سياق الحديث وصوم النبي ﷺ في السفر في شدة الحر ولو كان إثماً لكان أبعد الناس منه (قال) الخطابي: الحديث مقصور على من كان في مثل حال من سيق له فالمعنى ليس من البر أن يصوم المسافر إذا كان الصوم يؤديه إلى مثل هذه الحال بدليل صيام النبي ﷺ في سفره ولتخييره في حديث حمزة الأسلمي بين الصوم والإفطار. ولو لم يكن الصوم براً لم يخيره فيه (١) (وعن) جابر أن النبي ﷺ خرج إلى مكة في رمضان عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنهم ينظرون فيما فعلت. فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه فأنظر بعضهم وصام بعضهم فبلغه أن أناساً صاموا فقال "أولئك العصاة أولئك العصاة" أخرجه مسلم والترمذي وقال حديث حسن صحيح (٢) ﴿٢٣١﴾
(وأجيب) بأنه محمول على من تضرر بالصوم لقوله: إن الناس قد شق عليهم الصيام أو أنهم أمروا بالفطر أمراً جازما لبيان جوازه فخالفوا الواجب. وعلى التقديرين لا يكون الصائم في السفر عاصياً إذا لم يتضرر به (وقال) ابن عمر: لأن أفطر في رمضان في السفر أحب إلي من أن أصوم، أخرجه البيهقي (٣) وهذا اجتهاد من ابن عمر فلا حجة فيه أو محمول على من يضعفه الصوم (والقول) الأول أعدل المذاهب.
стр. 3187
(ب) فطر المسافر: يجوز للمسافر في أثناء الشهر الفطر ولو شهد أول رمضان في الحضر (لحديث) ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حتى بلغ الكديد- وهو ماءٌ بين عسفان وقديد- أفطر وأفطروا قال الزهري: وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ الآخر فالآخر" أخرجه البخاري (١) ﴿٢٣٢﴾
فيه دليل لمذهب الجمهور أن الصوم والفطر جائزان وفيه أن المسافر له أن يصوم بعض رمضان دون بعض ولا يلزمه بصوم بعضه إتمامه (٢) (وقال) ابن عباس: "خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في رمضان فصام وصام المسلمون معه حتى إذا بالكديد دعا بماء في قعبٍ
стр. 3188
وهو على راحلته فشرب والناس ينظرون بعلمهم أنه قد أفطر فأفطر المسلمون" أخرجه احمد (١) ﴿٢٣٣﴾
المعنى أن النبي ﷺ وأصحابه استمروا يصومون من خروجهم من المدينة حتى بلغوا كديداً. وهذه المسافة تستغرق نحو سبعة أيام ثم دعا النبي ﷺ بقدح فيه ماء فشرب ليعلم الناس أنه قد أفطر فأفطروا (وفيه) دليل على أن فضيلة الفطر للمسافر لا تختص بمن أجهده الصوم أو خشي العجب والرياء أو ظن به الرغبة عن الرخصة بل يلتحق بذلك من يقتدي به ليتابعه من وقع له شيء مما ذكر ويكون الفطر في حقه حينئذ أفضل للبيان.
والأحاديث في هذا كثيرة وكلها تدل (أولاً) على أن للمسافر أن يفطر في أثناء الشهر ولو استهل رمضان في الحضر فإن النبي ﷺ استهل رمضان عام الفتح وهو بالمدينة ثم سافر في أثنائه لعشر مضين منه وصام حتى بلغ الكديد بعد سبعة أيام ثم أفطر وبهذا قال عامة العلماء (٢) (ثانياً) تدل الأحاديث على أن من نوى الصوم وهو مسافر يجوز له الفطر وهو مذهب الجمهور وبه قطع أكثر الشافعية، وقال بعضهم: ليس له أن يفطر.
(جـ) متى يفطر من خرج مسافراً؟ يباح لمن خرج مسافراً الفطر متى جاوز مساكن البلد، لقول
стр. 3189
عبيد بن جبير. ركبت مع أبي بصرة الغفاري من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة فلما دفعنا من مرسانا أمر بسفرته فقربت ثم دعاني إلى الغداء وذلك في رمضان فقلت: يا أبا بصرة والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد، فقال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا، قال: فكل فلم نزل مفطرين حتى بلغنا ما حوزنا" أخرجه أبو داود والبيهقي والدارمي وأحمد وهذا لفظه (١) ﴿٢٣٤﴾
(دل) الحديث
(أ) على أنه يجوز لمن بيت نية الصوم ثم سافر نهاراً أن يفطر وهو الأصح عن أحمد واختاره المزني (قال) الخطابي: وشبهوه بمن أصبح صائماً ثم مرض في يومه فإن له أن يفطر للمرض. وكذلك من أصبح صائماً ثم سافر، لأن كلاً من المرض والسفر مرخص حدث في أثناء النهار (ورد) بأن السفر لا يشبه المرض، لأن السفر من فعله والمرض يحدث من غير اختياره فيعذر فيه لا في السفر (٢) (وقال) الحنفيون ومالك والشافعي والأوزاعي: لا يباح له فطر ذلك اليوم، لأن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة
стр. 3190
(وأجابوا) عن الحديث (أولاً) بأن أبا بصرة لعله ثبت عنده بنوع اجتهاد أنه يجوز الإفطار إذا نوى الصوم بالليل، وإلا فلا نص عن النبي ﷺ (ثانياً) أنه يحتمل أن أبا بصرة كان مقيماً في فسطاطه فخرج منها ليلاً قبل الصبح ولم ينو الصوم، فصار مسافراً فجاز له الإفطار لما فارق بيوت مصر من الجهة التي ركب فيها السفينة (١).
(٢) ودل الحديث أيضاً على أنه لا يجوز لمن خرج مسافراً الفطر حتى يجاوز مساكن البلد. وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور، لظاهر قوله في الحديث (ما تغيبت عنا منازلنا بعدُ) أي أتأمرنا بالطعام قبل بعدنا عن البيوت. قال: ذلك مستغرباً لظنه أن الفطر لا يجوز للمسافر وهو يرى العمران. فلا يباح له الفطر حتى يخلف البيوت وراء ظهره ويخرج من بين بنيانها.
(د) مسافة السفر المبيح للفطر: أقل مسافة يباح فيها الفطر للمسافر ثلاثة أميال أي فرسخ (٥٥٦٥ متر) عند الظاهرية (روي) روي منصور الكلبي أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط (وذلك ثلاثة أميال) في رمضان ثم إنه أفطر وأفطر معه ناسٌ وكره آخرون أن يفطروا. فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت النوم أمراً ما كنت أظن أني أراه، إن قوماً رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه يقول ذلك للذين صاموا ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك- أخرجه احمد والطحاوي وأبو داود وهذا لفظه والبيهقي، ومنصور الكلبي قال ابن المديني: مجهول ووثقه العجلي وباقي رجاله ثقات يحتج بهم في الصحيح (٢).
القرية من دمشق هي قرية مزة- بكسر الميم وشد الزاي- كان يسكنها
стр. 3191
دحية وهي قرية كبيرة بينها وبين دمشق نصف فرسخ، والمسافة التي بينها وبين المحل الذي انتهى سير دحية إليه كالمسافة التي بين مصر العتيقة وبين قرية عقبة، ولعلها أميال. وقد رأى دحية أن هذه المسافة يرخص فيها للصائم بالفطر، ولذا أفطر وأفطر بعض من معه وعاب على من صام، لأنه فهم أن صيامهم ليس بقصد العزيمة بل هو إعراض عن رخصة الإفطار في السفر أو أنه يرى أن الفطر واجب بالسفر (قال) الخطابي: يحتمل أن يكون دحية إنما صار في ذلك إلى ظاهر اسم السفر، وقد خالفه غير واحد من الصحابة فكان ابن عمر وابن عباس لا يريان القصر والإفطار في أقل من أربعة برد وهما أفقه من دحية وأعلم بالسنة (١).
(وقال) الليث بن سعد: الأمر الذي اجتمع الناس عليه ألا يقصروا الصلاة ولا يفطروا إلا في مسيرة أربعة برد في كل بريد اثنا عشر ميلاً
(قال) البيهقي: قد روينا في كتاب الصلاة: ما دل على هذا عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر. والذي روينا عن دحية الكلبي إن صح ذلك فكأنه ذهب فيه إلى ظاهر الآية في الرخصة في السفر، وأراد بقوله: رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، أي في قبول الرخصة لا في تقدير السفر الذي أفطر فيه (٢)، وإذا قال الأئمة الأربعة والجمهور: لا يجوز الفطر للمسافر إلا في مسافة تقصر فيها الصلاة والخلاف في فطر المسافر كالخلاف في قصر المسافر الصلاة فكل سفر يبيح قصر الصلاة فهو مبيح لفطر الصائم (٣).
стр. 3192
(هـ) مدة فطر المسافر: هي مدة السفر، فللمسافر الفطر حتى يرجع إلى وطنه أو ينوي الإقامة خمسة عشر يوماً فأكثر بموضع واحد يصلح لإقامته عند الحنفيين والثوري والمزني والليث بن سعد (وقال) الأئمة الثلاثة: المسافر إذا نوى إقامة أقل من أربعة أيام أفطر، وإن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج صام وقد تقدم في بحث مدة القصر أدلة كل (١)، وأما من لم ينو الإقامة بل عزم على الرجوع إلى بلده متى قضى حاجته فإنه يفطر مدة انتظاره قضاء حاجته عند الحنفيين ومالك وأحمد، وروي عن الشافعي لما تقدم في بحث مدة القصر، (ولقول) ابن عباس ﵄: صام النبي ﷺ حتى إذا بلغ الكديد- الماء الذي بين قديد وعسفان- أفطر فلم يزل مفطراً حتى انسلح الشهر" أخرجه البخاري (٢). ﴿٢٣٥﴾
كان فتح مكة لثلاث عشرة أو ست عشرة أو سبع عشرة أو ثماني عشرة خلت من رمضان على الخلاف في ذلك (وفي الحديث) دليل على أن المسافر إذا أقام ببلد متردداً جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة كما يجوز له أن يقصر كما تقدم في بحث قصر الصلاة (٣).
стр. 3193
(و) انقطاع حكم السفر:
ينتهي السفر بأحد أمور ثلاثة
(أ) نية الإقامة بموضع صالح لإقامته مدة معينة على ما تقدم بيانه
(ب) الرجوع إلى المكان الذي ابتدأ منه السفر
(ج) نية الرجوع إليه قبل أن يقطع مسافة القصر. أما إن نوى الرجوع بعد قطعها فإنه لا يلزمه الصوم إلا إذا دعا بالفعل. فإذا حصل واحد مما ذكر في أثناء نهار رمضان وهو مفطر، لزمه الإمساك عند الحنفيين والثوري والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصوم فإذا طرأ أوجب الإمساك كقيام النية بالرؤية.
(وقال) مالك والشافعي: يستحب له الإمساك. وروي عن أحمد، لحرمة الشهر ولا يجب، لأنه أبيح له الفطر أول النهار ظاهراً وباطناً، فإذا أفطر كان له استدامة الفطر كما لو دام العذر. وتقدم تمام الكلام في هذا في بحث من صار أهلاً للصيام (١).
(٣ و ٤) الحمل والرضاع: الحامل هي التي في بطنها جنين. والمرضع التي شأنها الإرضاع وإن لم تباشره. والمرضعة هي المباشرة له بإلقام ثديها الصبي. فيباح للحامل والمرضع الفطر إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما ولو رضاعاً- بغلبة الظنّ بنحو تجربة أو إخبار طبيب ثقة- من حصول ضرر بالصوم كضرر المريض. وللمرضع الفطر بشرب دواء أخبر الطبيب الثقة أنه يمنع استطلاق بطن الرضيع مثلاً (لحديث) أنس بن مالك الكعبي أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام" أخرجه أحمد والأربعة والبيهقي وحسنه الترمذي (٢) ﴿٢٣٦﴾
стр. 3194
(دل الحديث) على أنه يباح للحامل والمرضع الإفطار إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما وبه يقول عامة العلماء. واختلفوا في لزوم القضاء والفدية عليهما (فقال) ابن عباس وابن عمر: عليهما الفدية بلا قضاء إذا خافتا على ولدهما (روي) سعيد ابن جبير عن ابن عباس أنه قال إذا خافت الحاملُ على نفسها والمرضع على ولدها في رمضان يفطران ويطعمان مكان كل يومٍ مسكيناً ولا يقضيان صوما أخرجه ابن جرير الطبري (١).
(وعن) نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً مداً من حنطة. أخرجه مالك والبيهقي (٢).
(وقال) الحنفيون: يباح الفطر للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما وعليهما القضاء عند القدرة ولا فدية عليهما لعدم النص عليها في الحديث (وبهذا) قال مالك في الحامل (وقال) في المرضع: إذا خافت على ولدها أو نفسها ولم تجد أجرة ترضعه بها عليها الفطر والقضاء والفدية لكل يوم مد (وقال) الشافعي وأحمد: يباح لهما الفطر وعليهما القضاء فقط إن خافتا على أنفسهما فقط أو مع ولدهما. أما إن خافتا على الولد فقط فعليهما القضاء لأن حالهما لا ينقص عن حال المريض وعليهما الفدية أيضاً لكل يوم مد من غالب قوت البلد عند الشافعي لأنهما يطيقان الصوم وقد قال الله تعالى: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين (٣) " (وقال) أحمد: الواجب مد بر أو نصف صاع شعير والخلاف فيه
стр. 3195
كالخلاف في إطعام المساكين في كفارة الجماع. فإن عجزتا عن الإطعام سقط عنهما بالعجز ككفارة الوطء بل أولى لوجود العذر. وقيل لا يسقط (١).
(٥) الكبر: - بكسر ففتح- الطعن في السن يطلب من الشيخ الهرم والمرأة العجوز إذا لحقهما بالصوم مشقة أن يفطروا ويطعما لكل يوم مسكيناً مداً من بر عند الشافعي وأحمد ونصف صاع من بر أو دقيقه أو سويقه أو صاعا من تمر أو شعير أو زبيب أو قيمة ذلك عند الحنفيين إن قدر وإلا استغفر الله تعالى وطلب منه العفو والاقالة (قال) ابن عباس رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليه. أخرجه الدارقطني والحاكم وصححاه (٢) (والظاهر) أن هذا موقوف. ويحتمل أن المراد رخص النبي ﷺ فبني الفعل للمجهول للعلم بالفاعل. فإن الترخيص إنما يكون توقيفاً. ويحتمل أنه فهمه ابن عباس من الآية "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" وهو الأقرب (وقال) مالك: الشيخ الفاني والمرأة الفانية يفطران ولا شيء عليهما لأنهما تركا الصوم للعجز فلا تجب فدية كالمريض الذي اتصل مرضه بالموت. وهذا قياس مع النص فلا يعول عليه.
(هذا) ولو كان الشيخ الفاني مسافراً فمات قبل الإقامة لا يلزم الإيصاء بالفدية لأنه إنما ينتقل من الصوم إلى الفدية عند لزومه وهو لا يلزم المسافر. والفدية لا تكفي إلا عن صوم هو أصل بنفسه لا بدل عن غيره، فلو لزمته كفارة يمين أو قتل فلم يجد ما يكفر به وهو شيخ عاجز عن الصوم أو لم يصم
стр. 3196
حتى عجز عنه لا تكفيه الفدية لأن الصوم هنا بدل عن غيره. هذا ويجوز في الفدية طعام الإباحة عند الحنفيين وهو أكلتان مشبعتان (وقال) غيرهم لا يجوز بل لابد فيها من التمليك وإن قدر الشيخ أو العجوز على الصوم بعد الفدية، لزمه القضاء لأنه وجد أياماً أخر ولأن شرط وقوع الفدية خلفاً عن الصوم دوام العجز عنه (وعن) أحمد- فيمن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام- روايتان (الأولى) لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية الواجبة عليه فلم يعد إلى الشغل بما برئت منه كمن كان مريضاً لا يرجي برؤه أو شيخاً لا يستمسك على الراحلة فأقام من يحج عنه ويعتمر فيجزيء عنه وإن عوفي (الثانية) يلزمه القضاء لأن الإطعام شرع لليأس وقد تبينا ذهاب اليأس فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت (١).
(٦) يباح الفطر لمن أكره عليه بملجئ كالقتل أو قطع عضو.
(٧) ويباح الفطر للمجاهد لا علاء كلمة الدين ولو مقيماً إذا خاف الضعف عن الجهاد إذا استمر صائماً.
(٨ و ٩) ويباح الفطر لمن خاف الهلاك أو نقصان العقل أو الضرر من جوع أو عطش شديدين إن لم يفطر لقوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (٢)
стр. 3197
وقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (١) (ولحديث) ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "ولا ضرر ولا ضرار" أخرجه أحمد بسند حسن (٢) ﴿٢٣٧﴾
(تتميم) من أفطر لعذر مما سبق ومات قبل زواله لا يلزمه قضاء ولا وصية بالفدية، لأنه لم يدرك عدة من أيام أخر وهذا مجمع عليه (لحديث) أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي (٣) ﴿٢٣٨﴾
ومن أفطر لعذر زوال قبل الموت بقدر ما فاته يلزمه قضاؤه، لإدراكه عدة من أيام أخر وإن لم يزل الذر بقدر ما فات بل زال أياماً أقل من الفائت ثم حل الموت، لزمه القضاء بقدر أيام زوال العذر. فإن كان قضاها فيها وإلا لزمه الوصية بالفدية عن كل يوم يلزمه قضاؤه.
فمن أفطر لعذر. وتمكن من القضاء ولم يقض أو أفطر لغير عذر ومات ولم يقض أطعم عنه من له التصرف في ماله عن كل يوم مسكيناً (لحديث) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً" أخرجه الترمذي وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه. والصحيح عن ابن عمر موقوف وأخرجه ابن ماجه من طريق آخر مرفوعاً (٤) ﴿٢٣٩﴾
стр. 3198
و (لذا) قال الحنفيون: لا يصام عن الميت مطلقاً ويطعم عنه وليه إن أوصى به عن كل يوم لزم نصف صاع من بر أو دقيقة أو سويقة أو صاعاً من تمر أو شعير أو زبيب أو قيمة ذلك (وقال) مالك والشافعي في الجديد: يطعم عنه وليه مداً من طعام عن كل يوم، لقول ابن عباس لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة أخرجه النسائي في الكبرى بسند صحيح (١) (وقالت) عائشة ﵂: "لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم" أخرجه عبد الرازق والبيهقي (٢).
(هذا) ويلزم أن يكون الإطعام من ثلث ما تركه من عليه الفدية إن كان له وارث وإلا فمن الكل إن أوصى. والوصية لازمة إن كان له مال وإن لم يوص لا يلزم الإطعام عند الحنفيين ومالك وإن تبرع به الولي أو غيره صح وله الثواب عند الشافعي وأحمد (وقال) الحنفيون ومالك: لا يسقط الواجب عن الميت لعدم نيته وفعل الغير لا يقوم مقام فعله بلا إذنه. والزكاة والصلاة كالصوم وكل صلاة في الفدية كصوم يوم على الصحيح عند الحنفيين (وقال) المحدثون والليث بن سعد والزهر كما والشافعي في القديم: يجوز الصوم عن الميت مطلقاً لا فرق بين قضاء رمضان والنذر والكفارات (لعموم) حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال:
стр. 3199
"من مات وعليه صيام صام عنه وليه" أخرجه أحمد والشيخان والبيهقي وأبو داود وقال: هذا في النذر وهو قول أحمد بن حنبل (١) ﴿٢٤٠﴾
المعنى أن من مات من المكلفين وعليه قضاء صيام لازم من فرض رمضان أو نذر أو كفارة صام عنه وليه. والمراد به كل قريب ولو غير عاصب على الصحيح.
(وقال) بريدة ﵁ "بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت فقال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت يا رسول الله إنه كان عليها صوم شعر أفأصوم عنها؟ قال صومي عنها قالت إنها لم تحج قط أفأحج عنها؟ قال حجي عنها" أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وقال حسن صحيح (٢) ﴿٢٤١﴾
(وقال) أحمد وإسحق: من مات وعليه صيام صاله عنه وليه ما عليه من نذر ويطعم عنه عن كل يوم من رمضان مداً (لقول) ابن عباس "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك" أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم (٣) ﴿٢٤٢﴾
والفرق بين النذر وغيره أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها والنذر أخف حكماً لكونه لم يجب بأصل الشرع وإنما أوجبه الناذر على نفسه (وأجاب) الجمهور عن هذه الأحاديث.
стр. 3200
(ا) بأنها مصروفة عن الظاهر للإجماع على أن من مات وعليه صلاة لا يصلي عنه مع أنها دين عليه فكذا الصوم، لأن كلاً منهما عبادة بدنية.
(ب) وبأنها معارضة بما تقدم من الأحاديث الدالة عن منع الصيام عن الغير ولذا أفتى ابن عباس وعائشة ﵄ فيما تقدم- بخلاف ما روياه فدل ذلك على أن العمل على خلاف ما رويا، لأن فتوى الراوي خلاف مرويه بمنزلة روايته للناسخ ويبعد عن مقام الصحابي أن يرجع عما رواه ويفتي بضده، إلا لاطلاعه على ناسخ نسخ ما رواه (ويؤيد) النسخ قول مالك في الموطأ: إنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يسأل: هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد. ولا يصلي أحد عن أحد (١).
(والظاهر) ما ذهب إليه أحمد من أنه لا يصام عمن مات وعليه صوم رمضان ويصام عمن مات وعليه نذر وبه يجمع بين الأحاديث (قال) ابن قدامة بعد كلام: إذا ثبت هذا فإن الصوم ليس بواجب على الولي لأن النبي ﷺ شبهه بالدين ولا يجب على الولي قضاء دين الميت وإنما يتعلق بتركته إن كانت له تركة فإن لم يكن له تركة فلا شيء على وارثه لكن يستحب أن يقضي عنه لتفريغ ذمته وذلك رهانه كذلك ههنا ولا يختص ذلك بالولي بل كان من صام عنه قضى ذلك عنه وأجزأ لأنه تبرع فأشبه قضاء الدين عنه (٢).
(١١) بدع رمضان
قد تبين ما ينبغي للعاقل أن يتخلى عنه في هذا الشهر المبارك من التفريط واللغو وغيرهما من الرذائل (٣) وما يلزم أن يتحلى به فيه من الفضائل لكن
стр. 3201
الشيطان لبني الإنسان بالمرصاد لا يألو جهداً في أن يحسن لهم ما يخرجون به عن طريق الجادة "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين (١) " فقد زين لهم بدعاً ومخالفات ما أنزل الله بها من سلطان فارتكبوها في هذا الشهر العظيم المبارك شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران والرضا والإحسان لمن أخلص فيه للرحيم الرحمن.
(منها) ما يفعله بعض الجهلة عند رؤية هلال رمضان من رفع أيديهم قائلين هل هلالك جل جلالك. شهر مبارك علينا وعليك ونحوه مما تقدم في بحث ما يقال عند رؤية الهلال (٢) (ومن) المخالفات الفظيعة ما يقع بعد رؤية هلال رمضان وهلال شوال من صباح النساء ولطمهن الخدود على من لم يحل عليه الحول من الأموات وهن على سطوح الدور والمنازل (والأقبح) من ذلك خروجهن بعد ذلك إلى المقابر واختلاطهن بالرجال يرتكبن أقبح الفواحش وقد ترك رعاتهن لهن الحبل على الغارب ناسين قول النبي ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها. والخادم راع في مال سيده وهو مسئول عن رعيته. والرجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيته. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر (٣) ﴿٢٤٣﴾
يعني كلكم ملزم بحفظ ما يطالب به من أمر رعيته إن كان والياً وعن عدم الخيانة إن كان مولياً عليه والكل مسئول في الآخرة عن رعيته هل وفاهم حقوقهم وقام بمصالحهم الدينية والدنيوية؟ فإن وفي ما عليه من
стр. 3202
الرعاية فله الحظ الأوفر والجزاء الأكبر وإلا طالبه كل واحد من رعيته بحقه "يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبه وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (١) ". (وأفاد) الحديث أن الراعي إنما أقيم لحفظ ما استرعاه. وهو يشمل المنفرد إذ يصدق عليه أنه راع في جوارحه باستعمالها فيما خلقت له من طاعة الله تعالى: "إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً (٢) ".
يقع هذا (ولا عمل) بقول الله تعالى: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وءاتين الزكاة وأطعن الله ورسوله (٣) " ولا ارتداع مما قال ابن عباس: "لعن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم زائرات القبور" أخرجه أحمد والأربعة والحاكم (٤). ﴿٢٤٤﴾
وإنما لعن لأنهن مأمورات بالقرار في البيوت. فأي امرأة خالفت ذلك وكان يخشى منها أو عليها الفتنة، فقد استحقت الطرد عن رحمة الغفار والابتعاد عن منازل الأبرار ويحرم عليها زيارة القبور أو تكره على ما تقدم بيانه في بحث زيارة النساء القبور (٥) (ومن) البدع تأخير الفطر بعد تحقق الغروب بقصد التمكين فهو خلاف السنة، لما تقدم في آداب الصيام (٦).
(ومنها) ما يفعله كثير من الناس من وضع الطعام قبل الغروب والالتفاف
стр. 3203
حوله والنظر إليه زاعمين أن ذلك طاعة وأن الطعام يستغفر لهم لصبرهم عنه- مع حضوره وحاجتهم إليه- امتثالاً لأمر ربهم وخشية منه واحتراماً لرمضان شهر الصبر والصيام.
(ومنها) فطر الجهلة على غير الحلو والماء بل يسرعون إلى تناول الدخان والتمباك ونحوهما وفي ذلك شغفهم ولذتهم وراحتهم كما يزعمون. مع أن تناول ما ذكر ممنوع مطلقاً كما تقدم في بحث (صيانة المسجد عن الروائح الكريهة (١)
(ومنها) ما ابتدعه الجهلة في صلاة التراويح وقد تقدم بعضه في بحثها (٢).
(ومنها) إنارة المنائر في رمضان وزيادة النور في المساجد، فإنه إسراف وتبذير لم يكن من فعل السلف وهو حرام سيما إذا كان من مال الوقف.
(ومن) أفظع المخالفات ما يفعله بعض الأعيان من إحضار قارئ يقرأ القرآن في حجرة صغيرة بينما هم يسمرون مع زائريهم في الحجرات الفخمة. والكل في لهو وإعراض عن كلام الله لا ينصتون إليه ولا يتعظون بآياته بل يرفعون أصواتهم بالقيل والقال وأمور الدنيا على القرآن ويعبثون ويشربون الدخان ويقهقهون كأنهم في مقهى أو مسرح ناسين قول الله تعالى: "وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" (٣) وإذا رآهم على هذه الحال مرشد خاف مولاه فأمرهم بترك هذا الهذيان وبالتدبر لما يتلى عليهم من كلام الله أبوا وأصروا واستكبروا
стр. 3204
استكباراً ولجهلهم وعدم تدبرهم يقرأ القاريء آيات العذاب والغضب واللعنة والطرد والوعيد فلا خوف ولا خشوع ولا خضوع بل يكون منهم الاستحسان وإظهار الرضا بقولهم الله الله غافلين عن قول الله تعالى: "ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون" (١).
(فعلى) العقلاء أن يتأدبوا في مجلس القرآن لأنهم حينئذ في حضرة الرحيم الرحمن الواحد القهار العزيز الجبار وأن يمنعوا العبث والريح الكريه ورفع الصوت والاشتغال بغير تدبر الآيات وأن يعملوا بما يتلى عليهم فيقفوا عند الحدود فلا يراهم مولاهم حيث نهاهم ولا يفقدهم حيث أمرهم.
(ومنها) تعجيل السحور فهو خلاف السنة لما تقدم (٢).
(ومنها) التسحير وهو مناداة بعض الناس في الشوارع والحارات والطرق بكلمات يوقظون بها الناس للسحور فإن هذا لم يكن في شهد النبي ﷺ ولا أمر به ولم يكن من فعل من مضي والخير كله في الاتباع والشر في الابتداع. ومما يزيد الطين بلة أن المسحرين يقومون إلى التسحير بعد نصف الليل فيكون لا فائدة في السحور ولا يساعد على أداء العبادة على وجهها الأكمل بلا مشقة. وإذا تسحر مبكراً فإنه يكسل عن قيام الليل لغلبة النوم عليه بخلاف ما إذا تسحر قريباً من طلوع الفجر فإنه يشتغل بعده بالطهارة لصلاة الصبح ثم يقضي وقته في ذكر الله حتى تطلع الشمس ثم ينصرف إلى عمله نشطاً (وبهذا) يحصل له التهجد ليلاً ويخف عليه الصوم نهاراً وينضبط حاله ولكنا نرى الناس في هذا الزمن يسهرون في المقاهي ودور الملاهي بزعم إحياء
стр. 3205
ليالي رمضان والاحتفاء به حتى إذا انتصف الليل قاموا إلى السحور وبعدها ينامون ولا يوقظهم إلا حر الشمس.
(ومن) الهذيان ما يفعله المسحرون في الأسبوع الأخير من رمضان من قولهم: لا أوحش الله منك يا شهر رمضان لا أوحش الله منك يا شهر الصيام. لا أوحش الله منك يا شهر القرآن. وغير ذلك.
(ومن) المحدث الاحتفال بإحياء ليلة القدر في المساجد فإنه بدعة منكرة فيه مفاسد تقدم بيانها في بحث المواسم غير الشرعية (١).
(١٢) الموضوع في الصيام
وقد تحركت وبذلت الجهود في تخريج ما ثبت في الصيام من الأحاديث مبيناً حالها من صحة وحسن وضعف ونذكر هنا بعض الأحاديث الموضوعة لئلا يغتر بعض الجاهلين وهو أنواع المذكور منها هنا ستة:
(الأول) ما قيل في رمضان وهو: (١) ما روي ابن عدي عن أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً: لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان قال ابن الجوزي موضوع آفته أبو معشر نجيح ليس بشيء (٢).
(٢) ما روي ابن حبان عن أصرم بن حوشب بالسند إلى أنس مرفوعاً: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نادي الجليل رضوان خازن الجنة فيقول: لبيك وسعديك. فيقول هييء جنتي وزينها للصائمين من أمة محمد ولا تغلقها عنهم حتى ينقضي شهرهم. ثم ينادي جبريل يا جبريل فيقول: لبيك ربي وسعديك. فيقول: أنزل إلى الأرض فغل مردة الشياطين عن أمة محمد
стр. 3206
لا يفسدوا عليهم صيامهم ولله في كل ليلة من رمضان عند طلوع الشمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النار الخ بطوله قال ابن الجوزي لا يصح أصرم كذاب (١).
(٣) ما روي عن عثمان بن عبد الله القرشي بالسند إلى أبي هريرة مرفوعاً: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه الصيام وإذا نظر إلى عبد لم يعذبه أبداً. ولله في كل يوم ألف ألف عتيق من النار. فإذا كان ليلة النصف من شهر رمضان أعتق الله فيه مثل جميع ما أعتق وإذا كان ليلة خمس وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع ما أعتق وإذا كان ليلة تسع وعشرين أعتق فيها مثل جميع ما أعتق في الشهر كله. وإذا كانت ليلة الفطر ارتجت الملائكة وتجلي الجبار ﷻ مع أنه لا يصفه الواصفون فيقول للملائكة- وهم في عيدهم من الغد يوحي إليهم- يا معشر الملائكة ما جزاء الأجير إذا وفى عمله؟ فتقول الملائكة: يوفي أجره. فيقول الله تعالى: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال السيوطي موضوع فيه مجاهيل والمتهم فيه عثمان. يضع (٢).
(٤) ما روي ابن الناقور في خماسياته عن إبراهيم بن هدبة عن أنس مرفوعاً: لو أن الله أذن للسماوات والأرض أن تتكلم لبشرت الذي يصوم شهر رمضان بالجنة. قال السيوطي: ابن هدبة كذاب (٣).
(٥) ما قيل: يوم صومكم يوم نحركم. وفي لفظ: يوم رأس سنتكم. قال العجلوني، لا أصل له كما قاله الإمام أحمد والزركشي والسيوطي (٤).
(٦) ما روي الدارقطني عن الحارث بن عبيدة الكلاعي قال: حدثنا
стр. 3207
مقاتل ابن سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله: من أفطر يوماً في شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة. فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعاً من تمر المساكينَ قال السيوطي: مقاتل كذاب والحارث ضعيف (١).
(٧) ما روي الدارقطني عن محمد بن صبيح عن عمر بن أيوب الموصلي بالسند إلى أنس مرفوعاً: من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا عذر كان عليه أن يصوم ثلاثين يوماً. ومن أفطر يومين كان عليه أن يصوم ستين ومن أفطر ثلاثة كان عليه أن يصوم تسعين يوماً. قال الدارقطني: لا يثبت عمر بن أيوب لا يحتج به ومحمد بن صبيح ليس بشيء (٢).
(الثاني) ما قيل في الصوم المطلق وهو: (١) ما روي الخطيب عن إبراهيم ابن عبد الله بالسند إلى أنس مرفوعاً: إن الله تعالى أوحى إلى الحفظة أن لا تكتبوا على صوام عبيدي بعد العصر سيئة قال الدارقطني: إبراهيم بن عبد الله ليس بثقة حدث عن قوم ثقات بأحاديث باطلة منها هذا (٣)(٢) ما روي تمام عن موسى الطويل عن أنس مرفوعاً: من أفطر على تمرة من حلال، زيد في صلاته أربعمائة صلاة قال السيوطي: موسى يضع (٤)(٣) ما روي ابن عدي عن الحسن بن علي العدوي عن خراش بن عبد الله عن أنس مرفوعاً: من تأمل خلق امرأة حتى يتبين ثم حجم عظامها ورأى ثيابها وهو صائم فقد أفطر. قال السيوطي: موضوع العدوى وشيخه كذابان وإنما يروي عن حذيفة قال: من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب أبطل صومه (٥)
стр. 3208
(٤) ما روي الدارقطني عن سعيد بن عنبسة عن بقية عن محمد بن الحجاج عن جابان عن أنس مرفوعاً: خمس يفطرن الصائم وينقضن الوضوء: الكذب والنميمة والغيبة والنظر بشهوة واليمين الكاذبة قال السيوطي: مووضع سعيد كذاب والثلاثة فوقه مجروحين (١).
(والثالث) ما قيل في صوم البيض- وهو ما روي ابن شاهين عن عبد الملك ابن هرون عن أبيه عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده مرفوعاً: صوم البيض أول يوم يعدل ثلاثة آلاف سنة. واليوم الثاني يعدل عشرة آلاف سنة واليوم الثالث يعدل ثلاث عشرة ألف سنة. قال السيوطي موضوع. هرون لا يحتج به وابنه عبد الملك كذاب يضع (٢).
(الرابع) ما قيل في صوم ذي الحجة وهو: (١) ما روي ابن عدي عن محمد ابن المحرم عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة أن شاباً كان صاحب سماع فكان إذا هل هلال ذي الحجة الحرام أصبح صائماً فأرسل إليه النبي ﷺ فقال: ما يحملك على صيام هذه الأيام؟ قال: إنها أيام المشاعر وأيام الحج عسى الله أن يشركني في دعائهم فقال: لك بكل يوم عدل مائة رقبة تعتقها ومائة رقبة تهديها إلى بيت الله ومائة فرس تحمل عليها في سبيل الله فإذا كان يوم التروية فلك عدل ألف رقبة وألف بدنة وألف فرس تحمل عليها في سبيل الله. فإذا كان يوم عرفة فلك عدل ألفي رقبة وألفي بدنة وألفي فرس تحمل عليها في سبيل الله وصيام سنتين قبلها، وسنتين بعدها قال السيوطي لا يصح محمد بن المحرم كذاب (٣)(٢) وما روي ابن عدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
стр. 3209
مرفوعاً: من صام العشر فله بكل يوم صوم شهر وله بصوم يوم التروية سنة وله بصوم يوم عرفة سنتان. قال ابن الجوزي لا يصح الكلبي كذاب (١). (٣) ما قيل: من صام يوم ثمانية عشرة من ذي الحجة كتب الله صيام سنتين شهراً قال العجلوني: ذكره الحلبي في سيرته من غير عزو لأحد ثم نقل عن الحافظ الذهبي أنه حديث منكر جداً. بل كذب فقد ثبت في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهراً هذا باطل (٢).
(٤) ما روي ابن عدي عن أحمد بن عبد الله الهروي عن وهب بن وهب بسنده إلى ابن عباس مرفوعاً من صام آخر يوم من ذي الحجة وأول يوم من المحرم فقد ختم السنة الماضية وافتتح السنة المستقبلة بصوم جعل الله له كفارة خمسين سنة قال السيوطي: الهروي ووهب كذابان (٣).
(الخامس) ما قيل في المحرم وهو: (١) ما روي أبو نعيم عن موسى الطويل عن أنس مرفوعاً: من صام تسعة أيام من أول المحرم بني الله له قبة في الهواء ميلاً في ميل لها أربعة أبواب قال السيوطي: موضوع آفتة موسى (٤). (٢) ما روي عن حبيب بن أبي حبيب بالسند إلى ابن عباس مرفوعاً: من صام يوم عاشوراء كتب الله له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها. ومن صام يوم عاشوراء أعطى ثواب عشرة آلاف ملك وذكر مبالغات في الجزاء والثواب ليس عليها أثارة صدق قال السيوطي آفته حبيب (٥).
(السادس) ما قيل في رجب (ومنه) ما روي الديلمي عن أنس مرفوعاً رجب شهر الله وشعبان
стр. 3210
شهري. ورمضان شهر أمتي. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات بطرق (١). (وقال) المناوي: لم يثبت عن النبي ﷺ في فضل رجب إلا خير: كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في وجب (٢) ولم يثبت غيره بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي ﷺ كذب (٣).
(١٣) الاعتكاف
ذكر بعد الصوم لأنه شرط في الاعتكاف الواجب اتفاقاً وكذا في غيره على الأصح كما يأتي، ولأن الاعتكاف مؤكد في العشر الأواخر من رمضان (وهو) في اللغة اللبث والحبس على الشيء خيراً كان أم شراً (قال) الله تعالى: "عن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد" (٤).
أي الملازم المسجد الحرام والطارئ عليه (وقال) تعالى: "وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم (٥) " أي يلازمون عبادتها وفي الشرع المكث في مسجد جماعة- وهو ماله إمام ومؤذن ولو لم تصل فيه الخمس- مع النية. فاللبث ركن والنية شرط. وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة (قال) الله تعالى: "ولا تباشرهن وأنتم عاكفون في المساجد (٦) "
стр. 3211
فالاختصاص بالمساجد وترك الوطء المباح، دليل على أن الاعتكاف قربة (وعن) أبي هريرة ﵁ "أن النبي ﷺ كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً" أخرجه البخاري وأبو داود والدارمي والبيهقي وابن ماجه (١) ﴿٢٤٥﴾ (وسببه) النذر إن كان واجباً والنشاط الداعي إلى طلب الثواب إن كان تطوعاً.
(وحكمه) مشروعية الاعتكاف الترغيب في جميع القلوب على الله تعالى بالخلوة مع خلو المعدة والإقبال على طاعة الله تعالى والتنعم بذكره والإعراض عما سواه (وهو) مرغب فيه شرعاً لا سيما في العشر الأواخر من رمضان (روي) أبو هريرة أن النبي ﷺ : "كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله " أخرجه احمد والترمذي وقال: حسن صحيح (٢) ﴿٢٤٦﴾
(وقالت) عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر ويقول: "التمسوها في العشر الأواخر" يعني ليلة القدر. أخرجه أحمد بسند جيد (٣) ﴿٢٤٧﴾
(هذا) والمعتكف ينبغي أن يكون قلبه معلقاً بالمسجد وأن يكون مرابطاً فيه فإن الملائكة تجالسه. فإن غاب بحثوا عنه وإن مرض عادوه ولا يحرم من دعائهم واستغفارهم له وهو في ضيافة الله وإكرامه يلحظه بعنايته ويكلؤه برعايته (روي) أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:
стр. 3212
إن للمساجد أوتاداً، الملائكة جلساؤهم إن غابوا يفتقدوهم وإن مرضوا عادوهم. وإن كانوا في حاجة أعانوهم" أخرجه أحمد وفيه ابن لهيعة. وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن سلام. وقال: صحيح على شرطهما (١) ﴿٢٤٨﴾
(وقال) أبو الدرداء ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: "المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة" أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وقال: إسناده حسن ورجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٢٤٩﴾
ثم الكلام ينحصر في عشرة فروع:
(١) حكم الاعتكاف: اتفق العلماء على مشروعية الاعتكاف واختلفوا في صفته (فقال) الحنفيون: هو ثلاثة أقسام (الأول) سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان لما تقدم (ولحديث) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" ثم اعتكف أزواجه من بعده اخرجه البيهقي والسبعة إلا ابن ماجه (٣). ﴿٢٥٠﴾
فالمواظبة عليه مع عدم الإنكار على من لم يفعله دليل أنه سنة (الثاني) واجب وهو ما لزم بالنذر المطلق كقوله: لله على أن اعتكف كذا. أو المعلق كقوله إن شفا الله فلاناً لاعتكفن كذا (وأصله) حديث
стр. 3213
ابن عمر ﵄ أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام. فسأل النبي ﷺ فقال "أوف بنذرك" أخرجه الستة والدارقطني (وقال) الترمذي: حسن صحيح (١) ﴿٢٥١﴾
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا قالوا: إذا أسلم الرجل وعليه نذر طاعة فليف به وقال بعضهم: لاعتكاف إلا بصوم. وقال آخرون: ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجب على نفسه صوماً واحتجوا بحديث عمر وهو قول أحمد وإسحاق (٢) (الثالث) مستحب وهو ما يكون في غير وقت السنة والواجب (لحديث) عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من اعتكف إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" أخرجه الديلمي في مسند الفردوس وفيه من لا يعرف (٣). ﴿٢٥٢﴾
(ومشهور) مذهب مالك ﵁ أن الاعتكاف مندوب وقيل سنة في رمضان لمواظبة النبي ﷺ فيه. مندوب في غيره (وقالت) الشافعية والحنبلية: الاعتكاف سنة إن لم ينذر وإلا كان واجباً.
(٢) زمن الاعتكاف: مشهور مذهب مالك أن أفله يوم وليلة. وقيل ثلاثة أيام وقيل عشرة (وقال) الحنفيون: أقل النفل منه لحظة غير مقدرة بزمان فيحصل بمجرد
стр. 3214
المكث مع النية ولو ماراً بالمسجد ليلاً أو نهاراً وأقل الواجب يوم لاشتراط الصوم فيه على ما يأتي (وقالت) الشافعية: أقله لحظة وهو مشهور مذهب أحمد. والمستحب أن لا ينقص عن يوم خروجاً من خلاف من أوجبه. فينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار أو لعمل أخروي أو دنيوي أن ينوي الاعتكاف فيثاب عليه ما لم يخرج من المسجد فإذا خرج ثم دخل جدد النية وليس للاعتكاف ذكر مخصوص ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف (١) ولا حدّ لأكثره عند الثلاثة (وقال) مالك: أكثره شهر (قال) عبد الحافظ: وأقل الاعتكاف المندوب عشرة وأكثره ما زاد عن شهر وما نقص عن عشرة لأنه ﵊ لم ينقص عنها هذا هو الراجح وقيل العشرة أكثر المندوب فيكره ما زاد عليها وفي كراهة ما دونها قولان (٢). هذا ومن نذر اعتكاف يومين فأكثر ناوياً الليل والنهار أو لم ينو شيئاً أو نوى الليالي فقط لزمه اعتكاف الأيام بلياليها السابقة مع التتابع وإن لم يلتزمه وكذا إذا نذر اعتكافها بأيامها المتأخرة عند الحنفيين لأن ذكر الأيام أو الليالي بلفظ الجمع يتناول ما بإزائها من الليالي والأيام لقوله تعالى: "قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً" (٣) وقوله: "ءايتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا" (٤) والخطاب لسيدنا زكريا. والقصة واحدة ولو نوى بالأيام النهار خاصة، تصح نيته لأنه نوى حقيقة
стр. 3215
كلامه فلا يلزمه اعتكاف الليالي. ولو نذر اعتكاف ليلة لا يلزمه شيء، لعدم الصوم. وعن أبي يوسف يلزمه اعتكافها بيومها (لحديث) عمر السابق (١)
(وقال) النووي: إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليلة إلا أن ينويها فإذا نواها لزمها اعتكافها مع اليوم، لأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته. ولو نذر اعتكاف شهر دخلت الأيام والليالي اتفاقاً. لأن الشهر اسم لما بين الهلالين. ولو نذر اعتكاف يومين لزمه يومان اتفاقا وكذا ليلتان عند الحنفيين وروي عن أحمد (وقال) مالك والشافعي: لا تلزمانه لأن اليومين تثنية يوم وليس في اليوم ليلة فكذا في اليومين. وهل تلزمه ليلة؟ الراجح عند مالك والشافعي وأحمد أنه إن نوي التتابع أو صرح به لزمته الليلة وإلا فلا (٢).
(٣) شروط الاعتكاف: يشترط لصحته سبعة شروط (الأول والثاني) الإسلام والتمييز فلا يصح من كافر ولا غير مميز لأنهما ليسا أهلاً للعبادة. أما الصبي المميز فيصح اعتكافه (الثالث) النية وهي شرط عند مالك والشافعي فلا يصح بدونها (الرابع) الطهارة من الحدث الأكبر فلا يصح ابتداء من حائض ولا نفساء عند مالك والشافعي وأحمد لأن مكثهما في المسجد معصية (وقال) الحنفيون: الخلو من الحيض والنفاس شرط لصحة الاعتكاف المنذور دون المسنون في ظاهر الرواية وكذا لا يصح من جنب عند الشافعي واحمد (وقال) الحنفيون ومالك: الخلو من الجنابة شرط لحل الاعتكاف لا لصحته فلو اعتكف الجنب صح اعتكافه مع الحرمة ولو طرأ الحيض أو النفاس أو الردة أو الجنابة في أثناء الاعتكاف لزمهم الخروج من المسجد
стр. 3216
وبطل الاعتكاف (١) ويصح الاعتكاف المرأة ولو متزوجة والعبد كما يصح صيامهما لكن يحرم عليهما الاعتكاف بغير إذن الزوج والسيد ولو خالفا صح مع الحرمة (٢) (الخامس) الكف عن شهوة الفرج في الاعتكاف الواجب مع الذكر والعلم بالتحريم عند الشافعي. ولا يشترط الذكر والعلم عند الثلاثة. فيحرم على المعتكف أمور المذكور منها- مع ما يفسد الاعتكاف- اثنا عشر:
(١) الوطء ولو ليلاً خارج المسجد لقوله تعالى: "ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد" (٣) ويفسد اعتكافه بالوطء وإن لم ينزل ولو ناسياً عند الحنفيين ومالك وأحمد، لأن الليل محل للاعتكاف وحالة المعتكف مذكرة كحالة الصلاة فلا يعذر بالنسيان (وقال) الشافعي: لا يفسد اعتكافه بالوطء ناسياً كالصوم. ولا كفارة في وطء المعتكف في غير رمضان عند الثلاثة وهو المشهور عن أحمد.
(٢) ويحرم عليه مقدمات الوطء كاللمس والقبلة بشهوة، لأنها مؤدية إليه. ويفسد اعتكافه بالإنزال عن مباشرة في غير الفرج كاللمس والقبلة والتبطين والنفخيذ، لأن ما ذكر مع الإنزال في معنى الجماع. وإن أنزل بتفكر أو نظر لا يفسد اعتكافه عند الحنفيين وأحمد وهو قول للشافعي وعنه يفسد وهو مذهب مالك. وكذا إن باشر بشهوة ولم ينزل فهو حرام إجماعاً ولا يفسد اعتكافه عند الحنفيين وأحمد. وروي عن الشافعي لأنها مباشرة لا تفسد صوماً ولا حجا فلا تفسد الاعتكاف كالمباشرة بغير شهوة
стр. 3217
(وقال) مالك: يفسد اعتكافه وهو رواية عن الشافعي، لأنها مباشرة محرمة فتفسده كما لو أنزل.
(٣) ويفسد اعتكافه بالردة إجماعاً لقوله تعالى: "لئن أشركت ليحبطن عملك" (١) وبالردة صار ليس من أهل الطاعة، وإن عاد للإسلام لا يلزمه قضاؤه عند الحنفيين وملك والشافعي، لأن الإسلام يجب ما قبله (وقال) أحمد: يلزمه القضاء تغليظاً عليه.
(٤) ويفسد بالسكر الحرام ولو ليلاً عند مالك والشافعي وأحمد (وقال) الحنفيون لا يبطل الاعتكاف بالسكر ليلاً.
(٥) ويفسد الاعتكاف- ولو تطوعاً عند مالك والحسن بن زياد- بالأكل أو الشرب عمداً نهاراً (وقال) الشافعي وأحمد: إنما يفسد بما ذكر الاعتكاف المنذور لا المسنون وهو ظاهر الرواية عن الحنفيين (٢).
(٦ و ٧) ويفسد الاعتكاف بالجنون والإغماء المنافيين للصوم عند الحنفيين ومالك والشافعي ولكنه لا يبتدئ الاعتكاف بعد زوالهما بل يبني على ما تقدم منه ويقضي الأيام التي حصلا فيها إن كان الصوم واجباً في الاعتكاف (وقال) احمد: يبطل الاعتكاف بالجنون لا بالإغماء.
(٨ و ٩) ويفسد بالحيض والنفاس ولو قلت مدة الاعتكاف عند الحنفيين مالك واحمد. وبعد زوال المانع تبني على ما تقدم منه لأنها معذورة (وقالت) الشافعية: إنما يفسد الاعتكاف بهما إذا كانت مدة الاعتكاف المنذورة تخلو غالباً عنهما بأن كانت خمسة عشر يوماً فأقل في الحيض وتسعة
стр. 3218
أشهر فأقل في النفاس في النفاس. أما إذا كانت مدة الاعتكاف لا تخلو غالباً عنهما بأن كانت تزيد على ما ذكر فلا يفسد بهما.
(١٠) ويفسد بارتكاب كبيرة لا تبطل الصوم كالغيبة وترك الجمعة عمداً ثلاث مرات متوالية على قول مشهور عند المالكية. والآخر لا يفسد. وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
(١١) ويفسد عند أحمد بنية الخروج من الاعتكاف وإن لم يخرج خلافاً للأئمة الثلاثة.
(١٢) ويفسد بالخروج من المعتكف لغير حاجة طبيعية أو ضرورية أو شرعية على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في بحث خروج المعتكف.
(الشرط) السادس أن يكون اعتكاف الرجل في مسجد تقدم فيه الجماعة عند الحنفيين وأحمد (لقول) ابن عباس ﵄: إن أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور، أخرجه البيهقي (١) (وقال) علي ﵁: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعةٍ. أخرجه عبد الرازق وابن أبي شيبة (٢) (روي) ابن عمر أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان. قال نافع: "وقد أراني عبد الله المكان الذي يعتكف فيه رسول الله من المسجد" أخرجه مسلم وابن ماجه وأبو داود وهذا لفظه (٣) ﴿٢٥٣﴾
стр. 3219
ولم يثبت أن النبي ﷺ اعتكف في غير المسجد (وقال) مالك: يصح الاعتكاف في كل مسجد ولا يشترط أن يكون جامعاً إلا لمن تجب عليه الجمعة زمن اعتكافه "ابتداء" كمن نذر اعتكاف ثمانية أيام فأكثر "أو انتهاء" كمن نذر أربعة أولها السبت فمرض بعد يومين وصح يوم الخميس فيلزمه الاعتكاف في الجامع بمكان تصح فيه الجمعة اختياراً. ولا يصح في رحبته وطرقه المتصلة لأنها لا تجوز الجمعة فيها إلا لضرورة الضيق. وإن اعتكف من تلزمه الجمعة في غير الجامع وقد نذر أو نوى أياماً تدركه فيها الجمعة خرج لها وجوباً وبطل اعتكافه ويقضيه. فإن لم يخرج إثم وصح اعتكافه إلا أن يترك الجمعة ثلاث مرات متوالية فيجري على الخلاف في الكبائر هل تبطل الاعتكاف؟ فتركها مرة بلا عذر صغيرة خلافاً لأصبغ، وتركها ثلاثاً كبيرة (١) (قالت) الشافعية: لا اعتكاف إلا في المسجد والأفضل أن يكون في المسجد الجامع ولا يعتكف في غيره إذا كان اعتكافه بتخلله جمعة. أما المرأة فلها أن تعتكف في المسجد وإن لم تقم فيه الجماعة وليس لها أن تعتكف في بيتها عند مالك والشافعي وأحمد (وقال) الحنفيون: لها الاعتكاف في مسجد بينهما وهو افضل لأن صلاتها فيه أفضل. بل يتعين العمل به في هذا العصر الذي عمت فيه الفتن وانتشر الفساد وخلع في برقع الحياة وإذا اعتكف في المسجد استحب لها أن تستر بشيء لأن أزواج النبي ﷺ لما أردن الاعتكاف أمرن بأخبيتهن فضربن في المسجد ولأن المسجد يحضره الرجال.
وخير لهم وللنساء أن لا يرونهن ولا يرينهم ولا بأس أن يستتر الرجل أيضاً فإن النبي ﷺ أمر بخبائه فضرب ولأنه أستر له وأخفى لعمله (قال) أبو سعيد الخدري: اعتكف النبي ﷺ فسمعهم
стр. 3220
يجهرون بالقراءة وهو في قبلة له فكشف الستور وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفعن بعضكم على بعض بالقراءة أو قال في الصلاة" أخرجه أحمد والنسائي وصححه النووي (١) ﴿٢٥٤﴾
(فائدة) سطح المسجد كالمسجد في الاعتكاف وغيره اتفاقاً (وكذا) رحبته منه عند الحنفيين والشافعي ورواية عن أحمد وعنه أنها ليست منه فليس للمعتكف الخروج إليها، وهو قول مالك (والمنارة) التي في الرحبة يجوز للمؤذن وغيره صعودها ولا يبطل الاعتكاف بصعودها (ولها) أربع أحوال (إحداها) أن تكون مبنية داخل المسجد فيستحب الأذان فيها لأنه طاعة (الثانية) أن تكون في رحبته فالحكم فيها كذلك، لأن الرحبة من المسجد ولو اعتكف فيها صح اعتكافه على ما تقدم (الثالثة) أن تكون خارج المسجد ورحبته إلا أنها متصلة به ولها باب إليه فله أن يؤذن فيها لأنها متصلة به (الرابعة) أن تكون خارج المسجد غير متصلة به ففيها خلاف (٢). (السابع) يشترط لصحة الاعتكاف مطلقاً الصوم عند مالك وروي عن أحمد. وهو شرط في صحة على أن اعتكف الواجب دون غيره في ظاهر الرواية عند الحنفيين حتى لو قال الله عليّ أن اعتكف يوماً بلا صوم لزمه الاعتكاف والصوم (وعن) الحسن بن زياد أن الصوم شرط للاعتكاف مطلقاً. ورجحه الكمال بن الهمام (لقول) عائشة ﵂: "السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما
стр. 3221
لابد منه ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" أخرجه البيهقي وأبو داود (١) ﴿٢٥٥﴾
(وعن) ابن عمر أن عمر ﵁ جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة، فسأل النبي ﷺ فقال: "اعتكف وصم" أخرجه أبو داود والبيهقي. وفيه عبد الله بن بديل، ضعفه الدارقطني، واثنى عليه غيره. قال ابن معين وأبو حفص في الثقات: مكي صالح وذكره ابن حبان في الثقات (٢) ﴿٢٥٦﴾
وزيادة الثقة مقبولة، وقد روي لزوم الصوم للمعتكف عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. (روي) الحكم عن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: من اعتكف فعليه الصوم. (وروي) عطاء عن عائشة قالت: من اعتكف فعليه الصوم (٣). (وعن) عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: المعتكف يصوم أخرجه البيهقي (٤). (وعن) القاسم بن محمد ونافع مولى ابن عمر قالا: لا اعتكاف إلا بصيام، لقوله تعالى: "ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد" فذكر تعالى الاعتكاف مع الصيام. أخرجه مالك في الموطأ وقال: والأمر على ذلك عندنا أنه لا اعتكاف إلا بصيام (٥).
(وقال) الشافعي: الصوم ليس شرطاً لصحة الاعتكاف بل يصح اعتكاف لحظة لأنه يصح اعتكاف لحظة واحدة على ما تقدم وهو مشهور
стр. 3222
مذهب أحمد (لحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" أخرجه البيهقي وقال تفرد به عبد الله بن محمد بن نصر وأخرجه الحاكم وصححه وتصحيحه غير مسلم لأنه لم يرفعه غير عبد الله بن محمد وهو مجهول الحال (١). ﴿٢٥٧﴾
وعليه فالراجح القول باشتراط الصوم في الاعتكاف ولو تطوعاً (قال) ابن القيم: ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطراً قط، بل قالت عائشة ﵂: لا اعتكاف إلا بصوم ولم يذكر الله الاعتكاف إلا مع الصوم فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف (٢).
(هذا) والخلاف في لزوم صوم المعتكف المتطوع وعمده مبني على الخلاف في أن اعتكاف التطوع مقدر بيوم أولاً على ما تقدم فمن قال إنه مقدر وهم الجمهور اشترط الصوم ومن قال: إنه غير مقدر لم يشترطه (قال) ابن قدامة: إذا قلنا إن الصوم شرط لم يصح اعتكاف ليلة مفردة ولا بعض يوم ولا ليلة وبعض يوم لأن الصوم المشترط لا يصح في أقل من يوم ويحتمل أن يصح في بعض اليوم إذا صام اليوم كله لأن الصوم المشروط وجد في زمن الاعتكاف ولا يعتبر وجود المشروط في زمن الشرط كله (٣)(٤) وقت الدخول في المعتكف: من نوى اعتكاف يوم وليلة أو أكثر يدخل معتكفة قبل غروب الشمس عند الجمهور والأئمة الأربعة (لحديث) أبي سعيد الخدري ﵁ أن
стр. 3223
النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين- وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه - قال: من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر" أخرجه البخاري (١) ﴿٢٥٨﴾
وجه الدلالة أن العشر بدون هاء اسم لعدد الليالي وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين (وقال) الأوزاعي والثوري والليث بن سعد: يدخل معتكفه بعد صلاة الصبح (لحديث) عمرة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه. وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب" (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه وأبو داود (٢) ﴿٢٥٩﴾
(وأجاب) الأولون عنه بأن النبي ﷺ دخل المسجد أول الليل معتكفاً ولكنه لم يدخل المكان الذي أعدة للاعتكاف إلا بعد صلاة الصبح.
(٥) ما يستحب للمعتكف: يستحب له الاشتغال بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة. والذكر يشمل التسبيح والتهليل والتحميد والكبير والاستغفار والحوقلة والصلاة على النبي ﷺ الدعاء والتفكر في آيات الله تعالى. والطواف بالكعبة ودخولها في معنى الصلاة وكذا يستحب له
стр. 3224
عند الحنفيين والشافعية استذكار الحديث ودراسة العلم وسير الأنبياء والصالحين وكتابة أحكام الدين وغير ذلك من القرب وهو رواية عن أحمد (وقالت) المالكية: يكره اشتغاله بقربة غير ذكر الله تعالى والصلاة والتلاوة وهو رواية عن أحمد وإنما كره الاشتغال بالعلم- غير العيني- غير أنه أفضل من صلاة النافلة، لأن المقصود من الاعتكاف صفاء القلب ورياضة النفس وهو إنما يحصل غالباً بالذكر والصلاة لا بالاشتغال بالعلم. وكذا يكره عند مالك كتابة قرآن إن كثر ولا بأس باليسير وإن كان تركه أولى وكذا يكره صلاته على جنازة وإن وضعت بقربه أو كانت لجار أو صالح، لكونها مظنة الاشتغال مع الناس. وكذا يكره مشي لأذان على منار أو سطح أو غيرهما، لأنه كالخروج من المسجد. فإن أذن في موضعه أو بقربه جاز. وكذا يكره المشي للإقامة ولعيادة مريض بالمسجد إلا أن يكون قريباً منه فلا بأس أن يسلم عليه ولا يقوم ليعزي أو يهني (١) (وندب) مكث في المسجد ليلة العيد لمعتكف عشر رمضان الأواخر ليمضي من معتكفه إلى المصلي لو صل عبادة، وكذا لو اعتكف أقل من العشر وكان آخر اعتكافه آخر يوم من رمضان فيندب له المكث ليلة العيد فإن كانت ليلة العيد أثناء اعتكافه فهل يجب عليه المكث أولاً؟ لأنه لا يصوم صبيحة تلك الليلة. والراجح الأول.
لكن إن خرج ليلة العيد أو يومه إثم ولا يبطل اعتكافه مراعاة للمقابل (وندب) مكثه بآخر المسجد ليبعد عمن يشغله بالحديث (وندب) الاعتكاف برمضان لكونه سيد الشهور (وندب) أن يكون بالعشر الأخير منه لمصادفة ليلة القدر الغالب وجودها في رمضان أو في العشر الأخير منه (٢).
стр. 3225
(٦) ما يباح للمعتكف: يباح له أمور المذكور هنا ثمانية:
(أ) استخدام زوجته في غسل رأسه وتسريح شعره وإخراج بعض بدنه من المسجد لهذا الغرض (لقول) عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يجاور في المسجد فيصغي إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض" أخرجه أحمد وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يعتكف فيخرج إليّ رأسه من المسجد فأغسله وأنا حائض (١). ﴿٢٦٠﴾
(ب) ويجوز للمعتكف التنظف والغسل والحلق والتزين إلحاقاً بالترجل ولا يكره له إلا ما يكره في المسجد (قال) الخطابي: في حديث عائشة أن ترجيل الشعر مباح للمعتكف وفي معناه حلق الرأس وتقليم الأظفار وتنظيف الأبدان من الشعث والدرن (٢) وللرجل أن يتطيب ويلبس الرفيع من الثياب وليس ذلك بمستحب (قال) أحمد: لا يعجبني أن يتطيب لأن الاعتكاف عبادة تختص مكاناً ترك الطيب فيها مشروعاً كالحج وليس ذلك بمحرم لأنه لا يحرم اللباس ولا النكاح فأشبه الصوم (٣).
ولا يجوز للمرأة المعتكفة في المسجد التطيب لأنه داعية إلى تعلق قلوب الرجال بها في المسجد (٤) (جـ) ويباح عند الجمهور للمعتكف وغيره الوضوء في المسجد إلا أن