(الثالث) البلوغ: فلا تصح إمامة الصبى ولو مراهقاً للرجال لا فى فرض ولا فى نفل عند الحنفيين "لحديث" على رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: رُفِع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يبلغ (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود (١). ﴿٨٧﴾
فإنه يفيد أن الصبى غير مكلف وصلاته نافلة فلا يجوز الاقتداء به ولأن الإمام ضامن وليس الصبى من أهل الضمان، لأنه غير مكلف فأشبه المجنون والإمامة ولاية والصبى ليس من أهلها فأشبه المرأة (وقالت) المالكية والحنبلية: لا تصح إمامة صبى بالغ فى الفرض. وفى النافلة روايتان.
(وقال) الحسن البصرى والثورى وإسحاق: تصح إمامة الصبى للبالغ فى الفريضة والنافلة. وبه قالت الشافعية إلا فى الجمعة إذا كان الإمام من العدد الذى لا تصح إلا به، فإنه يشترط أن يكون الإمام بالغاً. وهذا التفضيل لا دليل عليه.
ويدل على جواز إمامة الصبى مطلقاً (قول عمرو) بن سلِمة: كنا بحاضرٍ يمرّ بنا الناس إذا أتوا النبى ﷺ فكانوا إذا رجعوا مروا بنا فأخبرونا أن رسول الله ﷺ قال كذا وكذا، وكنت غلاماً حافظاً فحفظت من ذلك قرآنا كثيراً، فانطلق أبى وافداً إلى رسول الله ﷺ فى نفر من قومه فعلمهم الصلاة وقال: يؤمكم أقرؤكم فكنت أقرأهم لما كنت أحفظ فقدمونى فكنت أؤمهم وعلىّ بُرْدةٌ لى صغيرة صفراء فكنت إذا سجدت تكشفت عنى، فقالت امرأة: واروا عنا عورة
стр. 947
قارئكم. فاشتروا لى قميصاً عُمَانيًّا فما فرحت بشئ بعد الإسلام فرحى به، فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين. أخرجه أحمد والبخارى والنسائى وأبو داود. واللفظ له (١). ﴿٨٨﴾
(وأجاب) الأولون عنه بأنه كان فى ابتداء الإسلام حيث لم تكن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام. (وقال) الخطابى: كان الإمام أحمد يضعف أمر عَمرو بن سلِمة وقال مرة: دعه ليس بشئ بّين (٢) ورُدّ بأن عمرو
بن سلِمة صحابى مشهور. وقد ورد ما يدل على أنه وفد على النبى ﷺ .
" وأما القدح " فى الحديث بأن فيه كشف العورة وهو لا يجوز " فهو " من الغرائب، كيف وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدى أُزُرهم، ويقال للنساء لا ترفعْنَ رءُوسكُنّ حتى يستوىَ الرجال جلوساً.
(وقال) الصنعاتى: دليل الجواز (أى جواز إمامة الصبى) وقوع ذلك فى زمن الوحى ولا يُقًرّ فيه على فعل ما لا يجوز سيما فى الصلاة، وقد نبه ﷺ بالوحى على القذى الذى كان فى نعله، فلو كانت إمامة الصبى لا تصح لنزل الوحى بذلك. واحتمال أنه أمهم فى نافلة يبعده سياق القصة، فإنه ﷺ علمهم أوقات الفرائض ثم قال: يؤمكم أكثركم قرآناً. وفى رواية لأحمد وأبى داود: قال عمرو: فما شهدتُ مجمعاً من جَرْمِ إلا كنتُ
стр. 948
إمامهم وكنت أصلى على جنائزهم إلى يومى هذا (١). وهذا يعم الفرائض والنوافل. ويحتاج من يدعى التفرقة بين الفرض والنفل وأنه تصح إمامة الصبى فى هذا دون ذاك إلى دليل (٢).
(الرابع) الذكور: فلا تصح إمامة المرأة ولا الخنثى للرجال، ولا إمامة المرأة للخنثى عند الأئمة والجمهور. " لحديث " جابر أن النبى ﷺ قال: لاَ تؤُمَّنَّ امرأة رجلا. أخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند رواهٍ فيه عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد بن جدعان وهما ضعيفان، بل العدوى اتهمه وكيع بوضع الحديث. وله طرق أخرى فيها عبد بن حبيب متهم بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد (٣). ﴿٨٩﴾
أما إمامة المرأة للنساء فقد تقدم بيانه وافياً (٤). وجملة القول أن كلا من الإمام والمقتدى إما ذكر أو أنثى أو خنثى، وكل منهم إمام بالغ أو غيره. فالذكر البالغ تصح إمامته للكل اتفاقاً، ولا يصح اقتداؤه إلا بمثله عند غير الشافعية. وقالت الشافعية. يصح اقتداؤه بمثله وبصبى مميز.
والأنثى البالغة تصح إمامتها لأنثى مطلقاً بلا كراهة عند الشافعى وأحمد ومع الكراهة عند الحنفيين، ولا تصح إمامتها مطلقاً عند المالكية.
ويصح اقتداؤها بالرجل اتفاقاً. واقتداؤها بمثلها وبالخنثى البالغ صحيح
стр. 949
بلا كراهة عند الشافعى وأحمد. ومع الكراهة عند الحنفيين. ولا يصح عند المالكية.
والخنثى البالغ تصح إمامته للخنثى مطلقاً عند غير المالكية. ولا تصح إمامته لرجل ولا لمثله اتفاقاً. ويصح اقتداؤه برجل لا بمثله ولا بأثنى مطلقاً اتفاقاً. والذكر غير البالغ تصح إمامته لغير البالغ مطلقاً اتفاقاً. وكذا يؤم البالغ عند الشافعية. ويصح اقتداؤه بالذكر اتفاقاً.
والأنثى غير البالغة تصح أمامتها لمثلها فقط عند غير المالكية، ويصح اقتداؤها بالكل اتفاقاً.
والخنثى غير البالغ تصح إمامته لأنثى غير بالغة فقط خلافاً لمالك. ويصح اقتداؤه بالذكر مطلقاً فقط اتفاقاً.
(الخامس) كون الإمام قارئاً: أى يحفظ ما تصح به الصلاة. فلا تصح إمامة الأمى للقارئ، لأن القراءة ركن الصلاة، فلا يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه كالطهارة وستر العورة، لأن الإمام يتحملها عن المأموم كما تقدم. وليس الأمى من أهل التحمل. وهو:
(أ) من لا يسحن ما تصح به الصلاة من الفاتحة أو ما تيسر من القرآن كما تقدم بيانه (١).
(ب) أو ينطق بالحروف على غير وجهها عند غير المالكية، كأن يبدل السين ثاء. أو الذال زاياً أو الراء غيناً أو لاماً وهو الألثغ، أو يدغم منها حرفاً لا يدعم كأن يقول (المتَّقيم) بدل (المستقيم) وهو الأرت. وقيل هو الذى فى لسانه عجلة تسقط بعض الحروف.
(ج) أو يَلْحَنَ فى القرآن لحناً يخل المعنى كفتح همزة (اهدنا) وضم أو كسر تاء (أنعمت).
стр. 950
(د) ومن الأمى عند الحنفيين التأتاء (وهو الذى يكرر التاء) والفأفاء (وهو الذى يكرر الفاء) فلا تصح إمامتهما إلا لمثلها عندهم. وقال غيرهم: تصح إمامتهما لغير من يماثلهما مع الكراهة. ومثلهما عن المالكية الألثغ والأرت وكل من لا يستطيع النطق ببعض الحروف أو يدغم حرفاً فى غير موضعه فتصح إمامته للسالم من هذا النقص ولو وَجد من يعلمه واتسع الوقت لتعليمه ولا يلزمه الاجتهاد فى إصلاح لسانه. ويجب على الأمى أن يجتهد فى حفظ ما تصح به الصلاة وفى إصلاح لسانه ورده إلى الصواب، أو يقرأ ما يستقيم فيه لسانه من القرآن. فإن قصرّ مع القدرة بطلت صلاته وإمامته لمثله. وإن عجز عن ذلك صحت صلاته وإمامته لمثله وإن وُجد قارئ يصلى بهما خلافاً للمالكية حيث قالوا: إن وجد قارئ وجب عليهما الاقتداء به، وإلا بطلت صلاتهما.
(السادس) سلامة الإمام من الأعذار: كالرعاف الدائم وانفلات الريح وانطلاق البطن وسلس البول. فلا تصح إمامة معذور لغير معذور ولا لمعذور مبالى بغير عذره كاقتداء مبطون بمن به سلس عند كافة العلماء، خلافاً للمالكية حيث قالوا: لا يشترط فى صحة الإمامة سلامة الإمام من عذر معفوّ عنه فى حقه كسلس بول لازمه ولو نصف الزمن، كما تقدم فى بحث " وضوء المعذور " فتصح إمامته للصحيح مع الكراهة.
(السابع) سلامة الإمام من فقد شرط من شروط صحة الصلاة: كستر العورة والطهارة من الحدث والخبث. فلا تصح إمامة العارى القدر على الستر للمكتسى اتفاقاً، وكذا إمامة العارى العاجز عن السترة للمكتسى خلافاً للمالكية حيث قالوا بجوازها مع الكراهة.
стр. 951
ولا تصح إمامة غير المتطهر من الحدث والنجس لمن هو متطهر منهما. ولا تصح صلاة المحدث مطلقاً اتفاقاً، لفقد شرط صحة الصلاة، وكذا إذا صلى بالنجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الصلاة خلافاً للمالكية حيث قالوا: إذا لم يعلم بالنجاسة إلا بعد الفراغ من الصلاة فصلاته صحيحة، لأن الطهارة من الخبث شرط لصحة الصلاة مع الذكر كما تقدم.
أما صلاة المأموم ففيها تفصيل:
(أ) إن كان الإمام متعمداً الحدث ولم يعلم المأموم حاله أصلا فصلاته صحيحة اتفاقاً. وإن علم بحاله قبل
الصلاة فصلاته باطلة اتفاقاً وكذا إن علم به أثناء الصلاة خلافاً للشافعية حيث قالوا: من علم بحدث إمامه فى أثناء الصلاة لزمه نية المفارقة وأتم صلاته، فإن استمر متابعاً ولم ينو المفارقة بطلت. وإن علم بحدث إمامه بعد الصلاة فصلاته باطلة عند الحنفيين ومالك. وصحيحة وله ثواب الجماعة عند الشافعية والحنبلية.
(ب) وإن لم يتعمد الإمام الحدث بأن دخل فى الصلاة ناسياً الحدث، فصلات باطلة اتفاقاً لفقد الشرط. وأما صلاة المأموم فصيحة إن لم يعلم بحال إمامه أصلا. وكذا إن علم به بعد الصلاة عند المالكية والشافعية والحنبلية والثورى وإسحاق"لحديث"جُويبر عن الضحاك بن مزاحم عن البراء بن عازب أن النبى ﷺ قال: أيُّمَا إمام سها فصلى بالقوم وهو جنب فقد مضت صلاتهم ثم ليغتسل هو ثم ليْعد صلاته، فإن صلى بغير وضوء فمثل ذلك. أخرجه الدار قطنى وهو حديث ضعيف فإن جويبراً متروك. والضحاك لم يلق البراء (١) ﴿٩٠﴾
" ولحديث " أبى جابر البيَاضى عن سعيد بن المسيب أن النبى صلى الله عليه
стр. 952
وسلم صلى بالناس وهو جنب فأعاد وأعادوا. أخرجه الدار قطنى وقال: هذا مرسل وأبو جابر البياضى متروك الحديث. وقال يحيى بن معين: هو كذاب (١). ﴿٩١﴾
" ولحديث " أبى أمامه أن النبى ﷺ قال: الإمام ضامن والمؤذن مُوتمنٌ. أخرجه أحمد والطبرانى فى الكبير بسند رجاله موثقّون وأخرجه أحمد والبيهقى والبزار عن أبى هريرة بسند صحيح على شرط مسلم بزيادة: فأرشد الله الأئمة وغفر للمؤذنين (٢). ﴿٩٢﴾
فقد دل على أن الإمام ضامن صلاة المأمومين، وأن صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام. وفسادها بفسادها (روى) أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه. أخرجه محمد فى الآثار وقال: وبه نأخذ إذا صلى الرجل بأصحابه جنباً أو على غير وضوء أو فسدت صلاته بوجه من الوجه فسدت صلاة من خلفه (٣). ﴿٣٢﴾
وهو عام فى العمد والنسيان، لكن هذه الأدلة كما ترى لا وزن لها بجانب الأحاديث الصحيحة القاضية بأنه لا إعادة على من لم يعلم بحدث إمامه إلا بعد الصلاة.
هذا. وجملة القول ما قال ابن رشد: اتفقوا على أنه إذا طرأ على الإمام الحدث فى الصلاة فقطع أن صلاة المأمومين لا تفسد. واختلفوا إذا صلى بهم وهو جنب وعلموا بذلك بعد الصلاة. فقال قوم " يريد الشافعى وأحمد " صلاتهم صحيحة. وقال قوم " يعنى الحنفيين " صلاتهم فاسدة. وفرّق قوم " يعنى مالك " بين أن يكون الإمام عالماً بجنابته فتفسد صلاتهم أو ناسياً لها فلا
стр. 953
تفسد. وسبب اختلافهم هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الإمام أم ليست بمرتبطة؟ فمن لم يرها مرتبطة " كالشافعى وأحمد " قال: صلاتهم جائزة. ومن رآها مرتبطة "كالحنفيين" قال صلاتهم فاسدة. ومن فرّق بين السهو والعمد قصد إلى ظاهر حديث أبى بكر أن النبى ﷺ استفتح الصلاة فكبر ثم أومأ إليهم أنْ مكانَكم ثم دخل فخرج ورأسه يقطرُ فصلى بهم. فلما قضى الصلاة قال: إنما أنا بشِر وإنى كنت جنباً. أخرجه أبو داود وأحمد. وهذا لفظه (١). ﴿٩٣﴾
فإن ظاهره أنهم بنوا على صلاتهم والشافعى يرى أنه لو كانت الصلاة مرتبطة للزم أن يبدءوا بالصلاة مرة ثانية (٢).
(أ) بأن هذا الحديث مختلف فى وصله وإرساله فلا يحتج به.
(ب) بأن قوله فيه: فكبر يعارضه حديث أبى هريرة قال: أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم فخرج رسول الله ﷺ فتقدم وهو جنب فقال: على مكانِكم فرجع فاغتسل ثم خرج ورأسه يقطر ماء فصلى بهم. أخرجه البخارى وأبو داود (٣). ﴿٩٤﴾
فهذا الحديث صريح فى أنه ﷺ انصرف قبل أن يكبر وهو أصح فهو مقدم. والظاهر القول بصحة صلاة المأموم الذى تبين فساد صلاة إمامه لنسيان الحدث. وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد "وأجابوا" " أولا " عن حديث أبى جابر البياضى بأنه ضعيف لا يحتج به، وعلى فرض ثبوته فهو محمول على غير نسيان الحدث " وثانياً " عن حديث: الإمام ضامن
стр. 954
بأن المعنى أنه ضامن لما يقع من أعمال لا تبطل صلاتهم ما دام إماماً لهم. وهذا لا يستلزم أنه إذا بأن حدثه فسدت صلاة من خلفه.
(الثامن) من شروط الإمام صحة صلاته فى اعتقاد المأموم عند الحنفيين:
فلو فسدت صلاة الإمام فى زعم المقتدى كأن صلى حنفى خلف شافعى قاء ملء الفم ولم يتوضأ، أو صل شافعى خلف حنفى مس ذكره مثلا، فصلاة المأموم باطلة، لفساد صلاة الإمام فى زعمه، ومتى عُلم أن الإمام يراعى الخلاف فى الشروط والأركان صح اقتداء به بلا كراهة (قال) العلامة الحلبى: وأما الاقتداء بمخالف فى الفروع كالشافعى فيجوز ما لم يُعلم منه ما يُفسد الصلاة على اعتقاد المقتدى (١).
(وقالت) المالكية والحنبلية: ما كان شرطاً فى صحة الصلاة فالعبرة فيه بمذهب الإمام. وما كان شرطاً فى صحة الاقتداء فالعبرة فيه مذهب المأموم. فلو اقتدى من يرى فرضية مسح كل الرأس كمالكىّ وحنبلى بمن لم يمسحها كلِّها كحنفىّ وشافعىّ فصلاته صحيحة، لصحة صلاةِ إمامه فى مذهبه. ولو اقتدى مالكى فى فرض بشافعى متنفّل فصلاته باطلة، لأن اتحاد صلاة الإمام والمأموم شرط فى صحة الاقتداء كما سيأتى. هذا ما قاله الفقهاء. والمعوّل عيه صحة الاقتداء بالمخالف فى الفروع من غير كراهة، لأن الصحابة والسلف الصالح كان يؤم بعضهم بعضاً مع اختلافهم فى الفروع فكان إجماعاً.
(قال) ابن عابدين: والذى يميل إليه القلب عدم كراهة الاقتداء بالمخالف ما لم يكن غير مراع فى الفرائض، لأن كثيراً من الصحابة والتابعين
стр. 955
كانوا أئمة مجتهدين وهم يصلون خلف إمام واحد مع تباين مذاهبهم (١).
(التاسع) ألا يكون الإمام مأموماً: فلا تصح إمامة المأموم حال اقتدائه اتفاقاً وكذا بعد سلام الإمام وإن أدرك معه أقل من ركعة عند الحنفيين.
(وقالت) المالكية: لا يصح الاقتداء به إن أدرك ركعة أو أكثر مع الإمام وإلا صح الاقتداء به، لأنه لم تثبت له حكم المأمومية.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: يصح الاقتداء بالمسبوق مطلقاً فى غير الجمعة ولا يصح الاقتداء به فى الجمعة.
(ب) وشروط المأموم " وتسمى شروط الاقتداء سبعة ":
(الأول) نية المأموم الاقتداء. وهى شروط فى غير صلاة الجماعة شرط فى صحتها كالجمعة والعيد عند الحنفيين. وشروط فى كل الصلوات عند غيرهم ويلزم مقارنتها للتحريمة خلافاً للشافعية حيث قالوا: تصح نية الاقتداء فى أثناء الصلاة مع الكراهة إلا ما تشترط فيه الجماعة كالجمعة، فإنه لابد فيه من من مقارنة نية الاقتداء للتحريمة. وهو رواية عن أحمد. والصحيح عنه ما عليه الجمهور. قال ابن قدامة: قال أحمد فى رجل دخل المسجد فصلى ركعتين أو ثلاثاً ينوى الظهر ثم جاء المؤذن فأقام الصلاة، سلم من هذه وتصير له تطوعاً ويدخل معهم، قيل له فإن دخل فى الصلاة مع القوم واحتسب به، قال: لا يجزيه حتى ينوى الصلاة مع الإمام فى ابتداء الفرض (٢) هذا. ولا يجوز لمن بدأ صلاته فى جماعة أن يخرج مها بنية المفارقة إلا لضرورة كأن أطال عليه الإمام " لحديث " أبى الزبير عن جابر قال: كان معاذ يصلى مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع فيصلى بقومه فأخر النبى
стр. 956
صلى الله عليه وسلم ليلة العشاء فصلى معاذ مع النبى ﷺ . ثم جاء يؤم قومه فقرأ البقرة فاعتزل رجل من القوم فقيل نافقتَ يا فلان قال: ما نافقت. فأتى النبى ﷺ فذكر له ذلك. فقال: يا معاذ أفتان أنت؟ أفتان أنت؟ اقرأ بكذا اقرأ بكذا، قال أبو الزبير: بسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود بألفاظ متقاربة (١). ﴿٩٥﴾
ولم يأمر النبى ﷺ الرجل بالإعادة ولا أنكر عليه فعله.
ومن الضرورة التى تبيح نية المفارقة طروء مرض أو خشية غلبة النعاس أو شئ يفسد صلاته أو خوف فوات مال أو تلفه أو فوت رفقة.
وإن فعل ذلك لغير عذر فسدت صلاته عند الجمهور، لأنه ترك متابعة إمامه لغير عذر (وقالت) الشافعية: تصح صلاته مع الكراهة. وهو رواية عن أحمد كما لو نوى المنفرد كونه مأموماً. واستثنوا ما تشترط فيه الجماعة كالجمعة.
والأفضل عدم تعيين الإمام لعدم وروده، لأنه لو عينه فظهر خلافه فسدت صلاته. وأما نية الإمام فليست شرطاً بل مستحية، ليحوز ثواب الجامعة " قال " أنس: كان النبى ﷺ يصلى فى رمضانَ فجئت فقمت إلى جنبه وجاء رجل فقام إلى جنبى ثم جاء آخر حتى كنا رهْطاً فلما أحس النبى ﷺ أنّا خلفه تجوّز فى صلاته (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم (٢). ﴿٩٦﴾
стр. 957
وهو ظاهر فى أنه ﷺ ينو الإمامة ابتداء وقد ائتموا به وأقرهم " وعن " أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ أبصر رجلا يصلّى وحده فقال: ألا رجل يتصدقُ على هذا يصلّى معه؟ فصلّى معه رجل. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى والبيهقى والحاكم وصححه (١). ﴿٩٧﴾
والظاهر أن الرجل كان يصلى فريضة. وتقدم حديث اقتداء ابن عباس بالنبى ﷺ فى صلاة الليل (٢).
وفى المسألة تفصيل تقدم بيانه فى بحث " النية " من أركان الصلاة (٣). ويزداد هنا أن الحنابلة قالوا: لا تشترط نية الإمامة فى النافلة لما تقدم. أما فى الفريضة فإن كان يَنتظر أحداً كإمام المسجد يحرمِ وحده وينتظر من يأتى فيصلى معه فيجوز؛ لأن النبى ﷺ أحرم وحده ثم جاء جابر وجُبارة فأحرما معه فصلى بهما ولُم ينكر فعلَهما. والظاهر أنها كانت صلاة مفروضة لنهم كانوا مسافرين. وإن لم يكن كذلك فقد روى عن أحمد أنه لا يصح. ذكره ابن قدامة (٤).
(الثانى) عدم تقدم المأموم على الإمام عند غير مالك؛ لحديث: إنما جعل الإمام لِيُؤتمَّ به فقلا تختلفوا عليه. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقى عن أبى هريرة (٥). ﴿٩٨﴾
стр. 958
ومن شأن التابع ألاَّ يتقدم على متبوعه لا فى فعل ولا فى مكان. والعبرة فى القائم بالعقب وإن تقدمت أصابع المأموم، وفى القاعد بالألية، وفى المومى بالرأس حتى لو كان رأسه خلف الإمام ورجلاه قدّام صح، وعلى العكس لا يصح. والمصلى على جنبه بالإيماء يلزم أن يكون خلف ظهر الإمام أو محاذياً له. فإن تقدم المأموم على إمامه بشئ مما ذكر لم تصح صلاته لأن هذا لم ينقل عن النبى ﷺ ولا هو فى معنى المنقول كمن صلى فى بيته بصلاة الإمام كما سيأتى. وقد واظب النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تقدمه فى الإمامة.
(وقالت) المالكية: يصح فى غير الجمعة تقدّم المأموم على إمامه مع الكراهة إلا لضرورة (قال) العلامة الرهونى: قال مالك: لا بأس بالصلاة فى دور محجورة بصلاة الإمام فى غير الجمعة إذا رأوا عمل الإمام والناسِ من كُوى لها أو مقاصير، أو سمعوا تكبيره فيكبرون ويركعون بركوعه ويسجدون بسجوده فذلك جائز. وقد صلى أزواج النبى ﷺ فى حُجَرهنّ بصلاة الإمام. قال مالك: ولو كانت الدور بين يدى الإمام كرهتُ ذلك. فإن صلّوا فصلاتهم تامة. وقد بلغنى أن دار آل عمر بن الخطاب وهى أمام القبلة كانوا يصلون فيها بصلاة الإمام فيما مضى ولا أُحبّه فإن فعله أحد أجزأه (١).
أما لو ساوى المأموم الإمام فصلاته صحيحة بلا كراهة خلافاً للشافعية حيث قالوا بكراهة المساواة.
стр. 959
(الثالث) علم المأموم بانتقالات الإمام برؤية أو سماع مه أو من المقتدى فيصح الاقتداء وإن بعدت المسافة وحالت أبنية لا تمنع من العلم بانتقالات الإمام وإن لم يكن الوصل إليه. أو اختلف المكان كمسجد وبيت " لقول " عائشة رضى الله عنها: كان رسولُ الله صل الله عليه وسلم يصلى من الليل فى حُجرته وجِدار الحُجْرة قصير، فرأى الناسُ شخصَ النبى ﷺ فقام ناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك فقام الليلةَ الثانيةَ فقام معه ناس يصلون بصلاته (الحديث). أخرجه البخارى والبيهقى (١). ﴿٩٩﴾
" ولحديث " أنس بن مالك أن النبى ﷺ كان يصلى ليلة فى حُجْرته فجأة أناس فصلوا بصلاته فخفّف فدخل البيت ثم خرج فعاد مراراً كل ذلك يصلى. فلما أصبح قالوا: يا رسول الله صلينا معك البارحة ونحن نحب أن تمد فى صلاتك، قال علمتُ بمكانكم وعمداً فعلتُ ذلك. أخرجه أحمد (٢). ﴿١٠٠﴾
ففى هذه الأحاديث دلالة على جواز اقتداء المأموم بالإمام وبينهما حائل إذا عَلم انتقالات إمامه. وبه قال البخارى وغيره (قال فى صحيحه) وقال الحسن: لا بأس أن تصلى وبينك وبينه نهر. وقال أبو مْجِلَز: يأتم بالإمام وإن كان بينهما طريق أو جِدار إذا سمع تكبير الإمام (٣) وقد أخرجه عبد الرازق عن معتمر بن التيمى عن أبيه عن أبى مجلز. وهو مسند صحيح وروى سعيد بن منصور بسند صحيح أن الحسن البصرى قال فى الرجل يصلى
стр. 960
خلف الإمام أو فوق سطح يأتم به: لا بأس بذلك. أفاده الحافظ (١).
وفى المسألة تفصيل للفقهاء. فعند الحنفيين المالكية: العبرة بمعرفة انتقالات الإمام برؤية أو غيرها، لا فرق فى ذلك بين سجد وغيره، غير أن المالكية يشترطون فى الجمعة أن تكون فى المسجد، ويلحق به رحبته والطرق الموصلة إليه. فلو اقتدى فيها من لم يكن بالمسجد بمن فى المسجد لا تصح.
(والحنفيون) يشترطون ألاّ يفصل بين الإمام والمأموم والمأموم طريق تمر فيه العجلة أو نهر يمر فيه الزورق. فلو اقتدى من كان بمنزله بمن فى المسجد صح إن لم يوجد مانع من نحو طريق ونهر ولم يشتبه عليه حال الإمام، وإلا لا تصح صلاة المأموم " لقول " عمر رضى الله عنه فى الرجل يصلى بصلاة الإمام: إذا كان بينهما نهر أو طريق أو جدار فلا يأتم به. أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنّفه وعبد الرزاق فى جامعه. ﴿٣٣﴾
(وقالت) الشافعية والحنبلية: إن كان المأموم والإمام فى المسجد وحالت بينهما أبنية صحت الصلاة إن علم المأموم بانتقالات الإمام وإن بعدت المسافة بينهما. وإن كانا خارج المسجد أو كان الإمام فيه والمأموم خارجه صحت القدوة عند الحنبلية إن رأى المأموم الإمام أو مَن خلفه ولو كانت الرؤية من نافذة أو زادت المسافة بينها على ثلثمائة ذراع. وعند الشافعية إن كانت الصلاة بغير المسجد يشترط ألا يزيد ما بين الإمام والمأموم وبين كل صف وآخر على ثلثمائة ذراع. وألاّ يكون بينهما حائل يمنع المرور والرؤية اتفاقاً، أو يمنع أحدهما على الأصح. ويُغفر الشارع المطروق والنهر ولو احتاج إلى سباحة.
والظاهر ما ذهب إليه الأولون من أن المدار على ضبط المأموم أحوال الإمام، ولا دليل على ما ذكر من اعتبار الأذرع (٢).
стр. 961
(الرابع) متابعة المأموم الإمام: وهى أن يكون شروع المأموم فى أعمال الصلاة بعد شروع الإمام فيها لما تقدم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه. فإذا كبّر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر. وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع. وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد (١) " ولحديث " أنس أن النبى ﷺ قال: يأيها الناس إنى إمامكم فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالقعود ولا بالانصراف. أخرجه أحمد ومسلم (٢). ﴿١٠١﴾
" والحديث " يدل على أن مشروعية الإمامة ليُقتدىَ بالإمام، ومن شأن التابع والمأموم ألاّ يقتدم على متبوعه ولا يساويه فى أعماله ولا يتقدم عليه فى موقفه بل يراقب أحواله ويأتى على أثرها بنحو فعله، فلا يخالفه فى شئ من الأحوال وقد فصل الحديث ذلك بقوله: فإذا كبر الخ، فمن خالفه فى شئ مما ذكر فد أثم. ولا تفسد صلاته بذلك إلا إن خالف فى تكبيرة الإحرام بتقديمها على تكبيرة الإمام فإنها لا تنعقد صلاته معه لأنه لم يجعله إماماً. ويدل على عدم فساد الصلاة بمخالفته لإمامه أنه ﷺ توعّد من سبق الإمام فى ركوعه أو سجوده بأن الله يجعل رأسه رأس حمار، ولو يأمره بإعادة
стр. 962
صلاته ولا قال فإنه لا صلاة له. قال الصنعانى (١). وعلى اشتراط المتابعة اتفقت الأئمة. وفيها تفصيل للفقهاء (فعند) الحنفيين المتابعة هى مشاركة المأموم للإمام فى فعل الأركان، بأن يشرع فيها معه أو عقبه أو يأتى بها متراخياً عن الإمام ولكنه يدركه فى الركن قبل الدخول فى الركن الذى بعده؛ فلو ركع إمامه فشرع معه أو عقبه وشاركه فيه أو ركع بعد رفع إمامه وقبل أن يهبِط للسجود يكون متابعاً له فى الركوع. أما أو ركع ورفع قبل الإمام ولم يعد إليه معه أو بعده ولو فى ركعة جديدة بطلت صلاته. ولو ركع وسجد قبل الإمام ألغيت تلك الركعة وعليه قضاؤها بعد سلام الإمام، وإلا بطلت صلاته. ولو ركع وسجد قبل الإمام ألغيت تلك الركعة وعليه قضاؤها بعد سلام الإمام، وإلا بطلت صلاته. وهذا بيان للمتابعة التى تركُها يبطل الصلاة، فلا ينافى أن مساواة المأموم الإمام فى الأركان مكروهة مفوّتة لفضيلة الجماعة، وعليه يحمل حديث أبى هريرة السابق أول البحث.
(وقالت) المالكية: المتابعة هى أن يشرع المأموم فى الفعل بعد شروع الإمام فلا يسبقه ولا يساويه ولا يتأخر بحيث لا يركع حتى يفرغ الإمام من الركوع، ولا يسجد حتى يرفع الإمام من السجود. وهى قسمان:
(أ) ما هو شرط فى صحة صلاة المأموم وهى المتابعة فى الإحرام والسلام فلو بدأ بواحد منهما قبل الإمام أو ساواه بطلت صلاته ولو ختمه بعده إلا إذا سلم قبله سهواً فإنه يعيد السلام بعده وتصح صلاته.
(ب) ما ليس شرطاً ولكن يحرم تركه أو يكره، وهى المتابعة فى غير الإحرام والسلام، فلو ساوى المأموم إمامه فى الركوع أو السجود مثلا صحت
стр. 963
صلاته مع كراهة، ولو سبقه إلى الركوع أو السجود فإن انتظر الإمام حتى ركع واطمأن معه صحت صلاته مع الحرمة إن تعمد السبق. وإن لم ينتظره بل رفع قبله بطلت صلاته لعدم متابعته فى الركوع إلا إن رفع ساهياً فإنه يعود. وإن تأخر عن إمامه حتى انتهى من الركن كأن لم يركع حتى رفع إمامُه منه. فإن تعمد ذلك فى الركعة الأولى بطلت صلاته، وإن كان ساهياً ألغى هذه الركعة وقضاها بعد سلام الإمام. وإن فعل ذلك فى غير الركعة الأولى متعمداً صحت صلاته مع الإثم (وقالت) الشافعية: المتابعة تشمل ثلاثة أمور: (الأول) ألاّ يشرع المأموم فى الإحرام إلا بعد انتهاء إحرام الإمام وإلا لم تنعقد صلاة المأموم. (الثانى) ألاّ يسلم قبل إمامه وإلا بطلت صلاته، أمام مقارنته فى السلام فمكروهة.
(الثالث) ألاّ يسبق المأموم إمامه وألاّ يتأخر عنه بركنين فعليين متواليين بلا عذر وإلا بطلت صلاته، كأن هوى للسجود وإمامه قائم للقراءة أو تأخر عنه كذلك، أما لو سبقه بهما ساهياً أو جاهلا فلا يضر، لكنه يلزمه العَوْد للموافقة متى تذكر أو علم وإلا بطلت صلاته.
(وقالت) الحنبليّة: المتابعة تشمل ثلاثة أمور: الأول والثانى كما تقدم عند الشافعية (الثالث) ألا يسبق المأموم إمامه بفعل من أفعال الصلاة وألاّ يتخلف عنه فى فعل منها. فإن سبقه بالركوع عمداً بأن ركع ورفع قبل ركوع الإمام بطلت صلاته. وإن سبقه بغير الركوع بأن نزل للسجود قبل نزول إمامه عمداً أو قام للركعة الثانية قبله لم تبطل صلاته، لكن يلزمه الرجوع ليأتى بما فعله بعد إمامه. وإن فعل شيئاً من ذلك سهواً لا تبطل صلاته لكن
стр. 964
يلزمه إعادة ما فعله بعد أن يأتى به إمامه وإلا لم تحسب له الركعة. وإن سَبق إمامه بركنين عمداً بطلت صلاته، وإن كان سهواً فإن أتى بهما بعد فعل الإمام احتسبت له الركعة وإلا ألغيت ولزمه الإتيان بها بعد سلام إمامه بالسلام عمداً بطلت صلاته. وإن كان سهواً أتى به بعد سلام الإمام وإلا بطلت صلاته.
هذا. ويكره مساواة المقتدى لإمامه فى أفعال الصلاة. ويحرم سبقُه إمامَه اتفاقاً " لقول " البرَاء بن عازبِ: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمِده لم يَحْنِ منا أحدٌ ظهرَه حتى يقعَ النبىُّ ﷺ ساجداً. أخرجه السبعة إلا ابن ماجه بألفاظ متقاربة (١). ﴿١٠٢﴾
" ولقول " ابن مسعود: إذا كنتَ خلف الإمام فلا تركعْ حتى يركعَ، ولا تسجدْ حتى يسجدَ، ولا ترفع رأسك قبله. وإذا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف وكانت لك حاجة فاذهب وَدَعْهُ فقد تمت صلاتك. أخرجه الطبرانى فى الكبير بسند رجاله ثقات (٢). ﴿٣٤﴾
وهذا لا يقال من قبل الرأى فهو مرفوع حكماً " ولحديث " أبى هريرة أن النبى ﵌ قال: أما يخشى أحدُكم إذا رفع رأسَه م ركوع أو سجود قبل الإمام أن يُحوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حِمار أو صورتَه صورة حمار؟ أخرجه السبعة إلا الترمذى (٣). ﴿١٠٣﴾
стр. 965
وأخرجه ابن حبان فى صحيحه بلفظ: أما يخشى الذى يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوِّل الله رأسَه رأس كلب؟ " وعنه " أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: " الذى يَخفض ويرفعُ قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان " أخرجه البزار والطبرانى بسند حسن (١). ﴿١٠٤﴾
وظاهر هذه الأحاديث تحريم سبق الإمام للتوعد عليه بالمسخ وهو من أشد العقوبات. فإن سبقه فى الإحرام أو السلام بطلت صلاة المأموم اتفاقاً وإن سبقه فى غيرهما وانتظر حتى أدركه الإمام فهو حرام يأثم فاعله وصلاته صحيحة. (وعن) ابن عمر وأحمد أنها باطلة بناء على أن النهى يقتضى الفساد (قال) ابن قدامة: قال أحمد فى رسالته: ليس لمن يسبق الإمام صلاةٌ لهذا الحديث. ولو كانت له صلاةٌ لرُجى له الثواب ولم يُخش عليه العقاب.
هذا. وليس لسبق الإمام سبب إلا طلب الاستعجال واستحواذ الشيطان ودواؤه استحضار أنه لا يُسلِّم قبل الإمام فلا ثمره فى الاستعجال، بل فيه الإثم والعقاب واختلف فى معنى التحويل المذكور، فقيل هو باق على ظاهره فيمسخه الله مسخاً حسِّياَّ. ويؤيده ورود الوعيد بلفظ المستقبل " ولا يقال " ليس فى الحديث ما يدل على وقوع المسخ، بل غايته أن فاعل ذلك متعرض لهذا الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشئ وقوع ذلك الشئ " لأنه " لا مانع من وقوعه. وقيل إن التحويل المذكور يقع يوم القيامة. ويحتمل
стр. 966
أن يراد المسخ المعنوى الذى هو طمس القلوب والبصائر فيكون أعمى القلب عن طريق الحق فلا يسلكه.
(الخامس) من شروط الاقتداء: علم المأموم بحال إمامه من سفر أو إقامة إذا صلى الرباعية مقصورة فى العمران، فلا يصح الاقتداء بمن جهل المأمومُ حالَه وهو يقصر فى العمران. أما من أتم مطلقاً أو قصَر خارج العمران فالاقتداء به صحيح ولو ممن جعل حاله لظهوره شأناً. فيصح اقتداء المقيم بالمسافر ولو بعد خروج الوقت بلا كراهة. فإذا سلم الإمام أتم المقيم صلاته ويستحب للإمام أن يقول: أتموا صلاتكم فإنى مسافر " لقول " عمرانَ بن حصين: غزوتُ مع رسول الله ﷺ وشهدتُ معه الفتح فأقام بمكة ثمانىَ عشْرَة ليلة لا يصلى إلا ركعتين ويقول: يأهل البلد صلوا أربعاً فإنا قومً سفْر. أخرجه أبو داود وأخرج أحمدُ نحوه. وفى سنده علىّ بن زيد ابن جُدعان. وهو ضعيف (١). ﴿١٠٥﴾
وله شواهد تقويه " منها " ما روى سالمُ بن عبد الله عن أبيه أن عُمر بن الخطاب، كان إذا قِدم مكة صلى بهم ركعتين ثم يقول: يأهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْر. أخرجه مالك والبيهقى من طريقين صحيحين (٢). ﴿٣٥﴾ وعلى هذا أجمع العلماء.
ويجوز اقتداء المسافر بالمقيم ويتم لزوماً تبعاً لإمامه ولو أدرك معه أقل من ركعة أو اقتدى به بعد الوقت عند الشافعى وأحمد، لما روى موسى بن سلمةَ قال: كنّا مع ابن عباس بمكة فقلتُ إذا كنا معكم صلينا أربعاً وإذا رجعنا إلى رِحالنا صلينا ركعتين. قال: سنةُ أبى القاسم ﷺ .
стр. 967
أخرجه أحمد. وكذا مسلم والنسائى عن موسى بن سلمة: قلت لابن عباس: كيف أصلى إذا كنتُ بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام؟ قال: ركعتين سنةُ أبى القاسم ﷺ (١). ﴿١٠٦﴾
وبهذا قال ابن عمر وابن عباس والثورى والأوزاعى " وقال " الحنفيون إنما يصح اقتداء مسافر بمقيم فى الوقت. أما لو اقتدى به بعد خروج الوقت فلا يصح لتقَرّر فرض المسافر ركعتين بخروج الوقت، فيكون القوىّ بانياً على الضعيف فى القَعدة الأولى لو اقتدى فى الأوليين، فإنها فرض فى حقه واجبه فى حق الإمام فيهما وهى سنة (وقالت) المالكية: يكره اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه لمخالفته نية إمامه والكراهة فى العكس أشد لمخالفته سنة القصر. ويجب عليه الإتمام تبعاً لإمامه إن أدرك معه ركعة فأكثر. ولا دليل لهم على ذلك.
(السادس) ألا يكون المأموم أعلى من إمامه فى الشروط والأركان والفرضية، فيلزم أن يكون مثله أو دونه فيها: (أ) فلا يصح مثلا اقتداء طاهر بمعذور ولا اقتداء متطهر بمتنجس عجز عن الطهارة. لما فيه من بناء القوى على الضعيف، ولا اقتداء مكتسٍ بعارٍ ولا قارئ بأمىٍ كما تقدّم، ولا اقتداء راكع وساجد بِمُومٍ بالركوع والسجود. ويصح اقتداء غاسل بماسح على الخف أو الجبيرة، واقتداء العارى بمثله لاستوائهما فى الشروط، واقتداء
стр. 968
المومى بالراكع والساجد لعلو الإمام فى الأركان، واقتداء العارى بالمكتسى لعلوه فى الشروط. ولا يصح - عند الحنفيين ومالك - اقتداء مفترض بمتنفل. وهو رواية عن أحمد. واختارها أكثر أصحابه لما تقدم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه (١) ولأن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام فأشبه صلاة الجمعة خلف الظهر وهو لا يصح اتفاقاً. وبهذا قال الحسن البصرى ومجاهد والزهرى والنخعى (وقالت) الشافعية والأوزاعى وطاوس وعطاء وابن المنذر: يصح اقتداء مفترض بمتنفل. وهو رواية عن أحمد " لحديث " جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلى مع رسول الله ﷺ العشاء ثم يأتى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة. أخرجه أحمد الشيخان وأبو داود. وكذا الشافعى والطحاوى والبيهقى والدار قطنى وعبد الرزاق وزادوا: هى له تطوع ولهم مكتوبة العشاء (٢). ﴿١٠٧﴾
قال الشافعى: هذا حديث ثابت لا أعلم حديثاً يُروى عن النبى ﷺ من طريق واحد أثبت منه (وقال) الحافظ: هو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح (٣).
стр. 969
(وأجاب) عنه من لم يجوّز اقتداء المفترض بالمتنفل بأجوبة لا تُشفى (منها) أن معاذاً كان يصلى مع النبى ﷺ نفلا وبقومه فرضاً " لحديث " معاذ بن رِفاعه عن رجل م بنى سَليم يقال له سُلَيمٌ أنه أتى النبىَّ ﷺ فقال: يا رسول الله إن معاذَ بنَ جبل يأتينا بعدما ننام ونكونُ فى أعمالنا فى النهار فينادى بالصلاة فنخرجُ إليه فيطوّلُ علينا. فقال رسول الله ﷺ : يا معاذ لا تكن فتاناً. إمّا أن تصُلى معى وإما أن تخفف عن قومك. أخرجه أحمد والطحاوى والطبرانى فى الكبير ومعاذ بن رِفاعة لم يدرك سُليمًا لنه استُشهد بأحد ومعاذ تابعى. ورجال أحمد ثقات (١). ﴿١٠٨﴾
وجه الدلالة أن النبى ﷺ خيَّر معاذاً بين أمرين: إمّا أن يصلى معه أو يصلى بقومه مع التخفيف " قال " الطحاوى: فهو يدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين وأنه لم يكن يجمع بينهما " ورُدَّ " بأن غاية ما فيه أنه أذن له بالصلاة معه والصلاةِ بقومه مع التخفيف، أو بالصلاة معه فقط إن لم يخفف. وقد تقدم فى حديث جابر عند الشافعى وغيره التصريح بأنها لمعاذ تطوّع ولهم مكتوبة (٢) (ومنها) أن صلاة المفترض خلف المتنفل فيها اختلاف وفى الحديث " إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " (٣) " ورُدَّ " بأن المعنى لا تختلفوا عليه فى الأفعال كما بيَّنه بقوله: فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا " الخ " ولو فرض أنه يعم كل اختلاف فحديث معاذ ونحوه مخصص له " وقولهم " إن صلاة المأموم لا تتأدى بنية الإمام الخ " تعليل " فى معارضة
стр. 970
النص فلا يلتفت إليه. فالراجح الفول بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل.
(ج) وكذا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض عند الحنفيين والشافعية والحنبلية لما تقدم عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ أبْصر رجلا يصلى وحده فقال: ألاَ رجل يتصدّق على هذا فيصلى معه؟ فصلى معه رجل (١) فإن الظاهر أن المتصدق عليه كان يصلى فريضة وهى الظهر كما صُرح به فى رواية لأحمد والدار قطنى، ولما فيه من بناء الضعيف على القوى.
(وقالت) المالكية: لا يصح اقتداء المتنفل بالمفترض " لحديث " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه. وقد علمتَ أنه لا دلالة فيه على هذا.
(د) ويصح اقتداء راكع وساجد بمثله واقتداء مُوم بالركوع والسجود بمثله واقتداء جالس لعذر بقائم إجماعاً " لقول " أنس عائشة رضى الله عنهما: صلى النبى ﷺ فى مرضه خلف أبى بكر قاعداً. أخرجه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح (٢). ﴿١٠٩﴾
(هـ) ويصح اقتداء قائم بقاعد لعذر يركع ويسجد عند أبى حنيفة وأبى يوسف والشافعى والثورى. وهو رواية عن أحمد " الحديث " عائشة أن رسول الله ﷺ أمر فى مرضه الذى تُوفىِّ فيه أبا بكر أن يُصلىَ بالناسِ، فلما دخل فى الصلاة وجد رسولُ الله ﷺ من نفسه خِفَّة، فقام يُهادى بين رجلين ورجلاه تخُطَّان الأرضَ. فجاء فجلس عن يسار أبى بكر فكان رسولً الله ﷺ يصلى بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدى بصلاة النبى ﷺ ويقتدى الناس بصلاة
стр. 971
أبى بكر. أخرجه الشافعى وأحمد مختصراً والشيخان مطولا (١). ﴿١١٠﴾
وهو صريح فى أن النبى ﷺ كان إماماً جالساً وأبو بكر والناس قائمين (وقالت) المالكية ومحمد بن الحسن: لا يصح اقتداء القائم بالقاعد لعذر " لما روى " جابرٌ الجُعفى عن الشعبى أن النبى ﷺ قال: لا يؤمن أحد بعدى جالساً. أخرجه الدار قطنى وقال: لم يروه غير جابر الجُعفى عن الشعبى وهو متروك. والحديث مرسل لا تقوم به حجة. وأخرجه البيهقى وقال: قال الشافعى: قد علم الذى احتج بهذا أنَ ليست فيه حجة وأنه لا يثبت لأنه مرسل ولأنه عن رجل يرغَب الناس عن الرواية عنه (٢). ﴿١١١﴾
ولأن القيام ركن فلا يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان.
(وأجابوا) عن حديث عائشة بأنه خاص بالنبى ﷺ لما تقدم عن الشعبى (قال) القاضى عِياض: لا يصح لأحد أن يؤمَّ جالساً بعده ﷺ ، وهو مشهور قول مالك وجماعة من أصحابه. وروى ابن حبيب عن مالك أن حديث عائشة منسوخ، لترك أبى بكر وعمر وعثمان الإمامة حال الجلوس أهـ (ورُدِّ) بأن عدم صلاة من ذكر جلوساً بعد النبى ﷺ لا يدل على النسخ، لاحتمال أنه لم يطرأ عليهم ما يقتضى جلوسهم حال الصلاة. وأما حديث الشعبى من الصحابة بعده ﷺ . وهم أسَيْد بن حُضَير وجابرٌ وقيسُ بن فهد وأنس بن مالك. والأسانيد عنهم بذلك صحيحة أخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبى شيبة وغيرهم.
стр. 972
بل ادعى ابن حبان وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد يعنى لعذر أفادة الحافظ (١).
(وقال) إسحاق والأوزاعى وابن المنذر والظاهرية: لا يجوز اقتداء القادر على القيام بالجالس لعذر، بل عليه أن يجلس تبعاً له " لحديث " أنس بن مالك أن النبى ﷺ ركب فرساً فصُرعَ عنه فجُحِشَ شِقه الأيمنُ فصلى صلاة وهو قاعد فصلينا وراءه قعوداً. فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به. فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً. وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد. وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون. أخرجه الشافعى والجماعة. والبيهقى. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (٢) ﴿١١٢﴾
(وأجاب) الأولون عنه بأنه منسوخ بحديث عائشة لتأخره فقد أخرجه الشافعى فى الأم. وقال: " وأمرُ " رسولِ الله ﷺ فى حديث أنس ومن حدّث معه فى صلاة النبى ﷺ أنه صلى بهم جالساً ومن خلفه جلوساً " منسوخ " بحديث عائشة أن رسول الله ﷺ صلى بهم فى مرضه الذى مات فيه جالساً وصلوا خلفه قياماً. فهذا مع أنه سنة ناسخة معقول. ألا ترى أن الإمام إذا لم يُطِق القيام صلى جالساً وكان ذلك
стр. 973
فرْضَه، وأن المأمومين إذا أطاقوه صلِّوا قياماً. وعلى كل واحد منهم فرْضُه فكان الإمام يصلى فرضَه قائماً إذا أطاق جالساً إذا لم يُطق وكذلك يصلى مضطجعاً ومومياً إن لم يُطِق الركوعَ والسجودَ ويصلى المأمومون كما يُطيقون فيصلى كلٌّ فرضه فتُجزى كلاٍّ صلاتُه (١).
(وقال) الكمال ابن الهمام: قال الشافعى - بعدما أسند عن جابر وأُسَيد ابن حُضَير اقتداء الجالسين بهما وهما جالسان للمرض - وإنما فعلا ذلك لأنهما لم يعلما بالناسخ. وكذا ما حُكى عن غيرهم من الصحابة رضى الله عنهم أنهم أمُّوا جالسين والناس جلوس محمول عليه. وعلم الخاصة يوجد عند بعض ويغُرب عند بعض (٢).
(وقالت) الحنبلية: لا يصح اقتداء القائم بعاجز عن القيام إلا إذا كان إماماً راتباً أو إماماً أعظم يُرجى زوالُ عذره، فلهم أن يصلوا وراءه قياماً وجلوساً لأن النبى ﵌ لما صلى وراءه أبو بكر ومن معه قياماً لم يأمرهم بالإعادة " ولقول " جابر: ركب رسول الله ﷺ فرساً بالمدينة فصرعه على جَدْمِ نخلة فانفكّتْ قدمهُ فأتيناه نعوده فوجدناه فى مَشْرُبَة لعائشة يُسبّح جالساً فقمنا خلفه فسكتَ عنا، ثم أتيناه مرة أخرى نعودُه فصلى المكتوبةَ جالساً فقُمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا فلما قَضى الصلاةَ قال: إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً. وإذا صلى الإمام قائماً فصلوا قياماً. (الحديث) أخرجه أبو داود وأخرج أحمد البيهقى نحوه (٣). ﴿١١٣﴾
стр. 974
والأفضل للإمام الراتب أن يستخلف إذا مرض وعجز عن القيام خروجاً من الخلاف (وجمعوا) بين الأحاديث " بحمل " حديث عائشة على ما إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً ثم عجز عن القيام، فليزم المأمومين إتمامُها من قيام " وحَمْلِ " الحديثين الأخيرين على إذا ما ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً لمرض يرجى زواله فيصلون خلفه قعوداً، والجمع متى أمكن أولى من النسخ.
(قال) الكمال ابن الهمام: واعلم أن مذهب الإمام أحمد أن القاعد إن شرع قائماً ثم جلس صح اقتداء القائمين به، وإن شرع جالساً فلا. وهو أنهض من جهة الدليل، لأنا صرحنا بان ذلك خلاف القياس صِير إليه بالنص وقد علم أنه ﷺ خرج إلى محل الصلاة قائماً يُهادِى ثم جلس فالظاهر أنه كبرّ قبل الجلوس. وصرّحوا فى صلاة المريض أنه إذا قدر على بعضها قائماً ولو التحريمة وجب القيام فيه. وكان ذلك متحققاً فى حقه ﷺ إذا مبدأ حلوله فى ذلك المكان كان قائماً، فالتكبير قائماً مقدوره حينئذ، وإذا كان كذلك فمورد النص حينئذ اقتداء القائمين بجالس شرع قائماً (١).
(و) ويصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم مطلقاً عند النعمان وأبى يوسف وأحمد وإسحاق والظاهرية لاستوائهما فى الشرط " ولقول " عمرو بن العاص احتملتُ فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل فأشفقتُ إن اغتسلتُ أن أهْلِكَ فتيممتُ ثم صليتُ بأصحابى الصبح فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: يا عمرُو صليتَ بأصحابك وأنت جُنُب؟ فقلتُ ذكرتُ قول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فتيممت وصليت
стр. 975
فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً. أخرجه أحمد وأبو دواد والبيهقى وابن حبان والحاكم مسنداً. وأخرجه البخارى معلقاً (١). ﴿١١٤﴾
(وقالت) الشافعية: يجوز اقتداء متوضئ بمتيمم إذا كان لا تلزمه إعادة الصلاة - بأن كان تيممه لمرض أو لفقد الماء فى مكان يغلب فيه فقده - ولا يصح اقتداؤه بمتيمم تلزمه الإعادة - بأن تيمم لشدة برد الماء أو لفقده فى مكان يندر فقده فيه - ولا دليل على هذا التفصيل. بل يرده ما تقدم عن عمرو بن العاص وقد تيمم لشدّة البرد (وقال) محمد بن الحسن: يصح اقتداء متوضئ بمتيمم فى الجنازة دون غيرها " لحديث " محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤم المتيمم المتوضئين. أخرجه البيهقى والدار قطنى. وقالا إسناده ضعيف (٢). ﴿١١٥﴾
فلا تقوم به حجة (وقال) مالك والنخعى: يكره اقتداء المتوضئ بالمتيمم، ويؤمهم إذا كان أميراً. والراجح من جهة الدليل القول الأول. فقد أقرَّ النبى ﷺ عمرو بن العاص ولم ينكر عليه شيئاً ولا فصَّل له ولا أمر من صلى وراءه بالإعادة. قال ابن حزم: النهى عن ذلك أو كراهته لا دليل عليه من قرآن ولا من سنة ولا من إجماع ولا من قياس. وكذلك تقسيم من قسَّم (٣).
(السابع) من شروط الاقتداء " اتحاد صلاة الإمام والمأموم فى الأداء
стр. 976
والفرضية وغيرهما. (أ) فلا يصح عند الحنفيين ومالك اقتداء مفترض بمفترض فرضاً آخر كمصلى الظهر خلف العصر. ولا اقتداء الناذر بالناذر إلا إن اتحد منذورهما " لما تقدم " عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إنَّماَ جُعِلَ الإماَم لِيُؤْتَمَّ بهِ فَلاَ تَخْتَلُفِوا عَلَيْهِ (١).
(وروى) أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال فى الرجال يدخل مع الإمام وهو لا ينوى صلاة الإمام فصلاة الإمام تامة ويستقبلُ الرجلُ. أخرجه أبو يوسف فى الآثار. وكذا محمد بلفظ: إذا دخلتَ فى صلاة القوم وأنت لا تنوى صلاتهم لم يجزئك، وإن صلى الإمامُ صلاته ونوى الذى خلفه غيرَها أجزأتِ الإمام ولم تجزيهم (٢). ﴿٣٦﴾
وعن أحمد روايتان (قال) ابن قدامة: فإن صلى الظهر خلف مَن يصلى العصر ففيه روايتان: نقل إسماعيل بن سعد جوازَه، ونقل غيرُه المنع منه (٣).
(وقالت) الشافعية والظاهرية: يصح الاقتداء بكل من صحت صلاته وحكاه ابن المنذر عن طاوس وعطاء والأوزاعى " لما تقدم " عن جابر أن معاذاً كان يصلى بقومه العشاء وقد صلاها مع النبى ﷺ (٤) قالوا: إذا جاز اقتداء المفترض بالمتنفل فجواز اقتداء المفترض بمفترض فرضاً آخر أولى. ولا يمنعه قوله ﷺ : فلا تختلفوا عليه، لأن المنهى عنه الاختلاف فى الأفعال كما بينه بقوله: فإذا كبر فكبروا الخ. ولو فرض أنه يعم كل اختلاف فحديث جابر ونحوه مخصص له كما تقدم.
стр. 977
(٩) الأحق بالإمامة: إذا لم يوجد إمام راتب ولا صاحب منزل صالح للإمامة فالأولى بها عند الثورى وأحمد وأبى يوسف أقرؤهم: أى أحسنهم تلاوة لكتاب الله تعالى. ثم أعلمهم بأحكام الصلاة صحة وفساداً. ثم أورعهم أى أكثرهم اجتناباً للشبهات. ثم أكبرهم سناً ثم أحسنهم خَلْقًا وخُلُقًا. ثم أشرفهم نسباً. ثم أنظفهم ثوباً "لحديث" أبى مسعود عقبةَ بن عمرو أن النبى صلى الله ﷺ قال: يؤمُّ القومَ أتمرؤهم لكتاب الله. فإن كانوا فى الهجرة سواءً فأقدمهم سناً ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ فى سلطانه ولا يقعد فى بيته على تَكْرِمته إلا بإذنه. أخرجه مسلم والترمذى وقال حديث حسن صحيح (١). ﴿١١٦﴾
والمراد بأقرإ القوم أحسنهم تلاوة وإن كان أقلهم حفظاً. وقيل المراد به أكثرهم حفظاَ للقرآن " لقول " عمرو بن سَلِمةَ الجرمى: كانت تأتينا الركبان من قِبَل رسول الله ﷺ فنستقرئهم فيحدثونا أن رسول الله ﷺ قال: لِيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآناً. أخرجه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (٢). ﴿١١٧﴾
وتقدم مطولا (٣). ففيه دليل على أنه الأقرأ لكتاب الله الذى عنده فقه أحق بالإمامة من الفقه.
(وقال) أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ومالك والشافعى والأوزاعى والجمهور الأفقه مقدم على الأقرأ ولذا قال النبى ﷺ أبا بكر على غيره
стр. 978
وقد قال ﷺ : أرحم أمتى بأمتى أبو بكر وأقرؤهم أُبَىُّ بن كعب أخرجه الترمذى عن أنس بن مالك من حديث طويل (١). ﴿١١٨﴾
(وقال) ابن عمر: لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العَصْبة قبل مَقدَم رسول الله ﷺ فكان يؤمُّهم سالمٌ مولى أبى حُذيفة وكان أكثرهم قرآناً وفيهم عمرُ بنُ الخطاب وأبو سلمَة بنُ عبِد الأسدِ. أخرجه البخارى وأبو داود. وهذا لفظه (٢). ﴿١١٩﴾
ولأنه قد ينوبه فى الصلاة ما لا يدَرى ما يَفعل فيه إلا بالفقه فيكون أولى (وأجابوا) عن حديث أبى مسعود ونحوه بأن الصحابة كانوا يتلقُّون القرآن بأحكامه. فكان أقرؤهم أعلمَهم. فيكون المراد من قوله ﷺ فى الحديث: أقرؤهم لكتاب الله، أى أعلمهم به (قال) ابن مسعود كان أحدُنا إذا حفِظ سورة من القرآن لم يخرُج عنها إلى غيرها حتى يُحْكِمَ علمَها ويَعرفَ حلالها وحرامها. ﴿٣٧﴾
(وقال) ابن عمر: ما كانت تنزل السورةُ على رسول الله ﷺ إلا ونعلم أمرها ونهيها وزجرها وحلالها وحرامها. ﴿٣٨﴾
هذا. والهجرة المقدم بها فى الإمامة لا تختص - عند الجمهور - بالهجرة فى عهده صلى الله عليه وعلى ىله وسلم، بل المراد بها ما يشمل كل هجرة من أى بلد من بلاد الكفر إلى بلد إسلامى (وقال) الحنفيون: الرماد بها هجر المعاصى " لحديث " ابن عمرو بن العاص أن النبى ﷺ قال: والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. أخرجه البخارى (٣). ﴿١٢٠﴾
стр. 979
فلذا جعلوا الورع مكان الهجرة فى الحديث لانقطاع الهجرة بفتح مكة. ففى الحديث: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحَ. أخرجه البخارى عن ابن عباس (١). ﴿١٢١﴾
(وأجاب) الجمهور (أ) بأن المنفى فيه الهجرة من مكة إلى المدينة. أو المعنى: لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبله. (ب) وبأن " حديث " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " لا ينافى " أن الأفضل تقديم الأسبق هجرة وكان تقيا. هذا. والمراد الرجل فى سلطانه ذو الولاية فيشمل السلطان الأعظم ونائبه. فيقدّم على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما، لعموم ولايته ولو كان غيره أكثر قرآنا وفقهاً وورعاً وفضلا منه. فيكون آخر الحديث مخصِّصاً لعموم أوله. ومثل السلطان فى ذلك صاحب البيت (روى) علقمة أن عبد الله بن مسعود أتى أبا موسى الأشعرىَّ فى منزلهِ فحضرت الصلاة فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن فإنك أقدمُ سِنًّا وأعلم قال: بل أنت تقدم فإنما أتيناك فى منزلك ومسجدك فأنت أحق. فتقدم أبو موسى (الأثر) أخرجه أحمد. وفيه رجل لم يُسَمَّ. وأخرجه الطبرانى متصلا برجال ثقات (٢). ﴿٢٩﴾
" وكذا " الإمام الراتب أحقُّ بالإمامة، لأنه إن كان مُوَلًّى من قبل السلطان أو نائبه فهو فى حكمه، وإن كان وُلًّىَ باتفاق أهل المسجد فقد صار أحق. وهى ولاية خاصة " هذا " ويستحب لصاحب البيت ونحوه أن يأذن لمن هو أفضل منه أن يصلى إماماً (والحكمة) فى النهى عن التقدم على السلطان ونحوه إلا بإذنه أن الجماعة شُرِعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتآلفهم وتوادّهم. فإذا أمّ الرجلُ الرجلَ فى بيته أو سلطانه من غير إذنه أدَّى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع رِبْقَة الطاعة من السلطان، وإلى التباغض والتقاطع
стр. 980
وظهور الخلاف الذى شرع لدفعه الاجتماع. فلا يتقدم رجل على ذى السلطنة ولاسيما فى الأعياد والْجُمعات. ولا على إمام الحىّ ورب البيت إلا بإذنه.
(١٠) إمامة المفضول: يجوز اقتداء الفاضل بالمفضول الذى تصح إمامته. فقد صلى النبى ﷺ خلف أبى بكر وغيره من الصحابة " قال " المغيرة بن شعبة: خَصلتان لا أسأل عنهما أحداً من الناس، رأيتُ رسولَ الله ﷺ فعلَهما: صلاةُ الإمام خلف الرجل من رعِيَّته، وقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلى خلف عبدِ الرحمنِ ابن عوفٍ ركعةً من صلاة الصبح. ومسحُ الرجل على خُفّيه. وقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يمسح على الخفين. أخرجه أحمد بسند جيد (١). ﴿١٢٢﴾
(وعنه) وقد سئل هل أمَ النبىَّ ﷺ رَجلٌ من هذه الأمة غيرُ أبى بكر؟ قال نعم كنا فى سفر كذا كذا (الحديث) وفيه فغسل وجهه وغسل ذراعيه ومسح بناصيته ومسح على العمامة وعلى الخفين ثم لَحِقَنَا الناسَ وقد أقيمت الصلاة وعبدُ الرحمن بن عوف يؤمهم وقد صلى ركعة فذهبتُ لأوذِنه فنهانى، فصلينا التى أدركْنا وقَضينا التى سُبِقنا بها. أخرجه الشافعى وأحمد وهذا لفظه ومسلم (٢). ﴿١٢٣﴾
وفى هذه الأحاديث دلالة أيضاً على فضل تقديم الصلاة فى أول الوقت وأنه إذا تأخر الإمام عنه يستحب للجماعة تقديم أحدهم إذا علموا بحسن خُلق
стр. 981
الإمام، ولم يترتب عليه فتنة، وإلا صلوا فى أول الوقت فرادى.
(١١) إمامة الأعمى: يصح الاقتداء بالأعمى اتفاقاً " لحديث " أنس أن النبى ﷺ استخلف ابن أُمِّ مكتومٍ على المدينة مرتين يِّصلىِّ بهم وهو أعمى. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى (١). ﴿١٢٤﴾
" وقال " محمود بن الربيع: إن عِتْبَانَ بنَ مالك كان يؤم قومه وهو أعمى. (الحديث) أخرجه الشافعى والبخارى والنسائى (٢). ﴿١٢٥﴾
وهل إمامته أفضل؟ قال أبو إسحاق المِرْوزى والغزالى: إن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأنه أكثر خشوعاً منه، لما فى البصر من شغل القلب بالمبْصَرَات (وقالت) الشافعية: الأعمى والبصير فى الإمامة سواء، لأن فى الأعمى فضيلة أنه لا يرى ما يلهيه وفى البصير فضيلة تجنب النجاسة واستقبال القبلة بنفسه.
(وقالت) المالكية والحنفية والحنبلية: البصير أوْلى بالإمامة. لأنه أقدر عل اجتناب النجاسة واستقبال القبلة باجتهاده. وهذا هو الراجح. واختاره بعض الشافعية (قال) المِرْوَزِى: وعندى أن البصير أوْلى، لأنه يجتنب النجاسة التى تفسد الصلاة. والأعمى يترك النظر إلى ما يليهه ولا تفسد الصلاة به (٣) ومحل الخلاف إن كان البصير مثلَ الأعمى فى أحقية الإمامة. أما إن لم يوجد بصير يساوى الأعمى فإمامته أفضل اتفاقاً. وعلى هذا يحمل استنابة النبى ﷺ ابنَ أم مكتوم، لأنه لم يكن بالمدينة وقتئذ أفضل منه متفرغاً للإمامة. فلا يرد على ذلك وجودُ علىّ رضى الله عنه فى المدينة حين
стр. 982
استخلف النبى ﷺ ابنَ أُمِّ مكتوم، لأن علياً كان مشغولا بالقيام بحفظ مَنْ وكل إليه حفظهم من أهل البيت حذراً من أن ينالَهم عدوُّ بمكروه.
(١٢) إمامة العبد: تصح إمامته بلا كراهة عند الشافعى وأحمد وإسحاق والثورى. والحرّ أوْلى، لما تقدم عن ابن عمر أن سالما مولى أبى حذيفة كان يؤم المهاجرين الأولين وفيهم عمرُ بن الخطاب ,أبو سلمة بن عبد الأسد (١). وكانت إمامته بهم قبل أن يعَتِقَ وقال ابن قدامه: وروى أن أبا سعيد مولى أبى أُسَيْد قال: تزوجتُ وأنا عبد فدعوتُ نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ فأجابونى، فكان فيهم أبو ذر وابن مسعود وحذيفةُ، فحضَرَت الصلاةُ وهم فى بيتى، فتقدم أبو ذر ليصلى بهم فقالوا له وراءكَ فالتفت إلى ابن مسعود فقال أكذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال نعم. فقدّمونى وأنا عبدٌ فصليتُ بهم. رواه صالح فى مسائله. ﴿٤٠﴾
وهذه قصة مثلها ينتشر ولم تنكر ولا عُرف مخالف لها فكان ذلك إجماعاً (٢) (وعن ابن أبى مُليكة) أنهم كانوا يأتون عائشةَ بأعلى الوادى هو وعُبيدُ بنُ عُميْر والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمة وناس كثير فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشةَ وأبو عمرو غلامها حينئذ لم يَعتِق. أخرجه الشافعى وعبد الرازق (٣). ﴿٤١﴾
(وقال) الحنفيون وأبو مِجْلز التابعى: تكره إمامته تنزيهاً، لأنه لا يتفرغ للتعلم فيغلب عليه الجهل وتقل رغبة الناس فى الاقتداء به فيؤدى إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها، فإن عُدمتْ علة الكراهة بأن كان أفضل من غيره فلا كراهة فى إمامته.
стр. 983
(وقالت) المالكية: تكره إمامته راتباً فى الصلوات الخمس والسنن المؤكدة كالعيد والكسوف، وتمنع فى الجمعة راتباً وغير راتب. وتجوز بلا كراهة فى النوافل كالتراويح، وفى الفريضة غير الجمعة إن لم يكن راتباً.
(١٣) إمامة الصالح والطالح: ينبغى أن يكون الإمام من أهل الصلاح والاستقامة والفضل والهداية متخلياً عن السفاسف متحلياً بالمكارم " لحديث " مِرْثد الغنَوى أن النبى ﷺ قال: إِنْ سَرَّكُمْ أَن تُقْبَلَ صَلاَتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدُكم بينكم وبين ربكم. أخرجه الحاكم والطبرانى فى الكبير والدار قطنى وقال: إسنادٌ غيرُ ثابت وفيه يحيى بن يعلى الأسلمى وعبد الله بن موسى. وهما ضعيفان (١). ﴿١٢٦﴾
" ولحديث " ابن عمر أن النبى ﷺ قال: اجعلوا أئمتكم خيارَكم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. أخرجه الدار قطنى والبيهقى وقال: إسناده ضعيف (٢). ﴿١٢٧﴾
(ويُكره) عند الحنفيين إمامة الفاسق تحريماً. وهو من خرج عند حدّ الاستقامة " لحديث " السائب بن خَلاّد أن رجلا أمّ قوماً فبصَق فى القبلة ورسولُ الله ﷺ ينظرُ إليه فقال ﷺ حين فرغ لا يُصَلى لكم فأراد بعد ذلك أن يُصلىَ بهم فمنعوه وأخبروه بقول النبى ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: نعم إنك آذيت الله ورسوله. أخرجه أبو داود وابن حبان (٣). ﴿١٢٨﴾
стр. 984
ولأنه لا يهتم لأمر دينه وفى تقديمه تعظيم له وليس من أهل التعظيم. وهو الراجح عند المالكية بناء على أن العدالة شرط كمال فى الإمام (١). وقيل تحرم إمامته وقيل تبطل صلاته بناء على أن العدالة شرط صحة، لأن الإمامة من باب الأمانة والفاسق خائن، ولهذا لا شهادة له لكون الشهادة من باب الأمانة (والمشهور) عند الشافعية كراهة إمامته، ونقل العلامة الشِّرْوَانى فى حاشيته على شرح التحفة عن البِرْماوى أنه يحرم على أهل الصلاح والخير الصلاةُ خلف الفاسق والمبتدع ونحوهما، لأنه يحمل الناس على تحسين الظن بهم.
(ومشهور) مذهب الحنبلية أنه لا تصح إمامة الفاسق - وهو من أتى كبيرة أو دوام على صغيرة - ولو لمثله، لأن الفاسق لا يقبل خبره لمعنى فى دينه فأشبه الكافر، ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة، إلا أن خيف أذاه فَيُصَلَّى خلفه دفعاً للمفسدة وتُعاد، وإلا فى صلاة الجمعة والعيد إذا تعذرت صلاتهما خلف غيره، فتصح إمامته فيهما للضرورة. ودليل ذلك ما تقدم عن جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلا ولا فاجر مؤمناً إلا أن يَقهرَه بسلطان يخاف سيفه أو سوطه. أخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند واه كما تقدم (٢) (قال) البهوتى: ولا تصح إمامة فاسق مطلقاً أى سواء كان فسقه بالاعتقاد أو الأفعال المحرمة (٣) (وقال) ابن إدريس الحنبلى: ولا تصح إمامة فاسق " بفعل " كزان وسارق وشارب خمر ونَمَّام ونحوه " أو اعتقاد " كخارجىّ ورافضىّ ولو كان مستوراً ثم قال: فلا يصح أن يؤم فاسق فاسقاً لأنه يمكنه رفع ما عليه من النقص بالتوبة عُلم فسقه
стр. 985
ابتداء أولا، فيعيد المأموم إذا علم فسق إمامه. واختار الشيخان أن البطلان مختص بظاهر الفسق دون خفيِّه (قال) فى الوجيز: لا تصلح خلف الفاسق المشهور فسقه، لكن ظاهر المذهب مطلقاً قاله فى المبدع. وتصح الجمعة والعيد خلف فاسق بلا إعادة إن تعذرت خلف غيره لأنهما يختصان بإمام واحد فالمنع منهما خلفه يؤدى إلى تفويتهما. نعم لو أقيمتا فى موضعين فى أحدهما عَدْلٌ فعلهما وراءه ونُقل عن ابن عبد الحكم أنه كان يصلى الجمعة ثم يصلى الظهر أربعاً. وإن خاف أذى بترك الصلاة خلف الفاسق صلى خلفه دفعاً للمفسدة وأعاد لعدم براءته (١).
(والراجح) ما ذهب إليه الجمهور من صحة الصلاة خلف الفاسق مع الكراهة (وأجابوا) عن حديث جابر بأنه ضعيف لا تقوم به حجة كما تقدم. وعلى فرض صحته فالنهى فيه محمول على الكراهة كما أن الأمر فى حديث: مِرْثد وابن عمر محمول على الندب " ولا ينافى " الكراهة (حديث) مكحول عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: صلوا خلف كل بّر وفاخر. أخرجه الدار قطنى وقال: مكحول لم يسمع من أبى هريرة ومَن دونه ثقات (٢). ﴿١٢٩﴾
" لأنه " ورد فى سد باب الخروج على الأئمة، ولأنه مجمع على ضعفه حتى قال بعض العلماء بوضعه. وأخرجه أبو داود والبيهقى بلفظ: الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم بَرُّا كان أو فاخراً وإن عمِل الكبائر (٣). ﴿١٣٠﴾
وهو منقطع فإن مكحولا لم يدرك أبا هريرة. وسئل عنه أحمد فقال: ما سمعناه بهذا. وقال الحاكم: هو حديث منكَر. وللبيهقى فى هذا الباب أحاديث