وقال عتبة بن أبى سفيان لعبد الله بن عباس: ما منع عليّ بن أبى طالب أن يجعلك أحد الحكمين؟ فقال: أما والله لو بعثنى لاعترضت مدارج (١) أنفاسه، أطير إذا أسفّ وأسفّ (٢) إذا طار، ولعقدت له عقدا لا تنتقض مريرته، ولا يدرك طرفاه؛ ولكنه سبق قدر، ومضى أجل، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الدنيا.
وقال أبو جعفر محمد بن عليّ ﵉ لكثيّر: امتدحت عبد الملك بن مروان؟
فقال: لم أقل له يا إمام الهدى، إنما قلت: يا شجاع، والشجاع حيّة، ويا أسد، والأسد كلب، ويا غيث، والغيث موات! فتبسم أبو جعفر ﵇.
وقالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك! فقال: هذا من كرمهم؛ يأتوننا فى حال القوة منّا عليهم، ويفارقوننا فى حال الضعف منّا عنهم.
وقيل لإبراهيم النّخعىّ: متى كنت؟ قال: حيث احتيج إلى.
ورئى رجل يصلى صلاة خفيفة، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة ليس فيها رياء.
[خبر قتيبة بن مسلم مع الحصين بن المنذر الرقاشىّ: ]
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني محمد بن أبى الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال: تزعم
الرواة أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند (٣) أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما فتح، ويعرّفهم أقدار (٤) القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفى صحنها قدور يرتقى إليها بسلاليم، وإذا الحصين بن المنذر بن الحارث (٥) بن وعلة الرّقاشىّ قد أقبل، والناس جلوس على مراتبهم، والحصين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم أخو قتيبة قال لقتيبة: أتأذن لى فى معاتبته؟
стр. 317
قال: لا تردّه، فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلّا أن يأذن له- وكان عبد الله يضعّف- وكان قد تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحصين وقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ فقال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: رأيت هذه القدور؟ قال:
هى أعظم من ألّا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجل، ولا عيلان (١)، ولو رآها سمّى شبعان، ولم يسمّ عيلان، فقال له: يا أبا ساسان، أتعرف الّذي يقول (٢):
عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائل ... تجرّ خصاها تبتغى من تحالف
قال: أعرفه وأعرف الّذي يقول:
وخيبة من يخيب على غنىّ ... وباهلة بن يعصر والرّباب
قال: أتعرف الّذي يقول (٢):
كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمع ... وقد عرقت أفواه بكر بن وائل (٣)
قال: أعرفه، وأعرف الّذي يقول:
قوم قتيبة أمّهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا فى مجهل
قال: أمّا الشعر، فأراك ترويه، ولكن هل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم، أقرأ منه الكثير الطيب: هَلْ أَتى عَلَى
الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
؛ [الإنسان: ٤١]، فأغضبه فقال: والله لقد بلغنى أن امرأة الحصين حملت إليه وهى حبلى من غيره، قال: فما تحرّك الشيخ من هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشى فيقال: ابن الحصين، كما يقال عبد الله بن مسلم/؛ فأقبل قتيبة على عبد الله فقال. لا يبعد الله غيرك.
стр. 318
ولقى شريك (١) النّميرىّ رجلا من بنى تميم، فقال له التّميمىّ: يعجبنى من الجوارح البازى، فقال له شريك: وخاصّة إذا صاد القطا؛ أراد التميمىّ بقول البازى قول جرير:
أنا البازى المطلّ على نمير ... أتيح من السّماء لها انصبابا (٢)
وأراد شريك بقوله: «إذا صاد القطا» قول الطّرمّاح:
تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت (٣)
وساير (٤) شريك النّميرىّ عمر بن هبيرة الفزارىّ على بغلة، فجاوزت بغلته برذون عمر، فقال له عمر: اغضض من لجامها، فقال شريك: إنها مكتوبة، فقال عمر: ما أردت ذاك، قال شريك ولا أنا أردته؛ ظن شريك أنّ عمر أراد بقوله: «اغضض من لجامها» قول جرير:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا (٥)
وعنى شريك بقوله: «مكتوبة» قوله (٦):
لا تأمننّ فزاريّا خلوت به ... على قلوصك واكتبها (٧) بأسيار
يعنى: ب «اكتبها» شدّها.
وأنشد أبو تمام الطائىّ أحمد بن المعتصم قصيدته (٨) السينية التى يمدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله:
стр. 319
فى حلم أحنف فى شجاعة عامر ... فى جود حاتم فى ذكاء إياس (١)
فقال له الكندىّ- وكان حاضرا-: ما صنعت شيئا، قال: وكيف؟ قال: لأنّ شعراء دهرنا قد تجاوزوا بالممدوح من كان قبله، ألا ترى إلى قول أبى العكوّك (٢) فى أبى دلف:
رجل أبرّ على شجاعة عامر ... بأسا وغبّر فى محيّا حاتم
فأطرق الطائىّ ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا فى النّدى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
وقال ابن هبيرة لأبى دلامة- وكان مولى لبنى أمية لما ظهرت المسوّدة (٣): لأتخذنّ لك منهم عبدا صالحا يخدمك، فلما علت كلمتهم، وفشت دعوتهم قال أبو دلامة: ليت الله قيّض لى/ منهم مولى صالحا أخدمه.
وقال يحيى بن خالد لعبد الملك بن صالح الهاشميّ: إنّ خصالك كاملة سوى حقد فيك، فقال: أنا خزانة تحفظ الخير والشر. وقد نظر ابن الرومى إلى هذا المعنى فى قوله:
وما الحقد إلّا توأم الشّكر فى الفتى ... وبعض السّجايا ينتسبن إلى بعض (٤)
فحيث ترى حقدا على ذى إساءة ... فثمّ ترى شكرا على حسن القرض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهى ناهيك من أرض
وقال الحجاج للحطيط الخارجىّ: ما تقول فى عبد الملك بن مروان؟ قال: ما أقول فى رجل أنت خطيئة من خطاياه!
قال: فهل هممت بي قطّ! قال: نعم، ولكن حال بيننا
стр. 320
بين وقدر، وقد أعطيت الله عهدا إن سألتنى لأصدقنّك، ولئن خلّيت عنى لأطلبنّك، ولئن عذبتنى لأصبرن لك؛ فأمر بقتله.
وأما «البين» فهى الأرض الواسعة، قال ابن مقبل (١):
بسرو حمير أبوال البغال به ... أنّى تسدّيت وهنا ذلك البينا (٢)
وقيل لأبى العتاهية لما قال:
عتب (٣) ما للخيال ... خبّرينى وما لى
خرجت من العروض، فقال: أنا أكبر من العروض (٤).
وقال عبد الملك بن مروان للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: قوام من العيش، وغنى من الناس. فقيل له: لم لم تخبر به؟ فقال: إن كان كثيرا حسدنى، وإن كان قليلا ازدرانى.
واغتاب الأعمش رجلا من أصحابه، فطلع الرجل على هيئة ذلك، فقال له رجل من أصحابه:
قل له ما قلته حتى لا يكون غيبة؛ فقال له: قل له أنت حتى لا تكون نميمة.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: هل غششتنى مذ نصحتنى؟ قال: لا، قال: بلى يوم أشرت عليّ بمبارزة عليّ، وأنت تعلم من هو! فقال عمرو: دعاك رجل عظيم الخطر إلى المبارزة، فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين؛ إمّا إن قتلته فقد قتلت قتّال الأقران، وازددت شرفا إلى شرفك، وخلوت بملكك، وإمّا إن قتلك فتتعجّل مرافقة الشهداء والصديقين
стр. 321
والصالحين؛ قال معاوية: لهذه أشد عليّ من الأولى، فقال عمرو: أفكنت من جهادك فى شك فتكون منه الساعة! / قال: دعنى منك الآن.
وقيل للأحنف بن قيس- وقد رأى مسيلمة الكذّاب: كيف هو؟ فقال: ما هو بنبىّ صادق، ولا بمتنبئ حاذق.
[بعض ما يروى من أجوبة أبى الأسود الدؤلى الحاضرة: ]
وروى المبرّد قال: قال زياد لأبى الأسود الدّؤليّ: لولا أنّك قد كبرت لاستعنّا بك فى بعض أمورنا، قال: إن كنت تريدنى للصّراع فليس عندى، وإن كنت تريد عقلى ورأيى فهما أوفر ما كانا.
وكان أبو الأسود حاضر الجواب جيّد الكلام مليح النادرة. وروى عن الشّعبىّ أنّه قال: قاتل الله أبا الأسود! ما كان أعفّ أطرافه، وأحضر جوابه! دخل على معاوية بالنّخيلة، فقال له معاوية: أكنت ذكرت للحكومة؟ قال: نعم، قال: فماذا كنت صانعا؟ قال:
كنت أجمع ألفا من المهاجرين وأبنائهم، وألفا من الأنصار وأبنائهم، ثم أقول: يا معشر من حضر؛ أرجل من المهاجرين أحقّ أم رجل من الطلقاء؟ فلعنه معاوية، وقال: الحمد لله الّذي كفاناك.
وقد روى أنّ أبا الأسود طلب بأن يكون فى الحكومة، وقال لأمير المؤمنين ﵇ فى وقت الحكمين: يا أمير المؤمنين، لا ترض بأبى موسى، فإنى قد عجمت الرجل وبلوته، فحلبت أشطره؛ فوجدته قريب القعر، مع أنه يمان، وما أدرى ما يبلغ نصحه! فابعثنى فإنه لا يحلّ عقدة إلّا عقدت له أشدّ منها، وإنهم قد رموك بحجر الأرض، فإن قيل: إنه لا صحبة لى، فاجعلنى ثانى اثنين، فليس صاحبهم إلّا من تقرّب، وكان فى الخلاف عليهم كالنّجم؛ فأبى ﵇.
وروى محمد بن يزيد النحوىّ أنّ أبا الأسود كان [نازلا فى بنى قشير؛ وكانوا يخالفونه فى المذهب لأن أبا الأسود كان] (١) شيعيا، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك،
стр. 322
فشكا مرة، فقالوا: ما نحن نرميك؛ ولكنّ الله يرميك، فقال: كذبتم، لو كان الله يرمينى ما أخطأنى.
وقال لهم يوما: يا بنى (١) قشير، ما فى العرب أحد أحبّ إلى طول بقاء منكم، قالوا:
ولم ذاك؟ قال: لأنكم إذا ركبتم أمرا علمت أنه غىّ فأجتنبه، وإذا اجتنبتم أمرا علمت أنه رشد، فاتبعته فنازعوه الكلام، فأنشأ يقول:
يقول الأرذلون بنو قشير ... طوال الدّهر لا تنسى عليّا
أحبّ محمّدا حبّا شديدا ... وعبّاسا وحمزة والوصيّا
/ أحبّهم لحبّ الله حتّى ... أجئ إذا بعثت على هويّا
فإن يك حبّهم رشدا أصبه ... ولست بمخطئ إن كان غيّا
فقالوا له: أشككت يا أبا الأسود، فقال: ألم تسمعوا الله تعالى يقول: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، أفترون الله شكّ!
أما قوله: «هويّا» فإنه لغة هذيل؛ يقولون ذلك فى كل مقصور (٢)؛ مثل الهوى والعصا والتقى والقفا. قال أبو ذؤيب الهذلى:
سبقوا هوىّ وأعنقوا لسبيلهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع (٣)
وروى أن أبا الأسود دخل على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أبا الأسود؛ فلو علّقت تميمة تدفع العين عنك! فقال أبو الأسود:
أفنى الشّباب الّذي ولى وبهجته (٤) ... كرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لى فى طول اختلافهما ... شيئا أخاف عليه لذعة الحدق
стр. 323
وروى أنه دخل يوما السوق يشترى ثوبا فقال له رجل: هلمّ أقاربك فى هذا الثوب؛ فقال: إن لم تقاربنى باعدتك، ثم قال له: بكم هو؟ قال: قد أعطيت به كذا كذا، قال:
إنما تخبّرنى عما فاتك.
وروى أنّه كان ماشيا فى طريق، فقال له راكب: الطريق الطريق، فقال له: عن الطريق تعدلنى!
ومرض أبو الأسود فقيل له: هو أمر الله، فقال: ذاك أشدّ له!
وقيل إن امرأة أبى الأسود خاصمته إلى زياد فى ولدها، فقالت: أيها الأمير، إن هذا يغلبنى على ولدى، وقد كان بطنى له وعاء، وثديى له سقاء، وحجرى له فناء، فقال أبو الأسود:
[أبهذا تريدين أن تغلبينى على ابنى] (١)! فو الله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت: ولا سواء، إنك حملته خفّا، وحملته ثقلا، ووضعته شهوة، ووضعته كرها، فقال له زياد: إنها امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع ابنها إليها، فأخلق أن تحسن أدبه.
وقال رجل لأبى الأسود: أنت والله ظريف لفظ، وظرف (٢) علم، ووعاء حلم، غير أنّك بخيل؛ فقال: وما خير ظرف لا يمسك ما فيه!
وسلم عليه أعرابىّ يوما، فقال أبو الأسود: كلمة مقولة، فقال: أتأذن فى الدخول؟
قال: / وراءك أوسع لك! قال: فهل عندك شيء؟ قال: نعم، قال: أطعمنى، قال: عيالى أحقّ منك، قال: ما رأيت ألأم منك، قال: نسيت نفسك.
وسأله رجل شيئا فمنعه قال: ما أصبحت حاتميّا (٣) قال: بلى، قد أصبحت حاتمكم من حيث لا تدرى، أليس حاتم الّذي يقول:
أماوىّ إمّا مانع فمبيّن ... وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر (٤)
стр. 324
٢١ مجلس آخر [المجلس الحادي والعشرون: ]
[خبر سليمان بن عبد الملك مع يزيد بن أبى مسلم: ]
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال: أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوىّ قال: لما ولى سليمان بن عبد الملك أتى بيزيد بن أبى مسلم مولى الحجّاج فى جامعة- وكان رجلا دميما تقتحمه (١) العين- فلما رآه سليمان قال: لعن الله من أجرّك رسنك، وولى مثلك! فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتنى والأمر عنى مدبر، ولو رأيتنى وهو عليّ مقبل لاستعظمت ما استصغرت، ولاستجللت ما استحقرت، فقال له سليمان: أين ترى الحجاج؟
أيهوى فى النار؛ أم قد استقرّ! فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل كذا، فإن الحجاج قمع لكم الأعداء، ووطّأ لكم المنابر، وزرع لكم الهيبة فى قلوب الناس، وبعد، فإنه يأتى يوم القيامة عن يمين أبيك عبد الملك، وشمال أخيك الوليد، فضعه حيث شئت.
[خبر صفوان بن الأهتم مع رجل من بنى عبد الدار: ]
وروى أن خالد بن صفوان فاخر رجلا من بنى عبد الدار، الذين يسكنون اليمامة، فقال له العبدرىّ: من أنت؟ فقال: أنا خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال له العبدرىّ: أنت خالد كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ؛ [محمد: ١٥]، وأنت ابن صفوان، وقال الله كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ؛ [البقرة: ٢٦٤]، وأنت ابن الأهتم، والصحيح خير من الأهتم. فقال له خالد بن صفوان يا أخا بنى عبد الدار، أتتكلم وقد هشمتك هاشم، وأمّتك بنو أميّة، وخزمتك بنو مخزوم، وجمحتك (٢) بنو جمح، فأنت عبد دارهم؛ تفتح إذا دخلوا، وتغلق إذا خرجوا؛ فقام العبدرىّ محموما.
وتقدم الأشعث بن قيس إلى شريح فقال له الأشعث: أتعلمني بك يا ابن أمّ شريح! لقد
стр. 325
عهدتك وإنّ شأنك لشؤين، فقال له شريح: انت امرؤ تعرف النعمة فى غيرك، وتنساها فى نفسك.
[ما دار بين الفرزدق والحطيئة عند سعيد بن العاص: ]
وروى أبو العيناء عن العتبىّ قال: دخل الفرزدق إلى سعيد بن العاص، وعنده الحطيئة، فلما مثل بين يديه قال:
/ إليك فررت منك ومن زياد ... ولم أحسب دمى لكما حلالا (١)
فإن يكن الهجاء أحلّ قتلى ... فقد قلنا لشاعركم وقالا (٢)
ترى الغرّ الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر فى الحدثان عالا (٣)
قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنّهم يرون به هلالا (٤)
فقال له الحطيئة: هذا والله أيها الأمير الشّعر، لا ما كنّا نعلّل (٥) به منذ اليوم، يا غلام أقدمت أمك الحجاز؟ فقال: لا، ولكن قدمه أبى.
أراد الحطيئة بقوله: إن كانت قدمت أمّك الحجاز، فقد وقعت بها (٦)، وكنت منّى، وأراد الفرزدق بقوله: «ولكن قدمه أبى» أى وقع بأمك فكنت أنت (٧).
ويشبه ذلك ما روى أنّ الفرزدق كان ينشد شعره يوما، والناس حوله، إذ مرّ به الكميت بن زيد، فقال له الفرزدق: كيف ترى شعرى؟ فقال الكميت: حسن بسن، فقال له الفرزدق:
أيسرّك أنى أبوك، قال: أمّا أبى فلا أريد به بدلا (٨)، ولكن يسرّنى أن لو كنت أمى! فقال له
стр. 326
الفرزدق: اكتم هذه على عمك يا ابن أخى فما مرّ بى مثلها.
وقيل إنّ عبد الملك بن مروان ظفر برجل من بنى مخزوم زبيرى الرأى، فقال له لما حضر مجلسه: أليس قد ردّك الله على عقبيك! فقال الرجل: أو من ردّ عليك يا أمير المؤمنين فقد ردّ على عقبيه! فوجم عبد الملك،
وقال موسى بن عيسى بن موسى لشريك: يا أبا عبد الله، عزلوك عن القضاء، وما رأينا قاضيا عزل! فقال شريك: هم الملوك يعزلون ويخلعون- يعرّض أن أباه خلع من ولاية العهد.
وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى أن المفضّل الضبىّ الرواية وهب لبعض جبرانه أيام الأضحى أضحيّة، فلما لقيه قال: كيف وجدت أضحيّتك؟ قال: ما وجدت لها دما، يعرّض بقول الشاعر:
ولو ذبح الضبّىّ بالسّيف لم تجد ... من اللّؤم للضّبّىّ لحما ولا دما
وروى عن المأمون أنه قال: ما أعيانى جواب أحد قطّ مثل جواب ثلاثة: أحدهم أمّ الفضل بن سهل، فإنى عزّيتها عن ابنها وقلت: لئن جزعت على الفضل لأنه ولدك، فها أنا ذا ابنك مكانه/، فقالت: وكيف لا أجزع على من جعل مثلك لى ولدا. والثانى رجل أحضرته يزعم أنّه نبى الله موسى ﵇، فقلت له: إن الله تعالى أخبرنا عن موسى أنّه يدخل يده فى جيبه فيخرجها بيضاء من غير سوء، فقال: متى فعل ذلك موسى؟
أليس بعد أن لقى فرعون! فاعمل كما عمل فرعون، حتى أعمل كما عمل موسى. والثالث أن جماعة من أهل الكوفة اجتمعوا إلى يشكون عاملها، فقلت: ارضوا بواحد أسمع منه، فرضوا برجل منهم، فقال فى العامل وأكثر؛ فقلت له: كذبت! بل هو العفيف الورع العدل؛ فذهب أصحابه يتكلمون فسكّتهم ثم قال: صدقت يا أمير المؤمنين، هو كما ذكرت، فواس بين رعيتك فى العدل، فصرفته عنهم.
ودخل عدىّ بن حاتم بن عبد الله الطائىّ على معاوية، فقال له معاوية: ما فعل الطّرفات؟
стр. 327
يعنى طريفا (١) وطرافا وطرفة، قال: قتلوا مع عليّ بن أبى طالب ﵇، فقال له:
ما أنصفك ابن أبى طالب، قدّم بنيك، وأخّر بنيه، فقال عدىّ: ما أنصفته (٢) أنا، أن قتل (٣) وبقيت.
وكتب رجل إلى صديق له يقترض منه شيئا، فأجابه يشكو ضيق حاله، فكتب إليه: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله كاذبا، وإن كنت معذورا فجعلك الله ملوما، وإن كنت ملوما فجعلك الله
معذورا».
وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أحلم معاوية! فقال: لو كان حليما ما سفه الحقّ.
ووصفه رجل عند الشعبىّ بالحلم، فقال الشّعبىّ: ويحك! وهل أغمد سيفه وفى قلبه على أحد شيء!
وقال زياد لرجل حضره: أين منزلك؟ فقال: وسط البصرة، قال: فما لك من الولد؟
قال: تسعة، فقيل لزياد إن داره أقصى البصرة عند المقابر، وله ابن واحد، فقال الرجل:
دارى بين أهل الدنيا والآخرة، فهى وسط البصرة، وكان لى عشر بنين فقدّمت تسعة، فهم لى، وبقى واحد لا أدرى؛ أهو لى أم أنا له!
وقال رجل لابن سيرين: إنّى وقعت فيك فاجعلنى فى حلّ، فقال: ما أحبّ أن أحلّك ممّا حرّم الله عليك.
وخطب الحجاج يوم جمعة فأطال، فقال له رجل: إنّ الصلاة لا تنتظرك، وإن الله لا يعذرك، فأمر به فحبس، فجاءه أهله فشهدوا أنّه مجنون، فقال: إن أقرّ بالجنون أطلقته، فقيل له: اعترف بذلك وتخلّص، فقال: والله لا أقول/ إنّه ابتلانى وقد عافانى.
وحدّث الحسن البصرىّ بحديث فقال له رجل: يا أبا سعيد، عمّن؟ فقال: وما تصنع ب «عمّن»؟ أما أنت فقد نالتك عظته، وقامت عليك حجته.
стр. 328
وقيل لعبد الله بن جعفر- ونظر إليه يماكس فى درهم- فقيل له: أتماكس فى درهم وأنت تجود بما تجود به! فقال: ذاك مالى جدت به، وهذا عقلى بخلت به.
[من أجوبة أبى العيناء المسكتة: ]
وروى أنّ أبا العيناء محمد بن القاسم اليمامىّ حدّث بعض الزبيريين (١) بفضائل أهله (٢) فقال له: الزّبيرىّ (٣): أتجلب التمر إلى هجر (٤)! فقال له أبو العيناء: نعم، إذا أجدبت أرضها، وعاوم (٥) نخلها؛ وكان أبو العيناء من أحضر الناس جوابا، وأجودهم بديهة، وأملحهم نادرة.
وروى (٦) الصولىّ عن أبى العيناء قال: لما دخلت (٧) على المتوكل دعوت له، وكلّمته، فاستحسن خطابى، وقال لى: يا محمد، بلغنى أنّ فيك شرّا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، فقد زكّى الله تعالى وذم، فقال فى التزكية: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ؛ [ص: ٣٠، ٤٤]، وقال فى الذم: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ؛ [القلم: ١١ - ١٣]، فذمّه الله تعالى حتى قذفه (٨)، وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائبا ... ولم أذمم الجبس اللّئيم المذمّما (٩)
ففيم عرفت الخير والشّرّ باسمه ... وشقّ لى الله المسامع والفما!
وإن كان الشرّ كفعل العقرب يلسع النبىّ والذّمى بطبع لا يتميز؛ فقد صان الله عبدك عن ذلك.
стр. 329
[وروى أنه قال له يوما: إلى كم تمدح الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساءوا] (١).
وروى أن المتوكّل قال له يوما: إنّى لأفرق من لسانك، فقال له: إنّ الشريف فروقة ذو إحجام، وإن اللئيم ذو أمنة وإقدام.
وقال له يوما- وقد دخل عليه: اشتقتك والله يا أبا العيناء، فقال له يا سيّدى؛ إنّما يشتد الشوق على العبد لأنه لا يصل إلى مولاه، فأمّا السّيّد فمتى أراد عبده دعاه.
وروى أنه قال له يوما: ما بقى أحد فى مجلسى إلا اغتابك وذمّك- عند ما جرى من (٢) ذكرك- غيرى، فقال أبو العيناء:
/ إذا رضيت عنّى كرام عشيرتى ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
وذكر أبو العيناء قال: قال لى المتوكل: كيف ترى دارى هذه؟ فقلت: رأيت الناس بنوا دورهم فى الدنيا، وأمير المؤمنين جعل الدّنيا فى داره.
وقال أبو العيناء: قال لى المتوكل: من أسخى من رأيت؟ ومن أبخل من رأيت؟
فقلت: ما رأيت أسخى من أحمد بن أبى دؤاد، ولا أبخل من موسى بن عبد الملك؛ قال: وكيف وقفت على بخله؟ فقلت: رأيته يحرم القريب كما يحرم البعيد، ويعتذر من الإحسان (٣)؛ كما يعتذر من الإساءة؛ فقال: أجئت إلى من اطّرحته فسخيته، وإلى من أمسكته فبخّلته! فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ الصدق ما هو فى موضع من المواضع أنفق منه بحضرتك، والناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى السخاء؛ فإذا نسب الناس السخاء إلى البرامكة، فإنما ذاك من سخاء أمير المؤمنين الرشيد، وإذا نسب الناس الحسن ابن سهل، والفضل بن سهل إلى السخاء، فإنما ذاك سخاء أمير المؤمنين المأمون، وإذا نسبوا أحمد بن أبى دؤاد إلى السخاء فذاك سخاء أمير المؤمنين المعتصم، وإذا نسبوا الفتح بن خاقان
стр. 330
وعبيد الله بن يحيى إلى السخاء فإنما هو سخاؤك؛ وإلّا فما بال هؤلاء القوم لم ينسبوا إلى السخاء قبل صحبتهم الخلفاء (١)! فقال لى: صدقت، وسرّى (٢) عنه.
وقال له المتوكل: ما أشدّ عليك من ذهاب البصر؟ فقال له: فقد رؤيتك؛ مع إجماع الناس على جمالك.
وقال له يوما: أريدك لمجالستى، قال: لا أطيق ذاك، وما أقول هذا جهلا بما لى فى هذا المجلس من الشرف، ولكن أنا رجل محجوب، والمحجوب تختلف إشارته، ويخفى عليه إيماؤه، ويجوز عليّ أن أتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميّز بين هاتين (٣) هلكت؛ فقال: صدقت.
وروى أنه قال له: لولا أنّك ضرير لنادمتك، فقال: إن أعفيتنى من رؤية الأهلّة، وقراءة نقش الخواتيم فإنى أصلح.
وقال المتوكل: ما تقول فى ابن مكرم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر، وإثمهما أكبر من نفعهما، فقال: بلغنى أنك تودّهما، فقال: لقد ابتعت الضّلال بالهدى، والعذاب بالمغفرة.
وقال له يوما: بلغنى أن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ؛ [المطففين: ٢٩] وقال أبو العيناء: قال لى المنصور:
ما أحسن (٤) الجواب؟ فقلت: ما أسكت المبطل، وحيّر المحق.
/ وقيل لأبى العيناء: إبراهيم بن نوح النصرانىّ عليك عاتب، فقال: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ [البقرة: ١٢٠]. ورآه زرقان وهو يضاحك
стр. 331
نصرانيا فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ؛ [المائدة: ٥١]، فقال أبو العيناء لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ؛ [الممتحنة: ٨].
وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال أخبرنا أبو العيناء قال: كان سبب اتصالى بأحمد بن أبى دؤاد أنّ قوما من أهل البصرة عادونى وادّعوا عليّ دعاوى كثيرة؛ منها أنّى رافضىّ، فاحتجت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى، وألقيت نفسى على ابن أبى دؤاد- وكنت نازلا فى داره، أجالسه كلّ يوم- وبلغ القوم خبرى، فشخصوا نحوى إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يدا عليّ، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فقلت: إنّ لهم مكرا، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ؛ [الأنفال: ٣٠]، فقلت: هم كثيرون قال:
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ؛ [البقرة: ٢٤٩]، فقلت: لله درّ القاضى! هو والله كما قال الصّموت الكلابىّ:
لله درّك أىّ جنّة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان (١)
متخمّط تطأ الرّجال غلبة ... وطء الفنيق دوارج القردان (٢)
وتركتهم حتّى كأنّ رءوسهم ... مأمومة تنحطّ للغربان (٣)
وتفرّج الباب الشّديد رتاجه ... حتّى يصير كأنّه بابان
وقال لابنه الوليد: اكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.
- قال الصولىّ: حفظى من أبى العيناء الصّموت الكلابىّ على أنه رجل، وقال وكيع؛ حفظى أنها للصّموت الكلابية على أنها امرأة-
ودخل أبو العيناء على الحسن بن سهل، فأثنى عليه، فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال:
стр. 332
والله ما أستكثر كثيرك أيها الأمير، ولا أستقلّ قليلك، قال: وكيف ذاك؟ قال: لا أستكثر كثيرك لأنك أكثر منه، ولا أستقل قليلك لأنه أكثر من كثير غيرك (١).
وقال له عبيد الله بن يحيى بن خاقان يوما: اعذرنى فإنى مشغول (٢)، فقال: إذا فرغت لم أحتج إليك. وقال له يوما: قد تبينت/ فيك الغضب يا أبا عبد الله، فقال له: قد أجلّ الله قدرك من غضبى، إنما يغضب الرجل على من دونه؛ فأما من فوقه فلا، ولكن أحزننى تقصيرك؛ فسمّيت حزنى غضبا.
ويقال إن صاعد بن مخلد كان من أحسن من أسلم دينا، وأكثرهم صلاة وصدقة، فصار إلى بابه أبو العيناء مرات كثيرة بعقب إسلامه فحجب وقيل له: هو مشغول فى صلاته، فقال أبو العيناء: لكل جديد لذة.
ودخل يوما إلى أبى الصقر إسماعيل بن بلبل فى وزارته، فقال له: يا أبا عبد الله، [ما أخّرك عنّا] (٣)؟ فقال: سرق حمارى، فقال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع الّذي سرقه فأخبر بما كان، قال له: هلّا اكتريت أو استعرت أو اشتريت؟ قال: قعد بى عن الشراء نشبى (٤)، وكرهت منّة العوارى، وذلّة المكارى، فوهب له حمارا ووصله. وأدناه أبو الصّقر يوما ورفعه فقال: تدنينى حتّى كأنى بعضك، وتبعدنى حتى كأنى ضدّك.
وقال يوما لعبيد الله بن سليمان أيضا- وقد رفعه: إلى كم ترفعنى ولا ترفع بى رأسا! وقال له يوما- وقد سأله عن حاله: أنا معك (٥) مغبوط الظاهر، محروم الباطن.
стр. 333
ويقال: إن أبا عليّ البصير قال لأبى العيناء- وكانت بينهما ملاحاة معروفة: فى أىّ وقت ولدت؟ فقال له: قبل طلوع الشمس، فقال أبو عليّ: لذلك خرجت شحاذا سائلا، لأنه الوقت الّذي ينتشر فيه السؤال.
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى أبو العيناء قال: ما رأيت قطّ أحسن شاهدا عند حاجة من ابن عائشة! قلت له: يوما كان أبو عمرو المخزومىّ يقصدك ثم جفاك، فقال:
فإن تنأ عنّا لا تضرنا وإن تعد ... تجدنا على العهد الّذي كنت تعلم
وقال: والله لا أدرى لمن هذا البيت، فقلت: إنّ ابن سلّام روى عن يونس أن الفرزدق لما قال:
تصرّم منى ودّ بكر بن وائل ... وما خلت دهرى ودّهم يتصرّم (١)
قوارص تأتينى فيحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم (٢)
وكان قد نزل عليهم حين هرب من زياد، فقال جرير بن خرقاء العجلىّ (٣) يحييه:
/ لقد بوّأتك الدّار بكر بن وائل ... وردّت لك الأحشاء إذ أنت مجرم (٤)
стр. 334
ليال تمنّى أن تكون حمامة ... بمكّة يغشاها السّتار المحرّم (١)
فإن تنأ عنّا لا تضرنا وإن تعد ... تجدنا على العهد الّذي كنت تعلم
فقال ابن عائشة: أنت والله يا بنيّ ممن ستصدق فى العلم مخائله، وتكثر عليه دلائله.
وقال أبو العيناء يوما لأبى الصقر بن بلبل وهو زائر: أنت والله تقرب منا إذا احتجنا إليك، وتبعد منا إذا احتجت إلينا.
[موازنة بين شعر لإبراهيم بن العباس الصولى وأوس بن حجر: ]
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وهذا يشبه قول إبراهيم بن العباس الصولىّ:
ولكنّ الجواد أبا هشام ... وفى العهد مأمون المغيب (٢)
بطيء عنك ما استغنيت عنه ... وطلّاع عليك مع الخطوب
ولعلّه مأخوذ منه، فليس ينكر ذلك، لأنّهما وإن اجتمعا فى زمان واحد فى بعض الأوقات؛ فإن أبا العيناء بقى بعد إبراهيم زمانا طويلا؛ لأن إبراهيم توفّى فى سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأبا العيناء سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائتين، وما حكيناه عنه من الكلام قاله لأبى الصقر فى وزارته، وكانت بعد وفاة إبراهيم بن العباس الصولىّ بزمان طويل.
ويوشك بيتا إبراهيم أن يكونا مأخوذين من قول أوس بن حجر:
وليس أخوك الدّائم العهد بالذى ... يذمّك إن ولى ويرضيك مقبلا (٣)
ولكنّه النّائى إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الخطب أعضلا
ولإبراهيم بن العباس ما يقارب هذا المعنى أيضا، وهو:
أسد ضار إذا هيّجته ... وأب برّ إذا ما قدرا (٤)
يعلم الأبعد إن أثرى ولا ... يعلم الأدنى إذا ما اقترا (٥)
стр. 335
ويشبه أن يكون هذا مأخوذا من قول المرّار الفقعسيّ:
/ إذا افتقر المرّار لم ير فقره ... وإن أيسر المرّار أيسر صاحبه (١)
ومما يشبه قول المرّار بعينه قول إبراهيم بن العباس أيضا:
فتى غير محجوب عن العين عرضه ... ولا مظهر البلوى إذا النّعل زلّت (٢)
رأى خلّة من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
[أبيات للمتنخل الهذلى وشرح ما ورد فيها من الغريب: ]
أو من قول المتنخّل الهذلىّ:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه (٣)
وهذا البيت الّذي رويناه للهذلىّ من جملة أبيات يرثى بها المتنخّل أباه- وقيل يرثى أخاه، وأولها:
لعمرك ما إن أبو مالك ... بوان ولا بضعيف قواه (٤)
ولا بألدّ له نازع ... يغارى أخاه إذا ما نهاه (٥)
- فمعنى «له نازع» أى خلق سوء ينزعه. ويغارى، أى يلاحى ويشارّ-
ولكنّه هيّن ليّن ... كعالية الرّمح عرد نساه
- العرد: الشديد؛ يقال: وتر عردّ وعرند، وعرندد بالنون، أى شديد. والنّسا:
عرق معروف-
إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه
معنى «سدته» من المساودة، التى هى المسارّة، والسّواد هو السّرار أيضا، كأنه قال:
стр. 336
إذا ساررته طاوعك وساعدك. وقال قوم: إنّه من السيادة، وكأنه أراد: إذا كنت فوقه سيدا له أطاعك ولم يحسدك، وإن وكلت إليه شيئا كفاك، وقوم ينشدونه:
* إذا سسته سست مطواعة*
- ولم أجد ذلك فى رواية-
ألا من ينادى أبا مالك ... أفي أمرنا هو أم فى سواه؟
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
стр. 337
٢٢ مجلس آخر [المجلس الثاني والعشرون: ]
تأويل آية [: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ]
/ إن سأل سائل عن قوله تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا؛ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ [الأعراف: ١٤٦].
فقال: ما تأويل هذه الآية على ما يطابق العدل؟ فإنّ ظاهرها كأنه مخالف له.
الجواب، قيل له: فى هذه الآية وجوه؛ منها ما ابتدأناه فيها، ومنها ما سبقنا به فحرّرناه، واحترزنا فيه من المطاعن، وأجبنا عمّا لعله يعترض (١) فيه من الشّبه.
أولها أن يكون تعالى عنى بذلك صرفهم عن ثواب النظر فى الآيات، وعن العزّ والكرامة اللذين يستحقّهما من أدّى الواجب عليه فى آيات الله تعالى وأدلّته، وتمسّك بها.
والآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الأدلة، ويحتمل أن تكون معجزات الأنبياء ﵈ خاصة؛
وهذا التأويل يطابقه الظاهر؛ لأنه تعالى قال: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ فبيّن أنّ صرفهم عن الآيات مستحقّ (٢) بتكذيبهم، ولا يليق ذلك إلّا بما ذكرناه.
وثانيها أن يصرفهم (٣) تعالى عن زيادة المعجزات التى يظهرها (٤) الأنبياء ﵈
стр. 338
بعد قيام الحجة بما تقدّم من آياتهم ومعجزاتهم؛ لأنّه تعالى إنما يظهر هذا الضرب من المعجزات إذا علم أنّه يؤمن عنده من لم يؤمن بما تقدم من الآيات، فإذا علم خلاف ذلك لم يظهرها، وصرف الذين علم من حالهم أنهم لا يؤمنون عنها، ويكون الصّرف على أحد وجهين: إمّا بألّا يظهرها جملة، أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها، ويظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم.
فإذا قيل: وما الفرق فيما ذكرتموه بين ابتداء المعجزات، وبين زيادتها؟ قلنا: الفرق بينهما أن المعجز الأوّل يجب إظهاره لإزاحة العلّة فى التكليف؛ ولأنّا به نعلم صدق الرسول المؤدّى إلينا ما فيه لطفنا ومصلحتنا.
فإذا كان التكليف يوجب تعريف (١) المصالح والألطاف لتنزاح العلّة، وكان لا سبيل إلى معرفتها على الوجه الّذي تكون عليه لطفا إلّا من قبل الرسول، وكان لا سبيل إلى العلم بكونه رسولا إلّا من جهة/ المعجز وجبت بعثة الرسول وتحميله ما فيه مصلحتنا من الشرائع، وإظهار المعجز على يده لتعلّق هذه الأمور بعضها ببعض، ولا فرق فى هذا الموضع بين أن يعلم أنّ المبعوث إليهم الرسول، أو بعضهم يطيعون ويؤمنون، وبين ألّا يعلم ذلك فى وجوب البعثة، وما يجب بوجوبها، لأنّ تعريف المصالح مما يقتضيه التكليف العقلىّ الّذي لا فرق فى حسنه بين أن يقع عنده الإيمان أو لا يقع؛ وليس هذه سبيل ما يظهر من المعجزات بعد قيام الحجة بما تقدم منها؛ لأنّه متى لم ينتفع بها منتفع، ويؤمن عندها من لم يؤمن لم يكن فى إظهارها فائدة، وكانت عبثا؛ فافترق الأمران.
فإن قيل: كيف يطابق هذا التأويل قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ، ومن المعلوم أنّ صرفهم عن الآيات لا يكون مستحقا بذلك؟ قلنا: يمكن أن يكون قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا لم يرد به تعليل قوله: سَأَصْرِفُ، بل يكون كالتعليل لما هو أقرب إليه فى ترتيب الكلام، وهو قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَ
стр. 339
آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، لأنّ من كذب بآيات الله جل وعزّ؛ وغفل عن تأمّلها والاهتداء بنورها ركب الغىّ، واتخذه سبيلا، وحاد عن الرشد وضل ضلالا بعيدا. ورجوع لفظة ذلِكَ إلى ما ذكرناه أشبه بالظاهر من رجوعها إلى قوله: سَأَصْرِفُ؛ لأنّ رجوع اللفظ (١) فى اللغة إلى أقرب المذكورين إليه أولى.
ويمكن أن يكون قوله تعالى: كَذَّبُوا وإن كان بلفظ الماضى المراد به الاستقبال، ويكون وجهه أن التكذيب لما كان معلوما منهم لو أظهرت لهم الآيات جعل ذلك كأنه [واقع، فبنى الخطاب عليه؛ ولهذا نظائر فى اللغة كثيرة. أو يكون جوابا لمحذوف؛ كأنه] (٢) قال:
ذلك بأنه متى ما أظهرنا لهم آياتنا كذبوا بها. ويجرى ما ذكرناه (٣) أولا مجرى قوله تعالى:
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ فى أنه بلفظ الماضى والمعنى الاستقبال.
وثالثها أن يكون معنى سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ، أى لا أوتيها (٤) من هذه صفته، وإذا [صرفهم عنها فقد صرفها عنهم] (٥)، وكلا اللّفظين (٦) يفيد معنى واحدا. وليس لأحد أن يقول هلّا قال: «سأصرف آياتى عن الذين يتكبرون»؛ والآيات هاهنا هى المعجزات التى تختص بها الأنبياء.
/ فإن قيل: فأىّ فائدة فى قوله على سبيل التعليل (٧): ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأىّ معنى لتخصيصه الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق، وهو لا يؤتى الآيات والمعجزات إلّا الأنبياء دون غيرهم، وإن كان ممن لا يتكبر؟ قلنا: لخروج الكلام مخرج التعليل على هذا التأويل وجه صحيح؛ لأن من كذّب بآيات الله لا يؤتى معجزاته (٨) لتكذيبه وكفره،
стр. 340
وإن كان قد يكون غير مكذّب، ويمنع من إتيانه الآيات علّة أخرى (١)؛ فالتكبر والبغى بغير الحق مانع من إيتاء الآيات، وإن منع غيره. ويجرى هذا مجرى قول القائل: أنا لا أودّ فلانا لغدره، ولا يلزم إذا لم يكن غادرا أن يودّه، لأنه ربما خلا من الغدر وحصل على صفة أخرى تمنع من مودته.
ويجوز أيضا أن تكون الآية خرجت على ما يجرى مجرى السبب، وأن يكون بعض الجهال فى ذلك العصر اعتقد جواز ظهور المعجزات على يد الكفار المتكبرين (٢)، فأكذبهم الله تعالى بذلك.
ورابعها أن يكون المراد بالآيات العلامات التى يجعلها الله تعالى فى قلوب المؤمنين؛ ليدلّ بها الملائكة على الفرق بين المؤمن والكافر، فيفعلوا بكل واحد منهما ما يستحقه من التعظيم أو الاستخفاف، كما تأول أهل الحق الطبع والختم اللذين ورد بهما القرآن على أن المراد بهما العلامة المميّزة بين الكافر والمؤمن؛ فيكون معنى سأصرفهم عنها، أى أعدل بها عنهم (٣)، وأخصّ بها المؤمنين المصدقين بآياتى وأنبيائى (٤). وهذا التأويل يشهد له أيضا قوله تعالى:
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ لأنّ صرفهم عن هذه الآيات كالمستحقّ لتكذيبهم وإعراضهم عن آياته تعالى.
وخامسها أن يريد تعالى: أنى أصرف من رام المنع من أداء آياتى وتبليغها؛ لأنّ من الواجب على الله تعالى أن يحول من بين رام ذلك وبينه؛ ولا يمكّن منه؛ لأنه ينقض الغرض فى البعثة. ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ؛ فتكون الآيات هاهنا القرآن وما جرى مجراه من كتب الله تعالى التى تحمّلتها (٥) الرسل.
والصرف وإن كان متعلقا فى الآية بنفس الآيات فقد يجوز أن يكون المعنى متعلّقا [فى الآية/ بنفس الآيات، فقد يجوز أن يكون المعنى متعلقا بغيرها] (٦) مما هو متعلق بها. فإذا ساغ
стр. 341
أن نعلقه بالثواب والكرامة المستحقين على التمسك بالآيات ساغ أن نعلّقه بما يمنع من تبليغها وأدائها وإقامة الحجة بها. وعلى هذا التأويل لا نجعل قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا راجعا إلى سَأَصْرِفُ بل نردّه إلى ما هو قبله بلا فصل؛ من قوله تعالى:
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا على ما بينّاه فى الوجه الثانى، من تأويل هذه الآية.
وسادسها أن يكون الصرف هاهنا الحكم والتسمية والشهادة، ومعلوم أن من شهد على غيره بالانصراف عن شيء جائز (١) أن يقال: صرفه عنه، كما يقال: [أكفره وكذّبه وفسّقه] (٢)؛ وكما قال جلّ من قائل: ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ؛ أى شهد عليها بالانصراف عن الحق والهدى، وكقوله تعالى: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ؛ وهذا التأويل طابقه قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ؛ لأنّ الحكم عليهم [بما ذكرنا من التسمية موجب تكذيبهم وغفلتهم] (٣) عن آيات الله وإعراضهم عنها.
وسابعها أنه تعالى لمّا علم أن الذين يتكبرون فى الأرض بغير الحق سينصرفون عن النظر فى آياته، والإيمان بها إذا أظهرها على أيدى رسله ﵈ جاز أن يقول:
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ فيريد سأظهر ما ينصرفون بسوء اختيارهم عنه. ويجرى ذلك مجرى قولهم: سأبخّل فلانا وأخطّئه، أى أسأله ما يبخل، ببذله وأمتحنه بما يخطئ فيه، ولا يكون المعنى: سأفعل (٤) فيه البخل والخطأ. والآيات على هذا الوجه جائز أن تكون المعجزات دون سائر الأدلة الدالة على الله تعالى، وجائز أن تكون جميع الأدلة؛ ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا غير راجع إلى قوله تعالى:
سَأَصْرِفُ؛ بل إلى ما قدمنا ذكره لتصح الفائدة.
стр. 342
وثامنها أن يكون الصّرف هاهنا معناه المنع من إبطال الآيات والحجج، والقدح فيها بما يخرجها عن أن تكون أدلّة وحججا، فيكون تقدير الكلام: إنى بما أؤيّده من حججى، وأحكمه من آياتى وبيناتى؛ صارف للمبطلين والمكذبين عن القدح فى الآيات والدّلالات، ومانع لهم ممّا كانوا لولا/ هذا الإحكام والتأييد يفترضونه ويغتنمونه من تمويههم الحق ولبسه بالباطل. ويجرى هذا مجرى قول أحدنا (١): قد منع فلان أعداءه بأفعاله الكريمة، [وطرائقه المهذّبة، وصرفهم عن ذمّه] (٢)، وأخرس ألسنتهم عن الطعن عليه؛ وإنما يريد المعنى الّذي ذكرناه.
فإن قيل: أليس فى المبطلين من طعن على آيات الله تعالى وأورد الشبهة فيها مع ذلك؟
قلنا: لم يرد الله تعالى الصرف عن الطعن الّذي لا يؤثر ولا يشتبه على من أحسن النظر، وإنما أراد ما قدمناه، وقد يكون الشيء فى نفسه مطعونا عليه، وإن لم يطعن عليه طاعن؛ كما قد يكون بريئا من الطعن، وإن طعن فيه بما لم يؤثر؛ ألا ترى أن قولهم: فلان قد أخرس أعداءه عن ذمّه ليس يراد به أنه منعهم عن التلفظ بالذم، وإنما المعنى فيه أنه لم يجعل للذم عليه طريقا ومجالا؛ ويجب على هذا الوجه (٣) أن يكون قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا يرجع إلى ما قبله بلا فصل، ولا يرجع إلى قوله: سَأَصْرِفُ (٤).
وتاسعها أن الله تعالى لما وعد موسى ﵇ وأمّته إهلاك عدوهم قال: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وأراد جل وعزّ أنه يهلكهم ويصطلمهم ويجتاحهم على طريق العقوبة لهم؛ بما كان منهم من التكذيب بآيات الله تعالى، والردّ لحججه، والمروق عن طاعته، وبشّر من وعده بهذه الحال من المؤمنين بالوفاء
стр. 343
بها، وهو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبّارين المتكبرين، واصطلمهم فقد صرفهم عن آياته، من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها، والنظر فيها بانقطاع التكليف عنهم، وخروجهم عن صفات أهله.
وهذا الوجه يمكن أن يقال فيه: إن العقوبة لا تكون إلّا مضادّة للاستخفاف والإهانة، كما أن الثواب لا بدّ أن يكون مقترنا بالتعظيم والتبجيل والإجلال (١)؛ وإماتة الله تعالى الأمم وما يفعله من بوار وإهلاك لا يقترن إليه ما لا بدّ أن يكون مقترنا إلى العقاب من الاستخفاف، ولا يخالف ما يفعله تعالى بأوليائه على سبيل الامتحان والاختبار؛ فكيف يصح ما ذكرتموه! .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يضمّ الله تعالى إلى ما يفعله بهؤلاء الكفار المكذّبين [من الإهلاك والبوار اللعن والذم والاستخفاف] (٢)، ويأمرنا [أن نفعل ذلك بهم، فيكون/ ما يقع بهم من الإيلام على وجه العقوبة وبشروطها، ولا يمتنع أن يكون الله تعالى يتعبّد ويأمر بإهلاكهم] (٣)، وقتلهم على وجه الاستخفاف والنّكال، ويضيف الله تعالى ذلك إليه من حيث وقع بأمره وعن أذنه.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛ كأنّ فى التكبّر ما يكون بالحق!
قلنا فى هذا وجهان: أحدهما أن يكون ذلك على سبيل التأكيد والتغليظ والبيان عن أنّ التّكبر لا يكون إلا بغير الحق، وأن هذه صفة له لازمة غير مفارقة؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ؛ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ [النساء: ١٥٥]، ولم يرد تعالى إلا المعنى الّذي ذكرناه. ومثله قوله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا؛ [البقرة: ٤١]، ولم يرد النهى عن الثمن القليل دون الكثير، بل
стр. 344
أراد تأكيد القول بأن كلّ ثمن يؤخذ عنها يكون قليلا بالإضافة إليها، ويكون المتعوّض به عنها مغبونا مبخوسا خاسر الصفقة.
والوجه الآخر أنّ فى التكبر ما يكون ممدوحا لأنّ من تكبر وتنزّه عن الفواحش والدنايا وتباعد من فعلها، وتجنب أهلها يكون مستحقا للمدح، سالكا لطريق الحقّ؛ وإنما التكبّر المذموم هو الواقع على وجه النّخوة والبغى والاستطالة على ذوى الضّعف والفخر عليهم، والمباهاة لهم، ومن كان بهذه الصفة فهو مجانب للتواضع الّذي ندب الله تعالى إليه، وأرشد إلى الثواب المستحقّ عليه، ويستحق بذلك الذمّ والمقت، فلهذا شرط تعالى أن يكون التكبر
بغير الحق. وقوله تعالى فى هذه السورة: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ؛ [الأعراف: ٣٣]، يحتمل أيضا هذين الوجهين اللّذين ذكرناهما.
فإن أريد به البغى المكروه الّذي هو الظلم وما أشبهه، كان قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّ تأكيدا وإخبارا عن أن هذه صفته، وإن أريد بالبغى الطلب- وذلك هو أصله فى اللغة- كان الشرط فى موضعه؛ لأنّ الطلب قد يكون بالحقّ وبغير الحقّ.
فإن قيل فما معنى قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا/ وهل الرؤية هاهنا العلم والإدراك بالبصر؟ وهب أنها يمكن أن تكون فى قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها محمولة على رؤية البصر، لأن الآيات والأدلة مما يشاهد كيف تحمل الرؤية الثانية على العلم، وسبيل الرشد إنما هى طريقه، ولا يصحّ أن يرجع بها إلى المذاهب والاعتقادات التى لا تجوز عليها رؤية البصر، فلا بد إذا من أن يكون المراد به رؤية العلم؛ ومن علم طريق الرّشد لا يجوز أن ينصرف عنه إلى طريق الغىّ؛ لأن العقلاء لا يختارون مثل ذلك.
قلنا: الجواب عن ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون المراد بالرؤية الثانية رؤية البصر، ويكون السبيل المذكورة فى الآية هى الأدلة؛ لأنها مما يدرك بالبصر، وتسمّى بأنها سبيل إلى
стр. 345
الرشد، من حيث كانت وصلة إلى الرّشد، وذريعة إلى حصوله، ويكون سبيل الغىّ هى الشبهات والمخاريق التى ينصبها المبطلون والمدغلون فى الدين؛ ليوقعوا بها الشبهة على أهل الإيمان، وتسمّى سبيل الغىّ، وإن كان النظر فيها لا يوجب حصول الغىّ من حيث كان المعلوم ممّن تشاغل بها، واغترّ بأهلها أنه يصير إلى الغىّ.
والوجه الثانى أن يكون المراد بالرؤية العلم؛ إلا أن العلم لم يتناول كونها سبيلا للرّشد، وكونها سبيلا للغىّ؛ بل يتناولها لا من هذا الوجه؛ ألا ترى أن كثيرا من المبطلين يعلمون مذاهب أهل الحق واعتقاداتهم وحججهم؛ إلا أنهم يجهلون كونها صحيحة مفضية إلى الحق، فيجتنبونها؛ وكذلك يعلمون مذاهب المبطلين واعتقاداتهم الباطلة الفاسدة، إلا أنهم يجهلون كونها باطلة، ويعتقدون صحتها بالشبهة فيصيرون إليها؟ وعلى هذا الوجه لا يجب أن يكون تعالى وصفهم بالعناد وترك الحق مع العلم به.
والوجه الثالث أن يكونوا عالمين بسبيل الرشد والغىّ، ومميزين بينهما؛ إلا أنهم للميل إلى أعراض الدنيا، والذّهاب مع الهوى والشهوات يعدلون عن الرشد إلى الغىّ، ويجحدون ما يعلمون، كما أخبر بها عن كثير من أهل الكتاب بأنهم يجحدون الحقّ وهم يعلمونه ويستيقنونه.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ، / والتكذيب لا يكون فى الحقيقة إلا فى الأخبار دون غيرها؟
قلنا: التكذيب قد يطلق فى الأخبار وغيرها؛ ألا ترى أنهم يقولون: فلان يكذّب بكذا إذا كان يعتقد بطلانه، كما يقولون: يصدّق بكذا إذا كان يعتقد صحته؟ ولو صرفنا التكذيب هاهنا إلى أخبار الله تعالى التى تضمنتها كتبه الواردة على أيدى رسله ﵈ جاز؛ وتكون الآيات هاهنا هى الكتب المنزلة دون سائر المعجزات.
فإن قيل: فما معنى ذمّه تعالى لهم بأنهم كانوا عن الآيات غافلين، والغفلة على مذاهبكم
стр. 346
من فعله، لأنها السهو أو ما جرى مجراه مما ينافى العلوم الضرورية، ولا تكليف على الساهى فكيف يذمّ بذلك؟ .
قلنا: المراد هاهنا بالغفلة التشبيه لا الحقيقة، ووجه التشبيه أنهم لما أعرضوا عن تأمّل آيات الله تعالى، والانتفاع بها أشبهت حالهم حال من كان ساهيا غافلا عنها، فأطلق عليهم هذا القول كما قال تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ؛ [البقرة: ١٨]، على هذا المعنى، وكما يقول أحدنا لمن يستبطئه ويصفه بالإعراض عن التأمل والتبيّن: أنت ميّت وراقد، ولا تسمع، ولا تبصر، وما أشبه ذلك، وكل هذا واضح بحمد الله.
стр. 347
تأويل خبر [: «إنّ قلوب بنى آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن]
إن سأل سائل عن الخبر المروىّ عن عبد الله بن عمر أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: «إنّ قلوب بنى آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرّحمن، يصرّفها كيف شاء» (١) ثم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك: «اللهم مصرّف القلوب، صرّف (٢) قلوبنا إلى طاعتك». وعما يرويه أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما من قلب آدميّ إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الله تعالى، فإذا شاء أن يثبّته ثبّته، وإن شاء أن يقلّبه قلّبه». وعمّا يرويه ابن حوشب قال: قيل (٣) لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله:
ما كان أكثر دعاء النبىّ صلى الله عليه وآله؟ قالت: كان أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبى على دينك»، قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك (٤): «يا مقلّب القلوب، ثبّت قلبى على دينك»! فقال: «يا أمّ سلمة، ليس من آدميّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، ما شاء أقام، وما شاء أزاغ».
فقال: ما تأويل/ هذه الأخبار على ما يطابق التوحيد وينفى التشبيه؟ أوليس من مذهبكم أنّ الأخبار التى يخالف ظاهرها الأصول، ولا تطابق العقول لا يجب ردّها، والقطع على كذب رواتها (٥) إلّا بعد ألّا يكون لها فى اللغة مخرج ولا تأويل؟ وإن كان لها ذلك فباستكراه أو تعسّف، ولستم ممّن يقول ذلك فى مثل هذه الأخبار، فما تأويلها؟ .
الجواب، إنّ الّذي يعوّل عليه من تكلّم فى تأويل هذه الأخبار هو أن يقول: إن الإصبع فى كلام العرب وإن كانت الجارحة المخصوصة فهى أيضا الأثر الحسن؛ يقال: لفلان على ماله وإبله إصبع حسنة؛ أى قيام وأثر حسن؛ قال الراعى يصف راعيا حسن القيام على إبله:
стр. 348
ضعيف العصا بادى العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب النّاس إصبعا (١)
وقال طفيل الغنوىّ يصف فحلا:
كميت كركن الباب أحيا بناته ... مقاليتها واستحمشتهنّ إصبع (٢)
وقال لبيد بن ربيعة:
من يبسط الله عليه إصبعا (٣) ... بالخير والشّرّ بأىّ أولعا
يملأ له منه ذنوبا مترعا
وقال حميد بن ثور:
أغرّ كلون البدر فى كلّ منكب ... من النّاس نعمى يحتذيها وإصبع
وقال آخر:
وأرزنات ليس فيهنّ أبن ... ذو إصبع فى مسّها وذو فطن
وقال آخر:
أكرم نزارا واسقه المشعشعا ... فإنّ فيه خصلات أربعا
حدّا وجودا وندى وإصبعا (٤)
والإصبع فى كلّ ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن والنّعمة، فيكون المعنى: ما من آدميّ إلا وقلبه بين نعمتين لله جليلتين حسنتين.
فإن قيل: هذا قد ذكر كما حكيتم؛ إلّا أنه لم يفصّل: ما النعمتان؟ وما وجه التثنية هاهنا ونعم الله تعالى على عباده كثيرة لا تحصى؟
стр. 349
/ قلنا: يحتمل أن يكون الوجه فى ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة، وثناهما لأنهما كالجنسين أو كالنوعين، وإن كان كل قبيل منهما فى نفسه ذا عدد كثير؛ لأن الله تعالى قد أنعم على عباده بأن عرّفهم بأدلته وبراهينه ما أنعم به عليهم، من نعم الدنيا والآخرة، وعرّفهم ما لهم فى الاعتراف بذلك والشكر عليه والثناء به من الثواب الجزيل، والبقاء فى النعيم الطويل.
ويمكن أن يكون الوجه فى تسميتهم للأثر الحسن بالإصبع هو من حيث يشار إليه بالإصبع إعجابا به، وتنبيها عليه؛ وهذه عادتهم فى تسمية الشيء بما يقع عنده، وبما له به علقة، وقد قال قوم فى بيتى طفيل والراعى: إنهما أرادا أن يقولا «يدا» فى مكان «إصبع»؛ لأن اليد النعمة، فلم يمكنهما، فعدلا عن اليد إلى الإصبع، لأنها من اليد.
وفى الإصبع الجارحة ثمان لغات: إصبع بفتح الألف والباء، وإصبع، بفتح الألف وكسر الباء، وإصبع بضم الألف والباء، وإصبع بضم الألف وفتح الباء، وأصبوع، بضم الألف مع الواو، وإصبع، بكسر الألف والباء، وإصبع، بكسر الألف وفتح الباء، وإصبع بكسر الألف وضم الباء.
وفى هذه الأخبار وجه آخر؛ هو أوضح مما ذكر، وأشبه بمذاهب العرب فى ملاحن كلامها، وتصرّف كناياتها؛ وهو أن يكون المعنى فى ذكر الأصابع الإخبار عن تيسّر تصريف القلوب وتقليبها، والفعل فيها عليه جلّت عظمته، ودخول ذلك تحت قدرته. ألا ترى أنهم يقولون: هذا الشيء فى خنصرى وإصبعى، وفى يدى وقبضتى؛ كلّ ذلك إذا أرادوا تسهّله وتيسّره وارتفاع المشقة فيه، والمئونة (١).
وعلى هذا المعنى يتأوّل المحققون قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، [الزمر: ٦٨]؛ فكأنه صلى الله عليه وآله لما أراد المبالغة
стр. 350
فى وصفه بالقدرة على تقليب القلوب وتصريفها بغير مشقّة ولا كلفة- وإن كان غيره تعالى يعجز عن ذلك، ولا يتمكّن منه- قال: إنها بين أصابعه؛ كناية عن هذا المعنى، واختصارا للّفظ الطويل، وجريا على مذهب العرب فى إخبارهم عن مثل هذا المعنى بمثل هذا اللفظ؛ وهذا الوجه يجب أن يكون مقدّما على الوجه الأول ومعتمدا؛ لأنه واضح جلىّ.
ويمكن أن يكون فى الخبر وجه آخر على تسليم ما يقترحه المخالفون، / من أنّ الإصبعين هما المخلوقتان من اللّحم والدم؛ استظهارا فى الحجّة، وإقامة لها على كل وجه:
وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على شكل الإصبعين، يحرّكه الله تعالى بهما، ويقلّبه بالفعل فيهما؛ ويكون وجه تسميتهما بالأصابع من حيث كانا (١) على شكلهما. والوجه فى إضافتهما إلى الله تعالى- وإن كانت جميع أفعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة- أنّه (٢) لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما (٣) جاورهما غيره تعالى؛ فقيل إنهما إصبعان له؛ من حيث اختصّ بالفعل فيهما على هذا الوجه؛ لأنّ غيره إنما يقدر على تحريك القلب، وما هو مجاور للقلب من الأعضاء بتحريك جملة الجسم، ولا يقدر على تحريكه وتصريفه منفردا ممّا يجاوره غيره تعالى؛ فمن أين للمبطلين المتأوّلين هذه الأخبار بأهوائهم وضعف آرائهم أنّ الأصابع هاهنا إذا كانت لحما ودما فهى جوارح لله تعالى! وما هذا الوجه الّذي ذكرناه ببعيد؛ وعلى المتأوّل أن يورد كلّ ما يحتمله الكلام؛ ممّا لا تدفعه حجّة، وإن ترتّب بعضه على بعض فى القوة والوضوح.
ونحن نعود إلى تفسير ما لعلّه أن يشتبه من الأبيات التى استشهدنا بها.
أما قوله:
* حدّا (٤) وجودا وندى وإصبعا*
فمعنى الحدّ: المضاء والنّفاذ.
стр. 351
وقول الآخر:
* وأرزنات ليس فيهنّ أبن*
فالأرزنات العصىّ، والابن العقد.
فأما قول حميد بن ثور: «فى كل منكب من الناس»، فالمنكب: الجماعة، والمنكب:
الناحية.
وأما معنى أبيات (١) لبيد، فإنه أراد: من يسق الله إليه خيرا، أو يصرف عنه شرّا أيّهما فعل ذلك به أسبغ له حتى ينتهى منتهاه.
فأما بيت طفيل الغنوىّ، فمعناه أنّ هذا الفحل الّذي وصفه بأنه كميت، وأنه كركن الباب لتمامه وشدّته لمّا ضرب فى الإبل التى وصفها عاشت أولادها التى هى بناته بعد أن كنّ مقاليت، والمقاليت: التى لا يعيش لهنّ ولد، فكان هذا منه أثرا جميلا عليها.
فأما بيت الراعى فمعنى قوله: «ضعيف العصا» يريد أنّه قليل الضّرب لها؛ إما لأنّهن لا يحوجنه سدادا وتأدبا، أو لشفقته عليهن؛ وهذه كناية فى نهاية الحسن، واختصار شديد؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ضعيف العصا على الحقيقة من حيث لا يحتاج إلى استعمالها/ فى الضرب، فيختارها قوية، ويجوز أن يكون حذف، وأراد ضعيف فعل العصا.
وقوله: «بادى العروق» يعنى عروق رجله لفسادها من السعى فى أثر هذه الإبل. وأراد «بالإصبع» أنّ له عليها فى جدب الناس أثرا جميلا لحسن قيامه وتعهده.
وقد قيل إنه إنما سمّى الراعى لبيت قاله فى هذه القصيدة بعد بيتين من البيت الّذي أنشدناه، وهو:
لها أمرها حتّى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا (٢)
стр. 352
وهذا قول الأصمعىّ. وقال السّكّريّ: سمّى بذلك لقوله فى هذه القصيدة أيضا:
هدان أخو وطب وصاحب علبة ... يرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا (١)
وروى عن بعض بنى نمير أنه قال: إنما سمّى بذلك لقوله:
بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا (٢)
فقال بعض بنى نمير لمّا سمع هذا البيت: والله ما هو إلّا راعى إبل، فبقيت عليه.
وقال محمد بن سلّام: إنما (٣) سمّى الراعى لكثرة وصفه الإبل وحسن نعته لها؛ واسمه عبيد ابن حصين بن جندل، وكنيته أبو جندل، وقيل أبو نوح.
стр. 353
٢٣ مجلس آخر [المجلس الثالث والعشرون: ]
تأويل آية [: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ؛ [المائدة: ١١٦].
فقال: ما المراد بالنفس فى هذه الآية؟ وهل المعنى فيها كالمعنى فى قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛ [آل عمران: ٢٨] أو يخالفه؟ وهل يطابق معنى الآيتين والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: قال الله تعالى: «إذا أحبّ العبد لقائى أحببت لقاءه، وإذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإذا ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه، وإذا تقرّب إلى شبرا تقرّبت إليه ذراعا، وإذا تقرّب إلى ذراعا تقربت إليه باعا»، أو لا يطابقه؟
الجواب، قلنا: النفس فى اللغة لها معان مختلفة، ووجوه فى التصرّف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهى التى إذا فقدها خرج عن كونه حيّا، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ؛ [آل عمران: ١٨٥].
والنّفس ذات الشيء الّذي يخبر/ عنه كقولهم: فعل ذلك فلان نفسه؛ إذا تولّى فعله.
والنفس: الأنفة، من قولهم ليس لفلان نفس، أى لا أنفة له.
والنفس الإرادة، من قولهم نفس فلان فى كذا، أى إرادته؛ قال الشاعر:
فنفساى نفس قالت ايت ابن بحدل ... تجد فرجا من كلّ غمّى تهابها (١)
ونفس تقول اجهد نجاءك لا تكن ... كخاضبة لم يغن شيئا خضابها (٢)
стр. 354
ومنه أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، لم أحجج قطّ، فنفس تقول لى: حجّ، ونفس تقول لى: تزوّج، فقال الحسن: إنّما النفس واحدة، ولكن لك همّ يقول حجّ، وهمّ يقول: تزوّج، وأمره بالحج.
وقال الممزّق (١) العبدىّ- وتروى لمعقّر بن حمار البارقىّ:
ألا من لعين قد نآها حميمها ... وأرّقنى بعد المنام همومها
فباتت لها نفسان شتّى همومها ... فنفس تعزّيها ونفس تلومها
وقال النّمر بن تولب العكلىّ:
أمّا خليلى فإنى لست معجله ... حتى يؤامر نفسيه كما زعما
نفس له من نفوس القوم صالحة ... تعطى الجزيل ونفس ترضع الغنما (٢)
أراد أنّه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكنّى برضاع الغنم عن البخل، لأنّ اللّئيم يرضع اللبن من الشّاة ولا يحلبها؛ لئلا يسمع الضيف صوت الشّخب فيهتدى إليه، ومنه قيل: لئيم راضع؛ وقال كثيّر:
فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة ... من اليأس ما ينفكّ همّ يعودها (٣)
ونفس ترجّى وصلها بعد صرمها ... تجمّل كى يزداد غيظا حسودها
والنفس العين التى تصيب الإنسان، يقال: أصابت فلانا نفس، أى عين. وروى
стр. 355
أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرقى فيقول: «بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كلّ داء هو فيك؛ من عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد».
وقال ابن الأعرابىّ: النّفوس الّذي يصيب الناس بالعين/. وذكر رجلا فقال: كان والله حسودا نفوسا كذوبا. وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات (١):
يتّقى أهلها النّفوس عليها ... فعلى نحرها الرّقى والتّميم
وقال مضرّس بن ربعىّ الفقعسيّ:
وإذا نموا صعدا فليس عليهم ... منّا الخبال ولا نفوس الحسّد (٢)
وقال ابن هرمة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك:
فاسلم سلمت من المكاره والرّدى ... وعثارها ووقيت نفس الحسّد
والنفس أيضا من الدّباغ بمقدار الدّبغة؛ تقول: اعطنى نفسا من دباغ، أى قدر ما أدبغ به مرة.
والنفس الغيب، يقول القائل: إنّى لأعلم نفس فلان، أى غيبه؛ وعلى هذا تأويل قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، أى تعلم غيبى وما عندى، ولا أعلم غيبك.
وقيل: إنّ النفس أيضا العقوبة، من قولهم: أحذّرك نفسى؛ أى عقوبتى؛ وبعض المفسّرين حمل قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ على هذا المعنى؛ كأنه يحذّركم عقوبته.
وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرون؛ قالوا: معنى الآية ويحذركم الله إياه. وقد روى عن الحسن ومجاهد فى قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ما ذكرناه من التأويل بعينه.