← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تعلم وجوب تنزهه تعالى عن أن يكون جرماً أو قائماً أو محاذياً له أو في جهة له أو مرتسماً في خياله، لان ذلك كله يوجب مماثلته للحوادث، فيجب له ما وجب لها. وذلك يقدح في وجوب قدومه وبقائه، بل وفي كل وصف أوصاف ألوهيته أهـ. (وقال) العلامة الدسوقي في حاشيته على أم البراهين: أنه يستحيل عليه تعالى أن يكون له جهة، لأن الجهات من عوارض الجسم، والله تعالى يستحيل أن يكون جسماً أهـ. (وقال) العلامة الهدهدي في شرحه على السنوسية: وكذا يستحيل عليه أن يكون في جهة، لأنه لو كان في جهة لزم أن يكون متحيزا أهـ. أي وكونه تعالي متحيزا محال عليه . (وقال) اعلامة الفخر الرازي في كتابه اساس التقديس: ظاهر قوله تعالي: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ (١٦) ق. وقوله: ﴿وهو معكم اينما كنتم﴾ (٤) الحديد. وقوله: ﴿وهو الذي في السماء اله وفي الارض اله﴾ (٨٤) الزخرف. ينفي كونه مستقرا علي العرش وليس تأويل هذه الايات اولي من الايه التي تمسكوا بها يعني (الرحمن علي العرش استوي) أهـ. (وقال) أيضا في كتابه المذكور: ان الدلائل العقلية القاطعة التي قدمنا ذكرها تبطل كونه تعالي مختصا بشئ من الجهات. واذا ثبت هذا ظهر انه ليس المراد من الاستواء الاستقرار. فوجب ان يكون المراد هو الاستيلاء والقهر ونفاذ القدر وجريان الاحكام الالهية. وهذا مستقيم علي قانون اللغة، وتمامه فيه. (وقال) العلامة جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي في كتابه " دفع شبهة التشبيه ": الحق سبحانه وتعالي لا يوصف بالتحيز، لانه لو كان متحيزا لم يخل اما ان يكون ساكنا في حيزه او متحركا عنه، ولا يجوز ان يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور او بين فقد تناهي ذاتا، والتناهي اذا اختص بمقدار استدعي مخصصا، وكذا ينبغي ان يقال ليس بداخل

стр. 72

في العالم وليس بخارج منه، لان الدخول والخروج من لوازم المتحيزات. فهما كالحركة والسكون وسائر الاعراض التي تخص الاجرام اهـ. (وقال) ايضا: قال القاضي ابو يعلي في كتابه المعتمد: ان الله لا يوصف بالمكان اهـ. (وقال) ومن الايات قوله تعالي (ءامنتم من في السماء) قد ثبت قطعا ان الاية ليست علي ظاهرها لان لفظة " في " للظرفبة. والحق سبحانه وتعالي غير مظروف. واذا منع الحس ان ينصرف الي مثل هذا بقي وصف العظيم بما هو عظيم عند الحق أهـ. (وقال) المحقق الجليل علي القاري في شرح المشكاة: قال جمع من السلف والحلف: ان معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي انه قول لابي حنيفة ومالك والشافعي والاشعري والباقلاني اهـ. ومحل الخلاف في كفره ان اعتقد جهة العلو لله تعالي مع اعتقاد انه تعالي لا مكان له ولا تحيز ولا اتصال بعرش ولا سماء ولا غيرهما من الحوادث، والا فهو كافر باجماع عقلاء المسلمين. (وجملة القول) ان الادلة القطعية والبراهين النقلية ناطقة بانه تعالي ليس له جهة وليس في جهة، وليس جالسا علي العرش ولا حالا السماء ولا غيرها، ولا يتصف بالتحول والانتقال، وليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا، ولا غير ذلك من صفات الحوادث (١)

стр. 73

(ومن الآيات المتشابهات) قوله تعالى: (ان الذين يبايعونك انما يبايعون

стр. 74

الله يد الله فوق أيديهم) (١٠) الفتح (والسماء بنيناها بأيد) (٧) الذرايات.

стр. 75

(وقد) اتفق علماء السلف والخلف المعول عليهم على أن اليد فى هذه الآيات ونحوها مصروفه عن ظاهرها، لأن الله تعالى منزه عن الجارحة لقوله تعالى: (ليس كمثله شئ) (١١) الشورى. (واختلفوا) فى بيان المراد منها (فالسلف) يفوضون علم المراد منها الى الله تعالى. لقوله (وما يعلم تأويله الا الله) (والخلف) يقولون: المراد منها القدرة والنعمة، بناء على أن الوقف فى الآية على قوله تعالى: (والراسخون فى العلم) ولكل وجهة. (ومن الايات) المتشابهات (ويبقى وجه ربك) (٢٧) الرحمن. و (لا اله الا هو كل شئ هالك الا وجهه) (٨٨) القصص. (فالسلف) يقولون: له وجه لا كوجوهنا لا يعلمه الا هو (١) (والخلف) يقولون: المراد بالوجه الذات. وعبر عنها بالوجه على عادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم. يقول أحدهم: فعلت لوجهك أى لك، وقس على هذا باقى الآيات المتشابهة. (ومن) الأحاديث المتشابهة حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعونى فأستجب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى

стр. 76

فأغفر له؟ أخرجه مالك والخمسة الا النسائى (١) ﴿١٨﴾. وهو مصروف عن ظاهره باجماع السلف. (قال) العلامة ابن جماعة فى كتابه " ايضاح الدليل " ما ملخصه: اعلم أن النزول الذى هو الانتقال من علو الى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه: (الأول) أن النزول منصفات المحدثات، ويتوقف على ثلاثة أجسام. منتقل. ومنتقل عنه. ومنتقل اليه. وذا محال على الله تعالى. (الثانى) لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله، لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض شيئا فشيئا. فيلزم انتقاله فى سماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم الى قوم، عوده الى العرش فى كل لحظة على رأى المجسمة القائلين بأنه تعالى ينزل بذاته ونزوله من العرش الى سماء الدنيا. ولا يقول ذلك ذو لب. (الثالث) أن القائل بأنه تعالى فوق العرش، وأنه ملأه، كيف يرى أن سماء الدنيا تسعه تعالى؟ وهى بالنسبة الى العرش كحلقة فى فلاة. فيلزم عليه أحد أمرين اما اتساع سماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه، أو تضاؤل الذات المقدسة عند ذلك حتى تسعها السماء ونحن نقطع بانقاء الأمرين. ولذا ذهب جماعة من السلف الى عدم بيان المراد من النزول مع قطعهم بأن الله منزه عن الحركة والانتقال. وذهب المؤولن الى أن المراد بالنزول هنا الاقبال بالرحمة والاحسان واجابة الدعاء (وقيل) فى الكلام مضاف مقدر والمعنى ينزل أمر ربنا أو ملك ينزل بأمره. وهو فى القرآن كثير منه قوله تعالى: (قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد) (٢٦) النحل. ومعلوم أن حامد الحنبلى المجسم: فى الحديث ما يتعالى الله عنه. وهو أنه ينزل من مكانه الذى هو فيه وينتقل. وأحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى برئ منه، ولقد تأذى

стр. 77

الحنابلة بسوء كلامه واعتقاده أهـ. (فأنت) ترى أن اعتقاد ابن حامد الحنلى وأحزابه دليل واضح على أنهم ما عرفوا أن الله اله قديم لا يتصف بالجسمية ولا التحول والانتقال، لأن ذلك كله من صفات الحوادث. وأن الامام أحمد رضى الله تعالى عنه برئ منهم (ولو كانوا) يسمعون أو يعقلون، لعرفوا أن الله ﵎ اله قديم موجود قبل خلق العالم يستحيل عليه الحركة والسكون وغيرهما من صفات المخلوق. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢٣) غافر (وقال) الامام فخر الدين الرازى فى كتابه أساس التقديس ص ١٣٤ ما حاصله: فاما الحديث المشتمل على النزول الى سماء الدنيا فالكلام عليه أن النزول قد يستعمل فى غير الانتقال. وذلك لوجوه (منها) قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (٦) الزمر. ونحن نعلم بالضرورة أن الجمل أو البقر ما نزل من السماء الى الأرض على سبيل الانتقال. وقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (٦) الفتح. والانتقال على السكينة محال (ومنها) أنه ان كان مقصود من النزول من العرش الى سماء الدنيا أن يسمع نداؤه فهذا لم يحصل. وان كان المقصود مجرد النداء وان نسمع فهذا مما لا حاجة فيه الى النزول. وهذا عبث غير لائق بحكمة الله تعالى. (ومنها) أن من يقول بظاهر الحديث يرى أن كل السموات بالنسبة للكرسى كقطرة فى بحر والكرسى بالنسبة للعرش كذلك. ثم يقول ان العرش مملوءه منه والكرسى موضع قدمه. فاذانزل الى سماء الدنيا فكيف تسعه؟ فاما أن يقال بتداخل أجزائه فى بعض، وهذا يقتضى أنها قابلة للتفرق ويقتضى جواز تداخل جملة العالم فى خردلة واحدة وهو محال. واما أن يقال ان تلك الأجزاء فنيت عند النزول الى سماء الدنيا. وهذا مما لا يقوله عاقل فى حق الله تعالى (فثبت) أن القول بالنزول على الوجه الذى قالوه باطل. وانه يتعين حمل هذا النزول على نزول رحمته الى الأرض فى ذلك الوقت. وخص هذا الوقت بذلك لوجوه (منها) أن التوبة التى يؤتى بها فى جوف الليل شأنها أن

стр. 78

تكون خالية عن شوائب الدنيا خالصة لوجه الله تعالى، لأن الأغيار لا يطلعون عليها، فتكون أقرب الى القبول (ومنها) أن الغالب على الانسان فى جوف الليل الكسل والنوم، فلولا الرغبة الشديدة فى نيل الثواب العظيم لما تحمل مشاق السهر، ولما أعرض عن اللذات الجسمانية، ولذا احتيج فى الترغيب فى الطاعة والعبادة بالليل الى مزيد أمور تؤثر فى تحريك دواعى الاشتغال بالطاعة والتهجد لتكون الدواعى اليه أتم وأوفر، ويكون الثواب أكمل. ولذا أثنى الله تعالى على من تحلى بالطاعة فى الليل. قال تعالى ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (١٧) (وبالأسحار هم يستغفرون) (١٨) الذرايات. وقال: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (١٦) فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ (١٧) السجدة. (وقيل) النزول فى الحديث كناية عن المبالغة فى الاكرام والاحسان. وذلك أن نزل من الملوك عند انسان لاصلاح شأنه والاهتمام بأمره يكون وجوده عنده مبالغة فى اكرامه فلما كان النزول مستلزما لغاية الاكرام وكمال الاحسان، اطلق اسم النزول على الاكرام المذكور. (وقيل) ان " ينزل " فى الحديث بضم الياء من الانزال، أى أن جمعا من أشراف الملائكة ينزلون فى ذلك الوقت بأمر الله تعالى اهت. (وقال) الامام ابن الجوزى الحنبلى فى كتابه " دفع شبهة التشبيه " ص ٤٦: روى حديث النزول عشرون صحابيا وقد تقدم انه يستحيل على الله الحركة والنقلة والتغير فيبقى الناس رجلين (أحدهما) المتأول بمعنى أنه يقرب رحمته. وقد وصف أشياء بالنزول فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ (٢٥) الحديد. وان كان معدنه فى الأرض. وقال: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (٦) الزمر ومن لم يعرف الجمل فكيف يتكلم فى نزوله (١) (والثانى) الساكت عن الكلام فى ذلك مع اعتقاد التنزيه.

стр. 79

والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة، وأن النزول الذى هو انتقال من مكان الى مكان يحتاج الى ثلاثة أجسام: جسم عال هو مكان لساكنه، وجسم سافل، وجسم منتقل من علو الى سفل. وهذا لا يجوز على الله (قال) ابن حامد: هو على العرش بذاته مماس له وينزل وينزل من مكانه الذى هو فيه وينتقل. وهذا رجل لا يعرف ما يجوز على الله (وقال) أبو يعلى: النزول صفة ذاتية ولا نقول نزوله انتقال، وهذا مغالط (ومنهم) من قال يتحرك اذا نزل. وما يدرى أن الحركة لا تجوز على الله تعالى. وقد حكوا عن الامام أحمد ذلك. وهو كذب عليه. ولو كان النزول صفة ذاتية لذاته لكانت صفته كل ليلة تتجدد. وصفاته قديمة كذاته أهـ. (وقال) العلامة ابن أبى جمرة فى كتابه " بهجة النفوس " ص ٣٩ ردا على المجسمة (وأما) ما زعموا من الجسمية وتعلقوا فى ذلك بظاهر قوله ﵊ " ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا " الى غير ذلك من الأحاديث التى جاءت فى هذا المعنى (فليس) لهم فى ذلك حجة أيضا، لأن ذلك فى اللغة محتمل لأوجه عديدة كقولهم: جاء زيد، يريدون ذاته ويريدون غلامه ويريدون كتابه ويريدون خبره. والنزول مثله كقولهم: نزل الملك، يريدون ذاته ويريدون أمره ويريدون كتابه ويريدون نائبه. فاذا ارادوا أن يخصصوا الذات قالوا: نفسه، فيؤكدونه بذلك أو بالمصدر. وحينئذ ترتفع تلك الاحتمالات ولذلك قال فى كتابه (وكلم الله موسى تكليما) فأكده بالمصدر رفعا للمجاز (فلو قال) الشارع ﵊ هنا: ينزل ربنا نفسه أو ذاته أو أكده بالمصدر (لكان) الأمر ما ذهبوا اليه. ولكن لما أن ترك اللفظ على عمومه ولم يؤكده، دل على أنه لم يرد الذات، وانما أراد نزول رحمة ومن فضل وطول على عباده وشبه هذا معروف عند الناس، لأنهم يقولون: تنازل الملك لفلان، وهم يريدون

стр. 80

كثرة احسانه وافضاله اليه لا أنه نزل اليه بذاته وتقرب اليه بجسده. فهذا مشاهد فى البشر، فكيف بمن ليس كمثله شئ؟ لقد أعظموا على الله الفرية اهـ (ومما تقدم) تعلم بطلان ما زعمه المجسمة كابن حامد وأبى يعلى وأضرابهما من انه تعالى على العرش بذاته ويزنل منه وينتقل الى سماء الدنيا (وأن) ما فى مختصر الصواعق لابن القيم من أن جماعة من أهل الحديث منهم أبو الفرج ابن الجوزى صرحوا بأ، هـ تعالى ينزل الى سماء الدنيا بذاته (كذب) وافتراء عليهم. فقد تقدم لك قول ابن الجوزى أنه يستحيل على الله تعالى الحركة والنقلة والتغير. والواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النقلة. وأن النزول الذى هو انتقال من مكان الى مكان لا يجوز على الله . وقد رد ما ذهب اليه ابن حامد وأبو يعلى قال ومن نسب ذلك الى الامام أحمد فقد كذب عليه (ومنه) تعلم أيضا كذب ما نسب فى مختصر الصواعق الى حماد بن زيد من قوله: ان الله فى مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء. وعلى فرض ثبوته عنه فيحرم التمسك به لمنافاته صريح الآيات القرآنية كقوله تعالى (ليس كمثله شئ) واجماع سلف الأمة وخلفها على أن الله تعالى يستحيل عليه أن يكون له مكان لأنه يستلزم المماثلة والاحتياج وهما محالان فى حقه تعالى (وكذا) ما نسبه الى ابن عبد البر من أن أهل السنة مجمعون على حمل المتشابهات على الحقيقة لا على المجاز، فهو كذب وافتراء. فهاهى ذى كلمتهم متفقة على انه يجب صرف المتشابه عن ظاهرة لقيام الأدلة القطعية عقلية ونقلية على استحالة ظاهرها فى حق الله تعالى. (ومن) هذا القبيل ما زعمه ابن تيمية فى كتابه " شرح حديث النزول " من أن اسحاق بن راهوية وعبد الله بن طاهر وجمهور المحدثين وأحمد بن حنبل يقولون: ان الله ينزل الى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش (فانه) علاوة على ما فيه من التناقض يلزم عليه اثبات المكان لله تعالى. وقد ثبت بالدليل القاطع والنقلى استحالة

стр. 81

كون الاله فى مكان والا لزم احتياجه تعالى وانقسامه، وكل منقسم مركب وكل مركب ممكن، وكل ممكن حادث. فكيف ينسب ذلك الى قادة الأمة. سبحانك هذا بهتان عظيم (ومن هنا) تزداد علما ببطلان قول ابن تيمية أيضا فى كتابه المذكور: والصواب المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال فوق العرش ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله الى سماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه أهـ. (فانه) مع كونه افتراء على سلف الأمة وأئمتها خرفات ومناقضات لا يصح صدورها ممن عنده شائبه تمييز. وهل يتصور من عنده أدنى عقل أن الله يكون فى سماء الدنيا بذاته مع بقاء ذاته على العرش؟ فضلا عن علماء المسلمين سلفا وخلفا على انه تعالى يستحيل عليه المكان والتحول والانتقال. وعلى انه يجب صرف المتشابهات عن ظاهرها (ومن) تمسك بظاهرها فهو مخالف للمعقول والمنقول مارق من الدين قائل بالتشبيه والتجسيم مبتغ سبيلا غير سبيل المؤمنين. قال الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (٧) آل عمران (ومن غفلتهم) اعتقادهم أن الله يتصف بالتحول والانتقال والنزول الى سماء الدنيا. ويستدلون على معتقدهم الفاسد بأحاديث الآحاد. مع أنها لا يصح ان يستدل بها فى العقائد. وانما يستدل بها فى الفروع باجماع أئمة الدين (قال) الامام الرازى فى كتابه اساس التقديس: (أما) التمسك بخبر الواحد فى معرفة الله تعالى فغير جائز لوجوه (الأول) أن أخبار الآحاد مظنونة، فلا يجوز التمسك بها فى معرفة الله تعالى وصفاته. وانما قلنا انها مظنونة لأنا أجمعنا على أن الرواة ليسوا معصومين. وانما لم يكونوا معصومين كان الخطأ عليهم جائزا والكذب عليهم جائزا. فحينئذ لا يكون صدقهم معلوما بل مظنونا فثبت أن خبر الواحد مظنون ووجب ألا يجوز التمسك بع فى العقائد لقوله تعالى فى شأن الكفار ﴿ان يتبعون الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا﴾ (٢٨) النجم. وقوله تعالى: ﴿وان تقولوا على الله مالا تعلمون﴾ (١٦٩) البقرة. فترك

стр. 82

العمل بهذه العمومات فى فروع الشريعة، لأنه يكتفى فيها بالدليل الظنى. ووجب ان يبقى العمل بتلك العمومات فى العقائد فقط. والعجب من الحشوية أنهم يقولون: الاشتغال بتأويل الآيات المتشابهة غير جائز، لأن تعيين ذلك التأويل مظنون، والقول بالظن فى القرآن لا يجوز. ثم انهم يتكلمون فى ذات الله تعالى وصفاته بأخبار الآحاد مع أنها فى غاية البعد من القطع واليقين. واذا لم يجوزوا تفسير ألفاظ القرآن بالطريق المظنون، فلأن يمتنعوا عن الكلام فى ذات الحق تعالى وفى صفاته بمجرد الروايات الضعيفة أولى اهـ. (ومن هذا) القبيل استدلالهم على دعواهم الباطلة " أن الله تعالى فىالسماء " بحديث معاوية بن الحكم قال: كانت لى جارية ترعى غنما لى قبل أحد، فاطعت ذات يوم فاذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم فصككتها صكة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعظم ذلك على فقلت افلا أعتقها؟ قال ائتنى بها. فأتيته بها فقال لها أين الله؟ قالت: فى السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال. أعتقها فانها مؤمنة. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى (١) ﴿١٩﴾. (فمع) كونه حديث آحاد لا يصح الاستدلال به على معرفة العقائد (هو) مصروف عن ظاهره باجماع السلف والخلف (قال) الامام ابن الجوزى الحنبلى فى كتابه " دفع شبهة التشبيه " ص ٤٥ بعد أن روى الحديث ما نصه: قلت قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا تحويه السماء ولا الأرض ولا تضمه الأقطار. وانما عرف باشارتها تعظيم الخالق ﷻ عندها أهـ. (وقال) الامام أبو عبد الله الأبى فى شرح صحيح مسلم فى الكلام على حديث الجارية ص ٢٤١ ج ٢: أراد

стр. 83

معرفة ما يدل على ايمانا، لأن معبودات الكفار من صنم ونار بالأرض. وكل منهم يسأل حاجته من معبوده. والسماء قبلة دعاء الموحدين، فأراد كشف معتقدها وخاطبها بما تفهمه فأشارت الى الجهة التى يقصدها الموحدون. ولا يدل ذلك على جهته ولا انحصاره فى السماء كما لا يدل التوجه الى القبلة على انحصاره فى الكعبة (وقيل) انما سألها باين عما تعتقده من عظمة الله تعالى. واشارتها الى السماء اخبار عن جلاله تعالى فى نفسها (وقال) القاضى عياض: لم يختلف المسلمون فى تأويل ما يوهم انه تعالى فى السماء كقوله (ءأمنتم من فى السماء) أهـ. (فقد) بين هذان الامامان معنى حديث الجارية بما يصح اطلاقه على الله تعالى. ونقلا الاجماع على تأويل كل ما يوهم أنه تعالى فى السماء أو جالس على العرش أو نحو ذلك من صفات الحوادث، لقوله تعالى (ليس كمثله شئ) فمن اعتقد خلاف ذلك فهو ضال مضل هالك. (وقال) الامام النووى: هذا الح ٠ ديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان (أحدهما) الايمان به من غير خوض فى معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شئ وتنزيهه عن سمات المخلوقات (الثانى) تأويله بما يليق. فمن قال بهذا قال: كأن المراد امتحان الجارية (ا) هل هى موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده؟ وهو الذى اذا دعاه الداعى استقبل السماء؟ كما اذا صلى المصلى استقبل الكعبة، ليس ذلك لأنه منحصر فى السماء كما انه ليس منحصرا فى جهة الكعبة، بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين (ب) أو هى من عبدة الأوثان التى بين أيديهم؟ فلما قالت: فى السماء، علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان اهـ ص ٢٥ ج ٥ شرح مسلم (تحريم الكلام فى الصلاة). وقد أفردت هذا المبحث بكتاب (اتحاف الكائنات، ببيان مذهب السلف

стр. 84

والخلف فى المتشابهات. ورد شبه الملحدة والمجسمة وما يعتقدونه همن المفتريات) فمن أراد استيفاء المقام بالأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة، والنصوص الواضحة، فلينظره. والله تعالى ولى الهداية والتوفيق. (٢) الأنبياء والرسل يجب على كل مؤمن أن يعتقد أن الله تعالى قد أرسل لعباده أنبياء ورسلا مبشرين ومنذرين لا يعلم عددهم الا الله تعالى. قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٧٨) غافر (وأن) سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاتم الأنبياء. أرسله الله تعالى للآنس والجن كافة قال تعالى ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين﴾ (٤٠) الأحزاب. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢٨) سبأ. وقال ﴿واذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن. فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضى ولوا الى قومهم منذرين﴾ (٢٩) قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى الى الحق والى طريق مستقيم (٣٠) يا قومنا أجيبوا داعى الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (٣١) الأحقاف وقال تعالى ﴿قل أوحى الى أنه استمع نفر من الجن فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا (١) يهدى الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (٢) الجن﴾. (وقال) علقمة: قلت لابن مسعود: هل صحب النبى صلي الله عليه وعلي اله وسلم ليلة الجن منكم احد؟ قال ما صحبه منا احد، ولكن قد افتقدباه ذات ليلة وهو بمكة فقلنا اغتيل او استطير ما فعل به؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما

стр. 85

اصبحنا. فاذا هو جاء من قبل حراء. قال: فذكروا له الذي كانوا فيه. فقال اتاني داعي الجن فاتيتهم فقرات عليهم، فانطلق بنا فأرانا اثارهم واثار نيرانهم. وسالوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في ايديكم اوفر ما يكون لحما. وكل بعرة او روثة علف لدوابكم. فقال صلي الله عليه وعلي اله وسلم: فلا تستنجوا بهما فانهما طعام اخوانكم من الجن. اخرجه احمد ومسلم وابو داود والترمذي. وقال حسن صحيح (١) ﴿٢٠﴾. وهو افضل الرسل لقوله تعالي ﴿وما ارسلناك الا رحمة للعالمين﴾ (١٠٧) الانبياء. ومنهم الانبياء والمرسلون. وقوله ﴿لقد جاءكم رسول من انفسكم﴾ (١٢٨) التوبة. وقرئ (من انفسكم) بفتح الفاء وكسر السين. وقد نهي اصحابه عن خطابه كسائر الناس. قال تعالي ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ (٦٣) النور. وكانت الامم تخاطب انبياءها باسمائهم ولم ينهوا عن ذلك ﴿يا نوح قد جادلتنا﴾ (٣٢) هود ﴿قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا اتنهانا ان نعبد ما يعبد اباؤنا﴾ (٦٢) هود ﴿قالوا يا هود ما جئتنا ببينة﴾ (٥٣) هود ﴿قال اراغب انت عن الهتي يا ابراهيم لن لم تنته لارجمنك﴾ (٤٦) مريم ﴿اذقال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء﴾ (١١٢) المائدة. (وعن ابي سعيد) الخدري ﵁ أن النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من

стр. 86

نبي يومئذ: آدم فمن سواه الا تحت لوائي، وانا اول من ينشق عنه الارض، وانا اول شافع واول مشفع. اخرجه احمد وابن ماجه والترمذي، وقال حسن صحيح (١) ﴿٢١﴾. (وعن ابن عباس) ان النبي صلي الله عليه وعلي اله وسلم وقد سمع ناسا من اصحابه يتذكرون في تفاضل الأنبياء فقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم. أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسي نجني الله وهو كذلك وعيسي روح الله وكلمته وهو كذلك، ، وأدم اصطفاة الله وهو كذلك. إلا وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة، فيفتح اله لي فيدخلنيها ومعي فقراء الؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والاخرين ولا فخر، اخرجه الدارمي والترمذي وقال: هذا حديث غريب (٢) ﴿٢٢﴾. (وأفضل الخلق) بعد نبينا صلي الله عليه وعلي اله وسلم. سيدنا ابراهيم، ثم سيدنا موسي، ثم سيدنا عيسي، ثم سيدنا نوح، ثم سيدنا ادم ابو البشر، ثم باقي الرسل علي تفاضل بينهم. ثم سائر الانبياء عليهم الصلاة والسلام ثم رؤساء الملائكة كجبريل واسرافيل. ثم رؤساء الامة المحمدية: ابو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم باقي العشرة (٣) ثم اهل بدر ثم اهل احد ثم اهل بيعة الرضوان ثم عامه الملائكة. هذا. واعلم ان جميع الصحابة عدول لا يجوز الطعن في احدهم. وما جري بينهم من الحروب انما كان باجتهاد منهم فلا يجوز الخوض

стр. 87

فيه، لحديث ابن عباس ان النبي صلي الله عليه وعلي اله وسلم قال: " من سب أصحابي لعنه الله والملائكة والناس اجمعون. اخرجه الطبراني في الكبير. وفي سنده عبد الله بن خراش وهو ضعيف (١) ﴿٢٣﴾ هذا. وقد ايد الله تعالي كل رسول منهم بمعجزات (٢) خارقه للعادة كناقة سيدنا صالح ونار سيدنا ابراهيم (٣)، وعصا موسي ويده البيضاء (٤) وفلق

стр. 88

البحر وتفجير الماء من الحجر (١). كاحياء الموتي وابراء الاكمة والابرص لسيدنا عيسي (٢)، وكانشقاق القمر لسيدنا محمد (٣) ونبع الماء من يده الشريفة. وتكثير القليل من الطعام والشراب وتكليم الجمادات له صلوات الله وسلامه عليهم احمعين. (قال) انس ﵁: رايت رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم بوضوء فوضع يده فيه وامر الناس ان يتوضئوا منه فرايت الماء ينبع من تحت اصابعه فتوضأ الناس عن اخرهم. اخرجه الشيخان (٤) (وقال) جابر ﵁: عطش الناس يوم الحديبية فاتوا رسول الله

стр. 89

صلي الله عليه وعلي اله وسلم وبين يديه ركوة وقالوا ليس عندنا ما نتوضا به ولا نشرب الا ما في ركوتك، فوضع صلي الله عليه وعلي اله وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين اصابعة كامثال العيون فتؤضانا وشربنا. قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة الف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. أخرجه الشيخان (١) ﴿٢٧﴾. وقال ابي هريرة ﵁ كنا مع النبي صلي الله عليه وعلي اله وسلم في مسير فنفدت ازواد القوم حتي هموا بنحر بعض حمائلهم فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من ازواد القوم فدعوت الله عليها، ففعل. فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره، وذو النواه بنواته. قيل: ما كاموا يصنعون بالنوي؟ قال كانوا يمصونه ويشربون عليه ماء. فدعا عليها حتي ملاء القوم مزوادهم فقال عند ذلك " اشهد ان لا اله الا الله واني رسول الله، لايلقي الله بهما عبد غير شاك فيهما الا دخل الجنه. اخرجه مسلم (٢) ﴿٢٨﴾. (وقال) جابر ﵁: كنا في حفر الخندق فرأيت برسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم خمصا شديدا فانكفات الي امراتي فقلت هل عندك شئ؟ فاني رايت برسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم خمصا شديدا فاخرجت الي جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة دواجن فذبحتها وطحنت الشعير، ففرغت الي فراغي وقطعتها في برمتها. ثم وليت الي رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم. فقالت لا تفضحني برسول الله صلي الله عليه وعلي اله

стр. 90

وسلم وبمن معه. فجئته فساررته فقلت يا رسول ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعا من شعير كان عندنا. فتعال انت ونفر معك، فصح رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم فقال: " يا اهل الخندق، أن جابرا قد صنع سورا فحيهلا بكم " ثم قال صلي الله عليه وعلي اله وسلم: لاتنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينتكم حتي اجئ وجاء رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم يقدم الناس حيث جئت امراتي فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت الذي فاخرجت له العجين فبصق فيه وبارك. ثم عمد الي برمتنا فبصق فيها وبارك. ثم قال: ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، فاقسم بالله لاكلوا حتي تركوه وانحرفوا، وان برمتنا لتعظ كما هي، وان عجيننا ليخبز كما هو. أخرجه الشيخان (١) ﴿ ٢٩﴾.

стр. 91

(وقال) ابو هريرة ﵁: اتيت النبي صلي الله عليه وعلي اله وسلم يوما بتمرات فقلت: يا رسول الله، ادع الله بالبركة، فضمهن ثم دعا لي فيهن بالبركة. فقال خذهن واجعلهن في مزودك هذا، وكلمااردت ان تاخذ منه شيئا فادخل فيه يدك فخذ ولا تنثره نثرا، ففعلت فقد حملت منه كذا وكذا من وسق في سبيل الله، فكنا ناكل منه ونطعم. وكان لا يفارق حقوى حتي كان يوم مقتل عثمان ﵁ فانه انقطع فسقط فحزنت عليه. اخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب (١) ﴿٣٠﴾ (وقال) علي ﵁: كنا مع رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم: بمكه فخرجنا معه في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر الا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله. اخرجه الدارمي والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب لكنه روى من عدة طرق (٢) ﴿٣١﴾ (وقال) جابر بن سمرة ﵁: قال رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم: ان بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت، اني لاعرفه الان. اخرجه احمد ومسلم والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب (٣) ﴿٣٢﴾ (وقال) ابن عباس ﵄: جاء اعرابي الي رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم فقال بم اعرف انك رسول الله؟ قال ان ادعوا هذا العذق من

стр. 92

النخله فا شيهد لى أنى رسول الله، فده فجعل العذق ينزل من النخله حتى سقط الى رسول الله صلى الله عليه وعلى أله وسلم وقال: السلام عليك يا رسول الله. ثمقال له رسول الله صلى الله عنيه ولى اله وسلم: ارجع الى موضعك فعاد الى موضعه والتأم فاسلم الأعربى. اخرجه الترمذي وقال: هذا حسن غريب صحيح (١) ﴿٣٣﴾. (وقال) معن بن عبد الرحمن: سمعت أبى ﵀ يقول: سآلت مسرقا: من آذن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجن لينا استمعوا القرآن؟ فقال: حدثنى أبوك يعنى ابن مسعود أنه قال: آذنت بهم شجرة. أخرجه الشيخان (٢) ﴿٣٤﴾. (وقال) أنس رضى الله عنه: خطب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الى لزق جذع. فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة، فنزل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمسه فسكن. أخرجه الترمذى وقال هذا حديث حسن صحيح (٣) ﴿٣٥﴾. (وله) صلى الله عليه وعلى آله وسلم معجتزات كثيرة غير ما ذكر. أهمها وأفضلها القرآن: فانه المعجزة المستمرة الى قرب القيامة وقد تحدى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم العرب الى معارضته وأحدهم بالاتيان بمثل أقصر سورة منه. فاستولى عليهم العجز وبلغ منهم العى مبلغه وخرست ألسنتهم فلم تحر جوابا قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا﴾ ٨٨ - الاسراء.

стр. 93

وقال: (أم يقلون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله ان كنتم صادقين) ١٣ - هود. وقال: ﴿وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢٣ - البقرة. (وانما) كان القرآن معجزا لأنه فى أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة (١)، وهى توخى معانى الألفاظ وأسرار التركيب وترتيب الكلام حسبما تقتضيه المقاصد والأغراض. وهذه هى المزية التى امتاز بها عن سائر الكلام. فعجز المعاندون من العرب عن معارضته مع شهرتهم وامتيازهم عن غيرهم وتفوقهم فى الفصاحة. ولا يلتفت الى ما قاله بعض الكفرة المعاندين من انه شعر وكهانة وأساطير. فانهم قوم لا يعقلون ولا يفقهون. ولو عقلوه وتدبروه ما وسعهم الا الايمان به: (غانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور) (٤٦) الحج.

стр. 94

وقال: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) ٤٦ - النور. وقد رد الله عليهم فى أكثر من آية. قال تعالى: (انه لقول رسول كريم (٤٠) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (٤١) ولا يقول كاهن قليلا ما تذكرون (٤٢) (تنزيل من رب العالمين) (٤٣) - الحاقة. صفات الرسل يجب فى حقهم عليهم الصلاة والسلام أربع صفات. (أ) الصدق فى كل الأقوال ولو عادية " لأن ما ظهر على أيديهم من المعجز - وهى امر خلقه الله تعالى " مخالف للعادة مقرون بالتحدى اى واقع عند دعوى الرسالة مع عدم امكان معارضته بمثله " منزل " منزلة قول الله تعالى: صدق عبدى فى كل ما بلغه عنى. كتظليل الغمام وانشقاق القمر وغيرهما مما تقدم. (ب) ويجب فى حقهم العصمة - أى الأمانة - وهى حفظ الله تعالى ظواهرهم وبواطنهم من المعاصى كبيرها وصغيرها (١)، لأن الله تعالى أمرنا بالاقتداء بهم فى أقوالهم وأفعالهم غير الخاصة بهم. قال تعالى: ﴿قل ان كنتم تحبون الله

стр. 95

فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ (٣١) - آل عمران. وقال ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبى الأمى الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ ١٥٨ - العراب. وقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبى الأمى﴾ ١٥٧ - الأعراف. وقال: ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ ٢١ - الأحزاب. وقال: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ ٩٠ - النعام. وقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم هعنه فانتهوا﴾ ٧ - الحشر. والله لا يأمنر بمعصية. قال تعالى: ﴿ان الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ ٢٨ - الأعراف. (جـ) ويجب فى حقهم عليهم الصلاة والسلام تبليغ كل ما لأمروا بتبليغه الى الخلق قال الله تعالى ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ ٦٧ - المائدة. (وعن معاوية) رضى الله عنه أن النبى صلى عليه وعلى آله وسلم قال: انما أنا مبلغ والله يهدى وانما أنا قاسم والله يعطى. أخرجه الطبرانى فى الكبير بسندين أحدهما حسن (١) ﴿٣٦﴾. (د) ويجب فى حقهم الفطانة وهى ملكة يقتدر بها على اقامة الحجة على الخصم واقناعه بالحق، لأن الله تعالى اختارهم للنبوة والرسالة وتعليم الخلق فلا بد أن يكونوا أهلا لذلك. (ويستحيل) فى حقهم عليهم الصلاة والسلام أضداد هذه الصفات للأدلة السابقة، فيستحيل فى حقهم الكذب، والعصيان بارتكاب كبيرة أوة صغيرة

стр. 96

ظاهرية أو باطنية (١) (ويستحيل) عليهم البلادة، وكتمان شئ مما أمروا بتبليغه للخلق، قال تعالى: ﴿ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس فى الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ (١٥٩) - البقرة. (ويجوز) فى حقهم عليهم الصلاة والسلام كل وصف بشرى لا يؤدى الى نقص فى مراتبهم العلية: كالأكل والشرب والمشى فى الأسواق والنوم والجوع والعطش والجماع الحلال والمرض غير المنفر والبيع والشراء والسهو للتشريع وبيان ما يترتب عليه كما وقع للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى الصلاة. وكذا النسيان فى غير الأحكام التى لم تبلغ. قال تعالى (وما أرسلنا قبلك من المرسلين الا انهم ليأكلون الطعام ويمشون فى الأسواق) (٢٠) الفرقان. وقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ (٣٨) - الرعد (وفى حديث) عائشة رضى الله عنها. قلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة ان عينى تنامان ولا ينام قلبى. أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى (٢) ﴿٣٧﴾ (وقال) ابن عباس رضى الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 97

يبيت الليالى المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. أخرجه أحمد وابن ماجه والترمزى وصححه (١) ﴿٣٨﴾. (وفى حديث) ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: انه لو حدث فى الصلاة شئ أنبأتكم ولكن " انما أنا بشر أنسى كما تنسون، فاذا نسيت فذكرونى " أخرجه السبعة الا الترمذى (٢) ﴿٣٩﴾. (وعن) ابى أيوب الانصارى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح والسواك والحياء " أخرجه أحمد والترمذى والبيهقى (٣) ﴿٤٠﴾. (وحكمة) اتصافهم بما ذكر، التشريع لأممهم واظهار فضلهم والتنبيه على خسة الدنيا عند الله تعالى وعدم رضاه بها دار جزاء لأنبيائه وأوليائه (٤).

стр. 98

(٣) السمعيات هى أمور لا تعرف الا من طريق النقل من كتاب أو سنة، لا يقبل ايمان عبد حتى يصدق بها تصديقا جازما. المذكور منها هنا ستة:

стр. 99

(أ) الملائكة: وهم عالم غيبى لا يعلم حقيقته الا الله تعالى. لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة. خلقوا من نور (لحديث) ابن عمرو أن النبى صلى الله عليه وسلمن قال: ان الملائكة قالت: يا ربنا أعطيت بنى آدم الدنيا يأكلون ويشربون ويركبون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة. قال لا أجعل صالح ذرية من خلقته بيدى كمن قلت له كن فكان. أخرجه الطبرانى فى الكبير (١) ﴿٤٣﴾. (وعن) عائشة أن النبى ﷺ قال: خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار. وخلق آدم مما وصف لكم. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿٤٤﴾. وهم كما وصفهم الله تعالى (عباد مكرمون (٢٦) (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ويعلمون) (٢٧) الأنبياء. وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (٦) التحريم. لهم القدرة على التشكل بالصور

стр. 100

الجميلة كما فى حديث جبريل (١) ولقوله تعالى (قالوا يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا إليك) (٨١) هود. أى قالت الملائكة لسيدنا لوط ﵇ حين جاءوه على هيئة رجال حسان الوجوه فى صفة أضياف لأجل اهلاك قومه. وقوله تعالى (فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا) (٢) جردهم الله تعالى من الشهوات وجبلهم على الطاعات. " وقوله " تعالى فى حق سيدنا آدم ﵇ حكاية عن الملائكة (قالوا أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء) (٣٠) البقرة " ليس من الغيبة بل القصد التعجب والاستفسار لعدم علمهم بحكمة خلقه " وتعليم " هاروت وماروت الناس السحر على القول بأنهما من الملائكة " انما كان " ابتلاء من الله ولئلا يغتر أحد بعمل المبطلين. وذلك أن السحرة كثرت فى ذلك الزمان. ومنهم من ادعى النبوة. فبعث الله هذين الملكين ليعلما الناس السحر ليتمكنوا من معارضة الكذابين ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا انما نحن فتنة فلا تكفر﴾ (١٠٢) البقرة. فمن عمل بما تعلم منه واعتقد حقيقته كفر. ومن توقى عن العمل به واتخذخ ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله، بقى على الايمان ولا يكفر باعتقاد حقيقته وجواز العمل به (فائدة) مستقر الملائكة فى الدنيا السموات، وينزلزن الى الأرض بأمر الله تعالى. ومستقرهم فى الآخرة الجنات، وهم أنواع: منهم المسبح والمكبر

стр. 101

والمهلل والراكع والساجد والقائم وحملة العرش والحافون حوله، وأمنا الوحى، والسياحون فى الجهات، والموكلون بالأرواح والأرزاق والأمطار (ومنهم الحفظة وهم ملائكة تتعاقب على الانسان ليحفظوه بأمر الله تعالى، ويدفعون عنه كل مكروه، واذا جاء القدر تخلو عنه، والراجح أنهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار. قال تعالى (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة) (٦١) الأنعام. وقال: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) (١١) الرعد. أى بأمره (وعن) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر. ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم. كيف تركتم عبادى؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون. أخرجه الشيخان والنسائى (١) ﴿٤٥﴾. (فعليك) ايها العاقل أن تتذكر نعمة ربك عليك، وتديم شكره على ما أولاكم وأن تجتهد فى طاعته ليديم عليك نعمته، وأن تكرم حفظتك بالبعد عن معصية ربك، ففى الحديث " ان معكم من لا يفارقكم الا عند الخلاء، وعند الجماع فاستحيوهم وأكرموهم " ذكره ابن هكثير (٢) ﴿٤٦﴾. (ومنهم) الكتبة وهم ملكان عن اليمين والشمال صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات. قال تعالى: (اذ يتلقى المتلقيات عن اليمين وعن الشمال قعيد) (١٧) (ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) (١٨) ق. وقال تعالى: (وان عليكم لحافظين (١٠) كراما

стр. 102

كاتبين (١١) (يعلمون ما تفعلون) (١٢) الانفطار. فاتق الله أيها العاققل وخف ربك واعمل بما يرضيه، واردع نفسك عن شهواتها حيث علمت أن عليها شاهدين على عملها يسطران عليك ما يصدر منك خيرا أو شرا. وتذكر يوم يقال لك (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (١٤) الاسراء. هذا. والأنبياء أفضل من الملائكة عقلا ونقلا، لأن الانبياء ركبت فيهم الشهوة البشرية، وقد تغلبت عليها عقولهم الشريفة، فعصموا من الوقوع فى المخالفة بخلاف الملائكة فانهم جردوا من الشهوات وجبلوا على الخيرات وقد أمرهم الله بالسجود لآدم ﵊. وقال تعالى: ﴿ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين﴾ (٣٣) آل عمران والملائكة من العالمين. (ب) الجن: هم عالم غيبى لا يعلم حقيقتهم الا خالقهم. خلقوا من النار يأكلون ويشربون وينامون. ومنهم الذكور والاناث، والصالح والطالح، والمؤمن والكافر. وهم فى التكليف كالآدميين. لا يرون على فطرتهم. قال تعاغلى: (انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) (٢٧) الأعراف. حضر فى بدء البعثة وفد منهم وسموعوا القرآن من النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يرهم وقت حضورهم، ولم يعلم بوجودهم (قال) ابن عباس رضى الله عنهما: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الجن ولا رآهم. انطلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى طائفة من أصحابه عامدين الى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت السياطين الى قومهم فقالوا مالكم؟ قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا ما ذلك الا من شئ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا

стр. 103

القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا الى قومهم (فقالوا انا سمعنا قرآنا عجبا (١) (يهدى الى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا) (٢) الجن. فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قل أوحى الى آنه استمع نفر من الجن) أخرجه الشيخان والترمذى (١) ﴿٤٧﴾. وهذا الذى حكاه ابن عباس رضى الله عنهما، انما هو أول ما سمعت الجن قرءاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلمت حاله وفى ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم. ثم بعد ذلك أتاه داعى الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم الى الله (٢) ويشهد له ماتقدم عن ابن مسعود رضى الله عنه (٣). (جـ) الأجل: يجب الايمان بأن الانسان وسائر الحيونات والجن والملائكة لايموت احد منهم حتي احد منهم حتي يتم اجله الذي قدره الله له (فاذا جاء اجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون) (٦١) النحل. وان ملك الموت هو الذي يقبض الارواح بامر الله تعالي، وله اعوان من الملائكة لكرام، وأن كل إنسان يشاهد حال احتضاره مكانه الذي سيصير اليه ويخلد فيه من الجنه أو النار، (قال) البراء بن عازب: خرجنا مع النبي صلي الله عليه وعلي اله وسلم في جنازه رجل من الانصار فانتهينا الي القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلي الله عليه وعلي اله وسلم وجلسنا حولهوكان علي رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الارض فرفع راسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين او ثلاثا، ثم قال ان العبد المؤمن اذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الاخره، نزل اليه ملائكة من

стр. 104

السماء بيض الوجوه كان وجوههن الشمس معهم كفن من اكفان الجنه وحنوط (١) من حنوط الجنة حتي يجلسوا منه مد البصر. ثم يجئ ملك الموت ﵇ حتي يجلس عند راسه، فيقول ايتها النفس الطيبة اخرجي الي مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فياخذها، فاذا اخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتي ياخذها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كاطيب نفحه مسك وجدت علي وجه الارض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون علي ملامن الملائكة الا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون فلان بن فلان باحسن اسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتي ينتهوا بها الي السماء الدنيا حتي ينتهوا بها الى السماء الدنيا فيستفتحون له , فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربها الى السماء التى تليها حتى ينتهى به الى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدى فى عليين وأعيدوه الى الارض , فأنى منها خلقته , وفيها اعيدوه ومنها اخرجهم تارة اخرى. قال: فتعاد روحه فى جسده فيأتيه ملكان فيجلسان فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربى الله فيقولان له وما دينك؟ فيقول دينى الاسلام , فقولان له ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم , فيقولان له: وما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادى مناد في السماء أن صدق عبدي فافر شوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلي الجنة. قال فيأتيه من روحها (٢) وطيبها ويفسح له فلا قبرة مد بصره. قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب ويفسح الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: له: من أنت فوجهك الوجه يجئ بالخير؟

стр. 105

فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلي أهلي ومالي. قال: وان العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل أليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح (١) فيجلسون منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلي سخط من الله وغضب قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود (٢) من الصوف المبلول، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفه عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة آلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلي السماء الدنيا، فيستفتح له فلان يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (٣) " فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلي، فتطرح روحه طرحا، ثم قرأ: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق) (٣١) الحج. فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى؟ فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدرى، فينادى مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلي النار، فيأتيه من حرها وسموها هو يضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن

стр. 106

الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول من أنت فوجهك الوجه يجئ بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة. أخرجه أحمد واخرج أبو داود صدره (١) ﴿٤٨﴾. (د) سؤال القبر ونعيمه وعذابه يجب الإيمان بأن أول ما ينزل بالميت بعد موته سؤال منكر ونكير بأن يرد الله عليه روحه وسمعه وبصره، ثم يسألانه عن دينه وربه ونبيه، فأما أن ينعم أو يعذب، لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة التي بلغت حد الشهرة " منها " ما تقدم عن البراء " ومنها " حديث عثمان رضى الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فانه الآن يسأل. أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم وصححه (٢) ﴿٤٩﴾. (وحديث) أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وانه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له انظر إلي مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا ويفسح له في قبره سبعون ذراعا وتملأ عليه خضرا إلي يوم يبعثون. وأمام الكافر أو المنافق فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول لا أدرى كنت أقول ما يقول الناس. فيقال له لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصبح صيحة يسمعها من

стр. 107

يليه غير الثقلين ويضيق عليه قبره تختلف أضلاعه. أخرجه وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي (١) ﴿٥٠﴾. (وعن عائشة) رضى الله عنا قالت: سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عذاب القبر فقال: إن عذاب القبر حق وانهم يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم (الحديث) أخرجه الشيخان والنسائي (٢) ﴿٥١﴾. (وعن) ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أن الموتى ليعذبون فى قبورهم حتى أن البهائم لتسمع أصواتهم. أخرجه الطبرانى في الكبير بسند حسن (٣) ﴿٥٢﴾. هذا. والمنعم والمعذب عند أهل السنة الجسد والروح جميعا. (واعلم) أنه وردت أحاديث دالة على اختصاص هذه الأمة بالسؤال في القبر دون المم السابقة. قال العلماء: السر فيه أن الأمم كانت تأتيهم الرسل فان أطاعوهم فالمراد. وان عصوهم اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب. فلما أرسل الله النبي محمدا ﷺ رحمة للعالمين، أمسك عنهم العذاب وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أخلص أم لا، وقيض لهم من يسألهم في القبور ليخرج الله سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب. وذهب ابن القيم إلي عموم المسألة (٤) ﴿٥٤﴾. ومما تقدم يستفاد أن لأهل القبور حياة بها يدرك أثر النعيم والعذاب، ولو تفتت أجسادهم. وهو أمر غيبي لا نبحث عن كيفيته. وحال صاحبه كحال النائم يرى

стр. 108

الملاذ والمؤلمات، ولا يرى من بجواره شيئا. وإنما ستر عنا رحمة بنا " روى " أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر. أخرجه أحمد والنسائي (١) ﴿٥٣﴾. هذا. ولا يسألا الأنبياء والصالحون والصبيان والشهداء. لحديث راشد بن سعد عن صحابي أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم ألا الشهيد؟ فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. أخرجه النسائي (٢) ﴿٥٤﴾ (هـ) اليوم الآخر: هو يوم القيامة. وأوله من الموت، لحديث هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان رضى الله عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له تذكر الجنة والنار فلا تبكى وتذكر القبر فتبكى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " القبر أول منزل من منازل الآخرة. فان نجا منه فما بعده أيسر. وان لم ينج منه فما بعده أشد منه " وقال ﷺ : " ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه " أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه رزين وزاد: قال هانئ: سمعت عثمان ينشد: فإن تنج منها من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا (٣) ﴿٥٥﴾

стр. 109

وقيل أوله من النشر " الخروج من القبور " وآخر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. ولا يعلم وقت مجيئه إلا الله تعالى، ليكون الإنسان منه على وجل. قال تعالى (أن الله عنده علم الساعة) (٣٤) لقمان. أي لا يعلم وقت مجيء القيامة ألا الله تعالى، وقال: (يسألونك عن الساعة أيان مرسها قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتا ألا هو، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم ألا بغتة: يسألونك كأنك حفى عنها قل أنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (١). (وعن بريدة) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: خمس لا يعلمهن إلا الله : (أن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام. وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا، وما تدرى نفس بآي أرض تموت، إن الله عليم خبير) أخرجه أحمد بسند صحيح (٢) ﴿٥٦﴾. والكلام بعد ينحصر في أشراط الساعة ومشتملات القيامة:

стр. 110

(أ) أشراط الساعة للقيامة علامات صغرى وكبرى (أ) (فمن الصغرى) ما في حديث جبريل قال: فأخبرني عن إماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البينيان (١) (ومنها) ما في حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ويكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد. أخرجه السبعة إلا أبا داود وقال الترمذى: حسن صحيح (٢) ﴿٥٧﴾. (وما في) حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثير الهرج قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل القتل ". أخرجه ابن ماجة بسند صحيح (٣) ﴿٥٨﴾. (وعنه) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج- وهو القتل- حتى يكون فيكم المال فيفيض " أخرجه الشيخان (٤) ﴿٥٩﴾. (ومنها) عدم البركة في الوقت وإضاعته في اللهو واللعب، وهو المراد بما في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم،
следующие страницы →