← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فليقس على ما ذكرناه أمثلته، وليتطلّب لكل شيء ادّعى أنه لمحض التأكيد فائدة قلّت أو كثرت؛ فإنها توجد؛ وليس جهل الطالب لها بها يقتضي فقدها؛ فإن الأدلّة الواضحة قد دلّت على أنّ العرب مع حكمتهم لا يتكلّمون بما لا يفيد؛ وأنّ الكلام الّذي ما وضع فى الأصل إلا لفائدة قليله فى وجوب الفائدة ككثيره؛ فربما ظهرت هذه الفائدة لكل متدبّر، وربما خفيت. وأصول أهل العربية مملوءة من هذا؛ فإنّهم يتمحّلون ويتطلّبون العوامل التى لا تظهر فى تمام الكلام؛ ويقدّرون فيها التقديرات البعيدة حراسة للأصول، ونصرة لما دلّ عليه الدليل. ومن تصفّح تمحّلهم للعامل فى الحال إذا عرى الكلام كلّه من تصريح به، وتغلغلهم إلى ضعيف وقوىّ وبعيد وقريب علم أنّ الّذي سلكناه فى تخريج فوائد الحروف الزائدة الداخلة على الكلام، وظن قوم أنها للتأكيد من غير فائدة زائدة، طريق صحيح لا اعتراض عليه.

стр. 982

مسألة جرى بالحضرة السامية الوزيرية العالية العادلية (١) المنصورة- أدام الله سلطانها، وأعلى أبدا شأنها ومكانها- فى بعض الكلام ما روى عن النبي ﵇ من قوله: «نية المؤمن خير من عمله». فقلت: على هذا الخبر سؤال قوىّ؛ وهو أن يقال: إذا كان الفعل إنما يوصف بأنه خير من غيره إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه؛ فكيف يجوز أن تكون النية خيرا من العمل؟ ومعلوم أن النية أخفض ثوابا من العمل؛ وأنه لا يجوز إن يلحق ثواب النية بثواب العمل؛ ولهذا قال أبو هاشم: إن العزم لا بدّ أن يكون دون المعزوم عليه فى ثواب وعقاب: وردّ على أبى عليّ قوله: «إنّ العزم على الكفر لا بدّ أن يكون كفرا؛ والعزم على الكبير يجب أن يكون كبيرا» بأن قال له: لا يجب أن يساوى العزم المعزوم عليه فى ثواب ولا عقاب؛ فإن كان هاهنا دليل سمعىّ يدلّ على أن العزم على الكفر كفر، والعزم على الكبير كبير صرنا إليه؛ إلا أنه لا بدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه؛ وإن اجتمعا فى الكفر والكبير. ووقع بالحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله سلطانها- من التقدير لذلك والخوض فيه كلّ دقيق (٢) غريب مستفاد؛ وهذه عادتها- حرس الله نعمتها- فى كل فن من فنون العلم والأدب؛ لأنها تنتهى من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلا ذلك الفن؛ ولا يعرف إلا بذلك النوع. وقال بعض من حضر: قد قيل فى تأويل هذا الخبر وجهان حسنان، فقلت له: اذكرهما؛ فربما كان الّذي عندى فيه مما استخرجته أحدهما، فقال: يجوز أن يكون المعنى أن نية المؤمن خير من عمله العارى من نية. فقلت: لفظ

стр. 983

«أفعل» لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا فى الصفة، وزاد أحدهما فيها على الآخر؛ ولهذا لا يقول أحد: إن العسل أحلى من الخلّ؛ ولا إن النبي ﵇ أفضل من إبليس؛ والعمل إذا عرى من نية لا خير فيه، ولا ثواب عليه؛ فكيف تفضّل النية الجميلة عليه؛ وفيها خير وثواب على كل حال. قال: والوجه الآخر أن تكون نية المؤمن فى الجميل خير من عمله الّذي هو معصيته. فقلت: وهذا يبطل أيضا بما بطل به الوجه الأول، لأن المعصية لا خير فيها فيفضل غيرها عليها فيه. وقالت الحضرة السامية العادلة المنصورة- أدام الله دولتها- تحقيقا لذلك وتصديقا: هذا هجو لنية المؤمن، والكلام موضوع على مدحها وإطرائها، وأىّ فضل فى أن تكون خيرا من المعاصى، وإنما الفضل أن تكون خيرا مما فيه خير! فسئلت حينئذ ذكر الوجه الّذي عندى فقلت: لا تحمل لفظة «خير» فى الخبر على معنى «أفعل» الّذي هو للتفضيل والترجيح وقد سقطت الشبهة، ويكون معنى الكلام: إن نية المؤمن من جملة الخير من أعماله؛ حتى لا يقدّر مقدّر أن النية لا يدخلها الخير والشر؛ كما يدخل ذلك فى الأعمال. فاستحسن هذا الوجه الّذي لا يحوج إلى التعسّف والتكلّف اللذين يحتاج إليهما إذا جعلنا لفظة «خير» معناها معنى «أفعل»؛ وانقطع الكلام لدخول الوقت السّعيد المختار لدخول البلد ونهوض الحضرة السامية- أدام الله سلطانها- للركوب. وكان فى نفسى أن أذكر شواهد لهذا الوجه ولواحق يقتضيها الكلام، وخطر بعد ذلك ببالى وجهان سليمان من الطّعن إذا حملنا لفظة الخير فى الخبر على الترجيح والتفضيل؛ وأنا أذكر ذلك: أمّا شاهد ما استخرجته من التأويل من حمل لفظة «خير» على غير معنى التفضيل والترجيح فكثير؛ وقد ذكرت فى كتابى المعروف «بالغرر» عند كلامى فى قوله تعالى:

стр. 984

وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ [الإسراء: ٧٢] من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته (١)، وذكرت قول المتنبى: ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود فى عينى من الظّلم (٢) وأن الألوان لا يتعجب منها بلفظ «أفعل» الموضوع للمبالغة، وكذلك الخلق كلها؛ وإنما يقال: ما أشدّ سواده! وأن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جنّى من أنه أراد: أنّك أسود من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرارا، ولئيم من لئام؛ فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: «لأنت أسود». ولو أراد المبالغة لما كان تامّا إلا عند صلة الكلام بقوله: «من الظّلم»؛ واستشهد ابن جنّى أيضا على صحة هذا التأويل بقول الشاعر: وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهاب بدا واللّيل داج عساكره (٣) كأنه قال: وأبيض كامن من ماء الحديد. وقلت أنا: قول الشاعر: يا ليتنى مثلك فى البياض (٤) ... أبيض من أخت بنى إباض يمكن حمله على ما حملناه عليه ببيت المتنبى؛ كأنه قال: أبيض من جملة أخت بنى إباض ومن عشيرتها وقومها، ولم يرد المبالغة والتفضيل؛ وهو أحسن من قول أبى العباس المبرّد لما أنشد هذا البيت وضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أنّ ذلك محمول على الشّذوذ والنّدران. فإن قيل: كيف تكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل، والنية لا تسمى عملا فى العرف، وإنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح؛ ولهذا لا يقولون: عملت بقلبى، كما يقولون: عملت بيدى، ولا يصفون أفعال الله تعالى بأنها أعمال؟ قلنا: ليس يمتنع أن تسمى أفعال القلوب بأنها أعمال، وإن قل استعمال ذلك فيها، ألا ترى

стр. 985

أنهم لا يكادون يقولون: فعلت بقلبى؛ كما يقولون: فعلت بجوارحى؛ وإن كانت أفعال القلوب تستحق التسمية بالفعل حقيقة بلا خلاف؛ ولكن لا تسمى أفعال الله تعالى بأنها أعمال؛ لأن هذه اللفظة تختصّ بالفعل الواقع عن قدرة، والقديم تعالى قادر لنفسه؛ كما لا نصفه تعالى بأنه مكتسب لاختصاص هذه اللفظة بمن فعل لجرّ نفع، أو دفع ضرر. ولو سلّمنا أن اسم العمل يختص بأفعال الجوارح جاز أن يطلق ذلك على النية مجازا واستعارة؛ فباب التجوّز أوسع من ذلك. وأما الوجهان اللّذان خطرا ببالى إذا قدرنا أن لفظة «خير» فى الخبر محمولة على الفاضلة؛ فأحدهما أن يكون المراد: نية المؤمن مع عمله خير من عمله العارى من نيّة؛ وهذا مما لا شبهة أنه كذلك. والوجه الثانى أن يريد: نيّة المؤمن لبعض أعماله قد تكون خيرا من عمل آخر له لا تتناوله هذه النية؛ وهذا صحيح لأن النية لا تجوز أن تكون خيرا من عملها نفسها. وغير منكر أن تكون نيّة بعض الأعمال الشاقة العظيمة الثواب أفضل من عمل آخر ثوابه دون ثوابها؛ حتى لا يظنّ ظان أن ثواب النية لا تجوز أن يساوى أو يزيد على ثواب بعض الأعمال. وهذان الوجهان فيهما على كل حال ترك لظاهر الخبر لإدخال زيادة ليست فى الظاهر؛ والتأويل الأول إذا حملنا لفظة «خير» على خلاف المبالغة والتفضيل مطابق للظاهر؛ وغير مخالف له؛ وفى هذا كفاية بمشيئة الله.

стр. 986

مسألة سأل بعض الإخوان وقد خطر بباله عند قراءة شيء من أخبار الأئمة وأدعية السادة ﵈ من ذكر اسم الله تعالى الأعظم، وما خصّ به من الفضيلة دون سائر أسماء الله تعالى، وما أعطى من دعا به من سرعة الإجابة؛ مثل آصف بن برخيا وصىّ سليمان ﵇ ومجيئه بعرش بلقيس من سبأ اليمن إلى بيت المقدس فى أقل من طرفة العين؛ وما نقله الأنبياء والأئمة والصالحون من المعجزات، وعن قول الأئمة ﵈ فى أدعيتهم: «اللهم إنى أسألك باسمك الأعظم»، وفيهم من قال: «الأعظم الأعظم» متى زاد على ذلك، ومنهم من قال: «الأكبر الأكبر». قال: فهل ترى أن «الأعظم» غير «الأكبر»، أو «الأعظم الأعظم» غير «الأعظم» مرة واحدة؟ . قال: وإذا قلنا «أعظم» فيجب أن يكون ثمّ «ألطف»، وإذا قلنا «أكبر» يجب أن يكون ثمّ «أصغر»؛ والله يتعالى من أن يكون له اسم ألطف من اسم أو أصغر، إذ كانت أسماؤه تعالى لا تذكر إلّا على معنى واحد؛ ولا يشار بها إلا إليه؛ وقد نطق القرآن بتساويها فى المنزلة، وهى قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [الإسراء: ١١٠]؛ وقال تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها؛ [الأعراف: ١٨٠]، وقد خير الله تعالى نبيه ﵇ فى أن يدعوه بأيّها شاء؛ وذكر أنها كلّها حسنى، فلم خصّ الأئمة ﵈ أحدها بالتعظيم دون سائرها، والمقصود بها والمراد منها واحد ﵎! فإن قيل له: لأن فيه ما يشاركه فيه المخلوقون: مثل كريم ورحيم وعالم وحاكم وغير ذلك؛ فلهذا كانت رتبة بعضها فى التعظيم أقل من بعض. قال: والجواب عن ذلك أنه قد بقى منها عدة أسماء لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين، ولا يستحقها سواه مثل الله وإله وسبّوح وقدّوس وما أشبه ذلك؛ مما لا يوصف بها غيره، ولا تليق إلا به ، فلم اختص الاسم الأعظم بأحد هذه دون الأجرام؛ أم هل الاسم الأعظم أو الأكبر شيء غير هذه الأسماء المتعارفة بين العوام (١)!

стр. 987

مسألة وسأل غير الأول من الإخوان عن قوله تعالى فى سورة يس: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؛ [يس: ٦]. قال: إذا كانت آباؤهم لم ينذروا فبأىّ شيء يحتجّ عليهم! وكيف يعاقبهم على عبادة الأصنام وقد قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا؛ [الإسراء: ١٥]! وكيف يصحّ أن تخلو أمة من الأمم من نذير، مع قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]؛ وقوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ [الشعراء: ٢٠٨] وقد علم أنّهم كانوا أمما لا يحصيها كثرة غيره تعالى، وقرى كثيرة؛ فكيف هذا! وأىّ شيء المراد به ومعلوم أنّ كلامه تعالى لا يتناقض! قال: فإن قال: إن «ما» التى فى الأمة المتقدمة ليست للنفى بل هى للإثبات، والمعنى فيها: مثل ما أنذر آباؤهم، أو بمعنى الّذي أنذر آباؤهم، أو زائدة؛ لأن الكلام يتم من دونها؛ لتنذر قوما أنذر آباؤهم. قال: والجواب عن ذلك أنّ هذا تأويل يفسد، من قبل أنّ المعلوم الّذي لا شك فيه ولا إشكال أنّ الله تعالى لم يبعث نبيّا بعد عيسى ﵇ إلا المبعوث على فترة من الرسل صلى الله عليه؛ لأجل ذلك وصفهم بالغفلة لمّا لم ينذر آباؤهم؛ فثبت بهذا أن «ما» التى فى الآية المتقدمة للنفى دون الإثبات، وأن الأخذ بالمعلوم أولى من المظنون. قال: فإن قيل إن عيسى ﵇ قد كان بعث إليهم، وشاعت شريعته فيهم، وانتشرت كلمته، وسار الحواريون بدعوته شرقا وغربا، سهلا وجبلا. قال: فالجواب عن ذلك إذا سلّمنا أن عيسى ﵇ بعث إليهم فإنّ الفترة إنما كانت بينه وبين محمد صلى الله عليه وآله، وأن الحواريين لم يمكثوا بعده إلا قليلا، وأنّ الآباء المذكورين بأنهم لم ينذروا هم الأدنون دون الأبعدين.

стр. 988

ولقائل أن يقول: إن عيسى ﵇ لم يبعث إلا إلى بنى إسرائيل خاصة دون العرب؛ وبذلك نطق القرآن. وله أن يقول: إن الآباء الأبعدين والأدنين فى الآية سواء. والّذي يؤيد ذلك قوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ... ؛ [المائدة: ١٩]؛ الآية (١) إلى آخرها، وقد صحّ بالجملة والتفصيل أنّ الآباء لم ينذروا، وأن «ما» للنفى فى موضعها من الآية دون الإثبات؛ فكيف القول فى الحجة عليهم؟ ولا يحتج محتج بأن العقل هو الحجة عليهم دون الإنذار والرسل؛ لأن العقل حجّة على من أنذر وعلى من لم ينذر؛ وعليه معوّل الفلاسفة فى الاستغناء عن الرسل والأنبياء ﵈. *** الجواب عن المسألة أن الأولى (٢): أن يكون اسم الله تعالى الأعظم خارجا عن هذه الأسماء والصفات التى فى أيدى الناس يناجون الله تعالى بها، ويدعونه ويسألونه؛ لأنّ ذلك الاسم لو كان من جملتها- وقد أجمعوا على أنّ الله تعالى لم يسأل به شيئا إلا أعطاه- لكان يجب فى كل داع بهذه الأسماء والصفات إذا كان الاسم من جملتها أن تجاب دعوته، وتنجح مسألته، وقد علمنا خلاف ذلك، وأنّ أكثر الداعين بهذه الأسماء المسطورة غير مجابين؛ فعلمنا أنّ «الأعظم» ليس من جملتها. فإذا قيل لنا: فلم خصّ الله تعالى بهذا الاسم قوما دون قوم، ولم يجره مجرى سائر أسمائه؟ فالجواب أنه تابع للمصلحة، وإذا كان المعلوم أن كلّ سائل بذلك الاسم مجاب لا محالة، فمن علم أنّ فى إجابته مفسدة لا يجوز أن يمكّن من ذلك الاسم. فإذا قيل: فينبغى لمن يسأله تعالى، وقال: بحقّ اسمك الأعظم، اعطنى كذا أن يجاب لا محالة؛ وقد علمنا خلاف ذلك؟ فالجواب أنه غير ممتنع أن تكون الإجابة إنما تكون واجبة عند التصريح والتلفّظ بهذا الاسم دون الكناية عنه.

стр. 989

فأما تسميته بأنّه أعظم، وأن ذلك يقتضي أن يكون من أسمائه ما ليس بأعظم؛ فالجواب عنه من وجهين: أحدهما أن تكون لفظة «أفعل» هنا راجعة إلى باقى أسمائه؛ والوجه الآخر أن ترجع إلى أسماء وصفات غيره. وبيان الوجه الأول أن معنى «أعظم» هو اختصاصه بفضيلة أن الدّعاء به مجاب، وهذه المزية ليست فى باقى الأسماء؛ فكأنه أعظم منها لاختصاصه برتبة عالية ليست لباقيها. وأما الوجه الثانى فيكون المعنى أنه أعظم بالإضافة إلى أسمائكم وصفاتكم؛ لأنه ليس لشيء من صفاتنا هذه المزية؛ ولم تجعل هذه المزية لأجل فقد المشاركة فى المعنى؛ فيلزم عليه إله وقديم ورحمن؛ على ما مضى فى السؤال؛ بل لأن الله تعالى خصّ هذا الاسم بهذه المزية لما علم من المصلحة. فأما إلزامنا أن يكون فى أسمائه تعالى ما هو أصغر فلا يلزم على الجواب الثانى؛ فإذا ألزمنا ذلك على الجواب الأول قلنا: إذا كان قولنا «أعظم» بالإضافة إلى أسمائه تعالى معناه أن له هذه المزية والرتبة، فلا محالة أنه يجب فيما ليس له هذه المزية من أسمائه ألّا يكون الأعظم. ولا يجوز أن نقول: أصغر وأحقر وما يجرى مجرى ذلك؛ لأنه يوهم المهانة؛ وما لا تجوز فى شيء من أسمائه. وأما قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها فإنما سمّاها كلها الحسنى؛ وليس يمتنع أن يكون فيما هو حسن تفاضل وتزايد، وكذلك قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا معناه التخيير لنا بين أن ندعوه بأىّ الاسمين شئنا؛ وما يمضى فى ألفاظ الدعاء من أنى أسألك باسمك الأكبر تارة؛ وأخرى بالأعظم، والأشبه أن يراد باللّفظتين معنى واحد. وأ ما تكرير لفظ «الأعظم» فهو على سبيل التأكيد والتفخيم؛ لا لأن «الأعظم» مرة واحدة غير «الأعظم» مرتين، وبالله التوفيق. ***

стр. 990

والجواب عن المسألة الثانية (١) أنه غير ممتنع عندنا أن يخلو الزمان الطويل والقصير من رسول مبعوث بشريعة؛ وإن كان لا يخلو من إمام؛ ولهذا يقول أصحابنا: إن الإمامة واجبة فى كلّ زمان؛ وليست كذلك النبوة. والوجه فيه أنّ إرسال الرسول تابع لما يعلمه الله من المصالح للمكلّفين فى الشرائع والعبادات؛ وغير بعيد فى العقل أن يعلم تعالى أنّه لا شيء من الشرائع فيه مصلحة للمكلّفين؛ فلا تجب الرّسالة بل لا تحسن. فأما قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ وقوله: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ؛ فيجوز أن يكون مخصوصا غير عام؛ ويعنى به من الشرائع والعبادات من ألطافه؛ فإن دلّ دليل قاطع على عموم هذه الظواهر قطعنا لأجله على أن الشرائع من ألطاف المكلّفين؛ وإن كان جائزا فى العقل ألّا يكون الأمر على ذلك. وقد اختلف أهل التأويل فى تأويل هذه الآية، فقال جماعة: إن لفظة «ما» هاهنا للنفى، والمراد أن آباءهم ما أنذروا، لأنّ المصلحة لم تقتض بعثة رسول إليهم؛ وليس من المعلوم لنا أنّ عيسى ﵇ كان الحجة على كلّ مكلّف كان بين زمانه وبين زمان نبيّنا ﵇. ويقوّى هذا الجواب إثبات الفترة وأنّه ﵇ بعث على فترة من الرسل. وذهب قوم من أهل التأويل إلى أن «ما» فى الآية ليست للنّفى بل للإثبات؛ والمراد: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم؛ وهذا أيضا جائز. ويقوّى هذا الجواب ويضعف الأول أن قوله تعالى: فَهُمْ غافِلُونَ يقتضي الذمّ لهم بالغفلة؛ وذلك يقتضي أنهم أنذروا فغفلوا وأعرضوا. ولا يذمّ بالغفلة من لا سبيل له إلى العلم والتبين. وفى الناس من حمل قوله تعالى: ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ على النفى، والمراد أنه لم ينذرهم من هو منهم وعلى نسبهم ومن أنفسهم؛ كما قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ

стр. 991

أَنْفُسِكُمْ؛ [التوبة: ١٢٨] فيكون تلخيص الكلام: لتنذر قوما أنت منهم ما أنذر آباءهم من هو منهم؛ أى من قومهم ومن أنفسهم. ويمكن فى لفظة «ما» وجه آخر وهو أن يراد بها التنكير؛ كأنه قال: لِتُنْذِرَ قَوْماً ما وتقف، ثم تبتدئ فتقول: أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ؛ كما يقول القائل: أكلت طعاما ما، ولقيت جماعة ما، ويكون الغرض التنكير والإجمال؛ وليست لفظة «ما» هاهنا زائدة؛ لأن حدّ الزائد أن يكون دخوله فى عدم الفائدة كخروجه؛ وهى هاهنا مفيدة على ما بيّناه.

стр. 992

مسألة فى الاعتراض على أن من استدلّ بدليل السّحارة على أن العالم ملاء، وما أبطل به ذلك اعلم أنّ فكرت فيما أجاب به أبو هاشم من يقول: إن العالم ملاء، إذا استدل بالآلة التى تسمّى السّحارة (١) على ذلك؛ وادّعى أن علّة وقوف الماء عن النزول من الثّقب الصغار التى فى أسفلها إذا سددنا رأسها هو منع الهواء بسدّ الرأس من أن يحدث فى مكان الماء. وقول أبى هاشم: إن العلة فى وقوف الماء عن السيلان إذا سددنا رأس السّحارة بالإصبع أن الهواء يمنع الماء من النزول لضعف ما يخرج من الماء فى الثّقب الصغار؛ فإذا فتحنا الرأس دفع الهواء الماء من أعلى السحارة فقوى الماء على النزول؛ فوجدته غير واضح، لأن الماء فيه اعتمادات سفلا وثقل ونفس الهواء على مذهبنا- وهو الصحيح- لا اعتماد فيه البتة؛ فكيف تمنع ما لا اعتماد فيه للجسم الّذي فيه اعتماد سفلا عن الهبوط والنزول! وإذا كان الهواء هو المانع من نزول الماء من الثّقب الصغار- ومن مذهب أبى هاشم جواز خلوّ الأماكن من الهواء- فكان يجب أن يجوّز أن يسيل الماء من أسفل السحارة مع سدّ أعلاها بالإصبع؛ بأن يصادف ذلك مكانا خاليا من الهواء الّذي يدّعى أنه مانع من نزول الماء. فأما تقويته لذلك بذكر الريشة، وأنها تقف فى الهواء فلا تنزل؛ لأن الهواء يمنعها من الهبوط، فأوّل ما فيه أن الريش لخفّته ربما أبطأ نزوله؛ فظنّ أنه واقف؛ وربما كان فى الهواء اعتمادات مختلفة صعدا، فتمنع هذه الاعتمادات التى هى فى خلاف جهة اعتمادات الريشة من النزول. فأما إذا كانت الريشة فى هواء ساكن لا اعتماد فيه فإن الهواء لا يجوز أن يمنعها من الهبوط. ومن أطرف الأمور قوله: إن الهواء إذا فتحنا عن رأس السحارة يدافع الماء، ويكون

стр. 993

سببا لنزوله من الثقوب؛ لأن الهواء على مذاهبنا لا اعتمادات فيه، فكيف يدافع الماء! ومن قال من الفلاسفة: إن فيه اعتمادات صعدا لا يليق دفع الماء بقوله، لأن تلك الاعتمادات فى غير جهة اعتماد الماء. وأىّ عاقل يخفى عليه أن الهواء الساكن المعتدل لا يجوز أن يدفع الماء من رأس السحّارة! وبعد، فمع القول بجواز خلوّ الأماكن من الهواء؛ والقطع على ذلك فى بعض الأحوال قد كان يجب أن يجوز أن يفتح رأس السحّارة، ولا يسيل الماء من الثّقب من أسفلها؛ لأن الهواء الّذي ادّعى أنه يدافع الماء من رأسها مفقود. والّذي يدعيه أبو هاشم من أن السحّارة لو ملئت زئبقا وسدّ رأسها لنزل من الثقوب الصّغار؛ وقوله: إنما كان كذلك لثقل الزّئبق، وأنّ الهواء الّذي يلاقى من تحتها الثقوب الصغار لا يقوى على منعه من النزول؛ كما لا يتم ذلك فى الماء موقوف على التّجربة. فأما ما جرّبناه فنتكلّم على العلة المفرّقة بين الزّئبق والماء؛ والّذي يجب أن يعتمد فى نقض الاستدلال من القائلين بذلك فى الماء والسحارة أن يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل فى الماء السكون والوقوف مع سدّ رأسها، فلا ينزل من أسفلها، وإذا فتحنا رأسها لم يفعل ذلك السكون فيجرى الماء منها من الثقوب. وليس ينبغى أن ينكر أصحابنا خاصّة أن يكون هذا بالعادة؛ ونحن كلّنا نقول: إن انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس إنما هو بالعادة؛ وإلا فالمغناطيس وسائر الأحجار سواء. وإن بالعادة وقع الشّبع عند تناول الخبز واللحم، وارتفع عند غيرهما، والجنس واحد وما تقوّل جماعتنا إنه بالعادة أكثر من أن يحصى. وإذا أنكر الفلاسفة الملحدون تعليقنا ذلك بالعادة لجحدهم الصانع؛ دللناهم على الأصل الّذي لمّا جهلوه ضعف ما نقوله فى نفوسهم، فبثبوته يسهل ذلك كلّه. فإذا قيل لنا: فما طريقه العادة يجوز فيه الاختلاف؛ فجوّزوا أن تكون السحارة فى بعض البلاد التى لا تتصل بنا أخبارها يسيل الماء من أسفلها مع سدّ رأسها، ولا يسيل مع فتحها.

стр. 994

قلنا: نحن نجوّز ذلك، ولا نمنع أن تختلف العادة فيه؛ كما لا نمنع أن يستمرّ فى كلّ بلد؛ وعند كل أحد، ولا يخرج هذا الحكم مع استمراره من أن يكون مستندا إلى العادة؛ ألا ترى أنّ القاطعين على وقوع العلم الضرورى بمخبر الأخبار إذا كان العدد زائدا على أربعة مع استيفاء باقى الشروط لا يجوّزون أن تختلف العادات فى ذلك؛ بل يقطعون على أنّ العادة مستمرة بذلك فى كل موضع. فإذا قيل له: كيف يتميّز ذلك وهو معتاد مع الاستمرار من الوجوب؟ قال: فإن المستند إلى العادة لا بدّ من أن يختلف على بعض الوجوه؛ ليفارق بذلك الاختلاف الواجب؛ ويتميّز عنه. والخبر الّذي يجب عنده حصول العلم الضرورىّ قد يقع مثله ومن جنسه؛ مع اختلاف بعض هذه الشروط؛ فلا يجب العلم. فلو كان هناك إيجاب لوجب العلم على كل حال، وهذا بعينه قائم فى السحّارة؛ لأنّ الثقوب لو وسّعت لسال الماء على كل حال، ولو كانت هناك طبيعة موجبة لوقوف الماء لم تختلف الحال على بعض الوجوه. وبعد، فإن علّة أبى هاشم فى وقوف الماء من السحارة عن السيلان- وإن كنّا قد بيّنا بطلانها- لا نجدها فى القدح المعروف بقدح العدل؛ وهو قدح فى وسطه بربخ [مجوّف يبلغ ارتفاعا إلى قريب من أعلاه، وهذا البربخ] (١) نافذ من جهة أسفله، وعلى رأس هذا البربخ فى وسط القدح كالغشاء يحيط به من جوانبه على تجاف عنه؛ وهو من أعلاه مسدود، ومن أسفله مفروج، فإذا طرحنا فى هذا القدح ماء فهو ثابت؛ حتى يبلغ إلى محاذاة رأس البربخ، فإذا زاد عليها ولو باليسير خرج جميع الماء من القدح بأن يصعد من أسفل القدح إلى رأس البربخ حتى ينزل جميعه. وأصحاب الملاء يدّعون أن العلّة فى صعود الماء إلى فوق رأس ذلك من شأنه هو اضطرار الخلاء؛ وحتى لا يخلو مكان من متمكّن فيه، فما العلّة فى صعود الماء ثم هبوطه على مذهب أبى هاشم؟ وما يعلّل فى السحارة لا يتأتى هاهنا؛ وليس بعد ذلك إلا إسناده إلى العادة، وجريها. والله ولىّ التوفيق.

стр. 995

مسألة سئل رضى الله عنه عن الفرق بين الألثغ والأليغ، فقال: الألثغ الّذي تكون فى لسانه ردّة فى حرف بعينه، كالطاء والسين وما أشبههما من الحروف؛ والأليغ الّذي تكون فى لسانه فى سائر الحروف ردّة.

стр. 996

مسألة سئل رضى الله عنه عن قول النبي صلى الله عليه وآله: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربّه» ما معناه؟ فقال: معنى هذا الخبر أنّ أحدنا إذا كان عالما بأحوال نفسه وصفاته فلا بدّ أن يكون عالما بأحوال من جعله على هذه الصفات؛ وصيّر له هذه الأحوال والأحكام؛ لأنّ من علم الفرع لا بدّ أن يكون عالما بأصله الّذي يستند إليه، ويتفرّع عليه، وإذا دخل التزايد فى العلم وكان بالفرع أعلم فهو بالأصل أعلم. وشرح هذه الجملة أنّ من علم نفسه أنّه محدث مصنوع مخلوق مربوب قادر حىّ؛ عالم فلا بدّ من أن يكون عالما بمن جعله على هذه الصفات، وصيّر له هذه الأحوال والأحكام، ولو لاه جلّ اسمه لم يكن على شيء منها؛ فالتزايد والتفاضل فى أحد الأمرين يقتضي التزايد والتفاضل فى الآخر. ولا يلزم على هذه الجملة أن أحدنا قد يعلم نفسه موجودا وإن لم يكن بالله تعالى عارفا؛ وهو جلّ وعزّ الّذي أوجده، ولولاه لم يكن موجودا، ألا ترى أن الدّهرية يعلمون العالم وما فيه موجودا وإن لم يعلموا أن له موجدا، وكذلك قد يعلم أحدنا كونه قادرا وعالما وحيّا وإن لم يعلم من جعله على هذه الأحوال؛ وذلك أنّا إذا أدخلنا لفظة «أفعل» فقلنا: من كان أعلم بنفسه كان أعلم بربّه، ومن علم نفسه موجودا ولم يعلم موجده وخالقه ليس بأعلم بنفسه؛ وإن قيل هو عالم ولفظة المبالغة تقتضى أنه إذا لم يعلم أن له موجدا ومقدرا ومجيبا فليس بأعلم بنفسه. والّذي يبيّن هذا أنه لا يمتنع فيمن علم قطعة من النّحو أن نقول: إنه عالم بالنحو، ولا نقول: هو أعلم. إلا إذا كان مستوليا على جميع علومه؛ لا يذهب عليه شيء منها. وليس يمتنع أن نعكس لفظ هذا الخبر فنقول: أعلمكم بربّه أعلمكم بنفسه؛ لأنه من كان بالله أعلم فلا بدّ من أن يكون عالما بأنه خالقنا ورازقنا ومحيينا ومميتنا، والجاعل لنا على هذه الأحوال والصفات فمن حيث تعلّق كلّ واحد من الأمرين بصاحبه جاز أن يجعل كلّ واحد من الأمرين تارة فرعا، وتارة أصلا.

стр. 997

مسألة وسئل رضى الله عنه عن قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ؛ [الروم: ٢٢]. وهل يوجب قوله: وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ أن يكون كلامنا على ظاهر الآية خلقا له تعالى؟ فقال: فى هذه الشبهة ثلاثة أجوبة: منها أن معنى اختلاف ألسنتكم، أى اختلاف لغاتكم فى البيان أو الأشكال. ومنها اختلاف مخارج الكلام من ألسنتكم؛ ككلام الألثغ والأليغ والأرتّ والتّمتام ونحوهم. ومنها اختلاف ألسنتكم فى خلقها وأشكالها وصيغها، كالطّويل منها والقصير والعريض والدقيق. والله تعالى الموفّق للصواب.

стр. 998

مسألة قال رضى الله عنه: قد طعن من لا تأمّل له على استدلالنا على أنّ الأفعال الظاهرة فينا من قيام وقعود وأكل وشرب وما جرى مجرى ذلك متعلّقة بنا، وحادثة من جهتنا بوجوب (١) وقوعها بحسب قصودنا وأحوالنا ودواعينا بأن قال: كيف يجوز أن تدّعوا العلم الضرورىّ بوجوب وقوع أفعالكم بحسب أحوالكم؟ وإنما تشيرون بالوقوع إلى الحدوث. وإذا كان حدوث هذه الأفعال لا يعلم ضرورة؛ وإنما يعلم بدقيق الاستدلال والنظر، فكيف يجوز أن تعلموا حكم الذات ضرورة، وأنتم تعلمون تلك الذات بدليل؟ والعلم بالذات أصل للعلم بالأحكام؛ ولا يجوز أن يكون العلم بالأصل مستدلّا عليه، والعلم بالفرع ضروريا. *** والجواب عن ذلك أنّ الوجوب أو الجواز حكم للأحوال الموجبة عن الأفعال التى هى ذوات حادثة؛ ونحن نعلم كون الجسم منتقلا وكائنا فى جهة من الجهات ضرورة؛ وإن كنّا لا نعلم الكون الّذي فيه إلا بدلالة، والوجوب حكم لكونه كائنا، وليس بحكم للكون الّذي هو الذات، فما علمنا على هذا التقرير الأصل والفرع إلا ضرورة، وهذان العلمان منفصلان عن العلم بالذات الّذي يحتاج فيه إلى الدلالة. ألا ترى أن الشيوخ نصّوا فى كتبهم على أن المدرك منّا للجوهر يعلم ضرورة عند الإدراك كونه متحيزا، وكونه فى جهة مخصوصة، وكونه موجودا! ونصّوا على أنّ هذه العلوم ضرورية وواقعة عند الإدراك؛ وإن كان الإدراك لا يتناوله إلا كونه متحيّزا دون ما عدا هذه الصفة، فكيف يشكل هذا الّذي ذكرناه، ومعلوم أن نفاة الأعراض من الموحدين والملحدين يعلمون كون الجسم متحركا أو ساكنا، وقريبا أو بعيدا ضرورة، ويعلمون كون أحدنا قائما أو قاعدا، أو آكلا أو شاربا كذلك؛ ويعلمون ما هو واجب من هذه الأحوال أو واجب فى الموضع الّذي تجب فيه، أو يجوز ضرورة.

стр. 999

وإن كانوا لا يثبتون المعانى التى هى الأعراض، ولا يعرفونها، فكيف يشكل على متأمّل أن الأحكام التى أشرنا إليها وادّعينا وجوبها على بعض الوجوه ليست أحكاما للمعانى التى لا تعلم إلا بالدلالة وإنما هى أحكام للأحوال المعلومة أيضا ضرورة، وأن ما علمناه ضرورة حكم لأمر نعلمه أيضا ضرورة. ومن حمل نفسه أن يخالف فى وجوب ما ذكرناه دافع للضرورة؛ لأن العلم بما ذكرناه من أوضح الضرورات. والفرق بين وجوب كون أحدنا آكلا وقد اشتد جوعه وارتفعت الموانع عنه- وهو صحيح سليم- وبين وجوب آكله إذا جاع غيره معلوم ضرورة؛ وآخر ما يبدأ به العقل. وإذا كان الفرق الّذي ذكرناه معلوما ثبت ما هو مستند إليه من الوجوب عند قوة الدواعى وخلوصها. والمعارضة على هذه الطريقة بوجوب الشّبع عند الأكل، والسّكر عند شرب الخمر، وما جرى مجرى ذلك غير صحيح، لأنه لا وجوب فى سائر ما ذكرناه، ألا ترى أن فى الناس من يشبع باللّقمة، وفيهم من لا يشبع بأكل العجنة (١)، وكذلك فى السّكر والرّىّ. ولما استند ذلك إلى العادة جاز أن يختلف بالأشخاص والأحوال، ولما استند ما ذكرناه من الوجوب إلى غير العادة كان مستمرا فى كل شخص، وعلى كل حال، وعلى كل وجه وسبب، فأين أحد الأمرين من الآخر!

стр. 1000

مسألة فى تفضيل الأنبياء على الملائكة ﵈ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلّم تسليما. اعلم أنّه لا طريق من جهة العقل إلى القطع بفضل مكلّف على آخر، لأن الفضل المراعى فى هذا الباب هو زيادة استحقاق الثواب، ولا سبيل إلى معرفة مقادير الثواب من ظواهر فعل الطاعات، لأنّ الطاعتين قد تتساوى فى ظاهر الأمر حالهما، وإن زاد ثواب واحدة على الأخرى زيادة عظيمة، وإذا لم يكن للعقل فى ذلك مجال فالمرجع فيه إلى السّمع، فإن دلّ سمع مقطوع به من ذلك على شيء عوّل عليه، وإلا كان الواجب التوقف عنه، والشكّ فيه. وليس فى القرآن، ولا فى سمع مقطوع على صحة ما يدلّ على فضل نبىّ على ملك ولا ملك على نبىّ. وسنبيّن أن آية واحدة مما يتعلق به فى تفضيل الأنبياء على الملائكة ﵈ يمكن أن يستدل بها على ضرب من الترتيب نذكره. والمعتمد فى القطع على أن الأنبياء أفضل من الملائكة ﵈ على إجماع الشيعة الإمامية على ذلك، فهم لا يختلفون فى هذا، بل يزيدون عليه، ويذهبون إلى أن الأئمة أفضل من الملائكة، عليهم أجمعين السلام. وإجماعهم حجة لأن المعصوم فى جملتهم. وقد بيّنا فى مواضع من كتبنا كيفية الاستدلال بهذه الطريقة ورتبناه، وأجبنا عن كلّ سؤال يسأل عنه فيها، وبينّا كيف الطريق مع غيبة الإمام إلى العلم بمذاهبه وأقواله، وشرحنا ذلك، فلا معنى للتشاغل به هاهنا. ويمكن أن يستدلّ على ذلك بأمره تعالى للملائكة بالسجود لآدم ﵇؛ وأنه يقتضي تعظيمه عليهم، وتقديمه وإكرامه، وإذا كان المفضول لا يجوز تعظيمه وتقديمه على الفاضل علمنا أن آدم ﵇ أفضل من الملائكة، وكل من قال: إن آدم ﵇ أفضل من الملائكة ذهب إلى أن جميع الأنبياء ﵈ أفضل من جميع الملائكة، ولا أحد من الأمة فصل بين الأمرين.

стр. 1001

فإن قيل: ومن أين أنّه أمرهم بالسجود على جهة التقديم والتعظيم؟ قلنا: لا يخلو تعبّدهم بالسجود له من أن يكون على سبيل القبلة والجهة من غير أن يقترن به تعظيم وتقديم، أو يكون على ما ذكرناه. فإن كان الأوّل لم يجز أنفة إبليس من السجود وتكبّره عنه؛ وقوله: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، [الإسراء: ٦٢]. وقوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؛ [ص: ٧٦]. والقرآن كله ناطق بأن امتناع إبليس من السجود إنما هو لاعتقاده التفضيل به والتكرمة، فلو لم يكن الأمر على هذا لوجب أن يردّه الله تعالى عنه، ويعلمه أنّه ما أمره بالسجود على وجه تعظيمه له ولا تفضيله؛ بل على الوجه الآخر الّذي لا حظّ للتفضيل فيه؛ وما جاز إغفال ذلك، وهو سبب معصية إبليس وضلالته؛ فلما لم يقع ذلك دلّ على أن الأمر بالسجود لم يكن إلا على جهة التفضيل والتعظيم. وكيف يقع شكّ فى أنّ الأمر على ما ذكرناه؛ وكلّ نبىّ أراد تعظيم آدم ﵇، ووصفه بما اقتضى الفخر والشرف ونعته بإسجاد الملائكة له؛ وجعل ذلك من أعظم فضائله؛ وهذا مما لا شبهة فيه. فأمّا اعتماد بعض أصحابنا فى تفضيل الأنبياء على الملائكة على أن المشقة فى طاعة الأنبياء ﵈ أكثر وأوفر من حيث كانت لهم شهوات فى القبائح، ونفار عن الواجبات فليس بمعتمد؛ لأنّا نقطع على أنّ مشاق الأنبياء أعظم من مشاقّ الملائكة فى التكليف؛ والشكّ فى مثل ذلك واجب، وليس كلّ شيء لم يظهر لنا ثبوته وجب القطع على انتفائه. ونحن نعلم على الجملة أن الملائكة إذا كانوا مكلّفين فلا بدّ من أن تكون عليهم مشاقّ فى تكليفهم، ولولا ذلك ما استحقوا ثوابا على طاعاتهم. والتكليف إنما يحسن فى كلّ مكلّف تعريضا للثواب؛ ولا يكون التكليف شاقّا عليهم إلا وتكون لهم شهوات فيما حظر عليهم، ونفار عما أوجب. وإذا كان الأمر على هذا فمن أين يعلم أن مشاقّ الأنبياء ﵈ أكثر من

стр. 1002

مشاق الملائكة؟ وإذا كانت المشقّة عامّة لتكليف الأمة (١)، ولا طريق إلى القطع على زيادتها فى تكليف بعض، ونقصانها فى تكليف آخرين فالواجب التوقّف والشك. ونحن الآن نذكر شبه من فضّل الملائكة على الأنبياء ﵈، ونتكلم عليها بعون الله. فما تعلّقوا به فى ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس مخاطبا لآدم وحواء ﵉: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ؛ [الأعراف: ٢٠]، فرغّبهما فى التناول من الشّجرة ليكونا فى منزلة الملائكة، حتى تناولا وعصيا. وليس يجوز أن يرغب عاقل فى أن يكون على منزلة هى دون منزلته؛ حتى يحمله ذلك على خلاف الله تعالى ومعصيته؛ وهذا يقتضي فضل الملائكة على الأنبياء ﵈. وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ؛ [النساء: ١٧٢]، وتأخير ذكر الملائكة فى مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم؛ لأنّ العادة إنما جرت بأن يقال: لن يستنكف الوزير أن يفعل هذا ولا الخليفة، فيقدّم الأدون ويؤخر الأعظم؛ ولم يجز بأن يقال: لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا ولا الحارس؛ وهذا يقتضي تفضيل الملائكة ﵈. وتعلّقوا بقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا؛ [الإسراء: ٧٠]؛ قالوا: وليس بعد بنى آدم مخلوق يستعمل فى الخبر عنه لفظة «من» التى لا تستعمل إلا فى العقلاء إلا الجن والملائكة؛ ولمّا لم يقل: «وفضلناهم» على «من» بل قال: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا علم أنّه إنّما أخرج الملائكة عمّن فضّل بنى آدم عليه؛ لأنّه لا خلاف فى أنّ بنى آدم

стр. 1003

أفضل من الجن؛ وإذا كان وضع الخطاب يقتضي مخلوقا لم يفضّل بنو آدم عليهم؛ فلا شبهة فى أنهم الملائكة. وتعلقوا بقوله تعالى: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ؛ [هود: ٣١]، فلولا أن حال الملائكة أفضل من حال النبىّ لما قال ذلك. فيقال لهم فيما تعلقوا به أولا: لم زعمتم أن قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ معناه أن تصيرا وتنقلبا إلى صفة الملائكة؛ فإنّ هذه اللفظة ليست صريحة لما ذكرتم؛ بل أحسن الأحوال أن تكون محتملة له. وما أنكرتم أن يكون المعنى أنّ المنهىّ عن تناول الشجرة غير كما؛ وأن النهى يختص الملائكة والخالدين دونكما؟ ويجرى ذلك مجرى قول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلانا؛ وإنما يعنى أن المنهىّ هو فلان دونك؛ ولم يرد إلا أن تنقلب فتصير فلانا. ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة لهما، فمن أوكد الشّبه إيهاما أنهما لم ينهيا وإنّما المنهىّ غيرهما. ومن وكيد ما تفسد به هذه الشبهة أن يقال: ما أنكرتم أن يكونا رغبا فى أن ينقلا إلى صفة الملائكة وخلقهم كما رغّبهما إبليس فى ذلك! ولا تدلّ هذه الرغبة على أنّ الملائكة أفضل منهما؛ لأنه بالتقلّب إلى خلقة غيره لا ينقلب ولا يتغير بانقلاب الصورة والخلق؛ فإنه إنما يستحق على الأعمال دون الهيئات. وغير ممتنع أن يكونا رغبا فى أن يصيرا على هيئة الملائكة وصورها؛ وليس ذلك برغبة فى الثواب ولا الفضل؛ فإن الثواب لا يتبع الهيئات والصّور، ألا ترى أنهما رغبا فى أن يكونا من الخالدين؛ وليس الخلود مما يقتضي مزيّة فى ثواب ولا فضلا فيه؛ وإنما هو نفع عاجل؛ فكذلك لا يمتنع أن تكون الرغبة منهما فى أن يصيرا ملكين إنّما كانت على هذا الوجه.

стр. 1004

ويمكن أن يقال للمعتزلة خاصة وكلّ من أجاز على الأنبياء الصغائر: ما أنكرتم أن يكونا اعتقدا أن الملك أفضل من النبىّ وغلطا فى ذلك، وكان منهما ذنبا صغيرا؛ لأنّ الصغائر عندكم تجوز على الأنبياء؟ ومن أين لكم إذا اعتقدا أن الملائكة أفضل من الأنبياء، ورغبا فى ذلك أنّ الأمر على ما اعتقداه مع تجويزكم عليهم الذنوب؟ وليس لهم أن يقولوا: إنّ الصغائر إنما تدخل فى أفعال الجوارح دون القلوب؛ لأنّ ذلك تحكّم بغير برهان. وليس يمتنع على أصولهم أن تدخل الصغائر فى أفعال القلوب والجوارح معا؛ لأنّ حدّ الصغير عندهم ما نقص عقابه عن ثواب طاعات فاعله. وليس يمتنع معنى هذا الحدّ فى أفعال القلوب كما لا يمتنع فى أفعال الجوارح. ويقال لهم فيما تعلقوا به ثانيا: ما أنكرتم أن يكون هذا القول إنما توجّه إلى قوم اعتقدوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ فأخرج الكلام على حسب اعتقادهم، وأخّر ذكر الملائكة لذلك؟ ويجرى هذا القول مجرى قول من قال منا لغيره: لن يستنكف أبى أن يفعل كذا ولا أبوك؛ وإن كان القائل يعتقد أن أباه أفضل؛ وإنما أخرج الكلام على حسب اعتقاد المخاطب لا المخاطب. ومما يجوز أن يقال أيضا: إنه لا تفاوت فى الفضل بين الأنبياء والملائكة؛ وإن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل منهم؛ ومع التقارب والتدانى يحسن أن يؤخّر ذكر الأفضل الّذي لا تفاوت بينه وبين غيره فى الفضل؛ وإنما مع التفاوت والتدانى لا يحسن ذاك، ألا ترى أنه يحسن أن يقول القائل: ما يستنكف الأمير فلان من كذا؛ ولا الأمير فلان من كذا؛ وإن كان متساويين، متناظرين أو متقاربين، ولا يحسن أن يقول: ما يستنكف الأمير من كذا ولا الحارس لأجل التفاوت. وأقوى من هذا أن يقال: إنما أخّر ذكر الملائكة عن ذكر المسيح لأنّ جميع الملائكة

стр. 1005

أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا؛ وهذا لا يقتضي أن كلّ واحد منهم أفضل من المسيح ﵇؛ وإنما الخلاف فى ذلك. ويقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا أنّا فضّلناهم على من خلقنا وهم كثير؛ ولم يرد التبعيض؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ [البقرة: ٤١] معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا، وكلّ ثمن تأخذونه عنها قليل؛ ولم يرد التخصيص والمنع من الثمن القليل خاصة؛ ومثله قول الشاعر: من أناس ليس فى أخلاقهم ... عاجل الفحش ولا سوء الجزع (١) وإنما أراد نفى الفحش كلّه عن أخلاقهم؛ وإن وصفه بأنه عاجل، ونفى الجزع عنها وإن وصفه بالسّوء؛ وهذا من غريب البلاغة ودقيقها؛ ونظائره فى الشعر والكلام الفصيح لا تحصر. وقد كنا أملينا فى تأويل هذه الآية كلاما مفردا استقصيناه وشرحنا هذا الوجه، وأكثرنا من ذكر أمثلته. ووجه آخر فى تأويل هذه الآية؛ وهو أنّه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بنى آدم؛ وإن كان فى جملة بنى آدم من الأنبياء ﵈ من يفضل كلّ واحد منهم على كلّ واحد من الملائكة؛ لأنّ الخلاف إنما هو فى فضل كلّ بنى آدم على كلّ ملك. وغير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء، يستحقّ كلّ واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب؛ فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بنى آدم؛ لأنّ الأفاضل من بنى آدم أقلّ عددا؛ وإن كان فى بنى آدم آحاد؛ كلّ واحد منهم أفضل من كلّ واحد من الملائكة. ووجه آخر: ومما يمكن أن يقال فى هذه الآية أيضا أنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت

стр. 1006

يقتضي أنه تعالى لم يرد الفضل الّذي هو زيادة الثواب؛ وإنما أراد النّعم والمنافع الدنياوية؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ؛ والكرامة إنما هى الترفيه وما يجرى مجراه. ثم قال: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ؛ ولا شبهة فى أنّ الحمل لهم فى البر والبحر ورزق الطيبات خارج مما يستحقّ به الثواب، ويقتضي التفضيل الّذي وقع إطلاقه فيه. ويجب أن يكون ما عطف عليه من التفضيل داخلا فى هذا الباب، وفى هذا القبيل؛ فإنّه أشبه من أن يكون المراد به غير ما سياق الآية وارد به، ومبنىّ عليه. وأقل الأحوال أن تكون لفظة فَضَّلْناهُمْ محتملة للأمرين؛ فلا يجوز الاستدلال بها على خلاف ما نذهب إليه. ويقال لهم فيما تعلقوا به رابعا: لا دلالة فى هذه الآية على أنّ حال الملائكة أفضل من حال الأنبياء؛ لأن الغرض فى الكلام إنما هو نفى ما لم يكن عليه؛ لا التفضيل لذلك على ما هو عليه؛ ألا ترى أن أحدنا لو ظنّ أنه على صفة الملائكة- وهو ليس عليها- جاز أن ينفيها عن نفسه بمثل هذا اللفظ؛ وإن كان على أحوال هى أفضل من تلك الحال وأرفع. وليس يجب إذا انتفى مما تبرّأ منه من علم الغيب، وكون خزائن الله تعالى عنده أن يكون فيه فضل أن يكون ذلك معتمدا فى كل ما يقع النفى له، والتبرؤ منه. وإذا لم يكن ملكا كما لم يكن عنده خزائن الله تعالى جاز أن ينتفى من الأمرين من غير ملاحظة؛ لأنّ حاله دون هاتين الحالتين. ومما يوضّح هذا ويزيل الإشكال فيه أنّه تعالى حكى عنه قوله فى آية أخرى: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً؛ [هود: ٣١]، ونحن نعلم أنّ هذه منزلة غير جليلة؛ وهو على كلّ حال أرفع منها وأعلى؛ فما المنكر أن يكون نفى الملكيّة عنه فى أنه لا يقتضي أنّ حاله دون حال الملك بمنزلة نفى هذه المنزلة! والتعلّق بهذه الآية ضعيف جدا؛ وفيما أوردناه كفاية وبالله التوفيق.

стр. 1007

تفسير البيت الّذي ذكره السيد بن محمد الحميرىّ (١) فى قصيدته المذهّبة، وهو: ردّت عليه الشمس لما فاته ... وقت الصّلاة وقد دنت للمغرب قال رضى الله عنه: هذا خبر عن رد الشمس له ﵇ فى حياة النبىّ صلى الله عليه وآله؛ لأنه روى أن النبىّ صلى الله عليه وآله كان نائما، ورأسه فى حجر أمير المؤمنين ﵇؛ فلما حان وقت صلاة العصر كره أن ينهض لأدائها، فيزعج النبىّ صلى الله عليه وآله من نومه، فلما مضى وقتها وانتبه النبي ﵇ دعا الله تعالى بردّها له فردّها، فصلّى ﵇ الصلاة فى وقتها. فإن قيل: هذا يقتضي أن يكون ﵇ عاصيا بترك الصلاة. قلنا: عن هذا جوابان: أحدهما أنه إنما يكون عاصيا إذا ترك الصلاة بغير عذر، وإزعاج النبىّ ﵇ وترويعه لا ينكر أن يكون عذرا فى ترك الصلاة.

стр. 1008

فإن قيل: الأعذار فى ترك جميع أفعال الصلاة لا تكون إلا بفقد العقل والتمييز، كالنوم والإغماء وما شاكلهما، ولم يكن ﵇ فى تلك الحال بهذه الصفة؛ فأما الأعذار التى يكون معها العقل والتمييز ثابتين؛ كالزّمانة، والرّباط والقيد، والمرض الشديد، واشتداد القتال؛ فإنما يكون عذرا فى استيفاء أفعال الصلاة، وليس بعذر فى تركها أصلا، فإنّ كلّ معذور ممن ذكرناه يصلّيها على حسب طاقته؛ ولو بالإيماء. قلنا: غير منكر أن يكون ﵇ صلّى مومئا وهو جالس؛ لما تعذّر عليه القيام، إشفاقا من إزعاجه صلى الله عليه وآله؛ وعلى هذا تكون فائدة ردّ الشمس ليصلّى مستوفيا لأفعال الصلاة؛ ولتكون أيضا فضيلة له، ودلالة على علوّ شأنه. والجواب الآخر أن الصّلاة لم تفته بمضىّ جميع وقتها؛ وإنما فاته ما فيه الفضل والمزية من أول وقتها. ويقوّى هذا الوجه شيئان: أحدهما الرواية الأخرى؛ لأن قوله: «حين تفوته» صريح فى أن الفوت لم يقع؛ وإنما قارب وكاد؛ والأمر الآخر قوله: «وقد دنت للمغرب» يعنى الشمس؛ وهذا أيضا يقتضي أنها لم تغرب وإنما دنت للغروب. فإن قيل: إذا كانت لم تفته؛ فأىّ معنى للدعاء بردّها حتى يصلّى فى الوقت؛ وهو قد صلّى فيه! قلنا: الفائدة فى ردّها ليدرك فضيلة الصلاة فى أول وقتها؛ ثم ليكون ذلك دلالة على سموّ مجده، وجلالة قدره فى خرق العادة من أجله. فإن قيل: إذا كان النبي صلى الله عليه وآله هو الداعى بردّها له؛ فإن العادة انخرقت للنبىّ ﵇ لا لغيره. قلنا: إذا كان النبىّ ﵇ إنما دعا بردّها لأجل أمير المؤمنين ﵇، وليدرك ما فاته من فضل الصلاة فشرف انخراق العادة والفضيلة به ينقسم بينهما ﵉.

стр. 1009

فإن قيل: كيف يصحّ ردّ الشمس، وأصحاب الهيئة والفلك يقولون إن ذلك محال لا تناله قدرة! وهبه كان جائزا على مذاهب أهل الإسلام، أليس لو ردّت الشمس من وقت الغروب إلى وقت الزوال لكان يجب أن يعلم أهل الشرق والغرب بذلك؛ لأنها تبطئ فى الطلوع على بعض البلاد؛ فيطول ليلهم على وجه خلاف العادة، ويمتد من نهار قوم آخرين ما لم يكن ممتدا؟ ولا يجوز أن يخفى على أهل البلاد غروبها ثم عودها طالعة بعد الغروب، وكانت الأخبار تنتشر بذلك، ويؤرّخ هذا الحادث العظيم فى التواريخ، ويكون أبهر وأعظم من الطوفان. قلت: قد دلت الدّلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك وما فيه من شمس وقمر ونجوم غير متحرك لنفسه ولا طبيعة؛ على ما يهذى به القوم؛ وإن الله تعالى هو المحرّك له، والمتصرف باختياره فيه؛ وقد استقصينا (١) الحجج على ذلك فى كثير من كتبنا؛ وليس هذا موضع ذكر. فأما علم أهل الشرق والغرب والسهل والجبل بذلك على ما مضى فى السؤال فغير واجب؛ لأنا لا نحتاج إلى القول بأنها ردّت من وقت الغروب إلى وقت الزوال وما يقاربه على ما مضى فى السؤال؛ بل نقول: إن وقت الفضل فى صلاة العصر هو ما يلى، بلا فصل زمان أداء المصلّى فرض الظهر أربع ركعات عقيب الزوال؛ وكلّ زمان وإن قصر وقلّ يجاوز هذا الوقت؛ فذلك الفضل فائت فيه. وإذا ردّت الشمس له هذا القدر اليسير الّذي نفرض أنه مقدار ما يؤدّى فيه ركعة واحدة خفى على أهل الشرق والغرب ولم يشعروا به؛ بل هو مما يجوز أن يخفى على من حضر الحال وشاهدها؛ إن لم ينعم النظر والتنقير عنها، فبطل السؤال على جوابنا الثانى المبنى على فوت الفضيلة. فأما الجواب الآخر المبنىّ على أنها كانت فاتت بغروبها للعذر الّذي ذكرناه فالسؤال أيضا باطل عنه؛ لأنه ليس بين مغيب جميع قرص الشمس فى الزمان، وبين مغيب بعضها وظهور بعضها إلا زمان يسير قصير؛ يخفى فيه رجوع الشمس بعد مغيب جميع قرصها إلى ظهور بعضها على كل قريب وبعيد. ولا يفطن إذا لم يعرف سبب ذلك على وجه خارق للعادة؛ ومن فطن بأن ضوء الشمس غاب، ثم عاد بعضه جوّز أن يكون ذلك لغيم أو حائل.

стр. 1010

تفسير قول السيد فى هذه القصيدة أيضا: وعليه قد حبست ببابل مرّة ... أخرى، وما حبست لخلق معرب هذا البيت يتضمن الإخبار عن ردّ الشمس ببابل على أمير المؤمنين ﵇؛ والرواية بذلك مشهورة؛ وأنّه ﵇ لما فاته وقت العصر ردّت له الشمس حتى صلّاها فى وقتها، وخرق العادة هاهنا لا يمكن نسبه إلى غيره ﵇؛ كما أمكن ذلك فى أيام النبىّ ﵇؛ والصحيح فى فوت الصلاة هاهنا أحد الوجهين اللذين تقدّم ذكرهما فى ردّ الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وآله، وهو أن فضيلة أول الوقت فاتته لضرب من الشّغل، فردّت عليه الشمس، ليدرك الفضيلة بالصّلاة فى أول الوقت. وقد بيّنا هذا الوجه فى تفسير البيت الّذي أوله: «ردّت عليه الشمس»، وأبطلنا قول من يدّعى أنّ ذلك كان يجب أن يعمّ الخلق فى الآفاق معرفته؛ حتى يدوّنوه ويؤرّخوه. فأما من ادّعى أن الصلاة فاتته بأن تقضّى جميع وقتها؛ إما لتشاغله بتعبئة عسكره، أو لأن بابل أرض خسف لا يجوز الصلاة عليها فقد أبطل؛ لأنّ الشّغل بتعبئة العسكر لا يكون عذرا فى فوت صلاة فريضة؛ وإن أمير المؤمنين ﵇ أجلّ قدرا، وأثمن دينا من أن يكون ذلك عذرا له فى فوت فريضة. وأما أرض الخسف فإنما تكره الصلاة فيها مع الاختيار؛ فإذا لم يتمكن المصلّى من الصّلاة فى غيرها، وخاف فوت الوقت وجب أن يصلّى فيها، وتزول الكراهية. فأما قول الشاعر: «وعليه قد حبست ببابل» فالمراد ب «حبست» ردّت؛ وإنما كره أن يعيد لفظة الردّ لأنها قد تقدمت. فإن قيل: «حبست» بمعنى وقفت، ومعناه يخالف معنى «ردّت». قلنا: المعنيان هاهنا واحد؛ لأنّ الشمس إذا ردّت إلى الموضع الّذي تجاوزته فقد حبست عن السير المعهود وقطع الأماكن المألوفة. فأما المعرب فهو الناطق الفصيح بحجته؛ يقال: أعرب فلان عن كذا إذا أبان عنه.

стр. 1011

مسألة سئل رضى الله عنه فقيل: ما يقال لمن يدّعى عند إقامة الدليل على حدث الجسم والجوهر والعرض شيئا ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض أحدث الله تعالى الأشياء منه؟ وما الّذي يفسد دعواه غير المطالبة له بالدلالة على صحتها! الجواب، أول ما نقوله فى هذا الباب إن إحداث شيء من شيء غيره كلام محال ظاهر الفساد؛ لأن المحدث على الحقيقة هو الموجود بعد أن كان معدوما؛ وإذا فرضنا أنه أحدث من غيره فقد جعلناه موجودا فى ذلك الغير؛ فلا يكون محدثا فى الحقيقة؛ ولا موجودا بعد عدم حقيقى؛ فكأنّا قلنا: إنه محدث وليس بمحدث؛ وهذا متناقض. على أن الجواهر والأجسام إنما حكمنا بحدثها؛ لأنها لم تخل من الأعراض، ولم تتقدم فى الوجود عليها، وما لم يتقدم المحدث فهو محدث مثله. وإذا كانت الأعراض التى توصّلنا بحدوثها إلى حدوث الأجسام والجواهر محدثة؛ لا من شيء ولا عن هيولى (١) على ما تموّه هؤلاء المفلسفون به؛ فيجب أن تكون الجواهر والأجسام أيضا محدثة على هذا الوجه؛ لأنه إذا وجب أن يساوى ما لم يتقدم المحدث فى حدوثه وجب أيضا أن يساويه فى كيفية حدوثه. على أنا قد بيّنا أنّ ما أحدث من غيره ليس بمحدث فى الحقيقة، والعرض محدث على الحقيقة، فيجب فيما لم يتقدمه فى الوجود أن يكون محدثا على الحقيقة. ويبيّن ما ذكرناه أن من أحدث من طين أو شمع صورة فهو غير محدث لها على الحقيقة، وكيف تكون كذلك وهى موجودة الأجزاء فى الطين والشمع؟ وإنما أحدث المصوّر تصويرها وتركيبها والمعانى المخصوصة فيها، وهذا يقتضي أنّ الجواهر والأجسام على مذهب أصحاب الهيولى غير محدثة على الحقيقة؛ وإنما حدث التصوير والتركيب. وإذا كان الدليل على حدوث

стр. 1012

جميع الأجسام والجواهر قد دلّ بطل هذا المذهب. فأما الّذي يدلّ على بطلان قول من أثبت شيئا موجودا ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض من غير جهة المطالبة له بتصحيح دعواه، وتعجيزه عن ذلك فهو أنه لا حكم لذات موجودة ليست بجسم ولا جوهر ولا عرض يعقل؛ ويمكن الإشارة إليه، وما لا حكم له من الذوات والصفات لا يجوز إثباته؛ ولا بدّ من نفيه لأنه يؤدى إلى إثبات ما لا فرق بين إثباته ونفيه؛ وتجويز ذلك يؤدى إلى الجهالات وإلى إثبات ما لا يتناهى من الذوات والصفات. وقد بيّنا هذه الطريقة فى مواضع من كتبنا؛ لا سيما فى الكتاب الملخّص فى الأصول. على أنا نقول لمن أثبت الهيولى وادّعى أنه أصل العالم، وأن الأجسام والجواهر منها أحدثت: لا تخلو هذه الذات (١) التى يسميها بالهيولى من أن تكون موجودة أو معدومة؛ وما نريد بالوجود ما تعنونه أنتم بهذه اللفظة؛ لأن الموجود عندكم يكون بالفعل، ويكون بالقوة، ويكون المعدوم عندكم موجودا بالقوة أو فى العلم؛ وإنما نريد بالوجود هذا الّذي نعقله ونعلمه ضرورة عند إدراك الذوات المدركات؛ لأن أحدنا إذا أدرك الجسم متحيّزا علم ضرورة وجوده وثبوته؛ وكذلك القول فى الألوان وما عداها من المدركات. فإن قال: هى موجودة على تحديدكم (٢). قلنا: فيجب أن تكون متحيّزة؛ لأنها لو لم تكن بهذه الصفة ما حصل منها التحيّز، ألا ترى أنّ الأعراض لما لم تكن متحيّزة لم يمكن أن يحدث منها التحيز! وإذا أقروا فيها التحيز فهى من جنس الجواهر؛ وبطل القول بأنها ليست بجوهر ووجب لها الحدوث؛ لأنّ دليل حدث الأجسام ينتظمها، ويشتمل عليها؛ فبطل أيضا القول بقدمها ونفى حدوثها. وإن قالوا: هى معدومة قلنا: إذا كانت معدومة على الحقيقة فما نسومكم إثبات قدم لها ولا

стр. 1013

حدوث؛ لأن هاتين الصفتين إنما تتعاقبان على الموجود؛ فكأنّكم تقولون: إنّ الله تعالى جعل من هذه الهيولى المعدومة جواهر وأجساما موجودة. وهذه موافقة فى المعنى لأهل الحق؛ القائلين بأن الجواهر فى العدم على صفة تقتضى وجوب التحيّز لها متى وجدت، وأنّ الله تعالى إذا أوجد هذه الجواهر وجب لها فى الوجود التحيّز؛ لما هى عليه فى نفوسها من الصفة فى العدم الموجبة لذلك بشرط الوجود، وأنّ الفاعل إنما يؤثر فى صفة الوجود؛ ولا تأثير له فى الصفة التى كانت عليها الجواهر فى العدم. على أن هذه الطريقة إذا صاروا إليها تقتضى أنّ لأجناس الأعراض كلّها هيولى؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أن للسّواد، ولكل جنس من الأعراض صفة ثابتة فى حال العدم تقتضى كونه على الصفة التى يدرك عليها إن كان مما يدرك فى حال الوجود، وأنّ الفاعل إنما يؤثّر فى إحداثه وإيجاده دون الصفة التى كان عليها فى حال العدم. والقول فى الأعراض كالقول فى الجواهر فى هذه القضية، ويجب أن يكون للجميع هيولى؛ لأنّ الطريقة واحدة؛ وكلام هؤلاء أبدا غير محصّل ولا مفهوم، وهم يدّعون التحقيق والتحديد، وما أبعدهم من ذلك!

стр. 1014

مسألة فى العصمة ما حقيقة العصمة التى يعتقد وجوبها للأنبياء والأئمة ﵈؟ وهل هى معنى يضطرّ إلى الطاعة ويمنع من المعصية، أو معنى يضامّ الاختيار؟ فإن كان معنى يضطر إلى الطاعة ويمنع من المعصية، فكيف يجوز الحمد والذم لفاعلها! وإن كان معنى يضامّ الاختيار فاذكروه، ودلّوا على صحة مطابقته له، ووجوب اختصاص المذكورين به دون سواهم؛ فقد قال بعض المعتزلة: إن الله تعالى عصم أنبياءه بالشهادة لهم بالاستعصام؛ كما ضلّل قوما بنفس الشهادة عليهم بالضلال؛ فإن يكن ذلك هو المعتمد أنعم بذكره، ودلّ على صحته وبطلان ما عساه يعلمه من الطعن عليه؛ وإن يكن باطلا دلّ على بطلانه وصحة الوجه المعتمد فيه دون ما سواه. الجواب، اعلم أنّ العصمة هى اللّطف الّذي يفعله الله تعالى، فيختار العبد عنده الامتناع من فعل القبيح؛ فيقال على هذا: إنّ الله تعالى عصمه بأن فعل له ما اختار عنده العدول عن القبيح؛ ويقال: إن العبد معصوم؛ لأنه اختار عند هذا الدّاعى الّذي فعل له الامتناع من القبيح. وأصل العصمة فى موضوع اللّغة المنع؛ يقال عصمت فلانا من السوء إذا منعت من حلوله به؛ غير أنّ المتكلّمين أجروا هذه اللفظة على من امتنع باختياره عند اللّطف الّذي يفعله الله تعالى به؛ لأنّه إذا فعل به ما يعلم أنه يمتنع عنده من فعل القبيح فقد منعه من القبيح؛ فأجروا عليه لفظة المانع قهرا وقسرا؛ وأهل اللغة يتعارفون ذلك أيضا ويستعملونه؛ لأنهم يقولون فيمن أشار على غيره برأى فقبله منه مختارا، واحتمى بذلك من ضرر يلحقه، وسوء يناله: إنه حماه من ذلك الضرر، ومنعه وعصمه منه؛ وإن كان ذلك على سبيل الاختيار. فإن قيل: أفتقولون فيمن لطف له بما اختار عنده الامتناع من فعل واحد قبيح: إنه معصوم؟

стр. 1015

قلنا: نقول ذلك مضافا ولا نطلقه؛ فنقول: إنه معصوم من كذا، ولا نطلق فنوهم أنه معصوم من جميع القبائح، ونطلق فى الأنبياء والأئمة ﵈ العصمة بلا تقييد؛ لأنّهم عندنا لا يفعلون شيئا من القبائح، بخلاف ما يقوله المعتزلة من نفى الكبائر عنهم دون الصغائر. فإن قيل: فإذا كان تفسير العصمة ما ذكرتم فألّا عصم الله تعالى جميع المكلّفين، وفعل بهم ما يختارون عنده الامتناع من القبائح؟ قلنا: كلّ من علم الله تعالى أنه له لطفا يختار عنده الامتناع من القبائح؛ فإنه لا بدّ أن يفعل به؛ وإن لم يكن نبيا ولا إماما؛ لأنّ التكليف يقتضي فعل اللّطف على ما دلّ عليه فى مواضع كثيرة؛ غير أنّه لا يمتنع أن يكون فى المكلّفين من ليس فى المعلوم أنّ شيئا متى فعل اختار عنده الامتناع من القبيح؛ فيكون هذا المكلّف لا عصمة له فى المعلوم ولا لطف. وتكليف من لا لطف له يحسن ولا يقبح؛ وإنما القبيح منع اللّطف فيمن له لطف؛ مع ثبوت التكليف. فأما قول بعضهم: إن العصمة هى الشهادة من الله تعالى بالاستعصام فباطل؛ لأن الشهادة لا تجعل الشيء على ما هو به؛ وإنما تتعلق به على ما هو عليه؛ لأنّ الشهادة هى الخبر، والخبر عن كون الشيء على صفة لا يؤثر فى كونه عليها؛ فنحتاج أولا إلى أن يتقدم لنا العلم بأنّ زيدا معصوم أو معتصم؛ ونوضّح عن معنى ذلك، ثم تكون الشهادة من بعد مطابقة لهذا العلم؛ وهذا بمنزلة من سئل عن حدّ المتحرّك فقال: هو الشهادة بأنه متحرّك؛ أو المعلوم أنه على هذه الصفة. وفى هذا البيان كفاية لمن تأمّله.

стр. 1016

مسألة ما القول فى الأخبار الواردة فى عدة كتب من الأصول والفروع بمدح أجناس من الطير والبهائم والمأكولات والأرضين، وذمّ أجناس منها؛ كمدح الحمام والبلبل والقنبر والحجل والدّرّاج وما شاكل ذلك من فصيحات الطير؛ وذمّ الفواخت والرّخم؛ وما يحكى من أنّ كلّ جنس من هذه الأجناس المحمودة ينطق بثناء على الله تعالى وعلى أوليائه، ودعاء لهم، ودعاء على أعدائهم؛ وأن كلّ جنس من هذه الأجناس المذمومة ينطق بضد ذلك من ذم الأولياء ﵈، كذم الجرّىّ (١) وما شاكله من السمك، وما نطق به الجرىّ من أنه مسخ بجحده الولاية، وورود الآثار بتحريمه لذلك؛ وكذم الدّبّ والقرد والفيل وسائر المسوخ المحرّمة؛ وكذم البطّيخة التى كسرها أمير المؤمنين ﵇ فصادفها مرّة فقال: «من النار إلى النار»، ورمى بها من يده، ففار من الموضع الّذي سقطت فيه دخان؛ وكذم الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية أيضا. وقد جاء فى هذا المعنى ما يطول شرحه؛ وظاهره مناف لما تدل العقول عليه من كون هذه الأجناس مفارقة لقبيل ما يجوز تكليفه، ويسوغ أمره ونهيه. وفى هذه الأخبار التى أشرنا إليها أن بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ ويدين به، وبعضها يخالفه؛ وهذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه. ومنها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، وألفاظا تفيد أغراضا، وأنها بمنزلة الأعجمىّ والعربىّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، وأنّ شاهد ذلك من قول الله سبحانه فيما حكاه عن سليمان ﵇: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ؛ [النمل: ١٦]. وكلام النملة أيضا مما حكاه سبحانه، وكلام الهدهد واحتجاجه وجوابه وفهمه؛ فلينعم بذكر ما عنده فى ذلك مثابا إن شاء الله. ***

стр. 1017

الجواب، وبالله التوفيق: اعلم أن المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلة عليه من نفى وإثبات؛ فإذا دلت الأدلّة على أمر من الأمور وجب أن نبنى كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ ونسوقه إليه، ونطابق بينه وبينه، ونجلّى ظاهرا إن كان له، ونشرط إن كان مطلقا، ونخصّه إن كان عاما، ونفصّله إن كان مجملا؛ ونوفّق بينه وبين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة وآل إلى المطابقة؛ وإذا كنا نفعل ذلك ولا نحتشمه فى ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك فى أخبار آحاد لا توجب علما؛ ولا تثمر يقينا! فمتى وردت عليك أخبار فاعرضها على هذه الجملة وابنها عليها؛ وافعل فيها ما حكمت به الأدلة، وأوجبته الحجج العقلية؛ وإن تعذّر فيها بناء وتأويل وتخريج وتنزيل؛ فليس غير الاطراح لها، وترك التعريج عليها؛ ولو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر ويتفكر. وقد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنها ناطقة بضدّ الثناء على الله وبذم أوليائه، ونقص أصفيائه معناه ذمّ متخذيها ومرتبطيها، وأنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس واتخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على الله تعالى، ويذمّون أولياءه وأحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، وهو لمتخذيها أو مرتبطيها؛ للتجاوز والتقارب، وعلى سبيل التجوز والاستعارة؛ كما أضاف الله فى القرآن السؤال إلى القرية؛ وإنما هو لأهل القرية، وكما قال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً. فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً؛ [الطلاق: ٨، ٩]؛ وفى هذا كلّه حذوف. وقد أضيف فى الظاهر الفعل إلى من هو فى الحقيقة متعلّق بغيره؛ والقول فى مدح أجناس من الطير، والوصف لها بأنها تنطق بالثناء على الله تعالى والمدح لأوليائه يجرى على هذا المنهاج الّذي نهجناه. فإن قيل: كيف يستحق مرتبط هذه الأجناس مدحا بارتباطها، ومرتبط بعض آخر ذمّا بارتباطه؛ حتى علّقتم المدح والذم بذلك؟

стр. 1018

قلنا: ما جعلنا لارتباط هذه الأجناس حظا فى استحقاق مرتبطيها مدحا ولا ذما؛ وإنما قلنا: إنه غير ممتنع أن تجرى عادة المؤمنين الموالين لأولياء الله تعالى والمعادين لأعدائه بأن يألفوا ارتباط أجناس من الطير. وكذلك تجرى عادة بعض أعداء الله تعالى باتخاذ بعض أجناس الطير؛ فيكون متخذ بعضها ممدوحا؛ لا من أجل اتخاذه؛ لكن لما هو عليه من الاتخاذ الصحيح؛ فيضاف المدح إلى هذه الأجناس وهو لمرتبطيها، والنطق بالتسبيح والدعاء الصحيح إليها وهو لمتخذها تجوزا واتساعا. وكذلك القول فى الذم المقابل للمدح. فإن قيل: فلم نهى عن اتخاذ بعض هذه الأجناس إذا كان الذم لا يتعلق باتخاذها، وإنما يتعلق ببعض متخذيها لكفرهم وضلالهم؟ قلنا: يجوز أن يكون فى اتخاذ هذه البهائم المنهىّ عن اتخاذها وارتباطها مفسدة وليس يقبح خلقها فى الأصل لهذا الوجه؛ لأنها خلقت لينتفع بها من سائر وجوه الانتفاع سوى الارتباط والاتخاذ الّذي لا يمنع تعلق المفسدة به. ويجوز أيضا أن يكون فى اتخاذها هذه الأجناس المنهىّ عنها شؤم وطيرة؛ فللعرب فى ذلك مذهب معروف. ويصح هذا النهى أيضا على مذهب من نفى الطّيرة على التحقيق؛ لأنّ الطّيرة والتشاؤم- وإن كان لا تأثير لهما على التحقيق- فإن النفوس تستشعر ذلك، ويسبق إليها ما يجب على كل حال تجنّبه والتوقى عنه (١)؛ وعلى هذا يحمل معنى قوله ﵇: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ». فأما تحريم السمك الجرّىّ وما أشبهه فغير ممتنع لشيء يتعلق بالمفسدة فى تناوله؛ كما نقول فى سائر المحرمات. فأما القول بأن الجرّىّ نطق بأنه مسخ بجحده الولاية فهو مما يضحك منه ويتعجب (٢) من قائله، والملتفت إلى مثله. فأما تحريم الدّب والقرد والفيل فكتحريم كلّ محرّم فى الشريعة، والوجه فى التحريم لا يختلف؛ والقول بأنها ممسوخة إذا تكلّفنا حملناه على أنها كانت على خلق حميدة (٣) غير

стр. 1019

منفور عنها، ثم جعلت على هذه الصّورة الشّنيئة على سبيل التنفير عنها، والزيادة فى الصّدّ عن الانتفاع بها؛ لأن بعض الأحياء لا يجوز أن يكون غيره على الحقيقة. والفرق بين كل حيين معلوم ضرورة، فكيف يجوز أن يصير حىّ حيا آخر غيره؟ وإذا أريد بالمسخ هذا فهو باطل، وإن أريد غيره نظرنا فيه. وأما البطيخة فقد يجوز أن يكون أمير المؤمنين ﵇ لما ذاقها ونفر عن طعمها؛ وزادت كراهيته لها قال: «من النار وإلى النار»، أى هذا من طعام أهل النار، وما يليق بعذاب أهل النار، كما يقول أحدنا ذلك فيما يستوبئه ويكرهه. ويجوز أن يكون فوران الدّخان عند الإلقاء لها كان على سبيل التصديق، لقوله ﵇: «من النار إلى النار» وإظهار معجز له. وأما ذمّ الأرضين السّبخة، والقول بأنها جحدت الولاية؛ فمتى لم يكن محمولا معناه على ما قدمناه من جحد أهل هذه الأرض وسكانها الولاية لم يكن معقولا؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ. وأما إضافة اعتقاد الحق إلى بعض البهائم واعتقاد الباطل والكفر إلى بعض آخر فمما تخالفه العقول والضرورات؛ لأن هذه البهائم غير عاقلة ولا كاملة ولا مكلّفة، فكيف تعتقد حقا أو باطلا! وإذا ورد أثر فى ظاهره شيء من هذه المحاولات؛ إما اطّرح أو تؤوّل على المعنى الصحيح. وقد نهجنا طريق التأويل، وبيّنا كيف التوصل إليه. فأما حكايته تعالى عن سليمان ﵇: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ فالمراد به أنه علّم ما يفهم به ما ينطق به الطير؛ وتتداعى فى أصواتها وأغراضها ومقاصدها؛ بما يقع منها من صياح؛ على سبيل المعجزة لسليمان ﵇. فأما الحكاية عن النملة بأنها قالت: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ؛ [النمل: ١٨] فقد يجوز أن يكون المراد به أنه ظهر منها دلالة القول

стр. 1020

على هذا المعنى؛ وأشعرت باقى النمل؛ وخوّفتهم من الضرر بالمقام، وأنّ النجاة فى الهرب إلى مساكنها؛ فتكون إضافة القول إليها مجازا واستعارة؛ كما قال الشاعر: * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (١) * وكما قال الآخر: * وقالت له العينان سمعا وطاعة* ويجوز أيضا أن يكون وقع من النملة كلام ذو حروف منظومة- كما يتكلّم أحدنا- يتضمن المعانى المذكورة، ويكون ذلك معجزة لسليمان ﵇؛ لأنّ الله تعالى سخّر له الطّير، وأفهمه معانى أصواتها على سبيل المعجزة له. وليس هذا بمنكر؛ فإنّ النطق بمثل هذا الكلام المسموع منّا لا يمتنع وقوعه ممن ليس بمكلّف ولا كامل العقل؛ ألا ترى أنّ المجنون ومن لم يبلغ الكمال من الصبيان قد يتكلّمون بالكلام المتضمّن للأغراض؛ وإن كان التكليف والكمال عنهم زائلين. والقول فيما حكى عن الهدهد يجرى على الوجهين اللذين ذكرناهما فى النملة؛ فلا حاجة بنا إلى إعادتهما. وأما حكايته أنه قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ؛ [النمل: ٢١]، وكيف يجوز أن يكون ذلك فى الهدهد وهو غير مكلّف ولا يستحق مثله العذاب. فالجواب أن العذاب اسم للضّرر الواقع، وإن لم يكن مستحقا؛ وليس يجرى مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا جزاء على أمر تقدم. وليس بممتنع أن يكون معنى لَأُعَذِّبَنَّهُ أى لأولمنّه، ويكون الله تعالى قد أباحه الإيلام له؛ كما أباحه الذبح لضرب من المصلحة، كما سخّر له الطير يصرّفها فى منافعه وأغراضه؛ وكلّ هذا لا ينكر فى نبىّ مرسل تخرق له العادات؛ وتظهر على يده المعجزات؛ وإنما يشتبه على قوم يظنون أنّ هذه الحكايات تقتضى كون النملة والهدهد مكلّفين؛ وقد بيّنا أنّ الأمر بخلاف ذلك.
следующие страницы →