← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

صبيا مميزا، وإن اغتسل قبل إسلامه، أو لم يوجد من حال كفره ما يوجب الغسل عند أحمد وروى عن مالك (لقول) قيس بن عاصم: أتيت النبي ﵌ أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر. أخرجه أحمد والثلاثة وصححه ابن السكن (١) ﴿٣١٨﴾. (وقالت) الشافعية: يجب الغسل على من أجنب حال كفره اغتسل أم لا، لعدم صحة غسله وقتئذ لتوقف صحة الغسل على النية المتوقفة على الإسلام. ويستحب لمن لم يأمر كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجبا لما خص بالأمر به بعضا دون بعض فيكون ذلك قرينة صرف الأمر إلى الندب (وأما) وجوبه على من أجنب فللأدلة القاضية بوجوبه لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم (وقال) الحنفيون: يجب على من أجنب ولم يغتسل حال كفره. فإن اغتسل لا يجب لما تقدم من الأدلة، ولا يصح قياسه على الصلاة والزكاة، لأنهما لا يصحان بدون النية لعدم الغيمان. بخلاف اغتساله، لأن الماء مطهر بنفسه فلا يحتاج إلى النية (والظاهر) الأول، لأن ظاهر الأحاديث وجوب الغسل على كافر أسلم مطلقا. (فائدة) إذا اجتمع شيئان موجبان للغسل كالحيض والجنابة وتغيب الحشفة والإنزال، يكفيه عنهما غسل واحد عند الأئمة الأربعة والجمهور لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن يغتسل من الجماع إلا غسلا واحدا وهو يتضمن شيئين إذ هو لازم للإنزال غالبا. ٣ - ما لا يوجب الغسل- لا يلزم الغسل لأربعة أنواع (أ) لا يفترض الغسل

стр. 387

اتفاقا لمذي ولا لودي ولا لاحتلام بل بلل. لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فإذا احتلمت بلذة ولم يخرج ماؤها إلى فرجها الظاهر، فلا غسل عليها. (ب) ولا يفترض بتغيب بعض الحشفة ولا بوطء في غير قبل ودبر، ولا بسحاق- وهو اتيان المرأة المرأة بلا إنزال- ولا بالتصال الختانين بلا إيلاج. (جـ) ولا يفترض عند غير الشافعية بخروج مني بلا لذة ولو حكما على ما تقدم. (د) ولا يجب عند المالكية بمني خرج بلذة غير معتادة كأن خرج لنزوله في ماء حار ولحك جرب وتحريك دابة إن لم يتماد فيهما. فإن تمادى بعد شعوره باللذة من حك الجرب وتحريك الدابة ويجب الغسل. ٤ - فرائض الغسل- هي عند المالكية خمسة- النية وتعميم الجسد بالماء، والدلك، وتخليل الشعر، والموالاة مع الذكر والقدرة (وعند) الشافعية: النية وتعميم الشعر والبشرة بالماء (وعند) الحنفيين- غسل الفم والأنف وتعميم سائر الجسد بالماء (وعند) الحنبلية- تعميم الجسد بالماء حتى داخل الفم والأنف وظاهر الشعر وباطنه وحشفة أغلف أن أمكن تشميرها بلا مشقة (وأما) النية فشرط صحة إلا في غسل المجنونة والذمية فلا تشترط. وينوي عن المجنونة من يغسلها. ويلزم عند الكل إزالة ما على الجسد من نجاسة وغيرها مما يمنع وصول الماء إلى البشرة. وهاك بيان الفرائض مفصلة: (أ) النية- تكون عند غسل أول جزء من الجسد، ولا يضر عند غير الشافعية تقدمها بزمن يسير. وعند الشافعية: يشترط مقارنتها لأول مغسول،

стр. 388

فلا يجزي تقدمها بزمن يسير. ومحلها القلب. والتلفظ بها غير مشروع. وتقدم تمام الكلام عليها في فرائض الوضوء (١). (ب) تقميم الجسد بالماء- اتفق العلماء على أنه يفترض في الغسل إيصال الماء إلى جميع ما يمكن وصوله إليه بلا حرج كظفر وأذن وسرة وبشرة لحية وفرج خارج- وهو ما يظهر عند قعود المرأة لقضاء الحاجة- حتى لو بقيت لمعة لو يسيرة لم يصلها الماء لا يكفي الغسل، لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) من آية ٦ - المائدة. وهو أمر بتطهير جميع الجسد فيدخل كل الماء إلى ما تحته كعجين وطين وشمع ودهن متجمد وقذي عين (وكذا) يلزم عند غير المالكية نزع خاتم ضيق لا يصل الماء إلى ما تحته إلا بنزعه. وعلى المرأة تحريك قرطها الضيق (وقالت) المالكية: لا يلزم المغتسل نزع خاتمه الضيق المبالح استعماله ومثله حلي المرأة على ما تقدم بيانه في الوضوء (وإذا) كان بأذن المرأة أو الرجل ثقب لزم إيصال الماء إلى داخله خلافا للشافعية حيث قالوا لا يلزم غيصال الماء داخل الثقب الذي لا قرط فيه، لأن الواجب عندهم غسل البدن فقط. واختلفوا في أمور: ١ - نقض الشعر في الغسل- (قال) الحنفيون: لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها إن بل أصلها (لحديث) أم سلمة أنها قالت " يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه للجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت. أخرجه

стр. 389

أحمد ومسلم والأربعة. وقال الترمذي حسن صحيح (١) ﴿٣١٩﴾. (وعن) عبيد بن عمير قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن. فقالت: يا عجبا لابن عمرو وهو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقض رءوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ لقد كنت أغتسل أن ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد فما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿٣٢٠﴾. أما الرجل فيلزمه نقض ضفائره ولو وصل الماء أصول الشعر على الصحيح، (لحديث) ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم استفتوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الغسل من الجنابة، فقال: أما الرجل فينثر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفهاز أخرجه أبو داود (٣) ﴿٣٢١﴾. (والحكمة) في التفرقة بين الرجل والمرأة أن عليها في النقض حرجا. وفي الحلق مثلة. فسقط عنها النقض بخلاف الرجل فيجب عليه النقض مطلقا لعدم الحرج. (وقالت) المالكية: إن الشعر إذا كان مضفورا بنفسه واشتد وجب نقضه

стр. 390

في الغسل دون الوضوء (وإن) كان مضفورا بخيوط ثلاثة فأكثر وجب نقضه في الغسل والوضوء اشتد أم لا (وإن) شد بخيط أو خيطين واشتد نقض وإلا فلا. لا فرق بين الرجل والمرأة ولا بين غسل الجنابة وغيرها (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة. أخرجه أبو داود والبيهقي والترمذي. وفي سنده الحارث بن وجيه ضعيف منكر الحديث. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه غلا من حديثه وهو شيخ ليس بذاك (١) ﴿٣٢٢﴾. (وقالت) الشافعية والنخعي: إن وصل الماء إلى باطن الشعر بدون نقض لو يجب وإلا وجب. لا فرق بين الرجل والمرأة ولا بين الجنابة والحيض والنفاس، مستدلين بما استدل به المالكية. وقد علمت أنه ضعيفن فلا يعارض أحاديث وعائشة وثوبان. (وقالت) الحنبلية: يجب نقضه في الحيض والنفاس دون الجنابة إن بلت أصوله (لحديث) أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضا وغسلته بخطمى وأشنان. وإن اغتسلت من جنابة صبت الماء على رأسها صبا وعصرته. أخرجه الدارقطني والطبراني وكذا البيهقي وفيه: وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقض رأسها ولم تغتسل بالخطمي والأشنان وقد تفرد به مسلم بن صبيح عن حماد بن سلمة (٢) ﴿٣٢٣﴾. (ولكن) الأمر فيه محمول على الندب لأن الغسل بالخطمى والأشنان لم يقل

стр. 391

بوجوبه أحد، فهو قرينة على أن الأمر بالنقض للندب، بخلاف حديث أم سلمة فإنه محمول على الإيجاب، لقوله إنما يكفيك. ولذا ذهب بعض الحنبلية إلى أنه لا يجب على المرأة نقض الشعر في الغسل مطلقا وهو الراجح لقوة أدلته. ٢ - المضمضة والاستنشاق في الغسل- (قال) مالك والشافعي والليث بن سعد: إنهما سنتان فيه كالوضوء (لقول) ميمونة: سترت النبي صلى عليه وعلى آله وسلم وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض ثم توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه ثم أفاض عليه الماء ثم نحي رجليه فغسلهما. وهذا غسله من الجنابة. أخرجه الشيخان والثلاثة (١) ﴿٣٢٤﴾. (وهو) لا يدل على وجوب المضمضة والاستنشاق لأن مجرد فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقتضي الوجوب (وقال) الحنفيون والحنبلية والثوري: إنهما فرضان في الغسل، لقوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) من آية ٦ المائدة فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصال الماء إليه (ورد) بأن الآية مجملة بينت (بحديث) أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين. فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك. أخرجه أبو داود (٢) ﴿٣٢٥﴾. قال أهل اللغة: البشرة ظاهر الجلد. وداخل الأنف والفم من الباطن لا من الظاهر.

стр. 392

٣ - الدلك في الغسل- هو سنة عند الأئمة الثلاثة والجمهور وفرض عند المالكية والمزني كما تقدم في الوضوء (١) (والسبب) في اختلافهم، اشتراك أسم الغسل ومعارضة ظاهر الأحاديث- الواردة في صفة الغسل- لقياس الغسل في ذلك على الوضوء. وذلك أن الأحاديث الثابتة التي وردت في صفة غسله عليه الصلاةة والسلام من حديث عائشة وميونة الآتية (٢) ليس فيها ذكر التدلك، وإنما فيها إفاضة الماء فقط. وفي حديث أم سلمة السابق (٣) "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي على سائر جسدك. فإذا أنت قد طهرت" (وهو) أقوى في أسقاط التدلك من الأحاديث الأخر. لأنه يمكن هنالك أن يكون الواصف لطهره قد ترك التدلك. وأما ها هنا فإنما حصر لها شروط الطهارة. (فذهب) قوم كما قلنا إلى ظاهر الأحاديث. وغلبوا ذلك على قياس الغسل على الوضوء فلم يوجبوا التدلك (وغلب) آخرون قياس هذه الطهارة على الوضوء على ظاهر هذه الأحاديث. فأوجبوا التدلك كالحال في الوضوء. فمن رجح القياس صار إلى إيجاب التدلك. ومن رجح ظاهر الأحاديث على القياس صار إلى أساقط التدلك (٤) وهذا هو الظاهر. ٤ - سنن الغسل: للغسل سنن كثيرة المذكور منها هنا ثلاث عشرة: ١ - التسمية في أوله- بأن يقول باسم الله والحمد لله. كما تقدم في الوضوء

стр. 393

(وهي) سنة عند الحنفيين والشافعي ومندوبة عند مالك، وواجبة على العالم الذاكر عند الحنبلية فإن تركها عندا لم يصح غسله قياسا لإحدى الطهارتين على الأخرى غير أن حكمها هنا أخف، لأن حديث التسمية إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير (١). ٢ - غسل الكفين- يسن للمغتسل أن يبدأ بغسل كفيه ثلاثا كالوضوء (لقول) عائشة: كان النبى ﷺ إذا أراد أن يغتسل من جنابة يغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلها فى الماء ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة. أخرجه السبعة (٢). [٢٣٦]. والحكمة فى ذلك أنهما آلة التنظيف فيطهران أولا. ٣ - غسل الفرج- يسن لمريد الاغتسال أن يبدأ بغسل قبله ودبره وإن لم يكن عليهما نجاسة (لما) فى حديث ميمونة قالت: توضأ رسول الله ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه وغسل فرجه وما أصابه من الأذى ثم أفاض عليه الماء ثم نحى رجليه فغسلهما. أخرجه البخارى (٣) [٢٣٧]. ٤ - إزالة ما على جسده من نجاسة- يسن للمغتسل أن يبدأ بإزالة ما على جسده من نجاسة ولو قليلة. أما أصل إزالتها فلابد منه لأنه لا يرتفع حدث ما تحتها حتى تزال.

стр. 394

٥ - السواك: يسن للمغتسل التسوك كما يستحب للمتوضئ (١). ٦ - الوضوء: يستحب لمريد الاغتسال الوضوء قبل الغسل كما تقدم بيانه فى الوضوء قبل الغسل (٢). ٧ و ٨ - إفاضة الماء والتيامن: يسن للمغتسل بعد الوضوء أن يفيض الماء على رأسه ثلاثا يروى بها أصول الشعر. ثم يفيضه على سائر جسده بادئا بشقه الأيمن (لما) يأتى فى حديث عائشة قالت: حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات ثم افاض على سائر جسده (٣) وقد كان ﷺ يحب التيامن فى شأنه كله. ٩ - تخليل اللحية والشعر - يلزم المعتسل إيصال الماء إلى أصول شعره على ما تقدم في بحث نقض الشعر (٤) وإيصاله إلى ما تحت لفحيته الخفيفة. ويسن له تخليل شعر اللحية والرأس أن وصل الماء إلى أصول الشعر بلا تخليل. والإلزم عند الحنفيين (وعند) الشافعية والحنبلية: يسن تخليل الشعر إن وصل الماء إلى البشرة بدونه والالزم (والمعتمد) عند المالكية أنه يجب تخليله مطلقا ولو كثيفا وصل الماء على ما تحته (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن تحت كل شرعة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة أخرجه أبو داود والترمذي (٥) ﴿٣٢٧﴾.

стр. 395

وقال: حديث الحارث بن وجيه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه وهو شيخ ليس بذلك. وقال أبو داود: الحارث بن وجيه حديثه منكر وهو ضعيف. والتخليل الواجب عندهم تخليل الشعر وتحريكه حتى يصل الماء للبشرة (لما) يأتي في حديث عائشة قالت: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل الشعر وتحريكه حتى يصل الماء للبشرة (لما) يأتي في حديث عائشة قالت: ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر (١). ١٠ - تخليل الأصابع: يسن للمغتسل تخليل أصابع الدين والرجلين عند غير المالكية. وهو فرض عند المالكية في أصابع اليدين والرجلين على ما تقدم بيانه في الدلك (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: خلل أصابع يديك ورجليك يعني إسباغ الوضوء. أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب وفيه صالح مولي التوءمة وهو ضعيف لكن حسنه البخاري لأنه من رواية موسى ابن عقبة عن صالح وسماع موسى عنه قبل أن يختلط (٢) ﴿٣٢٩﴾. ١١ - التثليث- يسن في الغسل تثليث غسل الرأس اتفاقا لما تقدم وكذا باقي الجسد عند غير المالكية (لحديث) أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا اغتسل أحدكم فليغتسل كل عضو ثلاثا. أخرجه الديلمي ﴿٣٣٠﴾. (ومنه) تعلم رد قول المالكية: لا يطلب تثليث غير الرأس لعدم وروده. ١٢ - التستر حال الغسل- يطلب من المغتسل ستر العورة حال الاغتسال وأن يغتسل بمكان لا يراه فيه من لا يحل له النظر إلى عومرته (لحديث) يعلي بن

стр. 396

أمية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يغتسل بالبراز فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "إن الله حيى ستير يحب الحياء والستر. فإذا أراد أحدطم أن يغتسل فليستتر. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي بسند صحيح (١) ﴿٣٣١﴾. (وظاهره) وجوب التستر حال الغسل ولو في الخلوة. وإليه ذهب ابن أبي ليلى وبعض الشافعية (وقال) الجمهور: أنه سنة وتركه مكروه لما روى ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم أم عليا فوضع له غسلا ثم أعطاه ثوبا فقال استرني وولني ظهرك. أخرجه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣٣٢﴾. (وقالت) أم هانئ: ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب. أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿٣٣٣﴾. فيجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتستر في بعضها على الأفضل. قال البخاري: باب من اغتسل عريانا وحده في خلوة. ومن تستر فلتستر أفضل (٤).

стр. 397

٣ - استعمال السدر ونحوه- يسن في الغسل استعمال سدر ونحوه كأشنان وصابون (لحديث) عائشة أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله أخبرني عن الطهور من الحيض فقال: نعم لتأخذ أحداكن ماءها وسدرتها فتطهر، (الحديث) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود (١) ﴿٣٣٤﴾. والنفاس كالحيض. وعلى الجملة يسن في الغسل ما يسن في الوضوء. ٥ - مندوباته- يندب في الغسل ما يندب في الوضوء سوى استقبال القبلة، لأنه يكون غالبا مع كشف العورة. ٦ - مكروهاته: يكره فيه ما يؤدي إلى ترك سنة من سننه، وما يكره في الوضوء على ما تقدم بيانه. د ٧ - أقسام الغسل- هي ثلاثة: فرض وسنة ومندوب. (أ) فيفترض في حالتين: ١ - لواحد من الاسباب المتقدمة. وهي إنزال المنى بشهوة ولو حكما، وتغييب حشفة في قبل أو دبر ولو من كافر ثم أسلم وانقطاع حيض أو نفاس ولو من كافرة ثم أسلمت، وولادة ولو بلا دم، وموت فيفترض تغسيل الميت على ما تقدم بيانه. ٢ - يلزم الغسل لإزالة نجاسة أصابت كل البدن أو بعضه وخفي مكانها. (ب) ويسن الغسل لخمسة أشياء:

стр. 398

١ - غسل الجمعة- يطلب الغسل ممن يريد صلاة الجمعة وإن لم تلزمه (لحديث) أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. أخرجه مالك وأحمد ومسلم والأربعة إلا الترمذي (١) ﴿٣٣٥﴾. (وعن عمر) ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا أتى أحدكم إلى الجمعة فليغتسل. أخرجه الجماعة وهذا لفظ أبي داود (٢) ﴿٣٣٦﴾. (ولظاهر الحديثين) قالت الظاهرية بوجوب غسل الجمعة. وحكاه الخطابي عن الحسن البصري (وقال) جمهور العلماء: أنه سنة وهو المعروف من مذاهب الأئمة الأربعة. وقالوا: المراد بالوجوب في الحديث الأول تأكد الاستحباب. والأمر في بعض الأحاديث مصروف عن الوجوب لحديث الحسن عن سمرة ابن جندب أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: من توضأ للجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل. وأخرجه أحمد وابن خزيمة والأربعة بسند جيد لكن اختلف في سماع الحسن من سمرة (٣) (ويعضده) حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من

стр. 399

توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. أخرجه مسلم (١) ﴿٣٣٨﴾. (وهذا) من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة. (وهو) الراجح. والأحوط المحافظة على غسل الجمعة كالمحافظة على اداء الواجبات (ومحل) الخلاف إذا لم يترتب على تركه أذى، وإلا فالغسل واجب اتفاقا، لأن الضرر حرام بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة (وفي) وقت غسل الجمعة ثلاثة أقول: (أ) (قال) مالك والليث والأوزاعي: يدخل وقته عند إرادة الرواح إلى المسجد (لحديث) ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل" أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٣٩﴾. (ب) وقال الجمهور: وقته يدخل بطلوع الفجر، ولا يشترط اتصاله بالرواح، بل يستحب. وينتهي وقته بصلاة الجمعة. للأحاديث التي أطلق فيها يوم الجمعة. ولأن الغسل لإزالة الروائح الكريهة. والمقصود عدم تأذي الحاضرين. وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة. (جـ) وقال الحسن بن زياد ومحمد بن الحسن والظاهرية: وقته كل اليوم. فلا يشترط تقديمه على صلاة الجمعة. بل لو اغتسل قبل الغروب أجزأه للأحاديث المطلقة (واستبعده) ابن دقيق العيد وقال: يكاد يجزم ببطلانه. وأدعى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة. ووجهه أن الغسل

стр. 400

للصلاة لا لليوم (لحديث) عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أتى الجمعة فليغتسل. أخرجه ابن حبان وابن خزيمة والبيهقي وزاد: من لم يأتها فلا يغتسل (١) ﴿٣٤٠﴾. ٢ - غسل العيدين: اتفق العلماء على أنه سنة (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. أخرجه ابن ماجه والبيهقي. وفيه جبارة بن المغلس وحجاج ابن تميم ضعيفان (٢) ﴿٣٤١﴾. (وقال) في البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: أحاديث غسل العيدين ضعيفة. وفيه آثار عن الصحابة جيدة (ومنها) ما روى نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلي أخرجه مالك والبيهقي (٣) ﴿٣٤﴾. (واختلفوا) في وقته وفي أنه للصلاة أو اليوم. (أ) قال أبو يوسف والحنبلية: هو سنة للصلاة. ويدخل وقته بطلوع الفجر فلا يجزئ قبله ولا بعد صلاة العيد. وعن أحمد أنه يصح قبل الفجر وبعده. (ب) وقالت المالكية والشافعية: هو سنة اليوم. وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنفية. فيطلب ممن يحضر الصلاة ومن لا يحضرها، لأن الغرض منه إظهار الزينة، ويجوز قبل الفجر وبعده. والأفضل أن يكون بعده (ويدخل)

стр. 401

وقته عند المالكية بالسدس الأخير من الليل وينتهي بغروب شمس يومه (وعند) الشافعية يدخل وقته بنصف ليلة العيد إلى غروب شمس يومه. (فائدة) يكفي غسل واحد لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة إذا نوي الكل ويحصل للمغتسل ثواب ما نوى، لحديث "وإنما لا مرئ ما نوى". ٣ - غسل من غسل ميتا- يطلب ممن غسل ميتا أن يغتسل. (لما تقدم) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم قال: من غسل ميتا فليغتسل. ومن حمله فليتوضأ. أخرجه أحمد والثلاثة والبيهقي (١) ﴿٣٤٢﴾. (وبظاهره) أخذ على وأبو هريرة والإمامية فقالوا: إن من غسل ميتا وجب عليه الغسل (وقالت) الشافعية والحنبلية: هو سنة (وقال) الحنفيون والمالكية يندب لمن غسل ميتا أن يغتسل (وحملوا) الأمر في الحديث على الندب (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه أن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم". أخرجه البيهقي وقال: هذا ضعيف (٢) ﴿٣٤٣﴾. (ولقول) عمر: كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. أخرجه الخطيب بسند صحيح (٣) ﴿٣٥﴾. (وقال) الليث: لا يجب ولا يستحب لحديث ابن عباس. (والقول) باستحباب الغسل هو الراجح، وفيه الجمع بين الأدلة.

стр. 402

٤ - غسل الإحرام: يطلب الغسل ممن أراد الإحرام بحج أو عمرة أو بهما ولو حائضاً أو نفساء، لأنه للنظافة (وهو) سنة عند الأئمة الأربعة والجمهور (لحديث) زيد بن ثابت أنه رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تجرد لاهلاله واغتسل. أخرجه الدارقطني والترمذي وحسنه (١) ﴿٣٤٤﴾. (ويأتي) أن عائشة قالت: نفست أسماء بنت عميس بمحمد ابن أبى بكر بالشجرة فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا بكر أن يأمرها أن تغتسل وتهل. أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه (٢) ﴿٣٤٥﴾. ٥ - غسل الوقوف بعرفة - يطلب من الحاج ان يغتسل للوقوف بعرفة (وهو) سنة عند الثلاثة مندوب عند مالك (لحديث) الفاكه بن سعد أن النبي ﷺ كان يغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم النحر أخرجه ابن أحمد في زوائد المسند (٣) ﴿٣٤٦﴾ وفي سنده يوسف بن خالد كذبه غير واحد (ويدخل) وقته بالزوال عند الحنفيين ومالك. وبطلوع الفجر عند الشافعية والحنبلية (جـ) ويندب الغسل لأمور المذكور منها أحد عشر: ١ - دخول مكة: يستحب الغسل من أراد دخول مكة (وهو) للنظافة عند الحنفيين (ونسك) لا فدية في تركه عند الشافعي وأحمد فيستحب ولو للحائض والنفساء (لما روي) عن ابن عمر أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوي

стр. 403

حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله. أخرجه مسلم (١) ﴿٣٤٧﴾ (وقد) أمر النبي ﷺ عائشة لما حاضت أن تفعل ما يفعل الحاج إلا الطواف (وقالت) المالكية: يطلب هذا الغسل لدخول المسجد والطواف فلا يطلب من الحائض والنفساء (والظاهر) قول الجمهور. قال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء وليس في تركه فدية ويجزيء منه الوضوء (وقال) ابن التين: لم يذكر أصحابنا الغسل لدخول مكة. وإنما ذكروه للطواف. والغسل لدخول مكة هو في الحقيقة للطواف ملخص من شرح العسقلاني (٢). ٢ - الأفاقة: ويستحب الغسل لمن أفاق من جنون أو إغماء أو سكر ولم يجد بللاً (لما) تقدم في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أغمى عليه في مرض موته. ثم أفاق فقال أصلى الناس؟ فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله فقال: ضعوا لي ماء في المخضب. فقعد فاغتسل (الحديث) (٣). أما من أفاق مما ذكر فوجد بللاً (فإن) تيقن أنه منى لزمه الغسل اتفاقاً (وكذا) إن شك في أنه مني أو مذي عند الحنفيين ومالك (وعند) الشافعية والحنبلية تفصيل تقدم فيما إذا قام من نومه ووجد بللاً (٤) (وان) شك أنه مذي أو ودي فلا غسل عليه اتفاقاً.

стр. 404

(٣ - ١١) ويستحب الغسل للمبيت بالمزدلفة ولرمي جمار وطواف زيارة وطواف وداع، ولصلاة كسوف واستسقاء وفزع وظلمة نهاراً وريح شديدة، لأن هذه عبادات يجتمع لها الناس مزدحمين فيعرقون فيؤذي بعضهم بعضاً، فاستحب الغسل للنظافة ودفع الأذى كالجمعة. (فائدة) اختلفوا في أنه هل يقوم التيمم عند العذر مقام ما ذكر من الغسل المسنون والمندوب؟ (قال) الحنفيون: لا يقوم لأن المقصود منها غالباً النظافة (وقالت) الشافعية والحنبلية: يقوم التيمم مقام ما ذكر عند العذر كما يقوم مقام الغسل المفروض للضرورة (قال) الشيخ منصور ابن إدريس: ويسن التيمم- لعذر يبيحه- لما يسن له الوضوء كالقراءة والذكر والآذان، ورفع الشك والكلام المحرم (١). ٨ - كيفية الغسل - الغسل مجزئ وكامل (أ) فالجزيء هو المشتمل على الفرائض والواجب وهو التسمية عند الحنبلية. وكيفيته: أن يزيل ما على جسده من نجاسة أو غيرها مما يمنع وصول الماء إلى البشرة إن كان، ويعمم جسده بالماء على ما تقدم ناوياً لزوماً عند غير الحنفيين ومسمياً عند الحنبلية. (ب) والكامل. هو المشتمل على الفرائض والسنن والمندوبات. وكيفيته: أن ينوي المغتسل بقلبه رفع الحدث الأكبر أو استباحة الصلاة ونحوها. ثم يقول باسم الله والحمد لله. ثم يغسل كفيه ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء ثم يغسل ما على فرجه وسائر بدنه من الأذى. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة على ما تقدم. ثم يدخل أصابعه كلها في الماء فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه

стр. 405

ولحيته. ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات. ثم يفيض الماء على سائر جسده يبدأ بالشق الأيمن. ثم الأيسر. يتوعاهد معاطف بدنه كالإبطين وداخل الأذنين والسرة وما بين الآليين (١) وأصابع الرجلين وعكن البطن وغير ذلك- فيوصل الماء إلى جميع ذلك- ويدلك ما تصل إليه يداه من بدنه (وإن) كان يغتسل في نهر أو نحوه انغمس حتى يصل الماء إلى جميع بشرته وشعره ظاهره وباطنه وأصول منابته (ويستحب) أن ينوي الغسل من أول شروعه فيه ويستصحب النية إلى الفراغ منه. ويكفي الظن في تعميم الجسد بالماء. ثم يتحول من مكان غسله فيغسل قدميه إن لم يكن غسلهما أولاً. (ودليل) ذلك حديث عائشة أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثلاثاً ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه. أخرجه الشيخان. وفي رواية لهما: ثم يخلل بيده شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات (٢) ﴿٣٤٨﴾. (وعن) ميمونة قالت: وضعت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غسلاً يغتسل به من الجنابة فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها مرتين أو ثلاثاً. ثم صب على فرجه فغسل فرجه بشماله، ثم ضرب بيده أرض فغسلها، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم صب على رأسه وجسده، ثم تنحى ناحية فغسل رجليه فناولته المنديل فلم يأخذه وجعل ينفض الماء عن جسده فذكرت

стр. 406

ذلك لإبراهيم (الحديث) أخرجه أبو داود والبيهقي (١) ﴿٣٤٩﴾. (وأجمع) حديث في كيفية غسل الحائض والنفساء "حديث عائشة" أن أسماء بنت شكل سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى يبلغ شئون رأسها ثم تصب عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها. قالت أسماء وكيف تطهر بها؟ قال سبحان الله تطهري بها. فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك تتبعي أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة. قال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها فتطهر فتحسن الطهور أو تبلغ الطهور. ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء. فقالت عائشة نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحساء أن يتفقهن في الدين. أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٥٠﴾. (وفي) الحديث دليل على أنه يسن في حق المغتسلة من الحيض أن تأخذ شيئاً من مسك وتضعه في قطنة أو خرقة وتدخله فرجها بعد الغسل، ومثلها النفساء.

стр. 407

فإن لم تجد مسكاً استعملت أي طيب وجدت (والحكمة) في ذلك تطيب المحل ودفع الرائحة الكريهة. ٩ - مقدار ماء الغسل: لم يرد في ذلك تحديد صريح، لأنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ولكن يطلب التوسط والاعتدال (والمقدار) المجزئ في ذلك ما يحصل به تعميم أعضاء الوضوء والبدن في الغسل على الوجه المعتبر شرعاً. وذلك بإفاضة الماء على العضو وسيلانه عليه. فمتى حصل ذلك تأدى الواجب. وذلك يختلف باختلاف الناس فلا يقدر الماء الذي يغتسل به أو يتوضأ به بقدر معلوم (ويستحب) ألا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد. وقد دلت الأحاديث على مقادير مختلفة. وذلك لاختلاف الأوقات والحالات. (روي) أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد. أخرجه الشيخان وأبو داود (١) ﴿٣٥١﴾. (وعن) عائشة أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك. أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٥٢﴾. (وفي هذا) رد علي ابن شعبان المالكي وبعض الحنفيين في تقديرهم الوضوء بالمد والغسل بالصاع تمسكاً بظاهر حديث سفينة مولى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد. أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذي وصححه (٣) ﴿٣٥٣﴾.

стр. 408

(وحمل) الجمهور هذا على الاستحباب لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصحابة قدرهما بذلك (وهذا) إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة وهو أيضاً في حق من يكون خلقه معتدلاً. (فائدتان) (الأولى) الصاع مكيال يسع أربعة امداد بمد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (والمد) مختلف فيه (فقال) مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف: هو رطل وثلث رطل عراقي فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثاً (وقال) أبو حنيفة ومحمد: المد رطلان فيكون الصاع ثمانية أرطال (والرطل) العراقي عند الحنفيين ثلاثون ومائة درهم بالدرهم المتعارف. وبه يقول الرافعي من الشافعية (وقالت) الحنبلية: هو ثمانية وعشرون ومائة درهم وأربعة أسباع درهم. ورجحه النووي (وقالت) المالكية هو ثمانية وعشرون ومائة درهم (١). (الثانية) دلت أحاديث المبحث على كراهة الإسراف في الغسل والوضوء واستحباب الاقتصاد (وقد) أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء. ولو كان على شاطئ النهر (والأظهر) عند الشافعية أنه مكروه كراهة تنزيه ما لم يؤد إلى ضرر أو ضياع مال وإلا فيحرم (وقال) الحنفيون: الإسراف مكروه تحريماً لو تطهر بماء مباح أو مملوك. أما الموقوف على الطهارة ومنه ماء المساجد، فالإسراف فيه حرام كما تقدم (٢). هذا ويتصل بالغسل أمران: ١ - ما يحرم على الجنب يحرم على الجنب (أ) ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر وهو الصلاة والطواف

стр. 409

ومس القرآن وحمله الا بغلاف منفصل (ب) ويحرم عليه أيضاً قراءة شيء من القرآن بقصده ولو بعض آية (لقول) عبد الله بن سلمة: دخلت على علي ﵁ أنا ورجلان ثم دخل المخرج فقضى حاجته ثم خرج فأخذ حفنة من ماء فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن قال فكأنه رآنا أنكرنا ذلك ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة. أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود (١) ﴿٣٥٤﴾. (وعن) ابن عمر أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن. أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي (٢) ﴿٣٥٥﴾. وفي سنده إسماعيل بن عياش. وروايته عن الحجازيين ضعيفة. وهذا منها. (وبهذا) قال جمهور الصحابة والتابعين والائمة الأربعة إلا أن الأصح عند الحنفيين جواز القراءة بقصد الذكر أو الثناء أو الدعاء أو افتتاح أمر إن اشتمل على ذلك (وجوز) المالكية القراءة للجنب للتعوذ والرقية والاستدلال (وجوز) الشافعية القراءة بقصد الذكر لا بقصد التلاوة (وجوز) أحمد قراءة بعض آية غير طويلة ومثل الجنب في ذلك الحائض، إلا أن المالكية أجازوا لها قراءة القرآن ما لم ينقطع الدم مخافة النسيان لطول مدة الحيض بخلاف الجنابة (وذهب) ابن عباس وابن المنذر والظاهرية إلى جواز قراءة الجنب والحائض

стр. 410

(لقول) عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه. أخرجه مسلم والأربعة إلا النسائي وصححه الترمذي في العلل (١) ﴿٣٥٦﴾. (والقرآن) ذكر ولأن الأصل عدم التحريم (لكن) هذا مردود بما تقدم من الأدلة (والمراد) بالذكر في حديث عائشة ما عدا القرآن، جمعاً بين الروايات. (جـ) ويحرم على الجنب دخول المسجد ولو عبورا بلا مكث إلا لضرورة (لقول) عائشة: جاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب. أخرجه أبو داود والبخاري في التاريخ (٢) ﴿٣٥٧﴾. وفي سنده (أ) أفلت بن خليفة وثقه ابن حبان وقال أحمد لا بأس به. وروي عنه سفيان الثوري وعبد الواحد بن زياد. وهو مشهور ثقة (ب) وجسرة بنت دجاجة قال العجلي تابعية ثقة وذكرها ابن حبان في الثقات. وإذا صحح الحديث ابن خزيمة وحسنه ابن القطان وسكت عليه أبو داود فلا حجة لابن حزم في رده. (وبهذا) قال الحنفيون والمالكية، لإطلاق الأحاديث (ومحله) إن لم يكن ثمة ضرورة. فإن كانت كأن يكون باب البيت إلى المسجد ولم يمكن تحويله

стр. 411

ولا السكنى في غيره، فلا مانع من دخوله دفعاً للحرج (ولقول) يزيد بن أبي حبيب: إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم إلى المسجد فكانت تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء ولا طريق إليه إلا من المسجد فأنزل الله تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل). أخرجه ابن جرير الطبري (١) ﴿٣٦﴾. (ولو أجنب) في المسجد تيمم وخرج من ساعته إن لم يقدر على استعمال الماء. وكذا لو دخله جنباً ناسياً ثم تذكر. وإن خرج مسرعاً بلا تيمم جاز. وإن لم يقدر على الخروج تيمم ومكث، ولكنه لا يصلي به ولا يقرأ. وقالوا في قوله تعالى (ولا جنباً إلا عابري سبيل) من آية ٤٣ - النساء. معناه ولا عابري سبيل على حد قوله تعالى: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ) من آية - ٩٢ - النساء. أي ولا خطأ (وقال) ابن مسعود وابن عباس والشافعية والحنبلية يجوز المرور للجنب في المسجد بوضوء وبغيره ولو لغير حاجة لقوله تعالى: (ولا جنباً الا عابري سبيل) والعبور إنما يكون في محل الصلاة. وحملوا الاحاديث السابقة على منع المكث فقط، للاية المذكورة (ولقول) جابر: كنا نمر في المسجد ونحن جنب. أخرجه ابن المنذر (٢) ﴿٣٧﴾. (وعن) زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﵌ يمشون في المسجد وهم جنب. أخرجه ابن المنذر (٣) ﴿٣٨﴾. (ومثل) الجنب في ذلك الحائض ان امن التلويث بمرورها (وأجاب) الاولون عن الاية بما تقدم او بحملها هي وحديث عائشة على حالة الضرورة كما يدل

стр. 412

أثر يزيد بن ابي حبيب جمعاً بين الادلة (وقالت) الحنبلية واسحاق يجوز للجنب المكث في المسجد بالوضوء (لقول) زيد ابن اسلم: كان اصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء. وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث. أخرجه حنبل بن اسحاق من أصحاب أحمد (١) ﴿٣٩﴾. وهذا اشارة الى أن هذا كان من الكل فكان اجماعاً (وقال) عطاء بن يسار: رأيت رجالاً من اصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون اذا توضئوا وضوء الصلاة. أخرجه سعيد بن منصور والاثرم بسند صحيح (٢) ﴿٤٠﴾. (ورد) بأن الأثرين ضعيفان فإن في سنديهما هشام بن سعيد. قال أبو حاتم: لا يحتج به. وضعفه ابن معين وأحمد والنسائي. وعلى تسليم الصحة لا يكون ما وقع من الصحابة حجة "ولا سيما إذا خالف الممنوع" إلا أن يكون اجماعاً. (فائدة) ذكر أبو العباس بن القاص وبعض الفقهاء: أن من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جواز مكثه في المسجد مع الجنابة ومثله سيدنا علي كرم الله وجهه (لما روي) على بن المنذر بالسند إلى أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعلي: يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك. قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنباً غيري وغيرك. أخرجه الترمذي وقال: حسن

стр. 413

غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسمع مني محمد بن إسماعيل هذا الحديث واستغربه (١) ﴿٣٥٨﴾. (ورد) بأنه ضعيف لا يحتج به ولا تثبت به الخصوصية. وتحسين الترمذي له غير مسلم، لأن مداره على سالم بن أبى حفصة وعطية العوفي وهما ضعيفان جداً شيعيان متهمان في رواية هذا الحديث. وقد أجمع العلماء على تضعيف سالم وغلوه في التشيع (٢). ٢ - دخول الحمام الحمام- بشد الميم- مؤنث وقد يذكر وهو مكان معد للغسل يجوز دخوله للرجال إذا أمن النظر إلى العورة وكشفها، ولا يجوز للنساء الا للضرورة مع غض البصر وستر العورة (لحديث) عمر ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر. ومن كانت تؤمن بالله واليوم الأخر، فلا تدخل الحمام. أخرجه أحمد وفيه أبو خيرة قال الذهبي لا يعرف (٣) ﴿٣٥٩﴾. (وقالت عائشة): نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجال والنساء عن دخول الحمام. ثم رخص للرجال أن يدخلوه في المازر ولم يرخص للنساء. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وفي سنده أبو عذرة مجهول وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث حماد ابن سلمة، وإسناده ليس بذاك القائم (٤) ﴿٢٦٠﴾.

стр. 414

(وقالت) لنسوة دخلن عليها من نساء الشام: لعلكن من الكورة التي يدخل نساؤها الحمام؟ قلن نعم. قالت أما اني سمعت رسول الله ﵌ يقول: ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها الا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب. أخرجه أبو داود والترمذي بسند رجاله رجال الصحيح وحسنه الترمذي (١) ﴿٣٦١﴾. (وشدد) في أمر النساء، لأنه مبني على المبالغة في الستر (وعن) عبد الله ابن عمرو ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتاً يقال لها الحمامات فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزار. وامنعوا النساء إلا مريضة أو نفساء. أخرجه أبو داود. وفي سنده عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم تكلم فيه غير واحد (٢) ﴿٣٦٢﴾. (وقال) المنذري: أحاديث الحمام كلها معلولة. وإنما يصح منها عن الصحابة أي إنما صح منها الموقوف. ومنه ما روي عن علي وابن عمر قالا: بئس البيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء هذا والمعول عليه أن دخوله في زماننا حرام للرجال وللنساء، لتحقق كشف العورة منهن ومن فسقة الرجال، ولما فيه من كثير من المفاسد. فقد خلعن برقع الحياء لدخولهن الحمام مكشوفات العورات. وإن قدر أن امرأة منهن سترت شيئاً من عورتها عبن ذلك عليها وأسمعنها

стр. 415

قوارص الكلام حتى تزيل السترة. (وهناك) محرم آخر أشد وهو رؤية اليهودية والنصرانية عورة المسلمة. ونظر الذمية إلى بدن المسلمة حرام كنظر الأجنبي لها. فلا يجوز لمسلم أن يأذن لأحد من أهله في دخول الحمام إلا إذا كانت خلوة لا ترى فيها المرأة ولا يدخل عليها أحد. وهذا متعسر بلا متعذر. وبيت المرأة هو الحصن والستر المنيع المانع لها من المفاسد "روي" ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وإنها "أقرب ما تكون إلى الله تعالى وهي في قعر بيتها". أخرجه الطبراني في الكبير. ورجاله موثقون (١) ﴿٣٦٣﴾. (والمرأة) إذا أرادت دخول الحمام تأخذ أفخر ثيابها وأنفس حليها وتتبرج وتتزين بعد الغسل. فإذا ما رأتها امرأة أخرى اقل منها شأناً في ذلك طالبت زوجها بمثله وقد يكون معسراً لا قدرة له على إجابة طلبها، فتتولد المفاسد والشحناء وتتزايد البغضاء (وليحذر) الرجل أيضاً من دخول الحمام، لأن الفسقة- وكثير ما هم- لا يتورعون عن كشف العورة داخل الحمام. ولا يجوز اجتماع مستور العورة مع مكشوفها تحت سقف واحد (فمن) علم أو ظن شيئاً من هذه المفاسد حرم عليه دخوله ومن توهم كره له (أما) من أمكنه غض بصره بحيث لا يرى عورة أحد ولا يكشف عورته لأحد ولا يقر منكراً، فيباح له دخوله. (ويجوز) للحمامي أخذ أجرة الحمام وان لم يعلم مقدار ما يستعمل من الماء ولا مقدار المكث فيه، لأن جهالة المنفعة في مثل هذا مغتفرة للتعارف وإن كان القياس يأباه، لوروده على إتلاف العين مع الجهالة.

стр. 416

(جـ) التيمم هذا هو المقصد الثالث من مقاصد الطهارة. أخر عن الوضوء والغسل اقتداء بالكتاب، ولأنه بدل عنهما، لذا لا يصار إليه إلا عند العجز. وهو لغة: القصد. وشرعاً القصد إلى الصعيد الطاهر لمسح الوجه واليدين بضربة او ضربتين بنية استباحة ما منعه الحدث لمن لم يجد الماء او خشي الضرر من استعماله. (وهو) مشروع بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (وإن كنتم مرضى او على سفر او جاء أحد منكم من الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وايديكم منه) من آية ٦ - المائدة (وعن) ابي إمامة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: جعلت الأرض كلها لي ولامتي مسجداً وطهوراً: فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات الا سيار الاموي. وهو صدوق (١) ﴿٣٦٤﴾. (والتيمم) من خصائص هذه الأمة (لحديث) جابر أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت لي الأرض - وفي رواية "ولأمتي" مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وكان النبي يبعث لقومه خاصة وبعثت للناس عامة. أخرجه أحمد والشيخان (٢) ﴿٣٦٥﴾.

стр. 417

(وهو) رخصة في المحل حيث اقتصر فيه على مسح الوجه واليدين. وفي الالة حيث اكتفى فيه بالصعيد- ثم الكلا. ينحصر في عشرة مباحث. (أ) أسباب التيمم- هي ثلاثة أقسام- (١) سبب مشروعيته ما في حديث عائشة قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بعض إسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي، فأقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبى بكر فقالوا: الا ترى الى ما صنعت عائشة؟ فجاء ابو بكر والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فعاتبني وقال ما شاء الله ان يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما يمنعني من التحرك الا مكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على فخذي فنام حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله تعالى آية التيمم "فتيمموا" قال اسيد بن حضير: ما هي أول بركتكم يا آل ابي بكر. قالت فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. أخرجه مالك والخمسة الا الترمذي (١) ﴿٣٦٦﴾. (ب) وسبب وجوبه ما تقدم في الوضوء والغسل (٢). (جـ) وسبب اباحته فقد الماء حقيقة او حكماً، بأن وجده ولكنه عجز عن استعماله لعذر من الاعذار الاتية في بحث الفقد الحكمي. (أما الفقد الحقيقي) فيتحقق عند الحنفيين ببعد الماء مقدار ميل (٣) (٤).

стр. 418

(وعند) المالكيين ببعده ميلين. وعند الشافعيين ببعده عنه أكثر من نصف فرسخ أي اكثر من ميل ونصف ميل (وعند) الحنبلية ببعده عرفاً. (فيتيمم) المحدث حدثاً أكبر أو اصغر - إذا فقد الماء الكافي لطهارته من حدث وخبث- لكل ما يتوقف على الطهارة المائية (لحديث) عمران بن حصين ﵁ قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم فقال يا فلان ما منعك أن تصلي؟ قال أصابتني جنابة ولا ماء قال. عليك بالصعيد فإنه يكفيك. أخرجه الشيخان والنسائي (١) ﴿٣٦٧﴾. (والصعيد) التراب الطاهر او ما على وجه الأرض من تراب وغيره على ما يأتي بيانه أن شاء الله تعالى (ودل) قوله "يكفيك" على ان المتيمم في مثل هذه الحال لا يلزمه القضاء. (ويحتمل) ان يكون المراد يكفيك للأداء. فلا يدل على ترك القضاء. والأول أظهر (والحديث) يدل على مشروعية التيمم عند عدم الماء للجنب وغيره بالأولى. وعليه الإجماع (ولم يخالف) فيه أحد إلا ما حكى عن إبراهيم النخعي من عدم جوازه للجنب (وإذا) صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء، وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء، للأحاديث الصحيحة المشهورة في أمره ﷺ "الجنب يغسل بدنه إذا وجد الماء". هذا. ولا يجوز التيمم لفاقد الماء الا بعد طلبه وتبين عدم وجوده (لقول) عائشة: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلو المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ونزل فثنى رأسه في حجري راقداً وأقبل أبي فلكزني لكزة شديدة وقال: أحبست الناس في قلادة؟ ثم إن رسول الله صلى الله عليه وعلى

стр. 419

آله وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الناس الماء فلم يوجد. فنزلت: (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) الآية ٦ - المائدة. فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبى بكر. ما أنتم إلا بركة لهم. أخرجه البخاري والبيهقي (١) ﴿٣٦٨﴾. "وبوجوب" طلب الماء في العمران وما قرب منه قبل التيمم "قالت" الأئمة الأربعة ظن قربه ام لا (اما المسافر) فيجب عليه عند الحنفيين طلبه ولو برسوله ان ظن قربه دون ميل بإمارة كرؤية خضرة او طير او بأخبار عدل مكلف من الامن (وإن) كان مع رفيقه ماء وظن أو شك ان سأله أعطاه، لزمه طلبه منه قبل التيمم. فإن منعه ولو دلالة بأن استهلكه تيمم وصلى (وكذا) لو غلب على ظنه أنه لا يعطيه يتيمم بلا طلب (وإن) لم يعطه الا بالثمن، لزمه شراؤه بثمن المثل في ذلك الموضع او في أقرب موضع اليه او بزيادة يسيرة ان كان قادراً عليه ولو بمال غائب اذا امكنه الشراء نسيئه وكان فاضلاً عن حاجته (فإن) لم يعطه الا بغبن فاحش "وهو ضعف القيمة" او لم يكن قادراً على الثمن، او ليس فاضلاً عن حاجته، لا يلزمه شراؤه ويتيمم (وقالت) المالكية: اذا ظن او شك وجود الماء في مكان اقل من ميلين، لزمه طلبه ان لم يشق عليه (ويلزمه) طلبه من رفقته ان اعتقد او ظن او شك او توهم انهم لا يبخلون به (فإن) تيمم حينئذ ولم يطلبه، أعاد الصلاة في الوقت وبعده ان اعتقد او ظن انهم يعطونه الماء. وأعاد في الوقت فقط ان شك في ذلك. ولا يعيد مطلقاً ان توهم (ومحل) لزوم الاعادة ان لم يتبين عدم الماء معهم، فإن تبين عدمه فلا اعادة مطلقاً. ويلزمه شراء

стр. 420

الماء بثمن معتاد لم يحتج اليه ولو بدين ان كان غنياً ببلده (وقالت) الشافعية: يجب على فاقد الماء طلبه من رفقته ولو بمن يثق به ان كان في الوقت سعة. والا تيمم وصلى بلا طلب. وان لم يجده في رفقته. (أ) فإن كان في حدث الغوث "بأن يكون في مكان لا يبعد عن رفقته بحيث لو استغاث بهم أغاثوه" وتيقن وجوده، لزمه طلبه ان امن على نفسه وماله وان لم يأمن بقاء الوقت (وكذا) يلزمه طلبه ان توهم وجوده وأمن على نفسه وماله وأمن من الانقطاع عن رفقته ومن خروج الوقت. (ب) وإن كان الماء في حد القرب "بأن يكون بينه وبين الماء نصف فرسخ فأقل" لا يجب عليه طلبه الا ان تيقن وجوده وأمن على نفسه وماله وإن لم يامن بقاء الوقت (وقالت) الحنبلية: يجب على فاقد الماء طلبه في رحله وما قرب منه عادة ومن رفقته ما لم يتيقن عدمه (وكيفية) طلب الماء ان يطلبه اولاً في رحله ورفقته ثم إن رأى خضرة او شيئاً يدل عليه قصده. وإن كان بقربه مكان مرتفع طلبه عنده. وإن كان بمستو من الأرض نظر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن يساره. وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله عن مياهه. وإن دل على ماء قصده وجوباً إن كان قريباً ما لم يخف على نفسه او ماله، او يخشى فوات رفقته او فوات الوقت. وإن تيقن عدم الماء لا يلزمه طلبه. (فائدة) من كان على بدنه نجاسة وعنده ماء لا يكفي الا لرفع الحدث او ازالة النجاسة أزالها وتيمم اتفاقاً ومن كان محدثاً وعنده ماء لا يكفي للطهارة، فهو في حكم المعدوم عند الحنفيين ومالك والثوري والاوزاعي (وقالت) الشافعية في المشهور عنهم وداود الظاهري: يجب استعماله فيما يفي به ويتيمم للباقي. وهو رواية عن أحمد (لحديث) أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٣٦٩﴾.

стр. 421

(وهذا) الحديث أصل من الأصول العظيمة وقاعدة من القواعد النافعة. ويؤيده قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) من اية ١٦ - التغابن. فيصح الاستدلال بالحديث على العفو عن كل ما خرج عن الطاقة وعلى وجوب الاتيان بما دخل تحت الاستطاعة من المأمور به وأنه ليس مجرد خروج بعضه عن الاستطاعة موجباً للعفو عن جميعه. (وأما الفقد الحكمي) فأسبابه خمسة: ١ - خوف الضرر: "فمن خاف" من استعمال الماء- بغلبة الظن او تجربة او اخبار طبيب مسلم حاذق - حدوث مرض او زيادته او تأخير برء "تيمم" (وعند) الشافعية يكفي كون الطبيب حاذقاً ولو كافراً إن صدقه المتيمم. ولا تكفي التجربة على الراجح (ودليل) اباحة التيمم لخوف الضرر حديث الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا اذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه ان يتيمم ويعصر او يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني وقال: لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير وليس بالقوى وخالفه الاوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس (١) ﴿٣٧٠﴾.

стр. 422

(وعن) ابن عباس في قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى او على سفر) قال ﷺ : إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله او القرح او الجدري فيجنب فيخاف ان اغتسل ان يموت فليتيمم. أخرجه البيهقي والحاكم (١) ﴿٣٧١﴾. (وإلى هذا) ذهب عامة العلماء الا ما روي عن الحسن وعطاء من عدم جواز التيمم للمريض الا عند عدم الماء لظاهر قوله تعالى: (فلم تجدوا ماءً فتيمموا) (ورد) بأن الاية مصروفة عن ظاهرها بالاحاديث السابقة. فمعناها والله أعلم. وإن كنتم مرضى وعجزتم او خفتم من استعمال الماء ضرراً او كنتم على سفرٍ فلم تجدوا ماءً فتيمموا (فائدة) من لم يضره استعمال الماء ولكنه لا يقدر على استعماله بنفسه ولم يجد من يوضئه تيمم. أما لو وجد من تلزمه طاعته كخادمه وولده وضأه ولا يتيمم اتفاقاً. وكذا إن وجد غيره ممن لو استعان به لأعانه عند غير أبي حنيفة. (وقال) ابو حنيفة: يتيمم لأن القادر بالغير لا يعد قادراً. ٢ - خوف البرد: فمن خاف من استعمال الماء ان يهلكه البرد او يلحق به ضرر، تيمم (لقول) عمرو بن العاص: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت ان اغتسلت ان اهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح.

стр. 423

فلما قدمنا على رسول الله ﵌ ذكروا ذلك له. فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت ذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) عجز اية ٢٩ - النساء فتيممت ثم صليت. فضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يقل شيئاً. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم (١) ﴿٣٧٢﴾. (دل) على جواز التيمم عند شدة البرد ومخافة الهلاك، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقر باطلاً. والتبسم والاستبشار أقوى دلالة على الجواز من السكوت "وإلى جواز" التيمم لمن خاف من البرد تلفاً او مرضاً ان تطهر بالماء، "ذهب" جمهور السلف والخلف بشرط ألا يقدر على تسخين الماء او اجرة حمام ولم يجد ثوباً يدفئه ولا مكاناً يأويه. (ومن) صلى بالتيمم لا اعادة عليه إذا وجد الماء، لأنه أتى بما قدر عليه وأمر به. ولأن النبي ﵌ لم يأمر عمرو بن العاص بالاعادة. ولو كانت واجبة لأمره بها. (وبهذا) قال ابو حنيفة ومالك والثوري وابن المنذر. عملاً بحديث عمرو بن العاص وبحديث عمران بن حصين السابق (٢). (وقالت) الشافعية: اذا تيمم للبرد او لنسيان الماء في رحله او اضلاله فيه، اعاد الصلاة (واذا) تيمم للمرض او لفقد آلة او الخوف نحو سبع او لخوف غرق او لحاجة ضرورية الى الماء او ثمنه فلا اعادة عليه. (واذا) تيمم لفقد الماء. اعاد ان كان عاصياً بسفره "ولو في مكان يغلب فيه فقد الماء" او كان في مكان

стр. 424

يغلب فيه الماء وهو حاضر او مسافر مطلقاً (وان) كان في مكان يندر فيه الماء وهو غير مسافر سفر معصية فلا اعادة عليه، ولا دليل على هذا التفصيل. وحديث عمرو بن العاص يرده. ٣ - الخوف من عدو: يباح التيمم لمن (أ) خاف عدواً حال بينه وبين الماء انساناً كان او غيره كالحية والسبع. وسواء أخاف على نفسه ام ماله. وقدر بدرهم ولو وديعة. (ب) او خاف فوات مطلوبه باستعمال الماء كعدو خرج في طلبه او ابق او شارد يريد تحصيله، لأن في فوته ضرراً وهو منفي شرعاً (١) (ثم ان) نشأ الخوف لوعيد عبد أعاد الصلاة عند الحنفيين والا فلا (وقالت) المالكية والشافعية والحنبلية: لا يعيد مطلقاً، لأنه ادى الصلاة بوجه مشروع. ٤ - الاحتياج للماء: يباح التيمم لمن خاف حالاً او مآلاً عطش نفسه او رفيقه او دابته او دابة رفيقة، ولو كلباً غير عقور. وهذا اذا تعذر حفظ الغسالة لها (وكذا) الماء المحتاج اليه لعجن او ازالة نجاسة غير معفو عنها، يباح التيمم مع وجوده. بخلاف ما احتيج اليه لطبخ ما لا ضرورة اليه (ودليل) ذلك قول علي ﵁: اذا اصابتك جنابة فأردت ان تتوضأ- او قال تغتسل- وليس معك من الماء الا ما تشرب وانت تخاف فتيمم. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٤١﴾. ولأنه لما خاف الضرر على نفسه أشبه المريض بل أولى (وقال) أحمد: عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا الماء لشفاههم. ولا فرق في الرفيق بين الملازم وغيره من أهل الركب، ويلزم من معه الماء بذله لعطشان يخشى تلفه.

стр. 425

٥ - فقد الالة: يباح التيمم لفقد آلة طاهرة يخرج بها الماء كحبل ودلو ولو لم يخف فوت الوقت عند الثلاثة (وكذا) عند المالكية ان يئس من وجود الماء او الته اخر الوقت (أما) المتردد في وجود ذلك فإنه يتيمم وسط الوقت (ومن) قدر على اخراج الماء بثوب يرسلها فيه لزمه ولا يتيمم ان لم تنقص قيمة الثوب بذلك قدر درهم عند الحنفيين وأكثر من ثمن ما يستخرجه بها عند غيرهم. والا تيمم ولا اعادة عليه اتفاقاً. (وعلى الجملة) أنه متى أمكنه استعمال الماء بوجه من الوجوه من غير أن يلحقه ضرر في نفسه او ماله، لزمه استعماله والا فلا. ٢ - شروط التيمم: يشترط له ما يشترط في الوضوء والغسل. ويزاد له هنا (أ) في شروط الصحة فقد الماء حقيقة او حكماً وطلبه على ما تقدم. ويشترط أيضاً عند الحنفيين. ١ - النية على ما يأتي بيانه. ٢ - وكون المسح باليد او بأكثرها او بما يقوم مقامها كتحريك وجهه ويديه في الغبار. فلو مسح بأصبعين لا يكفي ولو كرر حتى استوعب بخلاف مسح الرأس. ٣ - وتعميم الوجه واليدين بالمسح على الصحيح المفتي به فينزع الخاتم ويخلل الاصابع. ٤ - وكون التيمم بضربتين او ما يقوم مقامهما كما لو حرك رأسه ويديه في موضع الغبار بنية التيمم. وهذا هو الاصح. واختار شمس الائمة السرخسي ان الضرب ركن لما سياتي في بحث الاركان. (ب) ويزاد في شروط الصحة والوجوب عند الحنفيين. ١ - الاسلام فلا يجب التيمم على الكافر، لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة ولا يصح منه، لأنه ليس أهلاً للنية. ٢ - وجود الصعيد المطهر، لقوله تعالى: (فتيمموا صعيداً طيباً) فلا يجب التيمم على فاقده ولا يصح منه بغيره ولو كان طاهراً كالأرض المتنجسة اذا جفت فإنها طاهرة تصح الصلاة عليها دون التيمم كما سيأتي في بحث ما يتيمم به إن شاء الله. (جـ) ويزداد في شروط الصحة
следующие страницы →