وذكر محمد بن الجهم (١) صاحب الفرّاء قال: رأيت أبا الهذيل وقد جاء إلى الديوان فى أيام المأمون فسأل سهل بن هارون بن راهبون أن يكتب له كتابا فى حاجة له إلى حفصويه صاحب الجيش، ونهض أبو الهذيل؛ فأملى عليّ سهل بن هارون:
إنّ الضّمير إذا سألتك حاجة ... لأبى الهذيل خلاف ما أبدى
فإذا أتاك لحاجة فامدد له ... حبل الرّجاء بمخلف الوعد
وألن له كنفا ليحسن ظنّه ... فى غير منفعة ولا رفد
حتى إذا طالت شقاوة جدّه ... ورجا الغنى فاجبهه بالرّدّ
وإن استطعت له المضرّة فاجتهد ... فيما يضرّ بأبلغ الجهد
/ وانظر كلامى فيه فارم به ... خلف الثّريّا منك فى البعد (٢)
وكذاك فافعل غير محتشم ... إن جئت أسأل فى أبى الهندى (٣)
قال سيدنا المرتضى أدام الله تأييده: ويشبه هذا المعنى ما أخبرنا به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدثنى محمد بن أبى الأزهر قال: حدثنا أبو العيناء قال: كان لى صديق فجاءنى يوما فقال لى: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معى إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه، فقيل لى: أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، فأحب أن تأخذ لى كتابه إليه بالعناية، قال: فصرت إلى الجاحظ، فقال لى: فى أىّ شيء جاء أبو عبد الله؟ فقلت: مسلّما وقاضيا الحقّ، وفى حاجة لبعض أصدقائى وهى كذا وكذا، فقال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة، فإنى فى غد أوجّه إليك بالكتاب، فلما كان من الغد وجّه إلى بالكتاب مختوما فقلت لابنى: وجّه هذا الكتاب إلى فلان، ففيه حاجته، فقال لى: إنّ أبا عثمان بعيد الغور فينبغى أن تفضّه وتنظر ما فيه، ففعل فإذا فى الكتاب: «كتابى إليك مع من لا أعرفه،
стр. 212
وقد كلمنى فيه من لا أوجب حقّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذممك».
فلما قرأت الكتاب مضيت من فورى إلى الجاحظ، فقال: يا أبا عبد الله، قد علمت أنّك أنكرت ما فى الكتاب، فقلت: أوليس موضع نكرة! فقال: لا، هذه علامة بينى وبين الرجل فيمن اعتنى به، فقلت: لا والله، ما رأيت رجلا أعلم بطبعك وما جبلت عليه من هذا الرجل! - أعنى صاحب الحاجة- أعلمت أنّه لما قرأ الكتاب قال: أمّ الجاحظ عشرة آلاف، وأمّ من يسأله ... فقلت: يا هذا؟ أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتى فيمن أشكره!
وفى رواية أخرى أنّ أبا العيناء سلّم الكتاب إلى صاحب الحاجة وقال له: فضّ الكتاب، فقال: إنه مختوم فقال: طينة أهون من ظنّة.
*** [خبر طرفة بن العبد والمتلمس الضبعىّ وحديث الصحيفة: ]
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أن أبا العيناء تنبّه على فضّ الكتاب وقراءته بخبر طرفة بن العبد والمتلمّس الضّبعىّ (١)، وذاك أنهما وفدا على عمرو بن هند ونادماه، واحتظيا به، ثم أفضى الأمر إلى أن هجاه كلّ واحد منهما وعرض به بالشعر المشهور (٢) فحنق عليهما، وهمّ بقتلهما، ثم أشفق من ذلك، وأراد قتلهما بيد
غيره، وكان على طرفة أحنق، فعلم أنه إن قتله هجاه المتلمّس: فكتب لهما كتابا إلى البحرين، وقال لهما: إنى قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لقبضها؛ فخرجا من عنده، والكتابان فى أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق، متكشّفا يتبرز، ومعه كسرة خبز يأكل منها، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه، فقال أحدهما لصاحبه: ما رأيت أعجب من هذا الشيخ! فسمع الشيخ مقالته فقال: وما ترى من عجبى (٣)! أدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، وأقتل عدوا، وإنّ أعجب منى لمن يحمل حتفه بيده، وهو لا يدرى! فأوجس المتلمّس فى
стр. 213
نفسه خيفة، وارتاب بكتابه، ولقيه غلام من أهل الحيرة، فقال له: أتقرأ يا غلام؟ قال:
نعم، ففضّ خاتم كتابه، ودفعه إلى الغلام فقرأه، فإذا فيه: «إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه، واصلبه حيا».
فأقبل على طرفة فقال له: تعلّمن (١) والله لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه عليك، فقال: كلّا، ما كان ليجسر على قومى بمثل هذا، ولم يلتفت إلى قول المتلمّس، فألقى المتلمّس كتابه فى نهر الحيرة، وقال:
قذفت بها بالثّنى من جنب كافر ... كذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل (٢)
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها ... يجول بها التيار فى كلّ جدول
كافر: نهر بالحيرة، وأقنو: اقتنى، والقطّ: الكتاب: والتيّار: معظم الماء وكثرته.
وقال المتلمّس أيضا:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم ... نبأ فتصدقهم بذاك الأنفس (٣)
أودى الّذي علق الصّحيفة منهما ... ونجا حذار حبائه المتلمّس
ألقى صحيفته ونجّت كوره ... وجناء مجمرة المناسم عرمس (٤)
عيرانة طبخ الهواجر لحمها ... فكأنّ نقبتها أديم أملس (٥)
أطريفة بن العبد إنّك حائن ... أبساحة الملك الهمام تمرّس!
ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّه ... يخشى عليك من الحباء النّقرس
стр. 214
النقرس هاهنا: الداهية، ومضى طرفة بكتابه إلى البحرين، فأمر به المعلّى بن حنش (١) العبدىّ فقتل؛ فقال المتلمس (٢):
عصانا (٣) فما لاقى رشادا وإنّما ... تبيّن (٤) فى أمر الغوىّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلة ... تمجّ نجيع الجوف منه ترائبه
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقها ... وكيف توقّى (٥) ظهر ما أنت راكبه!
ولحق المتلمّس ببلاد الشام، وهجا عمرا، وبلغه أن عمرا يقول: لئن وجده بالعراق ليقتلنّه، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه ... والحبّ يأكله بالقرية السّوس (٦)
وجرى المثل بصحيفة المتلمّس، فقال الفرزدق يذكر الشعراء الذين أورثوه أشعارهم (٧):
وهب القصائد لى النّوابغ إذ (٨) مضوا ... وأبو يزيد وذو القروح وجرول
وأخو بنى قيس وهنّ قتلنه ... ومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل
يعنى بالنوابغ: النابغة الذّبيانى والجعدىّ، ونابغة بنى شيبان، ويعنى: بأبى يزيد المخبّل السعدىّ، وجرول هو الحطيئة، وذو القروح امرؤ القيس، وأخو بنى قيس هو طرفة. ومعنى قوله: «وهن قتلنه»، يعنى: القصائد التى هجا بها عمرو بن هند، ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة فى هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتى ... ولم أعطكم فى الطّوع مالى ولا عرضى (٩)
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك (١٠) بعض الشّرّ أهون من بعض
وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصّة مع النعمان.
стр. 215
١٣ مجلس آخر [المجلس الثالث عشر: ]
[أخبار بشر بن المعتمد وإيراد بعض أشعاره: ]
وكان أبو سهل بشر (١) بن المعتمر من وجوه أهل الكلام، ويقال إن جميع معتزلة بغداد كانوا/ من مستجيبيه.
وقال أبو القاسم البلخىّ: إنه من أهل بغداذ، وقيل: من أهل الكوفة، وذكر الجاحظ أنّه كان أبرص.
وحكى أنّه كان يوما فى مجلسه، وعنده أصحابه ومعه مجبر يسألهم ويقول: أنتم تحمدون الله على إيمانكم؟ وهم يقولون: نعم، فيقول لهم: فكأنّه يحبّ أن يحمد على ما لم يفعل، وقد ذمّ ذلك فى كتابه، فيقولون له: إنما ذمّ من أحب أن يحمد على ما لم يفعل؛ ممّن لم يعن عليه، ولم يدع إليه؛ وهو يشغّب إذ أقبل ثمامة (٢) بن أشرس، فقال بشر للمجبر:
قد سألت القوم وأجابوك، وهذا أبو معن فاسأله عن المسألة فقال له: هل يجب عليك أن تحمد الله على الإيمان؟ قال: لا، بل هو يحمدنى عليه، لأنه أمرنى به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به، والتقوية عليه، والدعاء إليه؛ فانقطع المجبر. فقال بشر: شنعت فسهلت.
قال الجاحظ: وكان بشر يقع فى أبى الهذيل، وينسبه إلى النفاق، فقال وهو يصفه:
أبو الهذيل لأن يكون لا يعلم، وهو عند الناس يعلم أحب إليه من أن يعلم، ويكون عند الناس لا يعلم، ولأن يكون من السّفلة، وهو عند الناس من العلية أحبّ إليه من أن يكون من العلية، وهو عند الناس من السّفلة، ولأن يكون نبيل المنظر، سخيف المخبر أحبّ إليه من أن يكون نبيل المخبر، سخيف المنظر؛ وهو بالنفاق أشدّ عجبا منه بالإخلاص، ولباطل مقبول أحبّ إليه من حق مدفوع.
стр. 216
ولبشر أشعار كثيرة، يحتج فيها على أهل المقالات. وذكر الجاحظ أنّه لم ير أحدا أقوى (١) على المخمّس والمزدوج (٢) على ما قوى عليه بشر، وأنه كان أكثر فى ذلك وأقدر من أبان اللاحقىّ (٣)، وهو القائل:
إن كنت تعلم ما أقو ... ل وما تقول فأنت عالم
أو كنت تجهل ذا وذا ... ك فكن لأهل العلم لازم
أهل الرّئاسة من ين ... ازعهم رياستهم فظالم
سهرت عيونهم وأن ... ت عن الّذي قاسوه حالم
لا تطلبنّ رئاسة ... بالجهل أنت لها مخاصم
/ لولا مقامهم رأي ... ت الدّين مضطرب الدّعائم
*** [أخبار إبراهيم بن إسحاق النظام وبعض أشعاره: ]
فأما أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام؛ فإنه كان مقدّما فى العلم بالكلام، حسن الخاطر، شديد التدقيق والغوص على المعانى؛ وإنما أدّاه إلى المذاهب الباطلة التى تفرّد بها واستشنعت منه تدقيقه وتغلغله. وقيل: إنه مولى
الزياديين من ولد العبيد، وإن الرّقّ جرى على أحد آبائه.
وقيل للنظّام (٤): ما الاختصار؟ فقال: الّذي اختصاره فساد. وقال لرجل: أتعرف فلانا المجوسىّ؟ فقال: نعم، ذاك الّذي حلق وسط رأسه، كما يفعل اليهودىّ، فقال النظّام:
لا مجوسىّ عرفت، ولا يهودىّ وصفت.
قال الجاحظ وذكر عبد الوهاب الثقفىّ فقال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم،
стр. 217
وخصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، وطاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصل (١) الدائم، مع الشباب الناعم؛ وللنظّام شعر كثير صالح، فمنه:
يا تاركى جسدا بغير فؤاد ... أسرفت فى الهجران والإبعاد
إن كان يمنعك الزّيارة أعين ... فادخل عليّ بعلّة العوّاد
كيما أراك وتلك أعظم نعمة ... ملكت يداك بها منيع قيادى
إنّ العيون على القلوب إذا جنت ... كانت بليّتها على الأجساد
وله:
توهّمه (٢) طرفى فآلم خدّه ... فكان (٣) مكان الوهم من نظرى أثر
وصافحه قلبى فآلم كفّه ... فمن صفح قلبى فى أنامله عقر
ومرّ بقلبى خاطرا فجرحته ... ولم أر خلقا (٤) قطّ يجرحه الفكر
يمرّ فمن لين وحسن تعطّف ... يقال به سكر وليس به سكر
ويقال إن أبا العتاهية، قال: أنشدت النظام شعرا:
إذا همّ النّديم له بلحظ ... تمشّت فى محاسنه الكلوم
فقال: ينبغى أن ينادم هذا أعمى.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأبيات النظام تتضمّن معنى بيت أبى العتاهية، ولسنا ندرى أيّهما أخذ من صاحبه، والنظّام يكرر هذا المعنى/ كثيرا فى شعره، فمن ذلك قوله:
رقّ فلو بزّت سرابيله ... علّقه الجوّ من اللّطف (٥)
يجرحه اللّحظ بتكراره ... ويشتكى الإيماء بالطّرف
стр. 218
وحكى أن أبا النظام (١) جاء به وهو حدث إلى الخليل بن أحمد، ليعلّمه، فقال له الخليل يوما يمتحنه، وفى يده قدح زجاج: يا بنيّ، صف لى هذه الزجاجة، فقال: أبمدح أم بذم؟
قال: بمدح، قال: نعم، تريك القذى، لا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء؛ قال: فذمّها، قال: سريع كسرها، بطيء (٢) جبرها، قال: فصف هذه النخلة، وأومأ إلى نخلة فى داره، فقال: أبمدح أم بذم؟ قال: بمدح، قال: هى حلو مجتناها، باسق منتهاها، ناضر أعلاها؛ قال: فذمّها قال: هى صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى؛ فقال الخليل:
يا بنيّ، نحن إلى التعلّم منك أحوج.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وهذه بلاغة من النظّام حسنة، لأن البلاغة هى وصف الشيء ذمّا أو مدحا بأقصى ما يقال فيه.
*** [اختبار لبيد بهجائه للبقلة وخبره مع الربيع بن زياد عند النعمان: ]
وشيبه بهذا المعنى خبر لبيد (٣) المشهور فى هجائه (٤) البقلة، التى امتحن بهجائها، واختبر بذمها، فقال فيها أبلغ ما يقال فى مثلها، وذلك أن عمارة وأنسا وقيسا والربيع بنى زياد العبسيين وفدوا على النعمان بن المنذر، ووفد
عليه العامريون بنو أم البنين (٥)، وعليهم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو ملاعب الأسنّة، وكان العامريون ثلاثين رجلا،
стр. 219
وفيهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان الربيع ابن زياد العبسىّ ينادم النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه، وكان يدعى الكامل، لشطاطه (١) وبياضه وكماله.
فضرب النعمان قبّة على أبى براء، وأجرى عليه وعلى من كان معه النّزل، فكانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فافتخروا يوما بحضرته، فكاد العبسيون يغلبون العامريين، وكان الربيع إذا خلا بالنعمان طعن فيهم، وذكر معايبهم؛ ففعل ذلك مرارا لعداوته لبنى جعفر؛ لأنهم كانوا أسروه، فصدّ النعمان عنهم حتى نزع القبة عن أبى براء، وقطع/ النّزل، ودخلوا عليه يوما فرأوا منه جفاء، وقد كان قبل ذلك يكرمهم، ويقدّم مجلسهم، فخرجوا من عنده غضابا، وهمّوا بالانصراف، ولبيد فى رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بها.
فأتاهم تلك الليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع، فقال لهم: ما كنتم (٢) تتناجون؟ فكتموه، وقالوا له: إليك عنا، فقال: أخبرونى، فلعلّ لكم عندى فرجا، فزجروه، فقال: والله لا أحفظ لكم متاعا، ولا أسرح لكم بعيرا (٣) أو تخبرونى؟ وكانت أم لبيد عبسية فى حجر الربيع، فقالوا له: خالك قد غلبنا على الملك، وصدّ (٤) عنا وجهه، فقال: هل تقدرون أن تجمعوا بينى وبينه غدا حين يقعد الملك فأرجز به رجزا ممضّا مؤلما، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا؟ قالوا له: وهل عندك ذلك؟ قال: نعم، قالوا: فإنّا نبلوك بشتم (٥) هذه البقلة- وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الورق،
لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التّربة- فاقتلعها من الأرض وأخذها بيده، وقال: «هذه البقلة التّربة التّفلة الرذلة، التى لا تذكى نارا، ولا تؤهل دارا، ولا تستر جارا، عودها ضئيل، وفرعها ذليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع ونبتها خاشع، وآكلها
стр. 220
جائع، والمقيم عليها قانع؛ أقصر البقول فرعا، وأخبثها مرعى وأشدها قلعا، فحربا (١) لجارها وجدعا! ألقوا بي (٢) أخا بنى عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره فى لبس». فقالوا له: نصبح ونرى فيك رأينا.
فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، فإن رأيتموه نائما فليس أمره بشيء، إنما تكلّم بما جرى على لسانه، وإن رأيتموه ساهرا فهو صاحبكم، فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلا يكدم واسطته؛ حتى أصبح فلما أصبحوا، قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلّة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان فوجدوه يتغدّى ومعه الربيع، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة، بالوفد فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع فى كلامهم، فقام لبيد: وقد دهن أحد شقّى رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلا واحدة- وكذلك/ كانت الشعراء تفعل فى الجاهلية إذا أرادت الهجاء- فمثل بين يديه، ثم قال:
يا ربّ هيجا هى خير من دعه (٣) ... إذ لا تزال هامتى مقزّعه
نحن بنى أمّ البنين الأربعة ... ونحن خير عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعة (٤) ... والضّاربون إلهام تحت الخيضعة
стр. 221
مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه ... إنّ استه من برص ملمّعه
وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتّى يوارى أشجعه
كأنه يطلب شيئا ضيّعه
فلما فرغ لبيد التفت النعمان إلى الربيع يرمقه شزرا، وقال: كذلك أنت؟ قال: كذب والله ابن الحمق اللئيم! فقال النعمان: أفّ لهذا الطعام، لقد خبّث عليّ طعامى! فقال الربيع: أبيت اللعن! أما إنى قد فعلت بأمه- لا يكنى، وكانت فى حجره- فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، أما إنها من نسوة غير فعل، وأنت المرء قال هذا فى يتيمته (١).
قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت فى رواية أخرى: أما إنها من نسوة فعل، وإنما قال ذلك لأنها كانت من قوم الربيع، فنسبها إلى القبيح، وصدّقه عليه تهجينا له ولقومه.
فأمر الملك بهم جميعا فأخرجوا، وأعاد على أبى براء القبة، وانصرف الربيع إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله، فكتب إليه: وأنى قد تخوّفت أن يكون قد وقع فى صدرك ما قال لبيد، ولست برائم حتى تبعث إلى من يجردنى، ليعلم من حضرك من الناس إنى لست كما قال، فأرسل إليه: إنك لست صانعا بانتفائك مما قال لبيد شيئا، ولا قادرا على ردّ ما زلّت به الألسن، فالحق بأهلك؛ ثم كتب إليه النعمان فى جملة أبيات جوابا عن أبيات (٢) كتبها إليه الربيع مشهورة:
стр. 222
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا! (١)
وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا/ أبو حاتم عن أبى عبيدة، وأخبرنا به أيضا المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن أحمد الكاتب قال:
حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوىّ قال: أخبرنا محمد بن زياد بن زبّان عن الكلبىّ عن عبد الله بن مسلم البكّاوىّ (٢) - وكان قد أدرك الجاهلية.- وفى حديث كل واحد زيادة على الآخر، ولم نأت بجميع الخبر على وجهه، بل أسقطنا منه ما لم نحتج إليه، وأوردنا ما أوردنا منه بألفاظه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: أما قوله: «نحن بنى أم البنين» فإنه نصب على المدح، والعرب تنصب على المدح والذم جميعا. وأم البنين هى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة ابن صعصعة، وكانت تحت مالك بن جعفر بن كلاب، فولدت له منه عامر بن مالك ملاعب الأسنّة، وطفيل بن مالك فارس قرزل، وهو أبو عامر بن الطّفيل، وقرزل فرس كانت له، وربيعة بن مالك أبا لبيد، وهو ربيع المقترين، ومعاوية بن مالك معوّد الحكّام، وإنما سمى معوّد الحكام بقوله:
أعوّد مثلها الحكّام بعدى ... إذا ما الحقّ فى الأشياع نابا
стр. 223
وولدت عبيدة الوضّاح؛ فهؤلاء خمسة، وقال لبيد: «أربعة»، لأن الشعر لم يمكّنه من ذلك (١).
وأما الجفنة المدعدعة (٢) فهى المملوءة. وأما الخيضعة، فإن الأصمعىّ يذكر أن لبيدا قال: «تحت الخضعة»؛ يعنى الجلبة، فسوّته الرواة. وقيل: إن الخيضعة أصوات وقع السيوف، والخيضعة أيضا البيضة التى تلبس على الرأس، والخيضعة الغبار، والقول يحتمل كلّ ذلك.
وأما: «أبيت اللعن»، فإن أبا حاتم قال: سألت الأصمعىّ عنه فقال: معناه أبيت أن تأتى من الأمور ما تلعن عليه.
وأما: «الأشاجع»؛ فهى العروق والعصب الّذي على ظهر الكفّ.
وقد روى: * أكل يوم هامتى مقزّعة*
والقزع: تساقط بعض الشعر والصوف وبقاء بعضه، يقال: كبش أقزع ونعجة قزعاء.
*** [أخبار الجاحظ ونتف من كلامه: ]
فأما الجاحظ فهو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، مولى لأبى القلمّس عمرو بن قلع الكنانىّ ثم الفقيمىّ. وذكر المبرّد أنه ما رأى أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ، والفتح بن خاقان، وإسماعيل بن إسحاق القاضى؛ فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع فى يده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أىّ كتاب كان. وأما الفتح/ بن خاقان (٣) فإنه كان يحمل الكتاب فى خفّه، فإذا قام بين يدى المتوكل للبول أو للصلاة أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشى حتى يبلغ الموضع الّذي يريده، ثم يصنع مثل ذلك فى رجوعه إلى أن يأخذ
стр. 224
مجلسه. وأما إسماعيل بن (١) إسحاق فإنى ما دخلت عليه قطّ إلّا وفى يده كتاب ينظر فيه، أو يقلّب الكتب لطلب
كتاب ينظر فيه.
قال البلخىّ: تفرّد الجاحظ بالقول بأن المعرفة طباع، وهى مع ذلك فعل للعباد على الحقيقة، وكان يقول فى سائر الأفعال إنها تنسب إلى العباد على أنها وقعت منهم طباعا، وأنها وجبت بإرادتهم، وليس بجائز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى؛ والكفار عنده بين معاند، وبين عارف قد استغرقه حبّه لمذهبه وشغفه به وإلفه وعصبيته؛ فهو لا يشعر بما عنده من المعرفة بخلافه.
وكان الجاحظ ملازما لمحمد بن عبد الملك الزيات (٢)، وكان منحرفا عن أحمد بن أبى دؤاد، للعداوة التى كانت بين أحمد ومحمّد، فلما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات هرب الجاحظ، فقيل له: لم هربت؟ فقال: خفت أن أكون ثانى اثنين إذ هما فى التنّور! يريد: ما صنع بمحمد بن عبد الملك من إدخاله تنورا فيه مسامير، كان هو صنعه ليعذّب الناس فيه، فعذب به حتى مات.
وروى انه أتى بالجاحظ بعد موت ابن الزيات وفى عنقه سلسلة، وهو مقيّد فى قميص سمل، فلما نظر إليه ابن أبى دؤاد قال: والله ما علمتك إلّا متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساوئ، وما فتّنى باستصلاحى (٣) لك، ولكنّ الأيام لا تصلح منك لفساد طويّتك، ورداءة دخيلتك (٤)، وسوء اختيارك، وغالب طبعك؛ فقال الجاحظ: خفّض عليك أيدك الله! فو الله لأن يكون لك الأمر عليّ خير من أن يكون لى عليك، ولأن أسيء وتحسن أحسن فى الأحدوثة عنك من أن أحسن فتسيء، ولأن تعفو عنى فى حال قدرتك
стр. 225
أجمل بك من الانتقام منى، فقال ابن أبى دؤاد: قبحك الله! فو الله ما علمتك إلّا كثير تزويق اللسان، وقد جعلت بيانك أمام قلبك، ثم اضطغنت فيه النفاق والكفر؛ يا غلام صر به إلى الحمام، وأمط عنه الأذى. فأخذت عند
السلسلة/ والقيد، وأدخل الحمام، وأميط عنه الأذى، وحمل إليه تخت من ثياب وطويلة وخفّ، فلبس ذلك، ثم أتاه فصدّره فى مجلسه، ثم أقبل عليه، وقال: هات الآن حديثك يا أبا عثمان!
وقال المبرّد: سمعت الجاحظ يقول: احذر من تأمن؛ فإنك على حذر ممن تخاف.
وقال الجاحظ: قلت لأبى يعقوب الخريمىّ الشاعر: من خلق المعاصى؟ قال: الله، قلت:
فمن عذّب عليها؟ قال: الله، قلت: فلم؟ قال: لا أدرى والله!
وكان الجاحظ يقول: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيعه، إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى.
وقال: لا تكلّم العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة.
وقال سوّار بن أبى شراعة: كنت عند الجاحظ، فرآنى أكتب خطا رديئا فى ورق رديء متقارب السطور، فقال لى: ما أحسبك تحبّ ورثتك، فقلت: وكيف ذاك؟ قال:
لأنى أراك تسيء بهم فيما تخلّفه!
وذكر أبو العباس المبرّد قال: سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه: أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام، ومن علم إلى عمل، ومن قدرة إلى عفو، ومن نعمة إلى شكر.
وقال المبرّد قال لى الجاحظ يوما: أتعرف مثل قول إسماعيل بن القاسم.
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدّهر حين تنوب
فقلت: نعم، قول كثيّر، ومنه أخذ:
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
стр. 226
وروى يموت بن المزرّع لخاله عمرو بن بحر الجاحظ فى الجمّاز (١) يهجوه:
نسب الجمّاز مقصور إليه منتهاه
تنتهى الأحساب بالنّاس ولا تعدو قفاه
يتحاجى من أبو الجمّاز فيه كاتباه
ليس يدرى من أبو الجمّاز إلّا من يراه
/ أخبرنا المرزبانىّ قال: أخبرنا عليّ بن هارون قال أنشدنى وكيع قال أنشدنى أبو العيناء قال أنشدنى الجاحظ لنفسه فى الخضاب:
زرت فتاة من بنى هلال ... فاستعجلت إلى بالسّؤال
ما لي أراك قانئ السّبال ... كأنّما كرعت فى جريال (٢)
ما يبتغى مثلك من أمثالى ... تنحّ قدّامى ومن حيالى
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: قوله: «كأنما كرعت فى جريال» مليح قوىّ، ولا يشبه شعر الجاحظ للينه وضعف كلامه.
وذكر أبو العيناء قال حدثنى إبراهيم بن رياح قال أنشدنى الجاحظ يمدحنى:
بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلّل عنهم شباة العدم
وذكّره الحزم ريب الزّمان ... فبادر بالعرف قبل النّدم
قال إبراهيم: فذاكرت بهما أحمد بن أبى دؤاد فقال: قد أنشدنيهما يمدحنى بهما، ثم لقيت محمد بن الجهم فقال: قد أنشدنيهما يمدحنى بهما، وقال يموت بن المزرّع: سمعت خالى الجاحظ يقول: لا أعرف شعرا يفضل قول أبى نواس:
стр. 227
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس (١)
مساحيب من جرّ الزّقاق على الثّرى ... وأضغاث ريحان: جنىّ ويابس
حبست بها صحبى فجدّدت عهدهم ... وإنى على أمثال تلك لحابس
ولم أدر من هم غير ما شهدت به ... بشرقىّ ساباط الدّيار البسابس (٢)
أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم التّرحّل خامس
تدار علينا الرّاح فى عسجديّة ... حبتها بأنواع التّصاوير فارس
قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مها تدريها بالقسىّ الفوارس (٣)
/ فللخمر ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس
قال الجاحظ: فأنشدتها أبا شعيب القلّال (٤) فقال: يا أبا عثمان، لو نقر هذا الشعر لطنّ! قلت: ويلك! ما تفارق الجرار والخزف حيث كنت! .
قال سيدنا أيده الله: أخذ أبو نواس قوله:
ولم أدر من هم غير ما شهدت به ... بشرقى ساباط الدّيار البسابس
من قول أبى خراش الهذلىّ:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى (٥) أنّه قد سلّ عن ماجد محض (٦)
ويقال إن أبا خراش أوّل من مدح من لا يعرفه، وذاك أن خراش بن أبى خراش أسر هو وعروة بن مرة، فطرح رجل من القوم رداءه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة ونجّاه. فلما تفرغوا له قال: أفلت منّى، ويقال: بل رآه فى الأسر رجل من بنى عمه، فألقى عليه رداءه ليجيره به، وقال له: النجاء ويلك! فقال أبو خراش فى ذلك:
حمدت الإله (٧) بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشّرّ أهون من بعض
стр. 228
فأقسمت لا أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسى (١) ما مشيت على الأرض
على أنّها تعفو الكلوم وإنّما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى
ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض
وأخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنى إبراهيم بن محمد بن شهاب قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن عمر البرذعىّ المتكلم قال: صرت إلى منزل الجاحظ فى أول ما قدمت من بلدى، وقد اعتل علته التى فلج
فيها، فاستأذنت عليه، فخرج إلى خارج من منزله، فقال لى: يقول لك: وما تصنع بشقّ مائل، ولعاب سائل! فانصرفت عنه.
وذكر يموت بن المزرّع قال: وجّه المتوكل فى السنة التى قتل فيها أن يحمل إليه الجاحظ من البصرة، وسأله الفتح ذلك، فوجده لا فضل فيه (٢)، فقال لمن أراد حمله: وما تصنع بامرئ ليس بطائل، ذى شقّ/ مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل زائل، ولون حائل! .
وذكر المبرد قال: سمعت الجاحظ يقول: أنا من جانبى الأيسر مفلوج، فلو قرض بالمقاريض ما علمت، ومن جانبى الأيمن منقرس، فلو مرّ به الذباب لألمت، وبى حصاة لا ينسرح لى البول معها، وأشد ما عليّ ست وتسعون!
وقال يوما لمتطبب يشكو إليه علته: قد اصطلحت الاضداد إلى جسدى، إن أكلت باردا أخذ برجلى، وإن أكلت حارا أخذ برأسى. وتوفى فى سنة خمس وخمسين ومائتين.
стр. 229
١٤ مجلس آخر [المجلس الرابع عشر: ]
تأويل آية [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ؛ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ؛ [البقرة: ١٧٧].
فقال: كيف ينفى كون تولية الوجوه إلى الجهات من البرّ، وإنما يفعل ذلك فى الصلاة، وهى برّ لا محالة؟ وكيف خبّر عن البرّ «بمن» والبرّ كالمصدر، و «من» اسم محض؟ وعن أىّ شيء كنّى بالهاء فى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ؟ وما المخصوص بأنها كناية عنه وقد تقدمت أشياء كثيرة؟ وعلى أىّ شيء ارتفع الْمُوفُونَ؟ وكيف نصب الصَّابِرِينَ، وهم معطوفون على الموفين؟ وكيف وحّد الكناية فى مواضع وجمعها فى أخر؟ فقال: مَنْ آمَنَ وآتَى الْمالَ وأَقامَ الصَّلاةَ، ثم قال:
وَالْمُوفُونَ، والصَّابِرِينَ؟ .
يقال له: فيما ذكرته أوّلا جوابان:
أحدهما أنّه أراد تعالى: ليس الصّلاة هى البرّ كلّه؛ لكنه ما عدّد فى الآية من ضروب الطاعات وصنوف الواجبات، فلا تظنوا أنكم إذا توجّهتم إلى الجهات بصلاتكم، فقد أحرزتم البرّ بأسره، وحزتموه بكماله، بل يبقى عليكم بعد ذلك معظمه وأكثره.
والجواب الثانى أن النّصارى لما توجّهوا إلى المشرق، واليهود إلى بيت المقدس، واتخذوا
стр. 230
هاتين الجهتين قبلتين، واعتقدوا فى الصلاة إليهما أنهما/ برّ وطاعة خلافا على الرسول صلى الله عليه وآله أكذبهم الله تعالى فى ذلك، وبيّن أن ذلك ليس من البر، إذ كان منسوخا بشريعة النبي صلى الله عليه وآله؛ التى تلزم الأسود والأبيض، والعربى والعجمىّ، وأن البرّ هو ما تضمنته الآية.
فأما إخباره «بمن» ففيه وجوه ثلاثة:
أولها أن يكون معنى «البرّ» هاهنا البارّ وذا البرّ، وجعل أحدهما فى مكان الآخر؛ والتقدير:
ولكنّ البارّ من آمن بالله؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً؛ [الملك: ٣٠]، يريد غائرا، ومثل قول الشاعر:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار (١)
أراد أنها مقبلة مدبرة، ومثله:
تظلّ جيادهم نوحا عليهم ... مقلّدة أعنّتها صفونا (٢)
أراد نائحة عليهم، ومثله قول الشاعر:
هريقى من دموعهما سجاما ... ضباع (٣) وجاوبى نوحا قياما
والوجه الثانى أن العرب قد تخبر عن الاسم بالمصدر والفعل، وعن المصدر بالاسم، فأمّا إخبارهم عن المصدر بالاسم فقوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وقول العرب: إنما البرّ الّذي يصل الرحم ويفعل كذا وكذا، وأما إخبارهم عن الاسم بالمصدر والفعل فمثل قول الشاعر:
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كلّ فتى ند (٤)
стр. 231
فجعل «أن تنبت» وهو مصدر خبرا عن الفتيان.
والوجه الثالث أن يكون المعنى: ولكن البرّ برّ من آمن؛ فحذف البرّ الثانى، وأقام «من» مقامه؛ كقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ؛ [البقرة: ٩٣]، أراد:
حبّ العجل، قال الشاعر:
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب (١)
أراد: كخلالة أبى مرحب؛ وقال النابغة:
/ وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى المطارة عاقل (٢)
أراد على مخافة وعل. وتقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطريق، أى أهل الطريق.
وحكى عن بعضهم: أطيب النّاس الزّبد، أى أطيب ما يأكل (٣) الناس الزّبد، وكذلك قولهم: حسبت صباحى زيدا، أى صباح زيد، وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ؛ [النور: ٦١]، أى ليس على من أكل مع الأعمى حرج، وفى قوله تعالى: رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ، [الكهف: ٢٢]، وذكروا أنه كان راعيا تبعهم.
فأما من كنى عنه بالهاء فى قوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ففيه وجوه أربعة:
стр. 232
أولها: أن تكون الهاء راجعة على المال الّذي تقدم ذكره، ويكون المعنى: وآتى المال على حبّ المال، وأضيف الحب إلى المفعول، ولم يذكر الفاعل: كما يقول للقائل: اشتريت طعامى كاشتراء طعامك، والمعنى كاشترائك طعامك.
والوجه الثانى أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل، ولم يذكر المفعول لظهور المعنى ووضوحه.
والوجه الثالث أن ترجع الهاء إلى الإيتاء الّذي دلّ آتَى عليه، والمعنى: وأعطى المال على حبّ الإعطاء، ويجرى ذلك مجرى قول القطامىّ:
هم الملوك وأبناء الملوك لهم (١) ... والآخذون به والسّاسة الأول (٢)
فكنّى بالهاء عن الملك، لدلالة قوله: «الملوك» عليه، ومثله قول الشاعر:
إذا نهى السّفيه جرى إليه ... وخالف والسّفيه إلى خلاف (٣)
أراد: جرى إلى السّفه الّذي دلّ ذكر السفيه عليه.
والوجه الرابع: أن تكون الهاء ترجع إلى الله تعالى؛ لأن ذكره تعالى قد تقدم، فيكون المعنى: وآتى المال على حبّ الله ذوى القربى واليتامى. فإن قيل: فأىّ فائدة فى ذلك، وقد علمنا الفائدة فى إيتاء المال مع محبته والضّنّ به، وأن العطية تكون أشرف وأمدح، فما الفائدة فيما ذكرتموه؟ وما معنى محبة الله، والمحبة عندكم هى الإرادة، والقديم تعالى لا يصح أن يراد؟ .
قلنا: أما المحبة عندنا فهى الإرادة، إلّا أنهم يستعملونها كثيرا مع حذف متعلّقها مجازا وتوسعا، فيقولون: فلان يحب زيدا، إذا أراد منافعه، ولا يقولون: زيد/ يريد عمرا؛ بمعنى
стр. 233
أنه يريد منافعه، لأن التعارف جرى فى استعمال الحذف والاختصار فى المحبة دون الإرادة، وإن كان المعنى واحدا.
وقد ذكر أن لقولهم: زيد يحب عمرا مزية على قولهم: يريد منافعه، لأن اللفظ الأول ينبئ عن أنه لا يريد إلا منافعه، وأنه لا يريد شيئا من مضاره، والثانى لا يدلّ على ذلك، فحصلت له مزية؛ وعلى هذا المعنى نصف الله تعالى بأنه يحب أولياءه والمؤمنين من عباده؛ والمعنى فيه أنه يريد لهم ضروب الخير، من التعظيم والإجلال والنعم؛ فأما وصف أحدنا بأنه يحب الله تعالى فالمعنى فيه أنه يريد تعظيمه وعبادته والقيام بطاعته، ولا يصحّ المعنى الّذي ذكرناه فى محبة العباد بعضهم بعضا؛ لاستحالة المنافع عليه. ومن جوّز عليه تعالى الانتفاع لا يصحّ أيضا أن يكون محبّا له على هذا المعنى، لأنه باعتقاده ذلك قد خرج من أن يكون عارفا به، فمحبته فى الحقيقة لا تتعلّق به ولا تتوجه إليه؛ كما تقول فى أصحاب التشبيه: إنّهم إذا عبدوا من اعتقدوه إلها فقد عبدوا غير الله تعالى.
فأما الفائدة فى إعطاء المال مع محبة الله تعالى فهى ظاهرة؛ لأن إعطاء المال متى قارنته إرادة وجه الله وعبادته وطاعته استحقّ به الثواب، ومتى لم يقترن به ذلك لم يستحق الفاعل به ثوابا، وكان ضائعا. وتأثير ما ذكرناه أبلغ من تأثير حبّ المال والضّنّ به؛ لأن المحبّ للمال/ الضنين به متى بذله وأعطاه، ولم يقصد به الطاعة والعبادة والقربة لم يستحق به شيئا من الثواب؛ وإنما يؤثّر حبّه للمال فى زيادة الثواب؛ متى حصل ما ذكرناه من قصد القربة والعبادة، ولو تقرب بالعطية، وهو غير ضنين بالمال، ولا محبّ له لاستحقّ الثواب. وهذا الوجه لم نسبق (١) إليه فى هذه الآية، وهو أحسن ما قيل فيها.
وقد ذكر وجه آخر؛ وهو أن تكون الهاء راجعة إلى مَنْ آمَنَ أيضا، وينتصب ذوى القربى بالحبّ، ولا يجعل «لآتى» منصوبا لوضوح المعنى، ويكون تقدير الكلام:
وأعطى المال فى حال (٢) حبه ذوى القربى واليتامى، على محبّته إياهم؛ وهذا الوجه ليس فيه
стр. 234
مزية فى باب رجوع الهاء التى وقع عنها (١) السؤال، وإنما يتبين مما تقدم بتقدير انتصاب ذوى القربى بالحب، وذلك غير ما وقع السؤال عنه؛ والأجوبة الأول أقوى وأولى.
فأما قوله: وَالْمُوفُونَ، ففى رفعه وجهان:
أحدهما أن يكون مرفوعا على المدح؛ لأنّ النعت إذا طال وكثر رفع بعضه، ونصب بعضه على المدح؛ ويكون المعنى: وهم الموفون بعهدهم، قال الزجّاج: وهذا أجود الوجهين.
والوجه الآخر أن يكون معطوفا على مَنْ آمَنَ، ويكون المعنى: ولكنّ ذا البرّ وذوى البرّ المؤمنون والموفون بعهدهم.
فأما نصب الصَّابِرِينَ ففيه وجهان:
أحدهما المدح، لأن مذهبهم فى الصفات والنعوت إذا طالت أن يعترضوا بينها (٢) بالمدح أو الذم، ليميّزوا الممدوح أو المذموم ويفردوه، فيكون غير متبع لأول الكلام؛ من ذلك قول الخرنق بنت بدر بن هفّان:
لا يبعدن قومى الّذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر (٣)
النّازلين بكلّ معترك ... والطّيّبين معاقد الأزر
فنصبت ذلك على المدح، وربما رفعوهما جميعا، على أن يتبع آخر الكلام أوله؛ ومنهم من ينصب «النازلين» ويرفع «الطيبين»، وآخرون يرفعون «النازلين» وينصبون «الطيبين»؛ والوجه فى النصب والرفع ما ذكرناه، ومن ذلك قول الشاعر، أنشده الفراء:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة فى المزدحم
وذا الرّأى حين تغمّ الأمور ... بذات الصّليل وذات اللّجم
فنصب «ليث الكتيبة وذا الرأى» على المدح. وأنشد الفرّاء أيضا:
стр. 235
فليت التى فيها النّجوم تواضعت ... على كلّ غثّ منهم وسمين
غيوث الحيا فى كلّ محل ولزبة ... أسود الشّرى يحمين كلّ عربن (١)
ومما نصب على الذم قوله:
سقونى الخمر ثمّ تكنّفونى ... عداة الله من كذب وزور (٢)
والوجه الآخر فى نصب: الصَّابِرِينَ أن يكون معطوفا على ذوى القربى، ويكون المعنى: وآتى المال على/ حبّه ذوى القربى والصابرين؛ قال الزجّاج: وهذا لا يصلح إلّا أن يكون وَالْمُوفُونَ رفع (٣) على المدح للمضمرين، لأن ما فى الصلة لا يعطف عليه بعد العطف على الموصول، وكان يقوى الوجه الأول.
وأما توحيد الذّكر فى موضع وجمعه فى آخر؛ فلأن مَنْ آمَنَ لفظه لفظ الوحدة، وإن كان فى المعنى للجميع (٤) فالذّكر الّذي أتى بعده موحّدا أجرى على اللفظ، وما جاء من الوصف بعد ذلك على سبيل الجمع مثل قوله تعالى: وَالْمُوفُونَ، وَالصَّابِرِينَ فعلى المعنى.
وقد اختلفت قراءة القرّاء (٥) السبعة فى رفع الراء ونصبها من قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ، فقرأ حمزة وعاصم فى رواية حفص لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يقرأ بالنصب والرفع، وقرأ الباقون بالرفع، والوجهان جميعا حسنان؛ لأنّ كلّ واحد من الاسمين: اسم ليس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا فى التعريف
стр. 236
تكافئا فى جواز كون أحدهما اسما والآخر خبرا؛ كما تتكافأ النكرات (١).
وحجة من رفع «البرّ» أنه: لأن يكون «البرّ» (٢) الفاعل أولى؛ لأنّه ليس يشبه الفعل، وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده؛ ألا ترى أنّك إذا قلت: قام زيد، فإن الاسم يلى الفعل. وتقول: ضرب غلامه زيد، فيكون التقدير فى الغلام التأخير، فلولا أن الفاعل أخصّ بهذا الموضع لم يجز هذا؛ كما لم يجز فى الفاعل: ضرب غلامه زيدا، حيث لم يجز فى الفاعل تقدير التأخير؛ كما جاز فى المفعول به، لوقوع الفاعل موقعه المختص به.
وحجة من نصب «البرّ» أن يقول: كون الاسم أن وصلتها أولى لشبهها بالمضمر فى أنها لا توصف، كما لا يوصف المضمر؛ فكأنه اجتمع مضمر ومظهر؛ والأولى إذا اجتمعا أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب فى الاختصاص من المظهر.
*** [خبر قيس بن زهير العبسى مع النّمر بن قاسط: ]
حدثنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا الدقاق قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحد الحكيمىّ الكاتب قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوىّ ثعلب قال أخبرنا ابن الأعرابىّ قال قال ابن الكلبىّ: لمّا كان بعد يوم الهباءة جاور قيس ابن زهير النّمر بن قاسط فقال لهم: إنى/ قد جاورتكم واخترتكم، فزوّجونى امرأة قد أدّبها الغنى، وأذلّها الفقر، فى حسب وجمال؛ فزوّجوه ظبية بنت الكيّس النّمرىّ. وقال لهم: إنّ فىّ خلالا ثلاثا؛ إنى غيور، وإنى فخور، وإنى أنف، ولست أفخر حتى أبدأ، ولا أغار حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم.
فأقام فيهم حتى ولد له، فلما أراد الرحيل عنهم قال: إنى موصيكم بخصال، وناهيكم عن خصال؛ عليكم بالأناة، فإن بها تنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، وعليكم بالوفاء؛ فإنّ به يعيش الناس، وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع من تريدون
стр. 237
منعه قبل الإلحاح، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس المنازل عن بيوت الأيامى (١)، وخلط الضّيف بالعيال؛ وأنهاكم عن الرّهان؛ فإنّ (٢) به ثكلت مالكا أخى، والبغى، فإنّه قتل زهيرا أبى، وعن الإعطاء فى الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وعن الإسراف فى الدّماء، فإنّ يوم الهباءة ألزمنى العار حقّه، ومنع (٣) الحرم إلّا من الأكفاء؛ فإن لم تصيبوا لها (٤) الأكفاء فإن خير مناكحها القبور، أو خير منازلها؛ واعلموا أنى كنت ظالما مظلوما؛ ظلمنى بنو بدر
بقتلهم مالكا أخى، وظلمتهم بأن قتلت من لا ذنب له.
قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: أما قوله: «أنهاكم عن الرّهان» فأراد المراهنة فى سباق الخيل، وذلك أنّ قيس بن زهير راهن حذيفة بن بدر الفزارىّ على فرسيه: داحس والغبراء، وفرسى حذيفة: الخطّار والحنفاء- وقال بعض بنى فزارة: بل قرزل والحنفاء- وكان قيس كارها لذلك؛ وإنما هاجه بينهما بعض بنى عبد الله بن غطفان- وقيل: بل رجل من بنى عبس- والخبر فى شرح ذلك مشهور (٥)؛ ثم وقع الاتفاق على السّباق، وجعلوا الغاية من واردات (٦) إلى ذات الإصاد (٧)، وجعلوا القصبة (٨) فى يد رجل من بنى ثعلبة بن سعد، يقال له حصين، وبيد رجل من بنى العشراء من بنى فزارة، وملئوا البركة ماء، وجعلوا السابق أوّل الخيل يكرع فيها. ثم إن حذيفة بن بدر وقيس بن زهير أتيا المدى الّذي أرسلت الخيل منه (٩) ينظران إليها وإلى خروجها؛ فلما أرسلت عارضاها، فقال حذيفة: خدعتك
стр. 238
يا قيس، فقال قيس: «ترك الخداع من أجرى من مائة»؛ يعنى من مائة غلوة، فأرسلها مثلا، ثم/ ركضا ساعة، فجعلت
خيل حذيفة تتقدّم خيل قيس، فقال حذيفة: سبقت يا قيس؛ فقال قيس: «جرى المذكّيات غلاب»، فأرسلها مثلا- والمذكّيات: المسانّ من الخيل (١) - وروى: «غلاء» كما يتغالى (٢) بالنّبل. ثم ركضا ساعة، فقال حذيفة: إنّك لا تركض مركضا، سبقت خيلك؛ فقال قيس: «رويد يعلون الجدد»، فأرسلها مثلا وروى: «يعدون الجدد»، أى يتعدّين الجدد إلى الوعث (٣).
[خير يوم داحس والغبراء وتفسير ما ورد فى ذلك من الأمثال: ]
وقد كان بنو فزارة أكمنوا بالثّنيّة كمينا لينظروا؛ فإن جاء داحس سابقا أمسكوه وصدّوه عن الغاية؛ فجاء داحس سابقا، فأمسكوه، ولم يعرفوا الغبراء وهى خلفه مصلّية حتى مضت الخيل، وأسهلت من الثّنيّة، ثم أرسلوه فتمطّر (٤) فى آثارها، فجعل يبدرها (٥) فرسا فرسا، حتى انتهى إلى الغاية مصلّيا (٦)، وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية سبقها (٧). فاستقبلتها بنو فزارة فلطموها، ثم حلّئوها (٨) عن البركة، ثم لطموا داحسا، وقد جاءا متواليين، ثم جاء حذيفة وقيس فى آخر الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا فرسيهم (٩)، وجرى من الخلف فى أخذ السبق ما قد شرحته الرواة.
وقد قيل فى بعض الروايات: إن الرهان والسّبق (١٠) كان بين حمل بن بدر وبين قيس، وفى ذلك يقول قيس:
стр. 239
كما لاقيت من حمل بن بدر ... وإخوته على ذات الإصاد
هم فخروا عليّ بغير فخر ... وردّوا دون غايته جوادى
وقد دلفوا إلى بفعل سوء ... فألفونى لهم صعب القياد (١)
وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد (٢)
ثم إن قيسا أغار على عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بنى فزارة فهمّوا بالقتال، فحمل الربيع بن زياد العبسىّ دية عوف، مائة عشراء متلية (٣).
ويقال إن قيسا قتل ابنا لحذيفة، يقال له مالك، وأن حذيفة كان أرسله إليه يطلب منه السّبق (٤)، فطعنه فدقّ صلبه، وإن الربيع بن زياد حمل ديته مائة عشراء، فسكن الناس عن القتال.
ثم إن مالك بن زهير نزل موضعا يقال له اللّقّاطة (٥) / قريبا من الحاجر، ونكح امرأة يقال لها مليكة بنت حارثة، من بنى غراب من فزارة، فبلغ ذلك حذيفة بن بدر، فدسّ إليه فرسانا فقتلوه، وكان الربيع بن زياد العبسىّ مجاورا لحذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع معاذة بنت بدر، فلما وقف على الخبر قال:
نام الخلىّ وما أغمّض (٦) حار ... من سيّئ النّبإ الجليل السّارى
من مثله تمسى النّساء حواسرا ... وتقوم معولة مع الأسحار (٧)
стр. 240
من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار (١)
يجد النّساء حواسرا يندبنه ... يضربن أوجههنّ بالأحجار (٢)
قد كنّ يخبأن الوجوه تستّرا ... فاليوم حين بدون للنّظّار (٣)
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجو النّساء عواقب الأطهار (٤)
ما إن أرى فى قتله لذوى الحجى ... إلّا المطىّ تشدّ بالأكوار (٥)
ومجنّبات ما يذقن عذوفة ... يقذفن بالمهرات والأمهار (٦)
ومساعرا صدأ الحديد عليهم ... فكأنّما طلى الوجوه بقار (٧)
*** [مقتل زهير بن جذيمة العبسىّ: ]
فأما مقتل زهير بن جذيمة العبسىّ أبى قيس، فاختلفت الرواة فى سببه، فيقال إن هوازن
стр. 241
ابن منصور كانت تؤتى الإتاوة زهير بن جذيمة، ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد، فهم أذلّ من يد فى رحم، فأتت عجوز من هوازن زهير بن جذيمة بسمن فى نحى، واعتذرت إليه، وشكت السنين اللّواتى تتابعت على الناس، فذاقه فلم يرض طعمه، فدعّها- أى دفعها- بقوس فى يده عطل (١)، فى صدرها، فسقطت فبدت عورتها، فغضبت من ذلك هوازن، وحقدته إلى ما كان فى صدرها (٢) من الغيظ، وكانت يومئذ قد أمرت بنو عامر بن صعصعة- أى كثرت- فآلى جعفر بن كلاب فقال: والله لأجعلنّ ذراعى هذه وراء عنقه (٣) حتى أقتل أو يقتل (٤)؛ وفى ذلك يقول خالد بن جعفر:
أريغونى إراغتكم فإنى ... وحذفة كالشجى تحت الوريد (٥)
/ مقرّبة أواسيها بنفسى ... وألحفها ردائى فى الجليد
لعلّ الله يمكننى عليها ... جهارا من زهير أو أسيد
فإمّا تثقفونى فاقتلونى ... فمن أثقف فليس إلى خلود (٦)
ويقال بل كان السبب فى ذلك أن زهير بن جذيمة لما قتل فى غنىّ من قتل بابنه شأس وافى عكاظ، فلقيه خالد بن جعفر بن كلاب- وكان حدثا- فقال: يا زهير، أما آن لك أن تشتفى وتكف! - يعنى مما قتل بشاس- فأغلظ له زهير وحقره، فقال خالد: اللهم أمكن يدى هذه الشعراء القصيرة من عنق زهير بن جذيمة، ثم أعنّي عليه، فقال زهير: اللهم أمكن يدى هذه البيضاء (٧) الطويلة من عنق خالد، ثم خلّ بيننا، فقالت قريش: هلكت
стр. 242
والله يا زهير، قال: أنتم والله الذين لا علم لهم. ثم أجمع خالد بن جعفر على قصد زهير وقتله.
واتّفق نزول زهير بالقرب من أرض بنى عامر، وكانت تماضر بنت عمرو بن الشّريد امرأة زهير بن جذيمة وأم ولده، فمرّ به أخوها الحارث بن عمرو بن الشريد، فقال زهير لبنيه: إنّ هذا الحمار لطليعة عليكم فأوثقوه، فقالت أخته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه؟ وقالت تماضر لأخيها الحارث بن عمرو بن الشريد: إنه (١) ليريبنى اكبئنانك وقروتك- والاكبئنان الغمّ، والقروت (٢) السكوت- فلا يأخذنّ فيك ما قال زهير، فإنه رجل بيذارة غيذارة شنوءة.
- قال الأثرم: البيذارة: الكثير الكلام، والعيذان: السّيئ الخلق- ثم حلبوا له وطبا، وأخذوا عليه يمينا ألّا يجير (٣) عليهم، ولا ينذر بهم أحدا؛ فخرج الحارث حتى أتى بنى عامر، فقعد إلى شجرة يجتمع إليها بنو عامر، وألقى الوطب تحتها والقوم ينظرون، ثم قال: أيتها الشجرة الذليلة، اشربى من هذا اللبن، وانظرى ما طعمه. فقال قوم: هذا رجل مأخوذ عليه، وهو يخبركم خبرا، فذاقوا اللبن فإذا هو حلو لم يقرص بعد، فقالوا: إنه يخبرنا أن مطلبنا قريب، فركب خالد بن جعفر بن كلاب ومعه جماعة، وكان راكبا فرسه حذفة، فلقوا زهيرا، فاعتنق خالد زهيرا، وخرّا عن فرسيهما، ووقع خالد فوق زهير ونادى:
يا بنى عامر، اقتلوني والرجل، واستغاث زهير ببنيه، فأقبل إليه ورقاء بن زهير يشدّ (٤) بسيفه، فضرب خالدا ثلاث ضربات، فلم تغن شيئا، وكان على خالد درعان قد ظاهر بينهما، ثم ضرب حندج رأس زهير فقتله، ففى ذلك يقول ورقاء بن زهير:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر (٥)
[إلى بطلين ينهضان كلاهما ... يريدان نصل السّيف والسيف داثر] (٦)
стр. 243
فشلّت يمينى يوم أضرب خالدا ... ويستره منّى الحديد المظاهر (١)
فيا ليت أنى قبل (٢) ضربة خالد ... ويوم زهير لم تلدنى تماضر!
*** [خبر يوم الهباءة: ]
فأما خبر الهباءة فإن بنى عبس وبنى فزارة لما التقوا إلى جنب جفر الهباءة (٣) فى يوم قائظ، فاقتتلوا- ولخبرهم شرح طويل معروف- استجار حذيفة ومن معه بجفر الهباءة ليتبرد (٤) فيه، فهجم عليه القوم، فقال حذيفة يا بنى عبس، فأين العود (٥)؟ وأين الأحلام؟ فضرب حمل بن بدر بين كنفيه وقال: «اتق مأثور القول بعد اليوم»، فأرسلها مثلا، وقتل قرواش ابن هىّ حذيفة بن بدر، وقتل الحارث بن زهير حملا، وأخذ منه ذا النون، سيف مالك بن زهير أخيه، وكان حمل بن بدر أخذه من مالك بن زهير يوم قتل، فقال قيس فى ذلك:
تعلّم أنّ خير النّاس ميت ... على جفر الهباءة لا بريم
ولولا ظلمه ما زلت أبكى ... عليه الدهر ما طلع النّجوم
ولكنّ الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغى مرتعه وخيم (٦)
أظنّ الحلم دلّ عليّ قومى ... وقد يستجهل الرّجل الحليم
ومارست الرّجال ومارسونى ... فمعوجّ عليّ ومستقيم
وقال قيس أيضا:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفى من حذيفة قد شفانى
فإن أك قد بردت بهم غليلى ... فلم أقطع بهم إلّا بنانى (٧)
стр. 244
١٥ مجلس آخر [المجلس الخامس عشر: ]
تأويل آية [: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ... ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً/ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ؛ [البقرة: ١٧١].
فقال: أىّ وجه لتشبيه الذين كفروا بالصائح (١) بالغنم، والكلام يدلّ على ذمّهم ووصفهم بالغفلة وقلّة التأمل والتمييز، والنّاعق بالغنم قد يكون مميّزا متأمّلا محصّلا؟
يقال له فى هذه الآية خمسة أجوبة:
أولها أن يكون المعنى: مثل واعظ الذين كفروا والداعى لهم إلى الإيمان والطاعة كمثل الراعى الّذي ينعق بالغنم وهى لا تعقل معنى دعائه، وإنما تسمع صوته ولا تفهم غرضه؛ والذين كفروا بهذه الصّفة لأنهم يسمعون وعظ النبي صلى الله عليه وآله ودعاءه وإنذاره فينصرفون (٢) عن قبول ذلك، ويعرضون عن تأمّله، فيكونون بمنزلة من لم يعقله ولم يفهمه؛ لاشتراكهما فى عدم الانتفاع به. وجائز أن يقوم قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا مقام الواعظ والداعى لهم؛ كما تقول العرب: فلان يخافك خوف الأسد؛ والمعنى كخوفه (٣) الأسد، فأضاف الخوف إلى الأسد وهو فى المعنى مضاف إلى الرجل، قال الشاعر:
فلست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد بتسليم الأمير
أراد بتسليمى على الأمير، ونظائر ذلك كثيرة.
والجواب الثانى أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا كمثل الغنم التى لا تفهم نداء الناعق، فأضاف الله تعالى المثل الثانى إلى الناعق؛ وهو فى المعنى مضاف إلى المنعوق به،
стр. 245
على مذهب العرب فى قولها: طلعت الشّعرى، وانتصب العود على الحرباء (١)، والمعنى وانتصب الحرباء على العود؛ وجاز التقديم والتأخير لوضوح المعنى؛ وأنشد الفرّاء:
إنّ سراجا لكريم مفخره ... تحلى به العين إذا ما تجهره (٢)
معناه يحلى بالعين؛ فقدّم وأخّر. وأنشد الفراء أيضا:
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزّنا فريضة الرّجم
المعنى كما كان الرّجم فريضة الزنا، وأنشد أيضا:
وقد خفت حتّى ما تزيد مخافتى ... على وعل فى ذى المطارة عاقل (٣)
/ أراد ما تزيد مخافة وعل على مخافتى، ومثله:
* كأنّ لون أرضه سماؤه (٤) *
أراد كأنّ لون سمائه أرضه، ومثله:
ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أجمع (٥)
أراد مدخل رأسه الظلّ، وقال الراعى:
فصبّحته كلاب الغوث يؤسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثر (٦)
يريد أنهم يرون الأثر كالعين؛ وقال أبو النجم:
стр. 246
* قبل دنوّ الأفق من جوزائه*
فقلب، وقال العباس بن مرداس:
فديت بنفسه نفسى ومالى ... ولا آلوه إلّا ما يطيق
أراد فديت بنفسى نفسه، وقال ابن مقبل:
ولا تهيّبنى الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر (١)
أراد لا أتهيّب الموماة؛ وهذا كثير جدّا (٢).
والجواب الثالث أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا ومثلنا، أو مثلهم ومثلك يا محمد كمثل الّذي ينعق؛ أى مثلهم فى الإعراض ومثلنا (٣) فى الدعاء والتنبيه والإرشاد كمثل الناعق بالغنم، فحذف المثل الثانى اكتفاء بالأول؛ ومثله قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ؛ [النحل: ٨١]، أراد الحر والبرد، فاكتفى بذكر الحر من البرد، وقال أبو ذؤيب:
عصيت إليها القلب إنى لأمرها ... مطيع فما أدرى أرشد طلابها (٤)
أراد أرشد أم غىّ، فاكتفى بذكر الرشد لوضوح الأمر.
والجواب الرابع أن يكون المراد: ومثل الذين كفروا فى دعائهم للأصنام التى يعبدونها من دون الله وهى لا تعقل ولا تفهم، ولا تضرّ ولا تنفع كمثل الّذي ينعق دعاء ونداء بما
стр. 247
لا يسمع صوته جملة، والدعاء والنداء على هذا الجواب ينتصبان بينعق، وإلّا توكيد للكلام؛ ومعناها الإلغاء؛ قال الفرزدق:
/ هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهم ... وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم (١)
والمعنى: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم.
والجواب الخامس أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا فى دعائهم الأصنام (٢) وعبادتهم لها واسترزاقهم إياها كمثل الرّاعى الّذي ينعق بالغنم ويناديها؛ فهى تسمع دعاءه ونداءه ولا تفهم معنى كلامه، فشبّه من يدعوه الكفار من المعبودات دون الله جلّ اسمه بالغنم، من حيث لا تعقل الخطاب ولا تفهمه، ولا نفع عندها فيه ولا مضرّة.
وهذا الجواب يقارب الّذي قبله، وإن كانت بينهما مزيّة ظاهرة؛ لأن الأول يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء ولا النداء جملة، ويجب أن يكون مصروفا إلى غير الغنم وما أشبهها مما يسمع وإن لم يفهم. وهذا الجواب يقتضي ضرب المثل بما يسمع الدعاء والنداء وإن لم يفهمهما، والأصنام من حيث كانت لا تسمع النداء (٣) جملة يجب أن يكون داعيها ومناديها أسوأ حالا من منادى الغنم. ويصحّ أن يصرف إلى الغنم وما أشبهها مما يشارك فى السماع، ويخالف فى الفهم والتمييز.
وقد اختلف الناس فى يَنْعِقُ فقال أكثرهم: لا يقال نعق ينعق إلّا فى الصيّاح بالغنم وحدها؛ وقال بعضهم نعق ينعق بالغنم والإبل والبقر؛ والأول أظهر فى كلام العرب؛ قال الأخطل:
فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك فى الخلاء ضلالا (٤)
стр. 248
ويقال أيضا: نعق الغراب ونغق؛ بالغين المعجمة؛ إذا صلح من غير أن يمدّ عنقه ويحركها؛ فإذا مدها وحرّكها ثم صاح قيل: نعب، ويقال أيضا: نعب الفرس ينعب وينعب نعبا ونعيبا ونعبانا، وهو صوته؛ ويقال: فرس منعب، أى جواد، وناقة نعّابة؛ إذا كانت سريعة.
تأويل خبر [خبر النبي ﵇ حين دعى إلى مأدبة ومعه الحسين وهو صبى، وتأويل ما ورد من الغريب فى ذلك: ]
روى أن النبي صلى الله عليه وآله خرج مع أصحابه إلى طعام دعوا إليه (١)؛ فإذا (٢) بالحسين ﵇، وهو صبىّ يلعب مع صبية فى السّكّة، فاستنتل رسول الله صلى الله عليه وآله أمام القوم، فطفق الصبىّ يفرّ مرّة هاهنا، ومرّة هاهنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله يضاحكه، [ثم أخذه] (٣)، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى/ تحت فأس رأسه، وأقنعه فقبّله، وقال: «أنا من حسين وحسين منّى، أحبّ الله من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط».
قال الشريف أدام الله علوّه: معنى استنتل تقدّم، يقال: استنتل الرجل استنتالا، وابرنتى ابرنتاء (٤)، وابرنذع ابرنذاعا؛ إذا تقدم، هكذا ذكره ابن الأنبارىّ.
ووجدت بعض المتقدمين فى علم اللغة يحكى فى كتاب له قال: تقول: استنتلت الأمر استنتالا إذا استعددت له، واستنتل الرجل تفرّد من القوم، ويقال: استنتل أشرف. والمعانى تتقارب، والخبر يليق بكل واحد منها. وحكى هذا الرجل الّذي ذكرناه فى كتابه فى ابرنثأ وابرنذع أيضا أنه من الاستعداد.
فأما السّكة، فهى المنازل المصطفّة، والنخل المصطف.
стр. 249
ومعنى طفق ما زال، قال الشاعر:
طفقت تبكى وأسعدها ... فكلانا ظاهر الكمد (١)
وفأس الرأس: طرف القمحدوة (٢) المشرف على القفا.
ومعنى «أقنعه» رفعه، هكذا ذكر ابن الأنبارىّ. وقال غيره: يقال أقنع ظهره إقناعا إذا طأطأه ثم رفعه برفق.
فأما الأسباط فأصلها فى ولد إسحاق ﵇ كالقبائل فى بنى إسماعيل ﵇؛ وقال ابن الأنبارىّ: هم الصّبية والصّبوة، بالياء والواو معا.
*** [من كلام ابنة الخسّ وتأويل ما ورد فى ذلك من الغريب: ]
حدثنا أبو القاسم عبد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال أخبرنا ابن الأعرابىّ أنه قيل لابنة الخسّ: ما مائة من المعز؟ قالت: «مويل يشفّ الفقر من ورائه، مال الضعيف، وحرفة العاجز». قيل لها: فما مائة من الضأن؟ قالت: «قرية لا حمى بها».
قيل: فما مائة من الإبل؟ قالت: «بخّ (٣)! جمال ومال، ومنى الرجال»، قيل لها: فما مائة من الخيل؟ قالت: «طغى عند من كانت، ولا توجد». قيل: فما مائة من الحمر؟ قالت: «عازبة الليل، وخزي المجلس، لا لبن فيحلب، ولا صوف فيجزّ (٤)، إن ربط عير هادلّى (٥)، وإن أرسل ولى (٦)».
وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابىّ قال: قيل لابنة الخسّ- والخصّ والخسف، قال: كل ذلك يقال-: ما أحسن شيء؟ قالت: «غادية، فى أثر سارية، فى نبخاء قاوية» - قال: / نبخاء:
أرض مرتفعة، لأن النبات فى موضع مشرف أحسن- وقالوا أيضا: «نفخاء»، أى رابية،
стр. 250
ليس بها رمل ولا حجارة، قال: والجمع النّفاخى (١)، ونبت الرابية أحسن من نبت الأودية، لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه فى الأودية، ثم يلقى عليه الدّمن (٢).
قال الشريف أدام الله علوّه: ومما يدل أن نبت الرابية أحسن قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل (٣)
وقال كثيّر:
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها (٤)