← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(وهذا) الحديث أصل من الأصول العظيمة وقاعدة من القواعد النافعة. ويؤيده قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) من اية ١٦ - التغابن. فيصح الاستدلال بالحديث على العفو عن كل ما خرج عن الطاقة وعلى وجوب الاتيان بما دخل تحت الاستطاعة من المأمور به وأنه ليس مجرد خروج بعضه عن الاستطاعة موجباً للعفو عن جميعه. (وأما الفقد الحكمي) فأسبابه خمسة: ١ - خوف الضرر: "فمن خاف" من استعمال الماء- بغلبة الظن او تجربة او اخبار طبيب مسلم حاذق - حدوث مرض او زيادته او تأخير برء "تيمم" (وعند) الشافعية يكفي كون الطبيب حاذقاً ولو كافراً إن صدقه المتيمم. ولا تكفي التجربة على الراجح (ودليل) اباحة التيمم لخوف الضرر حديث الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا اذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه ان يتيمم ويعصر او يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني وقال: لم يروه عن عطاء عن جابر غير الزبير وليس بالقوى وخالفه الاوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس (١) ﴿٣٧٠﴾.

стр. 422

(وعن) ابن عباس في قوله تعالى: (وإن كنتم مرضى او على سفر) قال ﷺ : إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله او القرح او الجدري فيجنب فيخاف ان اغتسل ان يموت فليتيمم. أخرجه البيهقي والحاكم (١) ﴿٣٧١﴾. (وإلى هذا) ذهب عامة العلماء الا ما روي عن الحسن وعطاء من عدم جواز التيمم للمريض الا عند عدم الماء لظاهر قوله تعالى: (فلم تجدوا ماءً فتيمموا) (ورد) بأن الاية مصروفة عن ظاهرها بالاحاديث السابقة. فمعناها والله أعلم. وإن كنتم مرضى وعجزتم او خفتم من استعمال الماء ضرراً او كنتم على سفرٍ فلم تجدوا ماءً فتيمموا (فائدة) من لم يضره استعمال الماء ولكنه لا يقدر على استعماله بنفسه ولم يجد من يوضئه تيمم. أما لو وجد من تلزمه طاعته كخادمه وولده وضأه ولا يتيمم اتفاقاً. وكذا إن وجد غيره ممن لو استعان به لأعانه عند غير أبي حنيفة. (وقال) ابو حنيفة: يتيمم لأن القادر بالغير لا يعد قادراً. ٢ - خوف البرد: فمن خاف من استعمال الماء ان يهلكه البرد او يلحق به ضرر، تيمم (لقول) عمرو بن العاص: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت ان اغتسلت ان اهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح.

стр. 423

فلما قدمنا على رسول الله ﵌ ذكروا ذلك له. فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقلت ذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) عجز اية ٢٩ - النساء فتيممت ثم صليت. فضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يقل شيئاً. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم (١) ﴿٣٧٢﴾. (دل) على جواز التيمم عند شدة البرد ومخافة الهلاك، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقر باطلاً. والتبسم والاستبشار أقوى دلالة على الجواز من السكوت "وإلى جواز" التيمم لمن خاف من البرد تلفاً او مرضاً ان تطهر بالماء، "ذهب" جمهور السلف والخلف بشرط ألا يقدر على تسخين الماء او اجرة حمام ولم يجد ثوباً يدفئه ولا مكاناً يأويه. (ومن) صلى بالتيمم لا اعادة عليه إذا وجد الماء، لأنه أتى بما قدر عليه وأمر به. ولأن النبي ﵌ لم يأمر عمرو بن العاص بالاعادة. ولو كانت واجبة لأمره بها. (وبهذا) قال ابو حنيفة ومالك والثوري وابن المنذر. عملاً بحديث عمرو بن العاص وبحديث عمران بن حصين السابق (٢). (وقالت) الشافعية: اذا تيمم للبرد او لنسيان الماء في رحله او اضلاله فيه، اعاد الصلاة (واذا) تيمم للمرض او لفقد آلة او الخوف نحو سبع او لخوف غرق او لحاجة ضرورية الى الماء او ثمنه فلا اعادة عليه. (واذا) تيمم لفقد الماء. اعاد ان كان عاصياً بسفره "ولو في مكان يغلب فيه فقد الماء" او كان في مكان

стр. 424

يغلب فيه الماء وهو حاضر او مسافر مطلقاً (وان) كان في مكان يندر فيه الماء وهو غير مسافر سفر معصية فلا اعادة عليه، ولا دليل على هذا التفصيل. وحديث عمرو بن العاص يرده. ٣ - الخوف من عدو: يباح التيمم لمن (أ) خاف عدواً حال بينه وبين الماء انساناً كان او غيره كالحية والسبع. وسواء أخاف على نفسه ام ماله. وقدر بدرهم ولو وديعة. (ب) او خاف فوات مطلوبه باستعمال الماء كعدو خرج في طلبه او ابق او شارد يريد تحصيله، لأن في فوته ضرراً وهو منفي شرعاً (١) (ثم ان) نشأ الخوف لوعيد عبد أعاد الصلاة عند الحنفيين والا فلا (وقالت) المالكية والشافعية والحنبلية: لا يعيد مطلقاً، لأنه ادى الصلاة بوجه مشروع. ٤ - الاحتياج للماء: يباح التيمم لمن خاف حالاً او مآلاً عطش نفسه او رفيقه او دابته او دابة رفيقة، ولو كلباً غير عقور. وهذا اذا تعذر حفظ الغسالة لها (وكذا) الماء المحتاج اليه لعجن او ازالة نجاسة غير معفو عنها، يباح التيمم مع وجوده. بخلاف ما احتيج اليه لطبخ ما لا ضرورة اليه (ودليل) ذلك قول علي ﵁: اذا اصابتك جنابة فأردت ان تتوضأ- او قال تغتسل- وليس معك من الماء الا ما تشرب وانت تخاف فتيمم. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٤١﴾. ولأنه لما خاف الضرر على نفسه أشبه المريض بل أولى (وقال) أحمد: عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا الماء لشفاههم. ولا فرق في الرفيق بين الملازم وغيره من أهل الركب، ويلزم من معه الماء بذله لعطشان يخشى تلفه.

стр. 425

٥ - فقد الالة: يباح التيمم لفقد آلة طاهرة يخرج بها الماء كحبل ودلو ولو لم يخف فوت الوقت عند الثلاثة (وكذا) عند المالكية ان يئس من وجود الماء او الته اخر الوقت (أما) المتردد في وجود ذلك فإنه يتيمم وسط الوقت (ومن) قدر على اخراج الماء بثوب يرسلها فيه لزمه ولا يتيمم ان لم تنقص قيمة الثوب بذلك قدر درهم عند الحنفيين وأكثر من ثمن ما يستخرجه بها عند غيرهم. والا تيمم ولا اعادة عليه اتفاقاً. (وعلى الجملة) أنه متى أمكنه استعمال الماء بوجه من الوجوه من غير أن يلحقه ضرر في نفسه او ماله، لزمه استعماله والا فلا. ٢ - شروط التيمم: يشترط له ما يشترط في الوضوء والغسل. ويزاد له هنا (أ) في شروط الصحة فقد الماء حقيقة او حكماً وطلبه على ما تقدم. ويشترط أيضاً عند الحنفيين. ١ - النية على ما يأتي بيانه. ٢ - وكون المسح باليد او بأكثرها او بما يقوم مقامها كتحريك وجهه ويديه في الغبار. فلو مسح بأصبعين لا يكفي ولو كرر حتى استوعب بخلاف مسح الرأس. ٣ - وتعميم الوجه واليدين بالمسح على الصحيح المفتي به فينزع الخاتم ويخلل الاصابع. ٤ - وكون التيمم بضربتين او ما يقوم مقامهما كما لو حرك رأسه ويديه في موضع الغبار بنية التيمم. وهذا هو الاصح. واختار شمس الائمة السرخسي ان الضرب ركن لما سياتي في بحث الاركان. (ب) ويزاد في شروط الصحة والوجوب عند الحنفيين. ١ - الاسلام فلا يجب التيمم على الكافر، لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة ولا يصح منه، لأنه ليس أهلاً للنية. ٢ - وجود الصعيد المطهر، لقوله تعالى: (فتيمموا صعيداً طيباً) فلا يجب التيمم على فاقده ولا يصح منه بغيره ولو كان طاهراً كالأرض المتنجسة اذا جفت فإنها طاهرة تصح الصلاة عليها دون التيمم كما سيأتي في بحث ما يتيمم به إن شاء الله. (جـ) ويزداد في شروط الصحة

стр. 426

والوجوب عند غير الحنفيين دخول الوقت فلا يجب ولا يصح التيمم قبل الوقت عند مالك والشافعي وأحمد وداود الظاهري وغيرهم، لقوله تعالى: (إذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا) الاية. ولا قيام قبل دخول الوقت "والوضوء خصه الاجماع والسنة" (وتقدم) عن أبي أمامة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: جعلت الارض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً. فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (١) ﴿٣٧٣﴾. (فهو) يدل بظاهره على أن دخول الوقت شرط للتيمم (وقال) الحنفيون وابن شعبان المالكي: يجوز التيمم قبل الوقت وبعده لاطلاق النصوص الواردة في التيمم، ولأنه بدل الوضوء فيجوز قبل الوقت كالوضوء. وهذا هو الظاهر. وما ذكره المخالف لا يدل على مدعاه. أما الحديث فظاهر. وأما قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة) فمعناه أردتم القيام لها. وإرادته تكون في الوقت وقبله. فلا دليل على اشتراط الوقت في الطهارة مطلقاً حتى يقال خصص الوضوء بالاجماع. ٣ - ما يتيمم به: اتفق العلماء على صحة التيمم بالتراب الطاهر. واختلفوا فيما عداه (فقال) أبو حنيفة ومحمد: يصح بكل طاهر من جنس الارض وهو ما لا يصير رماداً بالحرق ولا يلين بالنار كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة (٢) والكحل والزرنيخ (أما) ما يصير رماداً اذا احترق كالحطب والخشب وما يلين بالنار كالحديد والرصاص، فلا يصح التيمم عليه اذا لم يكن

стр. 427

عليه غبار (وقال) ابو يوسف: لا يصح الا بالتراب والرمل (وقال) مالك: يصح بكل ما كان من جنس الأرض اذا لم يحرق. وجوزه بعض أصحابه بكل ما اتصل بالارض حتى الثلج والنبات الذي لا يمكن قلعه ولم يوجد غيره وضاق الوقت (وقال) الشافعي وأحمد وداود الظاهري وابن المنذر: لا يجوز التيمم بالا بتراب طاهر له غبار يعلق بالعضو لقوله تعالى: (فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وما لا غبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه (وقال) ابن عباس الصعيد تراب الحرث. (ويؤكده) حديث علي ﵁ ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " أعطيت ما لم يعط أحد من الانبياء. فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال نصرت بالرعب. وأعطيت مفاتيح الارض. وسميت أحمد. وجعل التراب لي طهوراً. وجعلت امتي خير الأمم. أخرجه أحمد والبيهقي في دلائل النبوة. وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سييء الحفظ قال الترمذي: صدوق وقد تكلم فيه من قبل حفظه واحتج به أحمد وغيره. فالحديث حسن (١) ﴿٣٧٤﴾. (وعن) حذيفة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً. وجعلت تربتها لنا طهوراً اذا لم نجد الماء وذكر خصلة أخرى. اخرجه مسلم (٢) ﴿٣٧٥﴾. (وجه) الدلالة أنه خص التراب بحكم الطهارة وهو يقتضي نفي الحكم عما عداه [وقال] الاوزاعي والثوري: يجوز بالثلج وكل ما علا الأرض (والأصح)

стр. 428

قول ابي حنيفة ومالك، لقول الزجاج: الصعيد اسم لوجه الأرض تراباً كان او غيره. (ولحديث) عمار بن ياسر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: إنما كان يكفيك ان تصنع هكذا وضرب بيديه على الارض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه. أخرجه ابو داود من عدة طرق ومسلم (١) ﴿٣٧٦﴾. ٤ - أركان التيمم: هي (أ) عند المالكية النية، والضربة الاولى، ومسح الوجه والكفين، والموالاة. (ب) وعند الحنبلية مسح الوجه مع اللحية سوى ما تحت شعره ولو خفيفاً وسوى الفم والانف ومسح الكفين، والترتيب، والموالاة في حدث أصغر. (جـ) وعند الشافعية: النية، ومسح الوجه واليدين مع المرفقين، والترتيب وايصال التراب الطهور الى الاعضاء قصداً. (د) وعند الحنفيين: مسح الوجه واليدين مع المرفقين. ١ - (النية) هي ركن عند المالكية والشافعية. وشرط صحة عند الحنفيين وأحمد. وتكون عند وضع يد المتيمم على ما يتيمم به عند الحنفيين والمالكيين (وعند) الشافعية يشترط مقارنتها لنقل التراب ومسح شيء من الوجه. وعند أحمد يصح تقدمها على المسح بزمن يسير دفعاً للحرج (وكيفيتها) عند الحنفيين ان ينوي استباحة الصلاة، او رفع الحدث القائم به، او الطهارة منه. ولا يشترط تعيينه حتى لو كان جنباً ونوى الطهارة من الحدث الاصغر، أجزأه او ينوي عبادة مقصودة. وهي ما شرعت ابتداء تقرباً الى الله تعالى لا تصح بدون طهارة كالصلاة وسجدة التلاوة. وهذا شرط لصحة الصلاة به. فلا يصلي به اذا نوى التيمم فقط، او نواه الجنب او المحدث لمس المصحف، أو نواة الجنب لدخول

стр. 429

المسجد للاعتكاف، أو نواه المحدث لقراءة القرآن (وكيفيتها) عند المالكية والشافعية والحنبلية: ان ينوي فرض التيمم او استباحة ما منعه الحدث ويتوقف على الطهارة كالصلاة والطواف. ولا يصح نية رفع الحدث، لأن التيمم لا يرفعه عندهم كما تقدم (ومحلها) القلب. والتلفظ بها غير مشروع بل بدعة. وتقدم تمام الكلام عليها في الوضوء (١). ٢ - (استعمال الصعيد) يلزم استعمال الصعيد المطهر بالمسح او الضرب او بأي حال اتفاقاً. واختلفوا في كيفيته (فقال) أبو حنيفة والثوري والشافعي وأكثر الفقهاء. التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين (لحديث) جابر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين. أخرجه الحاكم والبيهقي والدارقطني، وقال: رجاله ثقات، والصواب وقفه. وقال الحاكم والذهبي: اسناده صحيح (٢) ﴿٣٧٧﴾. (وعن) نافع عن ابن عمر أنه كان يقول: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للكفين الى المرفقين. أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وقال: الصواب بهذا اللفظ عن ابن عمر موقوف (٣) ﴿٤٢﴾. (وقال) عطاء ومكحول وداود الظاهري والاوزاعي واحمد واسحاق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث: الواجب في التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين وهو رواية

стр. 430

عن مالك والزهري (لقول) عمار بن ياسر: سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التيمم فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه (١) ﴿٣٧٨﴾. (والمشهور) عند المالكية ان الضربة الاولى فرض والثانية سنة. ٣ - (مسح الوجه) هو ركن اتفاقاً لقوله تعالى: "فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم" فيفترض مسح جميع بشرة وشعر الوجه. ومنه العذار وهو الشعر النازل على اللحيين والبياض الذي بينه وبين الاذن والوترة "بفتحات" وهي الفاصل بين طاقتي الانف. والاجفان وما فوق العينين ولو ترك شعرة او طرف أنفه او أي جزء من وجهه لا يصح تيممه. ٤ - (مسح اليدين) هو ركن اتفاقاً، لقوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) واختلفوا فيما يفترض مسحه من اليدين (فعند) الحنفية والشافعية يفترض مسح اليدين مع المرفقين، لما تقدم عن جابر وابن عمر (٢) ويلزم نزع الخاتم والسوار او تحريكهما عند الحنفيين لأن الفرض هو المسح لا وصول الغبار. والتحريك مسح لما تحته (وعند) الشافعية يلزم نزعهما ولا يكفي التحريك. (وعند) المالكية والحنبلية: الفرض مسح الكفين، لحديث عمار المتقدم (٣) ففيه دلالة على أنه يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين جميعاً (وللاخرين) ان يجيبوا عنه بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم. وليس المراد بيان جميع ما يحصل

стр. 431

به التيمم. فقد أوجب الله تعالى غسل اليدين الى المرفقين في الوضوء ثم قال في التيمم (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة بالمرفقين في الوضوء في أول الآية. فلا يترك هذا الظاهر إلا بصريح (٤) (ويؤيده) حديث ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين. أخرجه الطبراني في الكبير. وفيه على بن ظبيان ضعفه يحيي بن معين وقال ابو علي النيسابوري لا بأس به (١) ﴿٣٧٩﴾. ولم يختلف أحد من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين (٢) هذا. والأخذ بأحاديث الضربتين والمرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين، لاشتمال الضربتين على ضربة ومسح الذراعين الى المرفقين على مسح الكفين دون العكس (٣). ٥ - (الموالاة) وهي ألا يفصل بين مسح العضوين بقدر ما يقطع التتابع في الوضوء. وهي ركن عند المالكية في التيمم مطلقاً. وكذا عند الحنبلية في التيمم عن حدث أصغر لا أكبر، لأن التيمم بدل عن الطهارة المائية والموالاة فرض في الوضوء دون الغسل. فكذا في التيمم القائم مقامه (وقالت) الحنفية والشافعية: الموالاة سنة في التيمم مطلقاً كالطهارة المائية. ٦ - (الترتيب) هو ركن عند الشافعية في التيمم مطلقاً، وكذا عند

стр. 432

الحنبلية في التيمم عن حدث أصغر، لما تقدم في الموالاة (وقالت) الحنفية والمالكية: الترتيب سنة في التيمم مطلقاً. ٧ - (إيصال التراب الطهور إلى أعضاء التيمم) هو ركن عند الشافعية وشرط عند الحنبلية (وقال) أبو حنيفة ومالك: إنه ليس بشرط، لما تقدم في بحث ما يتيمم به (وسبب) اختلافهم الاشتراك الذي في حرف "من" في قوله تعالى (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وذلك أن "من" قد ترد للتبعيض وقد ترد لتنويع الجنس (فمن) ذهب الى إنها للتبعيض، أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم (ومن) رأى أنها لتنويع الجنس قال: ليس النقل واجباً (والشافعي) إنما رجح محلها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء لكن يعارضه. (أ) تيمم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الحائط (١) (ب) وحديث عمارة وفيه: إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب ثم تمسحهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك. أخرجه الدارقطني (٢) ﴿٣٨٠﴾. ٥ - سنن التيمم- للتيمم سنن كثيرة المذكور منها هنا ثنتا عشرة: ١ - التسمية في أوله بأن يقول: باسم الله والحمد لله (وهي) سنة عن الحنفيين والشافعية. (ومندوبة) عند المالكية، لما تقدم في الوضوء (وواجبة) على الذاكر القادر عند الحنبلية. فمن تركها عمداً بطل تيممه. ٢ - السواك بعد التسمية وقبل نقل التراب ٣ - ٥ - إقبال اليدين بعد وضعهما في التراب

стр. 433

وإدبارهما، ونفضهما بقدر ما يتناثر التراب من يده، منعاً من تلويث الوجه واتباعاً للسنة. ٦ - تفريج الأصابع حال الضرب مبالغة في التطهير ٧ - ٨ - تخليل اللحية والأصابع قبل مسح اليدين أو بعده وهذا إذا فرق أصابعه حال الضربة الثانية، وإلا كان التخليل واجباً عند الشافعية ٩ و ١٠ - التيامن واستقبال القبلة كالوضوء. ١١ - كونه بالكيفية الآنية ١٢ - تأخيره إلى الوقت المستحب (١) لمن رجا وجود الماء ظناً أو شكاً، ليقع أداء العبادة بأكمل الطهارتين في أكمل الوقتين. فإن انتظر ووجد الماء توضأ وإلا تيمم لثبوت العجز. وإن لم ينتظر وتيمم أول الوقت وصلى، صحت صلاته ولا إعادة عليه وإن وجد الماء في الوقت (لحديث) أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معها ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكرا ذلك له. فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك. وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين. أخرجه النسائي وأبو داود والدارمي والحاكم والدارقطني (٢) ﴿٣٨١﴾. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد (وقالت) الشافعية: إن تيمم في مكان يغلب فيه وجود الماء لزمه الإعادة وإلا فلا. ولا دليل على هذا التفصيل.

стр. 434

(ويؤيد) القول بعدم لزوم الإعادة وإن وجد الماء في الوقت حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. أخرجه وأبو داود والنسائي وابن حبان وصححه ابن السكن (١) ﴿٣٨٢﴾. "فالحق" الذي دلت عليه النصوص كحديث "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٢) " وقوله في حديث أبي سعيد "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك (٣) " "أنه لا إعادة" لا في الوقت ولا بعده (أما) من وجد الماء قبل الصلاة وبعد التيمم لزمه الوضوء عند الائمة الاربعة والجمهور (وقال) داود الظاهري: لا يلزمه الوضوء، لقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) عجز آية ٣٣ محمد (ورد) بأن التيمم شرع للضرورة بدلاً عن الوضوء وقد تمكن منه قبل الدخول في الصلاة (وأما) من وجد الماء في أثناء الصلاة، فيلزمه الخروج منها وإعادتها بالوضوء عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري والمزني (وقال) مالك وداود الظاهري: يستمر في صلاته وجوباً، لقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) ولا إعادة عليه، لأنه دخلها بوجه مشروع. ٦ - مكروهات التيمم- يكره في التيمم تكرير المسح وترك سنة من السنن المتقدمة (ويكره) أيضاً عند الحنبلية نفخ تراب خفيف. لئلا يذهب فيحتاج الى إعادة الضرب، فإن ذهب ما على اليدين بالنفخ أعاد الضرب ليحصل المسح بتراب (٤).

стр. 435

٧ - كيفية التيمم- هي أن ينوي استباحة ما يتيمم له، ثم يسمى ويستاك ويضرب يديه على الصعيد مفرجتي الأصابع وينفضهما ثم يمسح وجهه وكفيه، او يعيد الضرب ثانياً ثم ينفضهما ثم يمسح بكل كف ذراع الاخرى ظاهرها وباطنها إلى المرفقين (لما) في حديث عمار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما، وجهك وكفيك. أخرجه الدارقطني (١) ﴿٣٨٣﴾. (وبهذا) أخذ المالكية والحنبلية كما تقدم (وعن) ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في التيمم بالصعيد أن يضرب بكفيه على الثري ثم يمسح بهما وجهه ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح بهما ذراعيه إلى المرفقين. أخرجه البزار. وفي سنده سليمان بن داود الجزري وهو متروك (٢) ﴿٣٨٤﴾. (وبهذا) أخذت الحنفية والشافعية والمالكية. ٨ - ما يباح بالتيمم - التيمم يرفع الحدث الأصغر والأكبر ويباح به كل ما لا يصح الا بالطهارة كدخول المسجد للجنب وحمل القرآن. ويصلى به ما شاء من فرض ونفل ما لم يحدث او يجد الماء، لأنه بدل عن الطهارة المائية (ولحديث) أبي ذر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته

стр. 436

فإن ذلك خير. أخرجه الثلاثة وحسنه الترمذي والحاكم وصححه (١) ﴿٣٨٥﴾. (فقد) جعله وضوءاً عند عدم الماء مطلقاً. فوجب أن يكون حكمه حكم الوضوء (وبهذا) قال الحنفيون وابن المسيب والزهري والليث ابن سعد. (قال) البخاري: وقال الحسن يجزئه التيمم ما لم يحدث (٢) ﴿٤٣﴾ (وقالت) المالكية والشافعية والحنبلية: التيمم مبيح فقط لا يرفع الحدث (لظاهر) ما تقدم عن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت ان اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذكروا ذلك له. فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ (الحديث). أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني (٣) ﴿٣٨٦﴾. (وعليه) فلا يصلي به عند المالكية الا فرض واحد وما شاء من نفل بعده (ويباح) به عند الشافعية فرض واحد وما شاء من نوافل قبله وبعده (ويباح) به عند الحنبلية ما شاء من فرض ونفل في الوقت (لقول) ابن عمر "يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث". أخرجه البيهقي بسند صحيح وقال: وقد روي عن علي وابن عباس وعمرو بن العاص (٤) ﴿٤٤﴾.

стр. 437

(وقال) ابن عباس: من السنة الا يصلي الرجل بالتيمم الا صلاة واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى. أخرجه البيهقي والطبراني في الكبير والدارقطني (١) ﴿٤٥﴾ وفي سنده الحسن بن عمارة. ضعفه شعبة وسفيان الثوري وأحمد. (وإذا) كان الراجح القول الأول (ويؤيده) أيضاً حديث ابي ذر قال: اجتويت المدينة فأمر لي رسول الله ﷺ بابل فكنت فيها فأتيت النبي ﷺ فقلت: هلك أبو ذر. قال ما حالك؟ قال كنت أتعرض للجنابة وليس قربى ماء. فقال: إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح (٢) ﴿٣٨٧﴾. (فهو) دليل على (١) جواز التيمم للجنب، وإن تسبب في الجنابة وهو متفق عليه. (٢) وعلى أن الصعيد مطهر يباح لمن تطهر به ما يباح لمن تطهر بالماء من صلاة وقراءة ودخول مسجد ومس مصحف وغيرها (٣) وعلى أنه يجوز لفاقد الماء التيمم ما دام فاقده وإن تطاول العهد واستمر على ذلك الدهر (وذكر) العشر فيه ليس للتقييد بل للمبالغة قال ابن القيم: ولم يصح عنه ﷺ التيمم لكل صلاة ولا أمر به، بل أطلق وجعله قائماً مقام الوضوء. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكم الوضوء الا فيما اقتضى الدليل خلافه (٣). (فائدتان) (الاولى) اعلم ان البدلية في التيمم بين الآلتين: الماء والتراب عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومالك وأحمد. وبين الفعلين أي الوضوء والتيمم

стр. 438

عند محمد. وعليه يجوز اقتداء المتوضيء بالمتيمم عند الأولين غير أنه يكره عند مالك وقال محمد: لا يجوز الا في الجنازة. (الثانية) من وجد الماء لكنه خاف باستعماله خروج الوقت (فعند) المالكية: يتيمم لغير جمعة وجنازة ويصلي ولا اعادة عليه. أما الجمعة إذا خاف خروجها باستعمال الماء، فالمشهور أنه لا يتيمم لها. وأما الجنازة فلا يتيمم لها الا فاقد الماء ان تعينت عليه (وقال) الحنفيون: يتيمم ولو كان الماء قريباً في حالين (١) لخوف فوت صلاة عيد كلها لو اشتغل بالطهارة المائة بأن خاف فراغ الامام او زوال الشمس. أما لو رجا إدراك بعضها مع الامام بعد الطهارة المائية فإنه لا يتيمم. (٢) ولخوف فوت كل تكبيرات صلاة الجنازة لو اشتغل بالطهارة المائية ولو جنباً او نفساء (لقول) ابن عباس: إذا فجأتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم. أخرجه ابن عدي في الكامل وابن أبي شيبة والطحاوي والنسائي في كتاب الكني (١) ﴿٤٦﴾. (وعن) ابن عمر ﵄ أنه أتى الجنازة وهو على غير وضوء فتيمم وصلى عليها. أخرجه البيهقي في المعرفة. وهو في حكم المرفوع (٢) ﴿٤٧﴾. (ولو) حضرت جنازة أخرى. فإن أمكنه الوضوء بينهما ثم فات التمكن أعاد التيمم اتفاقاً (وإن) لم يمكنه الوضوء بينهما صلى عليها بتيممه للأولى خلافاً لمحمد (ولا يصح) التيمم مع القدرة على استعمال الماء لخوف فوت وقتيه ولو وتراً وجمعة، لأن لها بدلاً (وقال) زفر: يصح التيمم لخوف فوت الوقتية

стр. 439

احتراماً للوقت. ولذا فقالوا: الأحوط أن يتيمم ويصلى ثم يعيد (وقالت) الشافعية: لا يتيمم لخوف الفوات مع وجود الماء مطلقاً (وقالت) الحنبلية: لا يجوز ذلك الا لمسافر ضاق عليه الوقت او على وجود الماء في مكان قريب وخاف خروج الوقت إن قصده فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه. (٩) أقسام التيمم- أقسامه فرض ومندوب عند الثلاثة. وفرض وواجب ومندوب عند الحنفيين (فيفترض) لما يفترض له الوضوء والغسل ومنه الطواف عند الثلاثة. وقال الحنفيون: التيمم له واجب كالطهارة المائية. ويسن لما يسن له الوضوء والغسل. (١٠) نواقض التيمم- اتفق العلماء على ان التيمم ينقضه (أ) كل ما ينقض الوضوء والغسل، فلو تيمم لجنابة وأحدث حدثاً أصغر، بطل تيممه بالنسبة للحدث الأصغر دون الجنابة. ولو أحدث حدثاً أكبر بطل بالنسبة لهما. (ب) وينقضه أيضاً عند الحنفيين، القدرة على استعمال ماء كاف للطهارة زائد عن حاجته سواء أقدر على ذلك حال الصلاة أم خارجها (لما تقدم) عن أبي ذكر الغفاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته. أخرجه الثلاثة وحسنه الترمذي (١) ﴿٣٨٨﴾. (وقالت) المالكية: يبطله أيضاً أمران (أ) وجود ماء كاف قبل الدخول في الصلاة ان اتسع الوقت لاستعماله مع إدراكها. أما وجود الماء فيها فلا يبطلها الا اذا كان ناسياً لما معه من الماء فتيمم وأحرم بها ثم تذكره فيها، فإنها تبطل إن اتسع الوقت (ب) طول الفصل بين التيمم والصلاة.

стр. 440

(وقالت) الشافعية والحنبلية: ينقضه ايضاً (أ) وجود الماء وإن قل ولو في اثناء الصلاة مطلقاً عند أحمد. وكذا عند الشافعي إن كان في صلاة تجب إعادتها (ب) ويبطل بالردة عند المالكية والشافعية والحنبلية وزفر (جـ) ويبطله ايضاً عند الحنبلية (١) خروج الوقت سواء أكان التيمم عن حدث أكبر أم أصغر أم نجاسة على بدنه ما لم يكن في صلاة جمعة وخرج الوقت وهو فيها فلا تبطل بل يتمها لأنها لا تقضي (٢) وخلع ما يجوز المسح عليه كعمامة او جبيرة او خف لبسه على طهارة ثم تيمم. هذا ويتصل بالتيمم أمران: الأول - المسح على الجبيرة الجبيرة هي عيدان من جريد ونحوه تشد على العظام المكسورة. ومثلها الخرقة يربط بها الجرح والدواء يوضع عليه (واعلم) أنه إن تيسر غسل الجراحة ولو بماء حار بلا ضرر لصاحبها، لزمه غسلها والا لزمه مسحها. وإن ضره المسح أو الحل "ومنه عدم تمكنه من ربطها بنفسه ولم يجد من يربطها" انتقل الى المسح على الجبيرة. وإن ضره المسح عليها سقط. ثم الكلام هنا في ثلاثة مباحث. (أ) حكم المسح - (المسح) على الجبيرة عند الإمكان فرض في الوضوء والغسل بدلاً من تطهير العضو المجروح بالغسل او المسح عند الائمة الثلاثة وأبي يوسف ومحمد. وواجب عند أبي حنيفة تصح الصلاة بدونه مع الاثم ووجوب الاعادة إن تركه عمداً (لقول) علي ﵁: انكسرت إحدى زندي فسألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: امسح على الجبائر. أخرجه البيهقي بسند فيه عمرو بن خالد وهو متروك (١) ﴿٣٨٩﴾.

стр. 441

لكن يقويه (أولاً) حديث أبي أمامة قال: لما رمى ابن قميئة النبي ﵌ يوم أحد. رأيت النبي ﵌ إذا توضأ حل بن عصابته ومسح عليها بالوضوء. أخرجه الطبراني في الكبير. وفي سنده حفص بن عمر العدني وهو- ضعيف (١) ﴿٣٩٠﴾. (وثانياً) قول ابن عمر: من كان له جرح معصوب عليه توضأ ومسح على العصائب وغسل ما حولها. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٤٨﴾. والموقوف في هذا كالمرفوع ولم يعرف أن أحداً من الصحابة خالف ابن عمر في هذا. (ب) الفرق بين مسح الخف والجبيرة- المسح على الجبيرة ونحوها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقياً. وليس بدلاً. ولذا يفارق مسح الخف في أمور. (أ) أنه لا يجوز المسح عليها الا لضرورة بخلاف الخف (٢) أنه يجب استيعابها بالمسح عند غير الحنفيين ويكفي مسح أكثرها عندهم، لأنه لا ضرر في تعميمها او مسح أكثرها بخلاف الخف، فإن تعميمه بالمسح يتلفه. (٣) أنه لا توقيت في مسحها اتفاقاً، لأنه للضرورة فيقدر بقدرها. (٤) أن المسح عليها مشروع في الطهارة الصغرى والكبرى بخلاف المسح على الخف فإنه خاص بالوضوء. (٥) أنه لا يشترط شدها على طهارة عند الحفنية والمالكية ومشهور مذهب أحمد. لإطلاق الأحاديث السابقة (فقد) أمر النبي ﵌ علياً ان يمسح على الجبائر ولم يشترط الطهارة. وكذا من أصابته الشجة. (وقالت)

стр. 442

الشافعية: يشترط شدها على طهارة كالخف. وهو رواية عن أحمد. وعلى هذا ان لبسها على غير طهارة ثم خاف من نزعها، تيمم لها. وكذا اذا تجاوز بالشد عليها موضع الحاجة وخاف من نزعها، تيمم فقط. ولا يصح منه المسح (وقالت) الحنفية والمالكية: متى ضره نزعها أو المسح على الجرح اكتفى بالمسح عليها وغسل الصحيح مطلقاً (١) ان كان اكثر الأعضاء، وان كان أكثرها جريحاً تيمم. (وقالت) الحنبلية: يغسل الصحيح ويتيمم عن الجريح مطلقاً (وقالت) الشافعية: يغسل الصحيح ويمسح الجبيرة ويتيمم ويقضي الصلاة إن كانت الجبيرة في عضو من أعضاء التيمم او أخذت من الصحيح زيادة قدر الاستمساك، أو شدت على غير طهارة. ولا دليل على هذا. بل فيه حرج وهو مرفوع بالنص. ولذا قال غيرهم: من أدى صلاة على وجه مشروع لعذر من الأعذار، لا إعادة عليه بعد زوال هذا العذر. (جـ) ما يبطل المسح على الجبيرة- يبطل مسحها عند الحنفيين بسقوطها عن موضعها او نزعها عن براء. وكذا ان برأ موضعها (٢) ولم تسقط ان لم يضره إزالتها وعليه ان كان متطهراً غسل موضعها. وان لم تسقط عن براء لا يبطل مسحها ولو في الصلاة (وقالت) المالكية: ان سقطت عن برء مسحها ولزمه تطهير موضعها فوراً. وإن سقطت عن غير برء، ردها ومسحها فوراً (وقالت) الشافعية ان سقطت في الصلاة عن برء بطلت الصلاة والطهارة. وان سقطت عن غير برء بطلت الصلاة فقط. ويرد الجبيرة ويمسح عليها (وقالت) الحنبلية: ينتقض الوضوء كله بسقوط الجبيرة مطلقاً.

стр. 443

الثاني - فاقد الطهورين "الممنوع" من الطهارة وفاقد الطهورين "وهما الماء والتراب" بأن حبس في مكان نجس ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، او عجز عن استعمالها لمرض "يؤخر الصلاة" عند أبي حنيفة والثوري والاوزاعي وأصبغ المالكي (لحديث) أسامة بن عمير ان النبي ﵌ قال: لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور. أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي (١) ﴿٣٩١﴾. (وقال) أبو يوسف ومحمد: يتشبه بالمصلين احتراماً للوقت .. مكاناً يابساً والا يؤمي قائماً. وقيل يؤمي وإن تمكن من السجود لأنه لو سجد صار مستعملاً للنجاسة ثم يقضي الصلاة متى قدر على الطهارة (وقال) مالك في المشهور عنه: لا يصلي ولا يقضي (وقال) أحمد في المشهور عنه وجمهور المحدثين والمزني وسحنون وابن المنذر: يصلي ولا إعادة عليه. (لحديث) عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فبعث النبي ﵌ رجالاً في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شكوا ذلك إليه فأنزل الله آية التيمم. أخرجه الجماعة إلا الترمذي (٢) ﴿٣٩٢﴾.

стр. 444

(وجه) الدلالة أنهم صلوا معتقدين وجوب الصلاة عليهم وأقرهم النبي ﵌ على ذلك. ولو كانت غير واجبة أو ممنوعة حينئذ، لأنكر عليهم ولو كانت الإعادة واجبة، لبينها لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (ورد) بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة (وقال) الشافعي وبعض المالكية: على فاقد الطهورين ان يصلي، لحديث عائشة. وعليه الإعادة، لأنه عذر نادر فلا يسقط الإعادة. والراجح من جهة الدليل مذهب الأولين (وأجابوا) عن حديث عائشة (أ) باحتمال أنه ﵌ أنكر عليهم صلاتهم بلا طهارة وعدم ذكر الإنكار في الحديث، لا يستلزم عدمه في الواقع. فتكون صلاتهم تلك اجتهاداً والمجتهد يخطئ ويصيب. والبيان يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره عن وقتها. (ب) وبأن حديث "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" صريح في عدم جواز الصلاة عند عدم الطهارة "وحديث" عائشة لو سلم عدم إنكاره ﵌ صلاتهم بلا طهارة "يدل" على جوازها احتمالاً. فهو لا يعارض حديث المنع. (فائدة) مقطوع اليدين والرجلين من فوق المرفقين والكعبين إذا كان بوجهه جراحة، يصلي بغير طهارة ولا يعيد على الأصح عند الحنفيين وقيل لا صلاة عليه. وقيل يلزمه غسل موضع القطع. وعلى الأول فالفرق بينه وبين فاقد الطهورين أن فاقدهما يرجو إدراك المطهر بعد ذلك، وهذا أعضاؤه لا تعود، وللأكثر حكم الكل. الأنجاس هي جمع نجس بكسر الجيم (١) وهو لغة كل مستقذر. وشرعاً كل عين

стр. 445

مستقذرة شرعاً. ويقال هو قدر مخصوص يمنع جنسه الصلاة كالبول والدم. وهو قسمان: مشترك بين الرجال والنساء وخاص بالنساء. ١ - النجس المشترك هو متفق على نجاسته ومختلف فيها. فالمتفق على نجاسته عشرة أنواع: - ١ - الدم المسفوح- هو من الحيوان البري نجس عند الأئمة الأربعة لا فرق بين قليله وكثيره، لقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى الى محرماً على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دماً مسفوحاً او لحم خنزير فإنه رجس) صدر آية ١٤٥ - الانعام- والرجس النجس. والضمير في قوله (فإنه رجس) راجع إلى كل ما تقدم في الآية. ٢ - لحم الخنزير- أجمع العلماء على نجاسته، لقوله تعالى (فإنه رجس) أي نجس. ٣ و ٤ - غائط الإنسان وبوله- اتفق العلماء على نجاسة غائط الآدمي وبوله غير الأنبياء وغير بول الصبي الرضيع الذي لم يتناول الطعام للأدلة الصحيحة المفيدة للقطع بذلك بل نجاستهما من باب الضرورة الدينية، ولا يقدح في ذلك التخفيف في تطهيرهما في بعض الأحوال. (أ) أما في الغائط فكما في حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا وطئ أحدكم الأذى بنعله أو خفيه فظهورهما التراب .. أخرجه الطحاوي والحاكم وصححه (١) ﴿٣٩٣﴾.

стр. 446

فإن جعل التراب مع المسح مطهر، لا يخرجه عن كونه نجساً بالضرورة، إذ اختلاف وجه التطهير لا يخرج النجس عن كونه نجساً. (ب) وأما التخفيف في تطهير البول، فكما في حديث أبى هريرة قال: بال أعرابي في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي ﵌: دعوه وأهريقوا على بوله سجلاً من ماء (الحديث) أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي (١) ﴿٣٩٤﴾. (فائدة) فضلات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودماؤهم طاهرة قبل النبوة وبعدها تشريفاً لمقامهم (روي) أبو مالك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن ام ايمن قالت: قام النبي ﵌ من الليل إلى فخارة له في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشي فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي ﵌ قال: يا أم أيمن قومي فأهريقي ما في تلك الفخارة. قلت قد والله شربت ما فيها. فضحك ﵌ حتى بدت نواجذه. ثم قال: أما انك لا يفجع بطنك بعده أبداً. أخرجه الدارقطني والطبراني والحاكم. وأبو مالك ضعيف. ونبيح لم يدرك أم أيمن (٢) ﴿٣٩٥﴾. (وعن) عبد الله بن الزبير أنه أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يحتجم، فلما فرغ قال: يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد،

стр. 447

قال: فلما برزت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عمدت إلى الدم فحسوته، فلما رجعت الى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما صنعت يا عبد الله؟ قلت جعلته في مكان ظننته أنه خاف على الناس. قال: فلعلك شربته؟ قلت: نعم. قال: ومن أمرك أن تشرب الدم، ويل لك من الناس، وويل للناس منك. أخرجه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي في الدلائل (١) ﴿٣٩٦﴾ وقال أبو عاصم: فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم (٢). ٥ و ٦ - روث وبول غير الآدمي- اتفق العلماء على نجاسة روث وبول ما لا يؤكل لحمه (لحديث) ابن مسعود ﵁ قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: إنها ركس. أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي. وفي رواية: إنها روثة حمار (٣) ﴿٣٩٧﴾. ٧ - الودي - بفتح فسكون، وهو ماء ابيض ثخين يخرج بعد البول. وهو نجس من كل حيوان عند الأئمة الثلاثة، وكذا عند الحنبلية من غير مأكول اللحم، أما من مأكوله فطاهر كبوله وروثه. وخروجه موجب للوضوء دون الغسل اتفاقاً (قال) ابن عباس: المني والودي والمذي. أما المني ففيه الغسل.

стр. 448

وأما المذي والودي ففيهما إسباغ الطهور. أخرجه الأثرم (١) ﴿٤٩﴾. ٨ - المذي - بفتح الميم واسكان الذال المعجمة. وبفتح الميم مع كسر الذال وتشديد الياء. وبكسر الذال مع تخفيف الياء، ماء رقيق أبيض لزج يخرج من القبل عند ملاعبة من تشتهي، او عند تذكر الجماع وإرادته، وقد لا يشعر بخروجه ويكون من الرجل والمرأة، ومن المرأة أكثر. وهو من الآدمي وما لا يؤكل لحمه نجس باتفاق العلماء (٢) (لقول) سهل بن حنيف: كنت ألقى من المذي شدة وعناء وكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. فقلت: يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح بها ثوبك حيث ترى أنه أصاب. أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح (٣) ﴿٣٩٨﴾. (وعن) علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت رجلاً مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء. أخرجه الشيخان. ولمسلم "يغسل ذكره ويتوضأ" ولأحمد وأبي داود "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ" (٤) ﴿٣٩٩﴾.

стр. 449

(وفي) الحديثين دلالة على أن المذي لا يوجب الغسل وهو مجمع عليه. (وقد) اختلف العلماء في المذي إذا أصاب الثوب (فقال) الشافعي واسحاق: لا يجزيه الا الغسل أخذاً برواية النضح مراداً به الغسل. ولكن في رواية الأثرم: يجزئك أن تأخذ حفنة من ماء فترش عليه فيكفي فيه الرش، وإن كان الغسل أولى وأحوط على أن رواية الغسل إنما هي في الفرج لا في الثوب الذي هو محل النزاع. ولم يعارض رواية النضح المذكورة معارض فالاكتفاء به صحيح مجزيء (وفي) رواية أحمد وأبي داود لحديث على دلالة على وجوب غسل كل الذكر والانثيين على المذي. وبه قال الاوزاعي. وهو رواية عن أحمد (وقالت) المالكية: يجب غسل الذكر كله أخذاً بظاهر قوله في رواية علي: يغسل ذكره ويتوضأ فإن الذكر اسم للعضو كله (وهل) غسل كل الذكر معقول المعنى او هو حكم تعبدي؟ وعلى الثاني تجب النية. وقيل: أمر بغسله لينكمش الذكر فلا يخرج المذي (وقال) الحنفيون والشافعي والجمهور: الواجب غسل المحل الذي أصابه المذي من البدن. ولا يجب تعميم الذكر والانثيين بالغسل، وروي عن أحمد لقوله في حديث سهل: إنما يجزئك من ذلك الوضوء. (ولقول) سعيد بن جبير: إذا أمذى الرجل غسل الحشفة وتوضأ وضوءه للصلاة. أخرجه الطحاوي (١) ﴿٥٠﴾. ٩ - لحم مالا يحل أكله من الحيوان- ذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم الى ان لحم الحيوان الذي لا يؤكل نجس ولو ذكي ذكاة شرعية وهو الأصح عند الحنفيين (لحديث) سلمة بن الأكوع قال: لما أمسى اليوم الذي فتحت عليهم فيه خيبر أوقدوا نيراناً كثيرة. فقال رسول الله صلى الله

стр. 450

عليه وعلى آله وسلم: ما هذه النار؟ على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم. قال: على أي لحم؟ قالوا: على لحم الحمر الإنسية. فقال: أهريقوها واكسروها فقال رجل: يا رسول الله او نهريقها ونغسلها؟ فقال: أو ذاك. أخرجه أحمد والشيخان (١) ﴿٤٠٠﴾. (وعن) أنس قال: أصبنا من لحم الحمر يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس او نجس. أخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه (٢) ﴿٤٠١﴾. (وفيهما) دلالة على تحربم الحمر الأهلية، لأن الأمر بكسر الآنية "أولاً" ثم بالغسل "ثانياً" ثم قوله فإنها رجس او نجس "ثالثاً" يدل على النجاسة، ولكنه نص في الحمر الإنسية وقياس في غيرها مما لا يؤكل بجامع عدم الأكل. ١٠ - ما فصل من حي- هو كميتته، ولذا اتفقوا أن "ما فصل" من آدمي حي "طاهر" وأن ما فصل من حيوان آخر حي نجس (لحديث) أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة. أخرجه أحمد والحاكم وأبو داود والترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه والعمل على هذا عند أهل العلم (٣) ﴿٤٠٢﴾.

стр. 451

والميتة نجسة لقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى الى محرماً على طاعم يطعمه الا ان يكون ميتة او دماً مسفوحاً او لحم خنزير فإنه رجس) (أول آية ١٤٥ - الأنعام). والرجس: النجس. (واستثنى) من الميتة ميتة السمك والجراد، فإنها طاهرة (لحديث) ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أحل لنا ميتتان ودمان. أما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال". أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي (١) ﴿٤٠٣﴾. "وهو" وإن كان في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف "يقويه" حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال - حين سئل عن التوضؤ بما البحر - هو الطهور ماؤه الحل ميتتة. أخرجه مالك وأحمد والثلاثة وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿٤٠٤﴾. (الثاني) ما اختلف في نجاسته - وهو سبعة عشر نوعاً. (١، ٢) - بول وروث ما يحل أكل لحمه - (قال) أحمد ومحمد بن الحسن وزفر من الحنفيين وابن المنذر والاصطخري والروياني من الشافية: بول وروث ما يؤكل لحمه طاهران (لقول) أنس ﵁: قدم أناس من عكل او عرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان (٣) ﴿٤٠٥﴾.

стр. 452

"ولا يقال" هذا لا يدل على طهارة أبوالها، لأن الحالة حالة ضرورة كالمضطر يأكل الميتة "لأنه" لو كان كذلك، لأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بغسل أيديهم وأفواههم وما أصابهم منها عند إرادة الصلاة ونحوها. وأيضاً لو كانت أبوال الابل نجسة، لما أمرهم ﷺ بالتداوي بها (فقد) روي وائل بن حجر ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود (١) ﴿٤٠٦﴾ وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن وائل أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التداوي بالخمر فنهاه وقال أنه ليس بدواء ولكنه داء (٢) ﴿٤٠٧﴾. فإنه وإن وقع جواباً لمن سأل عن التداوي بالخمر، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (وعن) ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إن في أبوال الابل شفاء للذربة بطونهم" أخرجه ابن المنذر (٣) ﴿٤٠٨﴾. وقال: من زعم أن هذا خاص بأولئك الاقوام لم يصب، إذ الخصائص لا تثبت الا بدليل (٤) وما ورد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الصلاة

стр. 453

في أعطان الابل "لا يستلزم" نجاسة أزبالها وأبوالها. وإنما نهى عن ذلك لضررها ونفارها حيث علل النهي بقوله: إنها من الشياطين. (قال) البراء بن عازب: سئل ﷺ عن الصلاة في مبارك الابل فقال: لا تصلوا في مبارك الابل فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة. أخرجه أحمد وأبو داود (١) ﴿٤٠٩﴾. (ويقاس) على الابل والغنم غيرهما مما يؤكل لحمه من بقية الحيوانات. (وبهذا) قالت المالكية فيما لم يتغذ بالنجس. والا فبوله وروثه نجس كغير مأكول اللحم (٢) (وقال) أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعية: روث وبول جميع الحيوانات نجس. (لحديث) ابن عباس ان النبي ﵌ مر بقبرين فقال: "انهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول. وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". أخرجه السبعة (٣) ﴿٤١٠﴾.

стр. 454

(وجه) الدلالة أنه عمم في البول ولم يخصه ببول الإنسان، ولا أخرج منه بول ما يؤكل لحمه (وقاسوا) ما ذكر على غائط الإنسان وبوله قياساً أولوياً، فإن الإنسان طاهر حياً وميتاً. وقد حكم بنجاسة غائطه وبوله. فبول وروث غيره من الحيوانات نجس بالأولى (وأجاب) الاولون (أ) عن الحديث، بأن المراد بالبول فيه بول الإنسان فقط، لما في رواية للبخاري من قوله ﷺ : كان لا يستتر من بوله. فلا دلالة فيه على نجاسة الابوال كلها. (ب) وعن القياس بأن فضلة الإنسان مستقذرة بالطبع بخلاف فضلة بهيمة الأنعام فليست كذلك. وبأنه قياس في مقابلة النص، فلا يعول عليه. (فالظاهر) طهارة الابوال والازبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكاً بالأصل واستصحاباً للبراءة الأصلية. والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها الا بدليل يصلح للنقل عنهما. ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلاً كذلك. وغاية ما جاءوا به حديث القبر وهو مع كونه مراداً به الخصوص كما سلف، عمومه ظني الدلالة لا ينتهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة (١). ٣ - لعاب الكلب- (قال) الحنفيون والشافعي وأحمد والجمهور: ان لعاب الكلب نجس. ورواه ابن وهب عن مالك (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﵌ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب ان يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب". أخرجه مالك والخمسة (٢) ﴿٤١١﴾. (وقال) عبد الله بن مغفل: أمر رسول الله ﵌ بقتل

стр. 455

الكلاب ثم قال: "مالهم ولها". فرخص في كلب الصيد وفي كلب الغنم. وقال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبع مرار، والثامنة عفروه بالتراب". أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي (١) ﴿٤١٢﴾. فما ذكر صريح في نجاسة لعاب الكلب (وقال) مالك في المشهور عنه: ان الكلب طاهر، فلعابه طاهر، لقوله تعالى: "فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه" (من آية ٤ - المائدة) ولا يخلو الصيد من التلوث بريق الكلب ولم نؤمر بالغسل (وأجاب) الجمهور بأن إباحة الأكل مما أمسكن، لا تنافي وجوب تطهير ما تنجس من الصيد، وعدم الأمر بالغسل للاكتفاء بعموم أدلة تطهير النجس (فالراجح) القول بنجاسته وأنه يشترط في تطهير ما ينجس بلعابه الغسل سبعاً إحداهن بالتراب عند الشافعي وأحمد ويقوم الأشنان والصابون ونحوهما مقام التراب ولو مع وجوده عند أحمد وهو قول للشافعي وصححه صاحب المهذب لأنه تطهير نجاسة بجامد فلا يختص بالتراب كالاستنجاء والدباغ وقيل لا يقوم غير التراب مقامه للنص عليه فاختص به كالتيمم (٢). (وقال) الحنفيون: يطهر ما ينجس بلعاب الكلب بالغسل ثلاثاً كغيره من النجاسات غير المرئية ولا يشترط التتريب لما روي عطاء عن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الكلب او الهر قال: "يغسل ثلاث مرات". أخرجه الدارقطني والطحاوي (٣) ﴿٥١﴾.

стр. 456

وأبو هريرة هو الراوي للغسل سبعاً فدل ذلك على نسخ السبع فيجب العمل بتأويل الراوي (١). ٤ - المني - بتشديد الياء وقد تسكن. وهو "من الرجل" ماء ابيض ثخين ينكسر الذكر بخروجه، يشبه رطباً رائحة الطلع، ويابساً رائحة البيض "ومن المرأة" ماء رقيق أصفر (لحديث) ام سليم ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا او سبق يكون منه ألشبه. أخرجه مسلم (٢) ﴿٤١٣﴾. (وهو) نجس عند الحنفيين ومالك والثوري والجمهور وأحمد في رواية (لقول) عائشة: ان رسول الله ﵌ كان يغسل المني ثم يخرج الى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر الى أثر الغسل فيه. أخرجه مسلم (٣) ﴿٤١٤﴾. (وعن عائشة) أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﵌. قالت ثم أرى فيه بقعة او بقعاً. فيخرج الى الصلاة وان بقع الماء في ثوبه. أخرجه الستة (٤) ﴿٤١٥﴾. (وقال) الشافعي وداود الظاهري وآخرون: المني طاهر وهو أصح الروايتين عن

стр. 457

أحمد (لقول) عائشة: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي به. أخرجه أبو داود والطحاوي (١) ﴿٤١٦﴾. (وجه) الدلالة أنه لو كان نجساً لم يكف فركه كالدم وغيره (وأجاب) الأولون بأن ما ذكر لا يلزم طهارة المني، وإنما يدل على كيفية تطهيره، وأنه كما يطهر بالغسل، يطهر بالفرك إذا كان يابساً فقد خفف في تطهيره بغير الماء. (ومنه) تعلم أن القول بنجاسة المني هو الراجح "وأما قول" ابن عباس: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المني يصيب الثوب فقال: إنما هو بمنزلة المخط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة او باذخرة "فقد" رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك (٢) ﴿٤١٧﴾. والصحيح أنه موقوف كما قاله البيهقي فلا يحتج به. (وقد) اختلف من قال بنجاسة المني في كيفية تطهير ما أصابه (فقال) الحنفيون: يلزم غسل محله إذا كان رطباً او يابساً خالطه نجس خارج المخرج، كما لو بال وانتشر البول. ويطهر بالفرك يابساً إن لم يخالطه نجس خارج المخرج، كما لو بال ولم ينتشر البول او انتشر لكن خرج المني دفقاً بلا انتشار، عملاً بالأدلة السابقة. وهو رواية عن أحمد (وقال) مالك والأوزاعي: لابد من غسل محله رطباً ويابساً (وهذا كله) في مني الآدمي. أما مني غيره (فقال) الحنفيون ومالك بنجاسته ولو من مباح الأكل، ولا يطهر محله الا بالغسل رطباً ويابساً (وقالت) الشافعية بنجاسة مني الكلب والخنزير دون سائر الحيوانات (وقال) أحمد: مني ما لا يؤكل لحمه نجس. أما مني ما يؤكل فطاهر كمذيه.

стр. 458

٥ - عظم الميتة - عظم الميتة وعصبها وقرنها وظلفها وظفرها وسنها نجس عند مالك وهو المشهور عن الشافعي وأحمد سواء ميتة ما يؤكل وما لا يؤكل ولا يطهر بحال لقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وما ذكر من جملتها وتحله الحياة لقوله تعالى: (قال من يحيي العظام وهي رميم (عجز ٧٨) (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) (٧٩ يس) وما يحيا يموت ولأن دليل الحياة الإحساس والألم وهو في العظم ونحوه أشد منه في اللحم (وقال) الحنفيون والثوري: ما ذكر لا تحله الحياة فهو طاهر لا ينجس بالموت كالشعر (لقول) ابن عباس: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم فأما الجلد والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال. أخرجه الدارقطني وفي سنده أبو بكر الهذلي ضعيف (١) ﴿٥٢﴾. ولأن علة التنجس في اللحم والجلد اتصال الدماء والرطوبات به ولا يوجد ذلك في العظم وما ذكر (وهذا) هو الذي يشهد له الدليل. والمراد بالإحياء في الآية الإعادة (كما بدأنا اول خلق نعيده) (من آية ١٠٤ - الأنبياء). (٦) شعر الميتة وصوفها - المشهور عند الشافعية القول بنجاستهما ونجاسة كل من ريشها ووبرها لأن ما ذكر متصل بالحيوان اتصال خلقة فينجس بالموت كالأعضاء (وذهب) الحنفيون ومالك إلى طهارة كل مالا تحله الحياة من الميتة - غير الخنزير (٢) - كشعرها وصوفها وريشها والبيض الضعيف القشر وهو

стр. 459

المشهور عن أحمد في شعر مأكول اللحم وصوفه (لحديث) ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في شاة: هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا يا رسول الله انها ميتة. فقال إنما حرم أكلها. وفي رواية: إنما حرم عليكم لحمها، ورخص لكم في مسكها. أخرجه مالك وأحمد والخمسة إلا أبا داود (١) ﴿٤١٨﴾. (دل) على أن ما عدا اللحم لا يحرم وأن الشعر ونحوه طاهر (وعن) أم سلمة أن النبي ﷺ قال: لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء. أخرجه الدارقطني (٢) ﴿٤١٩﴾ وفي سنده يوسف بن السفر متروك ولأن كلا من الصوف والشعر لا تفتقر طهارة المنفصل منهما إلى ذكاة أصله فلم ينجس بموته، ولأنه لا تحله الحياة، فلا يحله الموت. ومثل الشعر في ذلك الوبر وزغب الريش بخلاف قصبه (٣) فإنه نجس لأنه تحله الحياة. (وأما) ما جزء من الشعر والصوف من الحيوان حال حياته، فإن كان مأكول اللحم، فطاهر بالإجماع وإن كان غير مأكول اللحم، فقالت الشافعية والحنبلية بنجاسته وقالت الحنفية والمالكية بطهارته. (٧) لبن الميتة وأنفحتها- (قال) مالك والشافعي: هما نجسان وهو المشهور

стр. 460

عن أحمد (وقال) أبو يوسف ومحمد بن الحسن: هما متنجسان لأنه مائع ملاق لنجاسه فهو كما لو حلب اللبن في إناء نجس. وعلى هذا فإن كانت الأنفحة جامدة تطهر بالغسل والا تعذر تطهيرها (وقال أبو حنيفة): هما طاهران وهو رواية عن أحمد لأن الصحابة ﵃ أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالأنفحة وذبائح أهلها ميتة لأنهم مجوس ولا أثر للتنجس شرعاً ما دامت النجاسة في الباطن (وأجاب) الأولون بأنهم ما كانوا يذبحون بأنفسهم وكان جزاروهم اليهود والنصارى وذبائحهم ليست ميتة والاحتمال في هذا كاف والأصل الحل فلا يزول بالشك (١). (٨) بيض الميتة- وإن ماتت الدجاجة وفيها بيضة صلب قشرها فهي طاهرة عند الحنفيين وأحمد وبعض الشافعية (وقال) مالك والليث وبعض الشافعية: بيض الميتة نجس لأنه جزء منها (وأجاب) الأولون بأنه ليس جزءاً منها فأشبه الولد إذا خرج حياً من الميتة. وإن لم تكمل البيضة فهي طاهرة عند الحنفيين وبعض الحنبلية لأن البيضة عليها غشاء رقيق وهو القشر قبل ان يقوي فلا يتنجس منها الا ما لاقى النجاسة (وقال) مالك والشافعي: بنجاستها وهو مشهور مذهب الحنبلية لأن ما عليها ليس حائلاً حصيناً (٢). (٩) ميتة ما لا دم له سائل- كالذباب والنمل والصرصار والزنبور والعقرب والبرغوث (٣). ذهب الجمهور الى طهارتها (لحديث) أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه
следующие страницы →