الاضطراب إذا قمت، فإن رأيت أن تأذن لى فى الجلوس فعلت، فقال: اجلس، فجلس، ثم أنشأ يقول:
يا خير من وخدت بأرحله ... نجب الرّكاب بمهمه جلس (١)
تطوى السّباسب فى أزمّتها ... طىّ التّجار عمائم البرس (٢)
لمّا رأتك الشّمس طالعة ... سجدت لوجهك طلعة الشّمس
خير الخلائف (٣) أنت كلّهم ... فى يومك الماضى وفى أمس
وكذاك لا تنفكّ خيرهم ... تمسى وتصبح فوق ما تمسى
من عصبة طابت أرومتها ... أهل العفاف ومنتهى القدس
فوق النّجوم فروع نبعتهم ... ومع الحضيض منابت الغرس
إنّى رحلت إليك من فزع ... كان التّوكّل عنده ترسى
ما ذاك إلّا أنّنى رجل ... أصبو إلى بقر من الإنس
بقر أوانس لا قرون لها ... يقتلن بالتّطويل والحبس
وأجاذب الفتيان بينهم ... صهباء مثل مجاجة الورس
للماء فى حافاتها حبب ... نظم كطىّ صحائف الفرس (٤)
والله يعلم فى بنيّته ... ما إن أضعت إقامة الخمس
فقال له هارون: من أنت؟ قال: عليّ بن الخليل الّذي يقال إنه زنديق، قال: أنت آمن، وكتب إلى حمدويه ألّا يعرض له.
ومن تركنا ذكره من هؤلاء أكثر ممن ذكرناه، وإنما اعتمدنا من كان بهذه البليّة
стр. 177
أشهر، وأمره فيها أظهر، وأوردنا مع ذلك قليلا من كثير، وجملة من تفصيل.
*** [الكلام على أن أصول مذهب أهل العدل مأخوذة من كلام على بن أبى طالب: ]
وإذ قد ذكرنا جملة من أخبار أهل الضلالة، والمنقادين للجهالة، حسب ما سئلنا، فنحن نتبعها بشيء من أخبار أهل التوحيد والعدل، وملح حكاياتهم، ومستحسن ألفاظهم، ليعلم الفرق بين من ربحت/ بيعته، وبين من خسرت
صفقته، فقد سألنا أيضا ذلك.
اعلم أن أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- وخطبه، فإنها تتضمّن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمل المأثور فى ذلك من كلامه علم أنّ جميع ما أسهب المتكلمون من بعد فى تصنيفه وجمعه، إنما هو تفصيل لتلك الجمل، وشرح لتلك الأصول، وروى عن الأئمة من أبنائه ﵈ من ذلك ما يكاد لا يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه، وطلبه من مظانه أصاب منه الكثير الغزير، الّذي فى بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة؛ ونحن نقدّم على ما نريد ذكره شيئا مما روى عنهم فى هذا الباب.
[فقر من كلام على بن أبى طالب والأئمة من أبنائه]
فمن ذلك ما روى عن أمير المؤمنين ﵇ (١) وهو يصف الله تعالى: «بمضادّته (٢) بين الأشياء علم أن لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأمور علم أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، والخشونة باللين، واليبوسة بالبلل، والصّرد (٣) بالحرور؛ مؤلّف بين متعادياتها (٤)، مفرّق بين متدانياتها».
стр. 178
وروى عنه ﵇ أنه سئل: بم عرفت ربك؟ فقال: بما عرّفنى به، قيل: وكيف عرّفك؟ فقال: «لا تشبهه صورة، ولا يحسّ بالحواسّ الخمس، ولا يقاس بقياس الناس». وقيل له ﵇: كيف يحاسب الله الخلق؟ فقال: كما يرزقهم، فقيل: كيف يحاسبهم ولا يرونه؟
فقال؛ كما يرزقهم ولا يرونه.
وسأله رجل فقال: أين كان ربّك قبل أن يخلق السماء والأرض؟ فقال ﵇:
أين سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان.
وروى عن أبى عبد الله الصّادق (١) ﵇ أنه سأله محمد الحلبىّ فقال له: هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربّه؟ قال: نعم رآه بقلبه، فأما ربّنا ﷻ فلا تدركه أبصار الناظرين، ولا تحيط به أسماع السامعين.
وروى صفوان بن يحيى قال: دخل أبو قرّة المحدّث على أبى الحسن الرّضا (٢) ﵇ فسأله (٣) عن أشياء من الحلال والحرام والأحكام والفرائض، حتى بلغ إلى التوحيد، فقال له أبو قرّة: إنا روّينا أن الله تعالى قسم الكلام والرؤية، فقسم لموسى الكلام، ولمحمد صلى الله عليه وآله الرؤية، فقال الرّضا ﵇: فمن المبلّغ عن الله تعالى إلى الثّقلين: الجنّ والإنس أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء؟ أليس محمد ﵇ نبيا صادقا؟
قال: بلى، قال: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله تعالى يدعوهم إليه بأمره، ويقول: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شيء، ثم يقول:
стр. 179
سأراه بعينى وأحيط به علما؛ أما تستحيون ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتى عن الله تعالى بشيء، ثم يأتى بخلافه من وجه آخر! قال أبو قرّة: فإنه يقول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى؛ [النجم: ١٣، ١٤]، فقال ﵇: ما بعد هذه الآية يدلّ على ما رأى؛ حيث يقول: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى؛ [النجم: ١١]، يقول ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه، ثم أخبر بما رأى، فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى؛ [النجم: ١٨]، وآيات الله غير الله، وقد قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً؛ [طه: ١١٠]، فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم. فقال أبو قرّة: فأكذّب بالرؤية؟ فقال الرضا ﵇: إذن القرآن كذّبها، وما أجمع عليه المسلمون أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شيء.
وأتى أعرابىّ أبا جعفر محمد بن عليّ ﵉ (١) فقال له: هل رأيت ربّك حين (٢) عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد شيئا لم أره، فقال: كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، بل رأته القلوب بحقائق الإيمان؛ لا يدرك
بالحواس، ولا يقاس بالنّاس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجور فى قضيّته؛ هو الله الّذي لا إله إلا هو. فقال الأعرابىّ: الله أعلم حيث يجعل رسالاته!
وروى أنّ شيخا حضر صفّين مع أمير المؤمنين ﵇ فقال له: أخبرنا يا أمير المؤمنين عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء من الله تعالى وقدر؟ قال له: / نعم يا أخا أهل الشام، والّذي فلق الحبّة، وبرأ النّسمة، ما وطئنا موطأنا، ولا هبطنا واديا، ولا علونا تلعة إلا بقضاء من الله وقدر، فقال الشامىّ: عند الله أحتسب عنائى يا أمير المؤمنين، وما أظنّ أن لى أجرا فى سعيى إذ كان الله قضاه عليّ وقدّره! فقال له ﵇: إن الله قد أعظم
стр. 180
لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون، وعلى مقامكم وأنتم مقيمون، ولم تكونوا فى شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين، ولا عليها مجبرين.
فقال الشامىّ: وكيف ذاك والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟
فقال له ﵇: يا أخا أهل الشام، لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حتما؛ لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهى، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، والمسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن؛ تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور، وقدريّة هذه الأمة ومجوسها؛ إنّ الله أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، وأعطى على القليل كثيرا، ولم يطع مكرها، ولم يعص مغلوبا، ولم يكلّف عسيرا، ولم يرسل الأنبياء لعبا، ولم ينزّل الكتب إلى عباده عبثا، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا؛ ذلك ظنّ الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار!
قال الشامىّ: فما القضاء والقدر الّذي كان مسيرنا بهما وعنهما؟ قال: الأمر من الله بذلك والحكم، ثم تلا: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً؛ [الأحزاب: ٣٨]، فقام الشامىّ فرحا مسرورا لمّا سمع هذا المقال، وقال: فرّجت عنى فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين، وأنشأ يقول:
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته ... يوم الحساب من الرّحمن غفرانا (١)
أوضحت من أمرنا (٢) ما كان ملتبسا ... جزاك ربّك بالإحسان إحسانا (٣)
وروى أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت قال: دخلت المدينة، فرأيت أبا عبد الله [جعفر ابن عليّ] (٤) ﵇،
فسلّمت عليه، وخرجت من عنده، فرأيت (٥) ابنه موسى (٦) ﵇
стр. 181
فى دهليزه، قاعدا فى مكتبه، / وهو صغير السن فقلت له: أين يحدث (١) الغريب إذا كان (٢) عندكم وأراد ذلك؟ فنظر إلى ثم قال: يتجنّب شطوط الأنهار، ومساقط (٣) الثمار، وأفنية الدور، والطرق النافذة، والمساجد، ويضع ويرفع بعد ذلك حيث شاء. قال: فلما سمعت هذا القول نبل فى عينى، وعظم فى قلبى. فقلت له: جعلت فداك! فممّن المعصية؟ فنظر إلى ثم قال:
اجلس حتى أخبرك، فجلست، فقال: إنّ المعصية لا بدّ أن تكون من العبد أو من ربه، أو منهما جميعا؛ فإن كانت من الله تعالى فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده، ويأخذه بما لم يفعله، وإن كان منهما فهو شريكه؛ والقوىّ أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الأمر، وإليه توجّه النهى، وله حق الثواب والعقاب، ووجبت الجنة والنار، قال:
فلما سمعت ذلك قلت: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ [آل عمران: ٣٤]، وقد نظم هذا المعنى شعرا فقيل:
لم تخل أفعالنا اللّاتى نذمّ لها ... إحدى ثلاث خلال حين نأتيها
إمّا تفرّد بارينا بصنعتها ... فيسقط اللّوم عنّا حين ننشيها
أو كان يشركنا فيها فيلحقه ... ما سوف يلحقنا من لائم فيها
أو لم يكن لإلهى فى جنايتها ... ذنب فما الذّنب إلّا ذنب جانيها (٤)
*** [أخبار الحسن بن أبى الحسن البصرىّ وشيء من كلامه: ]
وأحد من تظاهر من المتقدمين بالقول بالعدل، الحسن بن أبى الحسن البصرىّ، واسم أبيه يسار، من أهل ميسان، مولى لبعض الأنصار، وكان اسم أمه خيرة، مملوكة لأمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله، ويقال إن أمّ سلمة
كانت تأخذ الحسن إذا بكى فتسكّته بثديها،
стр. 182
فكان يدرّ عليه، فيقال إنّ الحكمة التى أوتيها الحسن من ذلك، وبلغ الحسن من السن تسعا وثمانين سنة.
فمن تصريحه بالعدل ما رواه عليّ بن الجعد (١) قال: سمعت الحسن يقول: من زعم أن المعاصى من الله جاء يوم القيامة مسودّا وجهه، ثم قرأ: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ؛ [الزمر: ٦٠]. وقال داود بن أبى هند:
سمعت الحسن يقول: كلّ/ شيء بقضاء وقدر (٢) إلا المعاصى.
وكان الحسن بارع الفصاحة، بليغ المواعظ، كثير العلم. وجميع كلامه فى الوعظ وذم الدنيا أو جلّه مأخوذ لفظا ومعنى، أو معنى دون لفظ؛ من كلام أمير المؤمنين عليّ ابن أبى طالب ﵇، فهو القدوة والغاية (٣).
فمن ذلك قوله ﵇: «شيئان أحدهما مأخوذ من الآخر، أحدهما أكثر شيء فى الدنيا، والآخر أقلّ شيء فى الدنيا: العبر والاعتبار».
وقوله ﵇: «مثل الدنيا والآخرة، مثل المشرق والمغرب، متى ازددت من أحدهما قربا، ازددت من الآخر بعدا».
وقوله: «شتّان بين عملين: عمل تذهب لذّته، وتبقى تبعته، وعمل تذهب مئونته ويبقى أجره».
وقوله فى وصف الدنيا: «ما أصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء، فى حلالها حساب، وفى حرامها عقاب، من صحّ فيها أمن (٤)، ومن فرّط فيها ندم، ومن استغنى
стр. 183
فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن».
وقوله فى كلام له: «فيا أيها الذّامّ للدنيا، والمعتلّ (١) بغرورها، متى استذمّت (٢) إليك؟
بل متى غرّتك؟ أبمضاجع آبائك من الثّرى؟ أم بمنازل أمّهاتك من البلى؟ كم مرّضت بكفّيك؟ وكم عالجت بيديك؟ تبتغى لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطبّاء؛ مثّلت لك بهم الدنيا نفسك، وبمصرعهم مصرعك».
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: وهذا باب إن ولجناه اغترفنا من ثبج (٣) بحر زاخر، أو شؤبوب (٤) غمام ماطر؛ وكلّ قول فى هذا الباب لقائل إذا أضيف إليه، أو قويس به كان كإضافة القطرة إلى الغمرة (٥)، أو الحصاة إلى الحرّة (٦)، وإنما أشرنا إليه إشارة، وأومأنا إليه إيماء، ثم نعود إلى ما كنا فيه.
روى أن أعرابيا سمع كلام الحسن البصرىّ فقال: المؤمن فصيح إذا لفظ، نصيح إذا وعظ.
وروى أن الحسن تلا يوما: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ؛ [الأحزاب: ٧٢]، ثم قال: «إنّ قوما غدوا فى المطارف (٧) العتاق، والعمائم الرّقاق، يطلبون الإمارات، ويضيّعون الأمانات، يتعرّضون للبلاء وهم منه فى عافية؛ حتى إذا أخافوا من فوقهم من أهل العفّة، وظلموا من تحتهم من أهل الذمّة أهزلوا (٨) دينهم، وأسمنوا براذينهم، ووسّعوا دورهم، وضيّقوا قبورهم؛ ألم ترهم قد جدّدوا/ الثياب،
стр. 184
وأخلقوا الدين، يتّكئ أحدهم على شماله، فيأكل من غير ماله؛ طعامه غصب، وخدمه سخرة؛ يدعو بحلو بعد حامض، وبحارّ بعد بارد، ورطب (١) بعد يابس؛ حتى إذا أخذته الكظّة، تجشّأ من البشم، ثم قال: يا جارية، هاتى حاطوما (يعنى هاضوما) يهضم الطّعام؛ يا أحيمق! لا والله لن تهضم إلا دينك، أين جارك! أين يتيمك! أين مسكينك! أين ما أوصاك الله به! ».
وذكر يوما الحجاج فقال: «أتانا أعيمش أخيفش، له جميمة يرجّلها، وأخرج إلينا بنانا قصارا، والله ما عرق فيها عنان فى سبيل الله، فقال: بايعونى، فبايعناه، ثم رقى هذه الأعواد ينظر إلينا بالتصغير، وننظر إليه بالتعظيم؛ يأمرنا بالمعروف ويجتنبه، وينهانا عن المنكر ويرتكبه».
وروى عيسى بن عمر قال: قال الحسن: «إنّ هذه القلوب طلعة (٢) فاقدعوها، فإنّكم إن تطيعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية، وحادثوا هذه النفوس، فإنها سريعة الدّثور».
قال عيسى بن عمر: فحدثت بذلك أبا عمرو بن العلاء، فعجب من فصاحته.
وكان يقول فى بعض كلامه: «ما يشاء أن ترى أحدهم أبيّض بضّا، يملخ فى الباطل ملخا، ينفض مذرويه ويقول: ها أنا ذا فاعرفونى».
قال: فالبضّ، هو الرّخص اللّحم، وليس هو من البياض على ما يظنّه قوم؛ لأنه قد تكون الرّخاصة مع الأدمة. وأما قوله «يملخ» فإن الملخ هو التّثنّى والتكسّر، يقال ملخ الفرس إذا لعب (٣)؛ قال رؤبة يصف الحمار:
* معتزم التّجليح ملّاخ الملق (٤) *
стр. 185
والمذروان (١): فرعا الأليتين: قال عنترة:
أحولي (٢) تنفض استك مذرويها ... لتقتلنى فها أنا ذا عمارا
هذا قول أبى عبيد؛ وقال ابن قتيبة ردّا عليه: ليس المذروان فرعى الأليتين حسب؛ بل هما الجانبان من كل شيء؛ تقول العرب: جاء فلان يضرب أصدريه، ويضرب عطفيه، وينفض مذرويه، وهما منكباه. وذكر أنه سمع رجلا من فصحاء العرب يقول: قنّع الشيب مذرويه، يريد جانبى رأسه، وهما فوداه، وإنما سمّى بذلك، لأنّهما يذريان؛ أى
стр. 186
يشيبان، والذّرى والذّروة (١) الشيب، قال: وهذا أصل الحرف، ثم استعير للمنكبين، والأليتين، والطرفين من كل شيء، قال أمية بن أبى عائذ الهذلىّ يذكر قوسا:
على عجس هتّافة المذروي ... ن زوراء مضجعة فى الشّمال (٢)
أراد قوسا ينبض (٣) طرفاها. قال: فلا معنى لوصف الرجل الّذي ذكره الحسن بأنه يحرك أليتيه؛ ولا من شأن من
يبذخ (٤) ويتيه على نفسه ويقول: ها أنا ذا فاعرفونى أن يحرّك أليتيه؛ وإنما أراد أنه يضرب عطفيه، وهذا مما يوصف به المرح المختال، وربما قالوا: جاءنا ينفض مذرويه، إذا تهدّد وتوعّد، لأنه إذ تكلم وحرّك رأسه نفض قرون فوديه، وهما مذ رواه.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أدام الله علوّه: ليس الّذي ذكره أبو عبيد ببعيد، لأن من شأن المختال الّذي يزهى بنفسه أن يهتزّ ويتثنى، فتتحرك أعطافه وأعضاؤه؛ ومذ رواه من جملة ما يهتزّ ويتحرّك، لأنّهما بارزان من جسمه، فيظهر فيهما الاهتزاز، وإنما خصّ المذروان (٥) بالذّكر مع أن غيرهما يتحرك أيضا، على طريق التقبيح على هذا المختال والتهجين لفعله. وقول ابن قتيبة ليس من شأن من يبذخ أن يحرّك أليتيه ليس بشيء، لأن الأغلب من شأن المختال البذّاخ الاهتزاز وتحريك الأعطاف؛ على أن هذا يلزمه فيما قاله، لأنه ليس
стр. 187
من شأن كل متوعّد أن يحرّك رأسه، وينفض مذرويه؛ فإذا قال: إن ذلك فى الأكثر قيل له مثله.
وكان الحسن يقول: «يا ابن آدم، جمعا جمعا، سرطا سرطا (١)، جمعا فى وعاء، وشدّا فى وكاء، وركوب الذّلول، ولبس اللّيّن؛ حتى قيل مات، فأفضى والله إلى الآخرة، فطال حسابه».
وكان يقول: «مسكين (٢) ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل؛ أسير جوع، صريع شبع، إنّ من تؤلمه البقّة، وتقتله الشّرقة، لبادى الضّعف، فريسة الحتف».
وكان يقول: «ما أطال أحد الأمل، إلا أساء العمل».
وكتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد، فإن طول البقاء إلى فناء، فخذ من فنائك الّذي لا يبقى، لبقائك الّذي لا يفنى، والسلام».
وكان يقول: «إذا رأيت رجلا ينافس فى الدنيا فنافسه فى الآخرة». وسأله رجل:
ما حالك؟ فقال: بأشدّ حال، ما حال من أصبح وأمسى ينتظر الموت، ولا يدرى ما يفعل الله به! ! .
/ وكان يقول: «يا ابن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، يكتبان عملك فأملل ما شئت، وأكثر وأقلل». وفى خبر آخر: «وكّل بك ملكان كريمان، ريقك مدادهما، ولسانك قلمهما».
روى أبو بكر الهذلىّ قال: لما وفد (٣) عمر بن هبيرة واليا على العراق نزل واسطا، فبعث
стр. 188
إلى الشعبىّ وإلى الحسن البصرىّ، فقال لهما: إن يزيد بن عبد الملك عبد أخذ الله ميثاقه، وانتجبه لخلافته، وقد أخذ بنواصينا، وأعطيناه عهودنا ومواثيقنا وصفقة أيدينا، فوجب علينا السمع والطاعة، وإنه بعثنى إلى عراقكم غير سائل إياه، إلا أنه لا يزال يبعث إلينا فى القوم نقتلهم، وفى الضّياع نقبضها، أو فى الدور نهدمها، فنولّيه من ذلك ما ولّاه الله، فما تريان؟
فأما الشّعبىّ فقال قولا فيه بعض اللين؛ وأما الحسن فإنه قال له: يا عمر، إنى أنهاك عن الله أن تتعرض له، فإن الله مانعك من يزيد، ولا يمنعك يزيد من الله؛ إنه يوشك أن ينزل إليك (١) ملك من السماء، فيستنزلك من سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك؛ ثم لا يوسّعه عليك إلا عملك، إنّ هذا السلطان إنما جعل ناصرا لدين الله، فلا تركبوا دين الله وعباد الله بسلطان الله تذلّونهم به، فإنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق جل وعزّ.
وذكر عن الشعبىّ أنه قال: كان والله الحسن أكرمنا عليه.
وروى أبو بكر بن عياش قال: قال مسلمة بن عبد الملك للحسن: عظنى فقال: إذا نزلت عن المنبر فاعمل بما تكلمت به، فقال: عظنى، فقال: أولّيت قط؟ فقال: نعم، قال:
فما كنت تحب أن يؤتى إليك فأته إلى من وليته.
وعن ثابت البنانيّ قال: قال رجل للحسن: آخذ عطائى أم أدعه حتى آخذه من حسناتهم يوم القيامة؟ فقال له: قم
ويحك خذ عطاءك! فإن القوم مفاليس من الحسنات يوم القيامة.
وولد للحسن غلام، فهنأه بعض أصحابه، فقال الحسن: «نحمد الله على هبته، ونستزيده من نعمه، ولا مرحبا بمن إن كنت غنيا أذهلنى، وإن كنت فقيرا أتعبنى؛ لا أرضى بسعي له سعيا، ولا بكدّى له فى الحياة كدّا، أشفق عليه من الفاقة بعد وفاتى، وأنا فى حال لا يصل إلى/ من همّه حزن، ولا من فرحه سرور».
وكان الحسن يقول: «لو لم يكن من شؤم الشّراب إلا أنه جاء إلى أحبّ خلق الله إلى الله فأفسده، لكان ينبغى للعاقل أن يتركه» - يعنى العقل.
стр. 189
وعزّى جارا له يهوديا فقال: «جزاك الله عن مصيبتك بأعظم ما جازى به أحدا من أهل ملّتك». وهذا تخلّص منه مليح، لأنه لم يدع له بالثواب الّذي لا يستحقه الكفّار، وأراد بالجزاء العوض الّذي يستحقه الكافر مع استحقاق العقاب.
وكان الحسن يقول: «ليس للفاسق المعلن بالفسق غيبة، ولا لأهل الأهواء والبدع غيبة، ولا للسلطان الجائر غيبة».
وقال فى قوله تعالى رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال العلم، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً؛ [البقرة: ٢٠١] قال: الجنة.
وخرج الحسن فى جنازة معها نوائح، فقال له رجل: أما ترى يا أبا سعيد هذا؟ وهمّ الرّجل بالرجوع، فقال له الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا أسرع ذلك فى دينك.
وذكرت عنده الدنيا فقال:
أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إنّ اللّبيب بمثلها لا يخدع
وكان يتمثّل:
اليوم عندك دلّها وحديثها ... وغدا لغيرك كفّها والمعصم (١)
وعن أبى عبيدة قال: لما فرغ الحجّاج من خضراء (٢) واسط نادى فى الناس أن يخرجوا فيدعوا له بالبركة، فخرج الناس، وخرج الحسن، فاجتمع عليه الناس، فخاف أهل الشام على نفسه أن يقتلوه، فرجع وهو يقول: قد نظرنا يا أخبث الأخبثين، وأفسق الفاسقين،
стр. 190
فأما أهل السماء فمقتوك، وأما أهل الأرض فغرّوك، ثم قال: أبى الله تعالى للميثاق الّذي أخذه على أهل العلم ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه. ثم انصرف وبلغ الحجاج ذلك فقال: يا أهل الشام- وهم حوله: آلله (١) ليقومنّ (٢) عبيد من عبيد أهل البصرة، ويتكلم فىّ بما يتكلم، ولا يكون عند أحد منكم تغيير ولا نكير! قالوا: ومن ذاك أصلحك الله! اسقنا دمه، فقال: عليّ به، وأمر بالنّطع والسيف فأحضرا، ووجّه إليه، فلما دنا الحسن من الباب، حرّك شفتيه والحاجب ينظر إليه، فلما دخل قال له الحجاج: هاهنا، وأجلسه قريبا من فرشه، وقال له: ما تقول فى عليّ وعثمان؟ قال: أقول قول من هو خير منى عند من هو شرّ منك، قال موسى ﵇ لفرعون إذ قال له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى. قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى؛ [طه: ٥١ - ٥٢]؛ علم عليّ وعثمان عند الله تعالى، فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية فغلّل بها لحيته، فلما خرج الحسن اتّبعه الحاجب، فقال: يا أبا سعيد، لقد دعاك لغير ما فعل بك، ولقد أحضر السيف والنّطع، فلما أقبلت رأيتك قد حرّكت شفتيك بشيء، فما قلت؟ قال: قلت يا عدّتى عند كربتى، ويا صاحبى عند شدتى، ويا ولىّ نعمتى، ويا إلهى وإله آبائى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ارزقنى مودّته، واصرف عنى أذاه ومعرّته؛ ففعل ربى ذلك.
وكان الحسن يقول: ما زال النفاق مقموعا حتى عمّم هذا عمامة؛ وقلّد سيفا.
- يعنى الحجاج.
стр. 191
وروى أبو بكر الهذلىّ أنّ رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، إن الشيعة تزعم أنّك تبغض عليّا ﵇، فأكبّ يبكى طويلا، ثم رفع رأسه فقال: لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى ربّنا على عدوّه، ربّانىّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من النبي صلى الله عليه وآله قريبة، لم يكن بالنومة عن أمر الله، ولا بالغافل عن حق الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه فيما له وعليه، فأشرف منها على رياض مونقة، وأعلام بينة، ذلك ابن أبى طالب يا لكع! وكان الحسن إذا أراد أن يحدّث فى زمن بنى أمية عن أمير المؤمنين ﵇ قال: قال أبو زينب.
وشهد الحسن جنازة فقال: إنّ أمرا هذا [آخره لينبغى أن يزهد فيه، وإن أمرا هذا أوّله لينبغى أن يحذر منه] (١). وعن حميد الطويل قال: خطب رجل إلى الحسن ابنته، وكنت السّفير بينهما- فرضيه، وأراد أن يزوجه فأثنيت عليه ذات يوم وقلت: وأزيدك يا أبا سعيد، إنّ له خمسين ألفا، قال: أقلت له خمسون ألفا! ما اجتمعت من حلال- قلت: يا أبا سعيد، إنه والله ما علمت لورع مسلم، فقال: إن كان جمعها من حلال، لقد ضنّ بها عن حقّ! لا يجرى بينى وبينه صهر أبدا.
وقيل لعلىّ بن الحسين ﵉: قال الحسن البصرىّ ليس العجب ممّن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا! فقال ﵇: أنا أقول: ليس العجب ممّن نجا كيف نجا؛ إنما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله!
وأتى ﵇ يوما الحسن البصرى وهو يقصّ عند الحجر فقال: أترضى يا حسن نفسك للموت؟ قال: لا، قال: فعملك للحساب؟ قال: لا؛ قال: فثمّ دار للعمل غير هذه الدار؟ قال: لا، قال: فلله فى أرضه معاذ غير هذا البيت؟ قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن التّطواف (٢).
стр. 192
١١ مجلس آخر [المجلس الحادي عشر: ]
[أخبار واصل بن عطاء: ]
وممّن تظاهر بالعدل واشتهر به واصل بن عطاء الغزّال، ويكنى أبا حذيفة، وقيل:
إنه مولى بنى ضبّة، وقيل: مولى بنى مخزوم، وقيل: مولى بنى هاشم.
وروى أنه لم يكن غزّالا، وإنما لقّب بذلك، لأنه كان يكثر الجلوس فى الغزّالين، وقيل: إنه كان يجلس فى الغزالين عند رضيع له يعرف بأبى عبد الله الغزّال. وذكر المبرّد:
أنّ (١) واصلا كان يلزم الغزالين، ليعرف المتعففات من النساء، فيصرف صدقته إليهن (٢)، ولقّب بذلك كما لقّب أبو سلمة حفص بن سليمان بالخلّال، وهو وزير أبى العباس (٣) السفّاح، ولم يكن خلّالا، وإنما كان منزله بالكوفة بقرب الخلّالين، وكان يجلس عندهم فسمى خلّالا، ومثله أبو عليّ الحرمازىّ (٤)، وهو مولى لبنى هاشم، وإنما لقّب بذلك لأنه كان ينزل فى بنى الحرماز، وإبراهيم بن يزيد الخوزىّ، وليس بخوزىّ، ولكنه كان ينزل (٥) بمكة بشعب الخوز، وأبو سعيد المقبرىّ، لأنه نزل (٦) المقابر.
وكان واصل ألثغ فى الراء، قبيح اللّثغة؛ [فكان يخلّص من كلامه الراء] (٧)، يعدل عنها فى سائر محاوراته، وقد ذكرنا طرفا من ذلك فى أخبار بشار بن برد (٨).
стр. 193
وذكر أبو الحسن البرذعىّ المتكلم أن إنسانا سأل عمرو بن عبيد أو غيره عن شيء فى القدر بحضرة واصل بن
عطاء، فتكلّم السائل بشيء أغضب عمرا، فأجابه عمرو بجواب لم يرضه واصل، فقال له واصل: إياك وأجوبة الغضب فإنها مندمة، والشيطان يكون معها، وله فى تضاعيفها همزة (١)، وقد أوجب الله جلّ وعز على نبيه/ ﵇ أن يستعيذ من همزات الشيطان، وأن يكونوا معه بقوله: أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ؛ [المؤمنون: ٩٧]؛ إلى خاتمة الآية، [وقلّما شاهدت أحدا أجاب فتثبت فى جوابه] (٢)، [وما يطلق به لسانه] (٣) فلحقه لوم.
قال البرذعىّ: انظر إلى واصل كيف كلّم عمرا، فأخرج الرّاء من كلامه، فقال فى موضع «والشيطان يحضرها»: «يكون معها». وقال: «قد أوجب الله على نبيه»، ولم يقل:
«أمره». وقال: «وأن يكونوا معه» بدلا من قوله. «ويحضروه» ثم قال: «إلى خاتمة الآية» ولم يقل: «إلى آخر الآية».
قال سيدنا الشريف المرتضى أيّده الله: ومما لم يذكره البرذعىّ أنه عدل عن افتتاح الآية من أجل الراء أيضا، لأن أولها: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ؛ ولولا قصده إلى العدول لكان ذكرها واجبا من ابتدائها (٤)؛ لا سيما وفى ابتدائها تعليم وتوقيف على كيفية دعائه والاستعاذة به.
وقيل إن رجلا قال له: كيف تقول أسرج الفرس؟ قال: ألبد الجواد.
وقال له آخر: كيف تقول: ركب فرسه، وجرّ رمحه، قال: استوى على جواده، وسحب عامله.
وذكر أبو الحسين الخياط أن واصلا كان من أهل مدينة الرسول ﷺ وآله، ومولده سنة ثمانين ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
стр. 194
وكان واصل ممّن لقى أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفيّة وصحبه، وأخذ عنه، وقال قوم: إنه لقى أباه محمدا ﵇، وذلك غلط؛ لأن محمدا توفى سنة ثمانين أو إحدى وثمانين، وواصل ولد فى سنة ثمانين.
وواصل هو أول من أظهر المنزلة بين المنزلتين؛ لأن الناس كانوا فى أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال؛ كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك، والمرجئة تسمّيهم بالإيمان، وكان الحسن وأصحابه يسمّونهم بالنفاق، فأظهر واصل القول بأنّهم فسّاق غير مؤمنين، ولا كفار، ولا منافقين.
[مناظرة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد فى القول بالمنزلة بين المنزلتين]
وكان عمرو بن عبيد من أصحاب الحسن وتلاميذه، فجمع بينه وبين واصل ليناظره فيما أظهر من القول بالمنزلة بين المنزلتين، فلما ووقفوا على الاجتماع ذكر أن واصلا أقبل ومعه جماعة من أصحابه إلى حلقة الحسن، وفيها عمرو بن عبيد جالس، فلما نظر إلى واصل، وكان/ فى عنقه طول واعوجاج قال: أرى عنقا لا يفلح صاحبها! فسمع ذلك واصل فلما سلّم عليه قال له:
يا ابن أخى، إن من عاب الصنعة عاب الصانع، للتعلق الّذي بين الصانع والمصنوع (١)؛ فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا حذيفة، قد وعظت فأحسنت، ولن أعود إلى مثل الّذي كان منى.
وجلس واصل فى الحلقة، وسئل أن يكلّم عمرا فقال واصل لعمرو: لم قلت إنّ من أتى كبيرة من أهل الصلاة استحق اسم النفاق؟ فقال عمرو: لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ؛ [النور: ٤]، ثم قال فى موضع آخر: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ؛ [التوبة: ٦٧]، فكان كلّ فاسق منافقا؛ إذ كانت ألف ولام المعرفة موجودتين فى الفاسق؛ فقال له واصل: أليس قد وجدت الله تعالى يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ [المائدة: ٤٥]، وأجمع أهل العلم على أنّ صاحب
стр. 195
الكبيرة يستحق اسم ظالم؛ كما يستحق اسم فاسق؛ فألّا كفّرت صاحب الكبيرة من أهل الصلاة بقول الله تعالى: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ؛ [البقرة: ٢٥٤]، فعرّف بألف ولام التعريف اللتين فى قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، كما قال فى القاذف: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، فسمّيته منافقا لقوله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ! فأمسك عمرو، ثم قال له واصل: يا أبا عثمان؛ أيّما أولى أن يستعمل فى أسماء المحدثين من أمّتنا؟ ما اتفق عليه أهل الفرق من أهل القبلة، أو ما اختلف فيه؟ فقال عمرو:
بل ما اتفقوا عليه أولى، فقال له واصل: ألست تجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقا، ويختلفون فيما عدا ذلك من أسمائه؛ لأن الخوارج تسميه مشركا فاسقا، والشيعة تسميه كافر نعمة فاسقا! - قال
سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: يعنى بالشيعة الزّيدية (١) - والحسن يسميه منافقا فاسقا، والمرجئة (٢) تسميه مؤمنا فاسقا؟ فاجتمعوا على تسميته بالفسق، واختلفوا فيما عدا ذلك من أسمائه، فالواجب أن يسمّى بالاسم الّذي اتّفق عليه وهو الفسق؛ لاتفاق المختلفين عليه، ولا يسمى بما عدا ذلك من الأسماء التى اختلف فيها، فيكون صاحب الكبيرة/ فاسقا، ولا يقال فيه إنه مؤمن ولا منافق، ولا مشرك ولا كافر نعمة (٣)، فهذا أشبه بأهل الدين.
فقال له عمرو بن عبيد: ما بينى وبين الحق عداوة، والقول قولك، فليشهد عليّ من حضر أنى تارك المذهب الّذي كنت أذهب إليه؛ من نفاق صاحب الكبيرة من أهل الصلاة،
стр. 196
قائل يقول أبى حذيفة فى ذلك، وأنّى قد اعتزلت مذهب الحسن فى هذا الباب. فاستحسن الناس هذا من عمرو.
وقيل إنّ اسم الاعتزال إنما اختصّت به (١) هذه الفرقة لاعتزالهم مذهب الحسن بن أبى الحسن فى تسمية مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة بالنفاق؛ وحكى غير ذلك.
وقيل إن قتادة بعد موت الحسن البصرى كان جلس مجلسه، وكان هو وعمرو بن عبيد جميعا رئيسين متقدّمين (٢) فى أصحاب الحسن، فجرت بينهما نفرة، فاعتزل عمرو مجلس قتادة، واجتمع عليه جماعة من أصحاب الحسن، فكان قتادة إذا جلس مجلسه سأل عن عمرو وأصحابه فيقول: ما فعلت المعتزلة؟ فسمّوا بذلك.
قال سيدنا الشريف المرتضى ذو المجدين أدام الله علوه: أما ما ألزمه واصل بن عطاء (٣) لعمرو بن عبيد أولا فسديد لازم (٤)، وأما ما كلّمه به ثانيا فغير واجب ولا لازم؛ لأن الإجماع وإن لم يوجد فى تسمية صاحب الكبيرة بالنفاق أو غيره من الأسماء كما وجد فى تسميته بالفسق فغير ممتنع أن يسمّى بذلك لدليل غير الإجماع، ووجود
الإجماع فى الشيء وإن كان دليلا على صحته، فليس فقده دليلا على فساده؛ وواصل إنما ألزم عمرا أن يعدل عن التسمية بالنفاق للاختلاف فيه، ويقتصر على التسمية بالفسق للاتفاق عليه، وهذا باطل، ولو لزم ما ذكره للزمه أن يقال: قد انفق أهل الصلاة على استحقاق صاحب الكبيرة من أهل القبلة الذمّ والعقاب، ولم يتفقوا على استحقاقه التخليد فى العقاب، أو نقول إنهم اجمعوا على استحقاقه العقاب، ولم يجمعوا على فعل المستحق به، فيجب القول بما اتفقوا عليه، ونفى ما اختلفوا فيه.
فإذا قيل استحقاقه (٥) للخلود، أو فعل المستحق به من العقاب، وإن لم يجمعوا عليه،
стр. 197
فقد علم بدليل غير الإجماع؛ قيل له مثل ذلك فيما عوّل عليه، وبطل على/ كل حال أن يكون الاختلاف فى القول دليلا على وجوب الامتناع منه، وهذا ينتقض بمسائل كثيرة ذكرها يطول.
على أنّ المقدمة التى قدمها لا تشبه ما ألزم عليها، لأن الإجماع أولى من الاختلاف فيما يتعارض ويتقابل، والإجماع والاختلاف فى الموضع الّذي كلم عليه واصل عمرا فى مكانين؛ لأن الإجماع هو على تسميته بالفسق، والاختلاف هو فى تسميته بما عداه من الأسماء، فلا تعارض بينهما؛ وله أن يأخذ بالإجماع فى موضعه، ويعوّل فيما الاختلاف فيه على دلالة غير الإجماع، لأن فقد الإجماع من القول لا يوجب بطلانه.
وحكى أن واصلا كان يقول: أراد الله من العباد أن يعرفوه ثم يعملوا، ثم يعلّموا، قال الله تعالى: يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ، فعرّفه نفسه، ثم قال: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ؛ [طه: ١٢]، فبعد أن عرّفه نفسه أمره بالعمل. قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا- يعنى صدقوا- وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ. وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ. علموا وعملوا وعلّموا.
وروى المبرّد قال: حدّثت أن واصل بن عطاء أقبل فى رفقة فأحسّوا بالخوارج، وكانوا قد أشرفوا على العطب، فقال واصل لأهل الرفقة: إنّ هذا ليس من شأنكم فاعتزلوا ودعونى وإياهم، فقالوا: شأنك، فقال الخوارج له: ما
أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام الله، ويقيموا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم؛ قال: فعلّمونا أحكامه، فجعلوا يعلمونه أحكامهم، وجعل يقول: قد قبلت أنا ومن معى، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا؛ قال لهم: ليس ذلك لكم؛ قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ؛ [التوبة: ٦]، فأبلغونا مأمننا، فساروا بأجمعهم حتى بلغوا الأمن (١).
стр. 198
وحكى أنّ محمدا وإبراهيم ابنى عبد الله بن الحسن كانا ممّن دعاهما (١) واصل إلى القول بالعدل، فاستجابا له، وذلك لما حجّ واصل، ودعا الناس بمكة والمدينة (٢).
وحكى أبو القاسم البلخىّ أن عبد الله قال لابنه محمد: كلّ خصالك محمودة يا بنيّ إلا قولك بالقدر، قال: يا أبه، أفشيء أقدر على تركه/ [أولا أقدر على تركه] (٣)؟ فورد الكلام على رجل عاقل فقال: لا عاتبتك عليه أبدا. قال أبو القاسم: يقول إن كنت أقدر على تركه فهو قولى، وإن كنت لا أقدر فلم تعاتبنى على شيء لا أقدر عليه.
*** [أخبار عمرو بن عبيد: ]
فأما عمرو بن عبيد فيكنى أبا عثمان، مولى لبنى العدوية، من بنى تميم، قال الجاحظ: هو عمرو بن عبيد بن باب. وباب نفسه من سبى كابل؛ من سبى عبد الرحمن بن سمرة، وكان باب مولى لبنى العدويّة قال: وكان أبوه عبيد شرطيا، وكان عمرو متزهدا، فكانا إذا اجتازا معا على الناس قالوا: هذا شرّ الناس أبو خير الناس، فيقول عبيد: صدقتم؛ هذا إبراهيم، وأنا تارخ.
قال عليّ بن الجعد: وهو عبيد بن باب، وكان بوّابا للحكم بن أيوب، قال: وكان باب مكاريا، له دكّان معروف يقال له دكّان باب، وكان فارسيا، وللفرزدق معه خبر مشهور تركنا ذكره لشهرته وفحش فيه.
وذكر أبو الحسين الخيّاط أن مولد عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء جميعا فى سنة ثمانين، قال: ومات عمرو بن عبيد فى سنة مائة وأربع وأربعين؛ وهو ابن أربع وستين سنة.
روى أنّ عمرا استأذن على المنصور، فدخل عليه الربيع (٤) فقال له: بالباب رجل
стр. 199
قال: إنى عمرو بن عبيد، وكانت على المنصور جبّة يمانية محقّقة (١)؛ فقال: ويلك يا ربيع! عمرو بالباب؟ قال: نعم، قال: هات لى قميصا أبيض، فأتاه به، فألقاه عليه، ثم قال: در من خلفى؛ فغط الجبة وازرر عليّ- قال الربيع: ولم أكن أرى أحدا يوقّره المنصور حتى رأيت عمرو بن عبيد- فدخل عليه رجل آدم مربوع الكدنة (٢)، بين عينيه أثر السجود، حسن الأدب، حسن اللسان؛ كأنه لم يزل مع الملوك فى توقيره للخليفة، وإعظامه إياه، قال:
فسلّم، فاجتذبه المنصور ليجلس معه فأبى، وطرح نفسه بين يديه، فساء له واحتفى (٣) به، فلما أراد عمرو القيام قال له: عظنى يا أبا عثمان وأوجز، قال له: إنّ ما فى يدك لست بوارثه عن أحد، وإنما هو شيء صار إليك، وقد كان فى يد غيرك قبلك، ولو دام لك لبقى فى يد الأول، والسلام. وروى الأصمعىّ قال: قال مطر الوراق لعمرو بن عبيد: إنى لأرحمك مما يقول الناس فيك، فقال عمرو: أتسمعني (٤) أقول فيهم شيئا؟ قال: لا، قال: فإياهم فارحم!
/ وقال خالد بن صفوان لعمرو بن عبيد: لم لا تأخذ منّى فتقضى دينا إن كان عليك، وتصل رحمك؟ فقال له عمرو: أما دين فليس عليّ، وأما صلة رحمى فلا يجب عليّ، وليس عندى. قال: فما يمنعك أن تأخذ منّى؟ قال: يمنعنى أنه لم يأخذ أحد من أحد شيئا إلّا ذلّ له، وأنا والله أكره أن أذلّ لك.
ويقال إن ابن لهيعة أتى عمرو بن عبيد فى المسجد الحرام، فسلّم عليه، وجلس إليه، وقال له يا أبا عثمان ما تقول فى قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ؛ [النساء: ١٢٩]؟ فقال: ذلك فى محبّة القلوب التى لا يستطيعها العبد ولم يكلّفها (٥)، فأما العدل بينهن فى القسمة من النفس والكسوة والنفقة فهو مطيق لذلك، وقد كلّفه بقوله
стр. 200
تعالى: فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فيما تطيقون فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ؛ بمنزلة من ليست أيّما، ولا ذات زوج. فقال ابن لهيعة: هذا والله هو الحق.
ويقال إن عمرو بن عبيد أتى يونس بن عبيد يعزّيه عن ابن له، فقال له: إن أباك كان أصلك، وإن ابنك كان فرعك، وإن امرأ ذهب أصله وفرعه لحرىّ أن يقلّ بقاؤه. وقيل إن عبد الله بن عبد الأعلى أخذ هذا المعنى فقال:
صحبتك قبل الرّوح إذ أنا نطفة ... تصان فما يبدو لعين مصونها
أرى المرء دينا للمنايا وما لها ... مطال إذا حلّت بنفس ديونها
فماذا بقاء الفرع من بعد أصله ... ستلقى الّذي لاقى الأصول غصونها
وأول من سبق إلى هذا المعنى امرؤ القيس فى قوله:
فبعض اللّوم عاذلتى فإنى ... ستغنينى التّجارب وانتسابى (١)
إلى عرق الثّرى وشجت عروقى ... وهذا الموت يسلبنى شبابى
وأخذ ذلك لبيد فى قوله:
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلّك تهديك القرون الأوائل (٢)
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلنزعك العواذل (٣)
/ وأخذه أيضا فى قوله:
تودّ ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر! (٤)
ونظر إليه محمود الوارق وإبراهيم بن العباس الصولىّ؛ أما محمود ففى قوله:
إذا ما انتسبت إلى آدم ... فلم يك بينكما من أب
وجازت سنوك بك الأربعين ... وصرت إلى الجانب الأجنب
стр. 201
ودبّ البياض خلال السّواد ... فأصبحت فى شية الأشهب
وكيف تؤمّل طول الحياة ... إذا كان حلمك لم يعزب
وأما إبراهيم ففى قوله:
نعى نفسى إلى أبى ... وخبّر أين منقلبى (١)
لموعظة رآها فى ... أبيه كما رأيت أبى
وكأن أبا نواس لحظ هذا المعنى فى قوله:
وما النّاس إلّا هالك وابن هالك ... وذو نسب فى الهالكين عريق (٢)
إذا امتحن الدّنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ فى ثياب صديق
стр. 202
١٢ مجلس آخر [المجلس الثاني عشر: ]
قال: روى أنّ عمرو بن عبيد دخل على معاوية بن عمرو الغلابىّ وهو يجود بنفسه فقال له:
إنّ الله تعبّدك فى حال الصحة بالعمل بجوارحك وقلبك، ووضع عنك فى هذه الحال عمل الجوارح، ولم يكلفك إلا العمل بقلبك، فأعطه بقلبك ما يجب له عليك.
وروى أنّ قوما اجتمعوا إلى عمرو بن عبيد، فتذاكروا السّخاء فأكثروا فى وصفه، وعمرو ساكت، فسألوه عمّا عنده فقال: ما أصبتم صفته؛ إنّ السخىّ من جاد بماله تبرّعا، وكفّ عن أموال الناس تورّعا.
[عمرو بن عبيد وأبو جعفر المنصور: ]
وذكر إسحاق بن الفضل الهاشميّ قال: إنى لعلى باب المنصور يوما، وإلى جنبى عمارة (١) بن حمزة، إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره، ثم دفع (٢) البساط برجله وجلس دونه، فالتفت إلى عمارة فقال: لا
تزال/ بصرتكم ترمينا منها بأحمق؛ فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد! قال:
فو الله ما دلّ على نفسه حتى أرشد إليه، فأتكأه (٣) يده، ثم قال له: أجب أمير المؤمنين جعلت فداك! فمرّ متوكّئا (٤) عليه؛ فالتفت إلى عمارة فقلت: إنّ الرجل الّذي استحمقت (٥)
стр. 203
قد أدخل وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون ذلك، فأطال اللّبث، ثم خرج الربيع وهو متوكّئ عليه، والربيع يقول: يا غلام، حمار أبى عثمان، فما برح حتى أتى بالحمار، فأقرّه على سرجه؛ وضمّ إليه نشر (١) ثوبه، واستودعه الله.
فأقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل ما لو فعلتموه بوليّ عهدكم لقضيتم ذمامه. قال: فما غاب عنك ممّا فعل به أكثر وأعجب، قال عمارة: فإن اتّسع لك الحديث فحدّثنا.
فقال الربيع: ما هو إلّا أن سمع الخليفة بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل إليه والمهدىّ معه عليه سواده وسيفه؛ ثم أذن له، فلما دخل عليه سلّم بالخلافة، فردّ عليه وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفّى به، ثم سأله عن نفسه وعن عياله، يسمّيهم رجلا رجلا، وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان، عظنا فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم [بسم الله الرحمن الرحيم] (٢): وَالْفَجْرِ. وَلَيالٍ عَشْرٍ. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ؛ [الفجر: ١ - ٣]، ومرّ فيها إلى آخرها، وقال: إنّ ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد، قال: فبكى بكاء شديدا؛ كأنه لم يسمع تلك الآيات إلّا تلك الساعة، ثم قال: زدنى، فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه يبعضها، واعلم أن هذا الأمر الّذي صار إليك إنما كان فى يد من كان قبلك، ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإنى أحذّرك ليلة تمخّض (٣) صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى أشدّ من بكائه الأول حتى رجف جنباه.
وفى رواية أخرى أنه لما انتهى إلى آخر السورة قال: إنّ ربّك لبالمرصاد لمن عمل مثل عملهم، أن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتّق الله، فإنّ من وراء بابك نيرانا تأجّج من الجور،
стр. 204
ما يعمل فيها بكتاب الله ولا بسنّة رسول الله (١). فقال: يا أبا عثمان؛ إنا لنكتب إليهم فى الطّوامير (٢)، / نأمرهم بالعمل بالكتاب والسنّة، فإن لم يفعلوا فما عسى أن نصنع! فقال له:
مثل أذن الفأرة يجزيك من الطّوامير، آلله تكتب إليهم فى حاجة نفسك فينفذونها، وتكتب إليهم فى حاجة الله فلا ينفذونها؛ إنّك والله لو لم ترض من عمّالك إلا بالعدل إذا لتقرب إليك به من لانيّة له فيه.
قال سيدنا أدام الله علوّه: رجعنا إلى نسق الحديث، فقال له سليمان بن مجالد: رفقا بأمير المؤمنين، فقد أتعبته منذ اليوم، فقال له: بمثلك ضاع الامر وانتشر، لا أبا لك! وماذا خفت على أمير المؤمنين أن بكى من خشية الله! .
وفى رواية أخرى أنّ سليمان بن مجالد لما قال له ذلك رفع عمرو رأسه فقال له: من أنت؟
فقال أبو جعفر: أولا تعرفه يا أبا عثمان؟ قال: لا، ولا أبالى ألّا أعرفه! فقال: هذا أخوك سليمان بن مجالد، فقال: هذا أخو الشيطان، ويلك يا ابن أم مجالد! خزنت نصيحتك عن أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصيحته! يا أمير المؤمنين؛ إنّ هؤلاء اتخذوك سلّما لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب، فاتّق الله فإنك ميت وحدك، ومحاسب وحدك، ومبعوث وحدك، ولن يغنى عنك هؤلاء من ربك شيئا! فقال له المنصور: يا أبا عثمان؛ أعنّي بأصحابك أستعن بهم، فقال له: أظهر الحق يتّبعك أهله، قال: بلغنى أن محمد بن عبد الله ابن الحسن (٣) كتب إليك كتابا، قال: قد جاءنى كتاب يشبه أن يكون كتابه، قال: فبماذا أجبته؟ قال: أولست قد عرفت رأيى فى السيف أيام كنت تختلف إلينا؟ وإنى لا أراه، قال: أجل! ولكن تحلف لى ليطمئن قلبى! قال: لئن كذبتك تقيّة لأحلفنّ لك تقيّة، قال له: أنت الصادق البارّ، وقد أمرت لك بعشرة آلاف درهم، تستعين بها على زمانك؛
стр. 205
فقال: لا حاجة لى فيها، قال المنصور والله لتأخذنّها، قال: والله لا أخذتها، فقال له المهدى:
يحلف أمير المؤمنين وتحلف! فترك المهدىّ وأقبل على المنصور وقال: من هذا الفتى؟ فقال:
هذا ابنى محمد، وهو المهدىّ وهو ولى العهد، فقال: [والله لقد سميته أسماء ما استحقها بعمل] (١)، وألبسته لبوسا ما هو من لبوس الأبرار/ ولقد مهّدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل (٢) ما تكون عنه! ثم التفت إلى المهدىّ فقال: نعم يا ابن أخى، إذا حلف أبوك حلف عمّك؛ لأن أباك أقدر على الكفّارة من عمك؛ قال المنصور: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟
قال: نعم، قال ما هى؟ قال: ألا تبعث إلى حتى آتيك؛ قال: إذا (٣) لا نلتقى، قال: عن حاجتى سألتنى، ثم ودّعه ونهض؛ فلما ولى أتبعه بصره وأنشأ يقول:
كلّكم طالب صيد ... كلّكم ماش رويد (٤)
غير عمرو بن عبيد
[عمرو بن عبيد وهشام بن الحكم: ]
وروى أن هشام بن الحكم قدم البصرة فأتى حلقة عمرو بن عبيد فجلس فيها وعمرو لا يعرفه، فقال لعمرو: أليس قد جعل الله لك عينين؟ قال: بلى، قال: ولم؟ قال: لأنظر بهما فى ملكوت السموات والأرض فأعتبر، قال: وجعل لك فما؟ قال: نعم، قال: ولم؟
قال: لأذوق الطعوم (٥)، وأجيب الداعى؛ ثم عدّد عليه الحواس كلها، ثم قال: وجعل لك قلبا؟ قال: نعم: قال: ولم؟ قال: لتؤدى إليه الحواسّ ما أدركته، فيميز بينها، قال:
стр. 206
فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواس حتى جعل لها إماما ترجع إليه؛ أترضى (١) لهذا الخلق الذين (٢) جشأ بهم العالم ألّا يجعل لهم إماما يرجعون إليه؟ فقال له عمرو:
ارتفع حتى ننظر فى مسألتك، وعرفه؛ ثم دار هشام فى حلق البصرة فما أمسى حتى اختلفوا.
[عمرو بن عبيد وسليمان بن على: ]
وروى أبو عبيدة قال: دخل عمرو بن عبيد على سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس بالبصرة فقال له سليمان: أخبرنى عن صاحبك- يعنى الحسن- حين يزعم أن عليا ﵇ قال: «إنى وددت أنى كنت آكل الحشف بالمدينة ولم أشهد مشهدى هذا» يعنى:
يوم صفّين، فقال له عمرو بن عبيد: لم يقل هذا؛ لأنه ظنّ أن أمير المؤمنين ﵇ شك، ولكنه يقول: ودّ أنه كان يأكل الحشف بالمدينة، ولم تكن هذه الفتنة؛ فقال: فقوله فى عبد الله بن العباس: «يفتينا فى القملة والقميلة، وطار بأموالنا فى ليلة»؟ فقال له: وكيف يقول هذا، وابن عباس رحمة الله عليهما لم يفارق عليا حتى قتل وشهد صلح الحسن؟ وأىّ مال يجتمع فى بيت المال بالبصرة مع حاجة عليّ ﵇ إلى الأموال/ وهو يفرّغ بيت مال الكوفة فى كل خميس ويرشّه؟ قالوا: إنه كان يقيل فيه، فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟
وهذا باطل.
[كلام عمرو بن عبيد على القدر: ]
قال الجاحظ: نازع رجل عمرو بن عبيد فى القدر فقال له عمرو: إن الله تعالى قال فى كتابه ما يزيل الشّكّ عن قلوب المؤمنين فى القضاء والقدر قال تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ؛ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، ولم يقل: لنسألنهم عما قضيت عليهم أو قدرته فيهم، أو أردته منهم، أو شئته لهم؛ وليس بعد هذا الأمر إلّا الإقرار بالعدل أو السكوت عن الجور الّذي لا يجوز على الله تعالى.
стр. 207
قال خلاد الأرقط: حدّثني زميل عمرو بن عبيد قال: سمعته فى الليلة التى مات (١) فيها يقول: اللهم إن كنت تعلم أنه لم يعرض لى أمران قطّ؛ أحدهما لك فيه رضا، والآخر لى فيه هوى إلّا قدمت رضاك على هواى فاغفر لي.
ومرّ أبو جعفر المنصور على قبره بمرّان- وهو موضع على ليال من مكة على طريق البصرة- فأنشأ يقول:
صلّى الإله عليك من متوسّد ... قبرا مررت به على مرّان
قبرا تضمّن مؤمنا متخشّعا ... عبد الإله ودان بالفرقان (٢)
وإذا الرّجال تنازعوا فى شبهة ... فصل الخطاب بحكمة وبيان
فلو انّ هذا الدّهر أبقى صالحا ... أبقى لنا عمرا أبا عثمان
*** [أخبار أبى الهذيل العلاف وأخباره]
فأما أبو الهذيل العلّاف فهو محمد بن الهذيل بن عبيد (٣) الله بن مكحول العبدىّ وقال أبو القاسم البلخىّ: هو من موالى عبد القيس، وولد فى سنة أربع وثلاثين ومائة، وقال أبو الحسين الخياط: ولد سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقيل: إنه توفى فى أول أيام المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين وسنّه مائة سنة.
قال البرذعىّ: لحق أبا الهذيل فى آخر عمره خرف؛ إلّا أنه لم يكن يذهب عليه معرفة المذهب والقيام (٤) بحجته، وكفّ بصره قبل وفاته؛ وأخذ أبو الهذيل الكلام عن عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء.
وقيل إنّ أبا الهذيل فى حداثته بلغه أن/ رجلا يهوديا قدم البصرة، وقطع جماعة من متكلميها، فقال لعمه: يا عمّ، امض بى إلى هذا اليهودىّ حتى أكلّمه، فقال له عمه: يا بنيّ،
стр. 208
كيف تكلمه وقد عرفت خبره، وأنه قطع مشايخ المتكلمين! فقال: لا بدّ من أن تمضى بى إليه، فمضى به قال:
فوجدته يقرّر الناس على نبوّة موسى ﵇، فإذا اعترفوا له بها قال: نحن على ما اتفقنا عليه إلى أن نجمع على ما تدّعونه؛ فتقدّمت إليه، فقلت: أسألك أم تسألنى؟ فقال: بل أسألك، فقلت: ذاك إليك، فقال لى: أتعترف بأنّ موسى نبىّ صادق، أم تنكر ذلك فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن كان موسى الّذي تسألنى عنه هو الّذي بشّر بنبيّ ﵇، وشهد بنبوّته، وصدّقه فهو نبىّ صادق، وإن كان غير من وصفت؛ فذلك شيطان لا أعترف بنبوّته؛ فورد عليه ما لم يكن فى حسابه. ثم قال لى: أنقول إن التوراة حق؟ فقلت:
هذه المسألة تجرى مجرى الأولى، إن كانت هذه التوراة التى تسألنى عنها هى التى تتضمن البشارة بنبيّ ﵇ فتلك حق، وإن لم تكن كذلك فليست بحقّ، ولا أقرّ بها.
فبهت وأفحم ولم يدر ما يقول، ثم قال لى: أحتاج أن أقول لك شيئا بينى وبينك، فظننت أنه يقول شيئا من الخير، فتقدمت إليه فسارّنى فقال لى: أمّك كذا وكذا، وأمّ من علّمك- لا يكنى، وقدّر أنى أثب به، فيقول: وثبوا بى، وشغّبوا عليّ، فأقبلت على من كان فى المجلس فقلت: أعزكم الله! ألستم قد وقفتم على سؤاله (١) إياى، وعلى جوابى إياه؟ قالوا: بلى! قلت: أفليس عليه أن يردّ جوابى أيضا؟ قالوا: بلى، قلت لهم: فإنه لما سارّنى شتمنى بالشتم الّذي يوجب الحدّ، وشتم من علّمنى، وإنما قدّر أننى أثب عليه، فيدّعى أننا وأثبناه، وشغّبنا عليه، وقد عرّفتكم شأنه بعد الانقطاع، فانصرونى، فأخذته الأيدى من كل جهة، فخرج هاربا من البصرة.
وعن أبى العيناء قال: قال لى أبو الهذيل: ما معنى الخسف؟ فقلت: أن تنقلب الأرض؛ أعلاها أسفلها، فقال: إلّا يكن هذا اليوم بالأرض فإنه لبالنّاس.
وقال أبو الهذيل: قال لى المعذّل بن غيلان العبدىّ، وكان من سادات عبد القيس، وكان يجتمع إليه أهل النظر: يا أبا الهذيل، إنّ فى نفسى شيئا من قول القوم فى الاستطاعة،
стр. 209
فبيّن لى/ ما يذهب بالرّيب عنى، فقال: خبّرنى عن قول الله تعالى: وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ؛ [التوبة: ٤٢]، هل يخلو من أن يكون أكذبهم لأنّهم مستطيعون الخروج (١) [وهم تاركون له، فاستطاعة الخروج فيهم وليس يخرجون، فقال: إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أى هم يستطيعون الخروج] (٢) وهم يكذبون فيقولون: لسنا نستطيع، ولو استطعنا لخرجنا، فأكذبهم الله على هذا الوجه، أو يكون على وجه آخر: يقول: إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أى إن أعطيتهم الاستطاعة لم يخرجوا؛ فتكون معهم الاستطاعة على الخروج ولا يخرجون؛ وعلى
كلّ حال؛ قد كانت الاستطاعة على الخروج ولا يكون الخروج، ولا يعقل للآية معنى ثالث غير الوجهين اللذين وصفنا (٣).
وحكى سليمان الرّقى أنّ أبا الهذيل لمّا ورد سرّ من رأى نزل فى غرفة إلى أن يطلب له دار تصلح له، قال: فمررت به فقلت له: يا أبا الهذيل، أتنزل فى مثل هذا المنزل! فأنشدنى:
يقولون زين المرء يا مىّ رحله ... ألا إنّ زين الرّحل يا مىّ راكبه
وعن مجالد (٤) قال: رأيت رجلا، وقد سأل أبا الهذيل وهو فى الورّاقين بقصر وضّاح فقال له: من جمع بين الزانيين؟ فقال له: يا ابن أخى، أمّا بالبصرة فإنهم يقولون:
القوادون؛ ولا أحسب أهل بغداد يخالفونهم على هذا القول، فما تقول أنت! قال: فخجل الرجل وسكت.
وقال أبو الهذيل: قلت لرجل ممّن ينفى الحركة- ولم يسمّه، وزعم قوم أنه الأصمّ-:
خبّرني عن قول الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ؛ [النور: ٢]، وذكر القاذف فقال: فاجلدوه ثمانين جلدة (٥)، فأيّهما أكثر؟ فقال: حدّ (٦)
стр. 210
الزّانى، قلت: بكم، قال: بعشرين، قلت: فحدّثنى (١) عن الجلد، أهو يد الجلّاد؟ قال:
لا، قلت: أفهو السّوط؟ قال: لا، قلت: فهو ظهر المجلود؟ قال: لا، قلت: أفهو الانفراج الّذي بين السّوط وظهر المجلود؟ قال: لا، قلت: أفثمّ شيء غير هذا هو الجلد؟ قال: لا، قلت: فإنما تقول أنّ لا شيء أكثر من لا شيء بعشرين! فانقطع.
وقال أبو الهذيل: قلت لمجوسىّ: ما تقول فى النار؟ قال: بنت الله، قلت: فالبقر؟ قال:
ملائكة الله؛ قصّ أجنحتها، وحطّها/ إلى الأرض يحرث عليها، فقلت: فالماء، قال: نور الله، قلت: فما الجوع والعطش؟ قال: فقر الشيطان وفاقته، قلت: فمن يحمل الأرض؟
قال: بهمن الملك، قلت: فما فى الدنيا شرّ من المجوس، أخذوا ملائكة الله فذبحوها، ثم غسلوها بنور الله، ثم شووها ببنت الله، ثم دفعوها إلى فقر الشيطان وفاقته، ثم سلحوها على رأس بهمن الملك أعزّ ملائكة الله! فانقطع المجوسى، وخجل مما لزمه.
ودخل أبو الهذيل يوما على الحسن بن سهل بفم الصّلح (٢)، وعنده فتى قد رفع مجلسه، فقال أبو الهذيل: من هذا الفتى الّذي قد رفعه الأمير، لنوفّيه بمعرفته حقّه؟ قال: رجل من أهل النجوم، قال: من أهل صناعة الحساب أم الأحكام؟ قال: الأحكام، قال: ذلك عمل يبطل، أفأسأله؟ قال: سل فأخذ أبو الهذيل تفاحة من بين يديه وقال: آكل هذه التفاحة أم لا؟ قال: تأكلها، فوضعها أبو الهذيل وقال: لست آكلها، قال: فتعيدها إلى يدك وأعيد النظر، فوضعها وأخذ غيرها، فقال له الحسن: لم أخذت غيرها؟ قال: لئلا يقول لى: لا تأكلها فآكلها خلافا عليه فيقول لى: قد أصبت فى المسألة الأولى.
وقال النعمان المناني يوما لأبى الهذيل: دلّ على حدوث العالم بغير الحركة والسكون، فقال له أبو الهذيل: مثلك مثل رجل قال لخصمه: احضر معى إلى القاضى ولا تحضر بيّنتك.
стр. 211
وذكر محمد بن الجهم (١) صاحب الفرّاء قال: رأيت أبا الهذيل وقد جاء إلى الديوان فى أيام المأمون فسأل سهل بن هارون بن راهبون أن يكتب له كتابا فى حاجة له إلى حفصويه صاحب الجيش، ونهض أبو الهذيل؛ فأملى عليّ سهل بن هارون:
إنّ الضّمير إذا سألتك حاجة ... لأبى الهذيل خلاف ما أبدى
فإذا أتاك لحاجة فامدد له ... حبل الرّجاء بمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنّه ... فى غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدّه ... ورجا الغنى فاجبهه بالرّدّ
وإن استطعت له المضرّة فاجتهد ... فيما يضرّ بأبلغ الجهد
/ وانظر كلامى فيه فارم به ... خلف الثّريّا منك فى البعد (٢)
وكذاك فافعل غير محتشم ... إن جئت أسأل فى أبى الهندى (٣)
قال سيدنا المرتضى أدام الله تأييده: ويشبه هذا المعنى ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدثنى محمد بن أبى الأزهر قال: حدثنا أبو العيناء قال: كان لى صديق فجاءنى يوما فقال لى: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معى إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه، فقيل لى: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، فأحب أن تأخذ لى كتابه إليه بالعناية، قال: فصرت إلى الجاحظ، فقال لى: فى أىّ شيء جاء أبو عبد الله؟ فقلت: مسلّما وقاضيا الحقّ، وفى حاجة لبعض أصدقائى وهى كذا وكذا، فقال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة، فإنى فى غد أوجّه إليك بالكتاب، فلما كان من الغد وجّه إلى بالكتاب مختوما فقلت لابنى: وجّه هذا الكتاب إلى فلان، ففيه حاجته، فقال لى: إنّ أبا عثمان بعيد الغور فينبغى أن تفضّه وتنظر ما فيه، ففعل فإذا فى الكتاب: «كتابى إليك مع من لا أعرفه،
стр. 212
وقد كلمنى فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك».
فلما قرأت الكتاب مضيت من فورى إلى الجاحظ، فقال: يا أبا عبد الله، قد علمت أنّك أنكرت ما فى الكتاب، فقلت: أوليس موضع نكرة! فقال: لا، هذه علامة بينى وبين الرجل فيمن اعتنى به، فقلت: لا والله، ما رأيت رجلا أعلم بطبعك وما جبلت عليه من هذا الرجل! - أعنى صاحب الحاجة- أعلمت أنّه لما قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف، وأمّ من يسأله ... فقلت: يا هذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتى فيمن أشكره!
وفى رواية أخرى أنّ أبا العيناء سلّم الكتاب إلى صاحب الحاجة وقال له: فضّ الكتاب، فقال: إنه مختوم فقال: طينة أهون من ظنّة.
*** [خبر طرفة بن العبد والمتلمس الضبعىّ وحديث الصحيفة: ]
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أن أبا العيناء تنبّه على فضّ الكتاب وقراءته بخبر طرفة بن العبد والمتلمّس الضّبعىّ (١)، وذاك أنهما وفدا على عمرو بن هند ونادماه، واحتظيا به، ثم أفضى الأمر إلى أن هجاه كلّ واحد منهما وعرض به بالشعر المشهور (٢) فحنق عليهما، وهمّ بقتلهما، ثم أشفق من ذلك، وأراد قتلهما بيد
غيره، وكان على طرفة أحنق، فعلم أنه إن قتله هجاه المتلمّس: فكتب لهما كتابا إلى البحرين، وقال لهما: إنى قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لقبضها؛ فخرجا من عنده، والكتابان فى أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق، متكشّفا يتبرز، ومعه كسرة خبز يأكل منها، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه، فقال أحدهما لصاحبه: ما رأيت أعجب من هذا الشيخ! فسمع الشيخ مقالته فقال: وما ترى من عجبى (٣)! أدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، وأقتل عدوا، وإنّ أعجب منى لمن يحمل حتفه بيده، وهو لا يدرى! فأوجس المتلمّس فى
стр. 213
نفسه خيفة، وارتاب بكتابه، ولقيه غلام من أهل الحيرة، فقال له: أتقرأ يا غلام؟ قال:
نعم، ففضّ خاتم كتابه، ودفعه إلى الغلام فقرأه، فإذا فيه: «إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه، واصلبه حيا».
فأقبل على طرفة فقال له: تعلّمن (١) والله لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه عليك، فقال: كلّا، ما كان ليجسر على قومى بمثل هذا، ولم يلتفت إلى قول المتلمّس، فألقى المتلمّس كتابه فى نهر الحيرة، وقال:
قذفت بها بالثّنى من جنب كافر ... كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل (٢)
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها ... يجول بها التيار فى كلّ جدول
كافر: نهر بالحيرة، وأقنو: اقتنى، والقطّ: الكتاب: والتيّار: معظم الماء وكثرته.
وقال المتلمّس أيضا:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس (٣)
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما ... ونجا حذار حبائه المتلمّس
ألقى صحيفته ونجّت كوره ... وجناء مجمرة المناسم عرمس (٤)
عيرانة طبخ الهواجر لحمها ... فكأنّ نقبتها أديم أملس (٥)
أطريفة بن العبد إنّك حائن ... أبساحة الملك الهمام تمرّس!
ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس
стр. 214
النقرس هاهنا: الداهية، ومضى طرفة بكتابه إلى البحرين، فأمر به المعلّى بن حنش (١) العبدىّ فقتل؛ فقال المتلمس (٢):
عصانا (٣) فما لاقى رشادا وإنّما ... تبيّن (٤) فى أمر الغوىّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلة ... تمجّ نجيع الجوف منه ترائبه
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقها ... وكيف توقّى (٥) ظهر ما أنت راكبه!
ولحق المتلمّس ببلاد الشام، وهجا عمرا، وبلغه أن عمرا يقول: لئن وجده بالعراق ليقتلنّه، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه ... والحبّ يأكله بالقرية السّوس (٦)
وجرى المثل بصحيفة المتلمّس، فقال الفرزدق يذكر الشعراء الذين أورثوه أشعارهم (٧):
وهب القصائد لى النّوابغ إذ (٨) مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول
وأخو بنى قيس وهنّ قتلنه ... ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل
يعنى بالنوابغ: النابغة الذّبيانى والجعدىّ، ونابغة بنى شيبان، ويعنى: بأبى يزيد المخبّل السعدىّ، وجرول هو الحطيئة، وذو القروح امرؤ القيس، وأخو بنى قيس هو طرفة. ومعنى قوله: «وهن قتلنه»، يعنى: القصائد التى هجا بها عمرو بن هند، ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة فى هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتى ... ولم أعطكم فى الطّوع مالى ولا عرضى (٩)
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك (١٠) بعض الشّرّ أهون من بعض
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصّة مع النعمان.
стр. 215
١٣ مجلس آخر [المجلس الثالث عشر: ]
[أخبار بشر بن المعتمد وإيراد بعض أشعاره: ]
وكان أبو سهل بشر (١) بن المعتمر من وجوه أهل الكلام، ويقال إن جميع معتزلة بغداد كانوا/ من مستجيبيه.
وقال أبو القاسم البلخىّ: إنه من أهل بغداذ، وقيل: من أهل الكوفة، وذكر الجاحظ أنّه كان أبرص.
وحكى أنّه كان يوما فى مجلسه، وعنده أصحابه ومعه مجبر يسألهم ويقول: أنتم تحمدون الله على إيمانكم؟ وهم يقولون: نعم، فيقول لهم: فكأنّه يحبّ أن يحمد على ما لم يفعل، وقد ذمّ ذلك فى كتابه، فيقولون له: إنما ذمّ من أحب أن يحمد على ما لم يفعل؛ ممّن لم يعن عليه، ولم يدع إليه؛ وهو يشغّب إذ أقبل ثمامة (٢) بن أشرس، فقال بشر للمجبر:
قد سألت القوم وأجابوك، وهذا أبو معن فاسأله عن المسألة فقال له: هل يجب عليك أن تحمد الله على الإيمان؟ قال: لا، بل هو يحمدنى عليه، لأنه أمرنى به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به، والتقوية عليه، والدعاء إليه؛ فانقطع المجبر. فقال بشر: شنعت فسهلت.
قال الجاحظ: وكان بشر يقع فى أبى الهذيل، وينسبه إلى النفاق، فقال وهو يصفه:
أبو الهذيل لأن يكون لا يعلم، وهو عند الناس يعلم أحب إليه من أن يعلم، ويكون عند الناس لا يعلم، ولأن يكون من السّفلة، وهو عند الناس من العلية أحبّ إليه من أن يكون من العلية، وهو عند الناس من السّفلة، ولأن يكون نبيل المنظر، سخيف المخبر أحبّ إليه من أن يكون نبيل المخبر، سخيف المنظر؛ وهو بالنفاق أشدّ عجبا منه بالإخلاص، ولباطل مقبول أحبّ إليه من حق مدفوع.