← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

لى ابن عمّ على ما كان من خلق ... مختلفان فأقليه ويقلينى (١) أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنا ... فخالنى دونه بل خلته (٢) دونى لاه ابن عمّك لا أفضلت فى حسب ... عنّى ولا أنت ديانى فتخزونى (٣) إنى لعمرك ما بابى بذى غلق ... عن الضيوف ولا خيرى بممنون (٤) ولا لسانى على الأدنى بمنطلق ... بالفاحشات ولا أغضى على الهون ماذا عليّ وإن كنتم ذوى رحمى (٥) ... ألّا أحبّكم إذ (٦) لم تحبّونى يا عمرو إلّا تدع (٧) شتمى ومنقصتى ... أضربك حيث (٨) تقول الهامة اسقونى وأنتم معشر زيد (٩) على مائة ... فأجمعوا أمركم طرّا فكيدونى لا يخرج القسر منى غير مأبية ... ولا ألين لمن لا يبتغى لينى (١٠) / قوله «شالت نعامتنا»، معناه تنافرنا [، فضرب النعام مثلا؛ أى لا أطمئن إليه] (١١)، ولا يطمئن إلى، يقال: شالت نعامة القوم إذا جلوا (١٢) عن الموضع. وقوله: «لاه ابن عمك»؛ قال قوم: أراد لله ابن عمك. وقال ابن دريد: أقسم وأراد الله ابن عمك. وقوله: «عنّى» أى عليّ (١٣)، والدّيّان: الّذي يلى أمره. ومعنى: «فتخزونى» أى تسوسونى. والهون: الهوان.

стр. 282

وقوله: «أضربك حيث تقول الهامة اسقونى»، قال الأصمعىّ: العطش فى الهامة، فأراد أضربك فى ذلك الموضع، أى على الهامة حتى تعطش. وقال آخرون: العرب تقول: إن الرجل إذا قتل خرجت من رأسه هامة تدور حول قبره، وتقول: اسقونى، اسقونى! فلا تزال كذلك حتى يؤخذ بثأره؛ وهذا باطل؛ ويجوز أن يعنيه ذو الإصبع على مذاهب العرب. وقوله: «لا يخرج القسر منّى غير مأبية»، فالقمر: القهر، أى إن أخذت قسرا لم أزدد إلّا إباء (١). *** [ذكر معديكرب الحميرى وبعض شعره: ] ومن المعمّرين معديكرب الحميرىّ؛ من آل ذى رعين «قال ابن سلّام: وقال معديكرب (٢) الجميرىّ- وقد طال عمره: أرانى كلّما أفنيت يوما ... أتانى بعده يوم جديد يعود بياضه (٣) فى كلّ فجر ... ويأبى لى شبابى ما يعود *** [أخبار الربيع بن ضبع الفزارىّ: ] ومن المعمّرين الربيع بن ضبع (٤) الفزارىّ، ويقال إنه بقى إلى أيام بنى أمية. وروى أنّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له: يا ربيع، أخبرنى عمّا أدركت من العمر والمدى، ورأيت من الخطوب الماضية، قال: أنا الّذي أقول: ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلى ومولدى حجرا (٥) فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبى، قال: وأنا القائل:

стр. 283

إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللّذاذة والفتاء (١) قال: قد رويت هذا من شعرك وأنا غلام، وأبيك يا ربيع، لقد طلبك (٢) جدّ غير عاثر، ففصّل لى عمرك، قال: عشت مائتى سنة فى فترة عيسى ﵇، وعشرين ومائة فى الجاهلية، وستين سنة/ فى الإسلام. قال: أخبرنى عن فتية من قريش متواطئى الأسماء، قال: سل عن أيّهم شئت، قال: أخبرنى عن عبد الله بن العباس، قال: فهم وعلم، وعطاء جذم (٣)، ومقرى ضخم. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن عمر قال: حلم وعلم، وطول كظم، وبعد من الظّلم. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها. قال: فأخبرنى عن عبد الله بن الزّبير، قال: جبل وعر، ينحدر (٤) منه الصّخر. قال: لله درّك يا ربيع! ما أعرفك بهم! قال: قرب جوارى، وكثر استخبارى. قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى أدام الله علوّه: إن كان هذا الخبر صحيحا فيشبه أن يكون سؤال عبد الملك له إنما كان فى أيام معاوية، لا فى أيام ولايته، لأن الربيع يقول فى الخبر: «عشت فى الإسلام ستين سنة» (٥)، وعبد الملك ولى فى سنة خمس وستين من الهجرة، فإن كان صحيحا فلا بد مما ذكرناه؛ فقد روى أن الرّبيع أدرك أيام معاوية؛ ويقال: إن الربيع لما بلغ مائتى سنة قال:

стр. 284

ألا أبلغ بنيّ بنى ربيع ... فأشرار البنين لكم فداء (١) بأنّى قد كبرت ودقّ عظمى ... فلا تشغلكم عنّى النّساء وإنّ كنائنى لنساء صدق ... وما آلى بنيّ ولا أساءوا (٢) إذا كان (٣) الشّتاء فأدفئونى ... فإنّ الشيخ يهدمه الشّتاء وأمّا حين يذهب كلّ قرّ ... فسربال خفيف أو رداء إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللّذاذة (٤) والفتاء وقال حين بلغ مائتين وأربعين سنة: أصبح منّى الشّباب قد حسرا (٥) ... إن ينا (٦) عنّى فقد ثوى عصرا ودّعنا قبل أن نودّعه ... لمّا قضى من جماعنا وطرا ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلى (٧) ومولدى حجرا أبا امرئ القيس هل سمعت به! ... هيهات هيهات طال ذا عمرا / أصبحت لا أحمل السّلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا

стр. 285

والذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدى وأحشى الرّياح والمطرا من بعد ما قوّة أسرّ (١) بها ... أصبحت شيخا أعالج الكبرا (٢) قوله: «عطاء جذم» أى سريع، وكلّ شيء تسرّعت فيه فقد جذمته، وفى الحديث: «إذا أذّنت فترسّل، وإذا أقمت فاجذم»، أى أسرع. والمقرى: الإناء الّذي يقرى فيه. وقوله: «فما آلى بنيّ ولا أساءوا»، أى لم يقصّروا، والآلى: المقصّر (٣).

стр. 286

١٨ مجلس آخر [المجلس الثامن عشر: ] [أخبار أبى الطمحان القينىّ وإيراد طائفة من شعره: ] ومن المعمّرين أبو الطّمحان القينىّ، واسمه حنظلة بن الشّرقىّ، من بنى (١) كنانة ابن القين؛ قال أبو حاتم: عاش مائتى سنة، فقال فى ذلك: حنتنى حانيات الدّهر حتّى ... كأنى خاتل (٢) أدنو لصيد قصير الخطو يحسب من رآنى ... - ولست مقيّدا- أنّى بقيد ويروى: «قريب الخطو». قال أبو حاتم: حدثنى عدّة من أصحابنا أنهم سمعوا يونس بن حبيب ينشد هذين البيتين، وينشد أيضا: تقارب خطو رجلك يا سويد (٣) ... وقيّدك الزّمان بشرّ قيد وهو القائل: وإنّى من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم ميّت قام صاحبه (٤) نجوم سماء كلّما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوى إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى اللّيل حتّى نظّم الجزع ثاقبه وما زال منهم حيث كان مسوّد (٥) ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه (٦) ومعنى البيتين الأوّلين يشبه قول أوس بن حجر:

стр. 287

إذا مقرم منّا ذرا حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم (١) / ولطفيل الغنوىّ مثل هذا، وهو: كواكب دجن كلّما انقضّ كوكب ... بدا وانجلت عنه الدّجنّة كوكب (٢) وقد أخذ الخريمىّ هذا المعنى فقال: إذا قمر منّا تغوّر أو خبا ... بدا قمر فى جانب الأفق يلمع ومثل ذلك: خلافة أهل الأرض فينا وراثة ... إذا مات منا سيّد قام صاحبه ومثله: إذا سيّد منا مضى لسبيله ... أقام عمود الملك (٣) آخر سيّد وكأنّ مزاحما العقيلىّ نظر إلى قول أبى الطمحان: * أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم* فى قوله: وجوه لو أنّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتّى ترى الليل ينجلى (٤) ويقارب ذلك قول حجيّة بن المضرّب الكندىّ: أضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشّمس المضيئة والبدر (٥) وأنشد محمد بن يحيى الصولىّ فى معنى بيتى أبى الطّمحان:

стр. 288

من البيض الوجوه بنى سنان ... لو أنّك تستضيء بهم أضاءوا (١) هم حلّوا من الشّرف المعلّى ... ومن كرم العشيرة حيث شاءوا (٢) فلو أنّ السّماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السّماء (٣) وأبو الطمحان القائل: إذا كان فى صدر ابن عمّك إحنة ... فلا تستثرها سوف يبدو دفينها (٤) وهو القائل: إذا شاء راعيها استقى من وقيعة ... كعين الغراب صفوها لم يكدّر (٥) ويروى: «صفيّه لم يكدّر»، والوقيعة: المستنقع فى الصخرة للماء، ويقال للماء إذا زل (٦) من صخرة فوقع/ فى بطن أخرى ماء الوقائع، وأنشدوا لذى الرّمة: ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النّحل ممزوجا بماء الوقائع (٧) ويقال للماء الّذي يجرى على الصخر ماء الحشرج، وللماء الّذي يجرى بين الحصى والرمل ماء المفاصل، وأنشدوا لأبى ذؤيب:

стр. 289

مطافيل أبكار حديث نتاجها ... يشاب بماء مثل ماء المفاصل (١) وأنشد أبو محلّم السعدىّ لأبى الطّمحان: بنيّ إذا ما سامك الذّلّ قاهر ... عزيز فبعض الذّلّ أبقى وأحرز (٢) ولا تحم (٣) من بعض الأمور تعزّزا ... فقد يورث الذّلّ الطويل التّعزّز وهذان البيتان يرويان لعبد الله بن معاوية الجعفرىّ. وروى لأبى الطّمحان أيضا فى مثل هذا المعنى: يا ربّ مظلمة (٤) يوما لطيت لها ... تمضى عليّ إذا ما غاب نصّارى (٥) حتّى إذا ما انجلت عنّى غيابتها ... وثبت فيها وثوب المخدر الضّارى (٦) *** [أخبار عبد المسيح بن بقيلة الغسانىّ: ] ومن المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّانىّ، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس ابن حيان بن بقيلة، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل الحارث؛ وإنما سمّى بقيلة لانه خرج فى بردين أخضرين على قومه، فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة، فسمى لذلك. وذكر الكلبىّ وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وكان نصرانيّا. وروى أن خالد بن الوليد لما نزل على الحيرة، وتحصّن منه أهلها أرسل إليهم: ابعثوا إلى رجلا من عقلائكم، وذوى أسنانكم (٧). فبعثوا إليه بعبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشى

стр. 290

حتى دنا من خالد، فقال له: انعم صباحا أيها الملك! قال: قد أغنانا الله عن تحيّتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبى، قال: فمن أين خرجت؟ قال من بطن أمى، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: فى ثيابى، قال: أتعقل- لا عقلت؟ قال: إي والله/ وأقيّد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، إنى أسأله عن الشيء [وينحو فى غيره] (١)، قال: ما أجبتك إلّا عما سألت، فسل عمّا بدا لك. قال: أعرب أنتم أم نبيط (٢)؟ قال: عرب استنبطنا، ونبيط استعربنا، قال: أفحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذى الحصون؟ قال: بنيناها للسّفيه (٣) نحذر منه حتّى يجيء الحليم فينهاه، قال: كم أنى لك؟ قال: ستون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترفأ (٤) فى هذا الجرف، ورأيت المرأة تخرج من الحيرة، وتضع مكتلها على رأسها، لا تزوّد إلّا رغيفا واحدا حتى تأتى الشام، ثم قد أصبحت خرابا يبابا، وذلك دأب الله فى البلاد والعباد. قال- ومعه سمّ ساعة يقلّبه فى كفّه-: فقال له خالد: ما هذا فى كفّك؟ قال: هذا السّم، قال: ما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومى وأهل بلدى حمدت الله وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أول من ساق إليهم ذلّا وبلاء، أشربه فأستريح من الدنيا، فإنما بقى من عمرى اليسير، قال خالد: هاته، فأخذه ثم قال: بسم الله وبالله رب الأرض والسماء، الّذي لا يضر مع اسمه شيء، ثم أكله، فتجللته غشية، ثم ضرب بذقنه فى صدره طويلا، ثم عرق فأفاق، كأنما أنشط من عقال. فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان، أكل سمّ ساعة فلم يضرّه،

стр. 291

صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع (١) لهم، فصالحوهم (٢) على مائة ألف درهم، وأنشأ ابن بقيلة يقول: أبعد المنذرين أرى سواما ... تروّح بالخورنق والسّدير! (٣) [أبعد فوارس النّعمان أرعى ... مراعى نهر مرّه فالحفير! ] (٤) تحاماه فوارس كلّ قوم ... مخافة ضيغم عالى الزّئير وصرنا بعد هلك أبى قبيس ... كمثل الشّاء فى اليوم المطير - يريد أبا قابوس، فصغر، ويروى «كمثل المعز» - تقسّمنا القبائل من معدّ ... علانية كأيسار الجزور (٥) نؤدّى الخرج بعد خراج كسرى ... وخرج من قريظة والنّضير كذاك الدّهر دولته سجال ... فيوم من مساة (٦) أو سرور / ويقال إن عبد المسيح لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بنى بقيلة قال: لقد بنيت للحدثان حصنا ... لو أنّ المرء تنفعه الحصون طويل الرّأس أقعس مشمخرّا ... لأنواع الرّياح به حنين (٧) ومما يروى لعبد المسيح بن بقيلة: والنّاس أبناء علّات فمن علموا ... أن قد أقلّ فمجفوّ ومهجور (٨) وهم بنون لأمّ إن رأوا نشبا ... فذاك بالغيب محفوظ ومخفور وهذا يشبه قول أوس بن حجر:

стр. 292

بنى أمّ ذى المال الكثير يرونه ... - وإن كان عبدا- سيّد الأمر جحفلا (١) وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا وذكر أنّ بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها يختط ديرا (٢)، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن فى الاحتفار أصاب كهيئة البيت (٣)، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام (٤)، وعند رأسه كتابة: «أنا عبد المسيح بن بقيلة. حلبت الدهر أشطره حياتى ... ونلت من المنى بلغ المزيد (٥) وكافحت الأمور وكافحتنى ... فلم أحفل بمعضلة كئود وكدت أنال فى الشّرف الثّريّا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود (٦) *** [أخبار النابغة الجعدى وإيراد طائفة من أشعاره: ] ومن المعمّرين النابغة الجعدىّ، واسمه قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى أبا ليلى. وروى أبو حاتم السجستانىّ قال: كان النابغة الجعدىّ أسنّ من النابغة الذّبيانىّ، والدليل على ذلك قوله: تذكّرت والذّكرى نهيج على الهوى ... ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا (٧) نداماى عند المنذر بن محرّق ... أرى اليوم منهم ظاهر الأرض أقفرا / كهول وفتيان كأنّ وجوههم ... دنانير ممّا شيف فى أرض قيصرا

стр. 293

فهذا يدلّ على أنه كان مع المنذر بن محرّق، والنابغة الذّبيانىّ كان مع النعمان بن المنذر ابن محرق. قوله: «شيف» يعنى جليّ، والمشوف المجلوّ. ويقال: إن النابغة غبر ثلاثين سنة لا يتكلّم (١)، ثم تكلم بالشعر ومات وهو ابن عشرين ومائة سنة بأصبهان، وكان ديوانه بها، وهو الّذي يقول: فمن يك سائلا عنّى فإنى ... من الفتيان أيام الخنان - وأيام الخنان: أيام كانت للعرب قديمة، هاج بها فيهم مرض فى أنوفهم وحلوقهم- مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجّتان (٢) فأبقى الدّهر والأيام منّى ... كما أبقى من السّيف اليمانى تفلّل وهو مأثور جراز ... إذا جمعت بقائمه اليدان (٣) وقال أيضا فى طول عمره: لبست أناسا فأفنيتهم ... وأفنيت بعد أناس أناسا ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا

стр. 294

معنى المستآس: المعتاض (١). وروى عن هشام بن محمد الكلبىّ أنه عاش مائة وثمانين سنة. وروى ابن دريد عن أبى حاتم فى موضع آخر أن النابغة الجعدىّ عاش مائتى سنة، وأدرك الإسلام، وروى له: قالت أمامة كم عمرت زمانة ... وذبحت من عتر على الأوثان! - العتيرة (٢): شاة تذبح لأصنامهم فى رجب فى الجاهلية- ولقد شهدت عكاظ قبل محلّها ... عنها وكنت أعدّ مل فتيان (٣) والمنذر بن محرّق فى ملكه ... وشهدت يوم هجائن النّعمان (٤)

стр. 295

وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى ... وقوارع تتلى من القرآن (١) / ولبست مل إسلام ثوبا واسعا ... من سيب لا حرم ولا منّان (٢) وله أيضا فى طول عمره: المرء يهوى أن يعيش وطول عيش ما يضرّه (٣) تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مرّه وتتابع الأيام حتّى لا يرى شيئا يسرّه كم شامت بى إن هلكت وقائل لله درّه! ويروى أن النابغة الجعدىّ كان يفتخر ويقول: أتيت النبي ﵌ فأنشدته: بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا فقال ﵌: «أين المظهر يا أبا ليلى؟ » قلت: الجنة يا رسول الله، فقال: «أجل إن شاء الله»، ثم أنشدته: فلا خير فى حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا ولا خير فى جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال صلى الله عليه وآله: «لا يفضض الله فاك! »، وفى رواية أخرى: «لا يفضض فوك! » فيقال: إن النابغة عاش عشرين ومائة سنة، لم تسقط له سنّ ولا ضرس. وفى رواية أخرى عن بعضهم قال: فرأيته وقد بلغ الثمانين ترفّ غروبه، وكان كلّما سقطت له ثنيّة نبتت له أخرى مكانها، وهو أحسن الناس ثغرا. معنى ترفّ تبرق، وكأن الماء يقطر منها.

стр. 296

قال المرتضى أدام الله علوّه: ومما يشاكل قوله: «إلى الجنة» فى جواب قول النبي صلى الله عليه وآله: «أين المظهر يا أبا ليلى» - وإن كان يتضمّن العكس من معناه- ما روى من دخول الأخطل على عبد الملك بن مروان، مستغيثا من فعل الجحّاف السّلمىّ، وأنه أنشده: لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل (١) / فإن لم تغيّرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل (٢) فقال عبد الملك له: إلى أين يا ابن اللّخناء؟ فقال: إلى النار، قال: لو قلت غيرها لقطعت لسانك. فقوله: «النار» تخلّص مليح على البديهة، كما تخلّص الجعدىّ بقوله: «إلى الجنة». وأول قصيدة الجعدىّ الّذي ذكرنا منها الأبيات: خليلىّ غضّا ساعة وتهجّرا (٣) ... ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا ولا تسألا، إنّ الحياة قصيرة ... فطيرا لروعات الحوادث أوقرا وإن كان أمر لا تطيقان دفعه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا ألم تعلما أنّ الملامة نفعها ... قليل إذا ما الشّيء ولى فأدبرا (٤) لوى الله علم الغيب عمّن سواءه ... ويعلم منه ما مضى وتأخّرا وفيها يقول: وجاهدت حتّى ما أحسّ ومن معى ... سهيلا إذا ما لاح ثمّ تغوّرا - يريد: إنى كنت بالشام، وسهيل لا يكاد يرى هناك، وهذا بيت معنى- وفيها يقول: ونحن أناس لا نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا

стр. 297

وننكر (١) يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطّعن حتّى تحسب (٢) الجون أشقرا وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكر (٣) أن تعقّرا وأخبرنا المرزبانىّ قال أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدنا أحمد بن يحيى قال: أنشدنا محمد بن سلّام وغيره للنابغة الجعدىّ: تلوم على هلك البعير ظعينتى ... وكنت على لوم العواذل زاريا (٤) ألم تعلمى أنى رزئت محاربا (٥) ... فمالك منه اليوم شيء ولا ليا ومن قبله ما قد رزئت بوحوح (٦) ... وكان ابن أمّى والخليل المصافيا فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا (٧) فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا - ويروى: «فتى كان فيه ما يسرّ» - أشمّ طويل (٨) السّاعدين سميدع ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا السميدع: السيد. ومما يروى للنابغة الجعدىّ: عقيليّة أو من هلال بن عامر ... بذى الرّمث من وادى المنار خيامها (٩) إذا ابتسمت فى اللّيل واللّيل دونها ... أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها

стр. 298

وذكر الأصمعىّ عن أبى عمرو بن العلاء قال: سئل الفرزدق بن غالب عن الجعدىّ فقال: صاحب خلقان؛ يكون عنده مطرف بألف دينار، وخمار بواف (١). قال الأصمعىّ: وصدق الفرزدق، بينا (٢) النابغة فى كلام أسهل من الزلال وأشد من الصخر إذ لان فذهب، ثم أنشد له: سما لك همّ ولم تطرب ... وبتّ ببثّ ولم تنصب وقالت سليمى أرى رأسه ... كناصية الفرس الأشهب وذلك من وقعات المنون ... ففيئى إليك ولا تعجبى أتين على إخوتى سبعة (٣) ... وعدن على ربعى الأقرب ثم يقول فيها بعدها (٤): فأدخلك الله برد الجنا ... ن جذلان فى مدخل طيّب فلان كلامه؛ حتى لو كان أبو الشمقمق قال هذا البيت كان رديئا ضعيفا. قال الأصمعىّ: وطريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان، ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما أدخل شعره فى باب الخير من مراثى النبي صلى الله عليه وآله وحمزة وجعفر (٥) ﵉/ وغيرهما لان شعره!

стр. 299

١٩ مجلس آخر [المجلس التاسع عشر: ] مسألة [تتضمن الرد على منكرى تطاول الأعمار وامتدادها: ] تتعلق بما ذكرناه. إن سأل سائل فقال: كيف يصحّ ما أوردتموه، من تطاول الأعمار وامتدادها، وقد علمتم أنّ كثيرا من الناس ينكر ذلك ويحيله ويقول: إنه لا قدرة عليه، ولا سبيل إليه؛ وفيهم (١) من ينزل فى إنكاره درجة فيقول: إنه- وإن كان جائزا من طريق القدرة والإمكان- فإنه مما يقطع على انتفائه؛ لكونه خارقا للعادات؛ وإنّ العادات (٢) إذا وثّق الدليل بأنّها لا تنخرق إلّا على سبيل الآية (٣) والدّلالة على صدق نبى من الأنبياء ﵈ علم أن ما روى من زيادة الأعمار على العادة باطل مصنوع لا يلتفت إلى مثله. الجواب، قيل له: أما من أبطل تطاول الأعمار من حيث الإحالة، أو أخرجه عن (٤) باب الإمكان فقوله ظاهر الفساد، لأنه لو علم ما العمر فى الحقيقة، وما المقتضى لدوامه إذا دام، وانقطاعه إذا (٥) انقطع لعلم من جواز امتداده ما علمناه. والعمر هو استمرار كون من يجوز أن يكون حيّا وغير حىّ حيا. وإن شئت أن تقول: هو استمرار كون الحىّ الّذي لكونه على هذه الصفة (٦) ابتداء حيا. وإنما شرطنا الاستمرار؛ لأنه يبعد أن يوصف من كان حالة واحدة حيّا بأنّ له عمرا؛ بل لا بدّ من أن يراعوا فى ذلك ضربا من الامتداد والاستمرار، وإن قلّ. وشرطنا أن يكون ممّن يجوز أن يكون غير حىّ، أو يكون لكونه حيا ابتداء لئلا (٧) يلزم عليه القديم (٨) تعالى؛ لأنه تعالى جلّت عظمته ممن لا يوصف بالعمر؛ وإن استمر كونه

стр. 300

حيّا؛ وقد علمنا أن المختصّ بفعل الحياة هو القديم تعالى، وفيما تحتاج إليه الحياة من البنية والمعانى ما يختص به ، ولا يدخل إلّا تحت مقدوره؛ كالرّطوبة وما يجرى مجراها؛ فمتى فعل القديم تعالى الحياة وما تحتاج إليه من البنية- وهى مما يجوز عليه البقاء- وكذلك ما تحتاج إليه فليست (١) تنتفى إلا بضد يطرأ عليها، أو بضدّ ينفى ما تحتاج إليه؛ والأقوى أنه لا ضدّ لها فى الحقيقة (٢)؛ وإنما ادّعى قوم أنّه ما يحتاج إليه، ولو كان للحياة ضدّ على الحقيقة لم يخلّ بما نقصده/ فى هذا الباب. فمهما لم يفعل القديم تعالى ضدّها، أو ضدّ ما تحتاج إليه، ولا نقض ناقض بنية الحى استمرّ كون الحى حيا. ولو كانت الحياة لا تبقى على مذهب من رأى ذلك لكان ما قصدناه صحيحا، لأنه تعالى قادر على أن يفعلها حالا فحالا، ويوالى بين فعلها وفعل ما تحتاج إليه، فيستمرّ كون الحىّ حيا. فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوّ السن وتناقص بنية الإنسان، فليس مما لا بدّ منه، وإنما أجرى الله تعالى العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان ولا إيجاب هناك، ولا تأثير للزمان على وجه من الوجوه، وهو تعالى قادر على أن يفعل ما أجرى العادة بفعله، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أنّ تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وإنما أتى من أحال ذلك من حيث اعتقد أنّ استمرار كون الحى حيّا موجب عن طبيعة وقوّة لهما مبلغ من المادة، متى انتهتا إليه [انقطعتا، واستحال أن تدوما] (٣). ولو أضافوا ذلك إلى فاعل مختار متصرّف لخرج عندهم من باب الإحالة. فأما الكلام فى (٤) دخول ذلك فى العادة أو خروجه عنها، فلا شكّ فى أن العادة قد جرت فى الأعمار بأقدار متقاربة يعدّ الزائد عليها خارقا للعادة؛ إلّا أنّه قد ثبت أنّ العادة قد تختلف فى الأوقات وفى الأماكن أيضا، ويجب أن يراعى فى العادة إضافتها إلى من هى عادة له فى المكان والوقت.

стр. 301

وليس يمتنع أن يقلّ ما كانت العادة جارية به على تدريج؛ حتى يصير حدوثه خارقا للعادة بغير خلاف، ولا يكثر (١) الخارق للعادة، حتى يصير حدوثه غير خارق لها على خلاف فيه. وإذا صح ذلك لم يمتنع أن تكون العادات فى الزمان الغابر كانت جارية بتطاول الأعمار وامتدادها، ثم تناقص ذلك على تدريج، حتى صارت عادتنا الآن جارية بخلافه، وصار ما بلغ مبلغ تلك الأعمار خارقا للعادة؛ وهذه جملة فيما أردناه كافية.

стр. 302

باب فى الجوابات الحاضرة المستحسنة التى يسمّيها قوم المسكتة / اعلم أنّ أجوبة المحاورة والمناظرة إنّما تستحسن وتؤثر إذا جمعت مع الصواب سرعة الحضور؛ فكم من جواب أتى بعد لأى، وورد بعد تقاعس، فلم يكن له فى النفوس وقع، ولا حلّ من القلوب محل الحاضر السريع؛ وإن كان المتثاقل أعرق فى نسب الإصابة، وآخذ بأطراف الحجّة، ولهذا قيل: أحسن النّاس جوابا وأحضرهم قريش، ثم العرب، وإنّ الموالى تأتى أجوبتها بعد فكرة ورويّة. وقد مدح الجواب الحاضر بكل لسان، فقال صحار العبدىّ لمعاوية بن أبى سفيان- وقد سأله عن البلاغة- فقال: أن تصيب فلا تخطئ، وتسرع ولا تبطئ، ثم اختصر ذلك فقال: لا تخطئ ولا تبطئ. ولطول الفكرة والإغراق فى الرويّة مذهب وأوان لا يحمد فيهما (١) التسرّع والتعجل، كما لا يحمد فى أوان السرعة التثاقل والتأيّد؛ وإنما تحمد السرعة فى أجوبة المحاورة والمناظرة، وتراد الفكرة والرويّة للآراء المستخرجة والأمور المستنبطة؛ التى على الإنسان فيها مهلة، وله فى تأملها فسحة، ولا عيب عليه معها فى إطالة التأمل، وإعادة التصفّح؛ ولهذا قال الأحنف ابن قيس بصفّين: أغبّوا الرأى، فإن ذلك يكشف لكم عن محضه. وقال عبد الله بن وهب الراسبىّ لما أراده الخوارج على الكلام حين عقدوا له: لا خير فى الرأى الفطير، والكلام القضيب. وشوور ابن التوأم الرّقاشىّ (٢) فأمسك عن الجواب وقال: ما أحبّ الخبز إلّا بائتا.

стр. 303

فأما قولهم: ثلاث يعرفن فى الأحمق: سرعة الجواب، وكثرة الالتفات، والثّقة بكل أحد؛ فمحمول على إسراعه بالجواب عند الرأى والمشاورة، والأحوال التى يستحب فيها التأيّد والتثبّت، أو على الإسراع من غير تحصيل ولا ضبط؛ وذلك مذموم لا إشكال فيه. ثم نعود إلى ما قصدناه. روى أنّ بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله سألته: متى يعرف الإنسان ربّه فقال: «إذا عرف نفسه». وقال له صلى الله عليه وآله رجل: إنى أكره الموت، فقال: «ألك مال؟ »، قال: نعم، قال: «قدّم مالك؛ فإن قلب كلّ امرئ عند ماله». وقال يهودىّ لأمير المؤمنين ﵇: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم فيه، فقال ﵇: إنا اختلفنا عنه، لا فيه (١)؛ ولكنكم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم لنبيكم: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون. وروى أنه لما فرغ ﵇ من دفن الرسول صلوات الله عليه وآله، سأل عن خبر السّقيفة فقيل له: إنّ الأنصار قالت: منّا أمير ومنكم أمير، فقال ﵇: فهلّا ذكرت الأنصار قول النبي صلى الله عليه وآله: «نقبل من محسنهم، ونتجاوز عن مسيئهم»! فكيف يكون الأمر فيهم والوصاة بهم! وقال له ﵇ ابن الكوّاء: يا أمير المؤمنين، كم بين السماء والأرض؟ فقال: دعوة مستجابة. وقيل له: ما طعم الماء؟ فقال: طعم الحياة. وقيل له: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم للشمس. وأثنى عليه رجل- وكان له متّهما- فقال: أنا دون ما تقول، وفوق ما فى نفسك. وكان ﵇ إذا أطراه رجل قال: اللهم إنك أعلم بى منه، وأنا أعلم منه بنفسى، فاغفر لي ما لا يعلم. أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدّثني عبد الواحد بن محمد الخصيبىّ قال: حدّثني

стр. 304

أبو عليّ أحمد بن إسماعيل قال: حدثنى أيوب بن الحسين الهاشميّ قال: قدم على الرشيد رجل من الأنصار، يقال له نفيع- وكان عرّيضا- قال: فحضر باب الرشيد، ومعه عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر ﵉ على حمار له، فتلقّاه الحاجب بالبرّ (١) والإكرام، وأعظمه من كان هناك، وعجّل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ قال: أوما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا شيخ آل أبى طالب، هذا موسى بن جعفر، قال: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم! يفعلون هذا برجل [يقدّر أن يزيلهم] (٢) عن السّرير! أما لئن خرج لأسوءنّه، فقال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض لهم أحد فى خطاب إلّا وسموه بالجواب [سمة يبقى عارها] (٣) عليه مدى الدهر. قال: وخرج موسى بن جعفر ﵉، فقام إليه نفيع الأنصارىّ، فأخذ بلجام حماره ثم قال له: من أنت؟ فقال له: يا هذا، إن كنت تريد النّسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد، فهو الّذي فرض الله على المسلمين وعليك- إن كنت منهم- الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة، فو الله ما رضى مشركو قومى (٤) / مسلمى قومك أكفاء لهم حتى قالوا: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش (٥)؛ خلّ عن الحمار، قال: فخلّى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزى، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك! . ويقال إن معاوية استشار الأحنف بن قيس فى عقد البيعة لابنه يزيد، فقال له: أنت أعلم بليله ونهاره. وقال أحمد بن يوسف لأبى يعقوب الخريمىّ: مدحك لمحمد بن منصور أجود من مراثيك

стр. 305

فيه، فقال: كنّا نعمل للرّجاء، واليوم للوفاء، وبينهما بون. ودخل مطيع بن إياس على الهادى فى حياة المهدىّ فدهش وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقيل له: مه! فقال: بعد أمير المؤمنين. وقال معاوية لعقيل بن أبى طالب- وكان جيّد الجواب حاضره-: أنا خير لك من أخيك، فقال عقيل: إن أخى آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك؛ فأخى خير لنفسه منك، وأنت خير لى منه. وقال له يوما: إنّ فيكم لشبقا يا بنى هاشم، فقال: هو منّا فى الرّجال، ومنكم فى النساء. وقال له يوما وقد دخل عليه: هذا عقيل، عمّه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية، عمّته حمّالة الحطب. وعمة معاوية أمّ جميل (١) بنت حرب بن أميّة، وكانت امرأة أبى لهب. وقال له يوما: يا أبا يزيد، أين ترى عمّك أبا لهب؟ فقال له عقيل: إذا دخلت النار فانظر عن يسارك تجده مفترشا عمّتك، فانظر أيّهما أسوأ حالا، الناكح أم المنكوح! وقال له ليلة الهرير بصفّين: يا أبا يزيد، أنت معنا الليلة، قال: ويوم بدر كنت معكم. وقيل لسعيد بن المسيّب- وقد كفّ بصره: ألا تقدح (٢) عينك؟ قال: حتى أفتحها على من! ودخل معن بن زائدة على المنصور فقال له: كبرت يا معن، قال: فى طاعتك، قال: وإنك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: وإنّ فيك لبقية، قال: هى لك. وقال عبيد الله بن زياد لمسلم بن عقيل: والله لأقتلنك قتلة يتحدّث بها بعدك، فقال مسلم: أشهد أنّك لا تدع سوء القتلة ولؤم القدرة لأحد أولى بهما منك. وقال رجل لعمرو بن العاص: لأتفرّغنّ لك، قال: إذا وقعت (٣) فى الشّغل.

стр. 306

وقال معاوية لعمرو بن سعيد بن العاص الملقّب بالأشدق: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: إنّ أبى أوصى إلى ولم يوص بى. وقال عبيد الله بن زياد بن ظبيان لابنه وقد حضرته/ الوفاة: قد أوصيت بك فلانا فالقه بعدى، فقال: يا أبه، إذا لم يكن للحىّ إلا وصية الميت، فالحىّ هو الميت. وقال الوليد بن يزيد لابن الرّقاع العاملىّ: أنشدنى بعض قولك فى الخمر، فأنشده: كميت إذا شجّت وفى الكأس وردة ... لها فى عظام الشّاربين دبيب فقال له: شربتها وربّ الكعبة! فقال ابن الرّقاع: لئن كان نعتى لها بذلك رابك، لقد رابنى معرفتك بها. ولما أتى معاوية نعى الحسن بن عليّ ﵉ بعث إلى ابن عبّاس رضى الله عنه- وهو لا يعلم الخبر- فقال له: هل عندك خبر من المدينة (١)؟ قال: لا، قال: أتانا (٢) نعى الحسن- وأظهر سرورا- فقال ابن عباس: إذا لا ينسأ (٣) فى أجلك، ولا تسدّ حفرتك، قال: أحسبه قد ترك صبية صغارا، قال: كلّنا كان صغيرا وكبر، قال: وأحسبه قد كان بلغ سنّا، قال: مثل مولده لا يجهل، قال معاوية: وقال قائل إنك أصبحت سيّد قومك، قال: أما وأبو عبد الله الحسين بن عليّ حىّ فلا؛ فلما كان من غد أتى يزيد بن معاوية ابن عباس، وهو فى المسجد يعزّى (٤)، فجلس بين يديه جلسة المعزّى، وأظهر حزنا (٥) وغمّا، فلما انصرف أتبعه ابن عباس بصره وقال: إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش. وروى أنّ وفودا دخلت على عمر بن عبد العزيز، فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر: ليتكلم أكبركم، فقال الفتى: إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال له: تكلّم يا فتى.

стр. 307

وروى محمد بن سلّام الجمحىّ قال: أنشد (١) كثيّر عبد الملك بن مروان شعرا: على ابن أبى العاصى دلاص حصينة ... أجاد المسدّى نسجها فأذالها (٢) فقال له: هلّا قلت كما قال الأعشى: وإذا تكون كتيبة ملمومة ... شهباء يخشى الذّائدون نهالها (٣) كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها (٤) فقال له: إنّه وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم (٥). ويشبه ذلك ما روى (٦) عن أبى عمرو بن العلاء أنه لقى ذا الرّمة، فقال له: أنشدنى قصيدتك: * ما بال عينك منها الماء ينسكب (٧) *

стр. 308

/ فأنشده إياها، فلما بلغ إلى قوله: تصغى إذا شدّها بالكور جانحة ... حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب فقال له أبو عمرو بن العلاء: قول الراعى أحسن مما قلت تراها إذا قام فى غرزها ... كمثل السّفينة أو أوقر ولا تعجل المرء عند الورو ... ك وهى بركبته أبصر (١) فقال ذو الرّمة: إنّ الراعى وصف ناقة ملك، وأنا وصفت ناقة سوقة. وحكى الصّولىّ أنه سمع أعرابيا ينشد بيته الّذي حكيناه، فقال: سقط والله الرجل. فأما الغرز فهو للناقة مثل الرّكاب للدابة، وهو نسع مضفور. وقوله: «تصغى» يريد تميل رأسها، كأنها تسمع، لأنها ليست بنفور، بل مؤدّبة مقوّمة. والكور: الرحل. وقد أخذ هذا المعنى أبو نواس فأحسن نهاية الإحسان، فقال يصف الناقة فى مدحه الخصيب بن عبد الحميد: فكأنّها مصغ لتسمعه ... بعض الحديث، بأذنه وقر فلم يرض بأن وصفها بالإصغاء حتى وصفها بالوقر، وهو الثّقل فى الأذن، لأن الثّقيل السمع يكون إصغاؤه وميله إلى جهة الحديث أشدّ وأكدّ (٢). *** [قصيدة لأبى نواس وشرح ما ورد فيها من الغريب: ] قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن القصيدة التى من جملتها البيت الّذي أوردناه لأبى نواس؛ لأنها دون العشرين بيتا، وقد نسب فى أولها، ثم وصف النّاقة بأحسن وصف، ثم مدح الرجل الّذي قصد مدحه واقتضاه حاجته؛ كلّ ذلك بطبع يتدفّق، ورونق يترقرق، وسهولة مع جزالة؛ والقصيدة (٣):

стр. 309

يا منّة امتنّها السّكر ... ما ينقضى منّى لها الشّكر أعطتك فوق مناك من قبل ... قد كنّ قبل، مرامها وعر يثنى إليك بها سوالفه ... رشأ صناعة عينه السّحر ظلّت حميّا الكأس تبسطنا (١) ... حتّى تهتّك بيننا السّتر / فى مجلس ضحك السّرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر أما قوله: «حلّت الخمر» فيحتمل أن يريد به أنّ ما وصفه من طيب الموضع وتكامل السرور به وحضور (٢) المأمول فيه صار مقتضيا لشرب الخمر، وملجئا إلى تناولها، ورافعا للحرج فيها؛ على مذهب الشعراء فى المبالغة؛ وتكون فائدة وصفها بأنها «حلّت» المبالغة فى وصف الحال بالحسن والطّيب. ويحتمل أن يكون عقد على نفسه، وآلى ألّا يتناول الخمر إلّا بعد الاجتماع مع محبوبه، وكان الاجتماع معه مخرجا له عن يمينه، على مذهب العرب فى تحريم الخمر على نفوسهم، إلى أن يأخذوا بثأرهم؛ ويجرى ذلك مجرى قول الشّنفرى: حلّت الخمر وكانت حراما ... وبلأى ما ألمّت تحلّ (٣) ويحتمل أن يريد «بحلّت» نزلت وأقامت؛ من الحلول الّذي هو المقام؛ لا من الحلال؛ فكأنه وصف بلوغ جميع آرابه وحضور فنون لذّاته، وأنها تكاملت بحلول الخمر؛ التى فيها جميع اللذات؛ وهذا الوجه وإن لم يشر إليه أحد ممّن تقدم فى تفسير هذا البيت؛ فالقول يحتمله، ولا مانع من أن يكون مرادا. وقد قيل إنه أراد استحللنا الخمر لسكرنا، وفقدنا العقول التى كنا نمتنع لها من الحرام؛ والوجوه المتقدمة أشبه وأقرب إلى الصواب.

стр. 310

ولقد تجوب بى الفلاة إذا ... صام النّهار وقالت العفر أراد «بصام»، وقف، وذلك وصف له بالامتداد والطول. والعفر: الظّباء اللواتى (١) فى ألوانهنّ حمرة يخالطها كدرة (٢). و «قالت» من القائلة، وهى وقت نصف النهار؛ لا من القول. شدنيّة رعت الحمى فأتت ... ملء الحبال كأنّها قصر شدنيّة: منسوبة إلى شدن، وهو موضع باليمن؛ يقال لملكه: ذو شدن. تثنى على الحاذين ذا خصل ... تعماله الشّذران والخطر الحاذ: مؤخّر الفخذ. والشّذران: رفع الناقة ذنبها من المرح (٣). والخطران، معروف من خطر يخطر/. وتعماله، أى عمله. أمّا إذا رفعته شامذة ... فتقول رنّق فوقها نسر يعنى بشامذة، أى مبالغة فى رفع ذنبها. ويقال، رنّق الطائر؛ إذا نشر جناحه (٤) طائرا من غير تحريك. أمّا إذا وضعته خافضة ... فتقول أرخى خلفها ستر وتسفّ أحيانا فتحسبها ... مترسّما يقتاده أثر (٥) معنى «تسفّ»، أى تدنى رأسها من الأرض. والمترسّم: الّذي يتتبع الرّسم ويتأمّله؛ ومعنى «يقتاده أثر»، أى هو معنى بطلب الأثر وموكّل بتتبّعه. ويقال: أثر وأثر وإثر؛

стр. 311

ثلاث لغات؛ وقد وهم الصّولىّ فى تفسير هذا البيت؛ لأنّه قال: إن أبا نواس جمع الأثر آثارا، ثم جمع الآثار أثرا، ثم خفّف فقال: «أثر». وليس يحتاج إلى ما ذكره مع ما أوردناه؛ وإنما ذهب عليه أنه يقال فى الأثر: أثر. فإذا قصرت لها الزّمام سما ... فوق المقادم ملطم حرّ (١) فكأنّها مصغ لتسمعه ... بعض الحديث، بأذنه وقر تبرى لأنقاض أضرّ بها ... جذب البرى فخدودها صعر معنى تبرى، تنبرى، أى تعرض لهذه الأنقاض، والأنقاض: جمع نقض؛ وهو البعير الّذي قد هزله السفر والكدّ. والبرى: جمع برة؛ وهى الحلقة التى تكون فى أنف البعير يذلّل بها. يرمى إليك بها بنو أمل ... عتبوا فأعتبهم (٢) بك الدّهر أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفّقا فكلاكما بحر لا تقعدا بى عن مدى أملى ... شيئا فما لكما به عذر ويحقّ لى إذ صرت بينكما ... ألّا يحلّ بساحتى فقر (٣)

стр. 312

٢٠ مجلس آخر [المجلس العشرون: ] [عود إلى ذكر الجوابات المستحسنة: ] قال سيدنا أدام الله علوّه: ثم نعود إلى ما كنّا آخذين فيه من ذكر مستحسن الجوابات. روى أن رجلا نظر إلى كثيّر الشاعر راكبا/ وأبو جعفر محمد بن عليّ ﵉ يمشى، فقيل له: أتركب وأبو جعفر يمشى! فقال: هو أمرنى بذلك، وأنا بطاعته فى الركوب أفضل منى فى عصيانى إياه بالمشي (١). وروى أن دعاة خراسان صاروا إلى أبى عبد الله الصادق عليه (٢) السلام فقالوا له: أردنا ولد محمد بن عليّ (٣)، فقال: أولئك بالسّراة ولست بصاحبكم، فقالوا له: لو أراد الله بنا خيرا كنت صاحبنا، فقال المنصور بعد ذلك لأبى عبد الله: أردت الخروج علينا، فقال: نحن ندلّ عليكم فى دولة غيركم، فكيف نخرج عليكم فى دولتكم! وقال عبد الملك بن مروان لنصيب: هل لك فى الشراب؟ فقال له نصيب: الشعر مفلفل، واللون مرمّد (٤)، وإنما قرّبنى إليك عقلى، فهبه لى. وقال مروان الملقّب بالحمار لحاجبه- وقد ولى منهزما-: كرّ عليهم بالسيف، فقال: لا طاقة لى بذلك، فقال: والله لئن لم تفعل لأسوءنّك، فقال: وددت أنك تقدر على ذلك. وقال يحيى بن خالد لشريك: علّمنا مما علّمك الله يا أبا عبد الله، فقال له شريك: إذا عملتم بما تعلمون، علّمناكم ما تجهلون.

стр. 313

وقال المأمون لمحمد بن عمران: بلغنى أنك بخيل، فقال: ما أجمد فى حقّ، ولا أذوب فى باطل (١). وقيل لأبى دؤاد الإيادىّ- ونظر إلى بنته تسوس فرسه: أهنتها يا أبا دؤاد! فقال: أهنتها بكرامتى، كما أكرمتها بهوانى؛ ومثل ذلك قول أعرابىّ لحقه ذلّ على باب السلطان: أهين لهم نفسى لأكرمها بهم ... ولن تكرم النّفس التى لا تهينها ودخل عمارة بن حمزة على المنصور، فجلس مجلسه الّذي كان يجلس فيه، فقام رجل إلى المنصور فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، فقال: من ظلمك؟ فقال: عمارة غصبنى ضيعتى، فقال المنصور: قم يا عمارة، فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لى بخصم؛ فقال له: كيف؟ قال: إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها؛ وإن كانت لى فهى له، ولا أقوم من مجلس شرّفنى به أمير المؤمنين لأقعد فى أدنى منه بسبب ضيعة. وقال هشام بن عبد الملك لرجل فى الكعبة: سلنى حاجتك، فقال: لا أسأل فى بيت الله غير الله. وهرب سليمان بن عبد الملك من الطّاعون فقيل له: إن الله تعالى/ يقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا؛ [الأحزاب: ١٦]، فقال: ذلك القليل نطلب. وقيل إنّ الجعد بن درهم جعل فى قارورة ترابا وماء، فاستحال دودا وهوامّ، فقال لأصحابه: أنا خلقت ذلك، لأنى كنت سبب كونه. فبلغ ذلك جعفر بن محمد ﵉، فقال: إن كان خلقه فليقل: كم هو؟ وكم الذّكران منه والإناث؟ وكم وزن كل واحدة منهن؟ وليأمر الّذي يسعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره. فانقطع وهرب.

стр. 314

وقال المأمون للفضل بن سهل: إنى أخاف عليك أقواما يعادونك، فلا تركب إلى إلّا فى جيش، فقال الفضل: ما أخاف غيرك، فإن أمّنتنى من (١) نفسك لم يضرّنى إنسان. وقيل لأبى ثور: ما تقول فى حمّاد بن زيد بن درهم، وحمّاد بن سلمة بن دينار؟ فقال: بينهما فى العلم كقيمة ما بين أبويهما فى الصرف. وأراد المأمون تقبيل السّواد (٢)، وجلس يناظر العمّال على ذلك، فقام إليه رجل من الدّهاقين فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله ولّاك علينا بالأمانة، فلا تقبّلنا، فأضرب عن ذلك. وقال رجل لابن عبّاس: زوّجنى من فلانة (٣) - وكانت يتيمة فى حجره- فقال: لا أرضاها لك، لأنها تتشرّف، فقال الرجل: قد رضيت أنا، فقال ابن عباس: الآن لا أرضاك لها. [ويشبه هذا الخبر من وجه ما رواه] (٤) المدائنىّ قال: أرسل عمر بن عبد العزيز رجلا من أهل الشام وأمره أن يجمع بين إياس بن معاوية المزنيّ (٥) وبين القاسم بن ربيعة الحوشىّ (٦) من بنى عبد الله بن غطفان، فيولّى القضاء أقدمهما (٧)، فقدم الرجل البصرة، فجمع بينهما، فقال إياس للشامىّ: أيّها الرجل، سل عنّى وعن القاسم فقيهى المصر: الحسن وابن سيرين، فمن أشارا عليك

стр. 315

بتوليته فولّه؛ وكان القاسم يأتى الحسن وابن سيرين، ولم يكن إياس يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال للشامىّ: لا تسل عنّى ولا عنه، فو الّذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل منى وأفقه، وأعلم بالقضاء، فإن كنت عندك ممّن يصدّق إنه لينبغى أن تقبل منى، وإن كنت كاذبا فما يحلّ لك أن تولّينى وأنا كاذب؛ فقال إياس للشامىّ: إنك جئت برجل فأقمته على شفير جهنّم، فافتدى نفسه من النار (١) أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذب فيها، يستغفر الله منها، وينجو مما يخاف/. فقال الشامىّ: أما إذ فطنت لهذا، فإنى أولّيك، فاستقضاه. ولما أمضى معاوية بيعة يزيد جعل الناس يقرّظونه، فقال يزيد لأبيه: ما ندرى أنخدع الناس أم يخدعوننا؟ فقال معاوية: يا بنيّ، من خدعته فتخادع لك ليخدعك فقد خدعته. وسمع عبد الملك بن مروان ليلة قبض وهو يجود بنفسه- وقد سمع صوت قصّار- يقول: ليتنى كنت غسالا أعيش بما أكسب يوما بيوم، فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الّذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه، ولا نتمنّى فى الحياة ما هم فيه. وقال الواثق للجاحظ: يا منّانىّ (٢)، فقال: لو كان الّذي أضفتنى إليه عبدك ما قدرت على بيعه لكثرة عيوبه؛ فكيف أكون على دينه (٣)! . وقال ابن عباس رضى الله عنه للخوارج- وقد أرسله أمير المؤمنين ﵇ إليهم: نشدتكم الله، أيّما أعلم بالتنزيل والتأويل: عليّ أم أنتم؟ قالوا: عليّ، قال: أليس تدرون، لعلّ الّذي حكم به فيكم بفضل علمه على ما تعلمون! فرجع أكثرهم.

стр. 316

وقال عتبة بن أبى سفيان لعبد الله بن عباس: ما منع عليّ بن أبى طالب أن يجعلك أحد الحكمين؟ فقال: أما والله لو بعثنى لاعترضت مدارج (١) أنفاسه، أطير إذا أسفّ وأسفّ (٢) إذا طار، ولعقدت له عقدا لا تنتقض مريرته، ولا يدرك طرفاه؛ ولكنه سبق قدر، ومضى أجل، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الدنيا. وقال أبو جعفر محمد بن عليّ ﵉ لكثيّر: امتدحت عبد الملك بن مروان؟ فقال: لم أقل له يا إمام الهدى، إنما قلت: يا شجاع، والشجاع حيّة، ويا أسد، والأسد كلب، ويا غيث، والغيث موات! فتبسم أبو جعفر ﵇. وقالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك! فقال: هذا من كرمهم؛ يأتوننا فى حال القوة منّا عليهم، ويفارقوننا فى حال الضعف منّا عنهم. وقيل لإبراهيم النّخعىّ: متى كنت؟ قال: حيث احتيج إلى. ورئى رجل يصلى صلاة خفيفة، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة ليس فيها رياء. [خبر قتيبة بن مسلم مع الحصين بن المنذر الرقاشىّ: ] وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني محمد بن أبى الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال: تزعم الرواة أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند (٣) أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما فتح، ويعرّفهم أقدار (٤) القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفى صحنها قدور يرتقى إليها بسلاليم، وإذا الحصين بن المنذر بن الحارث (٥) بن وعلة الرّقاشىّ قد أقبل، والناس جلوس على مراتبهم، والحصين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم أخو قتيبة قال لقتيبة: أتأذن لى فى معاتبته؟

стр. 317

قال: لا تردّه، فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلّا أن يأذن له- وكان عبد الله يضعّف- وكان قد تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحصين وقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ فقال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: رأيت هذه القدور؟ قال: هى أعظم من ألّا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجل، ولا عيلان (١)، ولو رآها سمّى شبعان، ولم يسمّ عيلان، فقال له: يا أبا ساسان، أتعرف الّذي يقول (٢): عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغى من تحالف قال: أعرفه وأعرف الّذي يقول: وخيبة من يخيب على غنىّ ... وباهلة بن يعصر والرّباب قال: أتعرف الّذي يقول (٢): كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمع ... وقد عرقت أفواه بكر بن وائل (٣) قال: أعرفه، وأعرف الّذي يقول: قوم قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا فى مجهل قال: أمّا الشعر، فأراك ترويه، ولكن هل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم، أقرأ منه الكثير الطيب: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ؛ [الإنسان: ٤١]، فأغضبه فقال: والله لقد بلغنى أن امرأة الحصين حملت إليه وهى حبلى من غيره، قال: فما تحرّك الشيخ من هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشى فيقال: ابن الحصين، كما يقال عبد الله بن مسلم/؛ فأقبل قتيبة على عبد الله فقال. لا يبعد الله غيرك.

стр. 318

ولقى شريك (١) النّميرىّ رجلا من بنى تميم، فقال له التّميمىّ: يعجبنى من الجوارح البازى، فقال له شريك: وخاصّة إذا صاد القطا؛ أراد التميمىّ بقول البازى قول جرير: أنا البازى المطلّ على نمير ... أتيح من السّماء لها انصبابا (٢) وأراد شريك بقوله: «إذا صاد القطا» قول الطّرمّاح: تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت (٣) وساير (٤) شريك النّميرىّ عمر بن هبيرة الفزارىّ على بغلة، فجاوزت بغلته برذون عمر، فقال له عمر: اغضض من لجامها، فقال شريك: إنها مكتوبة، فقال عمر: ما أردت ذاك، قال شريك ولا أنا أردته؛ ظن شريك أنّ عمر أراد بقوله: «اغضض من لجامها» قول جرير: فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (٥) وعنى شريك بقوله: «مكتوبة» قوله (٦): لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها (٧) بأسيار يعنى: ب «اكتبها» شدّها. وأنشد أبو تمام الطائىّ أحمد بن المعتصم قصيدته (٨) السينية التى يمدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله:

стр. 319

فى حلم أحنف فى شجاعة عامر ... فى جود حاتم فى ذكاء إياس (١) فقال له الكندىّ- وكان حاضرا-: ما صنعت شيئا، قال: وكيف؟ قال: لأنّ شعراء دهرنا قد تجاوزوا بالممدوح من كان قبله، ألا ترى إلى قول أبى العكوّك (٢) فى أبى دلف: رجل أبرّ على شجاعة عامر ... بأسا وغبّر فى محيّا حاتم فأطرق الطائىّ ثم رفع رأسه وأنشد: لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا فى النّدى والباس فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس وقال ابن هبيرة لأبى دلامة- وكان مولى لبنى أمية لما ظهرت المسوّدة (٣): لأتخذنّ لك منهم عبدا صالحا يخدمك، فلما علت كلمتهم، وفشت دعوتهم قال أبو دلامة: ليت الله قيّض لى/ منهم مولى صالحا أخدمه. وقال يحيى بن خالد لعبد الملك بن صالح الهاشميّ: إنّ خصالك كاملة سوى حقد فيك، فقال: أنا خزانة تحفظ الخير والشر. وقد نظر ابن الرومى إلى هذا المعنى فى قوله: وما الحقد إلّا توأم الشّكر فى الفتى ... وبعض السّجايا ينتسبن إلى بعض (٤) فحيث ترى حقدا على ذى إساءة ... فثمّ ترى شكرا على حسن القرض إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهى ناهيك من أرض وقال الحجاج للحطيط الخارجىّ: ما تقول فى عبد الملك بن مروان؟ قال: ما أقول فى رجل أنت خطيئة من خطاياه! قال: فهل هممت بي قطّ! قال: نعم، ولكن حال بيننا

стр. 320

بين وقدر، وقد أعطيت الله عهدا إن سألتنى لأصدقنّك، ولئن خلّيت عنى لأطلبنّك، ولئن عذبتنى لأصبرن لك؛ فأمر بقتله. وأما «البين» فهى الأرض الواسعة، قال ابن مقبل (١): بسرو حمير أبوال البغال به ... أنّى تسدّيت وهنا ذلك البينا (٢) وقيل لأبى العتاهية لما قال: عتب (٣) ما للخيال ... خبّرينى وما لى خرجت من العروض، فقال: أنا أكبر من العروض (٤). وقال عبد الملك بن مروان للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: قوام من العيش، وغنى من الناس. فقيل له: لم لم تخبر به؟ فقال: إن كان كثيرا حسدنى، وإن كان قليلا ازدرانى. واغتاب الأعمش رجلا من أصحابه، فطلع الرجل على هيئة ذلك، فقال له رجل من أصحابه: قل له ما قلته حتى لا يكون غيبة؛ فقال له: قل له أنت حتى لا تكون نميمة. وقال معاوية لعمرو بن العاص: هل غششتنى مذ نصحتنى؟ قال: لا، قال: بلى يوم أشرت عليّ بمبارزة عليّ، وأنت تعلم من هو! فقال عمرو: دعاك رجل عظيم الخطر إلى المبارزة، فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين؛ إمّا إن قتلته فقد قتلت قتّال الأقران، وازددت شرفا إلى شرفك، وخلوت بملكك، وإمّا إن قتلك فتتعجّل مرافقة الشهداء والصديقين
следующие страницы →