴿١٤٩﴾ أي لم يكن يصوم تطوعاً شهراً كاملاً إلا شعبان فكان يصومه في بعض الأحيان. (وقالت) عائشة ﵂: "كان أحب الشهور إلى النبي ﷺ أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢) ﴿١٥٠﴾ ... أي كان صوم شعبان أحب إلى النبي ﷺ من صوم غيره من بقية الشهور التي كان يتطوع فيها بالصيام، وكان يصل صيامه بصيام رمضان. ويحتمل أن المعنى: أنه كان يصوم في آخر شعبان حتى يقرب أن يصله برمضان. ... (وقالت) عائشة ﵂: "ما كان رسول الله ﷺ يصوم من شهر من السنة أكثر من صيامه في شعبان، كان يصومه كله" أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿١٥١﴾

стр. 3112

والمعنى: أن النبي ﷺ كان يصوم في شعبان وفي غيره من الشهور سوى رمضان، وكان صيامه في شعبان أكثر من صيامه فيما سواه. ويجمع بين هذه الأحاديث بأنه ﷺ كان يصوم شعبان كله تارة ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كرمضان (وقيل) المراد بقولها: كله-أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى ومن أثنائه طوراً، فلا يخلي شيئاً منه من صيام ولا يخص بعضه بصيام دون بعض (١). ... (وحكمه) إكثاره ﷺ من صوم شعبان ما دل عليه حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة وصححه (٢) وابن ماجه وابن حبان (٣) ﴿١٥٣﴾ (٢١) نصف شعبان: صوم يوم نصف شعبان لعينه لم يرد به نص ثابت ولا أصل يعتمد بل يكره تخصيصه بالصوم (وأما) حديث ابن أبي سبرة عن إبراهيم بن محمد عن معاوية ابن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن علي ابن أبي طالب ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا كانت ليلة النصف من شعبان

стр. 3113

فقوموا ليلها وصوموا نهارها" (الحديث) أخرجه ابن ماجه وابن حبان. ﴿١٥٣﴾ فهو ضعيف جداً قال الإمام البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف بن أبي سبرة واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد قال فيه أحمد بن حنبل وابن معين: يضع الحديث (١) وقال النسائي متروك وقال الذهبي في الميزان: ضعفه البخاري وغيره وإبراهيم بن محمد ضعفه الجمهور (وما نسب) إلى علي ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ ليلة النصف من شعبان قام فصلى أربع عشرة ركعة ثم قال: فإن أصبح في ذلك اليوم صائماً كان له كصيام ستين سنة ماضية وصيام ستين سنة مستقبلة (قال) ابن الجوزي: موضوع وإسناده مظلم (٢) (وكذا) يكره اتخاذه موسماً تصنع فيه الأطعمة والحلوى وتظهر فيه الزينة وتقدم أنه من المواسم المحدثة المبتدعة التي لا أصل لها: وما قيل من قسم الأرزاق فيها لم يثبت (وقد) ابتدع فيها صلاة تسمى صلاة الرغائب وصلاة البراءة (قال) أبو الخطاب ابن دحية: أحاديث صلاة البراءة موضوعة. ومن عمل بخبر صح أنه كذب فهو من خدم الشيطان. وتقدم الكلام وافياً في ذلك وفيما أحدث ليلة نصف شعبان في بدع المساجد (٣) وفي الصلوات غير المشروعة (٤) وأن المراد من ليلة مباركة في قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة مباركةٍ إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم" عند الجمهور هي ليلة القدر لا ليلة نصف شعبان. (ومن) البدع التي جرت إلى جملة من المحرمات وشاعت في غالب المساجد التي لم يقف ذو الشأن فيها عند الحدود الشرعية، اجتماع كثير من

стр. 3114

الناس صغاراً وكباراً ذكوراً ونساء داخل المسجد بعد صلاة المغرب من ليلة النصف من شعبان ويقرأ عليهم إمام المسجد أو من يقوم مقامه الدعاء المعروف الذي لم يثبت عن أحد ممن يقتدي بهم (ومما يؤلم) القلب ويحزن الفؤاد أن الأئمة العلماء الرسميين يلقنون هذا الدعاء للعوام فيرددونه وراءهم بأصوات مرتفعة وقد ضاق المسجد بمن فيه، لأن العوام لا يتخلف منهم أحد في هذه الليلة إلا النادر، لاعتقادهم أن قراءة هذا الدعاء سبب في طول العمر وتوسيع الرزق والغني عن الناس مع ما فيه من مخالفة كتاب الله تعالى وسنة الرسول ﷺ كما تقدم والتخليط في قراءة سورة يس بعد الدعاء والتهويش الذي يعم القريب والبعيد ولاسيما من كان يتعبد داخل المسجد ومن المعلوم أن التشويش ولو على نائم خارج المسجد حرام بإجماع المسلمين فما الظن بوقوعه في مساجد الله تعالى والتشويش به على المتعبدين بدعاء ما أنزل الله به من سلطان فإنا لله وإنا إليه راجعون ومن المعلوم أن الدعاء في حد ذاته مشروع لكن بشرط أن يكون جارياً على الحدود الشرعية غير متعديها والله لا يحب المعتدين نسأله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما يرضيه (١). (٢٢) صوم الشتاء: الشتاء ليلة طويل ونهاره قصير. وهذه فرصة على العاقل اغتنامها لقيام الليل وصيام النهار. فلطول الليل يمكن أن تأخذ النفس حظها من النوم ثم يقوم للتهجد والأوراد بنشاط فيجتمع له فيه نومه وراحة بدنه وإدراك وظائف العبادات. ولقصر نهاره يتسنى له صيامه، لأنه لا حر فيه ولا عطش ولا تعب ولا ملل (روي) أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: الشتاء ربيع المؤمن، أخرجه احمد وأبو يعلي بسند حسن (٢) ﴿١٥٤﴾

стр. 3115

(وعن) عامر بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة، أخرجه احمد والبيهقي والترمذي وقال حديث مرسل: عامر بن مسعود لم يدرك النبي ﷺ (١) ﴿١٥٥﴾ لكن قال أحمد: أرى له صحبة. وعده ابن حبان وابن منده وابن عبد البر من الصحابة. ... (وعن) ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "مرحباً بالشتاء فيه تنزل الرحمة أما ليله فطويل للقائم وأما نهاره فقصير للصائم، أخرجه الديلمي (٢) ﴿١٥٦﴾ ... (٢٣) صوم الأعزب: الأعزب من لا زوج له فإذا لم يقدر على نفقات النكاح فليكثر من الصوم فإنه يكسر الشهوة، لحديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شباباً ليس لنا شيء فقال: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" أخرجه الشيخان (٣) ﴿١٥٧﴾ ولا يقال إن الصوم يزيد في تهيج الحرارة، وهذا يثير الشهوة لأنا نقول: إنما يكون ذلك في مبدأ الأمر فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك والله ولي التوفيق. ... (٢٤) فطر الصائم المتطوع: يجوز للصائم المتطوع الفطر ولو بلا عذر (لحديث) عائشة ﵂

стр. 3116

أن النبي ﷺ كان يأتيها وهو صائم فقال: "أصبح عندكم شيء تطعمينيه؟ فنقول لا فيقول: إني صائم. ثم جاءها بعد ذلك فقالت: أهديت لنا هدية فقال ما هي؟ قالت حيس قال: قد أصبحت صائماً فأكل" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي والنسائي وهذا لفظه (١) ﴿١٥٨﴾ ... قال الترمذي: والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يجب أن يقضيه. وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحق والشافعي (٢) (وعن) أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوم الفتح فأتى بشراب فشرب ثم ناولني فقلت إني صائمة فقال رسول الله ﷺ : إن المتطوع أمير على نفسه فإن شئت فصومي وإن شئت فأفطري" أخرجه الدارقطني والبيهقي وأحمد وهذا لفظه والحاكم بلفظ: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر: وقال صحيح الإسناد. وتلك الأخبار المعارضة لهذا لم يصح منها شيء (٣) ﴿١٥٩﴾ (قال) ابن مسعود: إذا أصبحت وأنت تنوي الصيام فأنت بأحد النظرين: إن شئت صمت وإن شئت أفطرت. أخرجه البيهقي (٤) (وقالت) عائشة: دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: أعندك شيء؟ قلت: لا. قال إذن أصوم. ودخل علي يوماً آخر

стр. 3117

فقال أعندك شيء؟ قلت نعم. قال: إذن أفطر وإن كنت فرضت الصوم" أخرجه البيهقي والدارقطني وقالا: هذا إسناد صحيح (١) ﴿١٦٠﴾ ... (ولهذه) الأحاديث قال الثوري والشافعي وأحمد ومحققو الحنفيين: من دخل في صوم التطوع يستحب له إتمامه. وإذا أفطر ولو بلا عذر فلا إثم عليه لكن يكره له الفطر بلا عذر، لعموم قوله تعالى "ولا تبطلوا أعمالكم (٢) " وخروجاً من خلاف من أوجب الإتمام. وإذا أفطر بعذر فلا كراهة. وعلى كل فلا يجب القضاء بل يستحب. ... (وقال) مالك والحسن البصري: لا يجوز للمتطوع الإفطار. وإذا أفطر بلا عذر لزمه القضاء. وهو ظاهر الرواية عن النعمان لقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل (٣) " وهو يعم الفرض والنفل. ... (وإن) أفطر المتطوع لعذر كأن أمره أحد والديه أو شيخه بالفطر شفقة عليه وكطرو الحيض على المتطوعة، فلا إثم ولا قضاء عليه عند مالك والشافعي وأحمد ومحققي الحنفيين. وظاهر الرواية عندهم: لزوم القضاء (لقول) أبي سعيد الخدري ﵁: "صنعت للنبي ﷺ طعاماً فأتاني هو وأصحابه. فلما وضع قال رجل: أنا صائم. فقال له ﷺ : دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم يوماً مكانه" أخرجه أبو داود الطيالسي والدارقطني والبيهقي وفيه: وصم يوماً مكانه إن شئت (٤) ﴿١٦١﴾

стр. 3118

(وقال) أبو هريرة: أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فأكلتا منها فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: "اقضيا يوما مكانه ولا تعودا" أخرجه الطبراني في الأوسط. وفيه محمد بن أبي سلمة المكي وقد ضعف بهذا الحديث (١) ﴿١٦٢﴾ ... (وأجاب) الأولون بأن الأمر بالقضاء في هذه الأحاديث للاستحباب لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد عند البيهقي: وصم يوماً مكانه إن شئت (وعن) أم هانئ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شرب شراباً فناولها لتشرب. فقالت: إني صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك فقال: إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوماً مكانه وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي" أخرجه أحمد والبيهقي. وفيه سماك بن حرب متكلم فيه. وهارون ابن بنت أم هانئ لا يعرف (٢) ﴿١٦٣﴾ ... (ولذا) اختار الكمال بن الهمام وتاج الشريعة وغيرهما من الحنفيين أنه يباح الفطر للمتطوع ولو بلا عذر، لتضافر الأدلة الصحيحة عليه وأن المختار استحباب القضاء. ... (هذا) وسائر النوافل من العبادات حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا أبطلها عند الجمهور إلا الحج والعمرة فإنهما يخالفان سائر العبادات في هذا لتأكيد إحرامهما ولا يخرج منهما بإفسادهما (وعن) أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع. أما من شرع في فرض كقضاء رمضان أو نذر معين أو مطلق أو صيام كفارة فلا يجوز له الخروج

стр. 3119

منه، لأن المتعين وجب عليه الدخول فيه وغير المتعين تعين بدخوله فيه فصار بمنزلة الفض المتعين وهذا مجمع عليه والحمد لله (١). (٥) آداب الصيام الصوم ثلاث مراتب (الأولى) صوم العوام. ويحصل بالكف عن المفطرات بقطع النظر عن البعد عن المحرمات القولية والفعلية (روي) أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رب صائم ليس له من صيامه لا الجوع" (الحديث) أخرجه ابن ماجه والنسائي بسند ضعيف وإن صححه السيوطي (٢) ﴿١٦٤﴾ ... أي ليس لصومه قبل عند الله تعالى ولا ثواب له فيه، لارتكابه المحرم بالفطر على حرام وعدم حفظ جوارحه من الأيام وإن سقط فرض الصوم بكفه عن المفطرات. ... (الثانية) صوم الخواص ويحصل (أ) بصيانة الجوارح السبع- وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل- عن استرسالها في المخالفات (ب) وسكونها عن الحركات الرديئة ومنعها عن انتهاك المحارم المردية واستعمالها في شيء من الآثام المبعدة عن دار السلام. وهذا هو سر الصوم المشار إليه بقول الله تعالى: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (٣) "

стр. 3120

ولذا قال الشاعر: إذا ما المرء صام عن الخطايا ... فكل شهوره شهر الصيام فعلى الصائم مراعاة هذه الجوارح وكفها عن استرسالها فيما منعت منه فإن قصر في حفظها ربما أداه إلى دخول جهنم من سبعة أبوابها فإنه لا يستحق أحد جهنم إلا بعصيانه بجارحة من هذه الجوارح فمن رعاها في صيامه أمنه الله من انتقامه يوم ينظر المرء ما قدمت يداه. (روي) أبو هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث" (الحديث) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم (١) ﴿١٦٥﴾ وقد تقدم تمام الكلام في هذا في بحث كف الصائم جوارحه عما لا يرضى ربه (٢). (الثالثة) صوم خواص الخواص. وهو صوم القلب عن الاهتمام بشيء لا يرضى الله وصيانته عن الالتفات إلى الأغيار وإهمال الفكر في الدنيا وأسبابها وزينتها وشهواتها وشغل النفس بذكر الله تعالى وطاعته في جميع الحالات، وليس من الدنيا الاشتغال بتحصيل الكفاف الذي يسد الجوعة ويستر العورة وعلى كل فيستحب للصائم أمور المذكور منها أحد عشر. ... (١) يستحب تعجيل الفطر إذا دخل وقته بتحقق الغروب (لحديث) عاصم ابن عمر بن الخطاب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا جاء الليل من هاهنا وذهب النهار من هاهنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" أخرجه الدارمي والسبعة إلا النسائي وقال الترمذي حسن صحيح (٣) ﴿١٦٦﴾
следующие страницы →