الطحاوي: فقد ثبت بما ذكرنا صحة الرواية في المستحاضة أنها تتوضأ في حال استحاضتها لوقت كل صلاة (١) ورد بأنك عرفت من الحديث السابق أن الرواية: لكل صلاة لا لوقت كل صلاة. فالحق أنه يجب على المعذور بسلس ونحوه الوضوء لكل فرض.
١ - أقسام الوضوء
هي أربعة عند الأئمة الثلاثة، وخمسة عند أبي حنيفة (الأول) فرض على المحدث للصلاة ومس المصحف ونحوهما مما لا يصح إلا بالطهارة وهو.
(أ) الطهارة للصلاة: يشترط لصحة الصلاة الطهارة من الحدث إجماعا لقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) الآية- ٦ - المائدة (وعن ابن عمر) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول. أخرجه مسلم والأربعة وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب (٢) ﴿٢٦١﴾.
(قال) القاضي عياض: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة (فذهب) ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام سنة ثم نزل فرضه في آية التيمم.
(وقال الجمهور) بل كان قبل ذلك فرضا (واختلفوا) في الوضوء. أهو فرض
стр. 352
على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة؟ (فقال) جماعة من السلف: الوضوء لكل صلاة فرض لقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) الآية (وقال) الجمهور: إن ذلك كان ثم نسخ وبقى لأمر فيه على الندب وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك ولم يبق بينهم خلاف. ومعنى الآية عندهم إذا قمتم محدثين (لحديث) عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسلوك عند كل صلاة ووضع عنه الوضوء إلا من حدث. أخرجه أحمد والدارمي بسند جيد. وصححه ابن خزيمة (١) ﴿٢٦٢﴾.
(وقال بريدة) كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ عند كل صلاة. فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والدارمي (٢) ﴿٢٦٣﴾.
وقال: فدل فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن معنى قول الله تعالى: (إذا قمتم على الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية لكل محدث ليس للطاهر. ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا وضوء إلا من حدث".
стр. 353
(ب) الطهارة لمس المصحف: (قال) الأئمة الأربعة والجمهور: تجب الطهارة لمس المصحف. لظاهر قوله تعالى: (إنه لقرآن كريم (٧٧) في كتاب مكنون (٧٨) (لا يمسه إلا المطهرون) (٧٩) الواقعة. (ولقول) حكيم ابن حزام: لما بعثني النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم إلى اليمن قال: لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر. أخرجه الدارقطني والحاكم وقال صحيح الإسناد والطبراني في الكبير والأوسط. وفيه سويد أبو حاتم ضعفه النسائي ووثقه ابن معين في رواية (١) ﴿٢٦٤﴾.
(فيحرم) على المحدث مس القرآن أو بعضه بيد أو غيرها ولو في لوح أو درهم أو حائط، أو كان كتوبا بغير العربية من غير حائل منفصل، لأن النهي إنما ورد عن مسه. ومع الحائل إنما يكون المس له دون المصحف.
(ومثل) القرآن في ذلك باقي الكتب السماوية (ويكره) تحريما مسه بالكم ونحوه على الصحيح عند الحنفيين (ويحل) تقليب أوراق المصحف بعود ونحوه واختلفوا في مسه بما غسل من الأعضاء والصحيح عدم الجواز إلا بطهارة كاملة (وكذا) يحرم على المحدث حمل القرآن إلا بغلاف منفصل عن القرآن والماس كالكيس والمنديل والصندوق، لأن الحمل أبلغ من المس. نعم يجوز مسه وحمله لضرورة كخوف عليه من حرق أو غرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر ولم يتمكن من الطهارة (ويحل) حمله في متاع تبعا إذا لم يكن مقصودا بالحمل (ولا يحرم) توسد حقيبة فيها مصحف ولا ركوب عليها في السفر إذا كان للحفظ، والإحرام (ورخص) مالك في مس المصحف للمعلم والمتعلم إذا خشيا النسيان (وقال)
стр. 354
داود الظاهري وابن حزم: يجوز مسه بدون طهارة (لحديث) ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أنه كان عند هرقل فدعا هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصري فدفعه إلى هرقلف فقرأه فإذا فيه "بسم الله الرحمن الرحيم" من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم* سلام على من اتبع الهدى (أما بعد) فإني أدعوك بدعاية الإلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك أثم الاريسيين (ويأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون). أخرجه البخاري (١) ﴿
٢٦٥﴾.
(قال) ابن حزم في المحلي: فهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بعث كتابا وفيه هذه الآية إلى النصارى. وقد أيقن أنهم يمسون ذلك الكتاب (٢) (ورد) بأن الذي كان في الخطاب آية واحدة فلا تسمى مصحفا على أن الحالة ضرورة، فلا يقاس عليها. وقياس المس على القراءة قياس مع الفارق. فإن القراءة يشق معها الطهارة دائما. فالاحتياط عدم مس المصحف إلا على طهارة.
стр. 355
(الثاني) من أقسام الوضوء الواجب- يجب الوضوء للطواف بالكعبة ولو نفلا عند الحنفيين ورواية عن أحمد. ويفترض عند غيرهم (لحديث) ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم فيه إلا بخير". أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد والبيهقي. وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان (١) ﴿٢٦٦﴾.
(وعن) طاوس عن صحابي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلامز أخرجه أحمد والنسائي (٢) ﴿٢٦٧﴾.
(فيحرم) الطواف مع الحديث اتفاقا، ولا يصح عند الثلاثة، لأن شرطه الطهارة، ويصح عند الحنفيين، وروى عن أحمد ويلزمه شاة أو بدنة على ما بين في الحج (٣).
(تنبيه) علم أنه يحرم على المحدث حدثا أصغر أربعة أشياء (أ) الصلاة ولو صلاة جنازة أو سجدة تلاوة أو شكر، فلا تصح ويحرم أداؤها مع الحدث إجماعا (ب، ج) مس شيء من القرآن وباقي الكتب السماوية، وحمله إلا بغلاف منفصل من القرآن على ما تقدم بيانه (د) الطواف بالكعبة ولو نفلا على ما تقدم تفصيله.
стр. 356
(الثالث) من أقسام الوضوء المندوب- يندب الوضوء في مواضع، المذكور منها عشرة:
١ - الوضوء لكل صلاة: اتفق العلماء على أنه يندب تجديد الوضوء لكل صلاة (لقول) أنس: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ عند كل صلاة، قيل له: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصوات بوضوء واحد ما لم نحدث. أخرجه الجماعة إلا مسلما وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿٢٦٨﴾.
(وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات. أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بسند ضعيف (٢) ﴿٢٦٩﴾.
(وإنما) يندب تجديده عند الحنفيين إذا صلى بالأول أو تبدل المجلس. وعند المالكية إذا صلى بالأول أو طاف. وعند الشافعية إذا صلى بالأولى غير سنة الوضوء (ففي) الحديثين دليل على استحباب الوضوء لكل صلاة. ويحمل عليه حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: "لولا أن أشق
стр. 357
على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك" أخرجه أحمد بسند صحيح (١) ﴿٢٧٠﴾.
٢ - الوضوء لذكر الله تعالى: أجمع المسلمون على أنه يجوز للمحدث أن يذكر الله تعالى بكل أنواع الذكر ما عدا القرآن للمحدث حدثا أكبر. وفي كل الأماكن والأحوال ما عدا محل القاذورات وحال الجماع. فإنه يكره فيهما. واصل ذلك (قول) عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه أحمد ومسلم وابو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه. وقال في العلل: سألت عنه البخاري فقال صحيح (٢) ﴿٢٧١﴾.
(وقال) على ﵁: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة. أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن السكن (٣) ﴿٢٧٢﴾.
(واتفقوا) على أنه يندب الوضوء لذكر الله تعالى "لما روى" المهاجر ابن قنفذ: أنه سلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه وقال: أنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت
стр. 358
أن أذكر الله إلا على طهارة. أخرجه أحمد وابن ماجه. وكذا أبو داود والنسائي بلفظ: وهو يبول بدل "وهو يتوضأ (١) " ﴿٢٧٣﴾.
٣ - الوضوء لتناول ما مسته النار: (قال) الأئمة الأربعة والجمهور: لا ينتقض الوضوء بتناول ما مسته النار. وعليه أجمع العلماء بعد الصدر الأول (لقول) ميمونة: أكل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كتف شاة ثم قام فصلى ولم يتوضأ. أخرجه أحمد والشيخان (٢) ﴿٢٧٤﴾.
(وقال) جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار. أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والنووي (٣) ﴿٢٧٥﴾.
(هذا) وقد اتفق الائمة الأربعة والجمهور على أنه يندب الوضوء مما مست النار. وعليه تحمل الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء منه جمعا بين الأحاديث (كحديث) إبراهيم بن عبد الله بن قارظ قال: مررت بأبي هريرة وهو يتوضأ فقال: أتدري مم أتوضأ؟ من أثوار أقط أكلتها، لأني سمعت رسول الله
стр. 359
صلى الله عليه وعلى أله وسلم يقول: توضئوا مما مست النار. أخرجه السبعة إلا البخاري (١) ﴿٢٧٦﴾.
(وحديث) أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "توضئوا مما غيرت النار لونه" أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقاب (٢) ﴿٢٧٧﴾.
٤ - الوضوء للنوم- يستحب عند الأئمة الأربعة والجمهور لمن أراد النوم أن ينام على طهارة كاملة (لحديث) البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم أضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك. وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك. اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت. فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة. واجعلهن آخر ما تتكلم به. قال فرددتها على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت ورسولك. قال لا. ونبيك الذي أرسلت. أخرجه السبعة (٣) ﴿٢٧٨﴾.
(والحديث) وإن كان خطابا للبراء، فالمراد منه العموم فيشمل جميع المكلفين.
стр. 360
(فقد) قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة أخرجه السبعة (١) ﴿٢٧٩﴾.
(وقالت) الظاهرية وابن حبيب المالكي: يجب على الجنب الوضوء إذا أراد النوم لظاهر الأمر بذلك. ورد بأنه محمول على الندب (والحكمة) في الوضوء أنه يخفف الحدث ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل (ويؤيده) قول شداد ابن أوس الصحابي: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة. أخرجه ابن أبي شيبة ﴿٢٩﴾ (وقيل) الحكمة في الوضوء أنه ينشط إلى العودة، أو إلى الغسل.
٥ - وضوء الجنب للأكل أو الشرب- (قالت) الشافعية وجماعة: بستحب للجنب الوضوء إذا أراد أن يأكل أو يشرب (لقول) عائشة. كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿٢٨٠﴾.
(وعن) عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءة للصلاة. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه (٣) ﴿٢٨١﴾.
стр. 361
(ولذا) يكره للجنب النوم والأكل والشرب والجماع قبل الوضوء الكامل. ولا يستحب هذا الوضوء للحائض والنفساء لأنه لا يؤثر في حدثهما ولا يصح الوضوء مع استمراره. أما إذا انقطع حيضها فتصير كالجنب يستحب لها الوضوء في هذه المواضع (١) (وقال) الحنفيون ومالك وأحمد لا يستحب الوضوء لمن اراد أن يأكل أو يشرب وإنما يغسل يديه فقط (لقول) عائشة: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل يديه، ثم يأكل أو يشرب. أخرجه أحمد والنسائي. وهو حديث صحيح رجاله ثقات (٢) ﴿٢٨٢﴾.
(وقال) سعيد بن المسيب: إذا أراد الجنب أن يأكل غسل يديه ومضمض فاه (وأجابوا) عن حديث عمار بأن فيه الترخيص بالوضوء للجنب إذا أراد الأكل وهو لا يفيد الاستحباب (ويمكن) الجمع بين الروايات بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان تارة يتوضأ وضوءه للصلاة وتارة يقتصر على غسل اليدين ولا يخفي حسن التأسي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. د
٦ - الوضوء لمعاودة الجماع- (قال) الحنفيون والشافعي وأحمد والجمهور: يستحب لمن جامع أهله واراد المعاودة أن يتوضأ (لحديث) أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ
стр. 362
بينهما. أخرجه الخمسة (١) ﴿٢٨٣﴾ (والأمر) عند الجمهور محمول على الاستحباب (لقول) عائشة ﵂: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء. أخرجه أحمد. ولأبي داود والترمذي عن عائشة "كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينام وهو جنب ولا يمس ماء" (٢) ﴿٢٨٤﴾ قال أحمد: ليس بصحيح وقال أبو داوود: هو وهم (٣).
(وقالت) الظاهرية وابن حبيب: يجب الوضوء على المعاود إبقاء للأمر على ظاهره. لكن قد علمت أنه محمول على الاستحباب (وحمله) أبو يوسف على الإباحة (وحمله) المالكية على الوضوء اللغوي وهو غسل الفرج. والأظهر قول الجمهور.
٧ - الوضوء قبل الغسل- اتفق العلماء على أنه يستحب الوضوء قبل الغسل ولو مسنونا. غير أن الأفضل عند الحنفيين اكماله إن كان يغتسل في محل لا يجتمع فيه الماء كأن يغتسل على مرتفع أو بالوعة (وعليه) يحمل قول عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة (الحديث) أخرجه الجماعة (٤) ﴿٢٨٥﴾.
(وإن كان) يغتسل في مكان يجتمع فيه الماء كطشت فالأفضل تأخير غسل القديمن (وعليه) يحمل قول ميمونة: سترت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه ثم صب بيمينه على شماله فغسل فوجه وما أصابه
стр. 363
ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ثم أفاض عليه الماء ثم نحي رجليه فغسلهما. أخرجه السبعة والبيهقي (١) ﴿٢٠٨٦﴾.
(وقال) مالك: والأفضل تقديم غسل الرجلين إلا إذا كان المكان غير نظيف فالأفضل التأخير (وقالت) الشافعية والحنبلية: الأفضل تتميم الوضوء على الأصح المختار عندهم عملا بظاهر الروايات المستفيضة عن عائشة في تقديم وضوء الصلاة فإن ظاهره كمال الوضوء والأمر في هذا واسع فإنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقدم غسل رجليه تارة ويؤخره أخرى.
٨ - الوضوء من حمل الميت- (قال) الحنفيون والشافعي وأحمد: يندب الوضوء من حمل الميت. وقال ابن حزم بوجوبه (لحديث) عمرو بن عمير عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ. أخرجه أحمد والثلاثة والبيهقي وقال: عمرو بن عمير إنما يعرف بهذا الحديث وليس بالمشهور. وأخرجه عن صالح مولى التوءمة عن أبي هريرة. وقال: صالح مولى التوءمة: ليس بالقوى ثم قال: والروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم. والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفا (٢) ﴿٢٨٧﴾.
(ولذا) قال المزني: الوضوء من مس الميت وحمله غير مشروع لأنه لم يصح
стр. 364
فيهما شيء (ورد) بأن الحديث قد روى من عدة طرق يقوى بعضها بعضا. ولذا حسنه الترمذي وصححه ابن حبان وابن حزم معترض. قال الذهبي: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء.
٩ - الوضوء للغضب- (قال) الأئمة الأربعة والجمهور: يستحب الوضوء للغضب (لحديث) عطية العوفي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ان الغضب من الشيطان وأن الشيطان خلق من النار. وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ. أخرجه أحمد وأبو داود (١) ﴿٢٨٨﴾.
(وقال) بعض الحنفيين: لو كان متوضئا واشتد غضبه ندب له الغسل.
١٠ - الوضوء للخروج من خلاف العلماء- (يندب) للحنفي أن يتوضأ إذا لمس امرأة أو مس ذكره أو أكل لحم جزور وغير ذلك مما ينقض الوضوء عند بعض العلماء (ويندب) للمالكي وغيبره أن يتوضأ من القيء وحروج نجس من غير السبيلين وقهقهة في الصلاة، وغير ذلك مما ينقض الوضوء عند غيرهم على ما تقدم بيانه.
(الرابع) من أقسام الوضوء- الوضوء الحرام، كالوضوء من ماء مغصوب وموقوف لغير الطهارة.
(الخامس) الوضوء المكروه كالوضوء على الوضوء قبل الصلاة أو الطواف أو تبدل المجلس على ما تقدم بيانه.
стр. 365
١٢ - المسح على الخفين
المسح لغة امرار اليد على الشيء. وإصطلاحا: إصابة اليد المبتلة أو ما يقوم مقامها أعلى الخف في المدة الشرعية (١). والخف الشرعي هو الساتر للكعبين الممكن تتابع المشي فيه عادة (والمسح) على الخفين من خصائص هذه الأمة. وهو رخصة قد أجمع من يعتد به على جوازه للمتوضئ في السفر والحضر ولو بغير حاجة فيجوز ولو للمرأة الملازمة بيتها والزمن والذي لا يمشي (٢).
(قال) الحسن البصري: حدثني سبعون رجلا من الصحابة ﵃ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسح على الخفين. أخرجه ابن المنذر وغيره (٣) ﴿٢٨٩﴾. (وقال) أبو حنيفة رحمة الله: ما قلت بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهارز وأخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، لأن الآثار التي جاءت فيه في حيز التواتر (٤).
(ومما) ورد فيه حديث إبراهيم عن همام النخغي قال: بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هذا وقد بلت؟ قال: نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه. قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي. وقال حسن صحيح (٥) ﴿٢٩٠﴾.
стр. 366
(وقال) ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من روى عنه منهم إنكاره فقد روى عنه إثباته "وما روى" عن عائشة أنها قالت: لأن اقطع رجلي أحب إلى من أن أمسح عليهما ﴿٣٠﴾ "ففيه" محمد بن مهاجر. قال ابن حبان: كان يضع الحديث (١) (وقال أحمد) لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح.
هذا، وسبب المسح ليس الخف (وثمرته) الدنيوية حل مالا يصح إلا بالطهارة في مدة المسح. والأخروية الثواب ان قصد به اتباع السنة.
ثم الكلام ينحصر في عشرة مباحث:
١ - حكمه- هو رخصة للمتوضئ ولو امرأة لما تقدم، وغسل الرجلين أفضل من المسح عند الأئمة الثلاثة، لأن الغسل عزيمة وقد واظب عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في معظم الأوقات (والمشهور) عن أحمد أن المسح أفضل (لحديث) ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه. أخرجه أحمد والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان وصححاه (٢) ﴿٢٩١﴾. ولأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ولأن فيه مخالفة أهل البدع. وأحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه (وأجاب) الأولون بأن محبة فعل الرخصة وكونها أيسر لا يقتضي تفضيلها على العزيمة (وقد) يجب المسح في مواضع (منها) إذا كان معه ماء لو غسل به رجليه لا يكفي وضوءه. لو مسح على الخفين يكفيه (ومنها) ما لو خاف
стр. 367
خروج الوقت لو غسل رجليه، أو خاف فوات فرض آخر كالوقوف بعرفه.
٢ - شروط المسح على الخفين- يشترط لجواز المسح على الخف ثمانية شروط:
١ - لبسه على وضوء تام قبل حصول حدث بعده عند الحنفيين وسفيان الثوري والمزني وأبي ثور وداود الظاهري (لقول) المغيرة ابن شعبة: كنت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات ليلة في مسيرة فأفرغت عليه من الأداوة فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما. أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وحسنه وأبو داود (١) ﴿٢٩٢﴾.
(فلو بدأ) بغسل رجليه ثم لبس الخفين ثم كمال الوضوء، أو توضأ فغسل رجلا ولبس خفها ثم غسل الأخرى ولبس خفها (صح له المسح) إذا تمم الوضوء قبل الحدث (وقال) مالك والشافعي وأحمد في أصح الروايتين عنه وإسحاق: يشترط للمسح على الخفين لبسهما على طهارة كاملة وقت اللبس (لحديث) أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما. أخرجه الدارقطني وابن خزيمة بسند صحيح (٢) ﴿٢٩٣﴾.
(فلو) غسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم لبس الخف أو لبسه قبل غسل عضو ثم أكمل الوضوء أو غسل إحدى رجليه ثم لبس قبل غسل عضو ثم أكمل الوضوء او غسل إحدى رجليه ثم لبس خفها ثم غسل الأخرى ولبس خفها لم يصح المسح على الخف حتى ينزعه ويلبسه بعد كمال الطهارة (٣).
стр. 368
٢ - أن يكون الخف طاهرا، فلا يصح المسح على نجس أو متنجس.
٣ - أن يكون ساترا للرجلين مع الكعبين من الجوانب فلا يضر نظرهما من أعلى خف واسع أو قصير الساق. ومالا يستر الكعبين كالمركوب إذا خيط به ثخين يسترهما كجوخ، صح المسح عليه (لقول) راشد بن نجيح: رايت أنس بن مالك دخل الخلاء وعليه جوربان أسفلهما جلود وأعلاهما خز فمسح عليهما. أخرجه البيهقي (١) ﴿٣١﴾.
٤ - استمساكه على الرجل بلا شك لثخاذته، فلا يصح المسح على رقيق لا يستمسك على الرجل بنفسه كجورب من قطن أو صوف.
٥ - منعه وصول الماء إلى الرجل لئلا يشف الماء.
٦ - خلو الخف من خرق كبير يمنع المسح عليه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
أن يكون الخف قويا يمكن متابعة المشي فيه عادة فرسخا (٢) فأكثر. فلا يصح المسح على متخذ من زجاج أو خشب أو حديد (والمراد) كونه صالحا لقطع المسافة من غير لبس حذاء.
٨ - أن يبقى بكل رجل من مقدم القدم قدر المفروض مسحه عند الحنفيين، وهو مقدار ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد، فإذا قطعت رجله فوق الكعب صح مسح خف الأخرى وإن قطعت من تحت الكعب ولم يبق من مقدم القدم قدر المفروض مسحه لا يمسح خف الأخرى.
٤ - مدة المسح على الخفين- (قال) الحنفيون والشافعي وأحمد وسفيان
стр. 369
الثوري والجمهور: مدة المسح على الخفين للمقيم والمسافر سفرا لا تقصر فيه الصلاة يوم وليلة، وللمسافر سفر قصر ثلاثة أيام ولياليها. فيستبيح بالمسح ما يستبيحه بالغسل في هذه المدة (لحديث) خزيمة ابن ثابت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوما وليلة. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وصححه ابن حبان (١) ﴿٢٩٤﴾.
(وقال) شريح بن هانئ: سألت عليا عن المسح على الخفين فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوم وليلة. أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وأخرجه البيهقي وقال: هو أصح ما روى في هذا الباب (٢) ﴿٢٩٥].
(وقال) صفوان بن عسال: أمرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا قمنا. ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم ولا نخلعهما إلا من جناية. أخرجه أحمد والنسائي بسند صحيح وصححه الترمذي (٣) ﴿٢٩٦﴾.
(وقال) الشعبي وربيعة والليث ومالك: لا يوقت المسح على الخفين، بل يمسح عليهما ما شاء (لقول) أبي بن عمارة: يا رسول الله أمسح على الخفين؟
стр. 370
قال: نعم. قال يوما، قال يوما، قال: يومين قال: ويومين، قال: وثلاثة، قال: نعم وما شئت. أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم (١) ﴿٢٩٧﴾.
وقد اتفق أهل السنن على أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به وسننه
(٤ - ٦) فرض المسح وسنته وكفيته- (قال) الحنفيون: فرضه مسح قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع اليد على ظاهر أعلى الخف من كل رجل. فلا يصح على اسفله وعقبه وساقه وجوانبه (لقول) على ﵁: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح على ظاهر خفيه. أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني بسند صحيح (٢) ﴿٢٩٨﴾.
(وسننه) مد الأصابع مفرجة بادئا من رءوس اصابع القدم إلى الساق (لقول) جابر: مر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم برجل يتوضأ، فغسل خفيه، فنخسه برجله وقالك ليس هكذا السنة، أمرنا بالمسح على الخفين هكذا وأمر بيديه على خفيه. أخرجه الطبراني في الأوسط وقال: تفرد به بقية. وهو متكلم فيه، وأخرج ابن ماجه نحوه، وفيه: وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده هكذا من أطراف الأصابع إلى أصل الساق وخطط بالاصابع (٣) ﴿٢٩٩﴾.
(وكيفية) المسح المستحبة عندهم أن يضع أصابع يمينه على مقدم خفه الأيمن
стр. 371
وأصابع يساره على مقدم خفه الأيسر ويمدهما إلى أصل الساق فوق الكعبين مفرفا أصابعه. وإن وضع الكف مع الأصابع كان أحسن (لقول) الممغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الخفين. أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة (١) ﴿٣٠٠﴾.
(ويستحب) الجمع بين الظاهر والباطن في المسح (لحديث) المغيرة ابن شعبة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسح أعلى الخف وأسفله. أخرجه أحمد والثلاثة والبيهقي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث معلول لم يسنده غير الوليد بن مسلم (٢) عدم مسح الأسفل بقول على: لو كان الدين بالرأي الخ "غير ظاهر" لأنه لنفي الافتراض على معنى لكان أسفل الخف أولي بفريضة المسح إذ المقصود أنه لو كان بالرأي لأعطى وظيفة ظاهر الخف للباطن، ووظيفة الظاهر فريضة المسح أهـ.
(والمشهور) عند المالكية أن يجب مسح جميع أعلى الخف إلى الكعبين. ويسن مسح أسفله (وقال) أشهب: الفرض مسح أسفل الخف وأن مسحه دون
стр. 372
ظاهره أجزأه (وكيفية) المسح المندوبة عندهم أن يضع يده اليمنى على أطراف أصابع رجله اليمنى، ويده اليسري تحت أطراف الأصابع ويمرهما إلى الكعبين وفي اليسرى يضع اليد اليمنى تحت القدم من أطراف الأصابع اليسرى من فوقها (والمشهور) عند الشافعية أنه يجب مسح جزء من ظاهر أعلى الخف من محل الفرض. وقالوا يسن مسح أعلاه وأسفله خطوطا (والأفضل) أن يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه (وقالت) الحنبلية: الواجب مسح أكثر أعلاه، فلا يجزئ الاقتصار على مسح أسفله وعقبه. ولا يسن مسحهما مع الأعلى، ويسن أن يكون المسح باليد اليسرى مفرجة الاصابع مبتدئا من رءوس أصابع الرجل منتهيا إلى الساق.
٧ - مكروهات المسح- يكره تكرار المسح على الخف وترك سنة من سننه، وعن عطاء يسن مسحه ثلاثا ونلا دليل عليه. وسكره غسل الخفين، ويكفي عن المسح وإن لم ينوه عند الحنفيين. وقال غيرهم لا يكفي إلا إذا نوى بالغسل رفع الحدث.
٨ - ما يبطل المسح على الخفين- يبطل بواحد من ثلاثة:
(أ) ما يبطل به الوضوء اتفاقا لأن المسح على الخف بعض الوضوء.
(ب) "ويبطل" أيضا عند القائلين فيه بالتوقيت بمضي المدة للمقيم والمسافر إن لم يخف بغلبة الظن تلف رجله من البرد ونحوه إذا نزعه. فإن خاف ذلك لا يلزمه النزع، ويمسح دائما بلا توقيت حتى يأمن، دفعا للحرج. وحينئذ يصيري الخف كالجبيرة فيستوعبه أو أكثره بالمسح.
(جـ) "ويبطل أيضا" عند الحنفيين والشافعي والجمهور بنزع الخف أو انتزاعه ولو بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف في الأصح. ولا عبرة بخروج عقبه ودخوله. وهو رواية عن أحمد (لما روى) سعيد بن ابي مريم عن
стр. 373
رجل من أصحاب النبي صلى الله عيه وعلى آله وسلم في الرجل يمسح على خفيه ثم يبدو له فينزعهما قال: يغسل قدميه. أخرجه البيهقي (١) ﴿٣٢﴾.
(وقال) عبد الرحمن بن أبي بكرة: كان أبي ينزع خفيه ويغسل رجليه. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٣٣﴾.
(وعليه) فإذا مضت المدة أو نزع الخف وهو متوضئ غسل رجليه فقط لسراية الحدث إليهما فإن صلى قبل غسلهما لم تصح صلاته لنقصان طهارته (وقال) الحسن وقتادة والظاهرية: نزع الخف لا يبطل المسح فلا يلزم منه غسل القدمين قياسا على من حلق رأسه أو قلم أظفاره بعد الطهارة، فإنه لا يلزمه إعادة مسح الرأس ولا غسل مكان تقليم الأظفار (ورد) بأنه قياس مع الفارق لأن شعر الرأس والأظفار متصلة بموضع الطهارة بخلاف الخف.
(وقالت) الحنبلية والأوزاعي متصلة بموضع الطهارة بخلاف الخف.
(وقالت) الحنبلية والأوزاعي وإسحاق: نزع الخف يبطل الوضوء وهو أحد قولي الشافعي ومالك (وهذا) الاختلاف مبنى على وجوب الموالاة في الوضوء. فمن أجاز التفريق جوز غسل القدمين لأن سائر أعضائه مغسولة. ولم يبق إلا غسل قدميه، فإذا غسلهما كمل وضوءه. ومن منع التفريق أبطل وضوءه لفوات الموالاة، فعلى هذا لو خلع الخفين قبل جفاف الماء عن يديه أجزأه غسل قدميه وصار كأنه خلعهما قبل مسحه عليهما (٣) (ومشهور) مذهب المالكية أنه إذا خلع خفيه لزمه غسل قدميه فورا. وإن أخره استأنف الطهارة لأن الطهارة كانت صحيحة في كل الأعضاء إلى حين نزع الخف. وإنما بطلت في القدمين خاصة فإذا غسلهما عقب النزع لم تفت الموالاة، لقرب غسلهما من
стр. 374
الطهارة الصحيحة في بقية الأعضاء، بخلاف ما إذا تراخى غسلهما (وفيه) نظر فإن المسح قد بطل حكمه بالنزع. والاعتبار في الموالاة إنما هو بقرب الغسل من الغسل لا من حكمه فإنه متى زال حكم الغسل بطلت الطهارة ولا يفيد قرب الغسل شيئا لكون الحكم لا يعود بعد زواله إلا بسبب جديد (١).
٩ - الخف المخرق: اتفق العلماء على جواز المسح عليه ما لم يكن الخرق مانعا (وقال) الثوري: كانت خفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم (٢) (وقد) اختلفوا في الخرق المانع من صحة المسح على الخف (فقال) الحنفيون: يجوز المسح عليه ما دام خاليا من خرق كبير. وهو ما يبدو منه قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل إذا كان الخرق على غير الأصابع والعقب. أما إذا كان على الأصابع فالمعتبر ظهور ذات ثلاث الأصابع. فلا يضر كشف الإبهام مع جاره. وإذا كان على العقب لا يمنع ما لم يظهر أكثره (وتجمع) الخروق في خف لا في خفين حتى لو بلغ مجموع ما فيهما قدر ثلاث أصابع لا يمنع (وأقل) خرق يجمع ما تدخل فيه المسلة (وقال) الشافعي وأحمد: أن ظهر من القدم شيء من الخرق لم يجز المسح على الخفين وإلا جاز.
(وقالت) المالكية: يمسح عليه إذا كان الخرق يسيرا بأن كان أقل من ثلث القدم ولم ينفتح أو انفتح وكان يسيرا جدا بحيث لا يصل بلل حال المسح لما تحته من الرجل. ولا يصح المسح عليه إذا كان الخرق ثلث القدم سواء أكان منفتحا أم ملتصقا بأن فتقت خياطته مع التصاق الجلد بعضه ببعض. وكذا
стр. 375
إذا كان الخرق دون الثلث وانفتح بأن ظهرت الرجل منه (وقال) قوم منهم الثوري وداود الظاهري واسحق ابن راهويه: يجوز المسح على الخف المتخرق ما دام يسمى حفا وإن تفاحش خرقه.
١٠ - المسح على الجوربين- (الجورب) بفتح الجيم ما يصنع من قطن أو كتان أو صوف على هيئة الخف (وقد) اختلف العلماء في المسح على الجوربين. (قال) الحنفيون وأحمد: يجوز المسح عليهما سواء أكان (أ) "مجلدين" وهما ما وضع الجلد أعلاهما وأسفلهما (ب) "أم منعلين" وهما ما وضع الجلد أسفلهما كالنعل. (جـ) "أم ثخينين" يمكن المشي فيهما فرسخا فأكثر، ويثبتان على الساق من غير ربط ولا يرى ما تحتهما، ولا ينفذ إليه الماء. وهو الصحيح عند الشافعية (لقول) المغيرة بن شعبة: توضأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومسح على الجوربين والنعلين. أخرجه أحمد والطحاوي والبيهقي والأربعة إلا النسائي (١) ﴿٣٠٢﴾. وفيه (أ) (أبو قيس) عبد الرحمن الأودي وثقه ابن معين والعجلي وقال ثبت (ب) (وهذيل) بن شر حبيل وثقه العجلي وأخرج لهما البخاري في صحيحه ولذا صحح ابن حبان الحديث وقال الترمذي: حسن صحيح. وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد واسحق قالوا: يمسح على الجوربين وأن لم يكونا نعلين إذا كانا ثخينين. "وقولهوالنعلين" أي مسح عليهما والجوربان تحتهما قاصدا مسح الجوربين لا النعلين، فكان تطهره بالمسح على الجوربين (وعن) عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال قال:
стр. 376
كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح على الخفين والجوربين. أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة. وابن أبي ليلى مستضعف صدوق (١) ﴿٣٠٣﴾.
(وكان) أبو حنيفة لا يجوز المسح على الجورب الثخين، ثم رجع إلى الجواز قبل موته بثلاثة أيام أو بسبعة ومسح على جوربيه الثخيني في مرضه وقال لعواده: فعلت ما كنت أني عنه (وقالت) المالكية: يجوز المسح عليهما بشرط أن يكونا مجلدين من أعلاهما وأسفلهما، لأنهما حينئذ كالخف.
(ب) الغسل
الغسل بفتح الغين مصدر غسل. وبالضم أسم مصدر لا غتسل وهو تعميم الجسد بالماء. وبالكسر اسم لما يغسل به من صابون وأشنان (٣) ونحوهما. والمشهور في اسعمال الفقهاء "الفتح" إذا أضيف إلى المغسول كغسل الثوب والإناء "والضم" إذا أضيف إلى السبب كغسل الجنابة والجمعة. وهو لغة: الإسالة وشرعا إيصال الماء إلى جميع الجسد. ودليله قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) من آية ٦ المائدة. والكلام ينحصر في عشرة مباحث:
١ - شروطه- هي كشروط الوضوء غير أنه (أ) لا يشترط الإسلام في صحة غسل الكتابية بعد انقطاع دم الحيض أو النفاس عند من يرى لزوم النية في الطهارة المائية وهو غير الحنفيين (فيجوز) لزوجها وطؤها بعد غسلها ولو بلا نية عند المالكية والحنبلية (وعند) الشافعية لا يصح غسلها إلا بالنية وإن لم تكن أهلا لها بالضرورة (وعند) الحنفيين يحل للزوج وطء امرأته
стр. 377
ولو مسلمة بلا غسل إذا انقطع الدم لأكثر مدة الحيض أو النفاس كما سيأتي في أحكام الحيض إن شاء الله. (ب) لا يشترط التمييز في صحة غسل المجنونة عند الشافعية. ولذا يحل لزوجها وطؤها بعد غسلها من حيض أو نفاس. وينوي عنها من يغسلها.
موجبات الغسل (أسبابه) (١) - يفترض الغسل لأمور ستة:
(الأول) خروج المني وبرزوه من حشفة الرجل. وإلى فرج المرأة الظاهر بلذة ولو حكما كمحتلم رأى بللا ولم يدرك الشهوة "لما تقدم" عن علي ﵁ قال: كنت رجلا مذاء فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فقال: من المذي الوضوء. ومن المني الغسل. أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: حديث صحيح (٢) ﴿٣٠٤﴾.
وفي رواية لأحمد فقال: إذا حذفت الماء فاغتسل من الجنابة فإذا لم تكن حاذفا فلا تغتسل. (وحذف) يروي بالحاء والخاء ومعناه رمي. وهو لا يكون بهذه الصفة إلا لشهوة (وعن) عائشة أن أم سليم سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المرأة الغسل إذا احتملت؟ قال نعم إذا رأت الماء فقالت عائشة تربت يداك فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعيها يا عائشة وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الرجل أخواله.
стр. 378
وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه الرجل أعمامه. أخرجه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١) ﴿٣٠٥﴾.
وقوله "إذا رأت الماء" أي المني بعد الاستيقاظ فإن لم تره فلا شيء عليها (لحديث) خولة بنت حكيم أنها سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل. فقال ليس عليها غسل حتى تنزل، كما أن الرجل ليس عليه غسل حتى ينزل. أخرجه أحمد وابن ماجه وفي سنده على بن زيد بن جدعان. ضعيف (٢) ﴿٣٠٦﴾.
(وعن) أنس أن أم سليم سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ارمأة ترى في منامها ما يرى الرجل. فقال من رأت ذلك منكن فأنزلت فلتغتسل. قالت أم سلمة: أو يكون ذلك يا رسول الله؟ قال نعم. ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فأيهما سبق أو علا أشبه الولد. أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه والبيهقي (٣) ﴿٣٠٧﴾.
وهذا موجب للغسل اتفاقا. واختلفوا في أمور:
(أ) إذا خرج المني بلا شهوة بأن خرج لمرض أو برد مثلا (قالت) الشافعية أنه موجب للغسل أيضا (وقال) الأكثرون: أنه غير موجب له (وعلى) الأول
стр. 379
لو خرج من الرجل منيه بعد اغتساله بدون لذة وجب عليه إعادة الغسل وما صلاة بالغسل الأول (أما) لو خرج مني من المرأة بعد غسلها فإن كانت أنزلت قبل الغسل لزمها إعادته لاختلاط منيها بمني الرجل. وإن لم تكن أنزلت قبل الغسل فلاى يلزمها إعادته، لأن هذا مني الرجل لا منيها (ب) إذا انفصل المني عن مقره "صلب الرجل وترائب المرأة (١) " بلذة ولم يخرج إلى ظاهر فلا غسل عليه عند الجمهور وهو رواية عن أحمد والمشهور عنه وجوب الغسل لأن الجنابة تباعد الماء عن محله وقد وجد فيجب الغسل (وللجمهور) أن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم علق الاغتسال على الرؤية أو الحذفل كقوله "إذا رأيت الماء وقوله إذا حفت الماء فاغتسل" فلا يثبت الحكم بدونه وفي إيجابه بمجرد الإنفصال حرج. والحرج مرفوع. وما ذكره من الاشتقاق لا يصح لأنه يجوز أن يسمى جنبا لمجانبته الماء ولا يحصل إلا بخروجه منه (٢). (جـ) هل يشترط استمرار اللذة إلى خروج المني إلى ظاهر الجسد؟ (فعند) الجمهور لا يشترط (وعند) أبي يوسف يشترط (وثمرة) الخلاف تظهر في أمور (منها) ما لو احتلم فوجد اللذة ولم ينزل حتى توضأ وصلى يلزمه الغسل عند الجمهور خلافا لأبي يوسف. ولا يعيد الصلاة إلا عند أحمد فقد قال يعيدها لوجوب الغسل عليه بمجرد انفصال المني عن مقره بشهوة (وكذا) لو احتلم في الصلاة ولم ينزل حتى أتمها أو احتلم فأمسك ذكرة حتى سكنت شهوته ثم خرج المني.
(ومنها) ما لو اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول أو المشي الكثير ثم سال منه بقية المني بلا شهوة، فإنه يلزمه إعادة الغسل عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي ورواية عن أحمد (وقال) مالك وأبو يوسف: لا غسل عليه وهو المشهور عن
стр. 380
أحمد (أما) لو خرج بقية المني بعد البول أو النوم أو المشي فلا يعاد الغسل عند الحنفيين ومالك (وقالت) الشافعية: يلزمه إعادة الغسل لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الماء من الماء. ولأنه نوع حدث فنقضمطلقا كالجماع وسائر الأحداث (١) (وقالت) المالكية: إذا خرج المني بعد لذة معتادة بلا جماع لزمه إعادة الغسل (وإن) كانت اللذة ناشئة من جماع بأن أولج ولم ينزل ثم أنزل بعد ذهابها، فلا يزلمه إعادة الغسل (٢) (وقالت) الحنبلية. إذا نزل المني بلذة بعد الغسل لزمه إعادته وإن نزل المني بلا لذة بعده نقض الوضوء فقط.
(فائدة) من قام من نومه فوجد بللا (أن تيقن) أنه مني لزمه الغسل اتفاقا وإن لم يتذكر احتلاما. (وإن شك) في كونه منيا أو مذيا يلزمه الغسل عند أبي حنيفة ومحمد ومالك وأن لم يتذكر احتلاما (لقول) عائشة: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما. قال يغتسل. وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللا. قال لا غسل عليه. فقالت أم سليم هل على المرأة ترى ذلك غسل؟ قال نعم إنما النسائ شقائق الرجال. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: وإنما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر (يعني العمري) عن عبيد الله بن عمر حديث عائشة في الرجل يجد البلل ولا يذكر
стр. 381
احتلاما. وعبد الله ضعفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه لكن وثقه أحمد ويحيى ابن معين (١) ﴿٣٠٨﴾.
(وقال) أبو يوسف: لا غسل على من شك في البلل ولم يتذكر احتلاما، لأن الأصل براءة الذمة فلا يجب الغسل إلا بيقين (ومشهور) مذهب الشافعية أن من شك بعد النوم في البلل لا يلزمه الغسل وأن تذكر احتلاما. بل له أن يحمله على المني فيغتسل أو أن يحمله على المذي فيغسل محله ويتوضأ (٢) ويرده إطلاق الحديث (وقالت) الحنبلية: إن انتبه بالغ أو مراهق ووجد بللا جهل كونه منيا (فإن تقدم) نومه سبب لهذا البلل كبرد أو نظر أو فكر أو ملاعبة فلا يلزمه الغسل. لاحتمال أنه مذي وقد وجد سببه ولا يجب مع الشك. ويلزم غسل ما أصابه من ثوب وبدون (وإن) لم يتقدم نومه سبب لهذا البلل، لزمه الغسل (لحديث) عائشة رقم ٣٠٨ لأن الظاهر أنه احتلام. ويلزمه غسل ما أصابه من ثوب وبدن احتياطا (٣).
(الثاني) من موجبات الغسل، التقاء. الختانين، ويتحقق (أ) عند الحنفيين بتوارى حشفة آدمي حي غير خنثى مشتهى أو قدرها من مقطوعها في قبل أو دبر آدمي حي يطيق الجماع بلا حائل يمنع اللذة وحرارة الفرج، فيلزمهما الغسل لو كان مكلفين ولو بلا إنزال (ويلزم) بوطء صغيرة لا تشتهي وإن لم يفضها على الصحيح (ولو لف) ذكره بخرقة وأولجه ولم ينزل، فإن وجد حرارة الفرج واللذة لزمه الغسل وإلا فلا على الأصل. والأحوط لزومه.
стр. 382
(ب) (وعند) المالكية يتحقق بتغييب الحشفة بلا حائل يمنع اللذة في قبل أو دبر آدمي أو بهيمة ولو الموطء ميتا. فيجب الغسل على الفاعل المكلف إن كان المفعول مطيقا، وعلى المفعول إن كان الفاعل مكلفا، فمن وطئها صبي لا يلزمها غسل إلا إذا أنزلت.
(جـ) (وعند) الشافعية يتحقق بتواري حشفة أو قدرها ولو بحائل يمنع حرارة المحل من آدمي مميز واضح في قبل غير خنثى أو دبر آدمي أو بهيمة ولو كان المفعول به ميتا. فيجب الغسل على الفاعل والمفعول، ولو غير بالغين أو كان المفعول غير مطيق، فعلى ولي الصبي أن يأمره بالغسل. ولا يجب بإيلاج الخنثى ولا بالوطء في قبله إلا بالانزال.
(د) (وعند) الحنبلية يتحقق بتوارى حشفة أو قدرها بلا حائل ولو رقيقا من آدمي غير خنثى مطيق الجماع في قبل أو دبر آدمي مطيق أو بهيمة ولو كان المفعول به ميتا. فيجب الغسل على الفاعل والمفعول، إذا كانا بالغين أو مراهقين. (ولا يجب) بإيلاج الخنثى ولا بالوطء في قبله إلا بالإنزال لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين (وأن) تواطأ رجل وخنثى في دبريهما فعليهما الغسل (وأن) وطيء خنثى امرأة وجامعه رجل في قبله، فعلى الخنثى الغسل وعلى الرجل والمرأة أن يتطهرا احتياطا.
(والدليل) على لزوم الغسل بالتقاء الختانين (حديث) عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا قعد بين شعبها الأربع ثم مس الختان الختان فقد وجب الغسل. أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿٣٠٩﴾.
стр. 383
(وقالت) عائشة: إذا التقى الختانان وجب الغسل. فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واغتسلنا. أخرجه الشافعي والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان وابن القطان. وأعله البخاري بأن الأوزاعي أخطأ فيه (١) ﴿٣١٠﴾.
(والمراد) بالتقاء الختانين ومسهما، تغييب الحشفة في الفرج. وليس المراد حقيقة اللمس ولا حقيقة الملاقاة. لأن ختان المرأة في أعلى الفرج ولا يمسه الذكر في الجماع (وقد) أجمع العلماء على أنه لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على أحد منهما. فلابد من قدر زائد على الملاقاة وهو ما وقع مصرحا به في حديث عبد الله ابن عمرون بن العاص بلفظ: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل: أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه. وفي سنده حجاج ابن أرطأة. قال الحافظ صدوق كثير الخلط والتدليس (٢) ﴿٣١١﴾.
(والأحاديث) صريحة في أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الإنزال، بل يجب بمجرد الإيلاج (ففي) حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم قال: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم أجهد نفسه فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل. أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه (٣) ﴿٣١٣﴾.
стр. 384
والمراد بالإجهاد إيلاج الحشفة (ونقل) ابن عبد البر إجماع الصحابة على إيجاب الغسل من التقاء الختانين وقال: إن الجمهور من بعدهم انعقد إجماعهم على ذلك أيضًا. (وقال) أبو سعيد الخدري والظاهرية: لا يجب الغسل إلا مع الإنزال (لحديث) أبي سعيد مرفوعا: "إنما الماء من الماء" أخرجه أحمد ومسلم والبيهقي ﴿٣١٣﴾.
أي إنما يجب الغسل من نزول المني (ورد) بأن الحديث محمول على حالة النوم كما فسره ابن عباس وغيره جمعا بين الروايات. وعلى فرض عمومه فهو منسوخ بحديث أبي هريرة السابق (ويؤيده) قول أبي بن كعب: أن الفتيا التي كانوا يقولون الماء من الماء رخصة، كان رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها. أخرجه أحمد وهذا لفظه وأبو داود والترمذي وصححه (١) ﴿٣١٤﴾.
(الثالث) انقطاع دم الحيض والنفاس- أجمع الصحابة ومن بعدهم على وجوب الغسل لانقطاع دم الحيض والنفاس (لما تقدم) عن عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي. أخرجه الشيخان وغيرهما (٢) ﴿٣١٥﴾.
стр. 385
(وعن) معاذ بن جبل أن النبي ﵌ قال: إذا مضى للنفساء سبع ثم رأت الطهر فلتغتسل ولتصل. أخرجه البيهقي (١) ﴿٣١٦﴾.
(الرابع) الولادة بلا دم (قالت) الحنفية والمالكية والشافعية: يجب الغسل على من ولدت ولم تر دما احتياطا، لأنها لا تخلو من أثر دم (وقال) أبو يوسف ومحمد والحنبلية: لا غسل عليها لعدم الدم، ولأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص.
(الخامس) الموت- أجمع العلماء على أنه يفترض على الأحياء فرض كفاية تغسيل الميت المسلم الذي لم يقع به ما يمنع الغسل كالشهادة في المعركة والبغي والقتل ظلما (لما يأتي) عن ابن عباس قال: فبينما رجل واقف مع النبي ﵌ بعرفة فوقصته ناقة فمات. فقال النبي ﵌: اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه. أخرجه السبعة (٢) ﴿٣١٧﴾.
هذا، وسبب لزومه عند الحنفيين الحدث على الأصح، لأن الموت سبب للاسترخاء وزوال العقل (وهو) عند الشافعية للنظافة، وروى عن مالك فلا تلزم فيه النية. ويصح من الكافر والمجنون. و (عند) الحنبلية سببه الموت تعبدا. لا عن حدث، لأن لو كان عنه لم يرتفع مع بقاء سببه كالحائض لا تغتسل مع جريان الدم ولا عن نجس، لأنه لو كان عنه لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت (٣). وهو المشهور عن مالك.
(السادس) إسلام الكافر- يجب الغسل على كافر ولو مرتدا أسلم ولو
стр. 386
صبيا مميزا، وإن اغتسل قبل إسلامه، أو لم يوجد من حال كفره ما يوجب الغسل عند أحمد وروى عن مالك (لقول) قيس بن عاصم: أتيت النبي ﵌ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر. أخرجه أحمد والثلاثة وصححه ابن السكن (١) ﴿٣١٨﴾.
(وقالت) الشافعية: يجب الغسل على من أجنب حال كفره اغتسل أم لا، لعدم صحة غسله وقتئذ لتوقف صحة الغسل على النية المتوقفة على الإسلام. ويستحب لمن لم يأمر كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجبا لما خص بالأمر به بعضا دون بعض فيكون ذلك قرينة صرف الأمر إلى الندب (وأما) وجوبه على من أجنب فللأدلة القاضية بوجوبه لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم (وقال) الحنفيون: يجب على من أجنب ولم يغتسل حال كفره. فإن اغتسل لا يجب لما تقدم من الأدلة، ولا يصح قياسه على الصلاة والزكاة، لأنهما لا يصحان بدون النية لعدم الغيمان. بخلاف اغتساله، لأن الماء مطهر بنفسه فلا يحتاج إلى النية (والظاهر) الأول، لأن ظاهر الأحاديث وجوب الغسل على كافر أسلم مطلقا.
(فائدة) إذا اجتمع شيئان موجبان للغسل كالحيض والجنابة وتغيب الحشفة والإنزال، يكفيه عنهما غسل واحد عند الأئمة الأربعة والجمهور لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يغتسل من الجماع إلا غسلا واحدا وهو يتضمن شيئين إذ هو لازم للإنزال غالبا.
٣ - ما لا يوجب الغسل- لا يلزم الغسل لأربعة أنواع (أ) لا يفترض الغسل
стр. 387
اتفاقا لمذي ولا لودي ولا لاحتلام بل بلل. لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فإذا احتلمت بلذة ولم يخرج ماؤها إلى فرجها الظاهر، فلا غسل عليها.
(ب) ولا يفترض بتغيب بعض الحشفة ولا بوطء في غير قبل ودبر، ولا بسحاق- وهو اتيان المرأة المرأة بلا إنزال- ولا بالتصال الختانين بلا إيلاج.
(جـ) ولا يفترض عند غير الشافعية بخروج مني بلا لذة ولو حكما على ما تقدم.
(د) ولا يجب عند المالكية بمني خرج بلذة غير معتادة كأن خرج لنزوله في ماء حار ولحك جرب وتحريك دابة إن لم يتماد فيهما. فإن تمادى بعد شعوره باللذة من حك الجرب وتحريك الدابة ويجب الغسل.
٤ - فرائض الغسل- هي عند المالكية خمسة- النية وتعميم الجسد بالماء، والدلك، وتخليل الشعر، والموالاة مع الذكر والقدرة (وعند) الشافعية: النية وتعميم الشعر والبشرة بالماء (وعند) الحنفيين- غسل الفم والأنف وتعميم سائر الجسد بالماء (وعند) الحنبلية- تعميم الجسد بالماء حتى داخل الفم والأنف وظاهر الشعر وباطنه وحشفة أغلف أن أمكن تشميرها بلا مشقة (وأما) النية فشرط صحة إلا في غسل المجنونة والذمية فلا تشترط. وينوي عن المجنونة من يغسلها. ويلزم عند الكل إزالة ما على الجسد من نجاسة وغيرها مما يمنع وصول الماء إلى البشرة.
وهاك بيان الفرائض مفصلة:
(أ) النية- تكون عند غسل أول جزء من الجسد، ولا يضر عند غير الشافعية تقدمها بزمن يسير. وعند الشافعية: يشترط مقارنتها لأول مغسول،
стр. 388
فلا يجزي تقدمها بزمن يسير. ومحلها القلب. والتلفظ بها غير مشروع. وتقدم تمام الكلام عليها في فرائض الوضوء (١).
(ب) تقميم الجسد بالماء- اتفق العلماء على أنه يفترض في الغسل إيصال الماء إلى جميع ما يمكن وصوله إليه بلا حرج كظفر وأذن وسرة وبشرة لحية وفرج خارج- وهو ما يظهر عند قعود المرأة لقضاء الحاجة- حتى لو بقيت لمعة لو يسيرة لم يصلها الماء لا يكفي الغسل، لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) من آية ٦ - المائدة. وهو أمر بتطهير جميع الجسد فيدخل كل الماء إلى ما تحته كعجين وطين وشمع ودهن متجمد وقذي عين (وكذا) يلزم عند غير المالكية نزع خاتم ضيق لا يصل الماء إلى ما تحته إلا بنزعه. وعلى المرأة تحريك قرطها الضيق (وقالت) المالكية: لا يلزم المغتسل نزع خاتمه الضيق المبالح استعماله ومثله حلي المرأة على ما تقدم بيانه في الوضوء (وإذا) كان بأذن المرأة أو الرجل ثقب لزم إيصال الماء إلى داخله خلافا للشافعية حيث قالوا لا يلزم غيصال الماء داخل الثقب الذي لا قرط فيه، لأن الواجب عندهم غسل البدن فقط. واختلفوا في أمور:
١ - نقض الشعر في الغسل- (قال) الحنفيون: لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها إن بل أصلها (لحديث) أم سلمة أنها قالت " يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت. أخرجه
стр. 389
أحمد ومسلم والأربعة. وقال الترمذي حسن صحيح (١) ﴿٣١٩﴾.
(وعن) عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن. فقالت: يا عجبا لابن عمرو وهو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقض رءوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ لقد كنت أغتسل أن ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد فما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿٣٢٠﴾.
أما الرجل فيلزمه نقض ضفائره ولو وصل الماء أصول الشعر على الصحيح، (لحديث) ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم استفتوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الغسل من الجنابة، فقال: أما الرجل فينثر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفهاز أخرجه أبو داود (٣) ﴿٣٢١﴾.
(والحكمة) في التفرقة بين الرجل والمرأة أن عليها في النقض حرجا. وفي الحلق مثلة. فسقط عنها النقض بخلاف الرجل فيجب عليه النقض مطلقا لعدم الحرج.
(وقالت) المالكية: إن الشعر إذا كان مضفورا بنفسه واشتد وجب نقضه
стр. 390
في الغسل دون الوضوء (وإن) كان مضفورا بخيوط ثلاثة فأكثر وجب نقضه في الغسل والوضوء اشتد أم لا (وإن) شد بخيط أو خيطين واشتد نقض وإلا فلا. لا فرق بين الرجل والمرأة ولا بين غسل الجنابة وغيرها (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة. أخرجه أبو داود والبيهقي والترمذي. وفي سنده الحارث بن وجيه ضعيف منكر الحديث. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه غلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك (١) ﴿٣٢٢﴾.
(وقالت) الشافعية والنخعي: إن وصل الماء إلى باطن الشعر بدون نقض لو يجب وإلا وجب. لا فرق بين الرجل والمرأة ولا بين الجنابة والحيض والنفاس، مستدلين بما استدل به المالكية. وقد علمت أنه ضعيفن فلا يعارض أحاديث وعائشة وثوبان.
(وقالت) الحنبلية: يجب نقضه في الحيض والنفاس دون الجنابة إن بلت أصوله (لحديث) أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمى وأشنان. وإن اغتسلت من جنابة صبت الماء على رأسها صبا وعصرته. أخرجه الدارقطني والطبراني وكذا البيهقي وفيه: وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقض رأسها ولم تغتسل بالخطمي والأشنان وقد تفرد به مسلم بن صبيح عن حماد بن سلمة (٢) ﴿٣٢٣﴾.
(ولكن) الأمر فيه محمول على الندب لأن الغسل بالخطمى والأشنان لم يقل