← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

مسألة ما القول فى الأخبار الواردة فى عدة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والأرضين، وذمّ أجناس منها؛ كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدّرّاج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير؛ وذمّ الفواخت والرّخم؛ وما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على الله تعالى وعلى أوليائه، ودعاء لهم، ودعاء على أعدائهم؛ وأن كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الأولياء ﵈، كذم الجرّىّ (١) وما شاكله من السمك، وما نطق به الجرىّ من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك؛ وكذم الدّبّ والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرّمة؛ وكذم البطّيخة التى كسرها أمير المؤمنين ﵇ فصادفها مرّة فقال: «من النار إلى النار»، ورمى بها من يده، ففار من الموضع الّذي سقطت فيه دخان؛ وكذم الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية أيضا. وقد جاء فى هذا المعنى ما يطول شرحه؛ وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه، ويسوغ أمره ونهيه. وفى هذه الأخبار التى أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ ويدين به، وبعضها يخالفه؛ وهذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه. ومنها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، وألفاظا تفيد أغراضا، وأنها بمنزلة الأعجمىّ والعربىّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، وأنّ شاهد ذلك من قول الله سبحانه فيما حكاه عن سليمان ﵇: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ؛ [النمل: ١٦]. وكلام النملة أيضا مما حكاه سبحانه، وكلام الهدهد واحتجاجه وجوابه وفهمه؛ فلينعم بذكر ما عنده فى ذلك مثابا إن شاء الله. ***

стр. 1017

الجواب، وبالله التوفيق: اعلم أن المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلة عليه من نفى وإثبات؛ فإذا دلت الأدلّة على أمر من الأمور وجب أن نبنى كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ ونسوقه إليه، ونطابق بينه وبينه، ونجلّى ظاهرا إن كان له، ونشرط إن كان مطلقا، ونخصّه إن كان عاما، ونفصّله إن كان مجملا؛ ونوفّق بينه وبين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة؛ وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه فى ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك فى أخبار آحاد لا توجب علما؛ ولا تثمر يقينا! فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة وابنها عليها؛ وافعل فيها ما حكمت به الأدلة، وأوجبته الحجج العقلية؛ وإن تعذّر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل؛ فليس غير الاطراح لها، وترك التعريج عليها؛ ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر ويتفكر. وقد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضدّ الثناء على الله وبذم أوليائه، ونقص أصفيائه معناه ذمّ متخذيها ومرتبطيها، وأنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على الله تعالى، ويذمّون أولياءه وأحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، وهو لمتخذيها أو مرتبطيها؛ للتجاوز والتقارب، وعلى سبيل التجوز والاستعارة؛ كما أضاف الله فى القرآن السؤال إلى القرية؛ وإنما هو لأهل القرية، وكما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً. فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً؛ [الطلاق: ٨، ٩]؛ وفى هذا كلّه حذوف. وقد أضيف فى الظاهر الفعل إلى من هو فى الحقيقة متعلّق بغيره؛ والقول فى مدح أجناس من الطير، والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله تعالى والمدح لأوليائه يجرى على هذا المنهاج الّذي نهجناه. فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، ومرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح والذم بذلك؟

стр. 1018

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا فى استحقاق مرتبطيها مدحا ولا ذما؛ وإنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجرى عادة المؤمنين الموالين لأولياء الله تعالى والمعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. وكذلك تجرى عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير؛ فيكون متخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطيها، والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا. وكذلك القول فى الذم المقابل للمدح. فإن قيل: فلم نهى عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، وإنما يتعلق ببعض متخذيها لكفرهم وضلالهم؟ قلنا: يجوز أن يكون فى اتخاذ هذه البهائم المنهىّ عن اتخاذها وارتباطها مفسدة وليس يقبح خلقها فى الأصل لهذا الوجه؛ لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الّذي لا يمنع تعلق المفسدة به. ويجوز أيضا أن يكون فى اتخاذها هذه الأجناس المنهىّ عنها شؤم وطيرة؛ فللعرب فى ذلك مذهب معروف. ويصح هذا النهى أيضا على مذهب من نفى الطّيرة على التحقيق؛ لأنّ الطّيرة والتشاؤم- وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق- فإن النفوس تستشعر ذلك، ويسبق إليها ما يجب على كل حال تجنّبه والتوقى عنه (١)؛ وعلى هذا يحمل معنى قوله ﵇: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ». فأما تحريم السمك الجرّىّ وما أشبهه فغير ممتنع لشيء يتعلق بالمفسدة فى تناوله؛ كما نقول فى سائر المحرمات. فأما القول بأن الجرّىّ نطق بأنه مسخ بجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب (٢) من قائله، والملتفت إلى مثله. فأما تحريم الدّب والقرد والفيل فكتحريم كلّ محرّم فى الشريعة، والوجه فى التحريم لا يختلف؛ والقول بأنها ممسوخة إذا تكلّفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة (٣) غير

стр. 1019

منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصّورة الشّنيئة على سبيل التنفير عنها، والزيادة فى الصّدّ عن الانتفاع بها؛ لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة. والفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حىّ حيا آخر غيره؟ وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه. وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين ﵇ لما ذاقها ونفر عن طعمها؛ وزادت كراهيته لها قال: «من النار وإلى النار»، أى هذا من طعام أهل النار، وما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه ويكرهه. ويجوز أن يكون فوران الدّخان عند الإلقاء لها كان على سبيل التصديق، لقوله ﵇: «من النار إلى النار» وإظهار معجز له. وأما ذمّ الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية؛ فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد أهل هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولا؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ. وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول والضرورات؛ لأن هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلّفة، فكيف تعتقد حقا أو باطلا! وإذا ورد أثر فى ظاهره شيء من هذه المحاولات؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح. وقد نهجنا طريق التأويل، وبيّنا كيف التوصل إليه. فأما حكايته تعالى عن سليمان ﵇: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ فالمراد به أنه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير؛ وتتداعى فى أصواتها وأغراضها ومقاصدها؛ بما يقع منها من صياح؛ على سبيل المعجزة لسليمان ﵇. فأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ؛ [النمل: ١٨] فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول

стр. 1020

على هذا المعنى؛ وأشعرت باقى النمل؛ وخوّفتهم من الضرر بالمقام، وأنّ النجاة فى الهرب إلى مساكنها؛ فتكون إضافة القول إليها مجازا واستعارة؛ كما قال الشاعر: * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (١) * وكما قال الآخر: * وقالت له العينان سمعا وطاعة* ويجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة- كما يتكلّم أحدنا- يتضمن المعانى المذكورة، ويكون ذلك معجزة لسليمان ﵇؛ لأنّ الله تعالى سخّر له الطّير، وأفهمه معانى أصواتها على سبيل المعجزة له. وليس هذا بمنكر؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلّف ولا كامل العقل؛ ألا ترى أنّ المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض؛ وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين. والقول فيما حكى عن الهدهد يجرى على الوجهين اللذين ذكرناهما فى النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما. وأما حكايته أنه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛ [النمل: ٢١]، وكيف يجوز أن يكون ذلك فى الهدهد وهو غير مكلّف ولا يستحق مثله العذاب. فالجواب أن العذاب اسم للضّرر الواقع، وإن لم يكن مستحقا؛ وليس يجرى مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا جزاء على أمر تقدم. وليس بممتنع أن يكون معنى لَأُعَذِّبَنَّهُ أى لأولمنّه، ويكون الله تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرّفها فى منافعه وأغراضه؛ وكلّ هذا لا ينكر فى نبىّ مرسل تخرق له العادات؛ وتظهر على يده المعجزات؛ وإنما يشتبه على قوم يظنون أنّ هذه الحكايات تقتضى كون النملة والهدهد مكلّفين؛ وقد بيّنا أنّ الأمر بخلاف ذلك.

стр. 1021

تأويل آية [قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً] إن سأل سائل عن قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ [الأنعام: ١٥١]. وكيف (١) يجوز أن يكون من جملة ما حرّم علينا ألّا نشرك به شيئا؛ والأمر بالعكس من ذلك. الجواب، قيل له: هذا السؤال (٢) سؤال من لا تأمل عنده بموضوع الآية وترتيب خطابها؛ لأنّ التحريم المذكور فيها لا يجوز البتّة على مذهب أهل العربية أن يكون متعلّقا بقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً؛ وإنما هو من صلة الجملة الأولى؛ ولو تعلّق التحريم المذكور بقوله: أَلَّا تُشْرِكُوا لم يخل أن يكون تعلّقه به تعلق الفاعل أو المفعول؛ وكأنه قال: حرّم ألا تشركوا، أو المبتدأ والخبر؛ فكأنه قال: الّذي حرم ربّكم عليكم ألّا تشركوا. والتعلّق الأول يمنع منه أن لفظة حرم من صلة لفظ ما التى هى بمعنى الّذي؛ فلا تعمل فيما بعدها؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: حرّمت كذا، فالتحريم عامل فيما بعده عمل الفعل فى المفعول؛ فإذا قلت: الّذي حرّمت كذا بطل هذا المعنى، ولم يجز أن يكون التحريم متعلّقا بما بعده على معنى الفعلية؛ بل على سبيل المبتدأ والخبر. ولا يجوز أن يكون فى الآية التعلّق على هذا الوجه؛ لأنّ صدر الكلام يمنع من ذلك؛ ألا ترى أنه تعالى قال: أَتْلُ ما حَرَّمَ ف ما حَرَّمَ منصوب، لأنه مفعول أَتْلُ؛ وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون ما حَرَّمَ مبتدأ حتى يكون أَلَّا تُشْرِكُوا خبرا له. وإذا بطل التعلّق بين الكلام من كلا الوجهين نظرنا فى قوله تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا ماذا

стр. 1022

يتعلق به؟ واحتجنا إلى إضمار متعلّق به؛ ولم يجز أن نضمر «حرّم» ألا تشركوا به؛ لأن ذلك واجب غير محرّم؛ فيجب أن يضمر «ما أوصاكم» ألا تشركوا به شيئا، أو «أتل عليكم» ألا تشركوا. والإضمار الأول يشهد له آخر الآية فى قوله تعالى: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، والإضمار الثانى يشهد له أوّل الآية من قوله تعالى: أَتْلُ وما وصانا به فقد أمرنا به وندبنا إليه. فإن قيل: فما موضع «أن» من الإعراب؟ قلنا: فى ذلك وجوه ثلاثة: أحدها الرفع؛ ويكون التقدير: ذلك ألّا تشركوا به شيئا؛ فكأنه مبتدأ وخبر. والثانى النّصب؛ إما على أوصى ألا تشركوا، أو على اتل ألّا تشركوا. والثالث ألّا يكون لها موضع، ويكون المعنى: لا تشركوا به شيئا. فأما موضع تُشْرِكُوا فيمكن فيه وجهان: النصب ب «أن»؛ والثانى الجزم ب «لا» على جهة النهى. فإن قيل كيف يعطف النهى فى قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ على الخبر وهو أوصى أَلَّا تُشْرِكُوا. قلنا: ذلك جائز؛ مثل قوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ [الأنعام: ١٤]؛ ومثله قول الشاعر: حج وأوصى بسليمى الأعبدا ... ألّا ترى ولا تكلّم أحدا * ولا يزل شرابها مبرّدا* فعطف «لا تكلّم» - وهو نهى- على الخبر. ويمكن فى الآية وجه غير مذكور فيها، والكلام يحتمله؛ وهو أن يكون الكلام قد انقطع عند قوله تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ والوقف هاهنا، ثم ابتدأ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً.

стр. 1023

وإذا كانت على هذا الوجه احتمل: عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا وجهين: أحدهما أن يراد به: يلزمكم وواجب عليكم ذلك؛ كما يقال: عليك درهم، وعليك أن تفعل كذا، ثم قال: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، أى أوصى بالوالدين إحسانا. والوجه الآخر أن يريد الإغراء؛ كما تقول: عليك زيدا، وعليك كذا إذا أمرت بأخذه والبدار إليه. ولم يبق بعد هذا إلا سؤال واحد؛ وهو أن يقال: كيف يجوز أن يقول تعالى: أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ، ثم يأتى بذكر أشياء غير محرمات حتى تقدروا لها الوصية أو الأمر، وصدر الكلام يقتضي أنّ الّذي يأتى به من بعد لا يكون إلا محرّما؟ ألا ترى أن القائل إذا قال: تعال أتل عليك ما وهبت كذا وكذا، لا بدّ أن يكون ما يعدّده ويذكره من الموهوبات؛ وإلا خرج الكلام من الصحّة. الجواب عن ذلك أن التحريم لما كان إيجابا وإلزاما أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات والمأمورات للاشتراك فى المعنى. وأيضا فإن فى الإيجاب والإلزام تحريما؛ ألا ترى أنّ الواجب محرم الترك، وكلّ شيء ذكر بعد لفظ التحريم فيه على بعض الوجوه تحريم. فإن قيل: ألّا حملتم الآية على ما حملها قوم عليه من أن لفظة «لا» زائدة فى قوله: أَلَّا تُشْرِكُوا، فكأنه حرّم أن تشركوا به؛ واستشهد على زيادة «لا» بقوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؛ [الأعراف: ١٢]، وبقول الشاعر: فما ألوم البيض ألا تسخرا ... لما رأين الأشمط القفندرا (١) وبقول الشاعر: ألا يا لقوم قد أشطّت عواذلى ... ويزعمن أن أودى بحقّى باطلى ويلحيننى فى اللهو إلا أحبّة ... وللهو داع دائب غير غافل

стр. 1024

قلنا: قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة «لا» فى مثل هذا الموضع، وضعّفوه وحملوا قوله: ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ على أنه خارج على المعنى؛ والمراد به: ما دعاك إلى ألا تسجد! ومن أمرك بألّا تسجد! لأن من منع من شيء فقد دعى إلى ألا يفعل. ومتى حملنا قوله تعالى: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أن لفظة «لا» زائدة على تضعيف قوم لذلك فلا بدّ فيما اتصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر؛ وهو قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً؛ لأن ذلك لا يجوز أن يكون معطوفا على المحرّم؛ ولا بدّ من إضمار: «ووصينا بالوالدين إحسانا». وإذا احتجنا إلى هذا الإضمار ولم يغننا عنه ما ارتكبناه من زيادة لفظة «لا»، فالأولى أن نكتفى بهذا الإضمار فى صدر الكلام على حاله من غير إلغاء شيء منه، ونقدر ما تقدّم بيانه؛ فكأنه تعالى وصّى ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا. ويشهد لذلك ويقوّيه آخر الآية.

стр. 1025

تأويل آية [وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً؛ [طه: ١١٤] فقال: ما معنى هذه الآية؟ فإن ظاهرها لا يدلّ على تأويلها. الجواب، قلنا: قد ذكر المفسّرون فى هذه الآية وجهين نحن نذكرهما، ونوضّح عنهما، ثم نتلوهما بما خطر لنا فيهما زائدا على المسطور. وأحد ما قيل فى هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا نزل عليه القرآن وسمعه من جبرئيل قرأ ﵇ معه ما يوحى به إليه من القرآن أولا أولا قبل استتمامه والانتهاء إلى المنزّل منه فى الحال، وقطع الكلام عليها، وإنما كان يفعل النبىّ ﵇ ذلك حرصا على حفظه وضبطه، وخوفا من نسيان بعضه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ليثبت النبىّ صلى الله عليه وآله فى تلاوة ما يسمعه من القرآن، حتى ينتهى إلى غايته لتعلّق بعض الكلام ببعض. قالوا: ونظير هذه الآية قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ؛ [القيامة: ١٦ - ١٩]؛ فضمن الله تعالى أنه يجمع له ﵇ حفظ القرآن، ثم يثبّته فى صدره، ليؤدّيه إلى أمّته، وأسقط عنه كلفة الاستعجال بترداد تلاوته، والمسابقة إلى تلاوة كل ما يسمعه منه؛ تخفيفا عنه وترفيها له، وأكدوا ذلك بقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أى إذا انتهينا إلى غاية ما تريد إنزاله فى تلك الحال، فحينئذ اتبع قراءة ذلك وتلاوته، فلم يبق منه ما ينتظر فى الحال نزوله. والوجه الآخر أنهم قالوا: إنما نهى النبىّ ﵇ عن تلاوة القرآن على أمته وأداء ما يسمعه منه إليهم، قبل أن يوحى إليه ﵇ ببيانه، والإيضاح عن معناه وتأويله؛ لأنّ تلاوته على من لا يفهم معناه، ولا يعرف مغزاه لا تحسن.

стр. 1026

قالوا: ومعنى قوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ المراد به: قبل أن يقضى إليك وحى بيانه، وتفسير معناه؛ لأن لفظة «القضاء» وإن كانت على وجوه معروفة فى اللغة، فهى هاهنا بمعنى الفراغ والانتهاء إلى الغاية؛ كما قال تعالى: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ؛ [فصلت: ١٢]. وكما قال الشاعر: ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح (١) أى فرغنا من حاجاتنا، وانتهينا إلى غاية الوطر منها. فأما الجواب الثالث الزائد على ما ذكر فهو أنه غير ممتنع أن يريد: لا تعجل بأن تستدعى من القرآن ما لم يوح إليك به؛ فإن الله تعالى إذا علم مصلحة فى إنزال القرآن عليك أمر بإنزاله، ولم يدّخره عنك؛ لأنه لا يدخر عن عباده الاطّلاع لهم على مصالحهم. فإن قيل على هذا الوجه: إنه يخالف الظاهر؛ لأنه تعالى قال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ولم يقل بطلبه واستدعائه، والظاهر يقتضي أن الاستعجال بنفس القرآن لا بغيره. قلنا: الأمر على ما ظنه السائل. وعلى الوجوه الثلاثة فى تأويل الآية لا بدّ من تقدير ما ليس فى الظاهر؛ لأن على الوجهين الأولين المذكورين لا بدّ من أن يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إما على سبيل الدرس والتحفّظ على ما ذكر فى الوجه الأول، وأن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان. وأىّ فرق فى مخالفة الظّاهر؛ بين أن يقدّر: ولا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدر: لا تعجل بطلب القرآن واستدعاء نزوله؟ فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبي ﵇ فى استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهى لا يكون إلا عن قبيح. قلنا: النهى لا يكون إلا عن قبيح لا محالة؛ لكن النهى لا يدلّ

стр. 1027

على وقوع الفعل المنهىّ عنه؛ لأنه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ ولا يواقعه، ألا ترى أن النبىّ ﵇ نهى عن الشّرك وسائر القبائح؛ كما نهينا، ولم يدلّ ذلك على وقوع شيء مما نهى عنه منه! وهذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأولين إذا قيل له: أفوقع منه ﵇ تلاوة القرآن على أمته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهى عنه؟ ويمكن من اعتمد على الوجه الأول فى تأويل الآية أن يقول فى قوله تعالى: لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ وإن كان ظاهره النهى ليس بنهى على الحقيقة؛ وقد يرد ما هو بلفظ النهى وهو غير نهى على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر وليس بأمر؛ وإنما ذلك تخفيف عنه ﵇ وترفيه، ورفع كلفة المشقة، فقيل له ﵇: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإن الله تعالى يكفيك هذه المئونة، ويعينك عن حفظه وضبطه؛ كما قال تعالى فى الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ أى جمعه فى حفظك وتأمورك (١). وبعد؛ فإن الأولى التوقف عن معرفة غاية الكلام التى ينتهى إليها، ويقطع عليها. والتلاوة لما يرد منه الأوّل فالأول؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلق الكلام بعضه ببعض؛ فندب ﵇ إلى الأول من التوقف على غايته (٢). وأما الوجه الثانى الّذي اعتمد فيه على أنّ النهى إنما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة فى التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهى ﵇ عن ذلك؛ لأنّ المصلحة فى خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ وإن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلا مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أن البيان يجوز أن يتأخر عن وقت الخطاب؛ وإنما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.

стр. 1028

وقد بينا الكلام فى هذه المسألة، والأدلّة على صحة ما ذهبنا إليه منها فى مواضع من كتبنا، وتكلمنا على فساد قول من أوجب اقتران البيان بالخطاب. على أنّ من اعتمد على هذه الطريقة فى هذا الموضع فقد غلط؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّ الله تعالى قد خاطب نبيّه ﵇ بما يحتاج إلى بيان من غير انضمام البيان إليه. وإذا جاز ذلك فى خطابه تعالى لنبيه ﵇ جاز مثله فى خطاب النبىّ ﵇ لأمته؛ لأنّ من أبطل تأخير البيان عن زمان الخطاب يوجب ذلك فى كل خطاب. وليس يمكن أن يدّعى أنه تعالى قد بيّن له؛ لأن تأويلهم يمنع من ذلك؛ لأنه قيل له على هذا الوجه: لا تعجل بتلاوة القرآن على أمّتك قبل أن يقضى إليك وحيه؛ يعنى قبل أن ينزل إليك بيانه؛ فالبيان متأخّر عنه على ذلك الوجه؛ وذلك قبيح على مذهب من منع من تأخير البيان من وقت الخطاب. والتأويل الّذي ذكرناه زائدا على الوجهين المذكورين يمكن أن تفسّر به الآية الأخرى التى هى قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ، بطلب ما لم ينزل عليك من القرآن؛ فإنّ علينا إنزال ما تقتضى المصلحة إنزاله عليك وجمعه لك؛ وقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ، يدلّ ظاهره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنّه تعالى أمره: إذا قرأ عليه الملك وأوحى به إليه أن يقرأه، ثم صرّح بأن البيان يأتى بعده؛ فإنّ «ثمّ» لا يكون إلا للتراخى، وما هو مقترن بالشيء لا تستعمل فيه لفظة «ثمّ» ألا ترى أنه لا يقال: أتانى زيد ثم عمرو، وإنما حضرا فى وقت واحد!

стр. 1029

مسألة إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ؛ [فاطر: ٣٢]. فقال: أىّ معنى لقوله تعالى: أَوْرَثْنَا؟ وما الكتاب المشار إليه؟ وإذا كان الاصطفاء هو الاختيار والاجتباء- وذلك لا يليق إلا بمن هو معصوم مأمون منه القبيح كالأنبياء والأئمة ﵈ فكيف قال بعد ذلك: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، وهنا وصف لا يليق بمن ذكرناه؟ الجواب، إن الّذي يجب اعتماده فى تأويل هذه الآية أن قوله تعالى: فَمِنْهُمْ ترجع الكناية فيه إلى العباد؛ لا إلى الذين اصطفوا؛ وهو أقرب إليه فى الذكر، فكأنه تعالى قال: ومن عبادنا ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات. فإن قيل: فأىّ فائدة فى وصف العباد بهذه القسمة؟ وكيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم، وورّثهم الكتاب؟ قلنا: الوجه فى ذلك ظاهر؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص؛ وإنما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض؛ لأنّ فى العباد من هو ظالم لنفسه، ومن هو مقتصد، ومن هو سابق بالخيرات؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح. ونحن الآن متبعون ما قيل فى تأويل هذه الآية؛ وموضّحون عمّا فيه من صحة أو اختلال. ذكر أبو عليّ الجبّائى ومن تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء ﵈، والظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم؛ وإنما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الّذي زال عنه بفعل الصغيرة؛ ويؤدّى سائر الواجبات. والسابق إلى الخير هو الّذي استكثر من فعل النوافل؛ وهذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء

стр. 1030

عليهم السلام لا يقع منهم شيء من المعاصى والقبائح. وقد أشبعنا الكلام فى ذلك فى كتابنا المعروف «بتنزيه الأنبياء والأئمة» ﵈. ولو عدلنا عن ذلك لم يجز ما قاله؛ لأنّ قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذمّ، والذمّ لا يستحقّه فاعل الصغيرة؛ فكيف تجرى عليه أوصاف الذم؟ ولا شبهة فى أن قولنا: فلان ظالم لنفسه من أوصاف الذم؛ لأنهم يقولون فى كلّ من فعل قبيحا: إنه قد ظلم، من حيث فعل ما يستحقّ به العقاب؛ وكأنه أدخل على نفسه ضررا ما كان يستحقّه، فأشبه بذلك الظالم لغيره. ولا يجوز أن يوصف فاعل الصغيرة بأنّه ظالم لنفسه من حيث فوّت نفسه الثواب؛ لأنّه إن عنى بذلك الثواب الّذي يبطل بعقاب الصغيرة، فعند أبى عليّ أن الصغيرة ينحبط عقابها بالثواب الكثير؛ من غير أن ينقص من الثواب شيء؛ لأنه لا يذهب إلى الموازنة التى يذهب إليها أبو هاشم، فما فوّتت الصغيرة عنده ثوابا كان مستحقّا له، وإن عنى بتفويت الثواب أنّه لو لم يفعل هذه المعصية لكان يستحقّ على الامتناع منها ثوابا فإنه يفعلها. فهذا يوجب أن يكون الأنبياء ﵈ فى كل حال مفوّتين لأنفسهم الثواب بفعل المباحات؛ لأنهم لو فعلوا الطاعات بدلا منها لاستحقّوا الثواب، ولوجب أن يوصفوا على الفائتة بأنهم ظالمون لأنفسهم. على أنّ وضع الكلام وترتيبه يقتضيان أنّ الظالم لنفسه فى الآية فى موضع ذمّ، لأنه تعالى جعله بإزاء المقتصد، وليس بإزاء المقتصد إلا المسرف المذموم. فإن قيل: فقد قلتم فى تأويل حكايته تعالى عن آدم وحوّاء ﵉ قولهما رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا، [الأعراف: ٢٣]: إنما أراد أنّا نقصناها الثواب الّذي كنا نستحقّه لو فعلنا ما ندبنا إليه من الامتناع من تناول الشجرة. قلنا: إنما قلنا ذلك هناك، وعدلنا عن الظاهر فى هذه اللفظة لقيام الدليل أن النبىّ ﵇ لا يواقع المحظور، كبيرا ولا صغيرا من الذنوب. وليس فى الآية التى نحن فى الكلام عليها ضرورة توجب العدول عن الظاهر، بل قد بينا أن ترتيب الكلام ومقابلته

стр. 1031

يقتضيان أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فى الآية تقتضى الذم، لأنها بإزاء المقتصد. على أنه غير ممتنع أن تكون لفظة «ظلم» بخلاف لفظة ظالم فى عرف الاستعمال، كما أن عند مخالفنا أن لفظة «آمن» بخلاف لفظة «مؤمن»، لأنهم يصفون صاحب الكبيرة بأنه آمن ولا يسمّونه بأنه مؤمن، ويزعمون أن الانتقال عن الاشتقاق إلى إفادة استحقاق الثواب إنما هو فى مؤمن دون آمن، فلا ينبغى أن ينكروا مثل ذلك فى ظلم وظالم. وتأول قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره الله تعالى للتكليف، وتوريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثم قسّمهم الأقسام التى تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء ﵈. وهذا الجواب يفسد، لأن الله تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، ومن اصطفاه الله واختاره واجتباه بالإطلاق لا يكون إلا ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحق الذم والعقاب؟ ومن يختار الله تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إن الله تعالى اصطفاه. والمعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى؛ [الأنبياء: ٢٨]، على أن المراد من ارتضى الشفاعة فيه، ويقولون: من ارتضى شيئا يتعلق به لا يوصف بأنه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا. ووجدت أبا قاسم البلخىّ يقول فى كتابه تفسير القرآن: " إنه تعالى أراد العقلاء البالغين ويجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثم ظلم بعضهم نفسه؛ فيكون كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ؛ [المائدة: ٥٤]؛ وهو فى وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون فى حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين". قال: " ويجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثم تاب وأصلح؛ ويكون قوله: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، أى منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنه فى هذا الوقت ظالم لها". هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ وهذا فاسد؛ لأن من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح

стр. 1032

لا يوصفون على الإطلاق بأن الله تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنهم آمنوا فى الماضى لا يمنع من الردّة فى المستقبل؛ وقوله تعالى: الَّذِينَ اصْطَفَيْنا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته. وأما حمل ذلك على من ظلم ثم تاب فهو غير صحيح؛ لأنّ من تاب لا يوصف بعد التوبة بأنه ظالم لنفسه؛ لأن التوبة تمنع من إجراء ألفاظ الذم. ووجدت بعضهم يتأوّل هذه الآية على أن المراد ب ظالِمٌ لِنَفْسِهِ من جهد نفسه فى العبادة وحمل عليها؛ وقال: هذا يليق بأوصاف الأنبياء ﵈، ولا تمنع النبوّة منه. وهذا أيضا غير صحيح؛ لأنا قد بينا أن لفظة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يذمّ بها فى التعارف، فكيف تجرى على المدح! ومن هذا الّذي يسمى من جهد نفسه فى العبادة بأنّه ظالم نفسه بالإطلاق! على أن السابق إلى الخيرات هو المجتهد فى العبادة، الحامل على نفسه فيها، فأىّ معنى للتكرار؟ وهذا تأويل يفسد القسمة، وهذه الجملة توضّح أن التأويل الصحيح ما قدمناه. فأما قوله تعالى الْكِتابَ فالظاهر أنه كناية عن القرآن المنزّل على رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فقد صارت هذه اللفظة بالإطلاق عبارة عنه؛ ولهذا إذا أطلق القائل فقال: هذا ينطق به الكتاب، ومحرّم فى الكتاب، وورد فى الكتاب لم يفهم منه إلا ما ذكرناه. ومعنى أَوْرَثْنَا يعنى علمه وفوائده وأحكامه؛ وليس يليق ذلك بالأنبياء المتقدمين؛ فإنه لا حظّ لهم فى علم هذا الكتاب؛ وإنما يختص بهذه الفائدة نبيّنا ﵇ والأئمة من ولده ﵈؛ لأنهم المتعبّدون بحفظه وبيانه، والعمل بأحكامه. وذلك كلّه واضح بحمد الله ومنّه.

стр. 1033

تأويل آية [وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ [الزخرف: ٨٦]. الجواب، قلنا: أما الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فالمراد به ما كان يعتقده المشركون، ويدعونه إلها من دون الله. والهاء فى دُونِهِ راجعة إلى اسم الله تعالى. وتحقيق الكلام: ولا يملك الذين يدعون إلها وأربابا من دون الله تعالى الشفاعة. ولما كثر استعمال هذه اللفظة فيمن يعبد من دون الله، ويدعى إلها رازقا استحسنوا الحذف لظهور الأمر فى المراد؛ ولهذا حمل محققو المفسّرين قوله تعالى: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ؛ [الفرقان: ٧٧] الآلهة من دونه، وحذف ما يتعلّق بهذا الدعاء فى هذه الآية أشكل من حذفه فى قوله تعالى: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ؛ لأنّ قوله جل وعز: مِنْ دُونِهِ قد نبّه وأيقظ على أنّ المراد: من كان يدعى إلها من دونه. والآية الأخرى لا دليل فيها من لفظها على ما يتعلق به قوله: دُعاؤُكُمْ. ومعنى أنهم لا يملكون الشفاعة، أى ليس لهم أن يفعلوها ويتصرّفوا فيها؛ لأن معنى المالك ليس هو إلا من كان قادرا على التصرّف فيه؛ وليس لأحد أن يمنعه من ذلك؛ والشفاعة قد بيّنا فى غير موضع من كتبنا أنها لا تستعمل على طريقة الحقيقة إلا فى طلب إسقاط المضارّ؛ وإنما استعملت فى إيصال المنافع تجوّزا فيه واستعارة. وقيل فى معنى الآية وجهان: أحدهما أنّ المعبودين من عيسى ومن مريم والملائكة وعزير ﵈؛ لا يملك الشفاعة عند الله تعالى [أحد منهم] فى أحد إلا فيمن شهد بالحق، وأقرّ التوحيد، وبجميع ما يجب عليه الإقرار به. والوجه الآخر أنّ الذين يدعون من دون الله من البشر والأجسام وجميع المعبودات لا يملك الشفاعة عند الله إلا من شهد بالحق منهم يعنى عيسى وعزيرا والملائكة ﵈؛ لا يملكون

стр. 1034

الشفاعة عند الله تعالى إلا إذا كانوا على الحق شاهدين به؛ معترفين بجميعه؛ فإنهم يملكون الشفاعة عند الله؛ وإن كان لا يملكها ما عداهم من المعبودات. والفرق بين الوجهين أنّ الوجه الأول يرجح الاستثناء فيه إلا من تتناوله الشفاعة؛ وفى الوجه الثانى يرجح الاستثناء إلى الشافع دون المشفوع فيه. فإن قيل: أى الوجهين أرجح؟ قلنا: الثانى؛ وإنما رجحناه لأن المقصد بالكلام أنّ الذين يدعونهم من دون الله تعالى لا يملكون لهم نفعا؛ كما قال تعالى فى مواضع إنهم لا ينفعونكم، ولا يضرونكم، ولا يرزقونكم؛ ووضع الكلام على نفى منفعة تصل إليهم من جهتهم؛ ولا غرض فى عموم من يشفعون فيه أو خصوصه. ولما كان فيمن عبدوه من نبىّ أو ملك من يجوز أن يشفع فيمن تحسن الشفاعة له، وجب استثناؤه حتى لا يتوهّم أنّ حكم جميع من عدّده واحد؛ فى أنه لا تصح منه الشفاعة؛ وأنّ من كان تصح منه الشفاعة إنما يشفع فيمن تحسن الشفاعة له ممن لم يكن كافرا ولا جاحدا. ويترجّح هذا الوجه من جهة أخرى؛ وهى أنا لو جعلنا الاستثناء يرجع إلى من يشفع فيه لكان الكلام يقتضي أنّ جميع من يدعون من دون الله يشفع لكل من شهد بالحق، والأمر بخلاف ذلك؛ لأنه ليس كل من عبدوه من دون الله تعالى تصح منه الشفاعة؛ لأنهم عبدوا الأصنام، وبعض عبد الكواكب والشفاعة لا تصح منها؛ فلا بدّ من أن تخصص الكلام ونقدره هكذا: لا يملك بعض الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا فيمن شهد بالحق؛ فعود الاستثناء إلى الشافعين وأولى؛ حتى يتخصص. وأيضا فلو عاد الاستثناء إلى المشفوع فيه لوجب أن يكون على غير هذه الصيغة فيقول: «إلا فيمن شهد بالحق» وإذا قال: «إلا من شهد بالحق» كان ذلك بأن يرجع إلى الشافع أولى؛ لأنه أليق باللفظ، لأنا إذا أردنا أن نستثنى من جماعة لا يشفعون قلنا: هؤلاء

стр. 1035

لا يشفعون إلا من كان بصفة كذا؛ وإذا كان الاستثناء ممن يشفع فيه قلنا: لا يشفعون إلا فيمن صفته كذا. وأيضا فعلى الوجه الأول وقد تقدم عموم ظاهر فى اللفظة يجوز أن يستثنى منه وهو قوله تعالى: الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ وما جرى ذكر المشفوع فيه عموما يستثنى بعض. فإن قيل: الشفاعة لفظ جنس، يقتضي العموم. قلنا: قد بينا فى غير موضع أن ألفاظ الجنس لا تقتضى الاستغراق، وضربنا المثل بمن يقول: هذه أيام أكل اللحم، وزمان لبس الجباب، فإنه يقتضي الجنس من غير استغراق. وإن توهّم خصوص أو عموم فخطؤهما لا يعقل. فإن قيل: أىّ فائدة فى قوله تعالى وَهُمْ يَعْلَمُونَ وبأى شيء يتعلق علمهم. قلنا: ليس كلّ من شهد بالحق يكون عالما؛ لأن المقلّد والمبخّت ربما شهد بالحق على وجه لا ينفع؛ وإنّما لا ينفع ذلك مع العلم فكأنه تعالى قال وَهُمْ يَعْلَمُونَ صحة ما شهدوا به. فإن قيل: إذا كان المستثنى هم الأنبياء والملائكة فهؤلاء لا يشهدون بالحق إلا مع العلم. قلنا: ذلك صحيح إلا أنّ الاستثناء لما تناول فى اللفظة من كان يصفه، وكان مجرد هذه اللفظة لا ينفع فى المعنى المقصود إلا مشروطا بالعلم وجب اشتراط العلم؛ ليعلم افتقاد تلك الصفة فيمن كانت إليه؛ وهذا واضح. فإن قيل: هذان الوجهان اللّذان ذكرتموهما، ورجّحتم أحدهما يقتضيان مشاركة نبينا ﵇ فى الشفاعة للمذنبين؛ ومن مذهب المسلمين أنّه ينفرد بالشفاعة. قلنا: ليس فيما ذكر تضعيف لهذين الجوابين من وجوه: أحدها أنّ انفراده ﵇ بالشفاعة للمذنبين حتى لا يشاركه أحد فيها ليس بمعلوم ولا مقطوع عليه؛ وإنما يرجع فيه إلى أقوال قوم غير محصّلين؛ ألا ترى أنّ عند المسلمين كلّهم إلا عند المعتزلة ومن وافقهم أن للمؤمنين شفاعة بعضهم فى بعض! فكيف يدّعى الاختصاص فى هذه الرتبة!

стр. 1036

وثانيها أن المزية المدّعاة لنبينا ﵇ فى الشفاعة إنما هى على الأنبياء المتقدمين دون الملائكة؛ لأنّه لا خلاف فى أن للملائكة شفاعة، وقد نطق القرآن بذلك فقال: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ؛ [الأنبياء: ٢٨]. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه فالاستثناء يعود إلى الملائكة ﵈؛ لأنهم من جملة المعبودين، فلا يمنع نفى الشفاعة عن الكل أن يستثنوا لأن لهم شفاعة. وثالثها أنّ الشفاعة قد تكون إلى الله تعالى وإلى غيره؛ فإن ثبت ما ادّعى من تفرّد نبينا ﵇ بالشفاعة عند الله تعالى فى مذنبى أمته، جاز أن نثبت الشفاعة لغيره عند غير الله تعالى؛ فكأنه قال: أنتم تعبدون من لا يشفع فيكم فى الدنيا ولا ينصركم؛ واستثنى من يجوز عليه أن يشفع فى الدنيا. ورابعها أن يكون المراد بالشفاعة هاهنا النّصرة والمعونة والمنفعة؛ لأن الشفاعة فيمن تتناوله نفع يوصل إليه؛ وإرادة الشفاعة فى الأمة معنى الشفاعة، وهو المنفعة والنّصرة؛ وتقدير الكلام: إنكم تعبدون من لا ينفعكم ولا يضرّكم ولا يعينكم؛ ولما كان فى جملة هؤلاء المعبودين من يصح أن يضرّ وينفع استثنى؛ ليبين أنّ حكمهم مفارق لحكم غيرهم؛ وهذا بيّن لمن تأمله.

стр. 1037

مسألة إن اعترض معترض على ما نقوله من أنّ الاستثناء إنما يخرج من الجمل ما صحّ دخوله فيها؛ وليس بواجب أن يخرج منها ما وجب دخوله؛ بأن يقول: هذا يقتضي حسن أن يقول القائل: جاءنى رجل إلا زيدا؛ لأنّ لفظة «رجل» تصلح أن تقع على زيد وعمرو. يقال له: من حق الاستثناء فى اللغة العربية أن يدخل على الجمل من الكلام فيخرج منها ما يصلح دخوله على مذهب مخالفنا. ولا يصحّ دخول الاستثناء على ألفاظ الوحدة. ورجل لفظ واحد، وإن وقع فى المعنى على الطويل والقصير، وزيد وعمرو. والاستثناء إنما يخرج من الجمل ما يتناولها لفظها دون معناها؛ فلهذا لم يستحسنوا: جاءنى رجل إلا زيدا؛ وقد يستحسنون فى هذا الموضع ما يجرى مجرى الاستثناء بغير لفظة «إلّا»؛ فيقولون: جاءنى رجل ليس زيدا وليس بزيد، فيخرجون من الكلام ما صحّ تناوله له- وإن لم يسموه استثناء، - ولا استحسنوا لفظة «إلا» إلّا خاصة للاستثناء. ولولا صحة الأصل الّذي ذكرناه لما استحسنوا أن يقولوا: جاءنى رجال إلا زيدا؛ لأنهم أخرجوا بالاستثناء ما تصلح لفظة «رجال» له دون ما تتناوله وجوبا. فإن قيل: ألّا كان قوله: «جاءنى رجال» للجنس دون ما يدعى من تناوله للثلاثة فصاعدا، فلهذا حسن الاستثناء منه بإلّا. ولفظة «رجل» فى قولهم: جاءنى رجل للجنس! قلنا: لو كان لفظة «رجال» أريد به جنس الرجال على العموم حسن استثناء النكرة منه، من غير وصف لها، ولا تقريب من المعرفة؛ حتى نقول: جاءنى رجال إلا رجلا؛ لأنه إذا أريد الجنس حسن ذلك لا محالة، كحسنه لو قال جاءنى الرجال (بالألف واللام) إلا رجلا؛ وأجمعوا على أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنه غير مفيد. ولو أريد بلفظة «رجال» هاهنا الجنس لكان استثناء الرجل الواحد منها من غير وصف له مفيدا. فأما لفظة «رجل» فى الإثبات كقولهم: جاءنى رجل، فإنه لا يجوز أن يكون عبارة عن الجنس فى شيء من كلامهم. ولو أرادوا به الجنس لحسن الاستثناء؛ كما يحسن من ألفاظ الجنس؛ وإنما يراد فى بعض المواضع بلفظة «رجل» الجنس إذا كانت فى النفى، مثل قولهم: ما جاءنى رجل، وما ضربت رجلا؛ وهاهنا يجوز أن تستثنى فتقول: إلا زيدا.

стр. 1038

مسألة إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ؛ [البقرة: ٥٤]. فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم بقتل أنفسهم، والعبادة بذلك لا تحسن إلا أن تكون مصلحة لهذا المكلّف فى دينه؛ إما بأن يفعل طاعة أو يمتنع من قبيح؛ وهو بعد الموت قد خرج من كلّ تكليف، فلا يصحّ منه شيء من الأفعال! الجواب، إن المفسرين قد اختلفت أقوالهم فى هذه الآية. فمنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتلوا أنفسهم القتل الحقيقىّ المعهود. ومنهم من ذهب إلى أنه تعالى كلّفهم أن يقتل بعضهم بعضا. ومنهم من حمل الآية على أن المراد بها تكليف الاستسلام للقتل؛ ويقول: إنهم استحقوا بعبادة العجل القتل، فلما تابوا أمرهم الله تعالى بأن يستسلموا لمن يقتلهم؛ كما كلف الله القاتل لغيره أن يستسلم للقود منه. فأما الوجه الأول فيبطل بما ذكر فى السؤال؛ ولا يجوز أن يكون وجه حسن هذا التكليف المصلحة لغير المقتول؛ لأنّ مصلحة زيد لا تكون وجها فى وجوب الفعل على عمرو؛ ولا يمكن أن يقال: إنّ مصلحة المأمور بقتل نفسه فى نفس الأمر والتكليف قبل أن يقتل نفسه؛ فإن ذلك ربما كان لطفا له فى بعض العبادات؛ وذلك لأن الأمر بما ليس له وجه وجوب أو ندب لا يحسن؛ بل يكون الأمر قبيحا؛ وإذا كان الأمر قبيحا لم يحسّنه أن يكون فيه لطف لبعض المكلّفين؛ بل يمنع منه كما يمنع من أن يلطف لبعض المكلّفين بما هو قبيح فى نفسه؛ فلم يبق بعد إبطال هذا الوجه إلا الوجهان الأخيران؛ من الاستسلام لمن يقتلهم القتل الّذي استحقوه، أو قتل بعضهم بعضا؛ فقد روى أنهم برزوا بأسيافهم؛ واصطفّوا صفين يضرب بعضهم بعضا، فمن قتل منهم كان شهيدا، ومن نجا كان تائبا.

стр. 1039

ويمكن فى الآية وجه آخر؛ ما رأينا أحدا من المفسرين سبق إليه؛ وهو إن لم يزد فى القوة على ما ذكروه لم ينقص عنه؛ وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أى اجتهدوا فى التوبة ممّا أقدمتم عليه، والندم على ما فات، وإدخال المشاقّ الشديدة عليكم فى ذلك؛ حتى تكادوا أن تكونوا قتلتم أنفسكم؛ وقد يسمّى من فعل ما يقارب الشيء باسم فاعله. ومذهب أهل اللغة فى ذلك معروف مشهور؛ يقولون: ضرب فلان عبده حتى قتله، وفلان قتله العشق، وأخرج نفسه، وأبطل روحه، وما جرى مجرى ذلك؛ وإنما يريدون المقاربة والمشارفة والمبالغة فى وصف التناهى والشدة؛ فلما أراد تعالى أن يأمرهم بالتناهى والمبالغة فى النّدم على ما فات، وبلوغ الغاية القصوى فيه جاز أن يقول: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. فإذا قيل طعنا على هذا الجواب: إنما تسمّى مقاربة القتل قتلا مجازا وتوسّعا، وحمل الكلام على حقيقته أولى! الجواب، أن الوجهين اللذين ذكرهما المفسرون فى هذه الآية من قتل بعضهم بعضا، والاستسلام للقتل مبنيان أيضا على المجاز؛ وظاهر التنزيل بخلافهما؛ لأن الاستسلام للقتل ليس بقتل على الحقيقة؛ وإنما سمى باسمه من حيث يؤدّى إليه، وكذلك قتل بعضهم بعضا مجاز؛ لأن القاتل غير المقتول؛ وظاهر الآية يقتضي أن القاتل هو المقتول. وأما استشهادهم فى تقوية هذا الوجه بقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فلا يغنى شيئا؛ لأنّ ذلك مجاز لا محالة؛ وإنما حمل على الإخوان بدليل. والظاهر أن يكون تكليفا لقتل الواحد نفسه، وسلامة على نفسه. فإن قيل: كيف يجوز أن يستحقّ القتل بعد التوبة من الوجوه التى بها استحق القتل؟ قلنا: غير ممتنع أن يكلّفنا الله تعالى- بعد التوبة من الكفر- القتل امتحانا؛ لا على سبيل العقوبة. فإن قيل: كيف يصح أن تكون التوبة نفسها قتل أنفسهم؛ والتوبة هى الندم والعزم، وهما غير القتل!

стр. 1040

قلنا: الجواب الصحيح عن السؤال أن الفاء فى الآية عاطفة للقتل على التوبة، وليست بمنبئة أن القتل هو التوبة على ما ظنّه بعض من لم يتأمل. وهو جار مجرى قوله: ضربت زيدا فعمرا؛ فالفاء هاهنا عاطفة وقائمة مقام الواو؛ إلا أن لها زيادة على حكم الواو، فإن الفاء تقتضى الجمع الّذي تقتضيه الواو، وتقتضى الترتيب والتعقيب اللذين لا يفهمان من الواو؛ فكأنه تعالى قال: فتوبوا إلى بارئكم واقتلوا أنفسكم؛ فلما أمرهم بالقتل عقيب التوبة؛ أدخل الفاء التى هى علامة على ذلك. وقد أجاب بعض الناس بأن قال: ما لا تتم التوبة إلا به، ومعه يصحّ أن يسمّى باسمها؛ كما يقال للغاصب إذا عزم على التوبة: إنّ توبتك ردّ ما غصبت؛ وإنما يريد: أن توبتك لا تتم إلا به. وقد بينا ما يغنى عن ذلك فى الجواب الّذي اخترناه، وهو أولى وأوضح.

стр. 1041

مسألة إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ؛ [المائدة: ٩٣]. هذه الآية تشاغل المفسّرون بإيضاح الوجوه فى التكرار الّذي تضمّنته؛ وظنوا أنه المشكل منها، وتركوا ما هو أشدّ إشكالا من التكرار؛ وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات. وإذا أريد بالاتقاء تجنّب القبائح والمحارم، كان ذلك شرطا صحيحا فى نفى الجناح؛ إلا أنّ الإيمان وعمل الصالحات ليس بشرط فى نفى الجناح على وجه ولا سبب؛ لأن من جانب القبيح المحظور عليه لم يكن عليه جناح فيما يطعمه، وإن لم يكن مؤمنا، ولا ممن عمل الصالحات، ألا ترى أن المباح إذا وقع من الكافر لا إثم عليه ولا وزر! ووقوعه منه مع كفره فى نفى الإثم كوقوعه من المؤمنين. والإشكال إنما هو فى اشتراط الإيمان وعمل الصالحات؛ وليس لذلك تأثير معقول فى نفى الجناح. ونحن نبين ما يحل هذه الشبهة القوية، ونتكلم على التكرار، ولنا فى ذلك طريقان: أحدهما أن نضم إلى المشروط المصرّح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما ذكره من الشروط. أو نجعل ما ولى الاتقاء من الإيمان، وعمل الصالحات ليس بشرط حقيقىّ وإن كان معطوفا على الشرط، وكل ذلك جائز إذا قاد الدليل إليه، وأحوج إلى التعويل عليه. أما الوجه الأول فبيانه أن يكون تقدير الكلام: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، لأن الشرط فى نفى الجناح لا بدّ أن يكون له تأثير؛ حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح. وقد علمنا أنّ باتّقاء المحارم ينتفى الجناح فيما يطعم، فهو الشرط الّذي لا زيادة عليه. ولما ولى ذكر الاتقاء الإيمان وعمل الصالحات ولا تأثير لهما فى نفى الجناح- وجب أن نقدّر هناك ما تؤثّر هذه الأفعال فى نفى الجناح

стр. 1042

عنه، فأشرنا إلى إضمار ما تقدم ذكره حتى يصحّ الشرط، ويطابق المشروط، لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم؛ لكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخلّ به من واجب، وضيّعه من فرض، فإذا شرطنا أنه مع اتقاء القبيح ممّن آمن بالله وبما أوجب عليه الإيمان به، وعمل الصالحات ارتفع الجناح عنه من كلّ وجه. وليس بمنكر حذف ما قدرناه لدلالة الكلام عليه، فمن عادتهم أن يحذفوا ما يجرى هذا المجرى، وتكون قوة الدّلالة عليه وسوقها إليه مغنيين عن النطق به. وفى القرآن وفصيح كلام العرب وأشعارها أمثلة كثيرة لذلك لا تحصى، فمنه قوله تعالى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ [البقرة: ٥٣]؛ فقد ذكر فى الآية وجوه؛ من أوضحها أنه تعالى أراد: آتينا موسى الكتاب ومحمدا الفرقان، لأنه لما عطف الفرقان على الكتاب الّذي أوتيه موسى ﵇، وعلمنا أنه لا يليق به- لأن الفرقان ليس مما أوتيه موسى ﵇ وجب أن نقدّر ما يطابق ذلك. ومثله قول الشاعر: تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بات له وفر (١) لما كان الجدع لا يليق بالعين- وإن كانت معطوفة على الأنف الّذي يليق به الجدع- أضمرنا ما يليق بالعين، وهو البخص وما يجرى مجراه. ومثله: يا ليت زوجك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا ومثله: * علفتها تبنا وماء باردا (٢) * والإضمار مع قوة الدّلالة أحسن من الإظهار، وأدخل فى البلاغة والفصاحة.

стр. 1043

وأما بيان الوجه الثانى فهو أنا نعدل عن ظاهر الشرط فيما ولى الاتقاء؛ من ذكر الإيمان وعمل الصالحات، ونجعله ليس بشرط وإن كان معطوفا على شرط، لأن العدول عن الظاهر بالأدلّة القاهرة واجب لازم مستعمل فى أكثر القرآن؛ فكأنه تعالى لما أراد أن يبيّن وجوب الإيمان وعمل الصالحات وتأكّد لزومه، عطفه على ما هو واجب لازم من اتقاء المحارم لاشتراكهما فى الوجوب؛ وإن لم يشتركا فى كونهما شرطا فى نفى الجناح فيما يطعم؛ وهذا تفسّح وتوسّع فى البلاغة يحار فيها العقل استحسانا واستغرابا؛ وتعويل على أن المخاطب بذلك على إرساله والعدول عن تفصيله يضع كلّ شيء منه فى موضعه؛ وكم فى القرآن من هذه الغرائب فى الفصاحة والعجائب والحذوف والاختصارات التى لا يتجاسر بليغ ولا فصيح على الإقدام عليها، والمرور بشعبها خوفا من الزلل والخلل! وأما الجواب عن مشكل التكرار فالوجه فيه على الجملة أن نجعل الأحوال التى يقع فيها الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات مختلفة بمضىّ واستقبال، فيزول التكرار، أو نجعل المأمور به من الاتقاء والإيمان وعمل الصالحات مشروطا مخصوصا، يتناول الأوّل غير متناول الثانى، والثانى غير متناول الأول؛ فيزول أيضا بذلك التكرار. وقد أوّل المفسرون على اختلافهم بكثير من الجملة التى أشرنا هاهنا إليها، وذكروا أن الشرط الأول يتعلّق بالزمان الماضى، والشرط الثانى متعلّق (١) بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والثالث مختص باتقاء ظلم العباد. وذكر أبو عليّ الجبائىّ هذا بعينه، واستدلّ على أنّ الاتقاء الثالث يختصّ بظلم العباد بقوله تعالى: وَأَحْسَنُوا، وأن الإحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون ما أمروا باتقائه من المعاصى أيضا متعديا؛ وهذا ممن اعتمده من المفسرين مزج؛ لاختلاف الأحوال باختلاف المأمور به؛ وما ينبغى أن يكون كذلك، بل الواجب أن نبطل التكرار. إما من جهة اختلاف الأحوال من غير أن نمزجها باختلاف غيرها؛ أو نعدل عن اختلاف الأحوال فنبطل التكرار من حيث اختلاف المأمور به فى عموم وخصوص.

стр. 1044

ولعل أبا عليّ وغيره إنما عدل فى الشرط الثالث عن ذكر الأحوال لمّا ظن أنّه لا يمكن فيه ما أمكن فى الأول والثانى. ونحن نبين أن الأمر بخلاف ما ظنه؛ وهو أنه لا يمتنع أن يحمل الشرط الأول على الماضى من الزمان، والثانى على الحال، والثالث على المنتظر والمستقبل. وليس لأحد أن يقول: لا واسطة عند المتكلّمين بين الماضى والمستقبل؛ لأنّ الفعل إما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، أو موجودا فيكون ماضيا؛ وإنما يجعل الأحوال ثلاثة النحويون، ولا يرتضى ذلك المتكلمون. والجواب عن هذا أنّ الصحيح أنه لا واسطة بين العدم والوجود على ما ذكر، غير أن الموجود فى أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، وبينه وبين الماضى الغابر السالف فرق؛ كما كان كذلك بينه وبين المنتظر. وأما بيان اختلاف المأمور؛ فأن يحمل الاتقاء الأوّل على اتقاء المعاصى العقلية التى تختصّ المكلّف ولا تتعداه، والإيمان الأول الإيمان بالله تعالى وبما أوجب الإيمان به، والإيمان الثانى الإيمان بقبح هذه المعاصى ووجوب تجنبها، والاتقاء الثالث الاتقاء لما يتعدّى من المعاصى من الظلم والإساءة. وليس ينبغى أن يفزع فى أن الاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد إلى ما اعتمده أبو عليّ من قوله تعالى: وَأَحْسَنُوا من حيث كان الإحسان إذا كان متعديا فكذلك ما عطف عليه؛ لأن ذلك من ضعيف الاستدلال، لأن قول الله تعالى: وَأَحْسَنُوا ليس بصريح فى أن المراد به الإحسان المتعدّى؛ لأنه غير ممتنع أن يريد به فعل الحسن والمبالغة فيه، وإن اختص الفاعل ولم يتعدّه؛ ألا ترى أنهم يقولون لمن بالغ فى فعل الحسن وتناهى فيه وإن اختصه: أحسنت وأجملت! ثم إن سلّم أن المراد به الإحسان المتعدّى لم يمتنع أن يعطفه وهو متعدّ على فعل لا يتعدى؛ ألا ترى أنه لو صرّح بذلك فقال: اتقوا المعاصى كلّها والقبائح، وأحسنوا إلى غيركم لكان حسنا غير قبيح! وإنما ينبغى أن يفزع فى التخصيص إلى الفرار من التكرار، وحمله على ما يفيد، وذلك يغنى عما تكلّفه أبو عليّ.

стр. 1045

فإن قيل: أىّ فائدة فى تخصيص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بنفى الجناح فيما يطعمونه بالشرط المذكور؟ ومن ليس بمؤمن يشاركهم فى هذا الحكم مع ثبوت الشرط! قلنا: تعليق الحكم بالصفة أو الاسم لا يدلّ على نفيه عمن عدا المسمى أو الموصوف؛ وقد دلّ العلماء على ذلك فى مواضع كثيرة؛ وليس بممتنع على المذهب الصحيح أن يعلّق الحكم باسم أو صفة، ويكون من عدا الموصوف أو المسمى مشاركا فى ذلك الحكم. وقد قيل: إن السبب فى نزول هذه الآية أنّه لما نزل تحريم الخمر قال المسلمون: كيف بإخواننا الذين تناولوا الخمر قبل نزول تحريمها، وماتوا وهى فى أجوافهم؟ وكيف بإخواننا الطائفين فى أطراف البلاد وهم لا يشعرون بهذا التحريم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية تطييبا لنفوسهم، وإعلاما لهم: أن من يطعم- ما لم يبيّن له تحريمه- لا جناح عليه. وقيل أيضا: إن الآية وردت فى قوم حرّموا على أنفسهم اللحوم، وسلكوا طريق الترهّب؛ كعثمان بن مظعون وغيره، فبيّن الله سبحانه أن الحلال لا جناح فى تناوله، وإنما يجب التجنّب للمحرّم، وهذه الأسباب لا تبقى معها مسألة عن سبب تخصيص المؤمنين بنفى الجناح. وكل هذا واضح.

стр. 1046

مسألة سئل رضى الله عنه عن قوله فى قصة زكريا ﵇: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ؛ [آل عمران: ٤٠]. فكأنه سأل أمرا يستحيل كونه، وقد علمنا لا محالة أن زكرياء يعلم أنّ الله تعالى لا يعجزه ما يريد، فما وجه الكلام؟ فأجاب عن ذلك وقال: إنّه غير ممتنع أن يكون زكرياء ﵇ لم يسأل الذرية فى حال كبره وهرمه؛ بل قبل هذه الحال، فلما رزقه الله تعالى ولدا على الكبر، ومع كون امرأته عاقرا قال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ من غير إنكار منه لقدرة الله تعالى على ذلك؛ بل ليرد من الجواب ما يزداد به بصيرة ويقينا. ويجوز أيضا أن يكون سأل الولد مع الكبر وعقم امرأته، ليفعل الله تعالى ذلك على سبيل الآية له، وخرق العادة من أجله؛ فلما رزقه الله تعالى الولد عجب من ذلك، وأنكره بعض من تضعف بصيرته من أمّته، فقال ﵇: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ليرد من الجواب ما يزول به شكّ غيره؛ فكأنه سأل فى الحقيقة لغيره لا لنفسه؛ ويجرى ذلك مجرى سؤال موسى ﵇ أن يريه الله تعالى نفسه لما شكّ قومه فى ذلك، فسأل لهم لا لنفسه.

стр. 1047

مسألة وسئل أيضا رضى الله تعالى عنه عن قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ؛ [البقرة: ٤٩]. فقال: أىّ شيء فى استحياء النساء من سوء العذاب؟ وإنما العذاب فى ذبح الأبناء! فقال: أمّا قتل الذكور واستبقاء الإناث فهو ضرب من العذاب والإضرار؛ لأنّ الرجال هم الذين يردعون النساء عما يهممن به من الشر، وهو واقع منهن فى الأكثر مع الرّدع؛ فإذا انفردن وقع الشرّ ولا مانع؛ وهذه مضرّة عظيمة. ووجه آخر وهو أن الراجع إلى قوله: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ هو قتل الأبناء دون استبقاء النساء؛ وإنما ذكر استحياء النساء لشرح كيفية الحال؛ لا لأنّ من جملة العذاب ذلك؛ كما يقول أحدنا: فلان عذبنى بأن أدخلني داره وعليه ثياب فلانية، وضربنى بالمقارع وفلان حاضر؛ وليس كلّ ما ذكره من جملة العذاب؛ وإنما العذاب هو الضرر دون غيره، وذكر الباقى على سبيل الشرح للحال. ووجه آخر، وهو أنه روى أنهم كانوا يقتلون الأبناء، ويدخلون أيديهم فى فروج النساء لاستخراج الأجنّة من بطون الحوامل؛ فقيل: يستحيون النّساء، اشتقاقا من لفظة الحياء وهو الفرج؛ وهذا عذاب ومثلة، وضرر شديد لا محالة.

стр. 1048

مسألة وسئل أيضا فقيل: أليس قد وعد الله تعالى المؤمنين فى عدّة مواضع من كتابه المجيد بالجنّة والخلود فى النعيم، فما معنى قول النبىّ ﵇: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف: ٩]. فقال: إنه لا يجوز أن يريد النبىّ ﵇ بقوله: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ الثواب أو العقاب ودخول الجنة أو النار؛ لأنه ﵇ عالم بأنّ الجنّة مأواه، والثواب عاقبته، ولا يجوز أن يشكّ فى أنه ليس من أهل النار؛ وإن شك فى ذلك من حال غيره، والمراد بالآية: إنّى لا أدرى ما يفعل بى ولا بكم؛ من المنافع والمضارّ الدنيوية؛ كالصحة والمرض والغنى والفقر والخصب والجدب؛ وهذا المعنى صحيح واضح لا شبهة فيه. ويجوز أيضا أن يريد أننى لا أدرى ما يحدثه الله تعالى من العبادات، ويأمرنى به وإياكم من الشرعيات، وما ينسخ من الشرائع وما يقرّ منها ويستدام؛ لأن ذلك كلّه مغيّب عنه ﵇؛ وهذا يليق بقوله تعالى فى أول الآية: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ؛ وفى آخرها: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ.

стр. 1049

مسألة وسئل أيضا عن قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ؛ [يونس: ٩٤]. كيف يكون النبىّ ﵇ فى شك مما أوحى إليه؟ وكيف يسأل عن صحة ما أنزل إليه الذين يقرءون الكتاب من قبله وهم اليهود والنصارى المكذّبون له؟ فقال: إن قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ظاهر الخطاب له ﵇، والمعنى لغيره؛ كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ؛ [الطلاق: ١] فكأنه قال: فإن كنت أيّها السامع للقرآن فى شكّ ممّا أنزلناه على نبينا؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب. وليس يمتنع عند من أنعم النظر أن يكون الخطاب متوجّها إلى النبىّ صلى الله عليه وآله، وليس إذا كان الشك لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: إن شككت فافعل كذا، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ؛ [الزمر: ٦٥]، ومعلوم أن الشرك لا يجوز عليه. ولا خلاف بين العلماء فى أنّه ﵇ داخل فى ظاهر آيات الوعيد والوعد، وإن كان لا يجوز أن يقع منه ما يستحق به من العقاب. وإن قيل له: إن أذنبت عوقبت؛ فهكذا لا يمتنع أن يقال له: إن شككت فافعل كذا وكذا؛ وإن كان ممن لا يشك. ووجدت بعض المفسّرين يجعل (إن) هاهنا بمعنى «ما» التى للجحد، ويكون تقدير الكلام: ما كنت فى شك مما أنزلنا إليك، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛ [إبراهيم: ١١]، أى ما نحن، وقوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ؛ [فاطر: ٢٣]؛ أى ما أنت إلا نذير، ولا شك ولا شبهة فى أن لفظة إِنْ

стр. 1050

قد تكون بمعنى «ما» فى بعض المواضع؛ إلا أنه لا يليق بهذا الموضع أن تكون إِنْ بمعنى «ما»؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت فى شك مما أنزلنا إليك؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة؛ وإنما يحتاج أن يسأل الشاكّ. غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب بأنه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن ينفى شكّه لأوهم أمره بالسؤال أنه شاكّ فى صدقه، وصحة ما أنزل عليه، فقدّم كلاما يقتضي نفى الشك عنه فيما أنزل عليه، ليعلم أنّ أمره بالسؤال ليزول الشكّ عن غيره، لا عنه. فأما الذين أمر بمسألتهم فقد قيل إنهم المؤمنون من أهل الكتاب، الراجعون إلى الحق؛ ككعب الأحبار، ومن جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية، لأن هؤلاء لا يصدقون عمّا شاهدوه فى كتبهم من صفات النبي ﵇ والبشارة به؛ وإن كان غيرهم ممن أقام على الكفر والباطل لا يصدق عن ذلك. وقال قوم آخرون: إنّ المراد بالذين يقرءون الكتاب جماعة اليهود، ممن آمن وممن لم يؤمن؛ فإنهم يصدقون عما وجدوه فى كتبهم من البشارة بنبىّ موصوف، يدّعون أنه غيرك، وأنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت وكلّ من أنصف أن المبشّر بنبوته هو أنت. وقال آخرون: ما أمره أن يسألهم عن البشارة به؛ لأنهم لا يصدقون عن ذلك؛ بل أمره ﵇ أن يسألهم عما تقدم ذكره على هذه الآية بغير فصل من قوله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ [يونس: ٩٣] ثم قال تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ؛ [يونس: ٩٤]، أى فى شك مما تضمنته هذه الآية من النعمة على بنى إسرائيل؛ فما كانت اليهود تجحد ذلك، بل تقرّ به، وتفخر بمكانه. وهذا الوجه يروى عن الحسن البصرىّ. وكلّ ذلك واضح لمن تأمله.

стр. 1051

مسألة سئل رضى الله عنه فقيل: ما القول فيما يخبر به المنجّمون من وقوع حوادث، ويضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم؟ وما المانع من أن تؤثر الكواكب على حدّ تأثير الشمس الأدمة (١) فينا؟ وإن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب وانتقالها؟ فلينعم ببيان ذلك؛ فإن الأنفس إليه متشوقة. وكيف تقول: إن المنجمين حادسون (٢)؛ مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل؛ حتى إنهم يخبرون بالكسوف ووقته ومقداره فلا يكون إلا على ما أخبروا به؛ فأىّ فرق بين إخبارهم بحصول هذه التأثيرات فى هذا الجسم، وبين حصول تأثيرها فى أجسامنا؟ الجواب، اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل فى الأرض ومن عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، وما فيهم أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة؛ بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض، أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير فى ذلك، ومن ادّعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء فى ذلك، ومتجمّل بهذا المذهب عند أهل الإسلام، ومتقرب إليهم بإظهاره. وليس هذا بقول لأحد ممن تقدم وكأن الّذي كان يجوز أن يكون صحيحا- وإن دلّ الدليل على فساده- لا يذهبون إليه؛ وإنما يذهبون إلى المحال الّذي لا يمكن صحته؛ وقد فرغ المتكلّمون من الكلام فى أنّ الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة، وتكلمنا نحن أيضا فى مواضع على ذلك، وبيّنّا بطلان الطبائع التى يهذون بذكرها، وإضافة الأفعال إليها، وبيّنا أن الفاعل لا بدّ أن يكون حيّا قادرا. وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، فكيف تفعل وما يصحّح الأفعال مفقود فيها! وقد سطر المتكلمون طرفا كثيرة فى أنها ليست بحية ولا قادرة،

стр. 1052

أكثرها معترض. وأشفّ (١) ما قيل فى ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة، كحرارة النار تنفيها ولا تثبت معها. ومعلوم أنّ حرارة الشمس أشدّ وأقوى من حرارة النار بكثير؛ لأنّ الّذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار؛ وما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حيّا. وأقوى من ذلك كلّه فى نفى كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب أحياء السمع والإجماع؛ فإنه لا خلاف بين المسلمين فى ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، وأنها مسخّرة مدبّرة مصرّفة؛ وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة؛ وإذا قطعنا على نفى الحياة والقدرة عن الكواكب، فكيف تكون فاعلة! وعلى أننا قد سلّمنا لهم استظهارا فى الحجة أنها قادرة؛ قلنا: إن الجسم وإن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل فى غيره إلّا على سبيل التوليد؛ ولا بدّ من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه، والكواكب غير مماسّة لنا، ولا وصلة بيننا وبينها، فكيف تكون فاعلة فينا! فإن ادّعى أن الوصلة بيننا الهواء؛ فالهواء أوّلا لا يجوز أن يكون آلة فى الحركات الشديدة، وحمل الأثقال؛ ثم لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحسّ بذلك، ونعلم أنّ الهواء يحرّكنا ويصرّفنا؛ كما نعلم فى غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة يوضع تحريكه لنا بها. على أنّ فى الحوادث الحادثة فينا ما لا تجوز أن يفعل بآلة، ولا يتولّد عن سبب، كالإرادات والاعتقادات وأشياء كثيرة؛ فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا وهى لا يصحّ أن تكون مخترعة للأفعال؛ لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال. فأما الأدمة فليس تؤثّرها الشمس على الحقيقة فى وجوهنا وأبداننا؛ وإنما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس؛ كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار، والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله، وحرارة الشمس مسوّدة للأجسام من جهة معقولة مفهومة؛ كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول، فأىّ تأثير للكواكب فينا يجرى هذا المجرى فى

стр. 1053

تمييزه والعلم بصحته، فليشر إليه؛ فإن ذلك لا قدرة عليه. ومما يمكن أن يعتمد فى إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا ومصرّفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهى والمدح والذمّ عنا، ونكون معذورين فى كلّ إساءة تقع منّا ونجيئها بأيدينا، وغير مشكورين على شيء من الإحسان والإفضال؛ وكلّ شيء نفسد به قول المجبرة؛ فهو مفسد لهذا المذهب. وأما الوجه الآخر وهو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه، أو اتصاله أو مفارقته فقد بيّنا أنّ ذلك ليس بمذهب للمنجّمين البتّة؛ وإنما يتجملون الآن بالتظاهر به، وأنه قد كان جائزا أن يجرى الله تعالى العادة بذلك؛ لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت؛ ومن أين لنا بأن الله تعالى [أجرى] العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان فى درجة الطالع كان نحسا، وأن المشترى إذا كان كذلك كان سعدا؟ وأىّ سمع مقطوع به جاء بذلك؟ وأىّ نبىّ خبّر به واستفيد من جهته؟ فإن عوّلوا فى ذلك على التجربة بأنا جرّبنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة؛ وإذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا. قلنا: ومن سلّم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها؟ وقد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم، وصدقكم أقلّ من كذبكم! فألّا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الانفاق الّذي يقع من المخمّن والمرجّم! فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، وهو على غير أصل معتمد، ولا قاعدة صحيحة. فإذا قلتم: سبب خطأ المنجّم ذلك دخل عليه فى أخذ الطالع أو تسيير الكواكب. قلنا: ولم لا كانت إصابته سببها التخمين! وإنما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجّم؛ فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة، فألّا كان دليل فسادها الخطأ! فما أحدهما فى المقابلة إلا كصاحبه. ومما أفحم به القائلون بصحة الأحكام، ولم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم فى شيء بعينه: خذوا

стр. 1054

الطالع واحكموا؛ هل يؤخذ أو يترك؟ فإن حكموا إما بالأخذ أو الترك خولفوا؛ وفعل خلاف ما خبّروا به. وقد أعضلتهم هذه المسألة، واعتذروا عنها بأعذار ملفّقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب. فقالوا فى هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل، أو يخبر به غيره؛ فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين. وهذا التعليل منهم باطل؛ لأنه إذا كان النظر فى النجوم يدلّ على جميع الكائنات التى من جملتها ما يختاره أحدنا؛ من أخذ هذا الشيء أو تركه، فأىّ فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به ولا يكتبه؛ حتى يقول المنجم ما عنده، وبين أن يخبر به ويكتبه قبل ذلك! وإنما فزعوا إلى الكتابة وما يجرى مجراها حتى لا يخالف المنجّم فيما يذكره؛ ويحكم به من أخذ أو ترك. ولو كانت الأحكام صحيحة؛ وفيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال. ولو نزلنا تحت حكمهم؛ وكتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم فى ذلك إلا أقلّ من خطئهم، ولم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمّن المرجّم من نظر فى طالع ولا غارب، ولا رجوع إلى أصل؛ وإلا فالبلوى بيننا وبينكم. وكان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا فى الأدب والكتابة، ومشغوفا بالنجوم، عاملا عليها قال لى يوما- وقد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم، ورأى من مخائلى التعجب ممن يتشاغل بذلك، ويفنى زمانه به-: أريد أن أسألك عن شيء فى نفسى، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفنى: هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى ألّا تختار يوما لسفر، ولبس ثوب جديد، وتوجّه فى حاجة؟ فقلت: قد بلغت إلى ذلك والحمد لله وزيادة عليه، وما فى دارى تقويم، ولا أنظر فيه، وما رأيت مع ذلك إلا خيرا. ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدلّ على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى فكر دقيق، ورويّة طويلة، وهاهنا شيء قريب لا بخفى على أحد ممن علت طبقته فى الفهم، أو انخفضت؛ خبّرنى لو فرضنا جادّة مسلوكة، وطريقا يمشى فيه الناس ليلا ونهارا، وفى محجّته آبار متقاربة

стр. 1055

وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمّل وتوقّف حتى يتخلص من السقوط فى بعض تلك الآبار؛ هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى فى هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى من البصراء؛ وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان، وسلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء؟ فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان؛ ولا يجوز فى مثل هذا التقارب. فقلت: إذا كان هذا محالا، فأحيلوا نظيره، وما لا فرق بينه وبينه، وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه وعديله؛ لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم، ويميّزون سعدها من نحسها، ويتوقون بهذه المعرفة مضارّ الزمان ويتخطّونها، ويعتمدون منافعه ويقصدونها. ومثال العميان كلّ من لا يحسن تعلّم النجوم، ولا يلتفت إليه من الفهماء والفقهاء وأهل الديانات والعبادات، ثم سائر العوام والأعراب والأكراد؛ وهم أضعاف أضعاف من يراعى عدد النجوم. ومثال الطريق الّذي فيه الآبار الزمان الّذي يمضى عليه الخلق أجمعون. ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه. وقد كان يجب لو صحّ العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر، ومصائبهم أقل؛ لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، وتكون محن كل من ذكرنا من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر؛ حتى تكون السلامة هى الطريقة الغريبة؛ وقد علمنا خلاف ذلك، وأن السلامة والمحن فى الجميع متقاربة غير متفاوتة. فقال: ربما اتفق مثل ذلك. فقلت له: فيجب أن نصدّق من خبّرنا فى ذلك الطريق المسلوك الّذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء، ونقول: لعل ذلك اتّفق. وبعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع؛ وهذا الّذي ذكرناه مستمر غير منقطع. فلم يكن عنده عذر صحيح.
следующие страницы →