← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تأويل خبر آخر [خبر على بن أبى طالب ومارية القبطية، وتفسير ما ورد فيه من غريب] روى محمد بن الحنفيّة رحمة الله عليه عن أبيه أمير المؤمنين ﵇ قال: كان قد كثّر على مارية القبطيّة أم إبراهيم فى ابن عم لها قبطىّ كان يزورها، ويختلف إليها، فقال لى النبي صلى الله عليه وآله: «خذ هذا السيف وانطلق، فإن وجدته عندها فاقتله». قلت: يا رسول الله، أكون فى أمرك إذا أرسلتنى كالسّكّة (١) المحمّاة، أمضى لما أمرتنى، أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال لى النبي صلى الله عليه وآله: «بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب». فأقبلت متوشّحا (٢) بالسيف، فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما أقبلت نحوه عرف أنى أريده، فأتى نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه، وشغر برجليه، فإذا إنه أجبّ أمسح، ماله ممّا للرجال قليل ولا كثير، قال: فغمدت السيف ورجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته، فقال: «الحمد لله الّذي يصرف (٣) عنّا أهل البيت». قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: فى هذا الخبر أحكام وغريب، ونحن نبدأ بأحكامه، ثم نتلوها بغريبه. فأول ما فيه أن لقائل أن يقول: كيف يجوز أن يأمر الرسول ﵇ بقتل رجل على التّهمة (٤) بغير بينة ولا ما يجرى مجراها؟ والجواب عن ذلك أن القبطىّ جائز أن يكون من أهل/ العهد الذين أخذ عليهم أن تجرى فيهم (٥) أحكام المسلمين، وأن يكون الرسول ﵇ تقدم إليه بالانتهاء عن الدخول إلى مارية، فخالف وأقام على ذلك، وهذا نقض للعهد، وناقض

стр. 107

العهد من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة؛ والمؤذن بها مستحقّ للقتل. فأما قوله: «بل [الشاهد يرى ما لا يرى الغائب] (١)» فإنما عنى به رؤية العلم لا رؤية البصر لأنه لا معنى فى هذا الموضع لرؤية البصر، فكأنه عليه وآله السلام قال: بل الشاهد يعلم؛ ويصحّ له من وجه الرأى والتدبير ما لا يصحّ للغائب؛ ولو لم يقل ذلك لوجب قتل الرجل على كل حال، وإنما جاز منه ﵊ أن يخيّر بين قتله والكفّ عنه، ويفوض الأمر فى ذلك إلى أمير المؤمنين ﵇ من حيث لم يكن قتله من الحدود والحقوق، التى لا يجوز العفو عنها، ولا يسع إلا إقامتها، لأن ناقض العهد ممّن إلى الإمام القائم بأمر (٢) المسلمين إذا قدر عليه قبل التوبة أن يقتله، أو أن يمنّ عليه. ومما فيه أيضا من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول صلى الله عليه وآله لا يقتضي الوجوب، لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته ولا استفهامه؛ وفى حسنها ووقوعها موقعها دلالة (٣) على أنها لا تقتضى ذلك. ومما فيه أيضا من الأحكام دلالته على أنه لا بأس بالنظر إلى عورة الرجل عند الأمر ينزل فلا يوجد من النظر إليها بدّ إمّا لحدّ يقام، أو لعقوبة تسقط، لأن العلم بأنه أمسح أجبّ لم يكن إلا عن تأمّل ونظر، وإنما جاز التأمل والنظر لتبيين: هل هو ممّن يكون منه ما قرف به أولا، والواجب على الإمام فيمن شهد عليه بالزنا، وادّعى أنه مجبوب أن يأمر بالنظر إليه، وتبيين أمره، وبمثله أمر النبي صلى الله عليه وآله فى قتل مقاتلة بنى قريظة، لأنه أمر أن ينظروا إلى مؤتزر، وكلّ من أشكل عليهم أمره، فمن وجدوه قد أنبت قتلوه، ولولا جواز النظر إلى العورة عند الضرورة لما قامت شهادة الزنا؛ لأن من رأى رجلا مع امرأة واقعا عليها متى لم يتأمل أمرهما حقّ التأمل لم تصحّ شهادته، ولهذا قال النبي

стр. 108

صلى الله عليه وآله لسعد بن عبادة، وقد سأله عمّن وجد مع امرأته رجلا، أيقتله؟ / فقال صلى الله عليه وآله: لا، حتى يأتى بأربعة شهداء، ولو لم يكن للشهداء إذا حضروا تعمّد النظر إلى عورتيهما لإقامة الشهادة كان حضورهم كغيبتهم، ولم تقم شهادة الزّنا؛ لأن من شرطها مشاهدة العضو فى العضو كالميل فى المكحلة. فإن قيل: كيف جاز لأمير المؤمنين الكفّ عن القتل، ومن أى جهة آثره لما وجده أجبّ، وأىّ تأثير لكونه أجبّ فيما استحقّ به القتل وهو نقض العهد؟ قلنا: إنه ﵇ لما فوّض إليه الأمر فى القتل والكفّ كان له أن يقتله على كلّ حال، وإن وجده أجبّ؛ لأنّ كونه بهذه الصفة لا يخرجه من نقض العهد، وإنما آثر الكفّ الّذي كان إليه، ومفوّضا إلى رأيه، لإزالة التهمة والشك الواقعين فى أمر مارية، ولأنه أشفق من أن يقتله، فيتحقّق الظنّ ويلحق بذلك العار، فرأى ﵇ أن الكفّ أولى لما ذكرناه. فأمّا غريب الحديث (١) فقوله: «شغر [برجليه» يريد رفعهما] (٢)، وأصله فى وصف الكلب إذا رفع رجله للبول، فأما نكاح الشّغار (٣) - وقد قيل الشّغار بالفتح- فهو أن يزوّج الرجل من هو ولىّ لها من بنت أو أخت غيره، على أن يزوجه بنته أو أخته بغير مهر. وكان أحد العرب فى الجاهلية يقول للآخر: شاغرنى؛ أى زوّجنى حتى أزوّجك؛ وأظنه مأخوذا من الشّغر الّذي هو رفع الرجل، لأن النكاح فيه معنى الشّغر، فسمّى هذا العقد شغارا ومشاغرة، لإفضائه فى كل واحد من المزوّجين (٤) إلى معنى الشّغر، وصار اسما لهذا النكاح كما قيل فى الزنا سفاح، لأن الزانيين يتسافحان الماء، أى يسكبانه، والماء هو النّطفة، ويمكن أن يكون أيضا الماء الّذي يغتسلان به، فكنّى بذلك عن الزناء (٥) ثم صار اسما له وعلما عليه.

стр. 109

ومن الشّغر الّذي هو رفع الرجل قول زياد لابنة معاوية، وكانت عند ابنه، فافتخرت يوما عليه، وتطاولت، فشكاها إلى أبيه زياد، فدخل عليها بالدّرّة يضربها، ويقول لها أشغرا وفخرا! وأما قول الفرزدق: شغّارة تقذ الفصيل برجلها ... فطّارة لقوادم الأبكار (١) / فإنه من غريب شعره، وفسره قال: معنى «شغارة» أنها ترفع رجلها للبول، وقوله: «تقذ الفصيل برجلها»، أى تركله وتدفعه عن الدنوّ إلى الرّضاع، ليتوفّر اللبن على الحلّب، وأراد «بتقذه» (٢)، أى تبالغ فى إيلامه وضربه، ومنه الموقوذة (٣)؛ فأما قوله: «فطّارة لقوادم الأبكار»، فالفطر هو الحلب بثلاث أصابع، والقوادم هى الأخلاف، وإنما خصّ الأبكار بذلك؛ لأنّ صغر أخلافها يمنع من حلبها ضبّا (٤)، والضبّ هو الحلب بالأصابع الأربع (٥)؛ فكأنه لا يمكن فيها لقصر أخلافها إلا الفطر؛ ومعنى البيت تعييره نساء جرير بأنهنّ راعيات، وذلك مما تعيّر به العرب النساء؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت: كم عمّة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليّ عشارى (٦) كنا نحاذر أن تضيع لقاحنا ... ولها إذا سمعت دعاء يسار (٧) ثم تلا ذلك بقوله: شغارة ... قال سيدنا المرتضى أدام الله علوه: وعندى أن قوله «شغّارة» كناية عن رفع رجلها للزنا، وهو أشبه بأن يكون مراده فى هذا الموضع، ألا ترى أنه قد وصفها بالوله، وترك

стр. 110

حفظ اللّقاح عند سماعها دعاء يسار؛ ويسار اسم لراع؛ فكأنه قد وصفها بالوله إلى الزّنا والإسراع إليه، وترك حفظ ما استحفظته من اللّقاح؛ فالأشبه أن يكون قوله: «شغّارة» - مع كونه عقيب البيت الّذي ذكرناه- محمولا على ما أشرنا إليه. فأما قولهم: ذهبوا شغر بغر فليس من هذا فى شيء وإنما يراد به أنهم ذهبوا متفرّقين متشتتين، ومثله ذهبوا عباديد وعبابيد، وشعاليل وشعارير وأيادى (١) سبا؛ كلّ ذلك بمعنى واحد. وأما قوله: «فإذا أنه أجبّ»، فيعنى به المقطوع الذكر؛ لأن الجبّ هو القطع؛ ومنه بعير أجبّ إذا كان مقطوع السّنام: وقد ظن بعض من تأول هذا الخبر أن الأمسح هاهنا هو القليل لحم الألية، كالأرصع والأرسح والأزلّ (٢)، وهذا غلط، لأن الوصف بذلك لا معنى له فى الخبر، وإنما أراد تأكيد الوصف له بأنه/ أجبّ، والمبالغة فيه، لأن قوله: «أمسح» يفيد أنه مصطلم (٣) الذّكر، ويزيد على معنى أجبّ زيادة ظاهرة. *** [ما قالته العرب فى أحوال القمر، وتفسير ما ورد فى ذلك من الغريب] أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى القاسم بن الحسين الورّاق قال حدثنا سليمان ابن داود الطّوسىّ قال حدّثنا سوّار بن عبد الله القاضى عن الأصمعىّ قال: دخلت على

стр. 111

الرشيد (١) فى الليل، فتذاكرنا أحوال القمر، فقلت: العرب تقول للقمر إذا كان ابن ليلة: ما أنت ابن ليلة (٢)؟ قال: رضاع سخيلة، حلّ أهلها برميلة. قيل له: ما أنت (٣) ابن ليلتين؟ قال: حديث أمتين، بكذب ومين. قيل له: ما أنت ابن ثلاث؟ قال: قليل اللّباث- وقيل أيضا: حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات- قيل له: فما أنت ابن أربع؟ قال: عتمة أمّ ربع- وقيل: عتمة أم الرّبع (٤) - غير جائع ولا مرضع. قيل له: فما أنت (٥) ابن خمس؟ قال: عشاء خلفات قعس- ويقال: حديث وأنس، ويقال: سر ومسّ (٦) - قيل له: ما أنت (٧) ابن ست؟ قال سر وبت- وقيل: تحدّث (٨) وبت- قيل له: ما أنت (٩) ابن

стр. 112

سبع؟ قال دلجة (١) ضبع (٢) - وقيل هدى لأنس (٣) ذى الجمع، وقيل: حديث جمع، وقيل: يضفر فىّ النّسع (٤)، وقيل: يلتقط فىّ الجزع- قيل: ما أنت ابن ثمان؟ قال: قمر إضحيان (٥). قيل: له: ما أنت ابن تسع؟ قال منقطع الشّسع- وقيل يلتقط فىّ الجزع، وقيل: الودع (٦)، وقيل عشيّة أهل جمع- قيل له: ما أنت ابن عشر؟ قال: ثلث الشهر، - وقيل: مخنّق الفجر، وقيل: أؤدّيك إلى الفجر، وقيل: أبادر الفجر- قيل له: ما أنت ابن إحدى عشرة (٧)؟ قال: أطلع عشاء، وأرى بكرة- وقيل: أغيب بسحرة- قيل: له ما أنت ابن اثنتى عشرة؟ قال: مؤنق للبشر (٨)، بالبدو والحضر. قيل: ما أنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر، يعشى له الناظر؛ قيل له: ما أنت ابن أربع عشرة؟ قال: مقتبل الشباب، أضيء مد جنات (٩) السّحاب- وقيل مضئ (١٠) للسحاب- قيل له: ما أنت ابن خمس عشرة؟ قال: تمّ الشّباب، وانتصف الحساب.

стр. 113

قيل له: ما أنت (١) ابن ست عشرة؟ قال: نقص (٢) الخلق، بالغرب والشرق. قيل له: ما أنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنت المقتفر القفرة (٣). قيل له ما أنت ابن ثمانى عشرة (٤)؟ قال: قليل البقاء، سريع الفناء. قيل له: ما أنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيء الطلوع/ بيّن الخشوع. قيل: ما أنت ابن عشرين؟ قال: أطلع بسحرة، وأضيء بالبهرة (٥) - وقيل: ثم أهجّر (٦) بالبهرة- قيل: ما أنت ابن إحدى وعشرين؟ قال: كالقبس؛ يرى بالغلس. قيل: ما أنت ابن اثنين وعشرين؟ قال: لا أطلع إلا ريثما أرى. قيل: ما أنت ابن ثلاث وعشرين، قال: أطلع فى قتمة، ولا أجلو الظّلمة. قيل له: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لا قمر ولا هلال. قيل: ما أنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل، وانقطع الأمل. قيل: ما أنت ابن ست وعشرين؟ قال: دنا ما دنا؛ فلا يرى منّى إلا شفا. قيل: ما أنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا، ولا أرى ظهرا. قيل: ما أنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس. قيل: ما أنت ابن تسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير، فلا يرانى إلا البصير. قيل: ما أنت ابن ثلاثين؟ قال: هلال مستنير (٧). قال الأصمعىّ: ثم قلت للرشيد: يقال إنه لا يحفظ هذا الحديث من الرجال إلا عاقل،

стр. 114

فقال: خذه عليّ، قلت: هات، فأعاده حتّى بلغ: «قيل له: ما أنت ابن ثمان؟ قال: قمر أضحيان». أما قوله: «رضاع سخيلة» أراد تصغير سخلة، والمعنى أنّ القمر يبقى بقدر ما ينزل قوم، فتضع شاتهم سخلة، ثم ترضعها ويرتحلون، فبقاؤه بالأفق بمقدار هذا الزمان. وقوله: «حلّ أهلها برميلة» أظنّ أنّ المعنى فيه الإخبار عن قلة اللّباث وسرعة الانتقال؛ لأن الرّمل ليس بمنزل مقام للقوم؛ لأنهم كانوا يختارون فى منازلهم جلد (١) الأرض وهضبها والأماكن التى لا تستولى السيول عليها، فخصّ الرّميلة لهذا المعنى. وقوله «حديث أمتين، بكذب ومين» يريد أن بقاءه قليل بمقدار ما تلقى الأمة الأمة، فتكذب لها حديثا ثم تفترقان. وقوله: «حديث فتيات، غير جدّ مؤتلفات»، أراد أنه يبقى بقاء فتيات اجتمعن على غير ميعاد، فتحادثن ساعة ثم انصرفن غير مؤتلفات. وقوله «عتمة أم ربع (٢)»، يقال: عتّمت إبله إذا تأخرت عن العشاء، ومن هذا سميّت صلاة العتمة؛ لأنها آخر الوقت فى العشاء، وقوله «أم ربع» يعنى الناقة، وهو تأخير حلبها؛ يريد أن بقاءه بمقدار ما تحلب (٣) ناقة لها ولد ولدته فى أول الربيع/؛ وهو أول النّتاج، والولد فى هذا الوقت يسمّى ربعا، إذا كان ذكرا، فإن كان أنثى قيل ربعة، فإن كان فى آخر النّتاج قيل هبع للذكر وللأنثى هبعة. وقوله: «عشاء خلفات قعس»؛ فالخلفات اللّواتى قد استبان حملهن، واحدتها خلفة، وهى المخاض؛ ولا واحد للمخاض من لفظها (٤)، وإنما قال: «عشاء خلفات»؛ لأنها لا تعشّى إلى أن يغيب القمر فى هذه الليلة، والقعساء الداخلة الظّهر الخارجة البطن. وقوله: «سر وبت» يريد أنه لا يبقى إلا بقدر [ما يبيت الإنسان ثم يسير] (٥)، يريد أنه يبقى بقدر ما يسير الإنسان ثم يبيت،

стр. 115

فقلب المعنى لأنه يسير فى الضوء. وقوله: «قمر إضحيان»؛ أى ضاح وبارز، ويقال: «قمر إضحيان» بالتنوين فيهما جميعا، و «قمر إضحيان» بالإضافة، ومنه قيل: ليلة إضحيانة، إذا كانت نقيّة البياض. وقوله: «منقطع الشّسع»، أراد أنه يبقى بقدر ما تبقّى شسع من قد يمشى به حتى ينقطع. وقوله: «يلتقط فىّ الجزع»، أى أنه مضئ أبلج، لو انقطعت مخنقة فتاة فيها شذور مفصّلة بجزع ما ضاع منها شيء لضيائه ونقائه. وقوله: «أضيء بالبهرة»، يعنى به وسط الليل، لأن بهرة الشيء وسطه. وقوله: «أمكنت المقتفر القفرة»؛ فالمقتفر الّذي يتبع الآثار، ومقتفراته مواضعه التى يقصدها (١).

стр. 116

[٧] مجلس آخر [المجلس السابع: ] تأويل آية [وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ [الإسراء: ٧٢] فقال: كيف يجوز أن يكونوا فى الآخرة عميا، وقد تظاهر الخبر عن الرسول عليه وآله السلام بأنّ الخلق يحشرون كما بدئوا سالمين من الآفات والعاهات، قال الله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ؛ [الأعراف: ٢٩]، وقال : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ؛ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال جلّ وعلا: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ؛ [ق: ٢٢]. الجواب، يقال فى هذه الآية أربعة أجوبة (١): أحدها أن يكون العمى الأول إنما هو عن تأمّل الآيات، والنظر فى الدّلالات والعبر التى أراها الله المكلّفين فى أنفسهم وفيما يشاهدون، ويكون العمى الثانى هو عن الإيمان بالآخرة، والإقرار/ بما يجازى به المكلّفون فيها من ثواب أو عقاب، وقد قال قوم: إن الآية متعلّقة بما قبلها من قوله تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛ [الإسراء: ٦٦] إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا؛ [الإسراء: ٧٠]، ثم قال بعد ذلك: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ يعنى (٢) فى هذه النعم، وعن هذه العبر، فهو فى الآخرة أعمى؛ أى هو عمّا غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى، ويكون قوله: فِي هذِهِ كناية عن النّعم لا عن الدنيا ويقال: إن ابن عباس رحمة الله عليه سأله سائل عن هذه الآية فقال له: اتل ما قبلها، ونبّهه على التأويل الّذي ذكرناه.

стр. 117

والجواب الثانى: مَنْ كانَ فِي هذِهِ يعنى الدنيا أَعْمى عن الإيمان بالله والمعرفة بما أوجب عليه المعرفة به؛ فهو فى الآخرة أعمى عن الجنة والثواب؛ بمعنى أنه لا يهتدى إلى طريقيهما (١)، ولا يوصل إليهما، أو عن الحجة (٢) إذا سوئل (٣) وووقف، ومعلوم أن من ضلّ عن معرفة الله تعالى والإيمان به يكون فى القيامة منقطع الحجة، مفقود المعاذير. والجواب الثالث: أن يكون العمى الأول عن المعرفة والإيمان، والثانى بمعنى المبالغة فى الإخبار عن عظم ما يناله (٤) هؤلاء الكفار الجهال من الخوف والغم والحزن الّذي أزاله الله عن المؤمنين العارفين بقوله: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ؛ [يونس: ٦٢]، ومن عادة العرب أن تسمّى من اشتد همّه وقوى حزنه أعمى سخين العين، ويصفون المسرور بأنّه قرير (٥) العين، قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ؛ [السجدة: ١٧]. والجواب الرابع: أن العمى الأول يكون (٦) عن الإيمان، والثانى هو الآفة فى العين على سبيل العقوبة؛ كما قال الله تعالى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى؛ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. ومن يجيب بهذا الجواب يتأول قوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ على أن المعنى/ فيه الإخبار عن الاقتدار وعدم المشقّة فى الإعادة؛ كما أنها معدومة فى الابتداء، ويجعل ذلك نظيرا لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (٧)؛ [الروم: ٢٧]، ويتأول قوله تعالى فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ على أن معناه الإخبار عن قوة المعرفة، وأن الجاهل بالله فى الدنيا يكون عارفا به فى الآخرة؛ والعرب

стр. 118

تقول: فلان بصير بهذا الأمر؛ وزيد أبصر بكذا من عمرو، ولا يريدون إبصار العين، بل العلم والمعرفة؛ ويشهد بهذا التأويل قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، أى: كنت غافلا عمّا أنت الآن عارف به، فلما أن كشفنا عنك الغطاء بأن أعلمناك وفعلنا فى قلبك المعرفة عرفت وعلمت. فأما الخبر الّذي تدّعى روايته فهو خبر واحد، ولا حجة (١) فى مثله؛ وإذا عرف لفظه ربما أمكن تأوله على ما يطابق هذا الجواب، ومن (٢) ذهب إلى الأجوبة الأول يجعل العمى الأول والثانى معا غير الآفة فى العين، فإن عورض بقوله تعالى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (٣) تأوّله على العمى عن الثواب أو عن الحجة، وقال فى قوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً إن معناه: كنت بصيرا فى اعتقادى وظنّى، من حيث كنت أرجو الهداية إلى الثواب وطريق الجنة. والمحصّل من هذه الجملة أنه لا يجوز أن يراد بالعمى الأول والثانى جميعا الآفة فى العين؛ لأنه يؤدى إلى أن كلّ من كان مئوف (٤) البصر فى الدنيا؛ من مؤمن وكافر وطائع وعاص يكون كذلك فى الآخرة، وهذا باطل وبمثله يبطل أن يراد بلفظة الْأَعْمى الثانية المبالغة بمعنى أفضل من فلان، ويبطله أيضا أن العمى الّذي هو الخلقة لا يتعجب منه بلفظة «أفعل» وإنما يقال: ما أشدّ عماه! ولا يجوز أن يراد بالعمى الأول العين (٥) والثانى العمى عن الثواب والجنة أو الحجة، لأنا نعلم أنّ فيمن (٦) عميت عينه فى الدنيا من يستحق الثواب، ويوصل إليه، ولا يجوز أن يراد بالأول والثانى العمى عن المعرفة والإيمان، لا على طريقة (٧) المبالغة والتعجب/ ولا على غير ذلك؛ لأنا نعلم أنّ الجهال بالله تعالى، المعرضين فى الدنيا عن معرفته

стр. 119

لا يجوز أن يكونوا فى الآخرة كذلك؛ فضلا أن يكونوا على أبلغ من هذه الحالة لأن المعارف فى الآخرة ضرورية، يشترك فيها جميع الناس، فلم يبق بعد الّذي أبطلناه إلا ما دخل فى الأجوبة. وعلى الأجوبة الثلاثة الأول إذا أريد بأعمى الثانية المبالغة والتعجب كان فى موضعه؛ لأن عمى القلب وضلاله يتعجب منه بلفظة «أفعل» وإن لم يجز ذلك فى عمى الجارحة. ولمن أجاب بالجواب الرابع ألّا يجعل قوله تعالى: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى لفظة تعجب، بل يجعله إخبارا عن عماه من غير تعجّب، وإن عطف عليه بقوله تعالى: وَأَضَلُّ سَبِيلًا ويكون تقدير الكلام: ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وهو أضل سبيلا (١). فإن قيل: ولم أنكرتم التعجب من الخلق بلفظة «أفعل»؟ . قلنا: قد قال النحويون فى ذلك: إن الألوان والعيوب لا يتعجّب منها بلفظ التعجّب وإنما يعدل فيها إلى أشدّ وأظهر وما جرى مجراهما؛ قالوا: لأن العيوب والألوان قد ضارعت الأسماء، وصارت خلقة كاليد والرّجل ونحو ذلك؛ فلا يقال: ما أسوده وما أعوره، كما لا يقال: ما أيداه (٢) وما أرجله؛ ويقال: ما أشدّ سواده! كما يقال: ما أشدّ يده ورجله! واعتلوا بعلة أخرى، قالوا: إن الفعل من الألوان والعيوب على «افعلّ» و «افعالّ»، نحو احمرّ واعورّ واحولّ واحوالّ، والتعجب لا يدخل فيما (٣) زاد على ثلاثة أحرف من الأفعال؛ ألا ترى أنه لا يدخل فى انطلق واستخرج ودحرج لزيادته على ثلاثة أحرف (٤)؟

стр. 120

فإن قيل لهم فقد قالوا: عورت عينه وحولت، قالوا: هذا منقول من «افعلّ» وهو فى الحكم زائد على ثلاثة أحرف، يدلّ على ذلك صحة الواو فيه؛ كما صحت فى اسودّ وابيضّ ولولا أنه منقول منه لا عتلت الواو، فقلت: عارت وحالت، كما قيل: خاف وهاب. وحكى عن الفرّاء فى ذلك جوابان: أحدهما أنّ «أفعل» فى التعجب فيه زيادة على وصف قبله إذا قال القائل أفضل وأجمل، فهو أزيد فى الوصف من جميل وفاضل، فلم يقولوا: ما أبيض زيدا! لئلا يسقط/ التزيد (١)، ولا يكون قبل أبيض وصف يزيد أبيض عليه، يخالف لفظه لفظه؛ كما خالف أفضل وأجمل فاضلا وجميلا، فلما فاتهم فى أبيض وأحمر علم التزيد (٢) أدخلوا عليه ما تبين الزيادة فيه، وقالوا: ما أظهر حمرة زيد: وما أشد سواد عمرو! لأن «أظهر» يزيد على ظاهر، و «أشد» يزيد على شديد (٣). والجواب الآخر أنّ التعجب مبنىّ على زيادة فصلح أن يتقدّمها نقص وتقصير عن بلوغ التناهى، فقالوا: ما أعلم زيدا! ليدلّوا على زيادة علمه؛ لأنهم فى قولهم: عالم وعليم لم يبلغوا فى التناهى مبلغ «أعلم»، ولم يقولوا: ما أبيض زيدا! لأن البياض لا تأتى (٤) منه زيادة بعد نقص، فعدلوا إلى التعجب بأشدّ وأبين وما جرى مجراهما، وهذا الجواب ليس بسديد؛ لأنّ الألوان قد تتأتّى فيها الزيادة بعد نقص، وقد تدخل فيها المفاضلة، ألا ترى أنّ ما حلّه قليل أجزاء البياض يكون أنقص حالا فى البياض مما حلّه الكثير من الأجزاء! والجواب الأول الّذي حكيناه عن الفراء أصوب، وإن كان ما قدمناه عن البصريين هو المعتمد (٥) وقد أنشد بعضهم معترضا على ما ذكرناه قول الشاعر:

стр. 121

يا ليتنى مثلك فى البياض ... أبيض من أخت بنى إباض (١) وأنشدوا أيضا قول الشاعر (٢): أمّا الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤما وأبيضهم سربال طبّاخ فأما البيت الأول فإن أبا العباس المبرّد حمله على الشذوذ، وقال: إنّ الشاذّ النادر لا يطعن فى المعمول عليه، والمتفق على صحته، ويجوز أيضا أن يقال فى البيت الثانى مثل ذلك، وقد قيل فى البيت الثانى إنّ أبيض فيه ليس هو الّذي للمفاضلة، وإنما هو أفعل الّذي مؤنثه فعلاء، كقولك أبيض وبيضاء؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم هو حسن [القوم وجها، وشريفهم] (٣) خلقا؛ فكأنّ الشاعر قال: (٤) ومبيضّهم، فلما أضافه انتصب ما بعده لتمام الاسم، وهذا أحسن من حمله على الشذوذ (٥). ويمكن فيه وجه آخر وهو أنّ أبيض فى البيت وإن كان فى الظاهر عبارة عن اللون فهو فى المعنى/ كناية عن اللؤم والبخل، فحمل لفظ التعجب على المعنى دون اللفظ،

стр. 122

ولو أراد بأبيضهم بياض الثوب ونقاءه على الحقيقة لما جاز أن يتعجب بلفظة «أفعل»، فالذى جوّز تعجّبه بهذه اللفظة ما ذكرناه. فأما قول المتنبى: ابعد بعدت بياضا لا بياض له ... لأنت أسود فى عينى من الظّلم (١) فقد قيل فيه إن قوله: «لأنت أسود فى عينى» كلام تام، ثم قال: «من الظلم» أى من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرار (٢)، ولئيم من لئام؛ أى من جملتهم، وقال الشاعر (٣): وأبيض من ماء الحديد كأنّه ... شهاب بدا واللّيل داج عساكره كأنه قال: وأبيض كائن من ماء الحديد، وقوله: «من ماء الحديد» وصف لأبيض، وليس يتّصل به كاتصال «من» بأفضل فى قولك: هو أفضل من زيد، ولفظة «من» فى بيت المتنبى مرفوعة الموضع، لأنها وصف لأسود؛ وإذا أريد المفاضلة والتعجب كانت منصوبة الموضع بأسود (٤) كما تقول زيد خير منك، فمنك فى موضع نصب بخير، كأنه قال: قد خارك يخيرك، أى فضلك فى الخير؛ وهذا التأويل المذكور فى بيت المتنبى يمكن أن يقال فى قول الشاعر: * أبيض من أخت بنى إباض* ويحمل على أنه أراد من جملتها ومن قومها، ولم يرد التعجب وتأوّله على هذا الوجه أولى من حمله على الشذوذ، فأما قول المتنبّي: * ابعد بعدت بياضا لا بياض له*

стр. 123

فالمعنى الظاهر للناس فيه أنه أراد: لا ضياء له ولا نور ولا إشراق، من حيث كان حلوله محزنا مؤذنا بتقضّي الأجل؛ وهذا لعمرى معنى ظاهر؛ إلا أنه يمكن فيه معنى آخر؛ وهو أنّه يريد إنك بياض لا لون بعده، لأن البياض آخر ألوان الشعر، فجعل قوله: «لا بياض له» بمنزلة قوله: لا لون بعده، وإنما سوّغ ذلك له أنّ البياض هو الآتى بعد السّواد، فلما نفى أن يكون للشيب بياض كان نفيا لأن يكون بعده لون. وقد اختلف القراء فى فتح الميم وكسرها من قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو بفتح الميمين معا، وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائىّ بكسر الميم فيهما معا (١)، وفى رواية حفص عن عاصم: لا يكسر هما، وكسر أبو عمرو الأولى وفتح الأخيرة: ولكل وجه، أما من ترك إمالة الجميع؛ فإن قوله حسن، لأن كثيرا من العرب لا يميلون هذه الفتحة، وأما من أمال الجميع فوجه قوله أن ينحو بالألف نحو الياء، ليعلم أنها تنقلب إلى الياء (٢)، وأما قراءة أبى عمرو بإمالة الأولى وفتح الثانية فوجه قوله أنّه جعل الثانية أفعل من كذا مثل أفضل من فلان، وإذا جعلها كذلك لم تقع الألف فى آخر الكلمة؛ لأنّ آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة فى الأواخر، وقد حذف من «أفعل» الّذي هو للتفضيل الجارّ والمجرور جميعا، وهما مرادان فى المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى؛ [طه: ٧]؛ المعنى وأخفى من السر، فكذلك قوله تعالى: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى، أى أعمى منه فى الدنيا، أو أعمى من غيره، ويقوى هذه الطريقة ما عطف عليه من قوله تعالى: وَأَضَلُّ سَبِيلًا، فكما أن هذا لا يكون إلا على «أفعل من كذا» كذلك المعطوف عليه.

стр. 124

تأويل خبر [تقيء الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان] روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان من الذّهب والفضة، فيجئ القاتل فيقول فى مثل هذا: قتلت، ويجيء القاطع الرّحم (١) فيقول فى مثل هذا: قطعت رحمى، ويجيء السارق فيقول فى مثل هذا: قطعت يدى، ثم يتركونه ولا يأخذون منه شيئا». معنى «تقيء» أى تخرج ما فيها من الذهب والفضة، وذلك من علامات قرب الساعة، وقوله: «تقيء» تشبيه واستعارة من حيث كان إخراجا وإظهارا؛ وكذلك تسميته (٢) ما فى الأرض من الكنوز «كبدا» تشبيها (٣) بالكبد التى فى بطن البعير وغيره؛ وللعرب فى هذا مذهب معروف؛ قال مرّة بن محكان (٤) السّعديّ يصف قدرا نصبها للأضياف: لها أزيز يزيل اللحم أزمله ... عن العظام إذا ما استحمشت غضبا (٥) / ترمى الصّلاة بنبل غير طائشة ... وفقا إذا آنست من تحتها لهبا (٦) فوصفها بالغضب تشبيها واستعارة، فأما الأزيز فهو الغليان، والعرب تقول: لجوفه أزيز مثل أزيز المرجل، والأزمل: الصوت، واستحمشت، أى غضبت؛ يقال: حمشه أى أغضبه، وقال النابغة الجعدىّ فى معنى الاستعارة:

стр. 125

سألتنى عن أناس هلكوا ... شرب الدّهر عليهم وأكل (١) فوصف الدهر بالأكل والشرب تشبيها واستعارة. وقال قوم: معنى البيت شرب أهل الدهر بعدهم وأكلوا. واختلف أهل اللغة فى الأفلاذ، فقال يعقوب بن السّكّيت: الفلذ لا يكون إلّا للبعير، وهو قطعة من كبده (٢)، ولا يقال فلذ الشاة، ولا فلذ البقرة، ويقال: اعطنى فلذا من الكبد، وفلذة من الكبد، قال أعشى باهلة: تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها ... من الشّواء ويروى شربه الغمر (٣) الغمر: القدح الصغير؛ وقال يعقوب: ولا يقال: اعطنى حزّة من سنام ولا من لحم، وإنما الحزّة فى الكبد خاصة؛ فإذا أرادوا ذلك من السّنام واللحم قالوا: اعطنى (٤) حذية من لحم؛ وهى القطعة الصغيرة، وفلقة من سنام، وقال الطّوسىّ (٥) عن أبى عبيد عن الأصمعىّ قال: يقال: اعطنى حذية (٦) من لحم، وحزّة من لحم؛ إذا كانت مقطوعة طولا، فإذا كانت مجتمعة قلت: اعطنى بضعة من لحم، وهبرة من لحم، ووذرة من لحم. ومثل هذا الحديث قوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها؛ [الزلزال: ٢]. معناه أخرجت ما فيها من الكنوز، وقال قوم: عنى به الموتى، وأنها أخرجت موتاها، فسمى

стр. 126

تعالى الموتى ثقلا (١) تشبيها بالحمل الّذي يكون فى البطن، لأن الحمل يسمى ثقلا، قال تعالى: فَلَمَّا أَثْقَلَتْ؛ [الأعراف: ١٨٩]. والعرب تقول: إن للسيد الشجاع ثقلا على الأرض، فإذا مات سقط عنها بموته ثقل، قالت الخنساء ترثى أخاها صخرا: أبعد ابن عمرو من آل الشري ... د حلّت به الأرض أثقالها (٢) معناه أنه لما مات حلّ عنها بموته ثقل لسؤدده (٣) وشرفه، وقال قوم: معنى «حلّت» زينت موتاها به، وهو مأخوذ من الحلية؛ وقال الشّمردل اليربوعىّ يرثى أخاه: وحلّت به أثقالها الأرض وانتهى ... لمثواه منها وهو عفّ شمائله (٤) وروى هشام بن المنذر (٥) قال: قال زهير بن أبى سلمى المزنىّ بيتا ثم أكدى، ومرّ به النابغة الذّبيانىّ فقال له: يا أبا أمامة، أجز، قال: ماذا؟ قال: تزال الأرض إمّا متّ خفّا ... وتحيا ما حييت بها ثقيلا (٦) نزلت بمستقرّ العزّ منها ... .... فماذا قال؟ فأكدى والله النابغة أيضا، وأقبل كعب بن زهير وهو غلام، فقال له

стр. 127

أبوه: أجز يا بنيّ، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأول، ومن الثانى قوله: «بمستقرّ العزّ منها»؛ فقال كعب: * فتمنع جانبيها أن يزولا* فقال زهير: أنت والله ابنى. وإنما خصّ الكبد من بين ما يشتمل عليه البطن، لأنه من أطائب الجزور، والعرب تقول: أطائب الجزور: السّنام، والملحاء (١)، والكبد. *** [أبيات للخنساء فى مدح أخيها، ثم استطراد لذكر أبيات تشبهها] قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى، أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن قول الخنساء (٢)، وقد قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجّنت (٣) أباك، فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر (٤) حتّى إذا نزت القلوب وقد ... لزّت هناك العذر بالعذر (٥) وعلا هتاف الناس: أيّهما؟ ... قال المجيب هناك: لا أدرى برزت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجرى أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السّنّ والكبر وهما كأنّهما وقد برزا ... صقران قد حطّا إلى وكر

стр. 128

ويقال: إنه قيل لأبى عبيدة: ليس هذه الأبيات فى مجموع شعر الخنساء، فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك. ولعمرى إنها قد بلغت فى مدح أخيها من غير إزراء على أبيها/ النهاية، لأنها جعلت تقدّم أبيه له عن قدرة منه على المساواة، وعن غير تقصير منه، وإنما (١) أفرج له عن السبق معرفة بحقه، وتسليما لكبره وسنه، وكأنّ الخنساء نظرت فى هذا المعنى إلى قول زهير يصف حمار وحش (٢): فشجّ بها الأماعز فهى تهوى ... هوىّ (٣) الدّلو أسلمها الرّشاء (٤) فليس لحاقه كلحاق إلف ... ولا كنجائها منه نجاء (٥) يقدّمه إذا احتفلت عليها ... تمام السّنّ منه والذّكاء (٦) ويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله فى مخلد بن يزيد بن المهلّب: ما إن أرى كأبيك أدرك شأوه ... أحد ومثلك طالبا لم يلحق تتجاذبان؛ له فضيلة سنّه ... وتلوت بعد مصلّيا لم تسبق (٧)

стр. 129

إن تنزعا وله فضيلة سبقه ... فبمثل شأو أبيك لم يتعلّق ولئن لحقت به على ما قد مضى ... من بعد غايته فأحج وأخلق ويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفىّ المحاربىّ يمدح المهدىّ فى حياة المنصور: لئن فتّ الملوك وقد توافوا ... إليك من السّهولة والوعور (١) لقد فات الملوك أبوك حتّى ... بقوا من بين كأب أو حسير (٢) وجئت وراءه تجرى حثيثا ... وما بك حيث تجرى من فتور

стр. 130

فقال النّاس ما من ذين إلّا ... بمنزلة الخليق من الجدير (١) فإن سبق الكبير فأهل سبق ... له فضل الكبير على الصّغير وإن بلغ الصّغير مدى كبير ... فقد خلق الصّغير من الكبير ومن هذا المعنى قول الشاعر: جياد جرت فى حلبة فتفاضلت ... على قدر الأسنان والعرق واحد (٢) وممّا له بهذا المعنى بعض الشّبه، وإن لم يذكر فيه السّن وتفضيل الكبر قول زهير: / هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا (٣) أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا وروى أنه عرضت على جعفر (٤) بن يحيى بن خالد البرمكيّ جارية شاعرة، فأراد أن يبلوها فقال لها: قولى فى معنى بيتى زهير اللذين ذكرناهما، فقالت:

стр. 131

بلغت- أو كدت- يحيى أو لحقت به ... فنلتما خالدا فى شأو مستبق لكن مضى وتلا يحيى فأنت له ... تال تعلّلت دون الرّكض بالعنق (١) ومن أحسن ما قيل فى المساواة والمقاربة- وهو داخل فى هذا المعنى، مناسب له- قول عبّاد ابن شبل: إذا اخترت من قوم خيار خيارهم ... فكلّ بنى عبد المدان خيار جروا بعنان واحد فضل بينهم ... بأن قيل قد فات العذار عذار (٢) وقول الكميت بن زيد: مصلّ أباه له سابق ... بأن قيل فات العذار العذارا (٣) ومثله قول العتّابىّ- وهو مليح (٤) جدا: كما تقاذف جرد فى أعنّتها ... سبقا بآذانها مرّا وبالعذر (٥) وأول من سبق إلى هذا المعنى زهير فى قوله يصف مطايرة البازى القطاة (٦) ومقاربته لها: دون السّماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذّنابى فلا فوت ولا درك (٧) وقد لحظ أبو نواس هذا المعنى فى قوله يمدح الفضل بن الربيع، ويذكر مقاربته لأبيه فى الفضل (٨) والسؤدد:

стр. 132

ثمّ جرى الفضل فانثنى قدما ... دون مداه من غير ترهيق (١) فقيل رشا سهما يراد به ال ... غاية والنّصل سابق الفوق (٢) ويشاكل ذلك قول البحترىّ فى ابن أبى سعيد الثّغريّ: جدّ كجدّ أبى سعيد إنّه ... ترك السّماك كأنه لم يشرف (٣) قاسمته أخلاقه وهى الرّدى ... للمعتدى، وهى النّدى للمعتفى / فإذا جرى من غاية وجريت من ... أخرى التقى شأوا كما فى المنصف ويشبهه أيضا قوله: وإذا رأيت شمائل ابنى صاعد ... أدّت إليك شمائل ابنى مخلد (٤) كالفرقدين إذا تأمّل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد فأما قول الخنساء: «يتعاوران ملاءة الحضر»، فهى تعنى بالملاءة الغبار، وإنّ عدىّ بن الرّقاع كأنه نظر إليها فى قوله يصف حمارا وأتانا: يتعاوران من الغبار ملاءة ... بيضاء محدثة هما نسجاها (٥)

стр. 133

تطوى إذا وطئا مكانا جاسيا ... وإذا السّنابك أسهلت نشراها (١) وهذا المعنى، وإن كان هو معنى الخنساء بعينه فقد زاد فى استيفائه عليها زيادة ظاهرة، صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها. وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بنى عقيل فقال من قصيدة (٢): يثيران من نسج التّراب عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان

стр. 134

٨ مجلس آخر [المجلس الثامن: ] تأويل آية «*» [وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ] إن سأل سائل عن قوله ﵎: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ؛ [يوسف ١٨]. فقال: كيف وصف الدم بأنه كذب، والكذب من صفات الأقوال لا من صفات الأجسام؟ وأىّ معنى لوصفه الصبر بأنّه جميل؟ ومعلوم أنّ صبر يعقوب ﵇ على فقد ابنه يوسف لا يكون إلا جميلا؟ ولم ارتفع الصبر؟ وما المقتضى لرفعه؟ والجواب، يقال له: أمّا الْكَذِبَ فمعناه أنه مكذوب فيه وعليه، مثل قولهم: هذا ماء سكب وشراب صبّ؛ يريدون مصبوبا ومسكوبا؛ ومثله: ماء غور، ورجل صوم، وامرأة نوح (١)، قال الشاعر: تظلّ جيادهم نوحا عليهم ... مقلّدة أعنّتها صفونا (٢) أراد بقوله: «نوحا» أى نائحة عليهم، ومثله: ما لفلان معقول؛ يريدون عقلا، وما له على هذا الأمر مجلود، يريدون جلدا (٣)، قال الشاعر:

стр. 135

/ حتّى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا وأنشد أبو العباس ثعلب: قد والّذي سمك السّماء بقدرة ... بلغ العزاء وأدرك المجلود وقال الفرّاء وغيره: يجوز فى النحو: «بدم كذبا» بالنصب على المصدر؛ لأنّ جاؤُ فيه معنى كذبوا كذبا، كما قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: ١] فنصب ضبحا (١) على المصدر؛ لأن العاديات بمعنى الضابحات، وإنما كان دما مكذوبا فيه؛ لأن إخوة يوسف [ذبحوا سخلة، ولطخوا قميص يوسف بدمها، وجاءوا أباهم بالقميص، وادّعوا أكل الذئب له، فقال لهم يعقوب] (٢): يا بنيّ، لقد كان هذا الذئب رفيقا حين أكل ابنى، ولم يخرّق قميصه؛ قالوا: بل قتله اللصوص، قال: فكيف قتلوه وتركوا قميصه، وهم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله! . وقد قيل: إنه كان فى قميص يوسف ثلاث آيات: حين قد قميصه من دبر، وحين ألقى على وجه أبيه فارتد بصيرا، وحين جاءوا عليه بدم كذب؛ فتنبه أبوه على أنّ الذئب لو أكله لخرّق قميصه (٣). وو أما وصف الصبر بأنه جميل، فلأن الصبر قد يكون جميلا وغير جميل، وإنما يكون جميلا إذا قصد به وجه الله، وفعل للوجه الّذي وجب، فلما كان فى هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود صحّ وصفه بذلك. وقد قيل إنه أراد صبرا لا شكوى فيه ولا جزع، ولو لم يصفه بذلك لظنّ مصاحبة الشكوى أو الجزع له. وأما ارتفاع قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ فقد قيل إن المعنى: فشأنى صبر جميل، أو الّذي أعتقده صبر جميل (٤). وقال قطرب: معناه فصبرى صبر جميل؛ وأنشدوا:

стр. 136

شكا إلى جملى طول السّرى ... يا جملى ليس إلى المشتكى الدّرهمان كلّفانى ما ترى (١) ... صبر جميل فكلانا مبتلى معناه: فليكن منك صبر جميل. وقد روى أن فى قراءة أبىّ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ بالنصب، وذلك يكون على الإغراء (٢)، والمعنى فاصبرى يا نفس صبرا جميلا، قال ذو الرّمة: ألا إنما ميّ- فصبرا- بليّة ... وقد يبتلى الحرّ الكريم فيصبر (٣) وقال الآخر: أبى الله أن تبقى لحىّ بشاشة ... فصبرا على ما شاءه الله لى صبرا تأويل خبر [قيس بن عاصم حين وفد على الرسول ﵇ وشرح ما ورد فى ذلك من الغريب] / فى الحديث أن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «هذا سيّد أهل الوبر»؛ فقلت: يا رسول الله، ما المال الّذي ليست عليّ فيه تبعة من طالب ولا ضيف؟ فقال ﵇: «نعم المال أربعون، والكثر ستون، وويل لأصحاب المئين! إلا من أعطى الكريمة، ومنح الغزيرة (٤)، ونحر السّمينة، فأكل وأطعم القانع والمعترّ» - وفى رواية أخرى: «إلا من أعطى من رسلها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، ومنح غزيرتها، وأطعم القانع والمعترّ»؛ قلت: يا رسول الله: ما أكرم هذه الأخلاق وأحسنها! إنه لا يحلّ بالوادى الّذي فيه إبلى من كثرتها. فقال: «فكيف (٥) تصنع فى العظيمة» (٦)؟ قلت: أعطى البكر، وأعطى الناب. قال: «فكيف تصنع فى المنحة؟ »، قلت: إنى لأمنح المائة. قال: «فكيف (٥) تعطى الطّروقة؟ »، قلت: يغدو الناس بإبلهم فلا يورّع

стр. 137

رجل عن جمل يخطمه (١) فيمسكه ما بدا له، حتى يكون هو الّذي يردّه. وفى الرواية الأخرى قال: «فكيف تصنع فى الإطراق؟ »، قلت: يغدو الناس فمن شاء أن يأخذ برأس بعير ذهب به. قال: «فكيف تصنع فى الإفقار؟ »، قلت: إنى لأفقر الناب المدبرة والضّرع (٢) الصغيرة، قال: «فكيف تصنع فى المنيحة؟ » قلت: إنى لأمنح فى السنة المائة، قال: «فمالك أحبّ إليك أم مال مواليك؟ » (٣)، قلت: لا، بل مالى، قال: «فإنّ مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت». وفى الرواية الأخرى: «ولبست فأبليت، وسائره لمواليك»، قلت: لا جرم! والله لئن رجعت لأقلّنّ عددها. فلما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بنيّ خذوا عنى، فإنكم لن تأخذوا عن أحد هو أنصح لكم منى، لا تنوحوا عليّ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة، وكفّنونى فى ثيابى التى كنت أصلّي فيها، وسوّدوا أكابركم، فإنكم إذا سوّدتم أكابركم لم يزل لأبيكم فيكم خليفة، وإذا سوّدتم أصاغركم هان أكابركم على الناس، وزهدوا فيكم، وأصلحوا من (٤) عيشكم؛ فإن فيه غنى عن طلب إلى الناس، وإياكم والمسألة؛ فإنها آخر (٥) كسب المرء، وإذا دفنتمونى فأخفوا قبرى عن بكر بن وائل، فقد كانت بيننا خماشات فى الجاهلية، فلا آمن سفيها منهم أن يأتى/ أمرا يدخل عليكم عيبا (٦) فى أبيكم (٧).

стр. 138

فأما قوله: «الكثر ستّون» فمعناه الكثير، تقول العرب: نسأل الله الكثر، ونعوذ به من القلّ؛ أى نسأله الكثير، ونعوذ به من القليل؛ وقال الشاعر: فإنّ الكثر أعيانى قديما ... ولم أقتر لدن أنّى غلام (١) وقال الآخر: وقد يقصر القلّ الفتى دون همّه ... وقد كان لولا القلّ طلّاع أنجد (٢) والكريمة، يعنى بها كرائم ماله. و «أمنح الغزيرة»، أى أعطيها من يحلبها ويردّها، ومن ذلك الحديث: «العارية مؤدّاة، والمنحة (٣) مردودة، والزعيم [غارم، والدّين مقضىّ] (٤)» فالمنحة الناقة أو الشاة يدفعها الرجل إلى من يحلبها وينتفع بلبنها ثم يردها عليه، والزعيم: الكفيل، ويقال له أيضا القبيل (٥) والصّبير والحميل، ومنه قوله تعالى: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ؛ [يوسف: ٧٢]، قال الشاعر: فلست بآمر فيها بسلم ... ولكنّى على نفسى زعيم (٦) وقال آخر: قلت كفّى لك رهن بالرّضا ... فازعمى يا هند قالت قد وجب (٧) معناه اكفلى، ويروى: «فاقبلى»، من القبيل الّذي هو الكفيل أيضا.

стр. 139

وقال الفرّاء: القانع هو الّذي يأتيك فيسألك؛ فإن أعطيته قبل، والمعترّ: الّذي يجلس عند الذبيحة، ويمسك عن السؤال، كأنّه يعرّض فى المسألة ولا يصرّح بها، يقال قنع الرجل قناعة إذا رضى، وقنع قنوعا إذا سأل. فأما قوله: «لا جرم» فقال قوم: معنى جرم كسب، وقالوا فى قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ [النحل: ٦٢]، أنّ «لا» ردّ على الكفار، ثم ابتدأ فقال: جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ بمعنى كسب قولهم أنّ لهم النار، وقال الشاعر: نصبنا رأسه فى رأس جذع ... بما جرمت يداه وما اعتدينا (١) أى: بما كسبت. وقال آخرون: معنى «جرم» حقّ، وتأول الآية بمعنى حقّق قولهم أن لهم النار؛ وأنشدوا: ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أراد: حقّقت فزارة، وروى الفرّاء «فزارة»، بالنصب على معنى كسبت (٢) الطعنة فزارة الغضب/، وقال الفراء: لا جرم فى الأصل مثل لا بدّ، ولا محالة، ثم استعملته العرب فى معنى حقا، وجاءت فيه بجواب الأيمان، فقالوا: لا جرم لأقومنّ؛ كما قالوا: والله لأقومنّ، وفيها لغات، يقال: لا جرم، ولا جرم، بضم الجيم وتسكين الراء، ولا جر، بحذف الميم، ولا ذا جرم؛ قال الشاعر: إنّ كلابا والدى لا ذا جرم (٣) ... لأهدرنّ اليوم هدرا فى النّعم (٤) * هدر المعنّى (٥) ذى الشّقاشيق اللهم (٦) *

стр. 140

والناب: الناقة الهرمة، وجمعها نيب، ومثلها الشارف، قال الشاعر: لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعة ... ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد (١) ويقال للبعير أيضا إذا كبر عوذ، وللأنثى عودة، قال الشاعر: عود على عود من القدم الأول ... يموت بالتّرك ويحيا بالعمل (٢) وهذا من أبيات المعانى، ومعناه بعير عود على طريق متقادم، وسمّى الطريق بأنه عود لتقادمه تشبيها بالبعير، وقوله: * يموت بالترك ويحيا بالعمل* أراد أنه إذ سلك وطرق ظهرت أعلامه، ووضحت طرقه، واهتدى سالكه لسلوكه، ولم يضلّ عن قصده، فكان هذا كالحياة له، وإذا لم يسلك طمست آثاره، وامّحت (٣) معالمه، فلم يهتد فيه راكب لقصد، وكان ذلك كالموت له. فأما «الخماشات» فهى الجنايات والجراحات، : قال ذو الرّمة يذكر الحمار والأتن: رباع لها مذ أورق العود عنده ... خماشات ذحل ما يراد امتثالها (٤)

стр. 141

يريد بقوله: «ما يراد امتثالها»، أى ما يراد اقتصاصها، يقال: أمثلنى من هذا الرجل، وأقدنى وأقصّنى بمعنى واحد. فأما قوله: «لا يورّع»، أى لا يحبس، ولا يمنع، يقال ورّعت الرجل توريعا إذا منعته وكففته، والورع هو المتحرج (١) المانع نفسه مما تدعوه إليه، يقال ورع ورعا ورعة؛ قال لبيد: أكلّ يوم هامتى مقزّعه (٢) ... لا يمنع الفتيان من حسن الرّعة (٣) ويقال: ما ورّع أن فعل كذا وكذا، أى ما كذب (٤)، فأما الورع بالفتح فهو الجبان. وأما الطّروقة/ فهى التى قد حان لها أن تطرق، وهى الحقّة. وقوله فى الرواية الأخرى «إلا من أعطى من رسلها» فالرّسل اللبن. والإفقار: هو أن يركبها الناس، ويحملهم على ظهورها، مأخوذ من فقر الظهر، والإطراق: للفحول هو أن يبذلها لمن ينزيها على إناث إبله. وذكر الإطراق فى هذه الرواية أحبّ إلى من الطّروقة لأنه قد تقدم من قوله: «إنه يعطى الناب والبكر والضرع والمائة» فلا معنى لإعادة ذكر الطّروقة. وقوله فى الجواب «يغدو الناس فلا يورّع رجل عن جمل يخطمه فيمسكه قائدا له (٥) ثم يردّه» لا يحتمل غير الإطراق، ولا يليق بمعنى الطّروقة. *** [بعض أخبار قيس بن عاصم] وكان قيس بن عاصم شريفا فى قومه، حليما ويكنى أبا على، وكان الأحنف بن قيس يقول:

стр. 142

إنما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم؛ أتى بقاتل ابنه فقال: رعبتم الفتى، وأقبل عليه فقال: يا بنيّ لقد نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتتّ فى عضدك، وأشمت عدوّك، وأسأت بقومك؛ خلّوا سبيله؛ وما حلّ حبوته، ولا تغيّر وجهه. وقال ابن الأعرابىّ: قيل القيس: بماذا سدت؟ فقال بثلاث: بذل الندى، وكفّ الأذى، ونصر المولى. وذكر المدائنىّ قال: كان قيس بن عاصم يقول لبنيه: إياكم والبغى، فما بغى (١) قوم قط إلّا قلّوا وذلوا. وكان الرجل من بنيه يظلمه بعض قومه فينهى إخوته أن ينصروه. وقيس بن عاصم هو الّذي حفز الحوفزان (٢) بن شريك الشيبانىّ بطعنة فى يوم جدود (٣)، فسمى الحارث الحوفزان؛ وقال سوّار بن حيّان (٤) المنقرىّ (٥): ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا (٦) وحمران قسرا أنزلته رماحنا ... فعالج غلّا فى ذراعيه مثقلا (٧)

стр. 143

وفى يوم جدود يقول قيس بن عاصم: جزى الله يربوعا بأسوإ سعيها ... إذا ذكرت فى النّائبات أمورها (١) ويوم جدود قد فضحتم ذماركم ... وسالمتم والخيل تدمى نحورها / ستحطم سعد والرّباب أنوفكم ... كما حزّ فى أنف القضيب جريرها - القضيب: الناقة المقتضبة الصعبة؛ وفى قيس يقول عبدة بن الطبيب: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما (٢) سلام امرئ جلّلته منك نعمة (٣) ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما (٤) *** قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: ذاكرنى بعض الأصدقاء بقول أبى دهبل الجمحىّ وهو يعنى ناقته:

стр. 144

وأبرزتها من بطن مكّة عند ما ... أصات المنادى بالصّلاة فأعتما (١) [قصيدة للمؤلف أجاز بها بيت أبى دهبل: وأبرزتها من بطن مكّة عند ما ... أصات المنادى بالصلاة فأعتما ] وسألنى إجازة هذا البيت بأبيات تنضم إليه وأجعل الكناية فيه كأنها كناية عن امرأة لا عن ناقة، فقلت فى الحال: فطيّب مسراها المقام وضوّأت ... بإشراقها بين الحطيم وزمزما (٢) فيا ربّ إن لقّيت وجها تحيّة ... فحىّ وجوها بالمدينة سهّما (٣) تجافين عن مسّ الدّهان وطالما ... عصمن عن الحنّاء كفّا ومعصما وكم من جليد لا يخامره الهوى ... شننّ عليه الوجد حتّى تتيّما (٤) أهان لهنّ النّفس وهى كريمة ... وألقى إليهنّ الحديث المكتّما تسفّهت لمّا أن مررت بدارها ... وعوجلت دون الحلم أن تتحلّما (٥)

стр. 145

فعجت تقرّى دارسا متنكرا ... وتسأل مصروفا عن النّطق أعجما (١) ويوم وقفنا للوداع وكلّنا ... يعدّ مطيع الشّوق من كان أحزما نصرت بقلب لا يعنّف فى الهوى ... وعين متى استمطرتها قطرت دما (٢) [نسب أبى دهبل وذكر بعض أشعاره] وكان أبو دهبل (٣) من شعراء قريش، وممن جمع إلى الطبع التجويد، واسمه وهب بن زمعة بن أسيد (٤) / بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، واسمه تيم ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤىّ بن غالب، وكان اسم جمح تيما، واسم أخيه زيدا؛ وهما ابنا عمرو بن هصيص، فاستبقا إلى غاية، فمضى تيم عن الغاية، فقيل جمح تيم فسمى جمح، ووقف عليها زيد فقيل سهم (٥) زيد، فسمى سهما (٦)؛ فأما كنيته فهى مشتقة من الدّهبلة، وهى المشى الثقيل، يقال دهبل الرجل دهبلة إذا مشى ثقيلا. أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن إبراهيم قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوىّ قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال: قيل لأبى عمرو بن العلاء ما يعجبك من شعر أبى دهبل الجمحىّ؟ فقال قوله: يا عمر حمّ فراقكم عمرا ... وعزمت منّا النّأى والهجرا (٧) يا عمر شيخك وهو ذو شرف ... يرعى الذّمار ويكرم الصّهرا (٨) والله ما أحببت حبّكم ... لا ثيّبا خلقت ولا بكرا (٩)
следующие страницы →