عرفة فقد أمن الفوات، وهذا لا ينافى طرو مفسد آخر (ورده) الحنفيون بأنه ﷺ إنما علق تمام الحج بالوقوف بعرفة باعتبار أمن الفوات والفساد (١)، وهذا ينافى طرو مفسد آخر، فالحق معهم.
٣ - وإذا جامع بعد رمي جمرة العقبة وقبل طواف الركن فسد حجه عند أحمد، ولزمه أعمال عمرة فيخرج إلى الحل ويحرم بعمرة ويلزمه شاة أو بدنة، روايتان. (وقال) الحنفيون ومالك والشافعي: إن جامع بعد الوقوف والحلق قبل طواف الركن لا يفسد حجه ولزمه شاة عند مالك، وهو ظاهر مذهب الحنفيين لبقاء إحرامه في حق النساء فقط، فالشاة لخفة الجناية.
... (وقال) الشافعي: عليه بدنة واختاره في المبسوط والدبائع. ويؤيده قول عطاء: سئل ابن عباس عن رجل قضى المناسك كلها غير أنه لم يزر البيت حتى وقع على امرأته، قال: عليه بدنة. أخرجه ابن أبي شيبة (٢). (٨٣)
... (هذا) والبدنة أو الشاة واجب على كل من الفاعل والمفعول عند الحنفيين، وروي عن أحمد، لما روي عكرمة أن رجلا قال لابن عباس: أصبت أهلي، فقال ابن عباس: أما حجكما هذا فقد بطل فحجا عاما قابلا ثم أهلا من حيث أهللتما حتى إذا بلغتما حيث وقعت عليها ففارقها فلا تراك ولا تراها حتى ترميا الجمرة، وأهد ناقة ولتهدي ناقة. أخرجه البيهقي (٣). (٨٤)
стр. 3502
(وقال) مالك: على كل منهما بدنة إن طاوعته المرأة، وإن أكرهها يهدي عنها (وقال) الشافعي: يلزمه بدنة واحدة عنهما، وهو رواية عن أحمد، لما روي عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: يجزئ بينهما جزور. أخرجه البيهقي بسند صحيح (١). (٨٦)
.. وإذا كانت المرأة مكرهة على الجماع فلا هدى عليها ولا على الرجل أن يهدي عنها عند الشافعي، لأنه جماع يوجب الكفارة فلم تجب به حال الإكراه أكثر من كفارة كما في الصيام. وعن أحمد أن عليه أن يهدي عنها، وهو قول مالك، لأن إفساد الحج وجد\ منه في حقهما فكان عليه لإفساد حجها هدى، قياسا على حجه. (وقال) الحنفيون: يلزمها الهدى وهو رواية عن أحمد، لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها، فكان الهدى عليها كما لو طاوعت، والنائمة كالمكرهة في هذا (وأما فساد) الحج فلا فرق فيه بين حال الإكراه والمطاوعة اتفاقا (ولا فرق) بين الوطء في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة عند الشافعي وأحمد. (وقال) الحنفيون ومالك: لا يفسد الحج بوطء البهيمة والميتة ومن لا تشتهي، لأنه لا يوجب الحد فأشبه الوطء دون الفرج، ويلزمه شاة إن أنزل وإلا فلا، بخلاف ما لو استدخلت امرأة ذكر حمار أو ذكرا مقطوعا فإن حجها يفسد اتفاقا، لأن داعي الشهوة في النساء أتم فلم تكن الجناية في حقها قاصرة.
... (ب) الوطء في العمرة: هو يكون قبل الطواف أو قبل السعي أو قبل الحلق.
... ١ - فإن وطئ المعتمر قبل طواف العمرة كله أو جله فسدت عمرته إجماعا ولزمه المضي في أعمالها وإعادتها لأنها لزمت بالإحرام بها ولزمه بها ولزمه شاة أو سبع بدنة.
стр. 3503
٢ - ولو جامع بعد طواف أربعة أشواط وقبل الحلق لزمه دم، ولم تفسد عمرته عند الحنفيين لإتيانه بالركن.
... (وقالت) المالكية: لو جامع أو أنزل بمقدمات الجماع قبل تمام سعي العمرة ولو بشوط، فسدت عمرته ولزمه القضاء وشاة تكفي في الأضحية.
... (وقالت) الشافعية والحنبلية: إذا وطئ المعتمر بعد الطواف وقبل السعي فسدت عمرته وعليه المضي في فاسدها والقضاء وبدنة.
... ٣ - وإن جامع بعد السعي وقبل الحلق فسدت عمرته عند الشافعي وعليه المضي في فاسدها والقضاء وبدنة لبقاء الحلق وهو ركن فيها عنده. (وقال) الحنفيون ومالك وأحمد: لا تفسد العمرة لانقضاء أركانها ولزمه شاة.
(فائدتان) (الأولى) كل ما أوجب هديا في الحج كالقبلة وطول الملامسة والملاعبة، يوجب هديا في العمرة.
... (الثانية) إذا أحرم بالحج أو العمرة قبل الميقات ثم أفسده لزمه في القضاء الإحرام من ذلك الموضع عند الشافعي وأحمد؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
... (وقال) الحنفيون ومالك: إن كان حاجا كفاه الإحرام من الميقات، وإن كان معتمرا فمن أدنى الحل، لقول عائشة ﵂ من حديث: وكنت ممن أهل بعمرة فأظلني يوم عرفة وأنا حائض فشكوت إلى النبي ﷺ ، فقال: ارفضي عمرتك وانقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج، فلما كانت ليلة الحصبة أرسل معي عبد الرحمن إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي. أخرجه البخاري (١).
стр. 3504
(جـ) وطء القارن: هو إما أن يكون قبل طواف العمرة والوقوف بعرفة أو بعد جل طوافها وقبل الوقوف أو بعدهما أو بعد الحلق وقبل طواف الركن.
١ - فلو جامع القارن قبل طواف العمرة والوقوف بعرفة، فسد حجة وعمرته ولزمه قضاؤهما ودمان لإفساد النسكين وسقط دم القرآن.
٢ - وإن جامع بعد أربعة أشواط من طواف العمرة وقبل الوقوف بعرفة فسد حجه فقط ولمه إعادته ودمان لجنايته على نسكين.
٣ - وإن جامع بعد أكثر طواف العمرة والوقوف بعرفة قبل الحلق وطواف الركن لم يفسد الحج ولا العمرة، ولزمه بدنة لجنايته على الحج وشاة لجنايته على العمرة. ٤ - وإن جامع بعد الحلق وقبل طواف الركن لزمه شاة فقط لجنايته على الحج على المختار عند الحنفيين.
(وقال) مالك والشافعي وأحمد: إذا وطئ القارن قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل التحلل الأول فسد حجه وعمرته ولزمه المضي في فاسدهما وبدنة للوطء وشاة للقرآن، فإذا قضي لزمه شاة أخرى ولو قضي مفردا لأنه لزمه القضاء قارنا فإذا قضي مفردا لا يسقط عنه دم القرآن.
(د) تعدد الوطء: هو إما أن يكون قبل الوقوف بعرفة أو بعده.
١ - فلو جامع الحاج مرارا قبل الوقوف بعرفة في مجلس واحد لزمه شاة والقضاء بعد المضي في أعمال الحج، وإن تعدد المجلس لزمه لكل جماع شاة وإن كفر عن الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف.
(وقال) محمد: إن لم يكن كفر عن الأول كفاه كفارة واحدة.
٢ - وإن كرر الوطء بعد الوقوف بعرفة في مجلس واحد لزمه بدنة واحدة. وإن تعدد المجلس لزمه بدنة للأول وشاة للثاني عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وهو الأصح عند الشافي لأنه وطء في إحرام ناقص الحرمة
стр. 3505
فأوجب شاة كالوطء بعد التحلل الأول (وقال) مالك: لا يجب بالوطء الثاني شيء لأنه لا يفسد الحج فلا يجب به شيء كما لو كان قبل التكفير. (وقال) الحنبلية ومحمد بن الحسن: إذا تكرر الجماع فإن كفر عن الأول فعلية للثاني كفارة أخرى كالأولى، وإن لم يكن كفر عن الأول فعليه كفارة واحدة لأنه جماع موجب للكفارة، فإذا تكرر قبل التكفير عن الأول لم يوجب كفارة ثانية كما في الصيام، وإذا كفر عن الأول لزمه بدنة عن الثاني لأنه وطء في إحرام لم يتحلل منه ولم تتداخل كفارته في غيره فأشبه الوطء الأول (١).
(هـ) مقدمات الوطء: تقدم أنه يحرم على المحرم مقدمات الجماع كالقبلة واللمس بشهوة إذا كان قبل التحللين، وأما بينهما ففي تحريم المباشرة بشهوة فيما دون الفرج خلاف، ومتى ثبتت الحرمة فباشر امرأته فيما دون الفرج عامدا عالما بالتحريم مختارا لم يفسد حجه عند الأئمة الأربعة والجمهور- إن لم ينزل- وعليه شاة (وكذا) إن أنزل عند الحنفيين والشافعي.
(وقال) مالك: إن أنزل يفسد نسكه وعليه القضاء وبدنة، وهو رواية عن أحمد، وأما اللمس والقبلة ونحوهما بلا شهوة فليس بحرام، ولا فدية فيه اتفاقا.
(مسائل) (الأولى) إذا قبل المحرم امرأته بشهوة ولزمته فدية ثم جامعها فلزمته بدنة تسقط الفدية وتندرج في البدنة، ولو وطئ ثم باشر فيما دون الفرج بشهوة، فإن كفر عن الجماع قبل المباشرة لزمه لها شاة وإلا أندرجت في البدنة (٢).
стр. 3506
(الثانية) إذا استمنى المحرم فأنزل أثم ولزمته الفدية على الأصح، وهي كفدية الحلق.
(الثالثة) مباشرة الغلام الحسن بشهوة كمباشرة المرأة ففيها فدية (١)
الثالث: الجناية على الطواف: تكون بترك واجب فيه، والكلام في ثلاثة مواضع: (١) تقدم أن الطهارة شرط
لصحة الطواف عند مالك والشافعي، وهو المشهور عن أحمد، فلا يصح من محدث ولا من حائض ونفساء ولا من متنجس بدنه أو ثوبه. (وقال) الحنفيون: الطهارة من الحدث واجبة فيه، وهو رواية عن أحمد (٢) وعليه (فلو طاف) للقدوم أو الوداع أو تطوعا- جنبا أو حائضا أو طاف أكثر طواف الركن محدثا (لزمه) شاة تجزئ في الأضحية، ولو طاف أقله جنبا ولم يعده طاهرا لزمه دم لقصور الجناية، وإن طاف أكثره جنبا ولم يعده طاهرا لوزمه بدنة لعظم الجناية، ويجب إعادته، والمعتبر الطواف الأول، والثاني جابر فلا يعاد السعي بعده.
(ولو طاف) مع نجاسة الثوب أو البدن فهو مكروه لا دم فيه.
(ولو طاف) للقدوم أو الوداع محدثا حدثا أصغر لزمه صدقة كصدقة الفطر.
(وإن) طاف للعمرة وسعى محدثا أعاد الطواف لنقصانه والسعي لتبعيته له ما دام بمكة ولا شيء عليه. وإن رجع إلى أهله ولم يعد الطواف لزمه دم لترك الطهارة فيه. (ب) وتقدم أنه يشترط عند الثلاثة كون الطواف سبعة أشواط، فلو ترك ولو خطوة منها لم يصح طوافه.
(وقال) الحنفيون: ركن الطواف أربعة أشواط وباقيه واجب يجبر بالدم (٣)، وعليه: ١ - فلو ترك أكثر طواف الركن بقى محرما أبدا
стр. 3507
في حق النساء حتى يطوفه، فإن رجع إلى أهله لزمه العود محرما لتأديته وإذا جامع بعد الحلق لزمه دم، وإن جامع قبله لزمه بدنة إلا أن يقصد بالأول رفض إحرامه فلا يلزمه بالجماع الثاني شيء.
٢ - ولو ترك ثلاثة أشواط فأقل من طواف الركن لزمه دم لقصور الجناية (وكذا) لو ترك أكثر طواف القدوم أو الوداع لزمه دم، ولا يتحقق ترك طواف الوداع إلا بالخروج من مكة، ولو أتى بما تركه لا يلزمه شيء، ولو رجع إلى بلده ولم يطف للوداع لزمه الرجوع لتأديته ما لم يجاوز الميقات، فإن جاوزه أراق دما أو رجع محرما بعمرة.
٣ - وإن ترك أقل طواف القدوم أو الوداع، لزمه لكل شوط صدقة كصدقة الفطر عند الحنفيين، ولزمه دعم عند غيرهم.
٤ - وتقدم أنه يجب عند الحنفيين تأدية طواف الركن في أيام النحر، وعند المالكية في شهر ذي الحجة، فإن أخره عن ذلك لزمه دم (١).
الرابع: الجناية على السعي وسائر الواجبات: الكلام هنا ينحصر في سبعة مواضع: ١ - تقدم أن السعي بين الصفا والمروة ركن عند مالك والشافعي ورواية عن أحمد فلا يجبر بدم. (وقال) الحنفيون: هو واجب يجبر بدم، وهو الصحيح عند أحمد (٢). ٢ - وتقدم أن المشي في السعي مع القدرة سنة عند الشافعي وأحمد، وواجب عند الحنفيين ومالك (٣)، فلو ركب فيه بلا عذر لزمه دم، ولو أعاده ماشيا بعد ما حل فلا دم عليه، أما إذا ركب فيه لعذر فلا شيء عليه ككل واجب ترك في الحج لعذر. ٣ - وتقدم أن المبيت بمزدلفة سنة عند الحنفيين ومالك، وواجب عند أحمد وهو الصحيح عن الشافعي (٤)،
стр. 3508
وعليه فلو ترك المبيت بها بلا عذر لزمه دم عند أحمد والشافعي، ولا شيء عليه عند الحنفيين ومالك.
٤ - وتقدم أن الوقوف بمزدلفة سنة عند مالك وهو المشهور عن الشافعي وواجب عند الحنفيين وأحمد (١)، وعليه فلو تركه بلا عذر أو وقف في غير وقته وهو وقت الصبح فعليه دعم عند هؤلاء، أما إن تركه لعذر كضعف أو مرض أو خوف زحام فلا دم عليه.
٥ - وتقدم أن رمي الجمار في وقته واجب يجبر تركه وتأخيره بدم اتفاقا (٢).
٦ - وتقدم أن مد الوقوف بعرفة إلى الغروب- إن وقف نهارا- سنة عند الشافعي وواجب عند الحنفيين ومالك وأحمد (٣)، وعليه فلو أفاض من عرفة بعد الوقوف نهارا قبل الغروب ولو بغير اختياره، كأن ندبعيره لزمه دم عند هؤلاء ويسقط بعوده قبل الغروب لا بعده.
٧ - وتقدم بيان حكم الحلق ووقته ومكانه وما يترتب على المخالفة فيه (٤).
(ثانيا) الجناية على الحرم: وهي تكون بالتعرض لصيد البر وأكل لحمه وكسر بيضه وحلب لبنه وبيعه وشرائه:
١ - فإن قتل المحرم بحج أو عمرة أو بهما صيد البر الممتنع المتوحش بأصل الخلقة ولو غير مأكول أو كان من صيد الحل أو تسبب في قتله بدلالة عليه ولم يكن المدلول عالما به وصدقه، فعليه الجزاء ولو كان ناسيا إحرامه أو جاهلا أو عائدا إلى التعرض له أو مضطرا لأكله، لأن لزوم الجزاء مع إذن الشارع بما يدفع الضرر ثابت بقوله تعالى: "فمن
стр. 3509
كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" (١)، ففائدة الإذن دفع الإثم لا غير.
٢ - وكذا عليه الجزاء لو ذبح حماما مسرولا (٢)، أو ذبح ظبيا مستأنسا لأنهما من الصيد وإنما من الصيد وإن استأنسا بالمخالطة، والجزاء نظير الصيد في الجثة فيما له نظير، ففي الضبع شاة، وفي الغزال عنز، وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وفي النعامة بدنة، وفي الحمار الوحشي بقرة لما روي أبو الزيبر عن جابر ﵁ أن عمر ﵁ قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي
اليربوع بجفرة. أخرجه مالك والشافعي والبيهقي (٣). ﴿٨٦﴾
وعن عطاء عن ابن عباس ﵄ أنه قضي في حمامة من حمام مكة بشاة. أخرجه البيقي (٤). ﴿٨٧﴾
(والمثل) المذكور ليس بمتعين، بل قاتل الصيد مخير بين إخراج المثل أو تقدير قيمته والتصدق بها على المساكين لكل مسكين مد، عند مالك والشافعي، ومد من البر أو مدان من غيره عند أحمد (وقال) محمد ابن الحسن: لكل مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر أو شعير أو زبيب، أو يصوم عن طعام كل فقير يوما، ودليل ذلك قوله تعالى:
стр. 3510
"يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما" (١).
(قال) مالك ومحمد بن الحسن: يقوم الصيد لا النظير في محل قتل الصيد ويتصدق بالطعام على فقراء ذلك المحل وإلا فعلى أهل أقرب مكان إليه، ولا ينقل إلى الحرم خلافا للشافعية والحنبلية (ويرجع) في اعتبار المثل وتقدير القيمة إلى حكم عدلين لهما معرفة بقيمة الصيد في موضع قتله أو في أقرب موضع منه إن لم تكن له فيه قيمة بالنسبة لكل صيد، وإن كان للصحابة في مثله حكم عند الحنفيين ومالك، لقوله تعالى: "يحكم به ذوا عدل منكم".
(وقال) الشافعي وأحمد: لا يرجع إلى حكم العدلين إلا فيما لا مثل له ولم يحكم فيه السلف، وأما ما له مثل فيرجع فيه إلى ما حكم به السف.
(وقال) أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا قتل المحرم صيدا أو تسبب في قتله فعليه الجزاء وهو قيمة الصيد بتقويم عدلين في موضع قتله أو في أقرب موضع منه إن لم تكن له فيه قيمة، ثم الجاني مخير في القيمة بين ثلاثة أمور:
стр. 3511
١ - إما أن يشتري بها هدية يذبحه في المحرم؛ فلو ذبحه في الحل لا يخرج عن العهدة إلا إذا أعطى كل مسكين قدر قيمة صدقة الفطر.
٢ - أو يشتري بالقيمة طعاما مجزئا في الفطرة يتصدق به في أي مكان على كل فقير مسلم كالفطرة. ... ٣ - أو يصوم في أي مكان عن طعام كل فقير يوما. (وإن لم يكن) للمصيد مثل كالعصفور فجزاؤه القيمة يتصدق بها على كل فقير مد أو كالفطرة أو يصوم عن طعام كل فقير يوما. وكذا الجراد عند مالك والشافعي وأحمد.
(وقال) الحنفيون: من قتل قملة من بدنه أو ثوبه تصدق بما شاء، وإن قتل قملا كثيرا تصدق على فقير كالفطرة، لأن القمل متولد من درن البدن، ففي قتله إزالة بعض التفث (وإن قتل) جرادة تصدق بما شاء، لما روى زيد بن أسلم أن رجلا قال لعمر: إني أصبت جرادات بسوطي وأنا محرم، فقال له: أطعم قبضة من طعام. أخرجه مالك (١). ﴿٨٨﴾
٣ - لبن الصيد وبيضه: وإذا حلب المحرم الصيد أو كسر بيضه غير الفاسد ولم يخرج منه فرخ ميت لزمه قيمة اللبن أو البيض، فإن كان فاسدا فلا شيء فيه، وإن كان بيض نعام عند الحنفيين لأ، هـ لا قيمة. له، وإن خرج منه فرخ لم يعلم قبل أنه ميت قيمة الفرخ حيا، أما إذا علم موت الفرخ فكسر البيض لا شيء فيه.
(وقال) مالك والشافعي وأحمد: إذا أتلف المحرم بيض النعام لزمه قيمته ولو مذرا لأن قشره ينتفع به ومتقوم، ولما روي معاوية بن قرة عن رجل من الأنصار أن رجلا محرما أوطأ بعيره أدحى نعام فكسر
стр. 3512
بيضها، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: عليك في كل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين. أخرجه أحمد والبيهقي بسند جيد (١). ﴿٢٧٢﴾
(مسائل) (الأولى) إذا ضرب محرم الصيد فتعيب ولم يفوت عليه الأمن بأن جرحه أو أزال شعره أو قطع عضوه أو كسر سنه، قوم الصيد سليما ومعيبا، وضمن ما نقص من قيمته إذا برئ وبقى أثر الضرب وإلا فلا شيء عليه (وإن مات) من ضربه ضمن كل قيمته لتسببه في موته، وإن فوت الأمن على الصيد بتفويت آلة الامتناع، كأنه نتف ريشة أو كسر أو قطع بعض قوائمه فلم يمتنع ممن أراده لزمه قيمته كاملة.
(الثانية) من قتل صيدا لا يؤكل لحمه ولا يحل له قتله كالسباع، فعليه الجزاء لا يزيد على شاة، لحديث عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر قال: سألت النبي ﷺ عن الضبع، فقال هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢) ﴿٢٧٣﴾
(الثالثة) لو ذبح المحرم صيدا فهو ميتة لا يحل له ولا لغيره أكله لأن الله تعالى سماه قتلا، بقبوله تعالى: "لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم"، ولو أكل منه لزمته قيمة ما أكل عند أبي حنيفة. (وقال) مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد: لا جزاء عليه بأكله، لأنه ميتة، وعليه الاستغفار.
стр. 3513
(الرابعة) يبطل بيع المحرم صيدا حيا أو ميتا وشراؤه، لأن بيعه حيا تعرض له وغير الحي ميتة، وإن عطب في يد المشتري فعلى كل جزاء: البائع لتسليمه والمشتري لإثبات يده، أما بيع لبنه أو بيضه فصحيح.
٢ - الإحصار
... الإحصار لغة: المنع والحبس، ومنه قوله تعالى: "للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله" (١)، وشرعا: المنع عن الوقوف بعرفة أو طواف الركن في الحج، وعن الطواف في العمرة، ثم الكلام ينحصر في خمسة مباحث.
... ١ - سبب الإحصار: يكون الحصر عند الحنفيين بكل حابس عن البيت من عدو ولو مسلما، أو مرض يزيد بالذهاب أو الركوب أو موث محرم أو زوج لامرأة في الطريق أو هلاك نفقة، وروي عن أحمد (عن ابن عباس) في قوله: "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى"، قال: من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده، أو عدو يحبسه، فعليه ذبح ما استيسر من الهدى: شاة فما فوقها، وإن كانت حجة الإسلام فعلية قضاؤها، وإن كانت بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء عليه. أخرجه ابن جرير وابن المنذر (٢). ﴿٨٩﴾
... (وقال) مالك والشافعي: الإحصار لا يكون إلا بالعدو. وروي عن أحمد، لأن آية "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى" نزلت في حصر
стр. 3514
النبي ﷺ وأصحابه في الحديبية. (قال) الشافعي: فمن حال بينه وبين البيت مرض حابس فليس بداخل في معنى الآية، لأنها نزلت في الحائل من العدو. ذكره البيهقي (١). ولقوله تعالى: "فإذا أمنتم فمن تمتعه بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى". والأمن لا يكون إلا من خوف، (وقال) ابن عباس ﵄: لا حصر إلا حصر العدو. أخرجه البيهقي (٢). ﴿٩٠﴾
(والراجح) أن الحصر يكون بالمرض والعدو وغيرهما، لعموم قوله تعالى: "فإن أحصرتم". والأمن كما يكون من الخوف يكون من المرض.
... ٢ - ما يطلب من المحصر: إذا منع المحرم بحج أو عمرة عن الوصول للبيت الحرام بمانع مما سبق، فله البقاء محرما حتى يزول الإحصار، وله إرسال شاة أو ثمنها لتشتري به وتذبح عنه في الحرم في وقت معين عند أبي حنيفه ومحمد بن الحسن. ويكفيه سبع بدنة. ويتحلل بعد مضي الوقت الذي عينه الرسول للذبح بلا حلق ولا تقصير، فلا يتحلل قبل الذبح ولا بالذبح في غير الحرم، لقوله تعالى: "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى". (قال) علي وابن عباس ﵃: ما استيسر من الهدى هو شاة. أخرجه مالك (٣). ﴿٩١﴾
... (وقال) ناجية بن جندب: أتيت النبي ﷺ حين صد الهدى فقلت: يا رسول الله، أبعث معي الهدى لأنحره بالحرم. قال: كيف تصنع به؟ قلت": أخذ به في مواضع وأودية لا يقدرون عليه، فانطلقت به حتى نحرته في الحرم، وكان قد بعث به لينحر في الحرم
стр. 3515
فصدوه. أخرجه أبو الحسن رزين بن معاوية والنسائي بسند صحيح (١). ﴿٢٧٤﴾
... (فإن لم يجد) الدم بقى محرما حتى يجده ويذبح أو يطوف لأنه لا بدل الهدي لقوله تعالى: " فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي". لم يذكر له بدلا ولو كان لذكره (وعن) أبي يوسف أنه يقوم الهدى ويتصدق بقيمته على كل مسكين كالفطرة، فإن لم يجد صام عن كل نصف صاع يوما.
(وإن كان) الناسك قارنا فأحصر أرسل دما للحج ودما للعمرة، فلا يتحلل إلا بعد الذبح عنهما. فإن بعث دما ليتحلل عن الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما، لأن التحلل منهما لم يشرع إلا في وقت واحد. وتقدم عن عائشة من حديث قالت: وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحل حتى كان يوم النحر (٢).
... هذا ولا يذبح دم الإحصار إلا في الحرم، لقوله تعالى: "ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله"، ومحله الحرم، لقوله تعالى: "ثم محلها إلى البيت العتيق" (٣)، وقوله: "هديا بالغ الكعبة" (٤) (ويصح) ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة لأنه دم كفارة لا يجوز الأكل منه فيختص بالمكان دون الزمان (وقال) أبو يوسف ومحمد: لا يذبح قبل يوم النحر إن كان محصرا بالحج قياسا على هدى المتعة والقرآن (ورد)
стр. 3516
بأن هذا دم نسك (أما المحصر) بالعمرة فيذبح عنه في أي وقت عند الحنفيين.
... (وقالت) المالكية: الحصر ثلاثة أقسام: حصر عن الطواف والوقوف بعرفة وعن أحدهما:
... (١) فمن منع بعد إحرامه بالحج عن الطواف والوقوف- بعدو كافر أو فتنة بين المسلمين أو بحبس ظلما كحبس مدين معسر- فله التحل بالنية وسن له الحلق ولا دم عليه على المشهور.
... ويشترط للتحلل ثلاثة شروط:
١ - أن يظن قبل الإحرام عدم المانع.
... ٢ - وأن يعلم أو يظن عدم زوال المانع قبل فوات الحج.
... ٣ - وأن يكون إحرامه في وقت يدرك فيه الحج لولا المانع، فإن انتفى شرط منها فليس له التحلل، بل يبقى على إحرامه لقابل.
... (ب) ومن وقف بعرفة ومنع عن باقي أعمال الحج لمرض أو عدو أو حبس، فقد أدرك الحج ولا يحل إلا بطواف الركن. وعليه لرمي الجمار والمبيت بمنى ونزول مزدلفة دم واحد كنسيان الجميع.
(جـ) ومن تمكن من الطواف وفاته الوقوف بعرفة ولو بحبس ظلما، فإن بعد عن البيت تحلل بالنية وسن له الحلق ولا دم عليه وإن قرب منه تحلل بنية عمرة ويطوف ويسعى ويحلق ويقضي من قابل (١).
... (وقال) الشافعي وأحمد: يتحلل المحصر في الحج أو العمرة بذبح الهدى في مكان الإحصار ولا يلزمه إرساله إلى الحرم وبالحلق أو التقصير (القول) المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي ﷺ الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة.
стр. 3517
وذكر الحديث في نزوله ﷺ بأقصى الحديبية وفي مجيء سهيل بن عمرو وما قاضاه عليه حين صدوه عن البيت، فلما فرغ من قضية الكتاب قال ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا (الحديث) وفيه: فخرج فنحر هدية ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فتحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا. ملخص من أحمد والبخاري والبيهقي (١). ﴿٢٧٥﴾
... دل: (١) على أن المحصر يقدم النحر على الحلق، فإن قدم الحلق على النحو فالظاهر أنه لا دم عليه لعدم الدليل. ... (ب) وعلى أن المحصر يذبح ويتحلل حيث أحصر ولا يشترط الذبح في الحرم. وبه قال مالك والشافعي وأحمد (ويؤيده) قول أبي عميس: سمعت عطاء يقول: كان منزل النبي ﷺ بالحديبية في الحرة وفيها نحر الهدى. أخرجه البيهقي (٢). ﴿٩٢﴾
وقال: قال الشافعي رحمة اله: وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل لأن الله تعالى يقول: "هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدى معكوفا أن يبلغ محله" (٣). والحرم كله محله عند أهل العلم. والحديبية موضع منه ما هو في الحل ومنه ما هو في الحرم؛ فإنما نحر الهدى عندنا في الحل وفيه مسجد رسول الله ﷺ الذي بويع فيه تحت الشجرة (وقال) الشافعي في قوله: "ولا تحلقوا رءوسكم
стр. 3518
حتى يبلغ الهدى محله": محله والله أعلم ههنا يشبه أن يكون إذا أحصر نحر حيث أحصر. ومحله في غير الإحصار الحرم. ذكره البيهقي وقال: قد روي عن ابن عباس ما يدل على صحة ذلك.
... وأجاب الحنفيون: (أ) بأن النبي ﷺ أرسل الهدى فذبح في الحرم كما تقدم (١). (ب) وعلى فرض أنه لم يرسله فقد ثبت أنه ﷺ ذبح في الحرم من الحديبية. (روى) عروة عن المسور قال: كان النبي ﷺ بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم. أخرجه الطحاوي (٢). ﴿٢٧٦﴾
... وقال: ولا يجوز لمن قدر على دخول شيء من الحرم أن ينحر هدية دون الحرم. فلما ثبت أنه ﷺ كان يصلي في الحرم استحال أن يكون نحر الهدى في غيره.
٣ - (مسائل) (الأولى) المحرم بالحج له التحلل إذا أحصره عدو إجماعا، ويلزمه شاة أو سبع بدنة عند الحنفيين والشافعي وأحمد والجمهور، لقوله تعالى: "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" (٣). (فإن عجز) عن الهدى لم يصم عند الحنفيين لعدم النص عليه. (وقال) أحمد: يصوم عشرة أيام ثم يحل. وهو رواية عن الشافعي، لأنه دم واجب للإحرام فكان له بدل كدم التمتع. وعدم النص عليه لا يمنع قياسه على غيره، ولا يلزمه مع الذبح أو الصيام حلق أو تقصير عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي، وهو رواية عن أحمد لأن الله تعالى لم يذكر سوى الهدى.
... (وقال) أبو يوسف: يلزمه حلق أو تقصير. وروي عن أحمد، لأن
стр. 3519
النبي ﷺ حلق يوم الحديبية وأمر أصحابه بالحلق. وهذا الخلاف مبني على أن الحلق نسك أو إطلاق من محظور، والصحيح أنه نسك كما تقدم (١).
... (الثانية) إذا أحرم بالعمرة، فأحصر، فله التحلل عند الجمهور لآية "فإن أحصرتم"، وقد يرد منع مالك التحلل منها، لأنها لا يخاف فوتها (٢).
... (الثالثة) يجوز عند الشافعي وأحمد التحلل، سواء أكان الإحصار قبل الوقوف بعرفة أو بعده، لعموم قوله: "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي". (وقال) الحنفيون ومالك: من أحصر بعد الوقوف لا يتحلل بل يبقى على إحرامه حتى يطوف طواف الركن، لأنه لا يفوت بالتأخير.
... (الرابعة) لا يشترط عند الجمهور للتحلل ضيق الوقت بحيث ييأس المحصر من إتمام نسكه إن لم يتحلل، لأن النبي ﷺ تحلل بالحديبية من العمرة وهي لا يخشى فواتها، لأن وقتها العمر.
... (وقالت) المالكية: إن علم زوال الحصر قبل الفوات أو ظنه أو شك فيه لا يتحلل، بل ينتظر حتى يفوت بالفعل (٣).
(الخامسة) من وصل إلى مكة ومنع: (١) عن الوقوف بعرفة وطواف الركن، فهو محصر اتفاقا مفردا أو قارنا لأنه تعذر عليه الإتمام فيتحلل بالهدى عند الحنفيين والشافعي وأحمد. (وقال) مالك: يتحلل بالنية ولا دم عليه في المشهور عنه.
стр. 3520
(ب) وإن منع المكي عن الوقوف بعرفة فليس بمحصر عند الحنفيين ومالك وروي عن أحمد، فيبقى محرما حتى يفوته الحج ثم يتحلل بعمرة ولا هدى عليه (وقال) الشافعي: يجوز له التحلل بفسخ الحج وجعله عمرة ولا هدى عليه. وهو مشهور مذهب أحمد.
... (جـ) وإن منع عن الطواف بعد الوقوف وقبل رمي الجمرة فليس بمحصر عند الحنفيين ومالك، لأنه أدرك الحج ولا يتحلل إلا بطواف الإفاضة (وقال) الشافعي وأحمد: يكون محصرا ويتحلل بالهدي والحلق.
... (د) وإن كان ما أحصر عنه ليس من أركان الحج كالرمي وطواف الوداع والمبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها فليس له التحلل، لأن صحة الحج لا تتوقف على ما ذكر وعليه دم وحجه صحيح كما لو تركه من غير حصر.
... (هـ) وإن أحضر عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلل، لأن المحرم عليه حينئذ إنما هو النساء والشرع إنما ورد بالتحلل عن الإحرام التام الذي يحرم به جميع محظوراته فلا يثبت بما ليس مثله ومتى زال الحصر أتى بالطواف وتم حجه (١).
... (السادسة) الحصر عام وهو ما سبق، وخاص وهو ما يقع لواحد أو جماعة:
... (١) فإن لم يكن المحصور معذورا، كمن حبس في دين يمكنه أداؤه فليس له التحلل، بل عليه أداء الدين والمضي في الحج، فإن تحلل لم يصح تحلله اتفاقا، فإن فاته الحج وهو في الحبس كان كمن فاته الحج بلا حصر فيلزمه قصد مكة والتحلل بعمل عمرة.
(ب) وإن كان معذورا، كمن حبسه السلطان ظلما أو حبس بدين لا يمكنه أداؤه، جاز له التحلل عند الثلاثة وهو المذهب عند الشافعية،
стр. 3521
لأنه معذور (١)، ولو أحرم العبد بغير إذن سيده أو المرأة للتطوع بغير إذن زوجها، فلهما منعهما وحكمهما حكم المحصر (٢).
... ٤ - هل على المحصر قضاء؟ اختلف العلماء في هذا (فقال) الحنفيون: عليه قضاء ما أحصر عنه.
... (أ) فعلى المحصر بالحج ولو نفلا إن تحلل ولو يؤده في عامه حج من قابل للزومه بالشروع وعمرة للتحلل، لقول ابن عمر ﵄: أليس حبسكم سنة النبي ﷺ ؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا. أخرجه البخاري والنسائي (٣). [٢٧٧]
... (وروي) الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ قال: من كسر أو عرج أو مرض فقد حل وعليه الحج من قابل. أخرجه أحمد والأربعة والطحاوي والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري والبيهقي، وحسنه الترمذي (٤). ... [٢٧٨]
... (ب) وعلى المحصر بالعمرة إعادتها، لقول ابن عباس ﵄: قد أحصر النبي ﷺ فحلق رأسه وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلا. أخرجه البخاري (٥). [٢٧٩]
стр. 3522
(جـ) والقارن المحصر إذا تحلل بغير عمرة وقدر على الذهاب إلى الحرم لزمه عند الحنفيين حجة وعمرتان: حجة وعمرة لإعادة ما لزمه بالشروع، وعمرة للتحلل ولا تلزم المحصر قضاء ما أحصر عنه إلا أن يكون فرضا عليه من قبل، لأن الله تعالى لم يذكر القضاء، ولو كان واجبا لذكره (وهذا) ضعيف، لأن عدم الذكر لا يستلزم العدم، لكن تقدم في أثر عن ابن عباس: وإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد حجة الفريضة أو عمرة فلا قضاء عليه (١) (وأجاب) الحنفيون عنه بأن قول الصحابي ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا عارض المرفوع؟
... ٥ - زوال الحصر: إذا تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه الحج لزمه عند مالك والشافعي وأحمد إن كانت حجة الإسلام أو كانت واجبة في الجملة، أو قلنا بوجوب القضاء، لأن الحج يجب على الفور، فأما إن كانت تطوعا ولم نقل بوجوب القضاء فلا شيء عليه كمن لم يحرم.
... (وقال) الحنفيون: إن زال الإحصار عن محرم بالحج بعد إرساله الدم، فله أربعة أحوال، لأنه إما أن يدرك الحج والهدى أو لا يدركهما أو يدرك أحدهما.
... (أ) فإن أمكنه إدراك الهدى قبل ذبحه وإدراك الحج بإدراك الوقوف بعرفة، لا يصح له التحلل ولزمه التوجه لأداء الحج، وصنع بالهدى ما شاء.
... (ب) و (جـ) وإن لم يمكنه إدراكهما أو أمكنه إدراك الهدى فقط، تحلل ولا يلزمه التوجه إلى البيت، لكنه أفضل ليتحلل بعمرة.
(د) وكذا إن أمكنه إدراك الحج فقط عند أبي حنيفة استحسانا،
стр. 3523
لأننا لو ألزمناه التوجه لضاع عليه ما أرسله من الهدى بلا حصول مقصوده، والقياس ألا يصح التحلل في هذه الصورة، وبه قال زفر، لأنه قدر على الأصل وهو الحج قبل حصول المقصود بالبدل وهو الهدي، وهذه الصورة لا تتأتى على قول أبي يوسف ومحمد، لأن دم الإحصار عندهما يتوقت ذبحه بيوم النحر، فمن يدرك الحج يدرك الهدى (ولو زال) الإحصار عن محرم بالعمرة بعد إرسال الهدى، فإن كان يدركهما لزمه التوجه لأداء العمرة، وإن كان يدركها فقط جاز له التحلل، والأفضل التوجه إلى البيت لأدائها.
٣ - الفوات
... هو لغة مصدر فات الأمر، أي لم يتأت فعله في وقت، والمراد هنا فوات الحج بفوات الوقت بعرفة (أما العمرة) فلا تفوت إجماعا لأنها غير مؤقتة، فمن فاته الحج ولو نفلا أو فاسدا بفوت الوقوف بمعرفة لعذر أو غيره، لزمه التحلل إحرامه بعمل عمرة فيطوف لها ويسعى بلا إحرام جديد، ثم يحلق أو يقصر عند الحنفيين ومالك والشافعي، وهو الصحيح عن أحمد، وإذا تحلل لزمه الحج في عام قابل، لحديث ابن عمر وابن عباس ﵃ أن النبي ﵌ قال: من وقف بعرفات بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج من قابل. أخرجه الدارقطني وابن عدى في الكامل بسند ضعيف (١) لكنه روى من عدة طرق ارتقى بها إلى درجة الحسن. ﴿٢٨٠﴾
стр. 3524
(هذا) والفوات يتعلق به أربعة أمور:
(أ) أنه لا يكون إلا بفوت الوقوف بعرفة. ... (ب) أن من فاته الحج يلزمه الخروج منه بعمل عمرة، وهذان مجمع عليهما. ... (جـ) يلزمه قضاء الحج في عام قابل عند الثلاثة، وهو مشهور مذهب أحمد، سواء أكان الفائت واجبا أو تطوعا لإطلاق النصوص، والقضاء يجزئ عن الحج المفروض إجماعا. ... (د) لا دم عند الحنفيين، وروي عن أحمد، لعدم النص عليه في الحديث السابق.
... (وقال) مالك والشافعي والجمهور: يجب الهدى، وهو المشهور عن أحمد، لما روي سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجا حتى إذا كان بالبادية من طريق مكة أضل رواحله ثم قدم على عمر يوم النحر فذكر له ذلك، فقال له عمر: أصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلا فأحجج وأهد ما استيسر من الهدي. أخرجه مالك والبيهقي بأسانيد صحيحة (١). ﴿٩٣﴾
... (وعن نافع) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: من لم يدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج فليأت البيت فليطف به سبعا ويطوف بين الصفا والمروة سبعا ثم ليحلق أو يقصر إن شاء وإن كان معه هدية فلينحره قبل أن يحلق، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع وليهد في حجه، فإذن لم يجد هديا فليصم عنه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهلة. أخرجه البيهقي بسند صحيح (٢). ﴿٩٤﴾
стр. 3525
(وجملة) القول في الفوات: أن من فاته الحج لزمه التحلل بعمل عمرة بالطواف والسعي والحلق وعليه القضاء وشاة. ولا ينقلب إحرامه عمرة عند مالك والشافعي، كذا عند أبي حنيفة ومحمد، غير أنهما قالا: لا دم عليه، لقوله ﷺ : ومن فاته عرفات فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة وعليه القضاء من قابل (١). (وقال) أبو يوسف وأحمد في الأصح عنه: ينقلب إحرامه عمرة مجزئة عن عمرة سبق وجوبها ولا دم. والدليل يشهد للأول.
... (فائدتان) (الأولى) إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وفرغ منها ثم أحرم بالحج ففاته لزمه قضاؤه دون العمرة، لأنه الذي فاته ولزمه دمان: دم الفوات ودم التمتع (٢).
... (الثانية) من كان قارنا وفاته الحج حل وعليه مثل ما أهل به من قابل عند مالك والشافعي وأحمد، لأن القضاء يكون على حسب الأداء، ويلزمه هديان لقرانه وفواته عند مالك والشافعي.
... (وعن) أحمد أنه يجزئه ما فعله عن عمرة الإسلام ولا يلزمه إلا قضاء الحج، لأنه هو الذي فاته (٣).
... (وقال) الحنفيون: يطوف القارن ويسعى لعمرته لأنها لا تفوت، ثم يطوف طوافا آخر لفوات الحج ويسعى له ويحلق أو يقصر، وقد سقط عنه دم القرآن لأنه يجب للجمع بين الحج والعمرة ولم يوجد ويقطع التلبية إذا أخذ في طواف التحلل. وإن كان من فاته الحج متمتعا ساق الهدى بطل تمتعه ويصنع كما يصنع القارن، لأن دم التمتع يجب للجمع بين العمرة والحج ولم يوجد الجمع لأن الحج فاته (٤).
стр. 3526
٤ - ما يفسد الحج والعمرة وما يبطلهما
... الفساد هنا الخلل المؤدى للزوم الإعادة ليخرج من العهدة، والبطلان عدم وجود حقيقة الفعل الشرعي.
(ويفسد) الحج عند الحنفيين بالوطء- بإيلاج الحشفة أو قدرها في أحد سبيل آدمي حي مشتهى وإن لم ينزل- قبل الوقوف بعرفة ولو كان الواطئ ناسيا أو مكرها أو جاهلا أو نائما أو غير مكلف، ولا يخرج منه بالفساد، بل يتممه وعليه بدنة والإعادة في عام قابل. ويندب أو يجب مفارقة امرأته في الإعادة كما تقدم (١). أما وطء البهيمة والميتة ومن لا يشتهي فلا يفسد الحج وإن أنزل. (وقالت) المالكية: إذا جامع الحاج أو أنزل بلمس، أو قبلة، أو استدامة نظر أو فكر قبل الوقوف بعرفة أو بعده قبل طواف الركن ورمى جمرة العقبة، فسد حجه وعليه بدنة والقضاء فورا، ويجب عليه وإتمامه إذا أدرك الوقوف فيه وإلا وجب تحلله من الحج الفاسد بفعل عمرة، ولا يجوز له البقاء لقابل على إحرامه لأن فيه التمادي على الفاسد مع إمكان التخلص منه. (وإن جامع) الحاج يوم النحر بعد طواف الركن وقبل رمي جمرة العقبة أو بعد رميها وقبل طواف الركن أو جامع بعد يوم النحر قبلهما، لا يفسد حجه ولزمه هدى، وإن جامع بعدهما يوم النحر فلا دم ولا فساد (٢).
... (وقالت) الشافعية والحنبلية: إذا جامع الحاج قبل رمي جمرة العقبة وقبل الحلق وطواف الركن، فسد حجه ولزمه إتمامه وقضاؤه فورا وعليه بدنة.
... (وتفسد) العمرة عند الحنفيين بالوطء قبل أكثر الطواف ويمضي فيها وعليه شاة أو سبع بدنة وإعادتها. (وقالت) المالكية: لو جامع المعتمر
стр. 3527
وإن كان بحائل كثيف أو أنزل بمقدمات الجماع قبل تمام سعي العمرة ولو بشرط، فسدت عمرته وعليه القضاء وشاة تكفي الأضحية.
... (وقالت) الشافعية والحنبلية: إذا وطئ المعتمر بعد الطواف وقبل السعي، فسدت عمرته وعليه المضي في فاسدها والقضاء وبدنة.
... ولو وطئ قبل الطواف فسدت عمرته إجماعا.
المقصد العاشر: في الهدى
الهدى لغة وشرعا: أسم لما يهدي من النعم قربة إلى الحرم، فهو لا يكون إلا من الإبل والبقر والغنم بالإجماع (وهو) في الفضل على هذا الترتيب اتفاقا. وحكمية مشروعية ذبح الهدى والفدية ما فيه من طاعة الله تعالى وامتثال أمره وإظهار نعمته بتوسعة المسلمين على أنفسهم وعلى المحتاجين في أيام العيد التي هي أيام ضيافة الله للمؤمنين. وفيه تطهير للنفوس من دنس الشح، وتذكير لنا (بنزول) الفداء لإسماعيل حين جاد بنفسه تصديقا لرؤيا أبيه (وبقيام) أبينا إبراهيم ﵊ بما أمر به، وبأن من يمتثل أمر ربه مع الإخلاص لا يصاب بأذى، بل ينال كل الخير والسعادة: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" (١)، وأقل الهدى شاة كما تقدم (٢)، ثم الكلام ينحصر في خمسة عشر مبحثا.
... ١ - ما يجزئ في الهدى وما لا يجزئ: يجزئ فيه ما يجزئ في الأضحية، وهو:
... (أ) الجذع من الضأن، وهو ما تم له ستة أشهر وكان سمينا.
стр. 3528
(ب) الثني من الضأن وغيره، وهو ما له خمس سنين من الإبل اتفاقا وما له حولان من البقر والجاموس عند الحنفيين والشافعي وأحمد. (وقالت) المالكية: الثني من البقر والجاموس ما له ثلاث سنين ودخل في الرابعة، والثني من الضأن ما له سنة ودخل في الثانية اتفاقا. وكذا الثني من المعز عند الحنفيين ومالك وأحمد، (وقالت) الشافعية: الثني من المعز ما له سنتان ودخل في الثالثة. ودليل ذلك ما روي أبو الزبير عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضمان. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبن ماجه وأبو الزبير مدلس (١). ﴿٢٨١﴾
(ولا يجزئ) في الهدى ما لا يجزئ في الأضحية. وهو مقطوع أكثر الأذن أو الذنب، لأن للأكثر حكم الكل، والعوراء والعمياء بالأولى، والعجفاء أي المهزولة التي ذهب مخها من الهزال، والعرجاء التي لا تمشي برجلها المعيبة إلى مكان الذبح. ودليل ذلك قول على ﵁: أمرنا النبي ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحى بعوراء ولا بمقابلة ولا مدابرة ولا شرفاء ولا خرقاء. أخرجه أحمد والأربعة والدرامي وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (٢). ﴿٢٨٢﴾
... (وروي البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء بين عورها، والمريضة بين مرضها،
стр. 3529
والعرجاء بين عرجها، والعجفاء التي لا تنقى. أخرجه الإمامان والأربعة والدارمي، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (١). ﴿٢٨٣﴾
... ٢ - الدماء الواجبة في الإحرام: هي ثمانية: (الأول والثاني) دم القرآن والتمتع، وهو شاة أو بدنة أو سبعها، وهو واجب على غير حاضري المسجد الحرام كما تقدم (٢)، فإن عجز القارن أو المتمتع عن الدم صام عشرة أيام (٣).
... (الثالث) دم الإحصار، وهو شاة تذبح في الحرم (٤).
(الرابع) دم الفوات، وهو واجب عند الجمهور، خلافا للحنفيين (٥).
... (الخامس) الدم الواجب بترك واجب من واجبات النسك كالإحرام من الميقات والمبيت بمزدلفة ورمي الجمار وغير ذلك (٦). (السادس) الدم الواجب بارتكاب محظور غير الوطء كالتطيب والحلق والقبلة (٧).
... (السابع) الدم الواجب بالجماع في النسك (٨).
... (الثامن) الدم الواجب بالجناية على الحرم كالتعرض لصيده أو شجره على ما تقدم بيان كل في بحثه (٩).
... ٣ - ما تلزم فيه بدنة: تجزئ الشاة في كل جناية ونذر إلا في أربعة
стр. 3530
لا يجزئ فيها إلا بدنة، وهي إذا طاف للزيارة جنبا أو حائضا أو نفساء أو جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل الحلق أو نذر بدنة أو جزوؤا.
... ٤ - هدى التطوع: يستحب لمن قصد مكة حاجا أو معتمرا أن يسوق هديا من النعم لينحر في الحرم ويفرق على المساكين هناك، لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ : وكان جماعة الهدى الذي قدم به على من اليمن والذي أتى به النبي ﷺ من المدينة مائة. ثم قال: فنحر (أي رسول الله ﷺ بيده ثلاثا وستين، ثم أمر عليا فنحر ما غبر (١).
... دل على استحباب سوق الهدى من الحل، فإن اشتراه من الحرم أجزأه، ولا يلزمه الخروج به إلى الحل عند الحنفيين والشافعي وابن القاسم المالكي، والمشهور عن مالك أنه يخرج به إلى عرفة، وإن لم يفعل فعليه البدل، لقول ابن عمر ﵄: الهدى ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة. أخرجه مالك والبيهقي بسند صحيح (٢). ﴿٩٥﴾
(وإن اشترى الهدى من الحل استحب له أن يوقفه بعرفة عند مالك لما روي نافع أن ابن عمر ﵄ كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده وأشعره بذي الحليفة ثم يساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة ثم يدفع به معهم إذا دفعوا فإذا قدموا مني غداة النحر نره قبل أن يحلق أو يقصر. أخرجه مالك (٣). ﴿٩٦﴾
стр. 3531
(وقال) الشافعي: إنما يوقف الهدى بعرفة إذا لم يسق من الحل، وهو سنة لمن شاء، لقول إبراهيم النخعي: أرسل الأسود غلاما له إلى عائشة ﵂، فسألها عن بدن بعث بها معه أيقف بها بعرفات؟ فقالت: ما شئتم إن شئتم فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا. أخرجه البيهقي (١). ﴿٩٨﴾
... (وقال الحنفيون: لا يسن سوق الهدى مطلقا إلى عرفة، لأن النبي ﷺ ساق الهدى من الحل ولم يثبت أنه ساقه إلى عرفة.
... ٥ - الشعار والتقليد: الإشعار لغة الإدماء، وشرعا شق سنام الهدى حتى يلطخ ليعلم أنه هدى فلا يتعرض له. والتقليد أن يجعل في عنق الهدى قطعة جلد أو نعل أو نحوه ليعلم أنه هدى.
... هذا، ويسن لمن أراد النسك وساق معه هديا أن يشعره إن كان من الإبل والبقر وأن يقلده ولو منهما أو من الغنم في ميقات الإحرام، لما تقدم أن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج النبي ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي ﷺ الهدى وأشعره وأحرم بالعمرة (٢).
(دل) على أن النبي ﷺ أشعر هدية وقلده بذي الحليفة قبل الإحرام. فمن أراد أن يحرم بنسك وساق معه هديا لا يقلده إلا من الميقات. وأما من لم يرد نسكا وبعث هديا إلى البيت فإنه ينبغي له أن يقلده ويشعره في بلده ثم يبعثه، كما فعل النبي ﷺ ،
стр. 3532
إذا بعث بهدية مع أبي بكر ﵁ سنة تسع (١). والإشعار يكون في الإبل والبقر وإن لم يكن لها سنام عند غير مالك (لقول) عائشة ﵂: فتلت قلائد بدن النبي ﷺ بيدي، ثم قلدها وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شيء كان أحل له. أخرجه السبعة والطحاوي (٢). ﴿٢٨٤﴾
... (وقال) مالك: لا تشعر البقر إلا إن كان لها سنام. وعن نافع أن ابن عمر ﵄ كان لا يبالي في أي الشقين أشعر، في الأيسر أو في الأيمن. (قال) الشافعي في غير هذه الرواية: الإشعار في الصفحة اليمنى، وكذلك أشعر رسول الله ﷺ . ذكره البيهقي (٣). فاختار مالك وأحمد في رواية الإشعار في الأيسر، واختار الشافعي وأحمد في رواية، والجمهور: الإشعار في الأيمن، لأن فعل النبي ﷺ أولى من فعل ابن عمر. والحكمة في الأشعار ألا يختلط الهدى بغيره، وإذا ظل يعرف وقد يعطب فينحر، فإذا رأى الفقراء عليه علامة الهدى أكلوه. وفي الإشعار أيضا تعظيم شعائر الدين وحث الغير على سوق الهدى.
هذا، والتقليد يكون في الإبل والبقر والغنم لما تقدم، ولقول عائشة ﵂: أهدي رسول الله ﷺ مرة غنما إلى البيت فقلدها. أخرجه السبعة بألفاظ متقاربة (٤). ﴿٢٨٥﴾
стр. 3533
دل قولها مرة على أن أكثر هدى النبي ﷺ كان من الإبل لأنها أفضل، وأهدى مرة الغنم لبيان الجواز. وتقلد الغنم بخيوط مفتولة ونحوها ولا تقلد بالنعال لثقلها عليها عند الجمهور، وابن حبيب المالكي.
... (وقال) الحنفيون: لا يسن تقليد الغنم. ومشهور مذهب مالك أنه يكره تقليدها، وهو مردود بحديث عائشة ﵂، ويحرم إشعارها لأنها تعذيب.
... ٦ - ما يطلب في الهدى: يطلب فيه تسعة أمور: (أ) يستحب أن يكون سمينا حسنا، لقوله تعالى: "ومن يعظم شعائر الله فإنها نمن تقوى القلوب" (١). (قال) ابن عباس: تعظيمها: استسمانها واستحسانها.
... (ب) ويستحب توجيه الهدى إلى القبلة عند إشعاره وأن يقول: باسم الله والله أكبر، لما روى نافع أن ابن عمر ﵄ كان إذا طعن في سنام هدية وهو يشعره قال: باسم الله واله أكبر. أخرجه مالك (٢). ﴿٩٨﴾
... (جـ) ويستحب تجليل الهدى بكساء ونحوه وأن يتصدق به بعد ذبح الهدى على مساكين الحرم، لقول على ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أتصدق بجلال البدن التي نحرت وبجلودها. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه (٣) ﴿٢٨٦﴾
стр. 3534
(د) ويستحب أن يشق الجلال من موضع السنام ليظهر الإشعار ولئلا يسقط عنها الجلال. فقد كان ابن عمر لا يشق من الجلال إلا موضع السنام. وإذا نحرها نزع جلالها مخافة أن يفسدها الدم ثم يتصدق بها ذكره البخاري معلقا (١). ﴿٩٩﴾
... (هـ) ويستحب للمهدي أن ينحر هديه بيده إذا كان يحسن ذلك، لقول أنس بن مالك ﵁: نحر النبي ﷺ بيده سبع بدن قياما وضحى بالمدينة بكبشين أقرنين أملحين. أخرجه البخاري وأبو داود (٢). ﴿٢٨٧﴾
... ومن لم يحسن الذبح يندب له أن يشهد ذبحه، لحديث عمران ابن حصين أن النبي ﷺ قال: يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بكل قطرة من دمها كل ذنب عملتيه وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. قال عمران: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة- فأهل ذلك أنتم- أو للمسلمين عامة؟ قال: بل المسلمين عامة. أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط والحاكم وقال: صحيح الإسناد. ورد بأن هذا في سنده أبا حمزة الثمالي ضعيف جدا (٣). ﴿٢٨٨﴾
... (و) ويستحب أن يتولى المهدي تفريق لحم الهدى بنفسه لأنه أحوط وأقل للضرر على المساكين. وإن خلى بينه وبين المساكين جاز، لقول
стр. 3535
عبد الله بن قرط: قرب إلى النبي ﷺ بدنات خمس، أو ست فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ. فلما وجبت جنوبها قال النبي ﷺ كلمة خفية لم أفهمها، فقلت للذي إلى
جنبي: ما قال؟ قال: من شاء اقتطع. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي (١). ﴿٢٨٩﴾
... (ز) ويطلب من المهدي التسمية عند نحر الهدى، لقوله تعالى: "والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صواف" (٢) والمنقول فيها: باسم الله والله أكبر، لقول أنس ﵁: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ويقول: باسم الله والله أكبر. أخرجه السبعة والدارمي (٣). ﴿٢٩٠﴾
... (والتسمية) عند الذبح شرط عند الذكر والقدرة عند الحنفيين، وهو المشهور عن مالك وأحمد؛ فإن تركها عمدا مع القدرة لا تؤكل الذبيحة لقوله تعالى: "ولا تأكلوا مما لم يذكر أسم الله عليه وإنه لفسق" (٤) (وقالت) الشافعية: التسمية سنة لا شرط؛ فإن تركها عمدا
стр. 3536
تحل مع الكراهة، وإن تركت سهوا نح اتفاقا. وتقدم تمامه في الأضحية (١).
... (ح) ويستحب نحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى لقوله تعالى: "فاذكروا اسم الله عليها صواف". قال ابن عباس ﵄: أي قياما على ثلاثة قوائم معقولة. أخرجه الحاكم (٢). ﴿١٠٠﴾
وعن جابر أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها. أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح على شرط مسلم (٣). ﴿٢٩١﴾
... (أما) البقر والغنم فيستحب ذبحها مضطجعة على جنبها الأيسر مرسلة رجلها اليمنى، مشدودة قوائمها الثلاث.
... (ط) ويسن نحر الإبل وذبح البقر والغنم. والنحر: الطعن في اللبة وهي أسفل العنق. والذبح: قطع الحلقوم والمرئ والدوجين (٤) من أعلى العنق؛ فإن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر جاز مع الكراهة عند أبي حنيفة ومالك والشافعي. وقال أحمد: لا يكره.
... ٧ - الانتفاع بالهدى: يجوز ركوب الهدى إذا دعت إليه ضرورة، لقوله تعالى: "لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت
стр. 3537
العتيق" (١) ومن المنافع ركوبها والحمل عليها، وعن أنس ﵁ أن النبي ﵌ رأى رجلا يسوق بدنة، وقد جهده المشي قال: أركبها، قال إنها بدنة، قال: اركبها وإن كانت بدنة. أخرجه النسائي (٢). ﴿٢٩٢﴾
... (ولهذا) قال الحنفيون: لا يركب الهدى بلا ضرورة.
(وقال) الشافعي وأحمد في المشهور عنه: يجوز ركوب الهدى للحاجة، وروى عن مالك، ومشهور مذهبه أنه يجوز ركوب الهدى بلا حاجة إن لم يضره الركوب، وروى عن أحمد، لإطلاق حديث أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك في الثانية أو الثالثة. أخرجه الشافعي والسبعة غير أنه عند الترمذي عن أنس (٣). ﴿٢٩٣﴾
... (وأجاب) الأولون بأن المطلق محمول على المقيد، والراجح ألا يركب الهدى إلا عند الحاجة، (وكره) الحنفيون ومالك والشافعي والجمهور شرب لبن الهدى بعد ري فصيله، وإن نقصه الركوب والشرب فعليه قيمة ذلك النقص عند الحنفيين والشافعي، وقال مالك: لا يغرم شيئا، ولا يحمل على الهدى متاعه عند مالك، وأجازه الجمهور عند الحاجة، (وقال) أحمد: لا يكره شرب لبن الهدى الفاضل عن ولده، لما روي المغيرة بن حذف العبسي أنه سمع رجلا من همدان سأل عليا ﵁ عن رجل اشترى بقرة ليضحى بها فنتجت فقال له: لا تشرب لبنها
стр. 3538
إلا فضلا وإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها عن سبعة، أخرجه البيهقي (١). ﴿١٠١﴾
(وهذا) وإن كان في الأضحية فالهدى مثلها، فإن شرب ما يضر بالأم أو ما لا يفضل عن الولد ضمنه لأنه تعدى بأخذه وإن كان صوفها يضرها بقاؤه وتصدق به على الفقراء (٢) وإذا ولد الهدى فولده بمنزلته إن أمكن سوقه، وإلا حمله على ظهر أمه وسقاه من لبنها، فإن لم يمكن سوقه ولا حمله صنع به ما يصنع بالهدى إذا عطب، لما روى نافع أن أبن عمر ﵄ كان يقو: إذا نتجت البدنة فليحمل ولدها حتى ينحر معها، فإن لم يوجد له محمل فليحمل على أمه ختى ينحر معها. أخرجه مالك والبيهقي (٣). ﴿١٠٢﴾
... ٨ - عطب الهدى وتعيبه: العطب بفتحتين: الهلاك، فإذا عطب الهدى الواجب أو تعيب عيبا فاحشا يمنع جواز الأضحية به لزمه غيره لوجوبه عليه، وصنع بالمعيب ما شاء لأنه التحق بملكه، وإن عطب أو تعيب هدى التطوع لا يلزمه غيره. وإذا أشرف على الموت وعجز عن السير نحره وصبغ قلادته بدمه وضرب بها جانب سنامه ليعلم أنه هدى فيأكل منه الفقراء ولا يأكل منه المهدى ولا غنى، لما روى عن ناجية الخزاعى أن النبي ﷺ بعث معه بهدى فقال: إن عطب منه شيء فانحره ثم أصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس. أخرجه
стр. 3539
الشافعي وأحمد والأربعة إلا النسائي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). ﴿٢٩٤﴾
(دل) على أنه إذا عطب هدى التطوع قبل وصوله إلى الحرم وجب ذبحه وتخليته للفقراء ولا بدل عليه، لأنه موضع بيان ولم يبين النبي ﷺ ذلك (بخلاف) الهدى الواجب إذا عطب قبل محله فإنه يأكل منه صاحبه والأغنياء لتعلقه بذمته وقد التحق بملكه، ويجوز بيعه عند الجمهور ومنعه مالك، فإن بلغ الهدى محله لا يأكل صاحب منه إن كان جزاء صيد أو فدية أو نذرا للمساكين، وأكل مما سوى ذلك عند الجمهور (٢).
... ٩ - ضياع الهدى: إذا ضل الهدى، فإن كان تطوعا لم يلزمه شيء، ويستحب ذبحه والتصدق به إذا وجده، وإن كان واجبا بالنذر ونحوه وضل بلا تقصير لا يلزمه ضمانه، وإن وجده لزمه ذبحه، لما روى نافع أن أبن عمر ﵄ قال: من أهدى بدنة ثم ضلت أو ماتت فإنها إن كانت نذرا أبدلها، وإن كانت تطوعا فإن شاء أبدلها وإن شاء تركها. أخرجه مالك (٣). ﴿١٠٣﴾
... ١٠ - وقت ذبح الهدى: (قال) الحنفيون: يختص ذبح هدى التمتع والقرآن بأيام النحر، ودم النذر والكفارات والتطوع لا يختص ذبحه بوقت، وتقدم بيان زمن ذبح دم الإحصار عندهم (٣) (وقال) مالك وأحمد: يختص ذبح الهدى ولو تطوعا بأيام النحر. والصحيح عند الشافعي أن وقت ذبح الهدى يوم النحر وأيام التشريق، وقيل لا يختص
стр. 3540
بزمان كدماء الجبران. والصواب الأول. وعليه إذا فات وقته ذبح الواجب قضاء وصنع به ما يصنع بالمذبوح في وقته، لأن القضاء يحكي الأداء. فأما التطوع فهو مخير فيه؛ فإن فرق لحمه كانت القربة بذلك دون الذبح لأنها شاة لحم.
وقالوا: إذا كان الهدى للتمتع أو القرآن فوقت وجوبه الإحرام بالحج لقوله تعالى: "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي" (١) ووقت استحباب ذبحه يوم النحر اقتداء بالنبي ﷺ ، ووقت جواز ذبحه بعد الفراغ من العمرة وبعد الإحرام بالحج، لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن فلا يجوز قبل وجوبها كالصلاة والصوم، وقبل: يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج، لأنه حق مال يجب بسببين فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب (٢)، وهذا يتفق ويسر الدين. ولكن الراجح خلافه.
مكان ذبح الهدى: يختص ذبح الهدى ولو تطوعا بالحرم في أي موضع منه، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل المزدلفة موقف وكل فجاج مكة طريق ومنحر. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٣). ﴿٢٩٥﴾
... (والأفضل) أن يكون نحر الهدى بمنى عند الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف إن أمكن وصوله إلى الحرم وإلا فمكانه حيث أحصر.
... (قال) الشافعي: يجوز نحر الهدى ودماء الجبرانات في جميع الحرم،