أن النبي ﷺ كان يأتيها وهو صائم فقال: "أصبح عندكم شيء تطعمينيه؟ فنقول لا فيقول: إني صائم. ثم جاءها بعد ذلك فقالت: أهديت لنا هدية فقال ما هي؟ قالت حيس قال: قد أصبحت صائماً فأكل" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والبيهقي والنسائي وهذا لفظه (١) ﴿١٥٨﴾
... قال الترمذي: والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن الصائم المتطوع إذا أفطر فلا قضاء عليه إلا أن يجب أن يقضيه. وهو قول سفيان الثوري وأحمد وإسحق والشافعي (٢) (وعن) أم هانئ أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوم الفتح فأتى بشراب فشرب ثم ناولني فقلت إني صائمة فقال رسول الله ﷺ : إن المتطوع أمير على نفسه فإن شئت فصومي وإن شئت فأفطري" أخرجه الدارقطني والبيهقي وأحمد وهذا لفظه والحاكم بلفظ: الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر: وقال صحيح الإسناد. وتلك الأخبار المعارضة لهذا لم يصح منها شيء (٣) ﴿١٥٩﴾
(قال) ابن مسعود: إذا أصبحت وأنت تنوي الصيام فأنت بأحد النظرين: إن شئت صمت وإن شئت أفطرت. أخرجه البيهقي (٤) (وقالت) عائشة: دخل على رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: أعندك شيء؟ قلت: لا. قال إذن أصوم. ودخل علي يوماً آخر
стр. 3117
فقال أعندك شيء؟ قلت نعم. قال: إذن أفطر وإن كنت فرضت الصوم" أخرجه البيهقي والدارقطني وقالا: هذا إسناد صحيح (١) ﴿١٦٠﴾
... (ولهذه) الأحاديث قال الثوري والشافعي وأحمد ومحققو الحنفيين: من دخل في صوم التطوع يستحب له إتمامه. وإذا أفطر ولو بلا عذر فلا إثم عليه لكن يكره له الفطر بلا عذر، لعموم قوله تعالى "ولا تبطلوا أعمالكم (٢) " وخروجاً من خلاف من أوجب الإتمام. وإذا أفطر بعذر فلا كراهة. وعلى كل فلا يجب القضاء بل يستحب.
... (وقال) مالك والحسن البصري: لا يجوز للمتطوع الإفطار. وإذا أفطر بلا عذر لزمه القضاء. وهو ظاهر الرواية عن النعمان لقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل (٣) " وهو يعم الفرض والنفل.
... (وإن) أفطر المتطوع لعذر كأن أمره أحد والديه أو شيخه بالفطر شفقة عليه وكطرو الحيض على المتطوعة، فلا إثم ولا قضاء عليه عند مالك والشافعي وأحمد ومحققي الحنفيين. وظاهر الرواية عندهم: لزوم القضاء (لقول) أبي سعيد الخدري ﵁: "صنعت للنبي ﷺ طعاماً فأتاني هو وأصحابه. فلما وضع قال رجل: أنا صائم. فقال له ﷺ : دعاك أخوك وتكلف لك أفطر وصم يوماً مكانه" أخرجه أبو داود الطيالسي والدارقطني والبيهقي وفيه: وصم يوماً مكانه إن شئت (٤) ﴿١٦١﴾
стр. 3118
(وقال) أبو هريرة: أهديت لعائشة وحفصة هدية وهما صائمتان فأكلتا منها فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: "اقضيا يوما مكانه ولا تعودا" أخرجه الطبراني في الأوسط. وفيه محمد بن أبي سلمة المكي وقد ضعف بهذا الحديث (١) ﴿١٦٢﴾
... (وأجاب) الأولون بأن الأمر بالقضاء في هذه الأحاديث للاستحباب لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد عند البيهقي: وصم يوماً مكانه إن شئت (وعن) أم هانئ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم شرب شراباً فناولها لتشرب. فقالت: إني صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك فقال: إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوماً مكانه وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي" أخرجه أحمد والبيهقي. وفيه سماك بن حرب متكلم فيه. وهارون ابن بنت أم هانئ لا يعرف (٢) ﴿١٦٣﴾
... (ولذا) اختار الكمال بن الهمام وتاج الشريعة وغيرهما من الحنفيين أنه يباح الفطر للمتطوع ولو بلا عذر، لتضافر الأدلة الصحيحة عليه وأن المختار استحباب القضاء.
... (هذا) وسائر النوافل من العبادات حكمها حكم الصيام في أنها لا تلزم بالشروع ولا يجب قضاؤها إذا أبطلها عند الجمهور إلا الحج والعمرة فإنهما يخالفان سائر العبادات في هذا لتأكيد إحرامهما ولا يخرج منهما بإفسادهما (وعن) أحمد في الصلاة ما يدل على أنها تلزم بالشروع. أما من شرع في فرض كقضاء رمضان أو نذر معين أو مطلق أو صيام كفارة فلا يجوز له الخروج
стр. 3119
منه، لأن المتعين وجب عليه الدخول فيه وغير المتعين تعين بدخوله فيه فصار بمنزلة الفض المتعين وهذا مجمع عليه والحمد لله (١).
(٥) آداب الصيام
الصوم ثلاث مراتب (الأولى) صوم العوام. ويحصل بالكف عن المفطرات بقطع النظر عن البعد عن المحرمات القولية والفعلية (روي) أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "رب صائم ليس له من صيامه لا الجوع" (الحديث) أخرجه ابن ماجه والنسائي بسند ضعيف وإن صححه السيوطي (٢) ﴿١٦٤﴾
... أي ليس لصومه قبل عند الله تعالى ولا ثواب له فيه، لارتكابه المحرم بالفطر على حرام وعدم حفظ جوارحه من الأيام وإن سقط فرض الصوم بكفه عن المفطرات.
... (الثانية) صوم الخواص ويحصل (أ) بصيانة الجوارح السبع- وهي العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل- عن استرسالها في المخالفات (ب) وسكونها عن الحركات الرديئة ومنعها عن انتهاك المحارم المردية واستعمالها في شيء من الآثام المبعدة عن دار السلام. وهذا هو سر الصوم المشار إليه بقول الله تعالى: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (٣) "
стр. 3120
ولذا قال الشاعر:
إذا ما المرء صام عن الخطايا ... فكل شهوره شهر الصيام
فعلى الصائم مراعاة هذه الجوارح وكفها عن استرسالها فيما منعت منه فإن قصر في حفظها ربما أداه إلى دخول جهنم من سبعة أبوابها فإنه لا يستحق أحد جهنم إلا بعصيانه بجارحة من هذه الجوارح فمن رعاها في صيامه أمنه الله من انتقامه يوم ينظر المرء ما قدمت يداه.
(روي) أبو هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث" (الحديث) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم (١) ﴿١٦٥﴾
وقد تقدم تمام الكلام في هذا في بحث كف الصائم جوارحه عما لا يرضى ربه (٢).
(الثالثة) صوم خواص الخواص. وهو صوم القلب عن الاهتمام بشيء لا يرضى الله وصيانته عن الالتفات إلى الأغيار وإهمال الفكر في الدنيا وأسبابها وزينتها وشهواتها وشغل النفس بذكر الله تعالى وطاعته في جميع الحالات، وليس من الدنيا الاشتغال بتحصيل الكفاف الذي يسد الجوعة ويستر العورة وعلى كل فيستحب للصائم أمور المذكور منها أحد عشر.
... (١) يستحب تعجيل الفطر إذا دخل وقته بتحقق الغروب (لحديث) عاصم ابن عمر بن الخطاب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا جاء الليل من هاهنا وذهب النهار من هاهنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم" أخرجه الدارمي والسبعة إلا النسائي وقال الترمذي حسن صحيح (٣) ﴿١٦٦﴾
стр. 3121
المعنى أنه متى تحقق الصائم الغروب فليفطر. فهو خير بمعنى الأمر. أو فقد دخل وقت إفطاره. ولا منافاة بينهما لأن دخول وقت الإفطار لا ينافي الأمر به على وجه الندب أو الإباحة (وعن) سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجه الشيخان وابن ماجه والدارمي والترمذي وقال: حسن صحيح (١) ﴿١٦٧﴾
وهو الذي اختاره أهل العلم: استحبوا تعجيل الفطر. وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق والمعنى: لا يزال أمر أمتي منتظماً وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة وإذا خالفوها كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه (وعن) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون" أخرجه أحمد وابن مجه والنسائي وأبو داود وهذا لفظه والحاكم وصححه (٢) ﴿١٦٨﴾
والمعنى: لا يزال الدين الإسلامي ظاهراً ما عجل الناس فطرهم في الصيام امتثالاً للسنة: فهم بخير ما حافظوا عليها. فهذه الأحاديث تدل على طلب تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب (والحكمة) فيه أنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة. قال الشافعي في الأم: تعجيل الفطر مستحب ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمد ذلك ورأى الفضل فيه (٣).
... (٢) ويستحب كون الفطر قبل صلاة المغرب، ليطمئن قلبه في الصلاة
стр. 3122
وينقطع عن الشواغل والتطلع للمفطر. وأن يكون على رطبات وتراً. فإن لم يحدث فتمرات وتراً فإن لم يجد حساً حسوات من ماء (لقول) أنس بن مالك ﵁: "كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قل أني صلي فإن لم تكن حساً حسوات من ماء" أخرجه أبو داود والحاكم والدارقطني وقال: إسناده صحيح والترمذي وقال: حسن غريب (١) ﴿١٦٩﴾
دل الحديث على استحباب فطر الصائم على واحد مما ذكر مرتباً. فإن بدأ بالماء مع وجود التمر أو بالتمر مع وجود الرطب، فاتته السنة (فما) قيل إن الترتيب لكمال السنة، لا لأصلها غير مسلم (وعن) أنس: "أن النبي ﷺ لم يكن يصلي المغرب حتى يفطروا ولو على شربة من ماء" أخرجه البيهقي والحاكم (٢) ﴿١٧٠﴾
... في الحديثين استحباب تعجيل الفطر قبل صلاة المغرب "وأما" ما روي حميد بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كان يصليان المغرب حين ينظران إلى الليل الأسود قبل أن يفطرا ثم يفطران بعد الصلاة. أخرجه مالك في الموطأ (٣).
... "فهو" لبيان جواز تأخير الفطر عن الصلاة، لئلا يظن وجوب التعجيل (وقال) الزرقاني: كانا يسرعان بصلاة المغرب، لأنه مشروع اتفاقاً وليس
стр. 3123
من تأخير الفطر المكروه، لأنه إنما يكره تأخيره إلى اشتباك النجوم على وجه المبادرة لكن روي ابن أبي شيبة وغيره عن أنس قال: ما رأيت النبي ﷺ يصلي حتى يفطر ولو على شربة من ماء (١).
... (وعن) سليمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: إذا كان أحدكم صائماً فليفطر على التمر، فإن لم يجد التمر فعلى الماء. فإن الماء طهور. أخرجه أحمد والدارمي والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري والأربعة إلا النسائي وقال الترمذي: حسن صحيح (٢) ﴿١٧١﴾
... الأمر فيه للندب. والتمر اسم جنس يصدق بالواحدة فيتحقق الطلب يأكل ثمرة. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يفطر على ثلاث تمرات وهو الأكمل.
(دلت) هذه الأحاديث على استحباب الفطر على رطب أو تمر إن وجد فإن لم يوجد فعلى الماء لا فرق في ذلك بين مكي وغيره (وقول) من قال السنة بمكة تقديم ماء زمزم على التمر أو خلطه به (مردود) بأنه خلاف الاتباع، وبأنه ﷺ صام عام بالفتح أياماً كثيرة ولم ينقل عنه أنه خالف عادته التي هي تقديم التمر على الماء. ولو كان لنقل.
... (هذا) والحكمة في طلب الإفطار على التمر ونحوه أنه حلو والحلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم (فمن خواص) التمر أنه إذا وصل المعدة إن كان خالية حصل به الغذاء وإلا ساعد على هضم ما بها من بقايا الطعام (وقول) الأطباء: إنه يضعف البصر (محمول) على كثيره المضر دون
стр. 3124
قليله فإنه يقويه. وإذا كانت العلة كونه حلواً والحلو له ذلك التأثير فيلحق به الحلويات كلها وهذا من كمال شفقة النبي ﷺ على أمته ونصحهم فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوي به لا سيما القوة الباصرة فإنها تقوى به (وأما) الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس فإن رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده (ولهذا) كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب (١).
(٣) كيف يفطر الصائم؟ - إذا لم يكن الطعام حاضراً تناول الصائم شيئاً مما تقدم ثم صلى المغرب وبعده يتناول حاجته من الطعام وإن كان الطعام حاضراً تناول شيئاً مما تقدم ثم أخذ حاجته من الطعام (لحديث) أنس أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" أخرجه الشيخان (٢) ﴿١٧٢﴾
... (وعن) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء" أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿١٧٣﴾
(حملت) الظاهرية الأمر على الوجوب. وحمله الجمهور على الندب.
стр. 3125
فتكره الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب به وذهاب كمال الخشوع. وهذا إذا صلى حينئذ وفي الوقت سعة فإذا ضاق بحيث لو أكل خرج وقت الصلاة، صلى على حاله محافظة على حرمة لوقت ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها (وقال) بعض الشافعية: لا يصلي بحاله بل يأكل وإن خرج الوقت، لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته. والصواب الأول (١) (ولظاهر) الحديثين قال أحمد وإسحاق: يقدم العشاء على الصلاة وإن لم يكن محتاجا إليه أو خفيفاً ولم يخش فساده لما فيه من شغل القلب وذهاب كمال الخشوع (وقال) الحنفيون والشافعي: إنما يبدأ بالعشاء إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه وإلا ترك الطعام وصلى (وعن) مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاماً خفيفاً (قال) حميد: كنا عند أنس رضي اله عنه فأذن بالمغرب فقال: أبدءوا بالعشاء. وكان عشاؤه خفيفاً. أخرجه الدارقطني (وقد) ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق وليس كذلك. وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل العبادة بقلب غير مشغول (ولا يعارض) هذا حديث جابر مرفوعاً "لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره" أخرجه أبو داود وفيه (أ) معلي بن منصور كذبه أحمد. (ب) ومحمد بن ميمون منكر الحديث لا يحل الاحتجاج به (٢) ﴿١٧٤﴾
... لأنه ضعيف كما ترى فلا يعارض الصحيح. وإن سلمنا صحته فمعناه: لا تؤخر الصلاة عن وقتها. وإذا كان الوقت باقياً يبدأ العشاء.
стр. 3126
(٤) ويستحب للصائم الدعاء عند فطره فإنه مجاب (روي) ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد"، وكان عبد الله ابن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. أخرجه ابن ماجه بسند صحيح (١) ﴿١٧٥﴾
... (وقال) ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال "دهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. والدارقطني وقال: تفرد به الحسين ابن واقد وإسناده حسن (٢) ﴿١٧٦﴾
ذكر المشيئة للتبرك أو للتعليق فإن ثبوت الأجر لغير النبي ﷺ مفوض لمشيئة الله تعالى فلا يدري قبل الله صومه أم رده؟ (وعن) معاذ ابن زهرة أنه بلغه أن النبي ﷺ كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت" أخرجه أبو داود والبيهقي وهو مرسل لأن معاذ بن زهرة ليس له صحبة (٣) ﴿١٧٧﴾
(وقال) ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ إذا
стр. 3127
أفطر قال: "اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" أخرجه الطبراني في الكبير والدارقطني وفيه عبد الملك بن هارون وهو ضعيف (١) ﴿١٧٨﴾
... (دلت) هذه الأحاديث على طلب دعاء الصائم بما ذكر فيها بعد الفطر شكراً لنعمة زوال المشقة عنه والحصول على الثواب العظيم والله تعال مجيب الدعاء.
... (٥) ويسن لمن أفطر عند غيره أن يدعو له بما في حديث مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير قال. أفطر رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عند سعد بن معاذ فقال: "أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة" أخرجه ابن ماجه - ومصعب ضعيف (٢) ﴿١٧٩﴾
... أي جعلكم الله أهلاً لذلك دائماً. فهو دعاء بالتوفيق حتى يفطر الصائمون عندهم أو بشارة بما حصل لهم من الخير.
(٦) السحور: هو - بفتح السين- ما يتسحر به من طعام وشراب. وبالضم الأكل في السحر بنية الصوم وهو خاص بهذه الأمة (لحديث) عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة وقال الترمذي حسن صحيح (٣) ﴿١٨٠﴾ الفصل بمعنى الفاصل وأكله- بفتح فسكون- أي الفارق بين صيام أمة محمد ﷺ وصيام الأمم السابقة هو السحور فإنه من خصائص هذه
стр. 3128
الأمة. أما الأمم السابقة فكان يحرم عليهم الطعام والشراب بالنوم كما كان لهذه الأمة في بدء الإسلام (وقد) جاء الأمر بالتسحر في حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "تسحروا فإن في السحور بركة أخرجه الستة إلا أبا داود. وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه أحمد والنسائي من عدة طرق عن أبي هريرة (١) ﴿١٨١﴾
... وفي الحديث الحث على السحور والأمر فيه للندب، فقد أجمع العلماء على استحبابه، وأما البركة التي فيه فلأنه بقوى على الصيام وينشط له وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على التسحر (وقيل) لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار. وربما توضأ صاحبه وصلى أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة أو التأهب لها حتى يطلع الفجر (٢).
(وعن) جابر بن عبد الله ﵁ عنهما أن النبي ﷺ قال: "من أراد أن يصوم فليتسحر بشيء" أخرجه أحمد وأبو يعلي والبزار والطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن محمد حديثه حسن وفيه كلام (٣) ﴿١٨٢﴾ والأحاديث في هذا كثيرة وفيما ذكرنا غناء وكفاية.
وقت السحور: يمتد وقت السحور إلى طلوع الفجر الصادق، وحينئذ يجب الإمساك عن
стр. 3129
كل مفطر وهو المراد بقوله تعالى: "وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر (١) " والفجر فجران:
... (١) الفجر الكاذب وهو الذي يبدو أولاً ساطعاً مستطيلاً من أعلى إلى أسفل.
... (٢) الفجر الصادق وهو الذي يبدو منتشراً في الأفق بعد الأول بزمن يسع السحور. وقد بينت السنة علامة كل منهما.
(روي) سمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير" أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة والدارقطني وقال: إسناده صحيح وحسنه الترمذي (٢) ﴿١٨٣﴾
... المعنى لا يمنعكم من السحور أذان بلال فإنه يؤذن بلبل ولا يمنعكم البياض الذي يظهر في السماء شرقاً مستطيلاً كذنب الذئب فإنه هو الفجر الكاذب. وكلوا واشربوا حتى يظهر الفجر الصادق وهو المنتشر ضوءه في الأفق معترضاً في جانب السماء من جهة الشرق.
(وعن) ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إن بلالاً يؤذن بليل لينبه نائمكم ويرجع قائمكم وليس الفجر أن يقول هكذا وأشار بكفه ولكن الفجر أن يقول هكذا وأشار بالسبابتين" أخرجه السبعة إلا الترمذي (٣) ﴿١٨٤﴾
стр. 3130
والغرض الإشارة إلى أن الفجر الكاذب الذي يخرج مستطيلاً. وأما الفجر الصادق فلا يتحقق حتى يظهر النور منتشراً في الأفق (وقد دل) ما ذكر أنه يباح الأكل والشرب ونحوهما ليلة الصيام إلى ظهور الفجر الصادق. وهو قول الجمهور والأئمة الأربعة. وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأنصار.
... (٧) ويسن تأخير السحور: إلى قبيل ظهور الفجر (لحديث) أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور" أخرجه أحمد. وفيه سليمان بن أبي عثمان مجهول (١) ﴿١٨٥﴾
(وعن) أنس بن زيد بن ثابت ﵃ قال: "تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية" أخرجه السبعة إلا أبا داود. وقال الترمذي: حسن صحيح (٢) ﴿١٨٦﴾
... وبه يقول كافة العلماء: استحبوا تأخير السحور فينبغي العمل على هذا. وأما ما يفعله الناس اليوم من تعجيل السحور فهو خلاف السنة (قال) ابن أبي جمرة: كان النبي ﷺ ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله، لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم. ولو تسحر في جوف
стр. 3131
الليل لشق أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم وقد يفضي إلى ترك صلاة الصبح في وقتها أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر (١)
(والحكمة) في طلب تأخير السحور أن النهار يقبل وفي المعدة من الغذاء ما يتقوى به على الطاعة فلا يجهده الصوم ولا يقعده عن الطاعة.
(فائدة) الشك في طلوع الفجر لا يمنع الأكل وغيره لقوله تعالى "وكلوا واشربوا حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر". (قال) رجل لابن عباس متى أدع السحور؟ فقال رجل: إذا شككت. فقال ابن عباس ﵄: كل ما شككت حتى يتبين لك. أخرجه البيهقي (٢) بسند صحيح (وقال) وروي في هذا عن أبي بكر الصديق وعمر وابن عمر ﵃. قال النووي وقد اتفق أصحاب الشافعي على جواز الأكل للشاك في طلوع الفجر وأما قول الغزالي والمتولي: لا يجوز للشاك في طلوع الفجر أن يتسحر فلعلهما أرادا أنه ليس مباحاً مستوى الطرفين بل الأولى تركه فإن أرادا به تحريم الأكل على الشاك في طلوع الفجر فهو غلط مخالف القرآن ولابن عباس ولجماهير العلماء ولا نعرف أحداً قال بتحريمه إلا مالكاً فإنه حرمه وأوجب القضاء على من أكل شاكاً في الفجر (٣).
... (٨) ويطلب من العاقل: - ولا سيما الصائم- ترك الإفراط في تناول الطعام. فليحترز الصائم من الشبع في الإفطار والسحور (روي) المقدام بن معد يكرب ﵁ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" أخرجه الترمذي (٤) ﴿١٨٧﴾
стр. 3132
والصائم إذا شبع عند فطره فقد ارتكب ما يقتضي النقص من أجره. والشبع يورث القسوة ويوفر الجفوة ويثير النوم ويجلب الكسل عن الطاعة (روي) عن سيدنا عيسى ﵊ أنه كان يقول للحواريين: لا تأكلوا كثيراً فتشربوا كثيراً فتقسوا قلوبكم (١).
(٩) ويستحب للصائم:
السواك أول النهار وآخره- عند الحنفيين ومالك والثوري ومحققي الشافعية- لما تقدم عن عامر بن ربيعة (٢) والحديث وإن كان ضعيفاً - له شواهد تعضده (منها) حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من خير خصال الصائم السواك" أخرجه ابن ماجه والبيهقي والدارقطني. وفيه مجالد ضعفه قوم ووثقه آخرون (٣) ﴿١٨٨﴾
(وقال) الترمذي: ولم ير الشافعي بالسواك بأساً أول النهار وآخره (٤) (وقال) أحمد وإسحق: يكره السواك للصائم بعد الزوال وهو المشهور عند الشافعية مستدلين بحديث الخلوف (٥) وتقدم انه لا يدل على الكراهة ولذا نقل عن الشافعي وجماعة من أصحابه عدم كراهة السواك للصائم بعد الزوال. قال النووي: وهذا النقل غريب وإن كان قوياً من حيث الدليل. وبه قال المزني وأكثر العلماء وهو المختار (٦)
стр. 3133
(قال) عبد الرحمن بن غنم: سألت معاذ بن جبل أاتسوك وأنا صائم؟ فقال: نعم. قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت إن شئت غدوة وإن شئت عشية. قلت فإن الناس يكرهونه عشية قال: ولم؟ قلت: يقولون إن النبي ﷺ قال: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" قال: سبحان الله لقد أمرك بالسواك حين أمرهم وهو يعلم أنه لابد أن يكون بفم الصائم خلوف وإن استاك. وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمداً. ما كان في ذلك من الخير شيء. بل هو شر" (لحديث) أخرجه الطبراني في الكبير. وفيه بكر بن خنيس وهو ضعيف وقد وثقه ابن معين في رواية (١) ﴿١٨٦﴾
هذا في استياك الصائم بسواك يابس وفي استياكه بالعود الرطب خلاف آخر.
(قال) مالك وإسحق والشعبي: يكره. وروي عن أحمد خشية أن يتحلل منه في الفم شيء، ولما فيه من طعم (ورد) بأن ما يتحلل منه كماء المضمضة فإذا طرحه لا يضره وكذا ما فيه من طعم ولذا قال الحنفيون والثوري والأوزاعي والشافعي. لا بأس بالاستياك بالرطب كاليابس. وروي عن أحمد (قال ابن سيربن) لا بأس بالسواك الرطب قيل: له طعم. قال: والماء له طعم وأنت تتمضمض به. ذكره البخاري (٢) وقال زياد بن حدير: ما رأيت أحداً كان أدوم لسوك رطب- وهو صائم- من عمر بن الخطاب (٣).
стр. 3134
(١٠) ويستحب للصائم: الإكثار من العبادة والصدقة والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين لما تقدم في بحث الطاعة في رمضان (١).
... (١١) وتسن صلاة التراويح وتقدم بيانها وافياً (٢).
(٦) ما يباح للصائم
... يباح له أمور المذكور منها هنا ثمانية:
... (١) الكحل: بفتح فسكون - أي الاكتحال. وقد اختلف العلماء في اكتحال الصائم (فقال) الحنفيون والشافعي: يباح له الاكتحال ولا يفطر بذلك وإن وجد طعمه في حلقه ومثله ما يقطر في العين لأنها ليست بجوف ولا منفذ منها إلى الحلق (لقول) عائشة ﵂: "اكتحل النبي ﷺ وهو صائم" أخرجه ابن ماجه والبيهقي وفيه بقية وسعيد الزبيدي ضعيفان (٣) ﴿١٩٠﴾
(وعن) انس بن مالك انه كان يكتحل وهو صائم. أخرجه أبو داود بسند لا بأس به (٤). ومثل هذا لا يفعله أنس من قبل نفسه ففعله حجة (وقد) ورد في إباحة الكحل للصائم أحاديث وآثار تصلح بمجموعها للاحتجاج على جواره.
(وقال) احمد: يكره الاكتحال للصائم وإن وجد طعمه في حلقه أفطر (وقال) مالك: يحرم إن تحقق وصوله إلى الحلق وعليه القضاء وإن شك كره (لحديث) معبد بن هوذة أن النبي ﷺ قال: لا تكتحل بالنهار
стр. 3135
وأنت صائم واكتحل ليلاً بالاثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر" أخرجه البيهقي والدارمي.
وفيه عبد الرحمن بن النعمان عن أبيه وهما ضعيفان (وقال) يحيي ابن معين: هو منكر (١) ﴿١٩١﴾
(وقال) ابن عباس: الفطر مما دخل وليس مما خرج. ذكره البخاري معلقاً ووصله البيهقي وابن أبي شيبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس في الحجامة للصائم قال: الفطر مما يدخل وليس مما يخرج (٢) والكحل إذا وجد طعمه في الحلق فقد دخل. (وحاصل) مذهب مالك أن كل ما وصل الحلق من هذه المنافذ- وهي العين والأذن والأنف ومسام الشعر- مفطر إلا إذا فعل ليلاً وهبط للحلق نهاراً فلا يضر. واعلم أن الكحل ونحوه إن علم عدم وصوله للحلق جاز نهاراً وإن علم وصوله حرم وإن شك في ذلك كره وقيل يجوز الكحل نهاراً ولو اعتاد وصوله للحلق وهو قول أشهب (٣) (وقال) ما كان الناس يشددون في هذه الأشياء هكذا (وقال) ابن حبيب: يقضي بما وصل الفرض دون النفل فتحصل أن الذي لا يصل جائز اتفاقاً ولا يوجب قضاء مطلقاً اتفاقاً والواصل فيه أقوال ثلاثة وعلى هذا يجري الجواب فيما يقطر في الأذن. فيجوز إذا كان لا يصل ويختلف فيه إذا كان يصل. وقال التتائي بالقضاء ولو لم يصل (٤) (وقال) ابن قدامة: فأما الكحل فما وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطره وإلا لم يفطره. وكذا الذرور والصبر والفطور وإن اكتحل باليسير
стр. 3136
من الإثمد غير المطيب كالميل ونحوه لم يفطر. وعن ابن أبي ليلى وابن شبرمة أن الكحل يفطر الصائم (١)
والظاهر بل المعتبر مذهب من قال بإباحة الكحل ونحوه مما يقطر في العين وأنه لا يفطر لما تقدم من الأدلة وهي وإن كان في بعضها مقال لكنها لكثرتها يقوي بعضها بعضاً، ولأن الأصل في كل شيء الجواز ولا ينتقل عنه إلا بدليل وليس في الباب ما يصلح للنقل لاسيما وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالترغيب في الكحل بدون خطر على الصائم كما جاءت في السواك والعين ليست بمنفذ فلا يبطل الصوم بما يصل إليها.
(٢) الدهن: - بفتح فسكون- أي الإدهان: ويباح للصائم دهن الشعر بزيت ونحوه عند الجمهور ولا يفطر وإن وجد أثره في الحلق- إن كان لغير الزينة أما الاكتحال أو الادهان لفصد الزينة، فمكروه (وقالت) المالكية الادهان كالاكتحال، لأن ما يصل الحلق مفسد وإن كان دهناً وصل إليه من مسام شعر الرأس كحناء وضعه في رأسه فوجد طعمه في حلقه، أو كان كحلاً وصل إليه من عينيه. وإذا وضع دواء أو دهناً في أنفه أو أذنه ليلاً فهبط لحلقه نهاراً، فلا يضر (٢).
(٣) الحقنة: في غير الدبر وقيل المرأة- يباح للصائم حقن الدواء ونحوه في العروق ولا يفطر به كالكحل، لأنه يصل إلى الجوف بواسطة المسام لا من منفذ مفتوح. وكذا الحقنة في إحليل الذكر لا يفطر بها الصائم عند النعمان ومالك ومحمد بن الحسن وأحمد
стр. 3137
(وقال) أبو يوسف والشافعي: يفطر بها إن وصلت المثانة والخلاف مبني على أنه هل بين المثانة الجوف منفذ؟ عند الأولين لا، وعند أبي يوسف والشافعي نعم. وهذا أمر طبي يرجع فيه إلى أهل الذكر والخلاف فيما وصل إلى المثانة. أما ما دام الدواء في القضية فلا يفطر اتفاقاً كما أن الحقنة في الدبر وقبل المرأة تفسد الصوم اتفاقاً (١).
стр. 3138
(٤) تبرد الصائم: يباح له أن يدفع عن نفسه الحر أو العطش بصب الماء على رأسه أو بدنه كله أو بالمضمضة والاستنشاق بلا مبالغة فيهما عند الجمهور ومنهم أبو يوسف (لقول) رجل من أصحاب النبي ﷺ : "رأيت النبي ﷺ يسكب على رأسه الماء بالسقيا إما من الحر وإما من العطش وهو
стр. 3139
صائم. ثم لم يزل صائماً حتى أتى كديداً ثم دعا بماء فأفطر وأفطر الناس وهو عام الفتح" أخرجه أحمد وهذا لفظه وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي وصححه ابن عبد البر (١) ﴿١٩٢﴾
(وقال) النعمان: يكره للصائم تنزيهاً التبرد لما فيه من إظهار الضجر من العبادة وحمل فعله ﷺ على بيان الجواز رحمة بضعفاء الأمة (ورد) بأن هذا تعليل في مقابلة النص فلا يعول عليه.
(٥) ويباح للصائم مضغ طعام لابد منه لطفل بأن لم يوجد من يمضغه له غير صائم ولم يوجد ما يأكله الطفل بلا مضغ للضرورة.
(٦) الحجامة: هي أخذ الدم من الرأس؛ والقصد أخذه من أي عضو في الجسد يباح للصائم الاحتجام والفصد إذا لم يضعفه عن الصوم (لحديث) ابن عباس ﵄: "أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم" أخرجه أحمد والبخاري وهذا لفظه والبيهقي وقال الترمذي صحيح (٢) ﴿١٩٣﴾
(وعن) ثابت البناني أنه قال لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة
стр. 3140
للصائم على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم؟ قال: لا إلا من أجل الضعف" أخرجه البخاري والبيهقي (١) ﴿١٩٤﴾
(وعن) أبي سعيد الخدري ﵁: "أن النبي ﷺ رخص في القبلة للصائم والحجامة" أخرجه النسائي والدارقطني بسند صحيح كلهم ثقات (٢) ﴿١٩٥﴾
(ولهذه) الأحاديث الصحيحة ونحوها قال الحنفيون ومالك والشافعي فيما نقله عنه الترمذي: لا بأس بالحجامة للصائم إذا لم تضعفه عن الصوم ولا تبطله وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين. إما إن أضعفته الحجامة عن الصوم يقيناً تحرم ولا تبطل الصوم وتكره إن ظن حصول ضعف بها وكرهت حجامة مريض إن شك في السلامة والعطب بخلاف الصحيح فلا تكره له عند الشك. وإن خشي بتأخيرها هلاكاً وجبت وإن أدت إلى الفطر ولا كفارة. والفصادة كالحجامة في هذا التفصيل (٣) (وقال) احمد وإسحاق والأوزاعي وجماعة: الحجامة تحرم على الصائم وتفطره حجاماً ومحجوماً (لحديث) ثوبان أن رسول الله ﷺ أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم" أخرجه أحمد وهذا لفظه. والأربعة والحاكم والدارمي والبيهقي من عدة طرق بألفاظ متقاربة. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين (٤) ﴿١٩٦﴾
стр. 3141
أي تعرض كل منهما للإفطار. أما المحجوم فلخشية الضعف. وأما الحاجم فلأنه لا يأمن أن يصل إلى جوفه شيء من الدم عند مص المحجم وليس المراد أنهما أفطرا حقيقة فهو نظير قولهم هلك فلان إذا تعرض للهلاك وإن كان سالماً. فالحديث لا تثبت به دعوى الحرمة والإفطار (وعن) رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "افطر الحاجم والمحجوم" أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. والترمذي وقال حسن صحيح (١) ﴿١٩٧﴾
(وأجاب) الجمهور عن هذا الحديث بأنه منسوخ (وقال) ابن حزم: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب لكن وجدنا من حديث أبي سعيد رخص النبي ﷺ في الحجامة للصائم وإسناده صحيح (٢) فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء كان حاجماً أو محجوماً (٣).
(ومنه) تعلم أن الحق ما ذهب إليه الجمهور من أن الحجامة غير محرمة على الصائم ولا موجبة لإفطار الحاجم ولا المحجوم (وجملة) القول أنها مكروهة في حق من يضعف بها وتشتد الكراهة إذا كان الضعف يؤدي إلى الإفطار. ولا تكره في حق من لا يضعف بها. وعلى كل فتجنبها للصائم أولى (هذا) وقد أباح احمد للصائم الفصد والتشريط بالموسى بدل الحجامة للتداوي.
(٧) ويباح للصائم أن يصبح جنباً (لحديث) عائشة وأم سلمة "أن النبي
стр. 3142
صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً في رمضان من جماع غير احتلام ثم يصوم" أخرجه احمد والشيخان والدارمي وأبو داود والنسائي (١) ﴿١٩٨﴾
(وعن) عائشة ﵂ أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام. فقال رسول الله ﷺ "وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم" فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وقال "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتبع" أخرجه مالك وأحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وهذا لفظه وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي (٢) ﴿١٩٩﴾
أخبر النبي ﷺ أنه أشد الناس خشية لله (إنما يخشى الله من عباده العلماء) والنبي ﷺ أعلم العباد بربه. وخشيته ﷺ خشية مهابة وإجلال لا خشية توقع مكروه لأنه معصوم مأمون العاقبة ﷺ .
(دل) الحديثان على أنه يجوز للصائم أن يصبح جنباً ولا قضاءً عليه سواء كانت الجنابة من جماع أو غيره. وسواء كان الصوم فرضاً أم نفلاً ولو كان تأخير الغسل إلى ما بعد الفجر عمداً (وبهذا) قال الجمهور والأئمة الأربعة. وشذ من زعم أن من أخر الغسل عن الفجر عامداً لا يصح صومه.
стр. 3143
(٨) يباح للصائم بلع ريقه أولاً فأولاً، لأن في اتقائه حرجاً ومشقة ولا يمكن الاحتراز عنه "وما جعل عليكم في الدين من حرج" أما إذا جمع ريقه في فمه ثم ابتلعه فإنه يكره لما فيه من الشبهة ولا يفطر به إجماعاً. أما إذا ابتلع ريق غيره فعليه القضاء إجماعاً (١). وكذا عند الحنفيين إذا ابتلع ريق حبيبه لأنه مرغوب فيه طبعاً يلتذ به. ولا كفارة عند الشافعية والحنبلية (وإن جمع) شخص ريقه ثم ابتلعه قصداً لم يفطره، لأنه يصل إلى جوفه من معدته فأشبه ما إذا لم يجمعه (وعن) احمد أنه يفطره لأنه أمكنه التحرز منه فأشبه ما لو قصد ابتلاع غبار الطريق، والأول أصح فإن الريق لا يفطر إذا لم يجمعه وإن قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه بخلاف غبار الطريق فإن خرج ريقه إلى ثوبه أو بين أصابعه أو بين شفتيه ثم عاد فابتلعه أنظر، لأنه ابتلعه من غير فمه فأشبه ما لو بلع ريق غيره (ولو) ترك في فمه حصاة أو درهماً فأخرجه وعليه بلة من الريق ثم أعاده في فيه نظر (فإن) كان ما عليه من الريق كثيراً فابتلعه أفطر.
وإن كان يسيراً لم يفطر بابتلاع ريقه، لأنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه فلا يفطره كالمضمضة والتسوك بالسواك الرطب المبلول (ولو) أخرج لسانه وعليه بلة ثم عاد فأدخله وابتلع لم يفطر، وإن ابتلع النخامة ففيها روايتان إحداهما يفطر لأن النخامة تنزل من الرأس والريق من الفم (ولو) تنخم من جوفه ثم اذدرده أفطر لأنه أمكن التحرز منها فأشبه الدم ولأنها من
стр. 3144
غير الفم فأشبه القيء والرواية الثانية لا يفطر لأنه معتاد في الفم غير واصل من خارج فأشبه الريق (فإن) سال فمه دماً أو خرج إليه قلس أو قيء فابتلعه أفطر وإن كان يسيراً لأن الفم في حكم الظاهر والأصل حصول الفطر بكل واصل منه لكنه عفى عن الريق لعدم إمكان التحرز منه فما هداه يبقى على الأصل وإن ألقاه من فيه وبقي فمه نجساً أو تنجس فمه بشيء من خارج فابتلع ريقه فإن كان معه جزء من المنجس أفطر بذلك الجزء وإلا فلا (١).
(٧) ما يكره للصائم:
هو أمور المذكور هنا خمسة عشر:
(١) يكره له تحريماً ذوق شيء مفطر من غذاء أو دواء بلا عذر لما فيه من تعريض الصوم للفساد ولو كان نفلاً لغير عذر. ولا بأس به مع العذر كسوء خلق الزوج فحينئذ لا يكره لامرأته ذوق المرق بلسانها (وعليه) يحمل قول ابن عباس: لا بأس أن يتطاعم الصائم للشيء يعني المرقة ونحوها. أخرجه البيهقي (٢).
ومثل المرأة في ذلك الطاهي (الطباخ) وكذا يجوز لمن أراد شراء مأكول أو مشروب أن يذوقه إذا خشي أن يغبن فيه ولا يوافقه. وإذا ذاقه وجب عليه أن يمجه لئلا يصل إلى حلقه منه شيء. ومن أصبح بين أسنانه طعام فإن كان يسيراً لا يمكنه لفظه فابتلعه لا يفطر به لأنه لا يمكن التحرز منه فأشبه الريق، وهذا مجمع عليه (وإن كان) كثيراً يمكن لفظه فإن لفظه فلا شيء عليه وإن
стр. 3145
ابتلعه عامداً فسد صومه عند الجمهور (وقال) الحنفيون: لا يفطر إن كان ما بين الأسنان دون الحمصة لأنه لابد أن يبقى بين أسنانه شيء مما يأكله فلا يمكن التحرز منه فأشبه ما يجري به الريق (وللجمهور) أنه بلع طعاماً يمكنه لفظه باختياره ذاكراً لصومه فأفطر به كما لو ابتدأ الأكل. ويخالف ما يجري به الريق فإنه لا يمكن لفظه (١).
(٢) ويكره للصائم مضغ العلك بكسر فسكون (اللبان) إن لم يتحلل منه شيء لما في ذلك من الاتهام لأن من رآه يظن فطره (ولقول) أم حبيبة زوج النبي ﷺ : "لا يمضغ العلك الصائم" أخرجه البيهقي (٢) (وقال) علي ﵁: إباك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره. وفي غير الصوم يستحب مضغ العلك للنساء ويكره للرجال على المختار إلا في خلوة لعذر كتسهيل ربح وتقليل بخر بفمه لحاجة.
(٣) ويكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق احتياطاً للعبادة فإنه يخشى وصول شيء من الماء إلى الحلق (لحديث) لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: "فإذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائماً" أخرجه أحمد والأربعة وقال الترمذي حسن صحيح. وقد كره أهل العلم السعوط للصائم ورأوا أن ذلك يفطر وفي الحديث ما يقوي قولهم (٣). ﴿٢٠٠﴾
стр. 3146
فلو بالغ في المضمضة أو الاستنشاق أو لم يبالغ ووصل إلى جوفه شيء من الماء خطأ (قال) الحنفيون ومالك والمزني: يفسد صومه وعليه القضاء وهو قول للشافعي وأحمد فيما إذا بالغ (وقال) أحمد والشافعي: لا يفسد صومه كالناسي إذا لم يبالغ قولاً واحداً عند أحمد ورواية عن الشافعي (وقال) الخطابي: فيه من الفقه أن وصول الماء إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان يفعله. وعلى قياس ذلك كل ما وصل إلى جوفه يفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو في غيره من حشو جوفه (١).
(فأما) المضمضة لغير الطهارة فإن كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه فحكمه حكم المضمضة للطهارة. وإن كان عابثاً أو تمضمض من أجل العطش كره. وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه قال: يرش على صدره أحب إلى. فإن فعل فوصل الماء إلى حلقه أو ترك الماء في فيه عابثاً أو للتبرد فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لأنه مكروه. وإن دخل الماء في مسامعه من الغسل المشروع من غير إسراف ولا قصد فلا شيء عليه كما لو دخل إلى حلقه من المضمضة في الوضوء وإن غاص في الماء أو أسرف أو كان عابثاً فحكمه حكم الداخل إلى الحلق من المبالغة في المضمضة والاستنشاق والزائد على الثلاث (٢).
(٤ و ٥) ويكره - عند الحنفيين - للصائم القبلة الفاحشة وهي مص شفتيها وكذا المباشرة الفاحشة وهي أن يتعانقا متجردين متماسى الفرجين فتكره مطلقاً وإن أمن الإنزال والجماع لأن شأنه تعريض الصوم للفساد. وكذا يكره غير الفاحش منهما إن لم يأمن ما ذكر ولا يكرهان إن أمن ذلك (لحديث) أبي هريرة ﵁ "أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن
стр. 3147
المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب" أخرجه أبو داود والبيهقي بسند جيد (١) ﴿٢٠١﴾
والمراد من المباشرة ما عدا الجماع فتشمل القبلة والمس باليد واتصال الجسم بالجسم (وقال) ابن عمرو ﵄: "كنا عند النبي ﷺ فجاء شاب فقال يا رسول الله أقبل وأنا صائم؟ قال: لا. فجاء شيخ فقال أقبل وأنا صائم؟ قال: نعم فنظر بعضنا إلى بعض. فقال رسول الله ﷺ "قد علمت لم نظر بعضكم إلى بعض. إن الشيخ يملك نفسه" أخرجه أحمد والطبراني في الكبير. وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام (٢) ﴿٢٠٢﴾
(بين) النبي ﷺ أن القبلة والمباشرة لا يكرهان لذاتهما بل إذا أفضتا إلى الإنزال (وعن) عائشة ﵂ أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كان يقبل بعض أزواجه وهو صائم ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه" أخرجه السبعة إلا النسائي (٣) ﴿٢٠٣﴾
(دلت) هذه الأحاديث على أنه يجوز للصائم الذي يملك نفسه ويأمن الفتنة أن يقبل ولا يفسد صومه. وأما من لا يأمن الفتنة فيكره له التقبيل
стр. 3148
والمباشرة (وبهذا) قال الحنفيون وقال الشافعي: يكره ما ذكر إن لم يحرك الشهوة وإلا حرم. ومشهور مذهب مالك كراهة التقبيل ونحوه مطلقاً إذا علمت السلامة وإن لم تعلم فهو حرام. وروي ابن مذهب عن مالك الإباحة في النفل دون الفرض (قال) عبد الحافظ: وكره مقدمة جماع كقبلة وفكر ونظر إن أمن على نفسه من خروج مني أو مذي وإن لم يأمن ذلك بأن تحقق خروج أحدهما أو ظنه أو شك فيه حرم عليه كل من المقدمة والفكر، لا إن توهم عدم السلامة فلا حرمة وكفر مع القضاء إن أمني حال الحرمة لا حال الكراهة فلا يكفر وإنما يقضي فقط كما إذا أمذي مطلقاً حال حرمة أو كراهة (١) (وحاصل) مذهب أحمد أن المقبل إذا كان ذا شهوة مفرطة- بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل- لم تحل له القبلة لأنها مفسدة لصومه فحرمت كالأكل وإن كان ذا شهوة خفيفة- بحيث لا يغلب على ظنه ذلك- كره له التقبيل لأنه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد وإن كان شيخاً هرماً لا تحرك القبلة شهوته ففي رواية لا تكره له لما تقدم مما يدل على إباحتها للشيخ وفي رواية يكره له القبلة لأنه لا يأمن من حدوث الشهوة، ولأن الصوم عبادة تمنع الوطء فاستوى في القبلة فيه من تحرك شهوته وغيره. وأما اللمس بغير شهوة فليس بمكروه بحال (٢).
(هذا) وللمقبل والمباشر ثلاث أحوال: (أ) ألا ينزل فلا يفسد صومه اتفاقاً لحديث عائشة (٣) (وحديث) جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "هششت فقبلت وأنا صائم فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً فقبلت وأنا صائم
стр. 3149
قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به فقال: فمه" أخرجه أحمد وأبو داود والطحاوي والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١) ﴿٢٠٤﴾
(فمه) يعني فما الفرق بين المضمضة والقبلة فإن كلا لا يفطر الصائم.
(ب) أن يمني فيفطر اتفاقاً، لإشارة الحديثين، ولأنه إنزال بمباشرة فأشبه الإزال بالاستمتاع بغير الفرج وعليه القضاء فقط عند الحنفيين والشافعي وأحمد وكذا الكفارة عند مالك وإسحاق.
(جـ) أن يمذي فيفطر وعليه القضاء عند مالك وأحمد (وقال) الحنفيون والشافعي: لا يفطر لأن المذي خارج لا يوجب الغسل فأشبه البول ووجه الأول أنه خارج بشهوة عن مباشرة فأفسد الصوم كالمني فليس كالبول. واللمس بشهوة كالقبلة فيما ذكر.
(٦ و ٧) ويكره للصائم تكرار النظر بشهوة إلى امرأته وإدامة الفكر في الجماع ولا بأس بذلك عند عدم الشهوة عند الحنفيين والشافعي وأحمد (وعنه) أنه لا يكره بحال لأن إفضاءه إلى الإنزال المفطر بعيد جداً بخلاف القبلة (٢).
(وقال) مالك: النظر والفكر كالقبلة فإن أمن على نفسه من الإنزال كرها وإن لم يأمن حرماً (هذا) ولمكرر النظر ثلاثة أحوال: (أ) ألا ينزل فلا يفسد صومه اتفاقاً.
стр. 3150
(ب) أن يمني فيفسد صومه عند احمد ومالك وعليه القضاء فقط عند أحمد وعند مالك عليه الكفارة أيضاً إن كان النظر محرماً (وقال) الحنفيون: لا يفطر مطلقاً ولأنه لا نص في الفطر بما ذكر ولا إجماع (وقالت) الشافعية: لا يفطر إلا أن اعتاد الإنزال بذلك فيفطر على المعتمد.
(جـ) أن يمذي فلا يفطر عند الحنفيين والشافعي وأحمد لأنه لا نص في الفطر به ولا يمكن قياسه على إنزال المني لمخالفته له في الأحكام فيبقى على الأصل. فأما إن نظر فصرف بصره لا يفسد صومه وإن أنزل عند الثلاثة (وقالت) المالكية إن أمذى بالفكر أو النظر فعليه القضاء. وإن أمنى بإدامتهما فعليه الكعارة إن كانت عادته الإنزال ولو في حين ما. فإن كانت عادته عدم الإنزال بإدامة النظر أو الفكر فخالف عادته وأمنى فلا كفارة على ما اختاره ابن عبد السلام وكذا لو أمنى بمجرد نظر أو فكر فلا كفارة عليه عند ابن القاسم (١).
وأما من فكر فأنزل فلا يفسد صومه عند الحنفيين والشافعي وهو الصحيح عن أحمد (لحديث) أبى هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهما ما لم تتكلم به أو تعمل به" أخرجه الستة (٢) ﴿٢٠٥﴾
(وقال) مالك يفسد صومه وروي عن أحمد، لأن الفكرة تستحضر فتدخل تحت الاختيار فقد مدح الله الذي يتفكرون في خلق السموات والأرض ونهى النبي ﷺ عن التفكر في ذات الله تعالى ولو كانت الفكرة غير مقدور عليها لم يتعلق بها ذلك كالأحلام (٣).
(٨) ويكره للصائم وغيره طول الصمت لما فيه من تفويت الغنم العظيم
стр. 3151
والثواب الجزيل المترتب على خير القول من إرشاد إلى طريق أو أمر بمعروف ونهى عن منكر أو نصح مسترشد أو بث علم لمن يحسنه أو تلاوة قرآن بحيث يستمع لما يتلوه إلى غير ذلك من أنواع الطاعة القولية ولما فيه من حصول الشهرة والرياء بهذا العمل (قال) ابن عباس: "بينا النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ : مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليم صومه" أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجه (١) ﴿٢٠٦﴾
(٩ - ١١) وكره للصائم إكثار نوم نهاراً لئلا يذهب مشقة الصوم وكره له شم روائح زكية كالمسك والعنبر والرند وكره مداوة أسنان نهاراً ولا شيء عليه إن سلم فإن ابتلع منه شيئاً غلبة قضى وإن تعمد كفر أيضاً إلا لضرورة في تأخير الدواء لليل كشدة تألم وإن لم يحدث منه مرض فلا تكره المداواة بل تجب إن خاف هلاكاً أو شديد أذى (٢).
(١٢) ويكره- عند مالك- للصائم أن غزل الكتان الذي له طعم وهو الذي يعطن في المبلات إذا لم يكن الغازل مضطراً للغزل وإلا فلا كراهة وعليه أن يمج ما تكون في فمه من الريق على كل حال. أما الكتان الذي لا طعم له وهو الذي يعطن في البحر فلا يكره غزله ولو من غير ضرورة.
(١٣) ويكره- عند مالك- الحصاد للصائم لئلا يصل إلى حلقه شيء من
стр. 3152
الغبار فيفطر ما لم يضطر إليه وإلا فلا كراهة وأما رب الزرع فله أن يقوم عليه عند الحصاد لأنه مضطر لحفظه وملاحظته (١).
(١٤) ويكره للصائم- عند مالك- الاستياك بالسواك الرطب الذي يتحلل منه شيء، وإلا جاز في كل النهار، بل يندب لمقتضى شرعي كوضوء وصلاة كما تقدم (٢).
(١٥) ويكره للصائم- عند أحمد- أن يجامع وهو شاك في طلوع الفجر الثاني ولا يكره له السحور مع الشك في ذلك لأنه يتقوى به على الصوم بخلاف الجماع (٣).
وقد تقدم في المستحبات مع بعد تركه من المكروهات فليلاحظ هذا من يرغب في القربات.
(٨) ما لا يفسد الصوم
هو أمور المذكور منها هنا ستة عشر: (١ و ٢ و ٣) الأكل والشرب والجماع ناسياً عند الحنفيين والشافعي (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" أخرجه السبعة وهذا لفظ مسلم وقال الترمذي حديث حسن صحيح (٤): ﴿٢٠٧﴾
стр. 3153
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق (وقال) مالك بن أنس إذا أكل في رمضان ناسياً فعليه القضاء والأول أصح (وعن) أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة" أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم والدارقطني والبيهقي بسند رجاله ثقات (١) ﴿٢٠٨﴾
(وقال) أحمد يجب القضاء والكفارة بالجماع ناسياً ولا شيء في الأكل والشرب وبه قال ابن الماجشون، لأن النبي ﷺ أمر الذي وقع امرأته في رمضان بالكفارة ولم يسأله أواقعها عمداً أو سهواً؟ ولو كان هناك فرق في الحكم لاستفسر منه النبي ﷺ (ورد) بأن قوله في الحديث: هلكت يدل على أنه واقع عمداً وكذا قوله عند البخاري: احترقت وفي رواية سعيد بن منصور تب واستغفر فإن ذلك كله يدل على أنه واقع عمداً خصوصاً التوبة والاستغفار فإنهما لا يكونان إلا من عمد.
(وقالت) المالكية: من تعاطى أي مفطر ناسياً في رمضان فعليه القضاء دون الكفارة قياساً للصوم على الصلاة فكما أن ترك ركعة منها نسياناً يفسدها، كذلك ترك ركن من الصوم وهو الإمساك عن المفطر يفسده (وأجابوا) عن أحاديث الباب بأنها أخبار آحاد مخالفة للقاعدة (وهو) مردود بأن هذه الأحاديث قاعدة مستقلة في الصيام وقياسهم الصيام على الصلاة قياس في مقابلة النص لا يعول عليه (ودعوى) بعضهم أن الأحاديث محمولة على صيام التطوع (يرده) قوله ﷺ : من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة فهذا هو الحق.
(٤) من احتلم نهاراً وهو صائم لا يبطل صومه إجماعاً.
стр. 3154
(٥) وكذا من احتجم عند الثلاثة خلافاً لأحمد كما تقدم (١) (لحديث) ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء والحجامة والاحتلام" أخرجه البزار بسندين صحح أحدهما وأخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري (٢) (روي) الحديث من عدة طرق ارتقى بها إلى درجة الحسن. والقيء فيه محمول على ما لو ذرعه القيء جمعاً بين الأخبار. ﴿٢٠٩﴾
(٦) ولا يفسد الصوم بإنزال مني بنظر وإن أدامه عند الحنفيين والشافعي، لأنه في معنى الاحتلام (وقال) مالك وأحمد: يفسد صومه وإن أمذى لا يفسد صومه عند الثلاثة ويفسد عند مالك كما تقدم إلا إن غلبه المني أو المذي بمجرد نظر أو فكر (٣).
(٧) ولا يفسد صوم من أنزل بإدامه فكر عند الحنفيين والشافعي. وهو الصحيح عن أحمد (وقال) مالك يفسد صومه كما تقدم.
(٨) ولا يبطل الصوم بالاكتحال ولا بما يقطر في العين ولو وجد طعمه في حلقه أو رأى لونه في بزاقه عند الحنفيين والشافعي، لأن الداخل من المسام الغير النافذة لا ينافي الصوم كما إذا تبرد بالماء ووجد أثره بباطنه (ولما) تقدم من الأحاديث الدالة على إباحة الكحل للصائم (وقال) مالك وأحمد: يبطل الصوم بالكحل ونحوه إن وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه كما تقدم.
(٩) ولا يبطل الصوم بالإدهان وإن وجد أثر الدهن في الحلق عند
стр. 3155
الثلاثة (وقال) مالك: هو كالكحل إلا إذا وضع دهناً على جرح في بطنه واصل لجوفه، لأنه لا يصل لمحل الطعام والشراب وإلا لمات من ساعته (١).
(١٠ و ١١) ولا يبطل الصوم بالقبلة والمباشرة بلا إنزال إجماعاً كما تقدم.
(١٢ و ١٣ و ١٤) ولا يفسد الصوم بشم الروائح العطرية كالورد والنرجس والياسمين ولا بتأخير غسل الجنابة حتى تطلع الشمس ولو مكث جنباً كل اليوم. ولا بدخول غبار طريق أو غربلة دقيق أو ذباب أو بعوض إلى حلقة رغماً عنه (٢)(١٥) ولا يفسد صوم المرأة عند أحمد إذا أدخلت أصبعها أو غيره في فرجها ولو مبتلاً (٣).
(١٦) ومن ذرعه القيء لا يبطل صومه ولو كان ملء الفم إذا لم يعد منه شيء إجماعاً (لحديث) أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض" أخرجه أحمد والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي والأربعة إلا النسائي وقال الترمذي حسن غريب (٤) ﴿٢١٠﴾
(وقال) محمد بن الحسن: أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن ابن عمر ﵄ كان يقول من استقاء وهو صائم فعليه القضاء. ومن ذرعه القيء فليس عليه شيء أخرجه محمد في موطئه وقال: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة (٥) (دل) الحديث على أن من غلبه القيء وهو صائم لا يفطر به