يريد بقوله: «ما يراد امتثالها»، أى ما يراد اقتصاصها، يقال: أمثلنى من هذا الرجل، وأقدنى وأقصّنى بمعنى واحد.
فأما قوله: «لا يورّع»، أى لا يحبس، ولا يمنع، يقال ورّعت الرجل توريعا إذا منعته وكففته، والورع هو المتحرج (١) المانع نفسه مما تدعوه إليه، يقال ورع ورعا ورعة؛ قال لبيد:
أكلّ يوم هامتى مقزّعه (٢) ... لا يمنع الفتيان من حسن الرّعة (٣)
ويقال: ما ورّع أن فعل كذا وكذا، أى ما كذب (٤)، فأما الورع بالفتح فهو الجبان.
وأما الطّروقة/ فهى التى قد حان لها أن تطرق، وهى الحقّة. وقوله فى الرواية الأخرى «إلا من أعطى من رسلها» فالرّسل اللبن. والإفقار: هو أن يركبها الناس، ويحملهم على ظهورها، مأخوذ من فقر الظهر، والإطراق: للفحول هو أن يبذلها لمن ينزيها على إناث إبله. وذكر الإطراق فى هذه الرواية أحبّ إلى من الطّروقة لأنه قد تقدم من قوله: «إنه يعطى الناب والبكر والضرع والمائة» فلا معنى لإعادة ذكر الطّروقة. وقوله فى الجواب «يغدو الناس فلا
يورّع رجل عن جمل يخطمه فيمسكه قائدا له (٥) ثم يردّه» لا يحتمل غير الإطراق، ولا يليق بمعنى الطّروقة.
*** [بعض أخبار قيس بن عاصم]
وكان قيس بن عاصم شريفا فى قومه، حليما ويكنى أبا على، وكان الأحنف بن قيس يقول:
стр. 142
إنما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم؛ أتى بقاتل ابنه فقال: رعبتم الفتى، وأقبل عليه فقال:
يا بنيّ لقد نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتتّ فى عضدك، وأشمت عدوّك، وأسأت بقومك؛ خلّوا سبيله؛ وما حلّ حبوته، ولا تغيّر وجهه.
وقال ابن الأعرابىّ: قيل القيس: بماذا سدت؟ فقال بثلاث: بذل الندى، وكفّ الأذى، ونصر المولى.
وذكر المدائنىّ قال: كان قيس بن عاصم يقول لبنيه: إياكم والبغى، فما بغى (١) قوم قط إلّا قلّوا وذلوا. وكان الرجل من بنيه يظلمه بعض قومه فينهى إخوته أن ينصروه.
وقيس بن عاصم هو الّذي حفز الحوفزان (٢) بن شريك الشيبانىّ بطعنة فى يوم جدود (٣)، فسمى الحارث الحوفزان؛ وقال سوّار بن حيّان (٤) المنقرىّ (٥):
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا (٦)
وحمران قسرا أنزلته رماحنا ... فعالج غلّا فى ذراعيه مثقلا (٧)
стр. 143
وفى يوم جدود يقول قيس بن عاصم:
جزى الله يربوعا بأسوإ سعيها ... إذا ذكرت فى النّائبات أمورها (١)
ويوم جدود قد فضحتم ذماركم ... وسالمتم والخيل تدمى نحورها
/ ستحطم سعد والرّباب أنوفكم ... كما حزّ فى أنف القضيب جريرها
- القضيب: الناقة المقتضبة الصعبة؛ وفى قيس يقول عبدة بن الطبيب:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحّما (٢)
سلام امرئ جلّلته منك نعمة (٣) ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما (٤)
*** قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: ذاكرنى بعض الأصدقاء بقول أبى دهبل الجمحىّ وهو يعنى ناقته:
стр. 144
وأبرزتها من بطن مكّة عند ما ... أصات المنادى بالصّلاة فأعتما (١)
[قصيدة للمؤلف أجاز بها بيت أبى دهبل:
وأبرزتها من بطن مكّة عند ما ... أصات المنادى بالصلاة فأعتما
]
وسألنى إجازة هذا البيت بأبيات تنضم إليه وأجعل الكناية فيه كأنها كناية عن امرأة لا عن ناقة، فقلت فى الحال:
فطيّب مسراها المقام وضوّأت ... بإشراقها بين الحطيم وزمزما (٢)
فيا ربّ إن لقّيت وجها تحيّة ... فحىّ وجوها بالمدينة سهّما (٣)
تجافين عن مسّ الدّهان وطالما ... عصمن عن الحنّاء كفّا ومعصما
وكم من جليد لا يخامره الهوى ... شننّ عليه الوجد حتّى تتيّما (٤)
أهان لهنّ النّفس وهى كريمة ... وألقى إليهنّ الحديث المكتّما
تسفّهت لمّا أن مررت بدارها ... وعوجلت دون الحلم أن تتحلّما (٥)
стр. 145
فعجت تقرّى دارسا متنكرا ... وتسأل مصروفا عن النّطق أعجما (١)
ويوم وقفنا للوداع وكلّنا ... يعدّ مطيع الشّوق من كان أحزما
نصرت بقلب لا يعنّف فى الهوى ... وعين متى استمطرتها قطرت دما (٢)
[نسب أبى دهبل وذكر بعض أشعاره]
وكان أبو دهبل (٣) من شعراء قريش، وممن جمع إلى الطبع التجويد، واسمه وهب بن زمعة بن أسيد (٤) / بن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، واسمه تيم ابن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤىّ بن غالب، وكان اسم جمح تيما، واسم أخيه زيدا؛ وهما ابنا عمرو بن هصيص، فاستبقا إلى غاية، فمضى تيم عن الغاية، فقيل جمح تيم فسمى جمح، ووقف عليها زيد فقيل سهم (٥) زيد، فسمى سهما (٦)؛ فأما كنيته فهى مشتقة من الدّهبلة، وهى المشى الثقيل، يقال دهبل الرجل دهبلة إذا مشى ثقيلا.
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن إبراهيم قال:
حدثنا أحمد بن يحيى النحوىّ قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال: قيل لأبى عمرو بن العلاء ما يعجبك من شعر أبى
دهبل الجمحىّ؟ فقال قوله:
يا عمر حمّ فراقكم عمرا ... وعزمت منّا النّأى والهجرا (٧)
يا عمر شيخك وهو ذو شرف ... يرعى الذّمار ويكرم الصّهرا (٨)
والله ما أحببت حبّكم ... لا ثيّبا خلقت ولا بكرا (٩)
стр. 146
إن كان هذا السّحر منك فلا ... ترعى عليّ وجدّدى السّحرا (١)
إحدى بنى أود كلفت بها ... حملت بلا ترة لنا وترا
وترى لها دلّا إذا نطقت ... تركت بنات فؤاده صعرا (٢)
كتساقط الرّطب الجنىّ من ال ... أقناء لا نثرا ولا نزرا (٣)
ومقالة فيكم عركت لها ... جنبى أريد بها لك العذرا
ومريد سرّكم عدلت به ... عمّا يحاول معدلا وعرا
قالت يقيم لنا لنجزيه ... يوما فخيّم عندها شهرا
ما إن أقيم لحاجة عرضت ... إلا لأبلى فيكم عذرا
وإذا هممت برحلة جزعت ... وإذا أقمنا لم تفد نقرا (٤)
إنى لأرضى ما رضيت به ... وأرى لحسن حديثكم شكرا
/ وروى أبو عمرو الشيبانىّ لأبى دهبل:
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه ... حتى يذوق رجال غبّ ما صنعوا (٥)
وليت رزق رجال مثل نائلهم ... قوت كقوت ووسع كالذى وسعوا (٦)
- ويروى: «ضيق كضيق ووسع كالذى اتسعوا».
وليت للنّاس خطّا فى وجوههم ... تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا
وليت ذا الفحش لاقى فاحشا أبدا ... ووافق الحلم أهل الحلم فاتّدعوا (٧)
стр. 147
ولأبى دهبل فى قتل الحسين بن على صلوات الله عليهما:
تبيت النّشاوى من أميّة نوّما ... وبالطّفّ قتلى ما ينام حميمها (١)
وما ضيّع الإسلام إلّا عصابة ... تأمّر نوكاها ودام نعيمها (٢)
وصارت قناة الدّين فى كفّ ظالم ... إذا مال منها جانب لا يقيمها
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال:
روى أبو عمرو الشيبانىّ لأبى دهبل قال- ويقال إنها للمجنون:
أأترك ليلى ليس بينى وبينها ... سوى ليلة إنى إذا لصبور (٣)
هبونى امرأ منكم أضلّ بعيره ... له ذمّة إنّ الذّمام كبير
ولصاحب المتروك أعظم حرمة ... على صاحب من أن يضلّ بعير (٤)
عفا الله عن ليلى الغداة فإنّها ... إذا وليت حكما عليّ تجور
وروى أبو عمرو الشيبانى لأبى دهبل- وقد رواه أبو تمام فى الحماسة له (٥):
أقول والرّكب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النّشوة السّهر (٦)
يا ليت أنى بأثوابى وراحلتى ... عبد لأهلك طول الدّهر مؤتجر (٧)
إن كان ذا قدر يعطيك نافلة ... منّا ويحرمنا ما أنصف القدر! (٨)
стр. 148
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال: مثل قول أبى دهبل:
ولو تركونا لا هدى الله أمرهم ... فلم يلحموا قولا من الشّرّ ينسج (١)
لأوشك صرف الدّهر تفريق بيننا ... وهل يستقيم الدّهر والدّهر أعوج!
قول العجّاج لرؤبة ابنه يشكوه لما استطال عمره، وتمنى موته:
لمّا رآنى أرعشت أطرافى (٢) ... استعجل الدهر وفيه كاف
يخترم الإلف عن الألّاف
قال ومثله:
عدمت ابن عمّ لا يزال كأنّه ... وإن لم أتره منطو لى على وتر
يعين عليّ الدّهر والدّهر مكتف ... وإن استعنه لا يعنّى على الدّهر
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه ومثل الجميع قول أبى أحمد عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر:
إلى كم يكون العتب فى كلّ ساعة ... وكم لا تملّين القطيعة والهجرا
رويدك إنّ الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فانتظرى الدّهرا
стр. 149
٩ مجلس آخر [المجلس التاسع: ]
تأويل آية «*» [فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ]
إن سأل سائل فقال: ما وجه التّكرار فى سورة الكافرين، وما الّذي حسّن إعادة النفى لكونه عابدا ما يعبدون؛ وكونهم عابدين ما يعبد، وذكر ذلك مرة واحدة يغنى. وما وجه التكرار أيضا فى سورة الرحمن لقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؛ [سورة الرحمن]، الجواب، يقال له: قد ذكر ابن قتيبة فى معنى التّكرار فى سورة الكافرين وجها، وهو أن قال: القرآن لم ينزل دفعة واحدة؛ وإنما كان نزوله شيئا بعد شيء، والأمر فى ذلك ظاهر، فكأن المشركين أتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا له: استلم (١) بعض أصنامنا حتى نؤمن بك؛ ونصدّق بنبوتك، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، ثم غبروا مدة من الزمان وجاءوه/ فقالوا له: اعبد بعض آلهتنا، واستلم بعض أصنامنا يوما أو شهرا أو حولا، لنفعل مثل ذلك بإلهك، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم:
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ؛ أى إن كنتم لا تعبدون إلهى إلا بهذا الشرط فإنكم لا تعبدونه أبدا.
وقد طعن بعض الناس على هذا التأويل بأن قال: إنه يقتضي شرطا وحذفا لا يدل عليه ظاهر الكلام، وهو شرطه فى قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ؛ وإذا كان ما نفاه عن نفسه من عبادته ما يعبدون مطلقا غير مشروط، فكذلك ما عطفه عليه. وهذا الطعن غير صحيح، لأنه لا يمتنع إثبات شرط بدليل، وإن لم يكن فى ظاهر الكلام، ولا يمتنع
عطف المشروط على المطلق بحسب قيام الدلالة.
وعن هذا السؤال ثلاثة أجوبة؛ كلّ واحد منها أوضح مما ذكره ابن قتيبة.
стр. 150
أولها ما حكى عن أبى العباس ثعلب أنه قال: إنما حسن التكرار؛ لأن تحت كلّ لفظة معنى ليس هو تحت الأخرى، وتلخيص الكلام: قل: يا أيها الكافرون: لا أعبد ما تعبدون الساعة وفى هذه الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد فى هذه الحال أيضا، فاختصّ الفعلان منه ومنهم بالحال، وقال من بعد: ولا أنا عابد ما عبدتم فى المستقبل، ولا أنتم عابدون ما أعبد فيما تستقبلون، فاختلف (١) المعانى وحسن التكرار لاختلافها، ويجب أن تكون السورة على هذا الجواب (٢) مختصة بمن المعلوم من حاله (٣) أنه لا يؤمن. وقد ذكر مقاتل وغيره أنها نزلت فى أبى جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد؛ والمستهزءون هم: العاص ابن وائل السّهمىّ، والوليد بن المغيرة، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، وعدىّ ابن قيس.
والجواب الثانى وهو جواب الفراء أن يكون التكرار للتأكيد؛ كقول المجيب مؤكدا:
بلى بلى، والممتنع مؤكدا: لا لا؛ ومثله قول الله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ؛ [التكاثر: ٢، ٣]، وأنشد الفراء:
وكائن وكم عندى لهم من صنيعة ... أيادى ثنّوها عليّ وأوجبوا
وأنشد أيضا:
كم نعمة كانت لكم كم كم وكم
وقال آخر:
/ نغق الغراب ببين لبنى غدوة ... كم كم وكم بفراق لبنى ينغق
[٤] وقال آخر:
стр. 151
أردت لنفسى بعض الأمور ... فأولى لنفسى أولى لها! (١)
والجواب الثالث- وهو أغربها- أننى لا أعبد الأصنام التى تعبدونها، ولا أنتم عابدون ما أعبد؛ أى: أنتم غير عابدين الله الّذي أنا عابده إذ أشركتم به، واتخذتم الأصنام وغيرها معبودة من دونه أو معه، وإنما يكون يكون عابدا له من أخلص له العبادة دون غيره، وأفرده بها؛ وقوله: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ؛ أى لست أعبد عبادتكم، وما فى قوله: ما عَبَدْتُّمْ فى موضع المصدر كما قال تعالى: وَالْأَرْضِ وَما طَحاها: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها؛ [الشمس: ٦، ٧]، أراد: وطحيه إياها وتسويته لها، وقوله تعالى: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ؛ [غافر: ٧٥]، يريد: بفرحكم ومرحكم؛ قال الشاعر:
يا ربع سلّامة بالمنحنى ... بخيف سلع جادك الوابل (٢)
إن تمس وحشا فبما قد ترى ... وأنت معمور بها آهل (٣)
أراد فبرؤيتك معمورا آهلا، ومعنى قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ، أى لستم عابدين عبادتى على نحو ما ذكرناه، فلم يتكرر الكلام إلا لاختلاف المعانى.
وتلخيص ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله قال للكفار لا أعبد آلهتكم، ومن تدعونه من دون الله، ولا أنتم عابدون إلهى، فإن زعمتم أنكم عابدون إلهى فأنتم كاذبون، إذ كنتم من غير الجهة التى أمركم بها تعبدونه، فأنا لا أعبد مثل عبادتكم، ولا أنتم ما دمتم على ما أنتم عليه تعبدون مثل عبادتى.
стр. 152
فإن قيل: أما اختلاف المعبودين فلا شبهة فيه، فما الوجه فى اختلاف العبادة؟ قلنا:
إنه صلى الله عليه وآله كان يعبد من يخلص له العبادة ولا يشرك به شيئا، وهم يشركون، فاختلفت عباداتهما (١)، ولأنه أيضا كان يتقرّب إلى معبوده بالأفعال الشرعية التى تقع على وجه العبادة، وهم لا يفعلون تلك الأفعال، ويتقربون بأفعال غيرها، يعتقدون جهلا أنها عبادة وقربة.
/ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، وظاهر هذا الكلام يقتضي إباحتهم المقام على أديانهم؟ قلنا فى هذا ثلاثة أجوبة: أولها أن ظاهر الكلام وإن كان ظاهره إباحة فهو وعيد ومبالغة فى النهى والزجر؛ كما قال تعالى: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ؛ [فصلت: ٤٠]. وثانيها أنه أراد لكم جزاء دينكم، ولي جزاء دينى، فحذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، وثالثها أنه أراد لكم جزاؤكم ولي جزائى؛ لأن نفس الدين هو الجزاء؛ قال الشاعر:
إذا ما لقونا لقيناهم ... ودنّاهم مثل ما يقرضونا
فأما التكرار فى سورة الرحمن فإنما حسن للتقرير بالنّعم المختلفة المعدّدة، فكلما ذكر نعمة أنعم بها قرّر عليها (٢)، ووبّخ على التكذيب بها؛ كما يقول الرجل لغيره: ألم أحسن إليك بأن خولتك الأموال! ألم أحسن إليك بأن خلّصتك من المكاره! ألم أحسن إليك بأن فعلت بك كذا وكذا! فيحسن منه التكرير (٣) لاختلاف ما يقرره به، وهذا كثير فى كلام العرب وأشعارهم
[إيراد طائفة من شعر العرب مما وقع فيه التكرار]
قال مهلهل بن ربيعة يرثى أخاه كليبا (٤):
стр. 153
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا طرد [اليتيم عن الجزور] (١)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا رجف العضاه من الدّبور (٢)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خرجت مخبّأة الخدور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثّغور
على أن ليس عدلا من كليب ... غداة تلاتل الأمر الكبير (٣)
على أن ليس عدلا من كليب ... إذا ما خام جار المستجير (٤)
وقالت ليلى الأخيليّة ترثى توبة بن الحميّر:
/ لنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت ... صدور الأعالى واستشال الأسافل (٥)
ونعم الفتى يا نوب كنت ولم تكن ... لتسبق يوما كنت فيه تحاول (٦)
стр. 154
ونعم الفتى يا توب كنت لخائف ... أتاك لكى يحمى ونعم المجامل (١)
ونعم الفتى يا توب جارا وصاحبا ... ونعم الفتى يا توب حين تفاضل (٢)
لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده ... بجدّ ولو لامت عليه العواذل
[لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده ... ويكثر تسهيدى له لا أوائل] (٣)
لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده ... ولو لام فيه ناقص الرائى جاهل (٤)
لعمرى لأنت المرء أبكى لفقده ... إذا كثرت بالملحمين التلاتل (٥)
أبى لك ذمّ الناس يا توب كلما ... ذكرت أمور محكمات كوامل
أبى لك ذمّ الناس يا توب كلّما ... ذكرت سماح حين تأوى الأرامل
فلا يبعدنك الله يا توب إنّما ... لقيت حمام الموت والموت عاجل
ولا يبعدنك الله يا توب إنها ... كذاك المنايا عاجلات وآجل
ولا يبعدنك الله يا توب والتقت ... عليك الغوادى المدجنات الهواطل (٦)
فخرجت فى هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعانى التى عددناها على نحو ما ذكرناه (٧).
стр. 155
وقال الحارث بن عباد-:
قرّبا مربط النّعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيال (١)
ثم كرر قوله: «قرّبا مربط النعامة» فى أبيات كثيرة من القصيدة للمعنى الّذي ذكرناه.
وقالت ابنة عم للنعمان بن بشير ترثى زوجها:
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا ... أقام ونادى صحبه برحيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا ... ضروب بنصل السّيف غير نكول
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا ... جواد بما فى الرّحل غير بخيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا ... خفيف على الحدّاث غير ثقيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكا ... صروم كماضى الشّفرتين صقيل
وهذا المعنى أكثر من أن نحصيه. وهذا هو الجواب عن التكرار فى سورة المرسلات بقوله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
стр. 156
فإن قيل: إذا كان الّذي حسّن التكرار فى سورة الرحمن ما عدّده من آلائه، ونعمه فقد عدّد فى جملة ذلك ما ليس بنعمة، وهو قوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ [آية: ٣٥]، وقوله: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (١) [آية: ٤٣، ٤٤]. فكيف يحسن أن يقول بعقب هذا: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وليس هذا من الآلاء والنعم؟ قلنا: الوجه فى ذلك أن فعل العقاب وإن لم يكن نعمة فذكره ووصفه والإنذار به من أكبر النعم، لأن فى ذلك زجرا عمّا يستحقّ به العقاب وبعثا على ما يستحق به الثواب، فإنما أشار بقوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، بعد ذكر جهنم والعذاب فيها إلى نعمته بوصفها والإنذار بعقابها، وهذا مما لا شبهة (٢) فى كونه نعمة.
فصل [فى أخبار الدهريين والزنادقة المتهتكين ممن كانوا فى صدر الإسلام]
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وكما أنه كان فى الجاهلية وقبل الإسلام وفى ابتدائه قوم يقولون بالدهر، وينفون الصانع، وآخرون مشركون يعبدون غير خالقهم، ويستنزلون الرزق من غير رازقهم أخبر الله تعالى عنهم فى كتابه، وضرب لهم الأمثال، وكرّر عليهم البينات والأعلام، فقد نشأ بعد هؤلاء جماعة ممن يتستّر بإظهار الإسلام ويحقن بإظهار شعاره والدخول فى جملة أهله دمه وماله زنادقة ملحدون، وكفار مشركون؛ فمنعهم (٣) عزّ الإسلام عن المظاهرة والمجاهرة، وألجأهم خوف القتل إلى المساترة؛ وبلية هؤلاء على الإسلام وأهله أعظم وأغلظ، لأنهم يدغلون فى الدين، ويموّهون على المستضعفين، بجأش رابط، ورأى جامع؛ فعل من قد أمن الوحشة، ووثق بالأنسة، بما يظهره (٤) من لباس الدين، الّذي هو منه على الحقيقة عار، وبأثوابه غير متوار، كما يحكى أنّ عبد الكريم بن أبى العوجاء قال لما قبض عليه محمد بن سليمان، وهو والى الكوفة من قبل
стр. 157
المنصور، وأحضره/ للقتل، وأيقن بمفارقة الحياة (١): لئن قتلتمونى لقد وضعت فى أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة مصنوعة (٢).
والمشهورون من هؤلاء الوليد بن يزيد بن عبد الملك، والحمادون: حمّاد الراوية، وحمّاد ابن الزّبرقان، وحمّاد عجرد؛ وعبد الله بن المقفع، وعبد الكريم بن أبى العوجاء، وبشار بن برد، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد الحارثىّ، وصالح بن عبد القدوس الأزدىّ، وعليّ بن خليل الشّيبانى، وغير هؤلاء ممن لم نذكره؛ وهم وإن كان عددهم كثيرا فقد أقلهم الله وأذلهم (٣) بما شهدت به دلائله الواضحة، وحججه اللائحة على عقولهم من الضعف، وآرائهم من السّخف.
ونحن نذكر من أخبار كلّ واحد ممن ذكرناه وتهمته فى دينه نبذة (٤)، ونومئ فيها إلى جملة (٥). والّذي دعانا إلى التشاغل بذلك- وإن كانت عنايتنا بغيره أقوى- مسئلة من نرى إجابته، ونؤثر موافقته، فتكلفناه له ومن أجله، مع أنه غير خال من فائدة ينفع علمها، ويتأدب بروايتها وحفظها.
*** [أخبار الوليد بن يزيد بن عبد الملك]
أما الوليد (٦) فكان مشهورا بالإلحاد، متظاهرا بالعناد، غير محتشم فى اطّراح الدين أحدا،
стр. 158
ولا مراقب فيه بشرا؛ وفى الحديث أنه ولد لأخى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله غلام فسمّوه الوليد، فقال
النبي صلى الله عليه وآله: «سمّيتموه بأسماء فراعنتكم! ليكوننّ فى هذه الأمة رجل يقال له الوليد، لهو شرّ على هذه الأمة من فرعون على قومه». قال الأوزاعىّ:
فسألت الزّهرىّ عنه فقال: إن استخلف الوليد بن يزيد، وإلّا هو الوليد بن عبد الملك.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدّثني محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال: كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك قد عزم على أن يبنى فوق البيت الحرام قبّة يشرب عليها الخمور، ويشرف على الطّواف، فقال بعض الحجبة (١): لقد رأيت المجوسىّ البنّاء فوق الكعبة؛ وهو يقدّر مواضع أركان القبة، فلم تمس (٢) تلك الليلة حتى وافى الخبر بقتل الوليد.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرىّ/ عن أبى إسحاق الطّلحىّ قال أخبرنى أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل عن أبى العالية عن بعض أهل العلم قال:
قال يزيد بن الوليد- وهو الملقّب بالناقص (٣) لما ولى: نشدت الله رجلا سمع شيئا من الوليد إلا أخبر به! فقام ثور بن يزيد فقال: أشهد لسمعته (٤) وهو يقول:
اسقيانى وابن حرب ... واسترانا بإزار
واتركا من طلب الجنّة ... يسعى فى خسار
سأسوس النّاس حتى ... يركبوا دين الحمار (٥)
وأخبرنا المرزبانىّ قال: أخبرنى أحمد بن خالد النخّاس قال: حدثنا محمد بن مكحول قال:
стр. 159
نشر الوليد بن يزيد يوما المصحف، وكان خطّه كأنّه أصابع، وجعل يرميه بالسهام وهو يقول (١):
تذكّرنى الحساب ولست أدرى ... أحقّا ما تقول من الحساب
فقل لله يمنعنى طعامى ... وقل لله يمنعنى شرابى
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى أدام الله علوه: ويله من هذه الجرأة على الله ويلا طويلا! وما أقدر الله أن يمنعه طعامه وشرابه وحياته! وما أولاه اللعين بأليم العذاب وشديد العقاب! لولا ما تتمّ به المحنة، وينتظم به التكليف؛ من تأخير المستحق من الثواب والعقاب، وتبعيدهما من أحوال الطاعات والمعاصى.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدثنى أحمد بن كامل قال: كان الوليد بن يزيد زنديقا وإنه فتح (٢) المصحف يوما فرأى فيه: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ؛ [إبراهيم: ١٥]، فاتخذ المصحف غرضا ورماه بالنّبل حتى مزّقه؛ وهو يقول:
أتوعد كلّ جبّار عنيد ... فها أنا ذاك جبّار عنيد
فإن لاقيت ربّك يوم حشر ... فقل يا ربّ خرّقنى الوليد (٣)
***
стр. 160
[أخبار حماد الراوية]
وأما حمّاد الرواية فكان منسلخا من الدين، زاريا على أهله، مدمنا لشرب الخمور وارتكاب الفجور.
وقال عمرو بن بحر الجاحظ: كان منقذ بن زياد الهلالىّ، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد، وحفص بن أبى ودّة (١)، وقاسم بن زنقطة، وابن المقفّع، ويونس بن أبى فروة، وحمّاد عجرد/ وعليّ بن الخليل، وحمّاد بن أبى ليلى الرواية، وحمّاد بن الزّبرقان، ووالبة بن الحباب، وعمارة بن حمزة بن ميمون، ويزيد بن الفيض، وجميل بن محفوظ المهلّبىّ، وبشار ابن برد المرعّث، وأبان اللّاحقىّ؛ يجتمعون على الشّرب وقول الشعر، ويهجو بعضهم بعضا، وكلّ منهم متّهم فى دينه (٢).
стр. 161
وعمل يونس بن أبى فروة كتابا فى مثالب العرب وعيوب الإسلام بزعمه، وصار به إلى ملك الروم، فأخذ منه مالا. وقال أحمد بن يحيى النحوىّ قال رجل يهجو حمّاد الراوية:
نعم الفتى لو كان يعرف ربّه ... ويقيم وقت صلاته حمّاد
بسطت مشافره الشّمول فأنفه ... مثل القدوم يسنّها الحدّاد
وابيضّ من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد
لا يعجبنّك بزّه ولسانه ... إنّ المجوس يرى لها أسباد (١)
وكان حمّاد مشهورا بالكذب فى الرواية وعمل الشعر، وإضافته إلى الشعراء المتقدمين ودسّه فى أشعارهم؛ حتى إن كثيرا من الرواة قالوا: قد أفسد حمّاد الشعر، لأنه كان رجلا يقدر على صنعته فيدس فى شعر كل رجل منهم (٢) ما يشاكل طريقته، فاختلط لذلك الصحيح بالسقيم؛ وهذا الفعل منه، وإن لم يكن دالّا على الإلحاد فهو فسق وتهاون بالكذب فى الرواية (٣).
*** [أخبار حمّاد بن الزّبرقان]
وأما حمّاد بن الزّبرقان فهذه طريقته فى التخرّم (٤) والتهتك؛ أخبرنا أبو الحسن عليّ
стр. 162
ابن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا الأشناندانىّ قال: دعا حمّاد بن الزبرقان (١) أبا الغول النّهشلىّ إلى منزله وكانا يتقارضان (٢)، فانتهره أبو الغول، فلم يزل المفضّل به حتى أجابه، وانطلق معه، فلما رجع إلى المفضّل قال: ما صنعت أنت وحماد؟ قال: اصطلحنا على ألّا آمره بالصلاة، ولا يدعونى إلى شرب الخمر، وأنشد المفضّل قوله:
* نعم الفتى لو كان يعرف ربّه*
وذكر الأبيات التى تقدّمت فى الرواية الأخرى منسوبة إلى هجاء حماد الرواية.
*** [أخبار حمّاد عجرد]
فأما حمّاد عجرد فشهرته فى الضّلالة/ كشهرة الحمّادين، وكان يرمى مع ذلك بالتّثنية.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن عبد الله الفارسىّ قال أخبرنى أبى قال حدّثني ابن مهرويه (٣) قال حدثنى عليّ بن عبد الله بن سعد قال حدّثني السّرىّ بن الصّباح الكوفىّ قال: دخلت على بشّار بالبصرة، فقال لى: يا أبا عليّ، أما إنّى قد أوجعت صاحبكم، وبلغت منه- يعنى حمّاد عجرد- فقلت: بماذا يا أبا معاذ؟ فقال: بقولى فيه:
يا ابن نهيا رأس عليّ ثقيل ... واحتمال الرّأسين خطب جليل
فادع غيرى إلى عبادة ربّين ... فإنى بواحد مشغول
فقلت لم (٤) أدعه فى عماه؟ ثم قلت له: قد بلغ حمادا هذا الشعر، وهو يرويه على خلاف هذا قال: فما يقول؟ قلت يقول:
فادع غيرى إلى عبادة ربّين ... فإنى عن واحد مشغول
قال فلما سمعه أطرق وقال: أحسن والله ابن الفاعلة! ثم قال: إننى لا أحتشمك، فلا تنشد أحدا هذين البيتين؛ وكان إذا سئل عنهما بعد ذلك قال: ما هما لى!
стр. 163
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى عليّ بن هارون عن عمه يحيى بن عليّ عن عمر بن شبّة قال حدّثني خلّاد الأرقط قال قال بشار: بلغنى أن رجلا كان يقرأ القرآن وحمّاد ينشد الشعر، فاجتمع الناس على القارئ فقال حمّاد: علام تجتمعون؟ فو الله ما أقول (١) أحسن مما يقول! فمقته الناس على هذا.
وروى ابن شبّة عن أبى عبيدة قال: كان حمّاد عجرد يعيّر بشارا بالقبح؛ لأنه كان عظيم الجسم، مجدورا، طويلا، جاحظ العينين، قد تغشّاهما لحم أحمر؛ فلما قال حماد فيه:
والله ما الخنزير فى نتنه ... بربعه فى النّتن أو خمسه
بل ريحه أطيب من ريحه ... ومسّه ألين من مسّه
ووجهه أحسن من وجهه ... ونفسه أفضل من نفسه
وعوده أكرم من عوده ... وجنسه أكرم من جنسه
/ فقال بشار: ويلى على الزّنديق! لقد نفث بما فى صدره، قيل: وكيف ذاك؟ قال:
ما أراد الزّنديق إلا قول الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ [التين: ٤]، فأخرج الجحود بها مخرج هجائى، وهذا خبث من بشار وتغلغل شديد لطيف.
وأول من جعل نفى الإلحاد تأكيدا للوصف به، وأخرج ذلك مخرج المبالغة مساور الوراق فى حمّاد عجرد فقال:
لو أنّ مانى وديصانا وعصبتهم ... جاءوا إليك لما قلناك زنديق
أنت العبادة والتّوحيد مذ خلقا ... وذا التّزندق نيرنج مخاريق (٢)
[أخبار ابن المقفع، وإيراد بعض كلامه]
فأما ابن المقفع (٣) فإنّ جعفر بن سليمان روى عن المهدىّ أنه قال: ما وجدت كتاب
стр. 164
زندقة قط إلّا وأصله ابن المقفع. روى ابن شبّة قال: حدّثني من سمع ابن المقفع وقد مر ببيت نار المجوس (١) بعد أن أسلم، فلمحه وتمثّل:
يا بيت عاتكة الّذي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل (٢)
إنّى لأمنحك الصّدود وإننى ... قسما إليك مع الصّدود لأميل (٣)
وروى أحمد بن يحيى ثعلب قال: قال ابن المقفع يرثى يحيى بن زياد- وقال الأخفش:
والصحيح أنه يرثى بها ابن أبى العوجاء:
رزئنا أبا عمرو ولا حىّ مثله ... فلله ريب الحادثات بمن وقع!
فإن تك قد فارقتنا وتركتنا ... ذوى خلّة ما فى انسداد لها طمع
لقد جرّ نفعا فقدنا لك أنّنا ... أمنّا على كلّ الرّزايا من الجزع
قال ثعلب: البيت الأخير يدلّ على مذهبهم فى أن الخير ممزوج بالشر، والشرّ ممزوج بالخير.
وأخبرنى عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبىّ من حفظه قال حدثنا خالد بن خداش قال: كان الخليل بن أحمد يحب أن يرى
стр. 165
عبد الله بن المقفّع، وكان ابن المقفّع يحب ذلك، فجمعهما عبّاد بن عبّاد المهلبىّ فتحادثا ثلاثة أيام ولياليهنّ، فقيل للخليل: كيف رأيت عبد الله؟ قال: ما رأيت مثله، وعلمه أكبر من عقله، / وقيل لابن المقفّع: كيف رأيت الخليل؟ قال: ما رأيت مثله، وعقله أكبر من علمه. قال المغيرة: فصدقا، أدّى [عقل الخليل الخليل إلى أن مات أزهد الناس] (١)، وجهل ابن المقفّع أدّاه إلى أن كتب أمانا لعبد الله بن عليّ فقال فيه: ومتى غدر أمير المؤمنين بعمّه عبد الله فنساؤه طوالق؛ ودوابّه حبس (٢)، وعبيده أحرار، والمسلمون فى حلّ من بيعته. فاشتد ذلك على المنصور جدّا وخاصة أمر البيعة، وكتب إلى سفيان بن معاوية المهلّبىّ وهو أمير البصرة من قبله بقتله، فقتله.
وكان ابن المقفع مع قلّة دينه جيّد الكلام، فصيح العبارة، له حكم وأمثال مستفادة؛ من ذلك ما روى من أن يحيى
بن زياد الحارثىّ كتب إليه يلتمس معاقدة الإخاء والاجتماع على المودّة والصفاء، فأخّر جوابه، فكتب إليه كتابا آخر يسترثيه، فكتب إليه عبد الله:
إنّ الإخاء رقّ؛ فكرهت أن أملّكك رقّى قبل أن أعرف حسن ملكتك.
وكان يقول: «ذلّل نفسك بالصبر على الجار السوء، والعشير السوء، والجليس السوء، فإنّ ذلك لا يكاد يخطئك».
وكان يقول: «إذا نزل بك أمر مهمّ فانظر؛ فإن كان ممّا له حيلة فلا تعجز، وإن كان مما لا حيلة فيه فلا تجزع».
ودعاه عيسى بن عليّ إلى الغداء فقال: «أعزّ الله الأمير! لست يومى للكرام أكيلا»، قال: ولم؟ قال: «لأنّى مزكوم والزّكمة قبيحة الجوار، مانعة من عشرة الأحرار».
وكتب إلى بعض إخوانه: «أمّا بعد، فتعلّم العلم ممّن هو أعلم به منك، وعلّمه من
стр. 166
أنت أعلم به منه، فإنك إذا فعلت ذلك علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت».
وقال لبعض الكتّاب: «إياك والتتبّع لوحشىّ الكلام طمعا فى نيل البلاغة، فإن ذلك هو العىّ الأكبر».
وقال لآخر: «عليك بما سهل من الألفاظ؛ مع التجنّب لألفاظ السّفلة».
وقيل له: ما البلاغة؟ فقال: «التى إذا سمعها الجاهل ظنّ أنه يحسن مثلها».
وقال: «لا تحدّث من تخاف تكذيبه، ولا تسأل من تخاف منعه، ولا تعد بما لا تقدر على (١) إنجازه، ولا تضمن ما لا تثق بالقدرة عليه، ولا ترج ما تعنّف برجائه، ولا تقدم (٢) على ما تخاف العجز عنه».
وقال لبعض إخوانه/: «إذا صاحبت ملكا فاعلم أنّهم قد ينسبون إلى قلة الوفاء، فلا تشعرنّ قلبك استبطاءه، فإنه لم يشعر أحد قلبه إلّا ظهر على لسانه إن كان سخيفا (٣)، وعلى وجهه إن كان حليما».
وكان يقول: «إنّ مما سخّى بنفس العالم عن الدنيا علمه بأن الأرزاق لم تقسم فيها على قدر الأخطار» (٤).
*** [أخبار ابن أبى العوجاء]
فأما ابن أبى العوجاء فقد ذكرنا ما روى من اعترافه بدسّه فى أحاديث النبي صلى الله عليه وآله أحاديث مكذوبة. وروى أنه رأى عدلا قد كتب عليه آية الكرسىّ فقال لصاحبه:
لم كتبت هذا عليه؟ فقال: لئلا يسرق، فقال: قد رأينا مصحفا سرق! .
ولبشّار فيه:
قل لعبد الكريم يا ابن أبى العو ... جاء بعت الإسلام بالكفر موقا (٥)
стр. 167
لا تصلّى ولا تصوم فإن صم ... ت فبعض النّهار صوما رقيقا (١)
لا تبالى إذا أصبت من الخم ... ر عتيقا ألّا تكون عتيقا
ليت شعرى غداة حلّيت فى الجن ... د حنيفا حلّيت أم زنديقا (٢)
*** [أخبار بشّار بن برد]
فأمّا بشّار بن برد فروى المازنىّ قال: قال رجل لبشّار: أتأكل اللحم وهو مباين لديانتك؟ - يذهب إلى أنّه ثنوىّ (٣) - فقال بشار: إنّ هذا اللحم يدفع عنّى شرّ هذه الظلمة.
قال المبرّد: ويروى أنّ بشارا كان يتعصّب للنار على الأرض، ويصوّب رأى إبليس فى الامتناع عن السجود، وروى له:
النّار مشرقة والأرض مظلمة ... والنّار معبودة مذ كانت النّار
وروى بعض أصحابه قال: كنا إذا حضرت الصلاة نقوم إليها، ويقعد بشار، فنجعل حول ثيابه (٤) ترابا؛ لننظر: هل يصلّى، فنعود والتراب بحاله ولم يقم إلى الصّلاة.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني على بن عبد الله الفارسىّ قال: أخبرنى أبى قال: حدّثني ابن مهرويه عن أحمد بن خلّاد قال: حدثنى أبى قال: كنت أكلّم بشارا وأردّ عليه سوء مذهبه بميله إلى الإلحاد، فكان يقول: لا أعرف إلا ما عاينت أو عاينه معاين؛ وكان الكلام يطول بيننا، فقال لى: ما أظنّ الأمر (٥) يا أبا مخلد إلا كما يقال: إنه
خذلان؛ ولذلك أقول:
стр. 168
/ طبعت على ما فىّ غير مخيّر ... هواى ولو خيّرت كنت المهذّبا
أريد فلا أعطى وأعطى ولم أرد ... وغيّب عنّى أن أنال المغيّبا
وأصرف عن قصدى وعلمى مبصر ... فأمسى وما أعقبت إلّا التّعجّبا
قال الجاحظ: كان بشّار صديقا لواصل بن عطاء الغزّال قبل أن يظهر مذاهبه المكروهة، وكان بشّار مدح واصل بن عطاء، وذكر خطبته التى نزع منها الراء (١)، وكانت على البديهة فقال:
تكلّف القول والأقوام قد حفلوا ... وحبّروا خطبا ناهيك من خطب!
فقام مرتجلا تغلى بداهته ... كمرجل القين لمّا حفّ باللهب (٢)
وجانب الرّاء لم يشعر به أحد ... قبل التّصفّح والإغراق فى الطّلب
ومثل ذلك قول بعضهم فى واصل بن عطاء:
ويجعل البرّ قمحا فى تكلّمه ... وجانب الرّاء حتّى احتال للشّعر
ولم يقل مطرا والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
فلما أظهر بشار مذاهبه هتف (٣) به واصل، وقام بذكره وتكفيره وقعد، فقال بشار فيه:
ما لي أشايع غزّالا له عنق ... كنقنق الدّوّ إن ولى وإن مثلا (٤)
عنق الزّرافة ما بالى وبالكم ... تكفّرون رجالا أكفروا رجلا (٥)
стр. 169
فلما تتابع على واصل ما يشهد بإلحاده قال عند ذلك: أما لهذا الأعمى الملحد! أما لهذا المشنّف المكتنى (١) بأبى معاذ من يقتله! أما والله لولا أنّ الغيلة سجية من سجايا الغالية لدسست إليه من يبعج بطنه فى جوف منزله على مضجعه، أو فى يوم حفله، ثم كان لا يتولّى ذلك إلّا عقيلىّ أو سدوسىّ، فعدل واصل بن عطاء من الضّرير إلى الأعمى، ومن الكافر إلى الملحد، ومن المرعّث إلى المشنّف، ومن بشّار إلى أبى معاذ، ومن الفراش إلى المضجع وزاد قوم فقالوا: ومن أرسلت إلى دسست، ومن يبقر إلى يبعج، ومن داره إلى منزله، ومن المغيريّة (٢) إلى الغالية/، والأول أشبه بأن يكون مقصودا، وما ذكرت (٣) ثانيا قد يتّفق استعماله من غير عدول عن استعمال الراء.
فأما قوله: «لا يتولّى ذلك إلا عقيلىّ [أو سدوسىّ] (٤)» فلأن بشارا كان مولى لهم، وذكره بنى سدوس لأن بشارا كان ينزل فيهم. فأما لقب بشّار بالمرعّث فقد قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه لقّب بذلك لبيت قاله وهو:
قال ريم مرعّث ... فاتر الطّرف والنّظر
لست والله قاتلى (٥) ... قلت أو يغلب القدر
والقول الثانى أنّه كان لبشّار ثوب له جيبان: أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فكان إذا أراد لبسه يضمّه عليه ضمّا، من غير أن يدخل رأسه فيه، فشبّه استرسال الجيبين وتدلّيهما بالرّعاث، وهى القرطة، فقيل: المرعّث، وقال أبو عبيدة: إنّما سمّى المرعّث لأنه كان يلبس فى صباه رعاثا، وهذا هو القول الثالث.
وكان بشّار مقدما فى الشعر جدا حتى إن كثيرا من الرّواة يلحقه بمن تقدّم عصره عليه
стр. 170
من المجوّدين. وأخبرنا المرزبانىّ عن محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن الحسين اليشكريّ (١) قال: قيل لأبى حاتم: من أشعر الناس؟ قال الّذي يقول:
ولها مبسم كغرّ الأقاحى ... وحديث كالوشى وشى البرود
نزلت فى السّواد من حبّة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد
عندها الصّبر عن لقائى وعندى ... زفرات يأكلن صبر الجليد
- يعنى بشارا؛ قال: وكان يقدّمه على جميع الناس، ولما قال بشار:
بنى أميّة هبّوا طال نومكم ... إنّ الخليفة يعقوب بن داود (٢)
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الزّقّ والعود (٣)
فبلغ ذلك المهدىّ فوجد عليه، وكان ذلك سبب قتله (٤).
стр. 171
١٠ مجلس آخر [المجلس العاشر: ]
[أخبار مطيع بن إياس: ]
فأما مطيع بن إياس الكنانىّ (١) فأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ عن عليّ بن هارون عن عمه يحيى بن/ عليّ عن أبى أيوب المدنىّ عن أحمد بن إبراهيم الكاتب قال أخبرنى أبى قال: رأيت بنتا لمطيع بن إياس قد أتى بها فى أول أيام الرشيد، فأقرّت بالزّندقة وقراءتها وتابت، وقالت: هذا شيء علمنيه أبى، فقبل الرشيد توبتها، وردها إلى أهلها.
وقال محمد بن داود بن الجراح فى أخبار مطيع بن إياس أنه كان يرمى بالزّندقة، وروى أنه لما حضرته الوفاة أحاط به أهل بيته، فأقبلوا يقولون له: قل يا مطيع: لا إله إلا الله، فلا يقول حتى إذا صارت نفسه فى [ثغرته كرّ يتنفس] (٢)، ثم أهوى إلى الكلام، فقالوا له:
قل لا إله إلا الله، فتكلم كلاما ضعيفا فتسمّعوا له، فإذا هو يقول:
لهف نفسى على الزّمان وفى ... أىّ زمان دهتنى الأزمان
حين جاء الرّبيع واستقبل الصّي ... ف وطاب الطّلاء والريحان (٣)
قال المرزبانىّ: وهذا الحديث يرويه (٤) الهيثم بن عدىّ ليحيى بن زياد.
*** [أخبار يحيى بن زياد الحارثى: ]
فأما يحيى بن زياد الحارثىّ (٥) فهو يحيى بن زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان
стр. 172
ابن الديان الحارثىّ الكوفىّ. وزياد بن عبيد الله هو خال أبى العباس السّفاح، ويكنى يحيى أبا الفضل، وكان يعرف بالزّنديق: وكانوا إذا وصفوا إنسانا بالظّرف قالوا: هو أظرف من الزّنديق- يعنون يحيى- لأنه كان ظريفا، وهذا المعنى قصد أبو نواس بقوله:
* تيه مغنّ وظرف زنديق* (١)
قال الصولىّ: وإنما قال ذلك لأن الزّنديق لا يرع عن شيء (٢) ولا يمتنع ممّن يدعى (٣) إليه، فنسبه إلى الظّرف لمساعدته على كل شيء، وقلة خلافه.
وروى أنه قيل ليحيى بن زياد- وهو يجود بنفسه- قل: لا إله إلا الله، فقال:
* لم يبق إلّا الغبط والجلاجل (٤) *
ثم أغمى عليه، فلما أفاق أعيد عليه القول فقال:
* وبازل تغلى به المراجل* (٥)
وروى محمد بن يزيد قال: قال مطيع بن إياس يرثى يحيى بن زياد- وكانا جميعا مرميّين بالخروج عن الملة:
يا أهل بكّوا لقلبى القرح ... وللدّموع الهوامل السّفح (٦)
راحوا بيحيى إلى مغيّبة ... فى القبر بين التّراب والصّفح (٧)
стр. 173
/ راحوا بيحيى ولو تساعدنى ال ... أقدار لم يبتكر ولم يرح (١)
يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم ومن كان أمس للمدح
قد ظفر الحزن بالسّرور وقد ... أديل مكروهنا من الفرح
ولمطيع يرثيه:
انظر إلى الموت كيف بادهه ... والموت مقدامة على البهم (٢)
لو قد تدبّرت ما صنعت به ... قرعت سنّا عليه من ندم
فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... ما بعد يحيى للرّزء من ألم
*** [أخبار صالح بن عبد القدّوس: ]
وأمّا صالح بن عبد القدّوس فكان متظاهرا بمذاهب الثّنوية، ويقال إن أبا الهذيل العلّاف ناظره فقطعه، ثم قال له: على أىّ شيء تعزم يا صالح؟ فقال: أستخير الله وأقول بالاثنين، فقال أبو الهذيل: فأيهما استخرت لا أمّ لك! !
وروى أنّ أبا الهذيل ناظره فى مسألة مشهورة فى الامتزاج الّذي ادّعوه بين النور والظلمة فأقام عليه الحجة فانقطع، وأنشأ يقول:
أبا الهذيل هداك الله يا رجل ... فأنت حقّا لعمرى معضل جدل
وروى أنّه رؤى يصلى صلاة تامة الرّكوع والسجود، فقيل له: ما هذا ومذهبك معروف! قال: سنّة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الأهل والولد.
ويقال إنّه لما أراد المهدىّ قتله على الزندقة دحا إليه بكتاب وقال له: اقرأ هذا، قال:
وما هو؟ قال: كتاب الزّندقة، قال صالح: أو تعرفه أنت يا أمير المؤمنين إذا قرأته؟ قال:
لا، قال: أفتقتلني على ما لا تعرف! قال: فإنى أعرفه، قال صالح: فقد عرفته ولست بزنديق؛ وكذلك أقرؤه ولست بزنديق
стр. 174
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: ذكر بعض الرواة أنّ صالحا لما نوظر فيما قذف به من الزندقة بحضرة المهدىّ
قال له المهدىّ: ألست القائل فى حفظك ما أنت عليه:
ربّ سرّ كتمته فكأنّى ... أخرس أو ثنى لسانى خبل
/ ولو أنّى أبديت للنّاس علمى ... لم يكن لى فى غير حبسى أكل
قال صالح: فإنى أتوب وأرجع، فقال له المهدىّ: هيهات! ألست القائل:
والشّيخ لا يترك أخلاقه ... حتّى يوارى فى ثرى رمسه
إذا ارعوى عاوده جهله (١) ... كذى الضّنى عاد إلى نكسه (٢)
ثم قدّم فقتل، ويقال إنه صلبه على الجسر ببغداذ.
ومن شعره (٣) وهو فى الحبس:
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا دخل السّجّان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا
ونفرح بالرّؤيا فجلّ حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرّؤيا (٤)
стр. 175
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
طوى دوننا الأخبار سجن ممنّع ... له حارس تهدا العيون ولا يهدا
قبرنا ولم ندفن فنحن بمعزل ... من النّاس لا نخشى، فنغشى ولا نغشى
ألا أحد يأوى لأهل محلّة ... مقيمين فى الدّنيا وقد فارقوا الدّنيا
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوّه: وأظنّ أن ابن الجهم لحظ قول صالح: «فنغشى ولا نغشى (١)» فى قوله يصف الحبس:
بيت يجدّد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحفد (٢)
*** [أخبار على بن الخليل: ]
وأما عليّ بن الخليل فذكر محمد بن داود قال: كان عليّ بن الخليل- وهو مولى يزيد بن مزيد الشّيبانىّ، ويكنى أبا الحسن، وهو كوفىّ- متّهما بالزّندقة، فطلبه الرشيد عند قتله الزنادقة، فاستتر طويلا، ثم قصد الرّقة (٣) وبها الرشيد، فمدحه ومدح الفضل بن الربيع.
وروى (٤) أنّه لما قعد الرشيد للمظالم بالرّقة حضر شيخ حسن الهيئة، حسن الخضاب، معه قصيدة، فأشار بها، فأمر الرشيد بأخذها منه، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أحسن قراءة لها من غيرى، / فأذن لى فى قراءتها، ففعل، فقال: إنى شيخ كبير، ولا آمن
стр. 176
الاضطراب إذا قمت، فإن رأيت أن تأذن لى فى الجلوس فعلت، فقال: اجلس، فجلس، ثم أنشأ يقول:
يا خير من وخدت بأرحله ... نجب الرّكاب بمهمه جلس (١)
تطوى السّباسب فى أزمّتها ... طىّ التّجار عمائم البرس (٢)
لمّا رأتك الشّمس طالعة ... سجدت لوجهك طلعة الشّمس
خير الخلائف (٣) أنت كلّهم ... فى يومك الماضى وفى أمس
وكذاك لا تنفكّ خيرهم ... تمسى وتصبح فوق ما تمسى
من عصبة طابت أرومتها ... أهل العفاف ومنتهى القدس
فوق النّجوم فروع نبعتهم ... ومع الحضيض منابت الغرس
إنّى رحلت إليك من فزع ... كان التّوكّل عنده ترسى
ما ذاك إلّا أنّنى رجل ... أصبو إلى بقر من الإنس
بقر أوانس لا قرون لها ... يقتلن بالتّطويل والحبس
وأجاذب الفتيان بينهم ... صهباء مثل مجاجة الورس
للماء فى حافاتها حبب ... نظم كطىّ صحائف الفرس (٤)
والله يعلم فى بنيّته ... ما إن أضعت إقامة الخمس
فقال له هارون: من أنت؟ قال: عليّ بن الخليل الّذي يقال إنه زنديق، قال: أنت آمن، وكتب إلى حمدويه ألّا يعرض له.
ومن تركنا ذكره من هؤلاء أكثر ممن ذكرناه، وإنما اعتمدنا من كان بهذه البليّة
стр. 177
أشهر، وأمره فيها أظهر، وأوردنا مع ذلك قليلا من كثير، وجملة من تفصيل.
*** [الكلام على أن أصول مذهب أهل العدل مأخوذة من كلام على بن أبى طالب: ]
وإذ قد ذكرنا جملة من أخبار أهل الضلالة، والمنقادين للجهالة، حسب ما سئلنا، فنحن نتبعها بشيء من أخبار أهل التوحيد والعدل، وملح حكاياتهم، ومستحسن ألفاظهم، ليعلم الفرق بين من ربحت/ بيعته، وبين من خسرت
صفقته، فقد سألنا أيضا ذلك.
اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- وخطبه، فإنها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمل المأثور فى ذلك من كلامه علم أنّ جميع ما أسهب المتكلمون من بعد فى تصنيفه وجمعه، إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول، وروى عن الأئمة من أبنائه ﵈ من ذلك ما يكاد لا يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه، وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير، الّذي فى بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة؛ ونحن نقدّم على ما نريد ذكره شيئا مما روى عنهم فى هذا الباب.
[فقر من كلام على بن أبى طالب والأئمة من أبنائه]
فمن ذلك ما روى عن أمير المؤمنين ﵇ (١) وهو يصف الله تعالى: «بمضادّته (٢) بين الأشياء علم أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأمور علم أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والخشونة باللين، واليبوسة بالبلل، والصّرد (٣) بالحرور؛ مؤلّف بين متعادياتها (٤)، مفرّق بين متدانياتها».
стр. 178
وروى عنه ﵇ أنه سئل: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرّفنى به، قيل: وكيف عرّفك؟ فقال: «لا تشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواسّ الخمس، ولا يقاس بقياس الناس». وقيل له ﵇: كيف يحاسب الله الخلق؟ فقال: كما يرزقهم، فقيل: كيف يحاسبهم ولا يرونه؟
فقال؛ كما يرزقهم ولا يرونه.
وسأله رجل فقال: أين كان ربّك قبل أن يخلق السماء والأرض؟ فقال ﵇:
أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان.
وروى عن أبى عبد الله الصّادق (١) ﵇ أنه سأله محمد الحلبىّ فقال له: هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربّه؟ قال: نعم رآه بقلبه، فأما ربّنا ﷻ فلا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به أسماع السامعين.
وروى صفوان بن يحيى قال: دخل أبو قرّة المحدّث على أبى الحسن الرّضا (٢) ﵇ فسأله (٣) عن أشياء من الحلال والحرام والأحكام والفرائض، حتى بلغ إلى التوحيد، فقال له أبو قرّة: إنا روّينا أن الله تعالى قسم الكلام والرؤية، فقسم لموسى الكلام، ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية، فقال الرّضا ﵇: فمن المبلّغ عن الله تعالى إلى الثّقلين: الجنّ والإنس أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء؟ أليس محمد ﵇ نبيا صادقا؟
قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله تعالى يدعوهم إليه بأمره، ويقول: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء، ثم يقول:
стр. 179
سأراه بعينى وأحيط به علما؛ أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتى عن الله تعالى بشيء، ثم يأتى بخلافه من وجه آخر! قال أبو قرّة: فإنه يقول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى؛ [النجم: ١٣، ١٤]، فقال ﵇: ما بعد هذه الآية يدلّ على ما رأى؛ حيث يقول: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى؛ [النجم: ١١]، يقول ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى؛ [النجم: ١٨]، وآيات الله غير الله، وقد قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً؛ [طه: ١١٠]، فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم. فقال أبو قرّة: فأكذّب بالرؤية؟ فقال الرضا ﵇: إذن القرآن كذّبها، وما أجمع عليه المسلمون أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.
وأتى أعرابىّ أبا جعفر محمد بن عليّ ﵉ (١) فقال له: هل رأيت ربّك حين (٢) عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد شيئا لم أره، فقال: كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان؛ لا يدرك
بالحواس، ولا يقاس بالنّاس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور فى قضيّته؛ هو الله الّذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابىّ: الله أعلم حيث يجعل رسالاته!
وروى أنّ شيخا حضر صفّين مع أمير المؤمنين ﵇ فقال له: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: / نعم يا أخا أهل الشام، والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، ما وطئنا موطأنا، ولا هبطنا واديا، ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشامىّ: عند الله أحتسب عنائى يا أمير المؤمنين، وما أظنّ أن لى أجرا فى سعيى إذ كان الله قضاه عليّ وقدّره! فقال له ﵇: إن الله قد أعظم
стр. 180
لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا فى شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين، ولا عليها مجبرين.
فقال الشامىّ: وكيف ذاك والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟
فقال له ﵇: يا أخا أهل الشام، لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حتما؛ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهى، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، والمسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن؛ تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدريّة هذه الأمة ومجوسها؛ إنّ الله أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يكلّف عسيرا، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزّل الكتب إلى عباده عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا؛ ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار!
قال الشامىّ: فما القضاء والقدر الّذي كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله بذلك والحكم، ثم تلا: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً؛ [الأحزاب: ٣٨]، فقام الشامىّ فرحا مسرورا لمّا سمع هذا المقال، وقال: فرّجت عنى فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين، وأنشأ يقول:
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته ... يوم الحساب من الرّحمن غفرانا (١)
أوضحت من أمرنا (٢) ما كان ملتبسا ... جزاك ربّك بالإحسان إحسانا (٣)
وروى أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت قال: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد الله [جعفر ابن عليّ] (٤) ﵇،
فسلّمت عليه، وخرجت من عنده، فرأيت (٥) ابنه موسى (٦) ﵇