(وعن) النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: " لتُسَوُّنَّ صفوفكم أو لَيخالِفَنّ اللهُ بيم وجوهكم " أخرجه الخمسة وصححه الترمذى (١) ﴿٤٦٥﴾
(والمراد) بالمخالفة بين الوجوه والقلوب، حصول التنافر والعداوة والبغضاء واختلاف القلوب لأن اختلافهم فى الصفوف مخالفة فى الظاهر، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن.
ولظاهر الأمر فى هذه الأحاديث قال ابن حزم بوجوب تسوية الصفوف للوعيد الشديد فيها. وقد ثبت عن عمر رضى الله عنه أنه ضرب قدَم أبى عثمان النهْدىّ لإقامة الصف (٢) (وقال) سُويَد بن غفْلة: كان بلال يضرب أقدامنا فى الصلاة ويسوّى مناكبنا. وقال: ما كان عمر وبلال يضربان على غير فرض (٣) (وقال) الجمهور: إقامة الصفوف سنة. وادّعى بعضهم الإجماع على ذلك. وقالوا: الأمر والوعيد المذكوران من باب التغليظ والتشديد تأكيداً وتحريضاً على تسوية الصفوف وتعديلها. وأما ضرب عمر وبلال الناس على تركه فلا يدل على الوجوب، لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة. وقد كان عمر يوكّل رجالا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يُخبَر أن الصفوف قد استوت. وروى عن عثمان وعلىّ أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان استووا. وكان علىّ يقول تقدم يا فلان تأخير يا فلان قاله الترمذى (٤).
стр. 842
(٨ و ٩) ويسنّ الاهتمام بتكميل الصفوف الأوّل فالأوّل وتراصّ المأمومين، وسدّ الفُرَج (لحديث) أنس أن النبى ﷺ قال: " أتموا الصف المقدّمَ ثم الذى يليه فما كان من نقص فليكن فى الصف المؤجَّرِ " أخرجه أبو داود والنسائى والبيهقى (١) ﴿٤٦٦﴾
(ولحديث) أبى جُحَيفة أن النبى ﷺ قال: " من سدّ فُرجة فى الصف غفر له " أخرجه البزار بسند حسن (٢) ﴿٤٦٧﴾
(١٠) اتخاذ السترة: السترة بضم السين وهى فى الأصل ما يستتر به مطلقا. ثم غلبت على ما يجعله المصلى بين يديه لمنع المرور أمامه. فيسنّ للإمام والمنفرد اتخاذها سفراً وحضرا (لعموم) حديث سهل بن أبى حَثْمة أن النبى ﷺ قال: " إذا صلى أحدُكم فليصلِّ إلى سُترة، ولَيدْن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاتَه " أخرجه أحمد والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين وكذا أبو داود عن أبى سعيد الخدرى (٣) ﴿٤٦٨﴾
(ولحديث) ابن عمر أنّ النبى ﷺ كانت تُرْكز له الحرْبة فى العيدين فيُصلّى إليها " أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه (٤) ﴿٤٦٩﴾
(ولحديث) أبى جُحيفة أن النبى ﷺ صلى بهم بالبطحاء - وبين يديه عنَزة - الظهر ركعتين، والعصر ركعتين " أخرجه الشيخان وأبو داود (٥) ﴿٤٧٠﴾
стр. 843
وعلى هذا اتفق العلماء إلا أن الشافعية والحنبلية قالوا: يسنّ اتخاذ السترة وإن لم يخش مرور أحد بين يديه (وقال) الحنفيون ومالك: إنما يسنّ اتخاذ السترة لمن خشى مرور أحد بين يديه (لحديث) ابن عباس " أنّ النبى ﷺ فى فَضاءٍ ليس بين يديه شئ " أخرجه أحمد وأبو يعلى. وفى سنده الحجاج بن أرطاة، ضعفه بعضهم. وقال أحمد وشعبة كان من الحفاظ (١) ﴿٤٧١﴾
(وأجاب) الأولون: بأن عدم اتخاذه ﷺ سترة حينئذ لبيان أن اتخاذها غير واجب. وأمام المأموم فسترة الإمام سترة له عند الحنفيين والشافعى وأحمد وهو قول لمالك (لقول) ابن عباس: " أقلبتُ راكباً على أتَانٍ وأنا يومئذ قد ناهَزْتُ الاحتلام والنبى ﷺ يصلى بالناس بمنى فمررتُ بين يَدىْ بعض الصف. فأرسلتُ الأتان ترتَع ودخلت فى الصف فلم يُنْكِر ذلك أحدٌ " أخرجه الجماعة والبيهقى (٢) ﴿٤٧٢﴾
(وقال) مالك: وأنا أرى ذلك واسعاً إذا أقمت الصلاة وبعد أن يحرم الإمام ولم يجد المرء مدخلا إلى المسجد إلا بين الصفوف. قال أبو عمر: هذا مع الترجمة يقتضى أن الرخصة عنده لمن لم يجد من ذلك بدا. وغيره لا يرى بذلك بأسا لحديث ابن عباس وللآثار الدالة على إن سترة الإمام
стр. 844
سترة لمن خلفه وهو الظاهر (١) وعليه يجوز المرور أمام الصف الأول وخلف الإمام، لأنّ الإمام حائل بين المأموم وسترته. وعلى أن الإمام سترة المأموم يحرم المرور أمام الإمام وبينه وبين الصف الذى خلفه لأنه مرور بين المصلى وسترته. أما غير الصف الأول فيجوز المرور أمامه اتفاقا لأنه وإن كان مروراً بين المصلى وسترته - لأن الإمام سترة للصفوف كلهم - إلا أنه قد صار بينهما حائل وهو الصف الأول فالإمام سترة لمن يليه حسا وحكما ولمن بينه وبينه فاصل حكما لا حسا. والممتنع فيه الأول لا الثانى (٢).
ثم الكلام هنا فى سبعة فروع:
(أ) مقدار السترة: ينبغى أن يكون ارتفاعها كذراع. وعرضها لا حدّ له، فيكفى الغليظ والدقيق عند الحنفيين (٣) والشافعى وأحمد (لقول) عائشة: " سئل النبى ﷺ عن سُترة المصلى فقال مثل مُؤْخِرة الرجل " أخرجه مسلم (٤) ﴿٤٧٣﴾
والمؤخرة ارتفاعها ذراع.
(وحديث) سبرة بن معبد أنّ النبى ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم فليسِتّرْ لصلاته ولو بسهْم" أخرجه أحمد والطبرانى بسند صحيح (٥) ﴿٤٧٤﴾
стр. 845
(وقالت) المالكية: يلزم أن تكون السترة طول الذراع وغلظ الرمح لحديث أبى جُحَيفة السابق (١). ورد بأنه لا يدل على ذلك، فإنْ الاستتار بالعنزة وهى الرمح لا ينافى جوازه بأدق منه كالسهم.
(ب) يستحب أن تكون السترة عن يمين المصلى أو يساره، وهذا هو الأولى عند الشافعية، وأن يقرب منها على نحو ثلاثة أذرع من ابتداء قدميه (لحديث) بلال أنّ النبى ﷺ دخل الكعبة فترك عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة أعمدة خلفَه، ثم صلى وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع " أخرجه أحمد والبخارى والنسائى (٢) ﴿٤٧٥﴾
(ولا ينافيه) حديث سهل بن سعد قال: " كان بين مقام النبى ﷺ وبين القبلة ممر عنْز " أخرجه الشيخان وأبو داود (٣) ﴿٤٧٦﴾
" لأن هذا " محمول على حالة السجود، وحديث بلال محمول على حالة القيام (والحكمة) فى اتخاذ السترة، كف البصر عما وراءها، ومنه من يمرّ أمام المصلى.
(ج) إذا تعذر إقامة السترة وتثبيتها بالأرض لصلابتها، وضعها بين يديه عرضا عند أحمد، وروى عن أبى يوسف أنها توضع طولا كأنها غرزت ثم سقطت. وإن لم يجد ما ينصبه سترة أو يضعه أمامه فليخط بالأرض خطا عند أحمد وأكثر الشافعية وبعض الحنفيين وهو قول الشافعى فى القديم.
стр. 846
(لحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " إذا صلى أحدُكم فليجعلْ تِلْقاءَ وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينِصبْ عصا، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطا، ثم ل يضرّه ما مر أمامهَ " أخرجه أحمد وابن حبان وصححاه، وأبو داود وابن ماجه والبيهقى (١) ﴿٤٧٧﴾
(واختلفوا) فى كيفية الخط (فقال) أحمد: يكون معترضاً أمام المصلى مقوّساً كالهلال فى انعطاف طرفيه. واختار بعض الحنفيين أن يكون مستقيما من بيد يدى المصلى إلى القبلة (قال) أبو داود: وسمعت أحمد يعنى ابن حنبل سئل عن وصْف الخط، فقال هكذا عرْضا مثلّ الهلال. قال أبو داود: وسمعتُ مسدَّدا قال: قال ابنُ داود الخّط بالطول (٢).
(وقالت) الشافعية: يكون عرضا بلا انعطاف (وقالت) المالكية والشافعى فى الجديد وبعض الحنفيين: لابد من وضع الساتر منصوبا. ولا يكفى وضعه على الأرض ولا الخط، لأنّ الغرض من السترة الإعلام بأنه فى صلاة وهذا لا يحصل بما ذكر (وأجابوا) عن الحديث بأنه مضطرب وقد ضعفه ابن عيينة والبغوى والشافعى (وتعقب) بتصحيح الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما له كما تقدم (قال) الحافظ: ولم يصب من زعم أنه مضطرب بل هو حسن (٣). ولذا قال ابن الهمام: واختار المصنف الأول (يعنى عدم كفاية الخط فى السترة إذ لا يظهر من بعيد) والسنة أولى بالاتباع
стр. 847
مع أنه يظهر فى الجملة إِذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كى لا ينتشر (١) وإذا لم يجد شاخصاً بسط مصلاه.
هذا. ويستحب - عند غير الشافعى - فى السترة الترتيب على مافى الحديث، فتكون بالحائط ونحوه ثم العصا ثم الخط. وقاس بعضهم فرش المصلِّى على الخط، فقال: نهاية فرشه يعتبر سترة، بل هو أولى من الخط، لأنه أظهر فى الإعلام بأنه فى صلاة، لكن محله ما لم يطل الفرش جدا، وإلا فلا يعتبر سترة (وقالت) الشافعية: الترتيب المذكور واجب، غير أنهم قالوا بتقديم فرش المصلى من سجادة وعباءة ونحوهما على الخط بالأرض.
(د) يجوز - عند الحنفيين وأحمد - الاستتار بالحيوان إذا كان مستقرا. وكذا يجوز عند احمد الصلاة إلى آدمى ولو امرأة أجنبية أو نائمة (لحديث) ابن عمر أنّ النبى ﷺ كان يصلى على بعيره. أخرجه مسلم وأبو داود (٢) ﴿٤٧٨﴾
(ولقول) على رضى الله عنه: " كان رسول الله ﷺ يُسبِّح من الليل وعائشة معتِرضة بينه وبين القبلة " أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٤٧٩﴾
(وقال) الحنفيون: يكره تحريماً الصلاة إلى إنسان وإلى امرأة أجنبية ومجنون ومأبون (وقالت) المالكية: يجوز الاستتار بظهر الرجل وبحيوان
стр. 848
مأكول اللحم إن كان مربوطا، وإلا كره كما يكره الاستتار بغير مأكول اللحم مطلقاً وبوجه الرجل وبالمخنث والمأبون وبالمرأة الأجنبية وكذا بالنائم خشية ما يبدو منه مما يلهى المصلى عن صلاته (لحديث) ابن عباس أنّ البنى ﷺ قال: " لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدِّث " أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقى (١) ﴿٤٨٠﴾
(وأجاب) عنه الحنبلية بأنه معارض بحديث عائشة الصحيح وهذا ضعيف باتفاق الحفاظ (٢) (قال) الخطابى: هذا الحديث لا يصح لضعف سنده.
(وقال) أبو داود: طرقه كلها واهية (وأجاب) الحنفيون ومالك بأنه قد روى من عدة طرق يقوّى بعضها بعضا (روى) ابن عباس أنّ النبى ﷺ قال: " نُهيتُ أن أصلَى خلف النائم والمتحدِّث " أخرجه البزار. وروى ابن عدى نحوه عن ابن عمر، والطبرانى فى الأوسط نحوه عن أبى هريرة (٣) ﴿٤٨١﴾
ولذا قال بكراهة الصلاة خلف المتحدث ابن مسعود وسعيد بن جُبير وأحمد ومالك والشافعى. ولضعف الحديث ضعفا قويا (قال) الثورى والأوزاعى: يجوز الاستتار بالنائم وهو الراجح. ومحل الخلاف إذا لم يؤدّ إلى اشتغال المصلى عن صلاته وذهاب خشوعه، وإلا فلا خلاف فى الكراهة.
(وقال) الشافعى لا يجوز الاستتار بامرأة ولا دابة (قال) النووى:
стр. 849
أما قوله فى المرأة فظاهر، لأنه ربما شغلت ذهنه. وأما الدابة فقد روى ابن عمر أنّ النبى ﷺ كلن يُعرِّض راحلته فيصلى إليها. أخرجه الشيخان (١) ﴿٤٨٢﴾
ولعل الشافعى ﵀ لم يبلغه هذا الحديث، وهو حديث صحيح لا معارض له. فتعين العمل به ولا سيما وقد أوصانا الشافعى بأنه إذا صح الحديث فهو مذهبه (٢)
ومنه تعلم ردّ القول بكراهة الاستتار بالحيوان مطلقا، ويرده أحاديث (منها) قول الفضل بن عباس: " زاد النبى ﷺ عبّاساً فى بادية لنا ولنا كلَيبةٌ وحِمارةٌ تَرعى فصلى النبى ﷺ العصرَ وهما بين يديه، فلم تؤخَّرا ولم تُزجرا " أخرجه أحمد والبيهقى وأبو داود بسند جيد (٣) ﴿٤٨٣﴾
(وأما حديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " يقطع الصلاةَ المرأةُ والكلبُ والحمار " أخرجه أحمد وابن ماجه، وكذا مسلم وزاد: وبقى ذلك مثلُ مُؤْخِرِة الرجْلِ (٤) ﴿٤٨٤﴾
(فالمراد) بقطع الصلاة فيه قطعها عن الخشوع والتذكر، للشغل بتلك الأشياء والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة (قال) النووى: وهذا أصح
стр. 850
الأجوبة وأحسنها، أجاب به الشافعى والخطابى والمحققون من الفقهاء والمحدثين.
(هـ) يحرم - عند مالك وأحمد والجمهور - المرور بلا عذر بين يدى المصلى ولو لم يتخذ سترة فى الفرض والنفل (لحديث) أبى النضر بسنده إلى أبى جُهَيم أنّ النبى ﷺ قال: " لو يعلم المارّ بين يدى المصلى ماذا عليه لكان أن يقِفَ أربعين خيراً من أن يمُرّ بين يديه قال أبو النضر لا أدرى قال أربعين يوما أو شهرا أو سنة؟ " أخرجه الستة وقال الترمذى: حسن صحيح (١) ﴿٤٨٥﴾
وذكر الأربعين لا مفهوم له بل الغرض المبالغة فى تعظيم الأمر (روى) أبو هريرة أنّ النبى ﷺ قال: " لو يعلم أحدُكم ماله فى أن يَمشِىَ بيد يدى أخيه مُعترِضاً وهو يناجى ربه لكان أنْ يقفَ فى ذلك المقام مائة عامٍ أحبَّ إليه من أن يخطُوَ " أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان (٢) ﴿٤٨٦﴾
(وفى الحديثين) إبهامْ ماَعَلَى المارِّ بين يدى المصلى من الإثم زجرا له وقد ورد فى التنفير من ذلك عدة أحاديث (وقال) الحنفيون: إن اتخذ سترة يكره تحريماً المرور بينه وبينها. وإن لم يتخذ سترة يكره المرور فى موضع سجوده فقط فى الأصح، للأحاديث السابقة (وقالت) الشافعية: من لم يتخذ سترة لا يحرم ولا يكره المرور بين يديه ولكنه خلاف الأولى.
стр. 851
هذا. وقد اختلفوا فى تحديد المكان الذى يمنه المرور فيه أمام المصلى (فقال) الحنفيون: إن كا يصلى فى مسجد كبير أو فى الصحراء كره المرور بين يديه من موضع قدمه إلى موضع سجوده. وإن كان فى مسجد صغير " أربعين ذراعا فأقل " كره المرور من موضع قدمه إلى حائط القبلة. والأصح أنه إن كان بحال لو صلى صلاة الخاشعين جاعلا بصره حال قيامه فى موضع سجوده لا يقع بصره على المار لا يكره مروره واختاره فخر الإسلام وصاحب النهاية قال الكمال: والذى يظهر ترجيح ما اختاره فى النهاية وكونه من غير تفصيل بين المسجد وغيره فإن المؤثم المرور بين يديه وكون ذلك البيت برمته اعتبر بقعة واحد فى حق بعض الأحكام لا يستلزم تغيير الأمر الحسى من المرور من بعيد فيجعل البعيد قريبا (١).
(وقالت) المالكية: إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبينها، وإن صلى لغير سترة حرم المرور فى موضع ركوعه وسجوده فقط (وقالت) الشافعية: إن اتخذ سترة يحرم المرور أمامه فى ثلاثة أذرع فأقل (وقالت) الحنبلية: إن اتخذ سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت. وإن لم يتخذها حرم المرور فى ثلاثة أذرع ابتداء من قدمه. وإن احتاج أحد إلى المرور ألقى شيئا أما المصلى ثم مر من ورائه.
(فائدة) للمرور بين يدى المصلى أربع صور: (الأولى) أن يكون للمار مندوحة عن المرور أمامه ولم يتعرّض المصلى فى طريق المارة، فالإثم على المار اتفاقا (الثانية) أن يتعرّض المصلى بصلاته فى مكان المرور وليس للمار مندوحة فيأثم المصلى عند غير الحنبلية، لتعرضه لا بترك السترة،
стр. 852
فإن اتخاذها ليس واجبا. ولذا قالت الحنبلية لا إثم عليه (الثالثة) أن يتعرّض المصلى وللمار مندوحة، فيأثمان جميعا عند المالكية والحنفية، لتفريط كل منهما (وقالت) الحنبلية: يأثم المار دون المصلى لعدم لزوم اتخاذ السترة (وقالت) الشافعية: لا إثم على المار لعدم اتخاذ السترة، ويكره تعرّض المصلى بصلاته فى موضع يحتاج للمرور فيه.
(الرابعة) ألا يتعرّض المصلى ولا مندوجة للمار، فلا إثم عليهما اتفاقا، كما لا إثم على من دخل المسجد فوجد فرجة فى الصف الأمامى فمرّ أمام الصف الخلفى وسدّ الفرجة لتقصيرهم بتركها.
(و) يندب - عند الجمهور - للمصلى لسترة أن يدفع المار أمامه آدميا أو بهيمة ما استطاع (لحديث) أبى سعيد الخدرى أنّ النبى ﷺ قال: " إذا صلى أحدُكم إلى شئ يْستُره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فلْيدفعه فإن أبى فلْيقاتِلْه فإنما هو شيطان " أخرجه الشيخان والنسائى وأبو داود (١) ﴿٤٨٧﴾
فقد دل على أنه لا يجوز دفع المار إلا لمن اتخذ سترة، ومثله من صلى فى مكان يأمن فيه المرور بين يديه. أما من لم يتخذ سترة أو اتخذها وتباعد عنها فلا يجب عليه دفع المار لتقصيره، ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه لكن يكره.
стр. 853
وظاهر الأمر وجوب الدفع وبه قال أهل الظاهر وحمله الجمهور على الندب.
والدفع يكون باليد إن كان قريبا منه، وبالإشارة أو التسبيح للبعيد، وليس له الانتقال من موضعه انتقالا يؤدى إلى بطلان الصلاة وفى قوله: " فإن أبى فليقاتله " دليل على انه يطلب الدفع أوّلا بالأسهل ثم ينتقل إلى الأشد فالأشد، وإن أدّى إلى قتله فلا شئ عليه عند الجمهور.
قال القاضى عياض: وأجمعوا على أنه لا يلزم مقاتله بالسلاح ولا بما يؤدى إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهالك فلا قَوَدَ عليه اتفاقا (١) وكذا لادية له عند الحنفيين والشافعة وأحمد وهو قول لمالك.
هذا. ويطلب دفع المار ولو صبيا وإذا مرّ لا يردّه ثانيا لئلا يصير مروا ثانيا (لقول) أم سلمة رضى الله عنها: " كان النبى ﷺ يصلى فى حجرة أم سلمةَ فمرّ بين يديه عبد الله أو عمر بن أبى سلمة، فقال بيده فرجع، فمرّت زينب بنت أمِّ سلمة فقال بيده هكذا فمضتْ. فلما صلى رسول الله ﷺ قال: هنّ أغلبُ " أخرجه أحمد وابن ماجه بسند فيه مجهول (٢) ﴿٤٨٨﴾
(فائدة) هل الحكمة فى دفع المار أمام المصلى جبرُ خلل يقع فى صلاته أم لدفع الإثم عن المار؟ الأظهر الأول (لقول) ابن مسعود رضى الله عنه إن المرور بين يدى المصلى يقطعُ نصف صلاته. أخرجه ابن أبى شيبة (٣)
стр. 854
(ولقول) عمر: لو يعلم المصلى ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه لما صلى إلا إلى شئ يستره من الناس. أخرجه أبو نعيم (١). فهذان الأثران يدلان على أن الدفع لجبر خلل يقع فى صلاة المصلى. وهما وإن كانا موقوفين فهما فى حكم المرفوع، لأن مثلهما لا يقال من قبل الرأى (٢).
(قال) القاضى عياض: ينبغى أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله. أما إذا لم يمكنه فصلاته تامة، لأنه لم يوجد منه ما ينقصها ولا يؤثر فيها ذنب غيره أهـ.
(ز) ترك السترة: ما تقدم من طلب اتخاذ السترة إنما هو فى غير الحرم المالكى. أما هو فيجوز فيه ترك اتخاذ السترة عند أحمد. وحينئذ يجوز المرور أمام المصلى وإن اتخذ سترة (لقول) المطلب بن أبى وَدَاعة السهمى: " رأيت رسول الله ﷺ حين فرغ من سُبْعه جاء حاشيةَ المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطَّوَّافين أحد " أخرجه النسائى وابن ماجه وقال: هذا بمكة خاصة (٣) ﴿٤٨٩﴾
(ولقول) ابن عباس رضى الله عنهما: أقبلت راكباً على أتانٍ وأنا يومئذ قد ناهزتُ الاحتلام ورسولُ الله ﷺ يصلى بالناس بمنى إلى غير جَدار فنزلت فأرسلت الأتان ترتَع ودخلت فى الصف فلم يُنْكر ذلك أحد (٤). ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك فجرى مجرى مكه فى ذلك.
стр. 855
(وقال) الحنفيون: يجوز المرور أمام المصلى فى المسجد الحرام حول المطاف وداخل الكعبة وخلف مقام إبراهيم (وقالت) المالكية: يجوز للطائف المرور أمام مصل لم يتخذ سترة، ويكره المرور أمامه إذا اتخذ سترة وكان للطائف مندوحة. وأما مرور غير الطائف أمام المصلى فى المسجد الحرام فحكمه حكم مروره أمام المصلى فى غيره على التفصيل السابق.
(وقالت) الشافعية: يباح للطائف المرور أمام المصلى مطلقاً لما تقدّمن.
(والحكمة) فى الترخيص فى ترك السترة بالمسجد الحرام ازدحام الناس فيه وكثرة الطائفين به، فلو منع المرور بين يدى المصلى لكان فيه حرج ومشقة وقد قال الله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١).
(١١) ويسنّ للمصلى إذا سلم من صلاته أن يستغفر الله ثلاثا ويقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ ياذا الجلال والإكرام، اللهم أعِنّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. ويقرأ آية الكرسىّ، وقل هو الله أحد، والمعوذتين. ويقول سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير. ثم يدعو بما شاء من خيرى الدنيا والآخرة. والدعاء بالمأثوم أحب. وقد ورد فى ذلك أحاديث (منها) حديث ثوبان مولى النبى ﷺ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا
стр. 856
وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام " أخرجه السبعة إلا البخارى وصححه الترمذى (١). ﴿٤٩٠﴾
(وحديث) معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ فال له: " أوصيك يا معاذ لا تدعن دُبُرَ كل كللاةٍ أن تقول: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسْنِ عبادتك " أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢) ﴿٤٩١﴾
ولظاهر النهى قالت الظاهرية بوجوب هذه الكلمات دبر كل صلاة. والجمهور على أنه نهى إرشاد (وحديث) الحسن بن على رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: " من قرأ آية الكرسىّ فى دبُر الصلاة المكتوبة كان فى ذمة الله إلى الصلاة الأخرى " أخرجه الطبرانى بسند حسن (٣). ﴿٤٩٢﴾
стр. 857
(وحديث) عقبة بن عامر قال: " أمرنى رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوِّذات دبر كل صلاة" أخرجه أحمد والثلاثة (١). ﴿٤٩٣﴾
стр. 858
(وحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " مَن سبّح الله دبُر كلِّ صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمِد الله ثلاثا وثلاثين، وكبّر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون ثم قال تمام المائة لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير غفرت خطاياه وإن كانت مِثلَ زبَد البحر " أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿٤٩٤﴾
стр. 859
(وحديث) سُمَىّ عن أبى صالح عن أبى هريرة أن فقراء المهاجرين أتَوا رسول الله ﷺ فقالوا: " ذهب أهل الدُّثور بالدرجات العلا والنعيم المقيم. قال وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلى، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويَعتقون ولا نَعتقُ، فقال رسول الله ﷺ : أفلا أُعلِّمُكم شيئا تَدركون به من سبقكم وتَسبِقون بع من بعدكم، ولا يكون أحد أفضلَ منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال تُسبَّحون وتكبِّرون وتحمَدون دبُر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة، فرجع فقراءُ المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلْنا ففعلوا مثلَه فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضْلُ الله يؤتيه م يشاء. قال سُمىّ: فحدّثتُ بعضَ أهلى بهذا الحديث فقال: وِهمْتَ إنا قال تُسبِّح ثلاثا وثلاثين، وتحمَد ثلاثا وثلاثين، وتكبر أربعا وثلاثين، فرجعتُ إلى أبى صالح فقلتُ له ذلك، فأخذ بيدى فقال / اللهُ أكبر وسبحان الله والحمد لله. الله أكبر وسبحان الله والحمد لله حتى تبلغ من جميعهنّ ثلاثا وثلاثين " أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم (١) ﴿٤٩٥﴾
(وروى) سُهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنهم قالوا: " يا رسول الله ذهب أهل الدثور بمثل الحديث
стр. 860
السابق. وزاد فى الحديث: يقول سهيل إحدى عشرة إحدى عشرة فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون. أخرجه مسلم (١) ﴿٤٩٦﴾
(وحديث) محمد بن أبى عائشة عن أبى هريرة أنه حدّثهم أن أباذرّ قال: يا رسول الله ذهب فُضول أموالهم يتصدّقون بها، وليس لنا ما نتصدّق به. فقال ﷺ : أفلا أدُلّك على كلمات إذا عِلمت بهن أدركت من سبقك، ولا يلْحَقُك إلا من أخذ بمثل عملك؟ قلت بلى يا رسول الله.
قال: تَكبِّر دبَر كلِّ صلاة ثلاثا وثلاثين وتُسبِّح ثلاثا وثلاثين، وتَحْمَد ثلاثا وثلاثين، وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير " أخرجه أحمد وأبو داود والدارمى وفى رواية:
تسبح الله خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمَد ثلاثا وثلاثين، وتكبر أربعا وثلاثين (٢) ﴿٤٩٧﴾
فينبغى العلم بإحدى الروايتين تارة وبالأخرى تارة جمعا بينهما.
(وقول) زيد بن ثابت: " أُمِرنْا أن نُسبِّح فى دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ونَحمَد ثلاثا وثلاثين، ونكبِّر أربعا وثلاثين. فأُتَىِ رجل فى النام من الأنصار فقيل له: أمرَكم رسول الله ﷺ أن تسبِّحوا فى دبُر كلِّ صلاة كذا وكذا؟ قال الأنصارى فى منامه: نعم. قال: فاجعلوها خمسا وعشرين خمسا وعشرين واجعلوا فيها التهليل. فلما أصبح غداً على النبى ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ فافعلوا" أخرجه أحمد
стр. 861
والنسائى والدارمى وهو حديث صحيح (١) ﴿٤٩٨﴾
(وحديث) عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ رسول الله ﷺ قال: " خَلّتان مَنْ حافظ عليهما أدخلَتاه الجنة، وهما يسير ومن يعمل بهما قليل. قالوا وما هما يا رسول الله؟ قال أن تحمَد الله وتكبره وتسبحه فى دبُر كلِّ صلاة مكتوبة عشراً عشرا، وإذا أتيتَ إلى مضجعك تسبِّح الله وتكبره وتحمُده مائةَ مرة، فتلك خمسون ومائتان باللسان، وألفان وخمسمائة فى الميزان، فأيُّكم يعلم فى اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة " (الحديث) وفيه: ورأيت رسول الله ﷺ يعقدهنّ بيده. أخرجه أحمد والنسائى بسند صحيح (٢) ﴿٤٩٩﴾
فعلم من هذه الروايات أن التسبيح عقب الصلوات وارد على أعداد مختلفة، فأى عدد منها عمل به الإنسان فقد وافق الوارد. وأكثرها وأقواها رواية التسبيح ثلاثا وثلاثين والتحميد والتكبير كذلك. فالعمل بها أولى. وأخذ من هذه الروايات أنّ مراعاة العدد المخصوص فى الأذكار عقب الصلوات معتبرة، فلا يتعدّاها الذاكر وإلا حرم ثوابها (قال) الحافظ: قد كان بعض العلماء يقول: إنّ الأعداد الواردة فى الذكر عقب الصلوات إذا رُتِّب عليها ثواب مخصوص فزاد الآتى بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد. ثم قال: وقد بالغ القرافى فى القواعد
стр. 862
فقال: من البدع المكروهة الزيادة فى المندوبات المحدودة شرعا، لأن شأن العظماء إذا حدوا شيئا أحبوا أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئا للآداب أهـ.
وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون مثلا فيه أوقية سكر فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، ول اقتصر على الأوقية فى الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع أهـ (١). ويمثل أيضا بأسنان المفتاح إذا زيد فيها أو نقص منها لا تفتح، فكذلك العدد المذكور إذا زيد فيه أو نقص لا يحصل الثواب الموعود به، فعليك بالاتباع، واترك الاختراع والنزاع.
(فائدة) يجوز عدّ هذه الأذكار ونحوها بالأصابع أو النوى أو السبحة أو غيرها (لقول) ابن عمرو: "رأيت رسول الله ﷺ يعقِد التسبيح بيمينه " أخرجه الثلاثة والحاكم وصححه، والترمذى وحسنه (٢) ﴿٥٠٠﴾
(ولحديث) سعد بن أبى وقاص أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نوًى أو حصًى تسبح به فقال: أخْبرِك بما هو أيْسرُ عليك من هذا أو أفضل. فقال: سبحان الله عدد ما خلق فى السماء وسبحان الله عدد ما خلَق فى الأرض وسبحان الله عدد ما خلق فى السماء وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا إله إلا الله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك " أخرجه الثلاثة وابن حبان والحاكم وصححه الذهبى، وقال الترمذى حسن غريب (٣) ﴿٥٠١﴾
стр. 863
وفى هذا دلالة على أنّ الذكر يتضاعف ويتعدّد بتعدّد ما أحال الذاكر على عدده وإن لم يتكرر الذكر فى نفسه، فيحصل مثلا لمن قال مرة واحدة: سبحان الله عدد كل شئ من التسبيح ما لا يحصل لمن كرر التسبيح ليالى وأياما بدون الإحالة على عدد. وهذا مما يشكل على القائلين إن الثواب على قدر المشقة المنكرين للتفضيل الثابت بصريح الأدلة (وقد) أجابوا عن هذا الحديث ونحوه كقوله ﷺ : " من فطِّر صائما كان له مثل اجره ". و " من عزِّى مصابا كان له مثل أجره " بأجوبة " متعسفة متكلفة (١) (وفيه) دلالة على جواز عدّ الذكر بالنوى والحصى. وكذا بالسبحة إذ لا فارق، لتقريره ﷺ إياه وعدم إنكاره. وقد قال النبى ﷺ : " نعم المذكّرُ السُبحة " أخرجه الدليمى فى مسند الفردوس عن علىّ (٢) ﴿٥٠٢﴾
(وعن) أ [ى سعيد الخدرى أنه كان يسبح بالحصى (وعن) أبى هريرة أنه كان معه كيس فيه حصى أو نوى فيسبح به حتى ينفدّ. أخرجهما ابن أبى شيبة (٣). وقد ذكر السيوطى آثاراً أخرى فى رسالة " المنحة فى السبحة " ثم قال: ولم ينقل عن أحد من السلف ولا من الخلف المنع من جواز عدّ الذكر بالسُّبحة بل كان أكثرهم يعدونه بها ولا يرون ذلك مكروها (٤).
ومحل جواز اتخاذ السبحة للذكر ما لم يترتب عليه رياء أو سمعة وإلا منع، كا يمنع وضعها فى العنق كما يفعله بعض الجهلة، ووضعها فى اليد وإدارتها
стр. 864
من غير ذكر (وقد) سئل العلامة الشيخ على العدَوى عن اتخاذ السبح (فأجاب) بأن اتخاذ سبحة من السبح المعتادة التى لا يحصل بها شهرة، وبعد اتخاذها على هذا الوجه لا يضعها فى رقبته أو نحوها مما يفيد أن حاملها من المتصوفة، فيؤول أمره إلى الرياء المحرم بالإجماع. ويحذر أيضاً مما يفعله بعض الناس من كونه يتكلم مع الناس فى اللهو واللعب، ويدير السبحة من أولها إلى آخرها ويوهم أنه يسبح فى تلك الحالة. والحاصل أنه إذا تعاطى السبحة على الوجه المعتاد يتباعد عن الأمور المقتضية للشهرة والعجب والرياء لأن ذلك كله محبط للعمل أهـ.
(خاتمة) وهناك أدعية أخرى رواه عقب الصلاة:
(١) ما فى حديث أبى بكرة أنّ النبى ﷺ كان يقول دبُر كل صلاة: " اللهم عافنى فى بدنى اللهم عافنى فى سمعى اللهم عافنى فى بصرى اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت " أخرجه أبو داود والحاكم وصححه السيوطى (١) ﴿٥٠٣﴾
(٢) وما فى حديث عبد الله بن الزبير قال: " كان رسول الله ﷺ إذا سلم فى دبُر الصلاة أو الصلوات يقول: لا إله إلا الله وحده ل شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبدُ إلا إياه، أهلَ النعمِة والفضِل والثناءِ الحسن، لا إله إلا الله
стр. 865
مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " أخرجه الشافعى وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائى (١) ﴿٥٠٥﴾
(٤) وما فى حديث أنس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا قضى صلاته مسح جبهته بيده اليمنى ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم اللهم أذهب عنى الهم والحزن " أخرجه ابن السنى، وكذا الطبرانى عن أنس أن النبى ﷺ كان إذا صلى وفرغ من صلاته مسح بيمينه على رأسه وقال: باسم الله الذى لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، اللهم أذهب عنى الهم والحزن. وفيه زيد العمىّ وثقه غير واحد وضعفه الجمهور (٢) ﴿٥٠٦﴾
(٥) وما فى حديث الحارث بن مسلم التميمى قل: " قال لى النبى ﷺ : إذا صليت الصبح فقل قبل أن تتلكم اللهم أجِرْنى من النار سبع
стр. 866
مرات فإنك إن مُتّ من يومك ذلك الكتب الله لك جِواراً من النار. وإذا صليت المغرب فقل قبل أن تتكلم: اللهم إنى أسألك الجنة اللهم أجِرنْى من النار سبعْ مرات فإنك إن مُتّ من ليلتك تلك كَتب الله لك جِواراً من النار " أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى بسند جيد (١) ﴿٥٠٧﴾
(٦) وما فى حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعرى أنّ النبى ﷺ قال: " من قال قبل أن ينصرف ويَثنَى رجله من صلاة المغرب والصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير، يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير عشر مرات كُتب له بكل واحدة عشر حسنات، ومُحِيتْ عنه عشر سيئات، ورفُعِ له عشر درجات، وكانت له حِرزاً من كل مكروه، وحِرزاً من الشيطان الرجيم، ولم يحِلّ لذنْب أن يدركه إلا الشرك، فكان من أفضل الناس عملا إلا رجلا يفُضلُه يقول أفضل مما قال " أخرجه أحمد والطبرانى فى الأوسط والترمذى بسند صحيح خلا شهر بن حوشب فإنه مختلف فيه. ضعفه بعضهم ووثقه البعض وحديثه حسن (٢) ﴿٥٠٨﴾
(٧) وما فى حديث أم سلمة أن فاطمة جاءت إلى نبى الله ﷺ
стр. 867
تشتكى إليه الخِدمة فقالت: يا رسول الله والله لقد مجِلَتْ يدِى من الرحى أطَحن مرة وأعجِن مرة. فقال لها رسول الله ﷺ : إن يرزقكِ الله شيئاً يأتِك، وسأدلك على خيرٍ من ذلك: إذا لزِمْتِ مضجعك فسبّحى الله ثلاثاً وثلاثين وكبِّرى ثلاثاً وثلاثين واحَمدىِ أربعاً وثلاثين، فذلك مائة، فهو خير لك من الخادم. وإذا صلّيت صلاةَ الصبح فقولى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شئ قدير عشر مرات بعد صلاة الصبح، وعشر مرات بعد صلاة المغرب فإن كل واحدة منهن تُكتَب عشر حسنات، وتَحُط عشر سيئات، وكل واحدة منهن كعتق رقبة من ولد إسماعيل، ولا يحل لذنب كُسِبَ ذلك اليوم أن يدركه إلا أن يكون الشرك. لاإله إلا الله وحده لا شريك له وهو حَرَسُكِ - ما بين أن تقوليه غُدْوَة إلى أن تقوليه عَشِيَّةً - من كل شيطان ومن كل سوء " أخرجه أحمد والطبرانى بسند حسن (١) ﴿٥٠٩﴾
(٨) وما فى حديث أبى أُمامة أنّ رسول الله ﷺ قال: " من قال دبُر كل صلاة الغداة: لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيى ويميت بيده الخير، وهو على كل شئ قديرٌ مائة مرة قبل أن يَثنى رجليه، كان يؤمئذ من أفضل أهل الأرض عملا إلا من قال مثل ما قال أو زاد على ما قال " أخرجه الطبرانى فى الكبير والوسط ورجال الأوسط ثقات (٢) ﴿٥١٠﴾
стр. 868
(٩) وما فى حديث علىّ أن النبى ﷺ كان إذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم اغفر لى ما قدمتُ وما أخرتُ وما أسررت وما أعلنت وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت " أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة وصححه الترمذى (١) ﴿٥١١﴾
(١٠) وما فى حديث شداد بن أسو قال: " كان رسولُ الله ﷺ يعلِّمنا كلماتٍ ندعو بهنّ فى صلاتنا أو قال فى دبُر صلاتنا اللهم إن أسألك الثبات فى الأمر وأسألك عزيمة الرُّشد وأسألك شكر نعمتِك وحسنَ عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا، وأستغفرك لما لا أعلم وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم " أخرجه أحمد والنسائى والترمذى (٢) ﴿٥١٢﴾
فينبغى للعاقل أن يحرص ويحافظ على هذه الأذكار ليكون بها فى حرم منيع وحصن حصين لا يستحله الشيطان ولا يهتك حرمته ولا يبقى للذنب معها أثر (وليحذر) مما يفعله بعض الجهلة من قراءة الفاتحة بعد الصلاة بنية كذا لعدم وروده (قال) الصنعانى: وأما قراءة الفاتحة بينه كذا وبنية كذا كما يفعل الآن، فلم يرد بها دليل بل هى بدعة (وأما) الصلاة على النبى صلى الله علهي وسلم بعد تمام التسبيح وأخويه ن الثناء، فالدعاء بعد الذكر سنة، والصلاة عليه ﷺ أمام الدعاء كذلك سنة أهـ (٣).
стр. 869
(فوائد) الأولى: هذه الأذكار والأدعية بعد الصلاة مستحبة لكل مصل اتفاقا. ويسنّ استقبال القبلة حالها، لعموم حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " إن لكل شئ سيدا، وسيد المجالس قبالة القبلة " أخرجه الطبرانى فى الكبير بسند حسن (١) ﴿٥١٣﴾
وقد استقبل ﷺ القبلة حال الدعاء فى غير موطن كدعاء الاستسقاء ويوم بدر. ووجهه أنّ الدعاء عبادة والقبلة هى الجهة التى يتوجه إليها العابدون والعابدات. ومنه تعلم ما فى قول الصنعاتى: ودعاء الإمام مستقبل القبلة مستدبراً للمأمومين فلم تأت به سنة، بل الذى ورد أنه ﷺ كان يستقبل المأمومين إذا سلم (قال) سمرة بن جندب: " كان النبى ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه " أخرجه البخارى (٢) ﴿٥١٤﴾
وظاهرة المداومة على ذلك أهـ (٣). ولا دليل فى هذا الحديث على ما ادعاه، لأن غاية ما فيه أنه ﷺ كان بعد السلام يقبل على المأمومين، وهو لا يقتضى أنه كان يستمر مستدبراً القبلة حال الذكر والدعاء.
(الثانية) يطلب الإسرار بالذكر بعد الصلاة إلا الإمام يريد تعليم القوم فيجهر لحاجة التعليم فقط. وعليه يحمل (قول) ابن عباس: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبى ﷺ وقال: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته " أخرجه السبعة (٤) ﴿٥١٥﴾
стр. 870
(وحديث) ابن الزبير رضى الله عنهما قال: " كان رسول الله ﷺ إذا سلَم من صلاته يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله. ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " أخرجه الشافعى (١).
وقال فى الأم بعد هذين الحديثين: وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد الانصراف من الصلاة ويخفيان الذكر إلا أن يكون إماما يحب أن يُتعَلم منه فيجهر حتى يرَى أنه قد تُعِلِّم منه ثم يُسِرّ، فإن الله يقول: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا (٢)﴾ يعنى الدعاء (ولا تجهر) ترفع (ولا تخافت) حتى لا تُسمع نفسك. وأحسب ما روى ابن الزبير من تهليل النبى ﷺ (وما روى) ابن عباس من تكبيره كما روينا، وأحسبه إنما جهر قليلا ليتعلم النسا مه، وذلك لأن عامة الروايات التى كتبناها مع هذا وغيرها، ليس يُذكر فيها بعد التسليم تهليل ولا تكبير. وقد ذكرتْ أم سلمة مكثه ولم تذكر جهرا. وأحسبه لم يمكث إلا ليذكر ذكراً غير جهر قال: وأسحتب للمصلى منفرداً وللمأموم أن يطيل الذكر بعد الصلاة ويكثر الدعاء رجاء الإجابة بعد المكتوبة (٣).
(وقال) النووى: واحتج البيهقى وغيره لتفسيره الآية بحديث عائشة رضى الله عنها قالت فى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾
стр. 871
نزلت فى الدعاء. أخرجه الشيخان (١). وهكذا قال أصحابنا إن الذكر والدعاء بعد الصلاة يستحب أن يسر بهما إلا أن يكونإماما يريد تعليم الناس فيجهر ليتعلموا، فإذا تعلموا أسرها. واحتج البيهقى وغيره على الإسرار بحيث أبى موسى الأشعرى قال: " كنا مع النبى ﷺ وكنا إذا أشْرَفنا على واد هللَّنا وكبّرنا وارتفعت أصواتُنا. فقال النبى ﷺ : أيها الناس اربَعوا على أنفسِكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا، إنه معكم سميع قريب " أخرجه الشيخان (٢) ﴿٥١٦﴾
ومنه تعلم " أن ما عليه " غالب الناس اليوم من رفعهم الصوت بالاستغفار وبعض الأذكار على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة " أمر محدث " مخالف لهدى رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، والخير فى الاتباع (قال) ابن الحاج: فى المدخل وينبغى للإمام أن ينهى الذاكرين جماعة فى المسجد قبل الصلاة أو بعدها أو غيرهما من الأوقات، لأنه مما يشوش به وفى الحديث " لا ضرر ولا ضرار " (٣) ﴿٥١٧﴾
فأى شئ كان فيه تشويش منه أهـ بتصرف.
(الثالثة) يسنّ للداعى رفع يديه حال الدعاء، ومسح وجهه بهما بعده خارج الصلاة (٤) (لحديث) ابن عباس أن النبى ﷺ قال: " سَلوا الله ببطون أكُقِّكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا
стр. 872
بها وجوهكم " أخرجه أبو داود. وقال: روى هذا الحديث من غير وجه عن محمد ابن كعب كلها واهية. وهذا الطريق أمثلها وهو ضعيف أيضا (١) ﴿٥١٨﴾
(قال) الحافظ فى بلوغ المرام: وله شواهد منها عند أبى داود من حديث ابن عباس وغيره. ومجموعهما يقضى بأنه حديث حسن (٢) (ولحديث) يزيد ابن سعيد أنّ النبى صلى اله عليه وسلم كان إذا دعا فرفع يديه مسح وجهه بيديه " أخرجه أبو داود، وفى سنده عبد الله بن لهيعة متكلم فيه، وحفص ابن هشام مجهول، فالحديث ضعيف (٣). ﴿٥١٩﴾
وهو يدل بمفهومه على أنه إن لم يرفع يديه فى الدعاء لم يمسح وجهه وهو مسلِّم فقد كان النبى صلى الهل عليه وسلم يرفع يديه فى الدعاء تارة وتارة لا يرفع.
(وهذه) الأحاديث وإن كانت ضعيفة غلا أنها لكثرتها يقوّى بعضها بعضا (وأما) حديث أنس أنّ النبى صل الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه فى شئ من الدعاء إلا فى الاستسقاء فإنه كان يرفه يديه حتى يُرى بياضُ إبْطيه أخرجه الشيخان وأبو داود (٤) ﴿٥٢٠﴾
(فيجمع) بينه وبين هذه الأحاديث بأن الرماد به أنه كان لا يرفع يديه رفعاً مبالغاً فيه إلا فى الاستسقاء.
стр. 873
والحاصل " أن رفع اليدين " فى الدعاء أى دعاء كان، وفى أى وقت كان بعد الصلوات الخمس أو غيرها "أدب" من أحسن الآداب، دلت عيه الأحاديث عموما وخصوصا ولا يضر ثبوت هذا الأدب عدم رواية الرفع فى الدعاء بعد الصلاة، لأنه كان معلوما لجميعهم فلم يعنوا بذكره فى هذا الحين. وإنكار الحفاظ ابن القيم رفع اليدين فى الدعاء بعد الصلوات وهم منه (قال) القسطلانى: الصحيح استحباب الرفع فى سائر الأدعية. رواه الشيخان وغيرهما (وحديث) أسن فى الصحيحين لا يرفع إلا فى الاستسقاء " مؤول " على أنه لا يرفعهما رفعاً بليغا. وورد رفع يديه ﵊ فى مواضع كرفع يديه حتى رؤى غُفْره إبطيه حين استعمل ابن اللُّتْبية (١) على الصدقة كما فى الصحيحين. ورفعهما أيضاً فى قصة خالد بن الوليد قائلا: اللهم إنى أبرا إليك مما صنع خالد. رواه البخارى والنسائى. ورفعهما عى الصفا. رواه مسلم وأبو داود. ورفعهما ثلاثاً بالبقيع مستغفراً لأهله. رواه البخار فى رفع اليدين ومسلم. وحين تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ﴾ قائلا: اللهم أمتى أمتى. وراه مسلم. ولما بعث جيشاً فيهم على قائلا: اللهم لا تُمِتنْى حتى تَرِينى عليا. رواه الترمذى. ولما جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساء قائلا: اللهم هؤلاء أهل بيتى. رواه الحاكم وقد جمع النووى فى شرح المهذب نحواً من ثلاثين حديثا فى ذلك من الصحيحين وغيرهما (٢)
ثم قال: والحاصل استحباب الرفع فى كل دعاء إلا ما جاء مقيداً بما يقتضى عدمه
стр. 874
كدعاء الركوع والسجود ونحوهما (١).
(الرابعة) يستحب استفتاح الدعاء بالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وختمه بهما وعليه الإجماع (لقول) فَضالة بِن عُبيد: " بينا رسول الله صلى الله لعيه وسلم قاعد غذ دخل رجل فصلى فقال: اللهم اغفر لى وارحمنى. فقال رسول الله ﷺ : عَجِلتَ أيها المصلِّى، إذا صليت فقعدْتَ فاحمدَ الله بما هو أهله وصلّ علىّ ثم ادْعُه. ثم صلّى رجل آخر فحمِد الله وصلى على النبى ﷺ فقال له النبى ﷺ : أيها المصلى ادع تُجَب " أخرجه أحمد والثلاثة وحسنة الترمذى. هذا لفظه (٢) ﴿٥٢١﴾
(ولقول) علىّ رضى الله عنه: كل دعاء محجوب حتى يُصلَّى عل محمد وآل محمد. أخرجه البطرانى فى الأوسط والبيهقى فى الشعب بسند رجاله ثقات، ورفعه بعضهم، والموقوف أصح. قاله المنذرى (٣).
هذا. ويستحب الجمع بين الصلاة والسلام. ولقارئ الحديث وغيره إذا ذكر رسولَ الله ﷺ أن يرفع صوته بالصلاة والسلام عليه بلا مبالغة فاحشة. وتقدم أنها تصح بأى صيغة، وأن الأفضل كونها بصيغة من الصيغ الواردة لأنها أكثر ثواباً وهى كثيرة تقدم بعضها (٤).
(ومنها) ما فى حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " من سرّة أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلَّى عليما أهلَ البيت فليقل: اللهم صلى
стр. 875
على محمد النبىّ وأزواجِه أمّهاتِ المؤمنين وذرّيِته وأهلِ بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " أخرجه أبو داود والبيهقى (١). ﴿٥٢٢﴾
стр. 876
(١٢) ويسنّ للإمام إذا سلم من الصلاة أن يبقى فى مكانه مستقبلا القبلة حتى يستغفر الله ثلاثا ويقول: اللهم أنت السلام الخ. ثم ينحرف عن يمينه أو عن يساره أو يستقبل المأمومين بوجهه (لقول) عائشة: " كان النبى ﷺ إذا سلّم لم يقعدْ إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ ياذا الجلال والإكرام " أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح (١) ﴿٥٢٣﴾
(ولحديث) قَبيصة بن هُلْب عن أبيه قال: " كان النبى ﷺ يؤمُّنا فينصرف عل جانبيه جميعا على يمينه وعلى شماله " أخرجه أ [وداود وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أى جانبيه شاء. وقد صح الأمران عن النبى ﷺ (٢) ﴿٥٢٤﴾
(ولقول) سُمرة بن جُنْدُب: " كان النبى ﷺ إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه " أخرجه البخارى (٣) ﴿٥٢٥﴾
فقد دلت هذه الأحاديث على أن النبى ﷺ كان أحيانا
стр. 877
ينصرف بعد السلام من الصلاة عن يمينه، وأحيانا ينصرف عن شماله. وأحيانا يقبل على الناس بوجهه (واختلف) العلماء فى الأفضل من هذه الكيفيات (فقالت) المالكية والشافعية والحنبلية: الأفضل الانصراف عن اليمين بأن يجعل يساره إلى القبلة ويمينه إلى الناس إلا إذا كانت له حاجة جهة اليسار فينصرف إليها (لقول) أنس: " أما أنا فأكثُر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يميِنه " أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (١) ﴿٥٢٦﴾
(ولقول) علىّ رضى الله عنه: إن كانت حاجتُه عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجتُه عن يساره أخذ عن يساره. أخرجه الترمذى (٢).
(وقال) الحنفيون: يستحب الانصراف إلى جهة اليسار بأن يجعل يمينه إلى القبلة ويساره إلى الناس (لقول) ابن مسعود: " لا يجعل أحدُكم للشيطان شيئا من صلاته، يرَى أن حقا عليه ألاّ ينصرف إلا عن يمينه. لقد رأيت النبى ﷺ كثيراً ينصرف عن يساره " أخرجه السبعة إلا الترمذى، وهذا لفظ البخارى (٣) ﴿٥٢٧﴾
وهو لا يعارض حديث أنس السابق. وفى رواية مسلم: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله، وهى تعارض حديث أنس، لأن كلا منهما بصيغه أكثر (قال) الحافظ: ويجمع بينهما بأنه صلى الله
стр. 878
عليه وسلم كان يفعل هذا تارة وهذا تارة. فأخبر كل بما اعتقد أنه الأكثر وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب الانصراف إلى اليمين. ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على حالة الصلاة فى المسجد. لأن حجرة النبى ﷺ كانت من جهة يساره ويحمل حديث أنس على ما سوى ذلك كحال السفر. ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأني رجح رأى ابن مسعود لأنه أعلم وأسنّ وأجل وأكثر ملازمة للنبى ﷺ وأقرب إلى موقفه فى الصلاة من أنس، ولأن فى إسناد حديث أنس من تُكِلِّم فيه وهو السُّدى، ولأن حديث ابن مسعود متفق عليه ويوافق ظاهر الحال، لأن حجرة النبى ﷺ كانت على يساره بخلاف حديث أنس فى الأمرين. ثم ظهر لى أنه يمكن الجمع بوجه آخر وهو أن من قال أكثر انصرافه عن يساره نظر إلى هيئته فى حال الصلاة. ومن قال أكثر انصرافه عن يمينه نظر إلى هيئته فى حال استقباله القوم بعد سلامة من الصلاة. فعلى هذا لا يختص الانصراف بجهة معينة، ومن ثم قال العلماء: يستحب الانصراف إلى جهة حاجته، وإذا استوى الجهتان فاليمين أفضل لعموم الأحاديث فى فضل التيامن (١).
والحكمة فى طلب انحراف الإمام عن القبلة بعد انقضاء الصلة واستقباله المأمورين كلا أو بعضاً أن يُعلِّمهم ما يحتاجون إليه. وقيل ليعرف الداخل انقضاء الصلاة إذا لو استمر الإمام على هيئته لتوهم أنه فى التشهد مثلا.
(وقال) ابن المنير: استدبار الإمام المأمومين إنما هو لحق الإمامة.
стр. 879
فإذا انقضت الصلاة زال السبب واستقبلهم حينئذ لرفع الخيلاء ولارتفع عن المأمومين أهـ.
(١٣) ويستحب الإمام - عند الأئمة والجمهور - تعجيل الانتقال من مصلاه بعد سلامه، لما تقدم أن النبى صلى الله عليه سلم كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام الخ (١).
وهو يرد ما قاله بعض المالكية من كراهية قيام الإمام من مكان صلاته بعد السلام (وقالت) أم سلمة: " كان رسول الله ﷺ إذا سلّم قام النساءُ حين يقضِى تسليمَه ويمكث فى مكانه يسيراً قبل أن يقوم (قال) ابن شهاب: فنُرى والله أعلم أن ذلك كان لكى ينصرف النساءُ قبل أن يدركَهُن الرجال " أخرجه الشافعى وأحمد والبخارى (٢) ﴿٥٢٨﴾
ومقتضى هذا التعليل أن المأمومين إذا كانوا رجالا فقط لا يطلب هذا المكث، وأن الإسراع بالقيام هو الأصل والمشروع. ولا يعارض هذا ما تقدم من الأحاديث الدالة على استحباب الذكر بعد الصلاة، لأنهلا يلزم من طلب الذكر بعد الصلاة تأديته فى المكان الذى صلى فيه، لأن الامتثال يحصل بفعله بعدها سواء أكان ماشياً أم قاعداً فى محل آخر " نعم " ما ورد مقيداً بنحو قوله ﷺ : من قال قبل أن ينصرف ويثنى رجله من صلاة المغرب والصبح (٣) " ظاهره " المعارضة لحديث عائشة المذكور، ويمكن دفعها بحمل مشروعية الإسراع بانتقال على الغالب، أو على ماعدا ما ورد مقيداً
стр. 880
بذلك من الصلوات، أو على أن اللبْثَ مقدار الإتيان بالذكر المقيد لا نافى الإسراع فإنه أمر نسبى. واللبث بمقدار ما ينصرف النساء ربما اتسع لأكثر من ذلك.
(١٤) ويستحب لكل مصل الفصل بين الفرض والنافلة بنحو كلام أو ذكر أو انتقال (روى) عبد الله بن رباح ع رجل من أصحاب النبى ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى العصر فقام رجل يصلى فرآه عمر فقال له: اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فَضل. فقال رسول الله ﷺ : أحسن ابن الخطاب " أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح (١) ﴿٥٢٩﴾
وهذا متفق عليه غير أنهم اختلفوا فى قدر الفاصل (فقال) الحنفيون: يستحب ألا يفصل بين الفرض والنافلة إلا بقدر ما فى حديث عائشة: اللهم أنت السلام الخ. أو بقدر ما فى حديث المغيرة بن شعبة أنه ﷺ كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ (٢).
وقال جمهور السلف والخلف: يستحب الفصل بين الفرض والنافلة بالأذكار الواردة عقب الصلوات كالاستغفار والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل.
(١٥) ويستحب لكل مصل أراد التنفل بعد الفرض الانتقال إلى موضع آخر يتطوّع فيه (لحديث) أبى هريرة أنّ النبى ﷺ قال: "أيعجِز أحدُكم أن يقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله فى الصلاة؟