← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

* قبل دنوّ الأفق من جوزائه* فقلب، وقال العباس بن مرداس: فديت بنفسه نفسى ومالى ... ولا آلوه إلّا ما يطيق أراد فديت بنفسى نفسه، وقال ابن مقبل: ولا تهيّبنى الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسّحر (١) أراد لا أتهيّب الموماة؛ وهذا كثير جدّا (٢). والجواب الثالث أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا ومثلنا، أو مثلهم ومثلك يا محمد كمثل الّذي ينعق؛ أى مثلهم فى الإعراض ومثلنا (٣) فى الدعاء والتنبيه والإرشاد كمثل الناعق بالغنم، فحذف المثل الثانى اكتفاء بالأول؛ ومثله قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ؛ [النحل: ٨١]، أراد الحر والبرد، فاكتفى بذكر الحر من البرد، وقال أبو ذؤيب: عصيت إليها القلب إنى لأمرها ... مطيع فما أدرى أرشد طلابها (٤) أراد أرشد أم غىّ، فاكتفى بذكر الرشد لوضوح الأمر. والجواب الرابع أن يكون المراد: ومثل الذين كفروا فى دعائهم للأصنام التى يعبدونها من دون الله وهى لا تعقل ولا تفهم، ولا تضرّ ولا تنفع كمثل الّذي ينعق دعاء ونداء بما

стр. 247

لا يسمع صوته جملة، والدعاء والنداء على هذا الجواب ينتصبان بينعق، وإلّا توكيد للكلام؛ ومعناها الإلغاء؛ قال الفرزدق: / هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهم ... وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم (١) والمعنى: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم. والجواب الخامس أن يكون المعنى: ومثل الذين كفروا فى دعائهم الأصنام (٢) وعبادتهم لها واسترزاقهم إياها كمثل الرّاعى الّذي ينعق بالغنم ويناديها؛ فهى تسمع دعاءه ونداءه ولا تفهم معنى كلامه، فشبّه من يدعوه الكفار من المعبودات دون الله جلّ اسمه بالغنم، من حيث لا تعقل الخطاب ولا تفهمه، ولا نفع عندها فيه ولا مضرّة. وهذا الجواب يقارب الّذي قبله، وإن كانت بينهما مزيّة ظاهرة؛ لأن الأول يقتضي ضرب المثل بما لا يسمع الدعاء ولا النداء جملة، ويجب أن يكون مصروفا إلى غير الغنم وما أشبهها مما يسمع وإن لم يفهم. وهذا الجواب يقتضي ضرب المثل بما يسمع الدعاء والنداء وإن لم يفهمهما، والأصنام من حيث كانت لا تسمع النداء (٣) جملة يجب أن يكون داعيها ومناديها أسوأ حالا من منادى الغنم. ويصحّ أن يصرف إلى الغنم وما أشبهها مما يشارك فى السماع، ويخالف فى الفهم والتمييز. وقد اختلف الناس فى يَنْعِقُ فقال أكثرهم: لا يقال نعق ينعق إلّا فى الصيّاح بالغنم وحدها؛ وقال بعضهم نعق ينعق بالغنم والإبل والبقر؛ والأول أظهر فى كلام العرب؛ قال الأخطل: فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك فى الخلاء ضلالا (٤)

стр. 248

ويقال أيضا: نعق الغراب ونغق؛ بالغين المعجمة؛ إذا صلح من غير أن يمدّ عنقه ويحركها؛ فإذا مدها وحرّكها ثم صاح قيل: نعب، ويقال أيضا: نعب الفرس ينعب وينعب نعبا ونعيبا ونعبانا، وهو صوته؛ ويقال: فرس منعب، أى جواد، وناقة نعّابة؛ إذا كانت سريعة. تأويل خبر [خبر النبي ﵇ حين دعى إلى مأدبة ومعه الحسين وهو صبى، وتأويل ما ورد من الغريب فى ذلك: ] روى أن النبي صلى الله عليه وآله خرج مع أصحابه إلى طعام دعوا إليه (١)؛ فإذا (٢) بالحسين ﵇، وهو صبىّ يلعب مع صبية فى السّكّة، فاستنتل رسول الله صلى الله عليه وآله أمام القوم، فطفق الصبىّ يفرّ مرّة هاهنا، ومرّة هاهنا، ورسول الله صلى الله عليه وآله يضاحكه، [ثم أخذه] (٣)، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخرى/ تحت فأس رأسه، وأقنعه فقبّله، وقال: «أنا من حسين وحسين منّى، أحبّ الله من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط». قال الشريف أدام الله علوّه: معنى استنتل تقدّم، يقال: استنتل الرجل استنتالا، وابرنتى ابرنتاء (٤)، وابرنذع ابرنذاعا؛ إذا تقدم، هكذا ذكره ابن الأنبارىّ. ووجدت بعض المتقدمين فى علم اللغة يحكى فى كتاب له قال: تقول: استنتلت الأمر استنتالا إذا استعددت له، واستنتل الرجل تفرّد من القوم، ويقال: استنتل أشرف. والمعانى تتقارب، والخبر يليق بكل واحد منها. وحكى هذا الرجل الّذي ذكرناه فى كتابه فى ابرنثأ وابرنذع أيضا أنه من الاستعداد. فأما السّكة، فهى المنازل المصطفّة، والنخل المصطف.

стр. 249

ومعنى طفق ما زال، قال الشاعر: طفقت تبكى وأسعدها ... فكلانا ظاهر الكمد (١) وفأس الرأس: طرف القمحدوة (٢) المشرف على القفا. ومعنى «أقنعه» رفعه، هكذا ذكر ابن الأنبارىّ. وقال غيره: يقال أقنع ظهره إقناعا إذا طأطأه ثم رفعه برفق. فأما الأسباط فأصلها فى ولد إسحاق ﵇ كالقبائل فى بنى إسماعيل ﵇؛ وقال ابن الأنبارىّ: هم الصّبية والصّبوة، بالياء والواو معا. *** [من كلام ابنة الخسّ وتأويل ما ورد فى ذلك من الغريب: ] حدثنا أبو القاسم عبد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال أخبرنا ابن الأعرابىّ أنه قيل لابنة الخسّ: ما مائة من المعز؟ قالت: «مويل يشفّ الفقر من ورائه، مال الضعيف، وحرفة العاجز». قيل لها: فما مائة من الضأن؟ قالت: «قرية لا حمى بها». قيل: فما مائة من الإبل؟ قالت: «بخّ (٣)! جمال ومال، ومنى الرجال»، قيل لها: فما مائة من الخيل؟ قالت: «طغى عند من كانت، ولا توجد». قيل: فما مائة من الحمر؟ قالت: «عازبة الليل، وخزي المجلس، لا لبن فيحلب، ولا صوف فيجزّ (٤)، إن ربط عير هادلّى (٥)، وإن أرسل ولى (٦)». وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابىّ قال: قيل لابنة الخسّ- والخصّ والخسف، قال: كل ذلك يقال-: ما أحسن شيء؟ قالت: «غادية، فى أثر سارية، فى نبخاء قاوية» - قال: / نبخاء: أرض مرتفعة، لأن النبات فى موضع مشرف أحسن- وقالوا أيضا: «نفخاء»، أى رابية،

стр. 250

ليس بها رمل ولا حجارة، قال: والجمع النّفاخى (١)، ونبت الرابية أحسن من نبت الأودية، لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه فى الأودية، ثم يلقى عليه الدّمن (٢). قال الشريف أدام الله علوّه: ومما يدل أن نبت الرابية أحسن قول الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبل هطل (٣) وقال كثيّر: فما روضة بالحزن طيّبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها وعرارها (٤)

стр. 251

فخصّا الحزن للمعنى الّذي ذكرنا. *** [تأويل قول العرب: «جاءنا بطعام لا ينادى وليده»: ] وبهذا الإسناد عن ابن الأعرابىّ قال: العرب تقول جاءنا بطعام لا ينادى وليده؛ إذا جاء بطعام كثير لا يراد فيه زيادة، ووقع فى أمر لا ينادى وليده؛ يقول لا يدعى إليه الصبيان، ولا يستعان إلا بكبار الرجال فيه. قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوه: وفى ذلك قولان آخران؛ أحدهما عن الأصمعىّ قال: أصله من الشدة تصيب القوم حتى تذهل المرأة عن ولدها فلا تناديه لما هى فيه، ثم صار مثلا لكل شدة، ولكل أمر عظيم. والقول الآخر عن الكلابىّ قال: أصله من الكثرة والسّعة، فإذا أهوى الوليد إلى شيء لم يزجر عنه حذر الإفساد، لسعة ما هم فيه، ثم صار مثلا لكل كثرة؛ قال الفرّاء: وهذا القول يستعان به فى كل موضع يراد به الغاية، وأنشد: لقد شرعت كفّا يزيد بن مزيد ... شرائع جود لا ينادى وليدها *** [أخبار معن بن زائدة: ] وبالإسناد الّذي تقدم عن ابن الأعرابىّ قال: دخل ودفة (١) الأسدىّ على معن بن زائدة الشّيبانىّ فقال: إن رأيت أكرمك الله أن تضعنى من نفسك بحيث وضعت نفسى من رجائك؛ فإنك قد بلغت حالا لو أعتقنى الله فيها بكرمك من تنصّف (٢) الرجال بعدك لم يكن كثيرا، وإنّى قد قدّمت الرجاء، وأحسنت الثناء، ولزمت الحفاظ، ثم أنشأ يقول: يا معن إنك لم تنعم على أحد ... فشاب نعماك تنغيص ولا كدر / فانظر إلى بطرف غير ذى مرض ... فربّما صحّ لى من طرفك النّظر أيّام وجهك لى طلق يخبّرنى ... إذا سكتّ بما تخفى وتضطمر ومن هواك شفيع ليس يغفلنى ... وإن نأيت وإن قلّت بى الذّكر

стр. 252

قد كنت أثّرت عندى مرّة أثرا ... فقد تقارب يعفو ذلك الأثر فاجبر بفضلك عظما كنت تجبره ... واجمع بفعلك ما قد كاد ينتشر (١) ما نازع العسر فىّ اليسر مذ علقت ... كفّى بحبلك إلّا ظفّر اليسر وقد خشيت وهذا الدّهر ذو غير ... بأن يدال لطول الجفوة العسر (٢) وأيّما (٣) كان من عسر وميسرة ... فإنّ حظّك فيه الحمد والشّكر فقال معن: أوما كنّا أعطيناك شيئا؟ قال: لا، قال: أمّا الذهب والفضّة فليسا عندنا، ولكن هات تختا (٤) من ثيابى يا غلام؛ فدفعه إليه، وقد كان تحمّل عليه (٥) بابن عيّاش وحبيب بن بديل، فأعطاهما معه تختين، وقال: غرّمتنى يا ودفة تختى ثياب! . قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وكان معن بن زائدة جوادا شجاعا شاعرا، ويكنّى أبا الوليد، وهو معن بن زائدة بن عبد الله بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو بن مطر، وهو أخو الحوفزان بن شريك، وكان معن من أصحاب ابن هبيرة (٦)، فلما قتل رثاه معن فقال: ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى دمعها لجمود (٧) عشيّة قام النائحات وشقّقت ... جيوب بأيدى مأتم وخدود (٨) فإن تمس [مهجور الفناء فطالما] (٩) ... أقام به بعد الوفود وفود فإنك لم تبعد على متعهّد ... بلى كلّ من تحت التّراب بعيد (١٠)

стр. 253

أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنى يوسف بن يحيى المنجّم عن أبيه قال حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنى أبو زيد بن الحكم بن موسى قال حدثنى أبى قال: كان معن بن زائدة/ من أصحاب يزيد بن عمر بن هبيرة، وكان مستترا، حتى كان يوم الهاشمية (١)، فإنه حضر وهو معتمّ متلثّم، فلما نظر إلى القوم وقد وثبوا على المنصور تقدّم فأخذ بلجام بغلته، ثم جعل يضربهم بالسيف قدّامه، فلما أفرجوا له وتفرّقوا عنه قال له: من أنت ويحك! قال: أنا طلبتك معن بن زائدة. فلما انصرف المنصور حباه وكساه ورتّبه، ثم قلّده اليمن، فلما قدم عليه من اليمن قال له: هيه يا معن! تعطى مروان بن أبى حفصة مائة ألف درهم على أن قال لك: معن بن زائدة الّذي زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان إن عدّ أيّام الفعال فإنما ... يوماه: يوم ندى ويوم طعان فقال: كلّا يا أمير المؤمنين، ولكن أعطيته على قوله: ما زلت يوم الهاشمية معلنا ... بالسّيف دون خليفة الرّحمن فمنعت حوزته، وكنت وقاءه ... من وقع كلّ مهنّد وسنان فقال له: أحسنت يا معن! وفى خبر آخر أنّه دخل على المنصور، فقال له: ويلك (٢)! ما أظنّ ما يقال فيك من ظلمك لأهل اليمن واعتسافك إياهم إلّا حقّا! قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغنى أنك أعطيت شاعرا كان يلزمك ألفى دينار، وهذا من السرف الّذي لا شيء مثله، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما أعطيته من فضول مالى وغلّات ضياعى وفضلات (٣) رزقى، وكففته عن عرضى، وقضيت الواجب من حقّه عليّ وقصده إلى وملازمته لى، قال: فجعل أبو جعفر ينكت بقضيب فى يده الأرض ولم يعاوده القول.

стр. 254

وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنى عليّ بن يحيى عن عبد الله بن أبى سعد الورّاق عن خالد ابن يزيد بن وهب بن جرير عن عبد الله (١) بن محمد المعروف بمنقار من أهل خراسان- وكان من ولاة الرشيد- قال: حدّثني معن بن زائدة قال: كنا فى الصّحابة سبعمائة رجل، فكنا ندخل على المنصور فى كلّ يوم، قال: فقلت للربيع: اجعلنى فى آخر من يدخل عليه، فقال لى: لست بأشرفهم فتكون فى أولهم، ولا بأخسّهم نسبا فتكون/ فى آخرهم، وإن مرتبتك لتشبه (٢) نسبك. قال: فدخلت على المنصور ذات يوم، وعليّ درّاعة فضفاضة، وسيف حنفىّ (٣) أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد أسدلتها من قدامى وخلفى، فسلّمت عليه وخرجت، فلما صرت عند السّتر صاح بى: يا معن! صيحة أنكرتها، فلبيته فقال: إلى، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن فراشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودا من بين فراشين، واستحال لونه، ودرّت أوداجه، وقال: إنك لصاحبى يوم واسط، لا نجوت إن نجوت منى! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، تلك نصرتى لباطلهم، فكيف نصرتى لحقك؟ قال: فقال لى: كيف قلت؟ فأعدت عليه القول، فما زال يستعيدنى حتى ردّ العمود إلى مستقره، واستوى متربعا، وأسفر لونه وقال: يا معن، إن باليمن هنات، قلت: يا أمير المؤمنين، «ليس لمكتوم رأى» - وهو أول من أرسلها مثلا- فقال: أنت صاحبى، فاجلس، قال: فجلست، وأمر الربيع بإخراج كل من كان فى الدار، وخرج الربيع، فقال لى: إنّ صاحب اليمن قد همّ بالمعصية، وإنى أريد أن آخذه أسيرا، ولا يفوتنى شيء من ماله، قلت: ولّنى اليمن وأظهر أنك قد ضممتنى إليه، ومر الربيع أن يزيح علّتى فى كل ما أحتاج إليه، ويخرجنى فى يومى هذا لئلا ينتشر الخبر، قال: فاستلّ عهدا من بين فراشين، فوقّع فيه اسمى وناولنيه، ثم دعا الربيع فقال: يا ربيع، إنا قد ضممنا معنا إلى صاحب اليمن، فأزح علّته فيما يحتاج إليه من السلاح

стр. 255

والكراع، ولا يمسى إلّا وهو راحل، قال: ثم ودّعنى فودعته، وخرجت إلى الدّهليز، فلقينى أبو الوالى فقال: يا معن؛ أعزز عليّ أن تضمّ إلى ابن أخيك! قال: فقلت له: إنّه لا غضاضة على الرجل يضمّه سلطانه إلى ابن أخيه. وخرجت إلى اليمن، فأتيت الرجل، فأخذته أسيرا، وقرأت عليه العهد، وقعدت فى مجلسه. وروى عمر بن شبّة قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبى عاصية وابن أبى حفصة والضّمرىّ، فقال: لينشدنى كلّ واحد منكم أمدح بيت قاله فىّ، فأنشده ابن أبى حفصة: مسحت ربيعة وجه معن سابقا ... لمّا جرى وجرى ذوو الأحساب / فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما. وأنشده الضّمرىّ: أنت امرؤ همّك المعالى ... ودلو معروفك الرّبيع - ويروى: «ودون معروفك الربيع» - وشأنك الحمد تشتريه ... يشيعه عنك ما يشيع (١) فقال له: ما أحسن ما قلت! إلّا أنك لم تسمّنى ولم تذكرنى، فمن شاء انتحله، وأنشده ابن أبى عاصية: إن زال معن بنى زياد (٢) لم يزل ... لندى إلى بلد بعير مسافر (٣) ففضّله عليهم. وروى أنّه أتى معن بن زائدة بثلاثمائة أسير، فأمر بضرب أعناقهم، فقال له شاب منهم: يا أخا شيبان (٤)، نناشدك الله أن تقتلنا عطاشا! فقال: اسقوهم ماء، فلما

стр. 256

شربوا قال: يا أخا شيبان، نناشدك الله أن تقتل أضيافك! فقال: أطلقوهم. وذكر أحمد بن كامل أن الخوارج قتلت معن بن زائدة بسجستان فى سنة إحدى وخمسين ومائة (١). وروى أن عبد الله بن طاهر كان يوما عند المأمون، فقال له: يا أبا العباس، من أشعر من قال الشعر فى خلافة بنى هاشم؟ قال: أمير المؤمنين أعرف بهذا منى، قال: قل على كلّ حال، قال عبد الله: أشعرهم الّذي يقول فى معن بن زائدة: أيا قبر معن كنت أوّل حفرة ... من الأرض خطّت للسّماحة مضجعا (٢) أيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا بلى قد وسعت الجود والجود ميّت ... ولو كان حيّا ضقت حتّى تصدّعا والأبيات للحسين بن مطير الأسدىّ، وهى تزيد على هذا المقدار، وأولها: ألمّا بمعن (٣) ثمّ قولا لقبره ... سقتك الغوادى مربعا ثمّ مربعا وفيها: فتى عيش فى معروفه بعد موته ... كما كان بعد السّيل مجراه مرتعا ولمّا مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا

стр. 257

١٦ مجلس آخر [المجلس السادس عشر: ] تأويل آية [: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍ] قال سيدنا الشريف الأجلّ ذو المجدين/ أطال الله بقاءه: إن سأل سائل فقال: ما الوجه فى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ [آل عمران: ٢١]، وفى موضع آخر: وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ [النساء: ١٥٥]؛ وظاهر هذا القول يقتضي أنّ قتلهم قد يكون بحقّ. وقوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ؛ [المؤمنون: ١١٧]. وقوله: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها؛ [الرعد: ٢]، وقوله: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ [البقرة: ٤١]، وقوله تعالى: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً؛ [البقرة: ٢٧٣]؛ والسؤال عن هذه الآيات كلّها من وجه واحد وهو الّذي تقدم. الجواب، أنّ للعرب فيما جرى هذا المجرى من الكلام عادة معروفة، ومذهبا مشهورا، عند من تصفّح كلامهم وفهم عنهم. ومرادهم بذلك المبالغة فى النفى وتأكيده؛ فمن ذلك قولهم: فلان لا يرجى خيره؛ ليس يريدون أنّ فيه خيرا لا يرجى، وإنما غرضهم أنّه لا خير عنده على وجه من الوجوه؛ ومثله: قلّما رأيت مثل هذا الرجل، وإنما يريدون أنّ مثله لم ير لا قليلا ولا كثيرا؛ وقال امرؤ القيس: على لاحب لا يهتدى بمناره (١) ... إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا (٢) يصف طريقا؛ وأراد بقوله: «لا يهتدى بمناره» أنه لا منار له فيهتدى بها.

стр. 258

والعود: المسنّ من الإبل، والدّيافىّ: منسوب إلى دياف، قرية بالشام معروفة (١). وسافه: شمّه (٢)، والجرجرة مثل الهدير؛ وإنّما أراد أنّ العود إذا شمّه عرفه فاستبعده، وذكر ما يلحقه فيه من المشقّة، فجرجر لذلك؛ وقال ابن أحمر: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضّبّ بها ينجحر أراد: ليست بها أهوال فتفزع الأرنب؛ وقال النّابغة: يحفّه جانبا نيق وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد (٣) أراد: ليس بها رمد فتكحل له؛ وقال امرؤ القيس أيضا (٤): وصمّ حوام ما يقين من الوجى ... كأنّ مكان الرّدف منه على رال / يصف حوافر فرسه. وقوله: «ما يقين من الوجى» فالوجى هو الحفا، و «يقين»؛ أى يتوقّين، يقال: وقى الفرس إذا هاب المشى، فأراد أنه لا وجى بحوافره فيتهيبن الأرض من أجله، والرأل: فرخ النعام، وشبّه إشراف عجزه بعجز الرّأل؛ وقال الآخر (٥):

стр. 259

لا يغمز السّاق من أين ولا وصب ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر (١) أراد: ليس بساقه أين ولا وصب فيغمزهما من أجلهما؛ وقال سويد بن أبى كاهل: من أناس ليس من أخلاقهم ... عاجل الفحش ولا سوء الجزع (٢) ولم يرد أنّ فى أخلاقهم فحشا آجلا (٣) ولا جزعا (٤)؛ وإنما أراد نفى الفحش والجزع عن أخلاقهم. ومثل ذلك قولهم: فلان غير سريع إلى الخنا، وهم يريدون أنّه لا يقرب الخنا، لا نفى الإسراع حسب. وقال الفرزدق وهو يهجو ابنى جعفر بن كلاب، ويعيّرهم بقتلى منهم أصيبوا فى حروبهم، فحملت النساء هؤلاء القتلى حتى أتين بهم الحىّ (٥): ولم تأت عير أهلها بالذّي (٦) أتت ... به جعفرا يوم الهضيبات عيرها (٧) أتتهم بعير لم تكن هجرية ... ولا حنطة الشام المزيت خميرها يعنى أنّ العير إنما تحمل التمر أو الطعام إلى الحى، فحملت عير هؤلاء القوم القتلى، وقوله: «لم تكن هجرية»؛ أى لم تحمل التمر، وذلك لكثرة التمر بهجر، ثم قال: «ولا حنطة الشام المزيت خميرها»، ولم يرد أن هناك حنطة ليس فى خميرها زيت؛ لكنه أراد أنها لم لم تحمل تمرا ولا حنطة، ثم وصف الحنطة وما يجعل فى خميرها من الزيت.

стр. 260

وعلى هذا يقع تأويل (١) الآيات التى وقع السؤال عنها، لأنه تعالى لما قال: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ دلّ على أن قتلهم لا يكون إلّا بغير حق، ثم وصف (٢) القتل بما لا بد أن يكون عليه من الصفة، وهى وقوعه على خلاف الحقّ؛ وكذلك: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ، إنما [هو وصف لهذا الدعاء، وأنه لا يكون إلا عن غير برهان] (٣). وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وجهه أيضا أنه لو كان هناك عمد لرأيتموه، فإذا نفى رؤية العمد نفى وجود العمد؛ كما قال: «لا يهتدى بمناره»، أى لا منار له من حيث علم أنه لو كان له منار لاهتدى به، فصار نفى الاهتداء بالمنار نفيا لوجود المنار. وقوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ تغليظ وتأكيد فى تحذيرهم الكفر، وهو أبلغ من أن يقول: «ولا تكفروا به»، ويجرى مجرى قولهم: فلان لا يسرع إلى الخنا؛ وقلّما رأيت مثله إذا أرادوا به تأكيد نفى الخنا ونفى رؤية مثل المذكور. وكذلك قوله: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، معناه لا مسألة تقع منهم، ومثل الأول: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ والفائدة أن كل ثمن لها لا يكون إلا قليلا، فصار نفى الثمن القليل نفيا لكل ثمن، وهذا واضح بحمد الله ومنّه.

стр. 261

باب فى ذكر شيء من أخبار المعمّرين وأشعارهم ومستحسن كلامهم [أخبار الحارث بن كعب المذحجىّ ووصيته حين الموت وشرح ما ورد فى ذلك: ] أحد المعمّرين الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد (١) بن مالك بن أدد (٢) المذحجىّ، ومذحج (٣) هى أم مالك بن أدد، نسب ولد مالك إليها، وإنما سمّيت مذحجا (٤) لأنها ولدت على أكمة تسمى مذحجا، واسمها مدلّة بنت ذى منجشان (٥). قال أبو حاتم السجستانىّ: جمع الحارث (٦) بن كعب بنيه لما حضرته الوفاة فقال: «يا بنى، قد أتى عليّ ستون ومائة سنة، ما صافحت بيمينى (٧) يمين غادر، ولا قنّعت (٨) نفسى بخلّة فاجر، ولا صبوت بابنة عمّ ولا كنّة، ولا طرحت عندى مومسة قناعها، ولا بحت لصديقى بسرّ، وإنى لعلى دين شعيب النبي ﵇، وما عليه أحد من العرب غيرى، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مرّة، فاحفظوا وصيّتى، وموتوا على شريعتى: إلهكم فاتقوه يكفكم المهمّ من أموركم، ويصلح لكم أعمالكم؛ وإياكم ومعصيته (٩)، لا يحلّ بكم الدّمار، ويوحش منكم الدّيار. يا بنيّ، كونوا جميعا ولا تفرقوا فتكونوا شيعا، وإنّ موتا فى عزّ خير من حياة فى ذلّ وعجز، وكلّ ما هو كائن كائن، وكلّ جميع إلى تباين. الدهر [صرفان: فصرف رخاء، وصرف بلاء] (١٠)، واليوم يومان: فيوم حبرة، ويوم

стр. 262

عبرة، والناس رجلان: فرجل معك ورجل عليك، وتزوّجوا الأكفاء، وليستعملن فى فى طيبهن الماء، وتجنّبوا/ الحمقاء؛ فإن ولدها إلى أفن ما يكون، إلا أنه لا راحة لقاطع القرابة، وإذا اختلف القوم أمكنوا عدوّهم منهم، وآفة العدد اختلاف الكلمة؛ والتفضّل بالحسنة يقى السيئة، والمكافأة بالسيئة الدخول فيها. العمل السوء يزيل النّعماء، وقطيعة الرّحم تورث الهمّ، وانتهاك الحرمة يزيل النعمة، وعقوق الوالدين يعقب النّكد، ويمحق العدد، ويخرب البلد، والنصيحة تجر الفضيحة، والحقد يمنع الرّفد، ولزوم الخطيئة يعقب البلية، وسوء الرّعة يقطع أسباب المنفعة، والضغائن تدعو إلى التباين»؛ ثم أنشأ يقول: أكلت شبابى فأفنيته ... وأفنيت بعد دهور دهورا ثلاثة أهلين صاحبتهم ... فبادوا وأصبحت شيخا كبيرا قليل الطّعام عسير القيام ... قد ترك الدّهر خطوى قصيرا أبيت أراعى نجوم السّماء ... أقلّب أمرى بطونا ظهورا قوله: «ولا صبوت بابنة عم ولا كنّة»، الصّبوة هى رقّة الحبّ، [والكنّة. امرأة أخى الرجل وامرأة ابن أخيه] (١). فأما المومسة، فهى الفاجرة البغىّ، وأراد بقوله: «إنها لم تطرح عنده قناعها» أى لم تتبذّل (٢) عنده وتتبسّط، كما تفعل مع من يريد الفجور بها. وقوله: «فيوم حبرة ويوم عبرة»، فالحبرة: الفرح والسرور، والعبرة تكون من ضدّ ذلك؛ لأنّ العبرة لا تكون إلّا من أمر محزن مؤلم. وأما الأفن، فهو الحمق؛ يقال: رجل أفين؛ إذا كان أحمق؛ ومثل من أمثالهم: «وجدان الرقين؛ يغطّى على أفن الأفين»، أى وجدان المال يغطّى على حمق الاحمق، وواحد الرّقين رقة، وهى الفضة.

стр. 263

فأما قوله: «النصيحة تجر الفضيحة»، فيشبه أن يكون معناه أنّ النّصيح إذا نصح لمن لا يقبل نصيحته، ولا يصغى إلى موعظته فقد افتضح عنده؛ لأنه أفضى إليه بسرّه، وباح بمكنون صدره. فأما «سوء الرّعة»، فإنه يقال: فلان حسن الرّعة والتورّع، أى حسن الطريقة. *** [أخبار عمرو بن ربيعة المستوغر وإيراد بعض أشعاره: ] ومن المعمّرين المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ابن مرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر. وإنما سمّى المستوغر ببيت قاله، وهو: / ينشّ الماء فى الرّبلات منها ... نشيش الرّضف فى اللّبن الوغير (١) الرّبلات: واحدتها، ربلة، وربلة، بفتح الباء وإسكانها، وهى كلّ لحمة غليظة؛ هكذا ذكر ابن دريد. والرّضف: الحجارة المحماة، وفى الحديث: «كأنه على الرّضف»؛ واللبن الوغير: لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب، أخذ من وغرة الظهيرة، وهى أشدّ ما يكون من الحرّ؛ ومنه: وغير صدر فلان يوغر وغرا، إذا التهب من غضب أو حقد. وقال أصحاب الأنساب: عاش المستوغر ثلاثمائة سنة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوّله. وقال ابن سلام: كان (٢) المستوغر قديما، وبقى بقاء طويلا حتى قال: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وعمرت (٣) من عدد السّنين مئينا مائة أتت من بعدها مائتان لى ... وازددت من عدد الشّهور سنينا هل ما بقى (٤) إلّا كما قد فاتنا ... يوم يكرّ وليلة تحدونا

стр. 264

وهو القائل: إذا (١) ما المرء صمّ فلم يكلّم (٢) ... وأودى سمعه إلّا ندايا (٣) ولاعب بالعشىّ بنى بنيه ... كفعل الهرّ يحترش العظايا يلاعبهم وودّوا لو سقوه ... من الذّيفان مترعة ملايا [٤] فلا ذاق النّعيم ولا شرابا ... ولا يشفى من المرض الشّفايا أراد بقوله: «صمّ فلم يكلم»، أى لم يسمع ما يكلّم به، فاختصر؛ ويجوز أن يريد أنّه لم يكلّم لليأس من استماعه فأعرض عن خطابه لذلك. وقوله: «وأودى سمعه إلّا ندايا» أراد أنّ سمعه هلك؛ إلّا أنه يسمع الصوت العالى الّذي ينادى به. وأما قوله: «ولاعب بالعشىّ بنى بنيه»، فإنّه مبالغة فى وصفه بالهرم والخرف، وأنه قد تناهى إلى ملاعبة الصبيان وأنسهم به. ويشبه أن يكون خصّ العشىّ بذلك لأنّه وقت رواح الصبيان إلى بيوتهم واستقرارهم فيها. وقوله: «يحترش العظايا» / أى يصيدها، والاحتراش أن يقصد الرجل إلى جحر الضّب فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى، فيخرج إليه فيأخذه، يقال: حرشت الضّبّ، واحترشته؛ ومن أمثالهم: «هذا أجلّ من الحرش»، يضرب عند الأمر يستعظم، ويتكلم بذلك على لسان الضب. قال ابن دريد: قال الضب لابنه: اتّق الحرش، قال: وما الحرش؟ قال: إذا سمعت حركة بباب الجحر فلا تخرج؛ فسمع يوما وقع المحفار فقال: يا أبه، أهذا الحرش؟ فقال: «هذا أجلّ من الحرش»؛ فجعل مثلا للرجل إذا سمع الشيء الّذي هو أشدّ مما كان يتوقّعه.

стр. 265

والذّيفان: السّم. والعظايا: جمع عظاية، وهى دويبّة صغيرة معروفة (١). *** [أخبار دريد بن زيد بن نهد وشرح ما أورده من كلامه: ] وأحد المعمّرين دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن ليث بن سود (٢) بن أسلم (٣) بن ألحاف (٤) ابن قضاعة بن مالك بن مرة بن مالك بن حمير. قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة قال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة- وكان من المعمّرين، قال: ولا تعدّ العرب معمّرا إلا من عاش مائة وعشرين (٥) سنة فصاعدا- قال لبنيه: «أوصيكم بالناس شرا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوهم (٦) عثرة، قصّروا الأعنّة، وطوّلوا (٧) الأسنّة، واطعنوا (٨) شزرا، واضربوا هبرا؛ وإذا أردتم المحاجزة، فقبل المناجزة، والمرء يعجز لا المحالة، بالجدّ لا بالكدّ. التجلّد ولا التبلّد، والمنية ولا الدّنية. لا تأسوا على فائت وإن عزّ فقده، ولا تحنّوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا فتطبعوا، ولا تهنوا فتخرعوا، ولا يكون (٩) لكم المثل السوء؛ إنّ الموصّين بنو سهوان. إذا متّ فارحبوا (١٠) خطّ مضجعى، ولا تضنّوا عليّ برحب الأرض، وما ذلك بمؤدّ إلى روحا (١١)؛ ولكن راحة نفس (١٢) خامرها الإشفاق». ثم مات. قال أبو بكر بن دريد فى حديث آخر إنه قال:

стр. 266

اليوم يبنى (١) لدويد بيته ... يا ربّ نهب (٢) صالح حويته وربّ قرن (٣) بطل أرديته ... وربّ غيل حسن لويته ومعصم مخضّب ثنيته ... لو كان للدّهر بلى أبليته أو كان قرنى واحدا كفيته ومن قوله أيضا: / ألقى عليّ الدهر رجلا ويدا ... والدّهر ما أصلح يوما أفسدا يفسد ما أصلحه اليوم غدا قوله: «اطعنوا شزرا، واضربوا هبرا»، معنى الشّزر أن يطعنه من إحدى ناحيتيه، يقال: فتل الحبل شزرا إذا فتله على الشمال، والنظر الشّزر: نظر بمؤخر العين؛ وقال الأصمعىّ: نظر إلى شزرا إذا نظر إليه من عن يمينه وشماله، وطعنه شزرا كذلك. وقوله: «هبرا»، قال ابن دريد: يقال هبرت اللحم أهبره هبرا إذا قطعته قطعا كبارا، والاسم الهبرة والهبرة، وسيف هبّار وهابر، واللحم هبير ومهبور. والمحالة: الحيلة (٤). وقوله: «بالجدلا بالكدّ»؛ أى يدرك الرجل حاجته وطلبته بالجدّ، وهو الحظ والبخت، ومنه رجل مجدود، فإذا كسرت الجيم فهو الانكماش فى الأمر والمبالغة فيه. وقوله: «التجلد ولا التبلد»؛ أى تجلّدوا ولا تتبلّدوا. وقوله: «فتطبعوا»، أى تدنسوا، والطّبع الدنس، ويقال طبع السيف يطبع طبعا، إذا ركبه الصّدأ؛ قال ثابت قطنة (٥) العتكىّ: لا خير فى طمع يدنى إلى طبع ... وغفّة من قوام العيش تكفينى (٦)

стр. 267

وقوله: «ولا تهنوا فتخرعوا»؛ فالوهن الضّعف، والخرع والخراعة: اللين، ومنه سميت الشجرة الخروع للينها، وقوله: «إنّ الموصّين بنو سهوان»؛ فالموصون جمع موصّى، وبنو سهوان ضربه مثلا، أى لا تكونوا ممن تقدّم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصية، وقالوا: إنه يضرب هذا المثل للرجل الموثوق به ذمة؛ ومعناه أن الذين يحتاجون أن يوصّوا بحوائج إخوانهم هم الذين يسهون عنه لقلة عنايتهم؛ وأنت غير غافل ولا ساه عن حاجتى. وقوله: «فارحبوا»؛ أى أوسعوا، والرّحب السعة، والرّوح: الراحة. وقوله فى الشعر: «ورب غيل»؛ فالغيل الساعد الممتلئ. والمعصم: موضع السّوار من اليد (١). *** [أخبار زهير بن جناب وإيراد بعض أشعاره: ] ومن المعمّرين زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن ألحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير. / قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتى سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتى وقعة، وكان سيدا مطاعا شريفا فى قومه، ويقال: كانت فيه عشر خصال لم يجتمعن فى غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم- والطّبّ فى ذلك الزمان شرف- وحازى قومه- والحزاة الكهّان- وكان فارس قومه، وله البيت فيهم، والعدد منهم. وأوصى بنيه فقال: «يا بنى، قد كبرت سنّى، وبلغت حرسا من دهرى، فأحكمتنى التجارب، والأمور تجربة واحتيال؛ فاحفظوا عنى ما أقول وعوه، إياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإنّ ذلك داعية للغمّ، وشماتة للعدو، وسوء ظن بالرّب.

стр. 268

وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قوم قطّ إلّا ابتلوا، ولكن توقّعوها، فإنما الإنسان فى الدنيا غرض تعاوره الرّماة، فمقصّر دونه ومجاوز لموضعه، وواقع عن يمينه وشماله؛ ثم لا بدّ أنّه مصيبه». قوله: «حرسا من دهرى»، يريد طويلا منه، والحرس من الدّهر: الطويل، قال الراجز: * فى سنبة عشنا بذاك حرسا* السّنبة: المدة من الدهر. والتواكل: أن يكل القوم أمرهم إلى غيرهم، من قولهم: رجل وكل، إذا كان لا يكفى نفسه، ويكل أمره إلى غيره؛ ويقال: رجل وكلة تكلة. والغرض: كلّ ما نصبته للرمى. وتعاوره، أى تداوله. قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وقد ضمّن ابن الرومىّ (١) معنى قول زهير بن جناب: «الإنسان فى الدهر غرض تعاوره الرماة، فمقصّر دونه ومجاوز له، وواقع عن يمينه وشماله، ولا بدّ أن يصيبه» أبياتا، فأحسن كلّ الإحسان؛ والأبيات: كفى بسراج الشّيب فى الرّأس هاديا ... لمن قد أضلّته (٢) المنايا لياليا أمن بعد إبداء المشيب مقاتلى ... لرامى المنايا تحسبينى ناجيا غدا الدّهر يرمينى فتدنو سهامه ... لشخصى (٣) أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامى اللّيل يرمى ولا يرى ... فلمّا أضاء الشّيب شخصى رمانيا أما البيت الأخير، فإنه أبدع فيه وغرّب (٤)، وما علمت أنّه سبق إلى معناه؛ لأنّه جعل الشباب كالليل الساتر على الإنسان، الحاجز بينه وبين من أراد رميه لظلمته

стр. 269

والشيب مبدئا لمقاتله، هاديا إلى إصابته لضوئه وبياضه، وهذا فى نهاية حسن المعنى. وأراد بقوله: «رمانى» أى أصابنى؛ ومثله قول الشاعر: فلمّا رمى شخصى رميت سواده ... ولا بدّ أن يرمى سواد الّذي يرمى وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل، ولم يكن فى العرب أنطق من زهير ولا أوجه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنا، ولم تجمع قضاعة إلّا عليه وعلى رزاح ابن ربيعة. وسمع زهير بعض نسائه تتكلّم بما لا ينبغى لمرأة تتكلم (١) به عند زوجها، فنهاها فقالت له: اسكت عنى وإلّا ضربتك بهذا العمود، فو الله ما كنت أراك تسمع شيئا ولا تعقله، فقال عند ذلك: ألا لقوم لا أرى النّجم طالعا ... ولا الشّمس إلّا حاجتى بيمينى معزّبتى عند القفا بعمودها ... يكون نكيرى أن أقول ذرينى أمينا على سرّ النّساء وربّما ... أكون على الأسرار غير أمين فللموت خير من حداج (٢) موطّأ ... مع الظّعن لا يأتى المحلّ لحينى وهو القائل: أبنيّ إن أهلك فقد ... أورثتكم مجدا بنيّة وتركتكم أرباب سا ... دات زنادكم وريّه من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلّا التّحيّة ولقد رحلت البازل ال ... كوماء ليس لها وليّه وخطبت خطبة حازم ... غير الضّعيف (٣) ولا العييّة

стр. 270

فالموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّه من أن يرى الشّيخ البجا ... ل وقد يهادى بالعشيّه / وهو القائل: ليت شعرى والدهر ذو حدثان ... أىّ حين منيّتى تلقانى! أسبات على الفراش خفات ... أم بكفّى مفجّع حرّان (١)! وقال حين مضت له مائتا سنة من عمره: لقد عمّرت حتى ما أبالى ... أحتفى فى صباحى أم مسائى! وحقّ لمن أتت مائتان عاما ... عليه أن يملّ من الثّواء قوله: «معزبتى» يعنى امرأته، يقال: معزّبة الرجل وطلّته وحنّته؛ كل ذلك امرأته. وقوله: «أمينا على سرّ النساء»، السرّ: خلاف العلانية، والسرّ أيضا: النكاح، قال الحطيئة: ويحرم سرّ جارهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع (٢) وقال امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أننى ... كبرت وألّا يحسن السّرّ أمثالى (٣)

стр. 271

وكلاء زهير يحتمل الوجهين جميعا، لأنه إذا كبر وهرم لم تهيّبه النساء أن [يتحدّثن بحضرته بأسرارهن] (١)، تهاونا به، أو تعويلا على ثقل سمعه، وكذلك هرمه وكبره يوجبان كونه أمينا على نكاح النساء لعجزه عنه. وقوله: «حداج موطّأ»، الحداج (٢): مركب من مراكب النساء، والجمع أحداج وحدوج. والظعن والأظعان: الهوادج، والظعينة المرأة فى الهودج؛ ولا تسمّى ظعينة حتى تكون فى هودج، والجمع ظعائن؛ وإنما خبّر عن هرمه، وأن موته خير من كونه مع الظّعن فى جملة النساء. وقوله: «زنادكم وريّه»؛ الزّناد: جمع زند وزندة، وهما عودان يقدح بهما النار، وفى أحدهما فروض، وهى ثقب؛ فالتى فيها الفروض هى الأنثى، والّذي يقدح بطرفه هو الذّكر، ويسمى الزّند الأب، والزّندة الأم. وكنّى «بزنادكم وريّه» عن بلوغهم مأربهم؛ تقول العرب: وريت بك زنادى؛ أى نلت بك ما أحب من النّجح والنجاة، ويقال للرجل الكريم: وارى الزّناد. / فأما التحية، فهى الملك، فكأنه قال: من كلّ ما نال الفتى قد نلته إلا الملك؛ وقيل التحية هاهنا: الخلود والبقاء. والبازل: النّاقة التى بلغت تسع سنين، فهى أشدّ ما تكون، ولفظ البازل فى الناقة والجمل سواء. والكوماء: العظيمة السّنام. والوليّة: برذعة تطرح على ظهر البعير تلى جلده. والبجال: الّذي يبجّله قومه ويعظّمونه. وقوله: «يهادى بالعشية»، أى يماشيه الرجال فيسندونه لضعفه. والتهادى: المشى الضعيف.

стр. 272

وقوله: «أسبات»، فالسّبات: سكون الحركة، ورجل مسبوت، والخفات: الضعف أيضا، يقال: خفت (١) الرجل إذا أصابه ضعف من مرض أو جوع. والمفجّع: الّذي فجع بولد له أو قرابة. والحرّان: العطشان الملتهب (٢)، وهو هاهنا المحزون على قتلاه. ومما يروى لزهير بن جناب: إذا ما شئت أن تسلى حبيبا ... فأكثر دونه عدد اللّيالى فما سلّى حبيبك مثل نأى ... وما أبلى جديدك كابتذال (٣)

стр. 273

١٧ مجلس آخر [المجلس السابع عشر: ] [أخبار ذى الإصبع العدوانى وحديثه مع بناته الأربع: ] ومن المعمّرين ذو الإصبع العدوانىّ، واسمه حرثان بن محرّث بن الحارث بن ربيعة ابن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عياذ (١) بن يشكر بن عدوان. وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر (٢). وإنما سمى الحارث عدوان، لأنه عدا على أخيه؛ فهمّ (٣) بقتله، وقيل: بل فقأ عينه، وقيل: إن اسم ذو الإصبع محرّث بن حرثان، وقيل: حرثان بن حويرث، وقيل: حرثان ابن حارثة، ويكنّى أبا عدوان. وسبب لقبه بذى الإصبع أنّ حية نهشته على إصبعه فشلّت، فسمى بذلك. ويقال: إنه عاش مائة وسبعين سنة. وقال أبو حاتم: إنه عاش ثلاثمائة سنة. وهو أحد حكّام العرب فى الجاهلية. وذكر الجاحظ أنه كان أثرم (٤) وروى عنه: لا يبعدن عهد الشباب ولا ... لذّاته ونباته النضر (٥) لولا أولئك ما حفلت متى ... عوليت فى حرج (٦) إلى قبرى

стр. 274

/ هزئت أثيلة أن رأت هرمى ... وأن انحنى لتقادم ظهرى وكان (١) لذى الإصبع بنات أربع، فعرض عليهنّ أن يزوّجهنّ فأبين وقلن: خدمتك وقربك أحبّ إلينا. ثم أشرف عليهنّ يوما من حيث لا يرينه، فقلن: لتقل كلّ واحدة منّا ما فى نفسها، فقالت الكبرى: ألا هل أراها مرّة وضجيعها ... أشمّ كنصل السّيف عين مهنّد (٢) عليم بأدواء النّساء وأصله ... إذا ما انتمى من سرّ أهلى ومحتدى (٣) ويروى «من أهل سرّى، ومن أصل سرّى ومحتدى». فقلن لها: أنت تريدين ذا قرابة قد عرفته. ثم قالت الثانية: ألا ليت زوجي من أناس أولى عدى (٤) ... حديث الشّباب طيّب الثّوب (٥) والعطر ويروى: «أولى غنى». لصوق بأكباد النّساء كأنّه ... خليفة جان لا ينام على وتر (٦) ويروى: «لا ينام على هجرى». فقلن لها: أنت تريدين فتى ليس من أهلك. ثم قالت الثالثة:

стр. 275

ألا ليته يكسى الجمال نديّه (١) ... له جفنة تشقى بها المعز (٢) والجزر له حكمات الدّهر من غير كبرة ... تشين؛ فلا فان ولا ضرع غمر فقلن لها: أنت تريدين سيدا شريفا. وقلن للرابعة: قولى، فقالت: لا أقول شيئا، فقلن لها: يا عدوة الله، علمت ما فى أنفسنا ولا تعلميننا ما فى نفسك! فقالت: «زوج من عود خير من قعود»؛ فمضت مثلا. فزوجهنّ أربعهن، وتركهن حولا، ثم أتى الكبرى فقال: يا بنيّة، كيف ترين زوجك؟ قالت: خير زوج، يكرم الحليلة، ويعطى الوسيلة. قال: فما مالكم؟ قالت: خير مال، الإبل نشرب ألبانها جزعا- ويروى: «جرعا»، بالراء غير المعجمة- ونأكل لحمانها مزعا، وتحملنا وضعيفنا (٣) معا؛ فقال: يا بنيّة، زوج كريم، ومال عميم. ثم أتى الثانية فقال: يا بنيّة، كيف زوجك؟ قالت: خير زوج؛ يكرم أهله، وينسى فضله، قال: وما مالكم؟ قالت: البقر تألف الفناء، وتملأ الإناء، وتودك (٤) السقاء، ونساء مع النساء (٥)، فقال لها: حظيت وبظيت (٦). ثم أتى الثالثة فقال: يا بنية، كيف زوجك؟ قالت: لا سمح بذر (٧)، ولا بخيل حكر (٨)

стр. 276

قال: فما مالكم؟ قلت: المعزى، قال: وما هى؟ قلت: لو كنّا نولّدها فطما، ونسلخها أدما- ويروى: «أدما» بالفتح- لم نبغ بها نعما. فقال لها: جذوة (١) مغنية- ويروى: جدوى (٢) مغنية. ثم أنى الصغرى فقال: كيف زوجك؟ قالت: شرّ زوج؛ يكرم نفسه، ويهين عرسه؛ قال: فما مالكم؟ قالت: شرّ مال، قال: وما هو؟ قالت: الضأن، جوف لا يشبعن، وهيم لا ينقعن، وصمّ لا يسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن. فقال أبوها: «أشبه امرؤ (٣) بعض بزّه»، فمضت مثلا. أمّا قول إحدى بناته فى الشعر: «أشمّ»، فالشمم هو ارتفاع أرنبة الأنف وورودها؛ يقال: رجل أشمّ، ، وامرأة شماء، وقوم شمّ، قال حسان بن ثابت: بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل (٤) والشّمم: الارتفاع فى كلّ شيء؛ فيحتمل أن يكون حسّان أراد بشمّ الأنوف ما ذكرناه من ورود الأرنبة؛ لأن ذلك عندهم دليل العتق والنجابة. ويجوز أن يريد بذلك الكناية عن نزاهتهم وتباعدهم عن دنايا الأمور ورذائلها؛ وخصّ الأنوف بذلك؛ لأن الحميّة والغضب والأنف (٥) فيها؛ ولم يرد طول أنفهم؛ وهذا أشبه بأن يكون مراده؛ لأنه قال: «بيض الوجوه» ولم يرد بياض اللون فى الحقيقة، وإنما كنى بذلك عن نقاء أعراضهم، وجميل أخلاقهم وأفعالهم؛ كما يقول القائل: جاءنى فلان بوجه أبيض، وقد بيّض فلان وجهه بكذا وكذا، وإنما يعنى ما ذكرناه. وقول المرأة: «أشمّ كنصل السيف» يحتمل الوجهين أيضا. وقول حسان «من الطراز الأول»، أى أفعالهم أفعال آبائهم وسلفهم، وأنّهم لم يحدثوا أخلاقا مذمومة لا تشبه نجارهم وأصولهم. وقولها: «عين مهنّد»؛ أى هو المهنّد بعينه، كما يقال: هذا هو بعينه، وعين

стр. 277

الشيء نفسه. وعلى الرواية الأخرى: «غير مهنّد» أى ليس هو السيف المنسوب إلى الهند فى الحقيقة، وإنما هو يشبهه فى مضائه. وقولها: «من سرّ أهلى»، أى من أكرمهم وأخلصهم، يقال: فلان فى سرّ قومه، أى فى صميمهم وشرفهم، وسرّ الوادى: أطيبه ترابا. والمحتد: الأصل. وقول الثانية: «أولى عدى» / فإنّما معناه أن يكون لهم أعداء، لأنّ من لا عدوّ له هو الفسل الرذل الّذي لا خير عنده، والكريم الفاضل من الناس هو المحسّد المعادى (١). وقولها: «لصوق بأكباد النساء» تعنى فى المضاجعة، ويحتمل أن تكون أرادت فى المحبة والمودّة، وكنّت بذلك عن شدّة محبتهن له، وميلهن إليه، وهو أشبه. وقولها: «كأنه خليفة جان» أى كأنه حيّة للصوقه، والجان: جنس من الحيات (٢)، فخفّفت لضرورة الشعر. وقول الثالثة: «يكسى الجمال نديّه» فالندىّ هو المجلس. وقولها: «له حكمات الدهر» تقول: قد أحكمته التجارب، وجعلته حكيما. فأما الضّرع فهو الضعيف. والغمر: الّذي لم يجرب الأمور. وقول الكبرى: «ويكرم الحليلة، ويعطى الوسيلة»، فالحليلة هى امرأة الرجل، والوسيلة الحاجة. وقولها: «نشرب ألبانها جزعا» فالجزع جمع جزعة، وهو الماء القليل يبقى فى الإناء، وقولها: «مزعا»، المزعة: البقية من دسم، ويقال: ما له جزعة ولا مزعة، هكذا ذكر ابن دريد، الضمّ فى جزعة، ووجدت غيره يكسرها فيقول جزعة، وإذا كسرت فينبغى

стр. 278

أن يكون «نشرب ألبانها جزعا» وتكسر المزعة أيضا ليزدوج الكلام، فتقول: «ونأكل لحمانها مزعا»، قال: المزعة، بالكسر: هى القطعة من الشحم، والمزعة بالكسر أيضا من الرّيش والقطن وغير ذلك، كالمزقة من الخرق، والتّمزيع: التقطيع والتشقيق؛ يقال إنه ليكاد يتمزّع من الغيظ، ومزع الظّبى فى عدوه يمزع مزعا؛ إذا أسرع، وقوله: «مال عميم»: ، أى كثير. وقول الثانية: «تودك السّقاء»، من الودك الّذي هو (١) الدّسم. وقول الثالثة: «نولّدها فطما»، الفطم: جمع فطيم، وهو المقطوع من الرّضاع. وقولها: «نسلخها أدما»، فالأدم: جمع إدام، وهو الّذي يؤكل؛ تقول: لو أنا فطمناها عند الولادة وسلخناها للأدم من الحاجة لم نبغ بها نعما. وعلى الرواية الأخرى: أدما، من الأديم. وقوله: «جذوة مغنية»، فالجذوة: القطعة. وقول الصغرى: «جوف لا يشبعن»، الجوف: جمع جوفاء، وهى العظيمة الجوف. والهيم: العطاش، ولا ينقعن؛ أى لا يروين، ومعنى قولها: «وأمر مغويتهنّ يتبعن»، لأنّ القطيع من الضأن يمر على قنطرة فتزلّ واحدة فتقع فى الماء، فيقعن كلّهنّ اتباعا لها، والضأن يوصف/ بالبلادة. [خبر عبد الملك بن مروان مع سعيد بن خالد الجدلىّ: ] أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة عن يونس. قال ابن دريد وأخبرنا به العكلىّ عن أبى خالد (٢) عن الهيثم بن عدىّ عن مسعر بن كدام قال حدثنى سعيد بن خالد الجدلىّ قال: لما (٣) قدم عبد الملك ابن مروان الكوفة بعد قتل مصعب، دعا الناس على فرائضهم (٤)، فأتيناه فقال:

стр. 279

[من القوم؟ فقلنا: جديلة] (١)، فقال: جديلة عدوان؟ قلنا: نعم، فتمثّل عبد الملك: عذير الحىّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض (٢) بغى بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض ومنهم حكم يقضى ... فلا ينقض ما يقضى ومنهم من يجيز النا ... س فى السّنّة والفرض (٣) ثم أقبل على رجل كنّا قدّمناه أمامنا جسيم وسيم، فقال: أيّكم يقول هذا الشعر؟ فقال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: يقوله ذو الإصبع، فتركنى وأقبل على ذاك الجسيم فقال: وما كان اسم ذى الإصبع؟ فقال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: حرثان، فأقبل عليه وتركنى، فقال: لم سمّى ذا الإصبع؟ فقال: لا أدرى، فقلت: أنا من خلفه نهشته حيّة فى إصبعه، فأقبل عليه وتركنى فقال: من أيّكم كان؟ فقال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه من بنى ناج، فأقبل على الجسيم فقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعمائة (٤)، ثم أقبل عليّ فقال: كم عطاؤك؟ قلت: أربعمائة (٥) فقال: يا ابن الزّعيزعة، حطّ من عطاء هذا ثلاثمائة، وزدها فى عطاء هذا، فرحت وعطائى سبعمائة وعطاؤه أربعمائة. وفى رواية أخرى أنه قال له: من أيّكم كان؟ فقال: لا أدرى، فقلت أنا من خلفه: من بنى ناج، الّذي يقول فيهم الشاعر: وأما بنو ناج فلا تذكرنّهم ... ولا تتبعن عينيك من كان هالكا [إذا قلت معروفا لتصلح بينهم] (٦) ... يقول وهيب لا أسالم (٧) ذلكا

стр. 280

ويروى «لا أحاول ذلكا». / فأضحى كظهر العود (١) جبّ سنامه ... تحوم عليه الطير أحدب باركا [إيراد شعر لذى الإصبع وشرج ما ورد فى ذلك من الغريب: ] وقد رويت هذه الأبيات لذى الإصبع أيضا: ومن أبيات ذى الإصبع السائرة قوله: أكاشر ذا الضّغن المبيّن منهم ... وأضحك حتّى يبدو النّاب أجمع (٢) وأهدنه بالقول هدنا ولو يرى ... سريرة ما أخفى لبات يفزّع ومعنى «أهدنه» أسكّنه. ومن قوله أيضا: إذا ما الدّهر جرّ على أناس ... شراشره أناخ بآخرينا (٣) فقل للشّامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشّامتون كما لقينا ومعنى «الشراشر» هاهنا الثّقل، يقال ألقى عليه شراشره وجراميزه، أى ثقله. ومن قوله: ذهب الّذين إذا رأونى مقبلا ... هشّوا إلى ورحّبوا بالمقبل وهم الّذين إذا حملت حمالة (٤) ... ولقيتهم فكأنّنى لم أحمل ومن قوله وهى مشهورة (٥):

стр. 281

لى ابن عمّ على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقلينى (١) أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا ... فخالنى دونه بل خلته (٢) دونى لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب ... عنّى ولا أنت ديانى فتخزونى (٣) إنى لعمرك ما بابى بذى غلق ... عن الضيوف ولا خيرى بممنون (٤) ولا لسانى على الأدنى بمنطلق ... بالفاحشات ولا أغضى على الهون ماذا عليّ وإن كنتم ذوى رحمى (٥) ... ألّا أحبّكم إذ (٦) لم تحبّونى يا عمرو إلّا تدع (٧) شتمى ومنقصتى ... أضربك حيث (٨) تقول الهامة اسقونى وأنتم معشر زيد (٩) على مائة ... فأجمعوا أمركم طرّا فكيدونى لا يخرج القسر منى غير مأبية ... ولا ألين لمن لا يبتغى لينى (١٠) / قوله «شالت نعامتنا»، معناه تنافرنا [، فضرب النعام مثلا؛ أى لا أطمئن إليه] (١١)، ولا يطمئن إلى، يقال: شالت نعامة القوم إذا جلوا (١٢) عن الموضع. وقوله: «لاه ابن عمك»؛ قال قوم: أراد لله ابن عمك. وقال ابن دريد: أقسم وأراد الله ابن عمك. وقوله: «عنّى» أى عليّ (١٣)، والدّيّان: الّذي يلى أمره. ومعنى: «فتخزونى» أى تسوسونى. والهون: الهوان.

стр. 282

وقوله: «أضربك حيث تقول الهامة اسقونى»، قال الأصمعىّ: العطش فى الهامة، فأراد أضربك فى ذلك الموضع، أى على الهامة حتى تعطش. وقال آخرون: العرب تقول: إن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تدور حول قبره، وتقول: اسقونى، اسقونى! فلا تزال كذلك حتى يؤخذ بثأره؛ وهذا باطل؛ ويجوز أن يعنيه ذو الإصبع على مذاهب العرب. وقوله: «لا يخرج القسر منّى غير مأبية»، فالقمر: القهر، أى إن أخذت قسرا لم أزدد إلّا إباء (١). *** [ذكر معديكرب الحميرى وبعض شعره: ] ومن المعمّرين معديكرب الحميرىّ؛ من آل ذى رعين «قال ابن سلّام: وقال معديكرب (٢) الجميرىّ- وقد طال عمره: أرانى كلّما أفنيت يوما ... أتانى بعده يوم جديد يعود بياضه (٣) فى كلّ فجر ... ويأبى لى شبابى ما يعود *** [أخبار الربيع بن ضبع الفزارىّ: ] ومن المعمّرين الربيع بن ضبع (٤) الفزارىّ، ويقال إنه بقى إلى أيام بنى أمية. وروى أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: يا ربيع، أخبرنى عمّا أدركت من العمر والمدى، ورأيت من الخطوب الماضية، قال: أنا الّذي أقول: ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلى ومولدى حجرا (٥) فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبى، قال: وأنا القائل:

стр. 283

إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللّذاذة والفتاء (١) قال: قد رويت هذا من شعرك وأنا غلام، وأبيك يا ربيع، لقد طلبك (٢) جدّ غير عاثر، ففصّل لى عمرك، قال: عشت مائتى سنة فى فترة عيسى ﵇، وعشرين ومائة فى الجاهلية، وستين سنة/ فى الإسلام. قال: أخبرنى عن فتية من قريش متواطئى الأسماء، قال: سل عن أيّهم شئت، قال: أخبرنى عن عبد الله بن العباس، قال: فهم وعلم، وعطاء جذم (٣)، ومقرى ضخم. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن عمر قال: حلم وعلم، وطول كظم، وبعد من الظّلم. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن الزّبير، قال: جبل وعر، ينحدر (٤) منه الصّخر. قال: لله درّك يا ربيع! ما أعرفك بهم! قال: قرب جوارى، وكثر استخبارى. قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى أدام الله علوّه: إن كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان فى أيام معاوية، لا فى أيام ولايته، لأن الربيع يقول فى الخبر: «عشت فى الإسلام ستين سنة» (٥)، وعبد الملك ولى فى سنة خمس وستين من الهجرة، فإن كان صحيحا فلا بد مما ذكرناه؛ فقد روى أن الرّبيع أدرك أيام معاوية؛ ويقال: إن الربيع لما بلغ مائتى سنة قال:

стр. 284

ألا أبلغ بنيّ بنى ربيع ... فأشرار البنين لكم فداء (١) بأنّى قد كبرت ودقّ عظمى ... فلا تشغلكم عنّى النّساء وإنّ كنائنى لنساء صدق ... وما آلى بنيّ ولا أساءوا (٢) إذا كان (٣) الشّتاء فأدفئونى ... فإنّ الشيخ يهدمه الشّتاء وأمّا حين يذهب كلّ قرّ ... فسربال خفيف أو رداء إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللّذاذة (٤) والفتاء وقال حين بلغ مائتين وأربعين سنة: أصبح منّى الشّباب قد حسرا (٥) ... إن ينا (٦) عنّى فقد ثوى عصرا ودّعنا قبل أن نودّعه ... لمّا قضى من جماعنا وطرا ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلى (٧) ومولدى حجرا أبا امرئ القيس هل سمعت به! ... هيهات هيهات طال ذا عمرا / أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا

стр. 285

والذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدى وأحشى الرّياح والمطرا من بعد ما قوّة أسرّ (١) بها ... أصبحت شيخا أعالج الكبرا (٢) قوله: «عطاء جذم» أى سريع، وكلّ شيء تسرّعت فيه فقد جذمته، وفى الحديث: «إذا أذّنت فترسّل، وإذا أقمت فاجذم»، أى أسرع. والمقرى: الإناء الّذي يقرى فيه. وقوله: «فما آلى بنيّ ولا أساءوا»، أى لم يقصّروا، والآلى: المقصّر (٣).
следующие страницы →