٢ - يُسَنُ عند الحنفيين - لكل مصلًّ الإسرار بقنوت الوتر. وقالت الشافعية: يَسنّ للإمام الجهر به ولو قضاء، والمأموم يؤمّن على دعاء الإمام. والمنفرد يُسِرُّ به ولو أداء.
(وقالت) الحنبلية: يُسَنّ للإمام والمنفرد الجهر به. أمّا المأموم فيؤمن جهراً على دعاء إمامه (قال) ابن قدامة: إذا أخذ الإمام فى القنوت أمَّنَ مَنْ خلفه. وإن دعوا معه فلا بأس. وقيل لأحمد إذا لم أسمع قنوتَ الإمام أدعو؟ قال نعم (١).
٣ - يُسَنّ - عند الحنبلية وبعض الشافعية - رفع اليدين فى قنوت الوتر إلى الصدر مبسوطتين وبطونهما إلى السماء. " قال " ابن قدامة: كان أبو عبد الله يرفع يديه فى القنوت إلى صدره، لأن ابن مسعود فعله. وروى عن عُمر وابن عباس (٢) وهو الصحيح عند الشافعية. واختاره كثير، منهم البيهقى (لقول) أبى رافع: صليت خلف عُمر بن الخطاب فقنت بعد الركوع ورفع يديه وجهر بالدعاء. أخرجه البيهقى وصححه (٣). ﴿١٨﴾
" قال " الحنفيون ومالك والجمهور: لا يستحب رفع اليدين فى القنوت لغير النازلة. واختاره صاحب المهذب والقفال. ونقله إمام الحرمين عن كثير من الشافعية محتجين بأن الدعاء فى الصلاة لا ترفع له اليد كدعاء القعود والتشهد.
(وأما مسح) الوجه باليدين بعد فراغ من القنوت، فلا يستحب عند من قال بعدم رفع اليدين فيه، وكذا عند من قال بالرفع على الصحيح (قال البيهقى) فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلستُ أحفظه عن أحد من السلف فى دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم فى الدعاء
стр. 912
خارج الصلاة وقد روى فيه عن النبى ﷺ حديث فيه ضعف (١) وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة. فأما فى الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت ولا قياس. فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف رضى الله عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه فى الصلاة (٢). (وقال) ابن قدامة: روى عن أحمد انه قال: لم أسمع فيه بشئ، ولأنه دعاء فى الصلاة فلم يُستحبّ مسحُ وجهه فيه كسائر دعائها (٣). (وقال) علىّ الباشانىّ: سألت عبد لله " يعنى ابن المبارك " عن الذى إذا دعا مسح وجهه. قال: لم أجد له ثبتاً. أخرجه البيهقى (٤). ﴿١٩﴾
(٩) الجماعة فى الوتر:
لا يُصلى فى جماعة - عند الحنفيين والشافعى وأحمد إلا فى رمضان فتستحب فيه الجماعة لمن أحب أن يوتر قبل النوم، لقول قيس بن طلْق: زارنا طلق بن علىّ فى يوم من رمضان وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر بنا ثم انحدر إلى مسجده فصلى بأصحابه حتى إذا بقى الوتر قدّم رجلا فقال. أوتر بأصحابك فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا وتران فى ليلة. أخرجه أحمد والثلاثة (٥).
(وعن جابر) بن عبد الله أن النبى ﷺ قام بهم فى رمضان فصلى ثمان ركعات وأوتر ثم انتظروه من القابلة فلم يخرج إليهم فسألوه فقال:
стр. 913
خشيتُ أن تُكتب عليكم الوترُ. أخرجه ابن حبان وابن نصر وأبو يعلى والطبرانى فى الصغير. وفيه عيسى بن جاريةً وثقه ابن حبان وغيره. وضعفه ابن معين (١). ﴿٣٤﴾
هذا واختلفوا هل الجماعة فيه أفضل؟ فعند الحنفيين الصحيح أن الجماعة فيه أفضل. واختار بعضهم أن يوتر فى منزله لا بجماعة، لأن الصحابة لم يجتمعوا على الوتر بجماعة فى رمضان كما اجتمعوا على التراويح. وقد علم من حديث جابر أنه ﷺ كان أوتر بهم ثم بين العذر فى عدم مواظبته على الجماعة فى الوتر وهذا يقتضى سنيتها فيه " فلعل " من تأخر عن الجماعة فيه " أحبّ " أن يصلبه آخر الليل فإنه أفضل عملا بقوله ﷺ : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً (٢) فأخره لذلك. والجماعة فيه إذا ذاك متعذرة فلا يدل ذلك على أن الأفضل فيه ترك الجماعة لمن أحب أن يوتر أول الليل أفاده ابن الهمام (٣) وقال ابن قدامة: قال أبو داود: سمعتُ أحمدَ يقول: يُعجبنى أن يصلى مع الإمام ويُوتر معه قال النبى ﷺ " إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له بقية ليله (٤) قال: وكان أحمد يقوم مع الناس ويُوتر معهم. قال الأثرم: فأخبرنى الذى كان يؤمه فى شهر رمضان أنه كان يصلى معهم التراويح كلها والوتر (٥).
стр. 914
وقالت المالكية: تندب الجماعة فى الشفع والوتر فى رمضان فقط.
(١٠) قضاء الوتر:
من تركه عامداً أو ناسياً يطلب منه قضاؤه " لحديث " عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: من نام عن وتره أو نسيه فَلْيُصَلِّهِ إذا ذكره. أخرجه أبو داود، وكذا الحاكم وابن نصر بلفظ: من نام عن وتره أو نسيه فَلْيُصَلِّهِ إذا أصبح أو ذكره. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿٣٥﴾
" ولحديث " عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه أن النبى صل الله عليه وسلم قال: من نام عن وتره فليصله إذا أصبح. أخرجه الترمذى مرسلا. ﴿٣٦﴾
وقال: وهذا أصح من الحديث الأول. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا فقالوا: يُوتر الرجلُ إذا ذكر وإن كان بعدما طلعت الشمس وبه يقول سفيان الثورى (٢). ولذا اتفق الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين على أن الوتر يقضى إذا فات. لكنهم اختلفوا إلى متى يقضى. فقال الحنفيون: يجب قضاؤه فى غير أوقات النهى وهى وقت طلوع الشمس حتى ترتفع كرمح، ووقت استوائها حتى تزول، ووقت اصفرارها حتى يتم الغروب.
(وقالت) الشافعية: يسن قضاؤه فى أى وقت. وهو ظاهر الحديث.
(وقال) مالك وأحمد وإسحاق: يُقضى بعد الفجر ما لم تُصلَّ الصبحُ " قال " الترمذى: روى عن النبى ﷺ أنه قال: لا وتر بعد صلاة الصبح. ﴿٣٧﴾
стр. 915
وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق لا يَرَون الوتر بعد صلاة الصبح (١) " وعن " ابن عمر أن النبى ﷺ أصبح فأوتر. أخرجه البيهقى (٢). ﴿٣٨﴾
" وقال " أبو الدرداء: رأيت رسول الله ﷺ يوتر وقد قام الناس لصلاة الصبح. أخرجه البيهقى والحاكم وصححه (٣). ﴿٣٩﴾
(وذكر) ابن نصر فى هذا آثاراً كثيرة وقال: والذى أقول به أنه يصلى الوتر ما لم يُصلّ الغداة. فإذا صلى الغداة فليس عليه أن يقضيه بعد ذلك وإن قضاه على ما يقضى التطوع فحسن. قد صلى النبى ﷺ الركعتين قبل الفجر بعد طلوع الشمس فى الليلة التى نام فيها عن صلاة الغداة حتى طلعت الشمس (٤) (وفرّق) ابن حزم بين من تركه لنوم أو نسيان أو تركه عمداً قال: ومن تعمد ترك الوتر حتى طلع الفجر فلا يقدر على قضائه فلو نسيه أحببنا له أن يقضيه أبداً متى ذكره (٥) وكذا من نام عنه.
والراجح أنه يطلب قضاؤه مطلقاً فى غير أوقات النهى، جمعاً بين أحاديث النهى وحديث من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره (٦). وهو إن كان خاصاً بالنائم والناسى فقضاء العامد أولى. كما فى قضاء المكتوبة عند الجمهور " وأما " حديث أبى هارون العبدىّ عن أبى سعيد الخدرى قال: نادى منادى رسول الله ﷺ : لا وتر بعد الفجر. وفى رواية: من أدركه الصبح فلا وتر له. أخرجه ابن نصر (٧). ﴿٤٠﴾
стр. 916
(فهو) ضعيف، لأن أبا هارون ضعفه غير واحد، وقال النسائى متروك الحديث، وقال الجوزجانى كذاب مفتر، وقال ابن حبان كان يروى عن أبى سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه. وقد تقدم حديث صحيح عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد مخالف حديث أبى هارون (١).
(وكذا) حديث سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر أن النبى ﷺ وعلى آله وسلم قال: إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوترِ فأوتروا قبل طلوع الفجر (فقد) أخرجه الترمذى وقال: قد تفرد به سليمان ابن موسى على هذا اللفظ (٢). ﴿٤١﴾
وقال البخارى عنده منا كير وقال النسائى ليس بالقوى. وقال ابن عدى: روى أحاديث ينفرد بها ولا يرويها غيره. فالحديث ضعيف لا يقوى على معارضة الأحاديث الدالة على طلب قضاء الوتر.
(١١) ما يقال بعد الوتر:
يستحب أن يقال بعد السلام من الوتر: سبحان الملك القُدُّوس ثلاث مرات رافعاً صوته بالثالثة ثم يقول: ربّ الملائكة والرّوح " لقول " أُبى ابن كعب: كان رسول الله ﷺ يقرأ فى الوتر بسبّح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. فإذا سَّلم قال: سبحان الملك القُدُّوس ثلاث مرات. أخرجه أحمد والنسائى. وفيه: لا يسلم إلا فى آخرهن، والدار قطنى وزاد: يمدّ بها صوتَه فى الأخيرة يقول: رب الملائكة والروح (٣). ﴿٤٢﴾
стр. 917
(١٢) قنوت النوازل:
لا يُسنّ القنوت فى غير الوتر إلا لنازلة، فيُقنت لها بعد الركوع فى كل الصلوات عند محققى الحنفيين والشافعى وأحمد وابن حبيب المالكى " لحديث " ابن مسعود أن النبى ﷺ لم يقنت فى الفجر قطُّ إلا شهراً واحداً، لأنه حارب حياً من المشركين قنت يدعو عليهم. أخرجه أبو حنيفة عن أبَان. وأخرج عن عطية العُوفى عن أبى سعيد أن النبى ﷺ لم يقنت إلا أربعين يوماً يدعو على عُصَيَّةَ وذكْوان ثم لم يقنت بعدُ إلى أن مات. وأخرجه الطحاوى بلفظ: قنت رسول الله ﷺ شهراً يدعو على عُصَيَّةَ وذكْوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت (١). ﴿٤٣﴾
وفى سنده أبو حمزة القصاب تركه أحمد ويحيى بن معين وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ كثير الوهَم (٢) " وروى " أسعد بن طارق بن أيشم الأشجعى عن أبيه قال: صليت خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت وصليت خلف أبى بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت. وصليت خلف علىّ فلم يقنت. ثم قال: يا بُنَىَّ إنها بدعة. أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه والترمذى وصححه والطحاوى (٣). ﴿٤٤﴾
وعند غير النسائى: أىّ بُنَى مُحْدَث أى أن المواظبة على القنوت فى الصبح لغير نازلة محدث ليس من هدى النبى ﷺ ولا خلفائه.
стр. 918
وإلا فقد ثبت أنه ﷺ قنت فى الصبح وغيرها للنوازل (قال) ابن عباس: قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً فى صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح فى دُبُر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة، يدعو على أحياءٍ من بنى سليم على رِعْل وذكران وعُصَيَّة ويؤمِّنُ مَنْ خَلفه. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط البخارى (١). ﴿٤٥﴾
وقد اتفق العلماء على الجهر فى قنوت النازلة (وروى) عن ابن عباس والبراء وجماعة منهم مالك وإسحاق وابن أبى ليلى أن القنوت للنوازل يكون قبل الركوع " لقول " عاصِمٍ الأحول: سألت أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت. قلت قبل الركوع أو بعده؟ قال قبله، قلت فإن فلاناً أخبرنى عنك أنك قلت بعد الركوع. قال: كذب إنما قنت رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم بعد الركوع شهراً. يدعو على ناس قتلوا أناساً من أصحابه يقال لهم القُّرّاء. أخرجه أحمد والشيخان (٢). ﴿٤٦﴾
(ولقول) عبد الله بن شداد: صليت خلف عُمَر وعلى وأبى موسى فقنتوا فى صلاة الصبح قبل الركوع. أخرجه ابن نصر (٣). ﴿٢٠﴾
стр. 919
(ورد) بأن حديث عاصم بّبن أن قنوت النازلة بعد الركوع وأن غيره قبله. وعليه يحمل قول عبد الله بن شداد. وأيضاً فإن عاصماً انفرد بما ذكر عن أنس وقد خالفه سائر الرواة عنه (قال الأثرم) قلت لأحمد: أيقول أحد فى حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمت أحداً يقوله غيرُه (١) (وعن مالك) وأحمد وأيوب السختيانى أنه يكون قبل الركوع وبعده " لقول " حُميَد: سئل أْنسٌ عن القنوت فى صلاة الصبح فقال: كنا نقنت قبل الركوع وبعده. أخرجه ابن ماجه والطحاوى وابن نصر بسند صحيح (٢). ﴿٤٧﴾
(وقال مالك) فى القنوت فى الصبح: كل ذلك واسع قبل الركوع وبعده والذى آخُذ به فى خاصّة نفسى قبل الركوع (٣) والراجح فى قنوت النوازل كونه بعد الركوع، لكثرة الروايات فيه كما تقدم (قال البيهقى): ورواة القنوت بعد الركوع أكثر واحفظ فهو أولى وعليه درج الخلفاء الراشدون (٤) ولا تنافى بين ما روى فى هذا عن أنس، فإن القنوت يطلق على الدعاء، وهو ما رُوى عنه أن بعد الركوع وعلى طول القيام، وهو ما رُوى أنه قبل الركوع.
(ومشهور) مذهب الحنفيين والحنبلية أنه لا قنوت للنوازل إلا فى الصبح قال العلامة إبراهيم الحلبى الحنفى قال الحافظ الطحاوى: إنما لا يُقنت عندنا فى صلاة الفجر من غير بلية. فإذا وقعت فتنة أو بلية فلا بأس بها. فعله رسول الله ﷺ . وأما القنوت فى الصلوات كلها عند النوازل
стр. 920
فلم يقل به إلا الشافعى، وكأنهم حملوا ما روى عنه ﵊ أنه قنت فى الظهر والعشاء والمغرب على النسخ، لعدم ورود المواظبة والتكرار الواردين فى الفجر (١) (وقال ابن قدامة): فإن نزل بالمسلمين نازلة فللإمام أن يقنت فى صلاة الصبح ويؤمن مَنْ خلفه. وبهذا قال أبو حنيفة والثورى لما ذكرنا أن النبى ﷺ قنت شهراً يدعو على حىّ من أحياء العرب ثم تركه، وأن علياً قنت فقال: إنما استنصرنا على عدوّنا هذا. ولا يقنت آحاد الناس. ويقول فى قنوته نحواً مما قال النبى ﷺ وأصحابه ثم قال: ولا يُقنت فى غير الصبح من الفرائض. قال عبد الله عن أبيه: كلُّ شئ يثبت عن النبى ﷺ فى القنوت إنما هو فى الفجر، ولا يقنت فى الصلاة إلا فى الوتر والغداة إذا كان مستنصراً يدعو للمسلمين. (وقال) أبو الخطاب: يقنت فى الفجر والمغرب، لأنهما صلاتا جهر فى طرفى النهار. (وقيل) يقنت فى صلاة الجهر كلها قياساً على الفجر، ولا يصح هذا. لأنه لم ينقل عن النبى ﷺ ولا عن أحد من أصحابه القنوت فى غير الفجر والوتر (٢). ويرده ما تقدم عن ابن عباس أن النبى ﷺ قنت شهراً فى الصلوات الخمس يدعو على أحياءٍ من العرب (٣). ولا دليل على النسخ.
(قال) الكمال بن الهمام: يجبّ أن يكون بقاء القنوت فى النوازل مجتهداً فيه، لأنه لم ينقل عنه من قوله ﷺ إلا قنوت فى نازلة بعد هذه، بل مجرد العدم بعدها، فيتجه الاجتهاد أن ذلك إنما هو لعدم وقوع نازلة بعدها يستدعى القنوت، فتكون شرعيته مستمرة، وهو محمل قنوت
стр. 921
من قنت من الصحابة بعد وفاته ﷺ (١). فقد ثبت أن أبا بكر قنت عند محاربة مسيلِمة، وكذلك قنت عمرو علىّ ومعاوية للنوازل. فهذا يدل على أن القنوت للنازلة مستمر لم ينسخ.
(١٣) القنوت لغير نازلة:
(أمّا) عند عدم النوازل فلا قنوت فى غير الصبح من الصلوات الخمس اتفاقاً. وكذا فى الصبح عند الحنفيين والحنبلية وإسحاق والثورى وابن المبارك وبه قال ابن عباس وغيره، لما تقدم عن طارق الأشجعى (٢) وغيره " ولقول " أبى هريرة: كان رسول الله ﷺ لا يقنت فى صلاة الصبح إلا أن يدعَو لقوم أو يدعَو على قوم أخرجه ابن حبان بسند صحيح (٣). ﴿٤٨﴾
وأخرج ابن أبى شيبة عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير: أنهم كانوا لا يقنتون فى صلاة الفجر (٤). ﴿٢١﴾
(وقالت المالكية) يقنت فى الصبح سراً قبل ركوع الثانية.
(وقالت) الشافعية وابن حبيب المالكى: يقنت فيه جهراً بعد ركوع الثانية " لحديث " محمد بن سيرين أن أنس بن مالك سئل هل قنت النبى ﷺ فى صلاة الصبح؟ فقال نعم، فقيل له قبل الركوع أو بعده؟ قال بعد الركوع يسيراً. أخرجه السبعة إلا الترمذى (٥). ﴿٤٩﴾
" ولقول " أنس: مازال رسول الله ﷺ يقنت فى الفجر
стр. 922
حتى فارق الدنيا. أخرجه أحمد والبزار والدار قطنى والطحاوى بسند رجاله موثقون، وصححه الحاكم والبيهقى، وأخرجه الدار قطنى والحاكم من عدة طرق عن أنس أن النبى ﷺ قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه فأما فى الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا (١). ﴿٥٠﴾
وأجاب الأولون:
(أ) " عن حديث " ابن سيرين عن أنس، بأنه محمول على قنوت النازلة، فقد تقدم فى حديث عاصم الأحول عن أنس أنه قال: إنما قنت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهراً يدعو على أناس قتلوا أناساً
من أصحابه يقال لهم القُرّاء (٢).
(ب) وعن حديث أنس الثانى بأنه ضعيف لا تقوم به حجة، لأن فى سنده أبا جعفر الرازى، وهو وإن وثقه جماعة ففيه مقال، قال عبد الله ابن أحمد: ليس بالقوى. وقال ابن المدينى: إنه يخلط. وقال أبو زَرَعة: يهم كثيراً. وقال ابن معين: ثقة لكنه يخطئ. ويقوى ضعفه ما ثبت أن أنسَاً نفسه لم يكن يقنت فى الصبح. قال غالب ابن فرْقدٍ الطحَّان: كنت عند أنس بن مالك شهرين فلم يقنت فى صلاة الغداة. أخرجه الطبرانى بسند حسن (٣). ﴿٢٢﴾
وعلى فرض صحة حديث أنس فيحمل على القنوت للنوازل، أو المراد أنه كان يطيل الاعتدال بعد الركوع للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا. قد روى ثابت عن أنس قال: إن لا آلو أن أصلىَ بكم كما رأيت النبى ﷺ يصلى بنا. قال ثابت: كان أنس يصنع شياً لم أركم تصنعونه،
стр. 923
كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسى وبين السجدتين حتى يقول القائل قد نسى. أخرجه البخارى (١). ﴿٥١﴾
فهذا هو القنوت الذى مازال ﷺ يفعله حتى فارق الدنيا ومعلوم أنه ﷺ كان يدعو ربه ويثنى عليه فى هذا الاعتدال وهو غير القنوت المؤقت بشهر، فإنه كان دعاءً على رِعْل وذكْوانَ وعُصيَّة. ودعاءً للمستضعفين.
" ولما صار " القنوت فى لسان الفقهاء وغيرهم هو الدعاء المعروف: اللهم اهدنى فيمن هديت إلخ. وسمعوا أنه ﷺ لم يزل يقنت فى الفجر حتى فاروق الدنيا، وكذا الخلفاء والصحابة " حملوا " القنوت فيما ذكر على مصطلحهم ونشأ من لا يعرف غيره فلم يشكّ أن رسول الله ﷺ وأصحابَه كانوا مداومين عليه كل غداة، فنازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا لم يكن هذا من فعله ﷺ الراتب (ومما يدل) على أن الرماد بالقنوت فى حديث أنس القيام للدعاء (قول) حنظلة السدوسى اختلفت أنا وقتادة فى القنوت فى صلاة الصبح، فقال قتادة قبل الركوع، وقلت بعد الركوع، فأتينا أنس بن مالك فذكرنا له ذلك فقال: أتيت النبى ﷺ فى صلاة الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام فى الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه فقام ساعة ثم وقع ساجداً. أخرجه سليمان ابن حرب (٢). ﴿٥٢﴾
فهذا القيام والتطويل هو مراد أنس. ومنه تعلم:
(أ) أن الراجح أن القنوت خاص بالنّوازل فى الصبح وغيرها. وأما تخصيصه بالصبح فى حديث ابن سيرين عن أنس، فبالنظر لسؤال السائل.
стр. 924
(ب) وأنه كان من هديه ﷺ القنوتُ فى النوازل خاصة، وتركهُ عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لاتصالها بصلاة الليل وقربها من السحر وساعة الإجابة، ولأنها الصلاة المشهودة التى تشهدها ملائكة الليل والنهار، ولذا كان أهل الحديث يقنتون حيث قنت رسول الله ﷺ ، ويتركونه حيث تركه.
ومع هذا لا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله ولا يرونه بدعة ولا فاعله مخالفاً للسنة، كما لا ينكرون على من تركه عند النوازل ولا يرون تركه بدعة، بل من قنت فقد أحسن. ومن تركه فقد أحسن، وهذا من الاختلاف المباح الذى لا يَعنّف فيبه من فعله ولا من تركه كرفع اليدين فى الصلاة وتركه، وكالخلاف فى ألفاظ الأذان والإقامة وأنواع النسك من الإفراد والقرآن والتمتع، ولكن هديه ﷺ أكمل الهدى وأفضله. (وعلى الجملة) فالذى يؤخذ من أحاديث الباب أنه كان ﷺ لا يقنت فى غير الوتر إلا فى النوازل، فكان يقنت جهراً بعد الركوع ويؤمِّنُ مَنْ خلفه ويرفع يديه فيه كما تقدم أن أبا بكر فعله وكذا عمر وعلىّ ومعاوية. وتقدم حديث ابن عباس (١) وحديث أنس فى قصة القُرّاء (٢).
(وقال) الأسود: كان عبد الله بن مسعود يرفع يديه فى القنوت إلى صدره. ﴿٢٣﴾
(وقال) أبو عثمان النهدى: كان عمر يَقْنُتُ بنا فى صلاة الغداة ويرفع حتى يخرج ضبعيه. أخرجهما ابن نصر (٣). ﴿٢٤﴾
وبهذا قال الحنفيون وأحمد وإسحاق وهو الصحيح عند الشافعية.
ومما يتصل اتصالا وثيقاً بسنن الصلاة وواجباتها.
стр. 925
(الثانى) الجماعة
هى ربط صلاة المقتدى بصلاة الإمام. وهى مشروعة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال تعالى: وإذا كنت فيهم فأقمتْ لهم الصلاة فلتقمْ طائفةٌ منهم معك. الآية (١) أمر بها فى الخوف ففى الأمن أولى.
وعن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " صلاة الرجل فى جماعة تزيد على صلاته فى بيته وصلاته فى سوقه خمساً وعشرين درجة. وذلك بأن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رُفع له بها درجةٌ أو حُط عنه بها خطيئةٌ حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان فى صلاة ما كانت الصلاة هى تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم مادام فى مجلسه الذى صلى فيه. يقولون: اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه. أخرجه الشيخان وأبو داود وهذا لفظه (٢). ﴿٥٣﴾
وعن ابن عمر أن النبى ﷺ قال " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، أخرجه الشافعى والسبعة إلا أبا داود (٣). ﴿٥٤﴾
ولا منافاة بين الروايتين لأن الإخبار بالقليل لا ينفى الكثير. والتخصيص
стр. 926
بهذا العدد من أسرار الشريعة التى تقصُر العقول عن إدراكها. والمراد أنه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر صلاة المنفرد ٢٥ أو ٢٧ مرة.
وهى من خصائص هذه الأمة شرعها الله تعالى لما فيها من التعارف والتآلف وارتباط القلوب وتعوّد الامتثال والصبر والشجاعة وحسن النظام.
ويتعلق بها ثمانية وعشرون فرعاً.
(١) حكم الجماعة:
هى فى المكتوبات غير الجمعة سنة مؤكدة للرجال عند مالك والشافعى والجمهور. وهو المشهور عند الحنفيين، لحديثى أبى هريرة وابن عمر (١) ووجه الدلالة أن المفاضلة إنما تكون بين فاضلين جائزين، ولو كانت الصلاة فرادى غير مجزئه لما كان لها فضيلة (ولقول) أبى موسى الأشعرى قال رسول الله ﷺ : إن أعظم الناس أجراً فى الصلاة أبعدهم إليها مَمْشى فأبعدهم. والذى ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظمُ أجراً من الذى يصليها ثم ينام. أخرجه الشيخان (٢). ﴿٥٥﴾
والراجح عند الحنفيين أن الجماعة واجبة لمواظبة النبى ﷺ وأصحابه عليها مع الإنكار على تاركها بلا عذر فى عدة أحاديث (منها) حديث ابن عباس أن النبى ﷺ قال: من سمع المنادّ فلم يمنعه من اتباعه عذر لم تقبل منه الصلاة التى صلى. قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض. أخرجه أبو داود والدار قطنى (٣). ﴿٥٦﴾
" وحديث " أبى هريرة أن رجلا أعمى أتى النبى ﷺ فقال
стр. 927
يا رسول فقال يا رسول الله إنه ليس لى قائد يقودنى إلى المسجد وسأله أن يرخِّص له فرخّص له. فلما وِّلى دعاه فقال له: هل تسمع النداء؟ قال نعم. قال: فأجب. أخرجه مسلم والنسائى (١). ﴿٥٧﴾
وهذه أحاديثُ آحاد فتفيد الوجوب لا الفرضية (وقال) أحمد وإسحاق وابن المنذر وأهل الظاهر: صلاة الجماعة فرض عينى فى الصلوات المكتوبة مستدلين:
(أ) " بحديث " أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لقد هممتُ أن آمر بالصلاة فتقادم ثم آمُر رجلا فيصلى بالناس ثم أنطلق معى برجال معهم حُزَمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحّرِّقُ عليهم بيوتهم بالنار. أخرجه أبو داود. وكذا أحمد والشيخان بلفظ: إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة (الحديث) (٢) ﴿٥٨﴾
(ب) " وبحديث " عمرو بن أمّ مكتوم أنه قال يا رسول الله ﷺ إنى رجل ضريرُ البصرِ شاسِعُ الدار ولى قائد لا يلائمنى فهل لى رخصة أن أصلى فى بيتى؟ قال: هِل تسميع النداء؟ قال: نعم. قال: لا أجد لك رخصةً. أخرجه
стр. 928
أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم وابن حبان وأحمد وزادا فى رواية: فأتها ولو حبواً (١). ﴿٥٩﴾
(ج) ويقول ابن مسعود رضى الله عنه: حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادَى بهن فإنهن من سُنن الهدى وإن الله شرع لنبيه ﷺ سنَن الهدى، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق بَيِّنُ النفاق. ولقد رأيتنا وإن الرجل ليُهادَى بين الرجلين حتى يُقامَ فى الصف. وما منكم من أحد إلا وله مسجد فى بيته، ولو صليتم فى بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم. أخرجه أحمد ومسلم والأربعة إلا الترمذى. وهذا لفظ أبى داود. وأوله عند غيره: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليْحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس (٢) ﴿٢٥﴾
وفيه الحث على حضور صلاة الجماعة وتحمل المشاق فى سبيلها. وأنه إذا أمكن المريضَ ونحوه الوصول إلى المسجد، استجب له حضور الجماعة. (قال) أحمد ومن معه: هذه الأحاديث تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين،
стр. 929
ولو كانت فرض كفاية لسقط بفعله ﷺ ومن معه. ولو كانت سنة ماَهمّ بقتلهم، لأن تارك السنة لا يقتل. فتعين أن تكون فرضاً على الأعيان " ولا يقال " إذا كانت الجماعة واجبة عيناً فكيف يجوز أن يتخلف عناه ﷺ " لأن تخلفه " كان لتكميل أمر الجماعة فكأنه حاضرها.
وهؤلاء اختلفوا، أهى شرط فى صحة الصلاة أم لا؟ فقال بشرطيتها داود وابن حزم قال: ولا تجزرئ صلاة فرض أحداً من الرجال - إذا كان بحيث يسمع الأذان - أن يصليها إلا فى المسجد مع الإمام. فإن تعمد ترك ذلك بغير عذر بطلت صلاته. وإن كان بحيث لا يسمع أذاناً ففرض عليه أن يصلى فى جماعة مع واحد إليه فصاعداً، فإن لم يفعل فلا صلاة له إلا ألا يجد أحداً يصليها معه فيجزئه حينئذ، وإلا من له عذر فيجزئه حينئذ التخلف عن الجماعة (١).
(وقال) بعض الشافعية والمالكية: إنها فرض كفاية وهو اختيار الطحاوى والكرخى من الحنفيين. ولكن خصه الشافعية بالصلاة المؤداة بخلاف المقضية فالجماعة فيها مستحبة إذا اتفق الإمام والمأموم فيها كأن يفوتهما ظهر. واستدلوا بأدلة القائلين بالوجوب العينى " وصرفها " من فرض العين إلى فرض الكفاية " حديث " صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٢) فإنه يفيد صحة صلاة المنفرد الوجوب المستفاد منها وجوباً كفائياً.
(والظاهر) ما ذهب إليه الجمهور من القول بالسنية، لما فيه من الجمع بين الأدلة وعدم إهمال بعضها. فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن الجماعة من السنن المؤكدة التى يخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم مشئوم. وأما أنها فرض عين أو كفاية أو شرط لصحة الصلاة فلا (٣).
стр. 930
(وأجاب) الجمهور عن حديث لهم بتحريقى البيوت بوجوه (منها) أن الحديث ورد فى قوم م المنافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى كما يدل عليه أثر ابن مسعود المتقدم وفيه: ولقد رأيتنا وما يتخلف عناه إلا منافق بيّن النفاق (١) (ومنها) أنه ﷺ همّ بالتحريق ولم يفعله. ولو كان واجباً لما تركه (ومنها) ما حكاه القاضى عياض من أن فرضية الجماعة كانت أول الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ الوجوب (قال الحافظ) ويدل على النسخ الأحاديث الواردة فى تفضيل صلاة الجماعة، لأن الأفضلية تقتضى الاشتراك فى أصل الفضل ومن لازم ذلك الجواز (٢).
(٢) الجماعة فى غير الصلوات الخمس:
هى عند الحنفيين:
(أ) شرط صحة فى الجمعة والعيدين لما سيأتى فى بحثهما.
(ب) وسنة كفاية فى صلاة التراويح والجنازة.
(ج) ومستحبة فى صلاة الكسوف. وكذا فى وتر رمضان على قول رجحه الكمال ابن الهمام، لما تقدم فى الوتر من أن النبى ﷺ أوتر بأصحابه ثم بيّن العذر فى تأخره كما صنع فى التراويح. قال العلامة الحلبى الصحيح أن الجماعة فيه أفضل، لأنه لما جازت الجماعة فيه كانت أفضل اعتبارً بالمكتوبة (٣).
(د) ومكروهة تنزيهاً فى النفل ووتر غير رمضان إذا كان على سبيل التداعى بأن يكون مع الإمام أربعة فأكثر وإلا فهى مباحة.
وقالت المالكية: الجماعة شرط لصحة الجمعة. وسنة فى العيدين والكسوف والاستسقاء، ومندوبة فى الجنازة، ومستحبة فى التراويح. ومكروهة فى النفل
стр. 931
المطلق إذا كان الجمع كثيراً مطلقاً أو قليلا بمكان مشهور كالمسجد وإلا جازت.
(وقالت) الشافعية: الجماعة فرض عين فى الركعة الأولى من الجمعة. وفى كل الصلاة المعادة، وفى المجموعة جمع تقديم لمطر وفى المنذورة جماعتها ومندوبة فى العيدين والاستسقاء والكسوف والتراويح ووتر رمضان وفى صلاة مقضية خلف مثلها من نوعها كظهر خلف ظهر. ومباحة فى غير ما ذكر من النوافل. وسنة فى صلاة الجنازة.
(وقالت) الحنبلية: الجماعة شرط لصحة صلاة الجمعة والعيد وسنة لصلاة الجنازة والاستسقاء والتراويح ومباحة فى التهجد والرواتب.
(تنبيه) علم أن الجماعة فى النفل المطلق مباحة عند الأئمة الأربعة. لكن محله عند الحنفية والمالكية إذا لم تكن على سبيل التداعى " لقول " أنس: دخل رسول الله ﷺ على أم حَرام فأتوه بسَمُن وتمر فقال: ردوا هذا فى وعائه وهذا فى سقائه فإنى صائم. ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوعاً فأقامنى عن يمينه على بِساط، وقامت أمُّ سليم وأم حرام خلفنا أخرجه أبو داود (١) ﴿٥٨﴾
" ولقول " ابن عباس: بتُّ فى بيت خالتى ميمونة فقام رسول الله ﷺ من الليل فأطلق القِرْبَة فتوضأ ثم أوكى القربة ثم قام إلى الصلاة. فقمت فتوضأت كما توضأ ثم جئت فقمتٌّ عن يساره فأخذنى بيمينه فأدارنى من ورائه فأقامنى عن يمينه فصليت معه. أخرجه السبعة إلا الترمذى وهذا لفظ أبى داود (٢). ﴿٥٩﴾
стр. 932
(وقالت) الشافعية والحنبلية: تباح الجماعة فى النفل المطلق ولو كثر الجمع، لظاهر قول محمد بن الربيع: سمعت عتْبَان بنَ مالك الأنصارىَ قال: استأذن النبى ﵌ فأَذنتُ له فقال: أين تحبَ أن أصلىَ من بيتكَ؟ فأشرتُ له إلى المكان الذى أحبّ فقام وصفَفَنَا خلفه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا. أخرجه البخارى (١). ﴿٦٠﴾
(٣) جماعة النساء:
اختلف العلماء فى حكمها (قالت) الشافعية والحنبلية: تستحب الجماعة لنساء اجتمعن منفردات عن الرجال سواء أكان إمامهن منهن أم لا. وهو رواية عن مالك وحكاه ابن المنذر عن عائشة وأم سلمة وعطاء والثورى والأوزاعى وإسحاق وأبى ثور " لقول " رائطة الحنفية أمتنا عائشة فقامت بيننا فى الصلاة المكتوبة. أخرجه الدار قطنى والبيهقى. وعبد الرازق فى مصنفه بسند صحيح (٢). ﴿٢٦﴾
وعن إبراهيم النخعى عن عائشة أنها كانت تؤم النساء فى رمضان تطوعاً وتقوم فى وسط الصف. أخرجه أبو يوسف ومحمد فى كتاب الآثار (٣) ﴿٢٧﴾
" ولقول " حُجَيْرة بنت حُصين: أمّتنا أمّ سلمةَ فى صلاة العصر فقامت بيننا. أخرجه الدار قطنى والبيهقى وابن أبى شيبة وعبد الرازق والشافعى فى مسنده بسند صحيح (٤). ﴿٢٨﴾
(وروى) الوليد بن جُمَيع عن ليلى بنت مالك عن أم وَرَقة الأنصارية أن النبى ﷺ كان يقول: انطلقوا بنا إلى الشهيدة فنزورها وأمر
стр. 933
أن يؤذّنَ لها ويُقامَ وتؤُمّ أهلَ دراها فى الفرائض. أخرجه البيهقى والحاكم وقال: قد احتج مسلم بالوليد بن جميع (١). ﴿٦١﴾
(وقال) الحنفيون: تكره جماعة النساء وحدهن، فإن فعلنَ يقف الإمام وسطهن وجوباً، لفعل عائشة وأم سلمة ذلك حين كانت جماعتهن مستحبة، ثم نسخ الاستحباب. ومال الكمال ابن الهمام إلى جواز جماعتهن بدون كراهة لأنه لا دليل على النسخ. وعليه فلا كراهة فى قيام إمامهن وسطهن.
(وقال) الحسن البصرى والمالكية: لا تجوز جماعة النساء فى فرض ولا نفل. ولا دليل عليه (وقال) الشعبى والنخعى وقتادة: تجوز إمامة المرأة فى النفل دول الفرض. ويرده ما تقدم عن عائشة وأم سلمة وأم ورقة.
(وقال) داود والمزنى والطبرى: تجوز إمامة المرأة ولو للرجال، لظاهر حديث عبد الرحمن بن خَلاّد عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث أن النبى ﷺ كان يزورها وجعل لها مؤذناً يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن: وأنا رأيت مؤذّنها شيخاً كبيراً. أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة (٢). ﴿٦٢﴾
(وأجاب) الجمهور بأنه ليس صريحاً فى أن المؤذن صلى خلفها، لاحتمال أنه أذن ثم ذهب إلى المسجد ليصلى فيه.
ومما تقدم أن الراجح القول بجواز إمامة المرأة للنساء فقط بلا كراهة وتقف وسطهن (قال) أبو الطيب محمد شمس: الحق بعد ذكر الروايات السابقة وهذه الروايات كلها تدل على استحباب إمامة المرأة للنساء فى الفرائض
стр. 934
والنوافل. وهذا هو الحق وبه يقول الشافعى والأوزاعى والثورى وأحمد وأبو حنيفة وجماعة (١).
(٤) حضور النساء المساجد:
يجوز للنساء حضور الجماعة بالمساجد إذا خرجن متسترات غير متبرجات ولا متطيبات ولا متحليات بما يثير الفتنة وعدمُ حضورهن أفضل " لحديث " ابن عمر أن النبى ﷺ قال: لا تمنعوا نساءكم المساجد ويبوتهن خير لهنّ. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى وابن خزيمة (٢). ﴿٦٣﴾
" ولحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله. وليخرُجن وهنّ تَفِلاتٌ. أخرجه الشافعى وأحمد وأبو داود والبيهقى والدارمى بسند جيد. وأخرج مسلم صدره عن ابن عمر (٣). ﴿٦٤﴾
(وقالت) أم حميد: يا رسول الله إنى أحب الصلاةَ معك. قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معى وصلاتك فى بيتك خير لك من صلاتك فى دارك وصلاتك فى دارك خير لك من صلاتك فى مسجد قومك وصلاتك فى مسجد قومك خير لك من صلاتك فى مسجدى. (الحديث) أخرجه أحمد وابن حبان وابن خزيمة بسند رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سُويدٍ الأنصارى وثقه ابن حبان (٤). ﴿٦٥﴾
стр. 935
فجواز خروجهن إلى المساجد مشروط بأمن الفتنة، وإلاُ منِعْنَ الخروج كما هو الحال فى زماننا (قالت عائشة) رضى الله عنها: لو أدْرك رسولُ الله ﷺ ما أحدث النساءُ بعده لمنعَهُنّ المسجد كما مُنِعَه نساء بنى إسرائيل. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقى (١). ﴿٢٩﴾
قال البدر العينى: لو شاهدتْ عائشة ما أحدث نساءُ هذا الزمان من أنواع البدع والمنكرات لكانت أشدّ إنكاراً ولاسيما نساء مصر، فإنهن أحدثن من البدع والمخالفات ما لا يوصف. منها الشاشات على رءوسهن كأسنمة البُخْت المائلة. ومنها مشيهن فى الأسواق فى ثياب فاخرة وهن متبخرات متعطرات مائلات متزاحمات مع الرجال مكشوفات الوجوه (٢) وقد تحقق فيهن قول النبى ﷺ : صنفان من أهل النار لم أرَهما: قوم معهم سِياط كأذناب بالقر يضربون بها الناسَ. ونساء كاسيات عاريات مُميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخُلْن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. أخرجه مسلم عن أبى هريرة (٣). ﴿٦٦﴾
وهو من أعلام نبوته صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم الظاهرة.
وقال النووى: قوله ﷺ " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " وشبههه من أحاديث الباب ظاهرة فى أنها لا تمنع المسجد لكن بشرط إلا تكون متطيبة ولا متزينة ولا ذات خلاخل يُسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة ولا مختلطة بالرجال ولا شابة ولا نحوها ممن يفتتن بها، وألا يكون فى الطريق ما يخاف
стр. 936
منه مفسدة ونحوها. وهذا النهى للتنزيه إذا كان للمرأة زوج ووجدت الشروط. وإن لم يكن لها زوج حرم المنع إذا وجدت الشروط (١).
وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء لما تقدم " ولقولِ " أبى هريرة: قال رسول الله ﷺ : أيُّما امرأةٍ أصابت بخوراً فلا تشهَدَنّ عشاء الآخِرةِ. أخرجه أحمد ومسلم والبيهقى (٢). ﴿٦٧﴾
والتقييد بالعشاء لأنه وقت ظلمه فيكثر فيه الفسق والفجور. وإلا فكل صلاة كذلك إذا خيفت الفتنة من حضورها.
(٥) ما نحقق به الجماعة:
تنعقد الجماعة فى غير الجمعة - عند الحنفيين والشافعى - بواحد مع الإمام ولو امرأة أو صبياً مميزاً فى مسجد أو غيره فى الفرض وغيره " لحديث " أبى إمامة الباهلى أن النبى ﷺ قال: اثنان فما فوقهما جماعة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفيه مسلمة بن علىّ وهو ضعيف. وأخرجه ابن ماجه والبيهقى والدار قطنى عن أبى موسى الأشعرى بسند ضعيف. والدار قطنى عن ابن عمرو بن العاص. وفى سنده متروك (٣). ﴿٦٨﴾
وقال إبراهيم النخعى: الرجل مع الرجل جماعة، لهما التضعيف خمساً وعشرين. أخرجه ابن أبى شيبة. ﴿٢٩﴾
" وقال " ابن عباس: صليت مع النبى ﷺ فقمت إلى جنبه عن يساره فأخذنى فأقامنى عن يمينه وأنا يومئذ ابن عشر سنين. أخرجه أحمد (٤). ﴿٦٩﴾
стр. 937
(وقال) شر حبيل: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ يصلى فى المغرب فجئت فقمت عن يساره فأقامنى عن يمينه. أخرجه ابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة فى صحيحهما. وشر حبيل ضعفه غير واحد، واتهم بالكذب لكن ذكره ابن حبان فى الثقات (١). ﴿٧٠﴾
وكانت عائشة يؤمها عبدُها ذكوانُ من المصحف. ذكره البخارى معلقاً (٢). ﴿٣٠﴾
(وقالت) الحنبلية تنعقد الجماعة بالصبى المميز فى النفل دون الفرض. وهو رواية عن مالك، لظاهر حديث ابن عباس السابق. وردّ بأن الأصل عدم التفرقة بين الفرض والنفل (وقالت) المالكية: لا تعقد الجماعة بصبى لا فى الفرض ولا فى النفل. ويرده حديث ابن عباس السابق.
(أما الجمعة) فسيأتى بيان ما تتحقق به جماعتها فى بحثها إن شاء الله تعالى.
(٦) ما تدرك به الجماعة:
يدرك فضل الجماعة بإدراك جزء منها مع الإمام قبل السلام. فمن أحرم قبل الإسلام إمامه فقد أدرك فضل الجماعة ولو لم يقعد معه فى الجمعة وغيرها عند أبى حنيفة وأبى يوسف والجمهور وبعض المالكية، لعموم حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعَون وأتوها تمشُون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. أخرجه الشافعى والسبعة (٣). ﴿٧١﴾
стр. 938
وهو بعمومه بتناول الجمعة وغيرها (وقالت) الشافعية وأحمد ومحمد بن الحسن: هو خاص بغير الجمعة. أما الجمعة فلا تدرك فيها الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام. لما روى يحيى بن المتوكل عن صالح بن أبى الأخضر عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليْصلِّ إليها أخرى، فإن أدركهم جلوساً صلى أربعاً. أخرجه البيهقى والدار قطنى. ويحيى وصالح ضعفهما غير واحد فلا يقبل ما زيد فى روايتهما من قوله: فإن أدركهم الخ. أخرجه ابن ماجه بغير هذه الزيادة وفى سنده عمر بن حبيب وقد اتفقوا على ضعفه. وأخرجه الحاكم من ثلاث طرق وقال: أسانيدها صحيحة "ورد" بأن فى أحدها صالح بن أبى الأخضر وقد ضعفه غير واحد. وفى أخرى حيى بن أيوب. وهو متروك لا يحتج به، وقال النسائى ليس بالقوى (١). ﴿٧٢﴾
" ولقول " ابن مسعود: إذا أدركتَ ركعة من الجمعة فأضف إليها أخرى فإذا فاتك الركوع فصلّ أربعاً.
أخرجه البيهقى. وأخرج نحوه عن ابن عمر (٢). ﴿٣١﴾
(ومشهور) مذهب المالكية أنه لا يدرك فضل الجماعة فى الجمعة وغيرها إلا بإدراك ركعة مع الإمام، لمفهوم حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. أخرجه أحمد والأربعة والبيهقى. وأخرجه مسلم بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة. وفى رواية للنسائى: فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضى ما فاته (٣). ﴿٧٣﴾
стр. 939
بقوله: إلا أنه يقضى ما فاته، اتضح معنى الحديث، لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركاً كل الصلاة بحيث تبرأ ذمته: منها، فلابد من إضمار تقديره: فقد أدرك فضل الجماعة بإدراك ركعة مع الإمام. ولا دليل لهم فى الحديث، لاحتمال أن المعنى أدرك وقتها فيكون من أدرك ركعة فى الوقت فقد أدركها أداء ولو أتمها خارج الوقت: أو المراد أدرك حكمها فيما يفوته من سهو الإمام ولزوم الإتمام والوجوب فيكون الحديث محمولا على أرباب الأعذار. فمن زال عذره من نحو حيض أو جنون وقد بقى من الوقت ما يسع ركعة وجبت عليه تلك الصلاة.
(٧) تفاوت الجماعة فى الفضل:
أصل فضل الجماعة يحصل بأقلها وفى أى مكان. فيجوز عند الجمهور فعلها فى البيت والصحراء (لحديث) جابر أن النبى ﵌ قال: أعطيت خمساً لم يُعْطَهُنَّ أحد قبلى: نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلتْ الأرضٌ لأمتى طَهوراً ومسجداً، فأيما رجلٍ من أمتى أدركته الصلاة صلى حيث كان (الحديث) أخرجه الشيخان (١). ﴿٧٤﴾
وعن بعض الحنبلية أن تأديتها فى المسجد واجب على من كان قريباً منه " لحديث " جابر وأبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد. أخرجه الدار قطنى بسند ضعيف. وأخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة وقال: وقد صحت الرواية عن أبى موسى: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له (٢). ﴿٧٥﴾
(وأجاب) الجمهور بأنه لا يعرف مرفوعاً إنما هو من قول على رضى الله عنه. وعلى فرض رفعه فليس له إسناد ثابت. قاله ابن حجر فى تخريج الرافعى (٣)
стр. 940
وعلى فرض ثبوته فالمراد من النفى نفى الكمال والفضيلة. فإن الأخبار الصحيحة صريحة فى أن الصلاة فى غير المساجد صحيحة.
هذا. ويكثر فضل الجماعة ويتزايد ثوابها بأمور أربعة:
(الأول) كثرة العدد: فكلما كثر عدد المصلين فيها زاد الثواب " لقول " أبىّ بن كعب: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبحَ فقال: أشاهدٌ فلان؟ قالوا لا. قال: أشهد فلان؟ قالوا لا. قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلواتِ على المنافقين. ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبواً على الركب. وإن الصف الأولَ على مِثْلَ صفِّ الملائكة ولو علمتم ما فى فضيلته لا بتدر تموه. وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاتُه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل. وما كثر فهو أحب إلى الله . أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى، وابن حبان وابن خزيمة فى صحيحهما، وصححه ابن السكن والعقيلى والحاكم وابن معين (١). . ﴿٧٦﴾
ففيه دليل على أن الصلاة فى المسجد الذى يكثر جمعه أفضل. ويستثنى منه مسألتان.
стр. 941
(أ) إذا تعطل مسجد بغيبة واحد أو جماعة، فالصلاة فيه أفضل وإن قل جمعه.
(ب) إذا كان إمام مسجد الأكثر مبتدعاً، فالصلاة فى غيره أفضل وإن قل جمعه.
(الثانى) بعدُ المنزل عن المسجد: كلما كان المنزل أبعد كان الثواب أكثر، لما فيه من كثرة الخطأ "ولحديث" أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظم أجراً. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى والحاكم وصححه (١). ﴿٧٧﴾
" ولحديث " سعيد بن المسيب عن رجل من الصحابة أن النبى ﷺ قال: إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولا يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة فليقرِّب أحدكم أو ليبعِّد فإن أتى المسجد فصلى فى جماعة غُفِر له. فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضاً وبقى بعضٌ، صلى ما أدرك وأتم ما بقى كان كذلك. فإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كذلك. أخرجه أبو داود والبيهقى (٢) ﴿٧٨﴾
стр. 942
" ولقول " جابر بن عبد الله: كانت ديارنا نائية عن المسجد فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقتربَ من المسجد فنهانا رسول الله ﷺ فقال: إن لكم بكل خطوة درجة. أخرجه مسلم (١). ﴿٧٩﴾
" ولا تعارض " بين هذه الأحاديث وحديث حذيفة بن اليمان أن النبى ﷺ قال: فضل الدار القريبة من المسجد على الدار الشاسعة كفضل الغازى على القاعد. أخرجه أحمد وحسنه المناوى وصححه السمِوطى (٢). ﴿٨٠﴾
" لأن " هذا وارد فى فضل البيت القريب من المسجد، وأحاديث الباب فى فضل المشى إلى المسجد، فالبعيد داراً مشيه أكثر وثوابه أعظم والبيت القريب أفضل. وقيل أحاديث الباب محمولة على من لم تتوقف عليه الجماعة ولا مصلحةُ المسجد. وحديث حذيفة محمول على من تتوقف عليه الجماعة أو مصلحة المسجد من إمام وغيره فسكناه قريباً من المسجد أفضل من بعده عنه. ولذا كانت مساكن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورؤساء الصحابة كأبى بكر قريبة من المسجد، أو لقربه مزية أخرى وهى التمكن من ملازمة المسجد وكثرة التعبد فيه. فلكل مِنْ قُرب المسجد وبعده مزية خاصة.
(الثالث) الصلاة فى الفلاة: ومما يزيد فى فضل الجماعة تأديتها فى الفلاة وهى الأرض المتسعة التى لا ماء فيها " لحديث " أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ قال: الصلاةُ فى جماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة، فإذا صلاها فى فلاة فأتمّ ركوعَها وسجودها بلغت خمسين صلاة.
стр. 943
أخرجه أبو داود والحاكم وصححه (١). ﴿٨١﴾
وهو يدل على أفضلية الصلاة فى الفلاة مع تمام الركوع والسجود وأنها تعدل خمسين صلاة فى جماعة. وعليه فالصلاة فى الفلاة تعدل خمسين ومائتين وألف صلاة فى غير جماعة. وهذا على فرض أن المصلى فى الفلاة صلى منفرداً فإن صلى فى جماعة تضاعف العدد المذكور بحسب تضاعف صلاة الجماعة على الانفراد. وفضل الله واسع (وقد ورد) فى فضل الصلاة فى الصحراء أحاديث أخَر "كحديث" عقبة بن عامر أن النبى ﷺ قال: يعَجْب ربك من راعى غنم فى رأس شَظِيَّةٍ بجبل يؤذن بالصلاة ويصلى فيقولُ الله : انظروا إلى عبدى هذا يُؤذّن ويقيم الصلاةَ يخاف منى قد غفرت لعبدى وأدخلته الجنة. أخرجه أبو داود والنسائى (٢). ﴿٨٢﴾
(والحكمة) فى اختصاص صلاة الفلاة بهذه المزّية أن المصلىَ فيها يكون فى الغالب مسافراً. والسفر مظِنَّة المشقة فإذا صلاها المسافر مع حصول المشقة تضاعفت إلى ذلك المقدار. وأيضاً الفلاة فى الغالب من مواطن الخوف والفزع لما جبلت عليه الطباع البشرية من التوحّش عند مفارقة النوع الإنسانى، فالإقبال مع ذلك على الصلاة أمر لا يناله إلا من بلغ فى التقوى إلى حد يقصر عنه كثير من أهل الإقبال والقبول. وأيضاً فى مثل هذا الموطن تنقطع الوساوس التى تقود إلى الرياء فإيقاع الصلاة فيها شأن أهل الإخلاص (ومن) ها هنا كانت صلاة الرجل فى البيت المظلم الذى
стр. 944
لا يراه فيه أحد إلا الله أفضل الصلوات على الإطلاق. وليس ذلك إلا لانقطاع حبائل الرياء الشيطانية التى يقتنص بها كثيراً من المتعبدين. فكيف لا تكون صلاة الفلاة مع انقطاع تلك الحبائل وانضمام ما سلف إلى ذلك بهذه المنزلة؟
(الرابع) الصف الأول: وهو الذى يلى الإمام ولو تخللته مقصورة ونحوها على الصحيح الذى يقتضيه ظاهر الأحاديث. والصلاة فيه أفضل لأن الله تعالى ينزل رحمته أولا على أهل الصف الأول والملائكة تستغفر لهم. ولأنهم حازوا فضيلة السبق والقرب من الإمام. وقد ورد فى ذلك أحاديث " كحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: خيرُ صفوف الرجال أولها وشرها آخرها. وخيرُ صفوف النساء آخرها وشرها أولها أخرجه السبعة إلا البخارى وقال الترمذى حديث حسن صحيح (١). ﴿٨٣﴾
وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لما فيه من بعدهن عن الرجال بخلاف الصف الأول من صفوفهن فإنه مظنة المخالطة وتعلق قلوبهن بالرجال. " وحديث " النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف الأولى. أخرجه أحمد والبزار بسند رجاله ثقات (٢). ﴿٨٤﴾
" وحديث " عائشة أن رسول الله ﷺ قال: لا يزال قوم
стр. 945
يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله فى النار. أخرجه أبو داود وابن حبان والبيهقى. وأخرجه مسلم من حديث أبى سعيد بلفظ: لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله (١). ﴿٨٥﴾
ففى هذه الأحاديث الترغيب فى المبادرة إلى الصف الأول، لما فيه من كامل الثواب. لكن محله ما لم يترتب على الدخول فيه ضرر، وإلا فلا ثواب فيه بل من تأخر عنه خشية الإضرار فله أجر زائد على الصف الأول " لحديث " ابن عباس أن النبى ﷺ قال: من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذى أحداً أضعف الله له أجر الصف الأول. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفى سنده نوح بن أبى مريم وهو ضعيف (٢). ﴿٨٦﴾
(٨) شروط الجماعة:
هى قسمان: ما يتعلق بالإمام، وما يتعلق بالمأموم.
(أ) فيشترط فى إمام الرجال الأصحاء تسعة شروط:
(الأول) الإسلام: وهو شرط عام، فلا تصح إمامة الكافر إجماعاً.
(الثانى) العقل: فلا تصح إمامة المجنون المطبِق جنونهُ، والسكران المعتوه أما من يُجنّ ويُفيق فتصح إمامته حال إفاقته.
стр. 946
(الثالث) البلوغ: فلا تصح إمامة الصبى ولو مراهقاً للرجال لا فى فرض ولا فى نفل عند الحنفيين "لحديث" على رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: رُفِع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يبلغ (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود (١). ﴿٨٧﴾
فإنه يفيد أن الصبى غير مكلف وصلاته نافلة فلا يجوز الاقتداء به ولأن الإمام ضامن وليس الصبى من أهل الضمان، لأنه غير مكلف فأشبه المجنون والإمامة ولاية والصبى ليس من أهلها فأشبه المرأة (وقالت) المالكية والحنبلية: لا تصح إمامة صبى بالغ فى الفرض. وفى النافلة روايتان.
(وقال) الحسن البصرى والثورى وإسحاق: تصح إمامة الصبى للبالغ فى الفريضة والنافلة. وبه قالت الشافعية إلا فى الجمعة إذا كان الإمام من العدد الذى لا تصح إلا به، فإنه يشترط أن يكون الإمام بالغاً. وهذا التفضيل لا دليل عليه.
ويدل على جواز إمامة الصبى مطلقاً (قول عمرو) بن سلِمة: كنا بحاضرٍ يمرّ بنا الناس إذا أتوا النبى ﷺ فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا، وكنت غلاماً حافظاً فحفظت من ذلك قرآنا كثيراً، فانطلق أبى وافداً إلى رسول الله ﷺ فى نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال: يؤمكم أقرؤكم فكنت أقرأهم لما كنت أحفظ فقدمونى فكنت أؤمهم وعلىّ بُرْدةٌ لى صغيرة صفراء فكنت إذا سجدت تكشفت عنى، فقالت امرأة: واروا عنا عورة
стр. 947
قارئكم. فاشتروا لى قميصاً عُمَانيًّا فما فرحت بشئ بعد الإسلام فرحى به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين. أخرجه أحمد والبخارى والنسائى وأبو داود. واللفظ له (١). ﴿٨٨﴾
(وأجاب) الأولون عنه بأنه كان فى ابتداء الإسلام حيث لم تكن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام. (وقال) الخطابى: كان الإمام أحمد يضعف أمر عَمرو بن سلِمة وقال مرة: دعه ليس بشئ بّين (٢) ورُدّ بأن عمرو
بن سلِمة صحابى مشهور. وقد ورد ما يدل على أنه وفد على النبى ﷺ .
" وأما القدح " فى الحديث بأن فيه كشف العورة وهو لا يجوز " فهو " من الغرائب، كيف وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدى أُزُرهم، ويقال للنساء لا ترفعْنَ رءُوسكُنّ حتى يستوىَ الرجال جلوساً.
(وقال) الصنعاتى: دليل الجواز (أى جواز إمامة الصبى) وقوع ذلك فى زمن الوحى ولا يُقًرّ فيه على فعل ما لا يجوز سيما فى الصلاة، وقد نبه ﷺ بالوحى على القذى الذى كان فى نعله، فلو كانت إمامة الصبى لا تصح لنزل الوحى بذلك. واحتمال أنه أمهم فى نافلة يبعده سياق القصة، فإنه ﷺ علمهم أوقات الفرائض ثم قال: يؤمكم أكثركم قرآناً. وفى رواية لأحمد وأبى داود: قال عمرو: فما شهدتُ مجمعاً من جَرْمِ إلا كنتُ
стр. 948
إمامهم وكنت أصلى على جنائزهم إلى يومى هذا (١). وهذا يعم الفرائض والنوافل. ويحتاج من يدعى التفرقة بين الفرض والنفل وأنه تصح إمامة الصبى فى هذا دون ذاك إلى دليل (٢).
(الرابع) الذكور: فلا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى للرجال، ولا إمامة المرأة للخنثى عند الأئمة والجمهور. " لحديث " جابر أن النبى ﷺ قال: لاَ تؤُمَّنَّ امرأة رجلا. أخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند رواهٍ فيه عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد بن جدعان وهما ضعيفان، بل العدوى اتهمه وكيع بوضع الحديث. وله طرق أخرى فيها عبد بن حبيب متهم بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد (٣). ﴿٨٩﴾
أما إمامة المرأة للنساء فقد تقدم بيانه وافياً (٤). وجملة القول أن كلا من الإمام والمقتدى إما ذكر أو أنثى أو خنثى، وكل منهم إمام بالغ أو غيره. فالذكر البالغ تصح إمامته للكل اتفاقاً، ولا يصح اقتداؤه إلا بمثله عند غير الشافعية. وقالت الشافعية. يصح اقتداؤه بمثله وبصبى مميز.
والأنثى البالغة تصح إمامتها لأنثى مطلقاً بلا كراهة عند الشافعى وأحمد ومع الكراهة عند الحنفيين، ولا تصح إمامتها مطلقاً عند المالكية.
ويصح اقتداؤها بالرجل اتفاقاً. واقتداؤها بمثلها وبالخنثى البالغ صحيح
стр. 949
بلا كراهة عند الشافعى وأحمد. ومع الكراهة عند الحنفيين. ولا يصح عند المالكية.
والخنثى البالغ تصح إمامته للخنثى مطلقاً عند غير المالكية. ولا تصح إمامته لرجل ولا لمثله اتفاقاً. ويصح اقتداؤه برجل لا بمثله ولا بأثنى مطلقاً اتفاقاً. والذكر غير البالغ تصح إمامته لغير البالغ مطلقاً اتفاقاً. وكذا يؤم البالغ عند الشافعية. ويصح اقتداؤه بالذكر اتفاقاً.
والأنثى غير البالغة تصح أمامتها لمثلها فقط عند غير المالكية، ويصح اقتداؤها بالكل اتفاقاً.
والخنثى غير البالغ تصح إمامته لأنثى غير بالغة فقط خلافاً لمالك. ويصح اقتداؤه بالذكر مطلقاً فقط اتفاقاً.
(الخامس) كون الإمام قارئاً: أى يحفظ ما تصح به الصلاة. فلا تصح إمامة الأمى للقارئ، لأن القراءة ركن الصلاة، فلا يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه كالطهارة وستر العورة، لأن الإمام يتحملها عن المأموم كما تقدم. وليس الأمى من أهل التحمل. وهو:
(أ) من لا يسحن ما تصح به الصلاة من الفاتحة أو ما تيسر من القرآن كما تقدم بيانه (١).
(ب) أو ينطق بالحروف على غير وجهها عند غير المالكية، كأن يبدل السين ثاء. أو الذال زاياً أو الراء غيناً أو لاماً وهو الألثغ، أو يدغم منها حرفاً لا يدعم كأن يقول (المتَّقيم) بدل (المستقيم) وهو الأرت. وقيل هو الذى فى لسانه عجلة تسقط بعض الحروف.
(ج) أو يَلْحَنَ فى القرآن لحناً يخل المعنى كفتح همزة (اهدنا) وضم أو كسر تاء (أنعمت).
стр. 950
(د) ومن الأمى عند الحنفيين التأتاء (وهو الذى يكرر التاء) والفأفاء (وهو الذى يكرر الفاء) فلا تصح إمامتهما إلا لمثلها عندهم. وقال غيرهم: تصح إمامتهما لغير من يماثلهما مع الكراهة. ومثلهما عن المالكية الألثغ والأرت وكل من لا يستطيع النطق ببعض الحروف أو يدغم حرفاً فى غير موضعه فتصح إمامته للسالم من هذا النقص ولو وَجد من يعلمه واتسع الوقت لتعليمه ولا يلزمه الاجتهاد فى إصلاح لسانه. ويجب على الأمى أن يجتهد فى حفظ ما تصح به الصلاة وفى إصلاح لسانه ورده إلى الصواب، أو يقرأ ما يستقيم فيه لسانه من القرآن. فإن قصرّ مع القدرة بطلت صلاته وإمامته لمثله. وإن عجز عن ذلك صحت صلاته وإمامته لمثله وإن وُجد قارئ يصلى بهما خلافاً للمالكية حيث قالوا: إن وجد قارئ وجب عليهما الاقتداء به، وإلا بطلت صلاتهما.
(السادس) سلامة الإمام من الأعذار: كالرعاف الدائم وانفلات الريح وانطلاق البطن وسلس البول. فلا تصح إمامة معذور لغير معذور ولا لمعذور مبالى بغير عذره كاقتداء مبطون بمن به سلس عند كافة العلماء، خلافاً للمالكية حيث قالوا: لا يشترط فى صحة الإمامة سلامة الإمام من عذر معفوّ عنه فى حقه كسلس بول لازمه ولو نصف الزمن، كما تقدم فى بحث " وضوء المعذور " فتصح إمامته للصحيح مع الكراهة.
(السابع) سلامة الإمام من فقد شرط من شروط صحة الصلاة: كستر العورة والطهارة من الحدث والخبث. فلا تصح إمامة العارى القدر على الستر للمكتسى اتفاقاً، وكذا إمامة العارى العاجز عن السترة للمكتسى خلافاً للمالكية حيث قالوا بجوازها مع الكراهة.