← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقول الآخر: * وأرزنات ليس فيهنّ أبن* فالأرزنات العصىّ، والابن العقد. فأما قول حميد بن ثور: «فى كل منكب من الناس»، فالمنكب: الجماعة، والمنكب: الناحية. وأما معنى أبيات (١) لبيد، فإنه أراد: من يسق الله إليه خيرا، أو يصرف عنه شرّا أيّهما فعل ذلك به أسبغ له حتى ينتهى منتهاه. فأما بيت طفيل الغنوىّ، فمعناه أنّ هذا الفحل الّذي وصفه بأنه كميت، وأنه كركن الباب لتمامه وشدّته لمّا ضرب فى الإبل التى وصفها عاشت أولادها التى هى بناته بعد أن كنّ مقاليت، والمقاليت: التى لا يعيش لهنّ ولد، فكان هذا منه أثرا جميلا عليها. فأما بيت الراعى فمعنى قوله: «ضعيف العصا» يريد أنّه قليل الضّرب لها؛ إما لأنّهن لا يحوجنه سدادا وتأدبا، أو لشفقته عليهن؛ وهذه كناية فى نهاية الحسن، واختصار شديد؛ لأنّه قد يجوز أن يكون ضعيف العصا على الحقيقة من حيث لا يحتاج إلى استعمالها/ فى الضرب، فيختارها قوية، ويجوز أن يكون حذف، وأراد ضعيف فعل العصا. وقوله: «بادى العروق» يعنى عروق رجله لفسادها من السعى فى أثر هذه الإبل. وأراد «بالإصبع» أنّ له عليها فى جدب الناس أثرا جميلا لحسن قيامه وتعهده. وقد قيل إنه إنما سمّى الراعى لبيت قاله فى هذه القصيدة بعد بيتين من البيت الّذي أنشدناه، وهو: لها أمرها حتّى إذا ما تبوّأت ... بأخفافها مأوى تبوّأ مضجعا (٢)

стр. 352

وهذا قول الأصمعىّ. وقال السّكّريّ: سمّى بذلك لقوله فى هذه القصيدة أيضا: هدان أخو وطب وصاحب علبة ... يرى المجد أن يلقى خلاء ومرتعا (١) وروى عن بعض بنى نمير أنه قال: إنما سمّى بذلك لقوله: بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا (٢) فقال بعض بنى نمير لمّا سمع هذا البيت: والله ما هو إلّا راعى إبل، فبقيت عليه. وقال محمد بن سلّام: إنما (٣) سمّى الراعى لكثرة وصفه الإبل وحسن نعته لها؛ واسمه عبيد ابن حصين بن جندل، وكنيته أبو جندل، وقيل أبو نوح.

стр. 353

٢٣ مجلس آخر [المجلس الثالث والعشرون: ] تأويل آية [: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ؛ [المائدة: ١١٦]. فقال: ما المراد بالنفس فى هذه الآية؟ وهل المعنى فيها كالمعنى فى قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ؛ [آل عمران: ٢٨] أو يخالفه؟ وهل يطابق معنى الآيتين والمراد بالنفس فيهما ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: قال الله تعالى: «إذا أحبّ العبد لقائى أحببت لقاءه، وإذا ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، وإذا ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه، وإذا تقرّب إلى شبرا تقرّبت إليه ذراعا، وإذا تقرّب إلى ذراعا تقربت إليه باعا»، أو لا يطابقه؟ الجواب، قلنا: النفس فى اللغة لها معان مختلفة، ووجوه فى التصرّف متباينة؛ فالنفس نفس الإنسان وغيره من الحيوان، وهى التى إذا فقدها خرج عن كونه حيّا، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ؛ [آل عمران: ١٨٥]. والنّفس ذات الشيء الّذي يخبر/ عنه كقولهم: فعل ذلك فلان نفسه؛ إذا تولّى فعله. والنفس: الأنفة، من قولهم ليس لفلان نفس، أى لا أنفة له. والنفس الإرادة، من قولهم نفس فلان فى كذا، أى إرادته؛ قال الشاعر: فنفساى نفس قالت ايت ابن بحدل ... تجد فرجا من كلّ غمّى تهابها (١) ونفس تقول اجهد نجاءك لا تكن ... كخاضبة لم يغن شيئا خضابها (٢)

стр. 354

ومنه أن رجلا قال للحسن: يا أبا سعيد، لم أحجج قطّ، فنفس تقول لى: حجّ، ونفس تقول لى: تزوّج، فقال الحسن: إنّما النفس واحدة، ولكن لك همّ يقول حجّ، وهمّ يقول: تزوّج، وأمره بالحج. وقال الممزّق (١) العبدىّ- وتروى لمعقّر بن حمار البارقىّ: ألا من لعين قد نآها حميمها ... وأرّقنى بعد المنام همومها فباتت لها نفسان شتّى همومها ... فنفس تعزّيها ونفس تلومها وقال النّمر بن تولب العكلىّ: أمّا خليلى فإنى لست معجله ... حتى يؤامر نفسيه كما زعما نفس له من نفوس القوم صالحة ... تعطى الجزيل ونفس ترضع الغنما (٢) أراد أنّه بين نفسين: نفس تأمره بالجود، وأخرى تأمره بالبخل، وكنّى برضاع الغنم عن البخل، لأنّ اللّئيم يرضع اللبن من الشّاة ولا يحلبها؛ لئلا يسمع الضيف صوت الشّخب فيهتدى إليه، ومنه قيل: لئيم راضع؛ وقال كثيّر: فأصبحت ذا نفسين نفس مريضة ... من اليأس ما ينفكّ همّ يعودها (٣) ونفس ترجّى وصلها بعد صرمها ... تجمّل كى يزداد غيظا حسودها والنفس العين التى تصيب الإنسان، يقال: أصابت فلانا نفس، أى عين. وروى

стр. 355

أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يرقى فيقول: «بسم الله أرقيك، والله يشفيك، من كلّ داء هو فيك؛ من عين عائن، ونفس نافس، وحسد حاسد». وقال ابن الأعرابىّ: النّفوس الّذي يصيب الناس بالعين/. وذكر رجلا فقال: كان والله حسودا نفوسا كذوبا. وقال عبيد الله بن قيس الرّقيّات (١): يتّقى أهلها النّفوس عليها ... فعلى نحرها الرّقى والتّميم وقال مضرّس بن ربعىّ الفقعسيّ: وإذا نموا صعدا فليس عليهم ... منّا الخبال ولا نفوس الحسّد (٢) وقال ابن هرمة يمدح عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك: فاسلم سلمت من المكاره والرّدى ... وعثارها ووقيت نفس الحسّد والنفس أيضا من الدّباغ بمقدار الدّبغة؛ تقول: اعطنى نفسا من دباغ، أى قدر ما أدبغ به مرة. والنفس الغيب، يقول القائل: إنّى لأعلم نفس فلان، أى غيبه؛ وعلى هذا تأويل قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ، أى تعلم غيبى وما عندى، ولا أعلم غيبك. وقيل: إنّ النفس أيضا العقوبة، من قولهم: أحذّرك نفسى؛ أى عقوبتى؛ وبعض المفسّرين حمل قوله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ على هذا المعنى؛ كأنه يحذّركم عقوبته. وروى ذلك عن ابن عباس والحسن وآخرون؛ قالوا: معنى الآية ويحذركم الله إياه. وقد روى عن الحسن ومجاهد فى قوله تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ما ذكرناه من التأويل بعينه.

стр. 356

فإن قيل: ما وجه تسمية الغيب بأنه نفس؟ قلنا: لا يمتنع أن يكون الوجه فى ذلك أنّ نفس الإنسان لما كانت خفيّة الموضع نزّل ما يكتمه ويجتهد فى ستره منزلتها، وسمّى باسمها، فقيل فيه إنه نفسه، مبالغة فى وصفه بالكتمان والخفاء؛ وإنما حسن أن يقول تعالى مخبرا عن نبيه: وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ من حيث تقدم قوله: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي؛ ليزدوج الكلام، ولهذا لا يحسن ابتداء أن يقول: أنا لا أعلم ما فى نفس الله تعالى، وإن حسن على الوجه الأول؛ ولهذا نظائر فى الاستعمال مشهورة مذكورة. فأما الخبر الّذي ذكره السائل فتأويله ظاهر، وهو خارج على مذهب للعرب فى مثل هذا الباب معروف؛ ومعناه أنّ من ذكرنى فى نفسه جازيته على ذكره لى، وإذا تقرّب إلى شبرا جازيته على تقرّبه إلى؛ وكذلك الخبر إلى آخره، / فسمّى المجازاة على الشيء باسمه اتساعا، كما قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، [الشورى: ٤٠]؛ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ؛ [الأنفال: ٤٠]، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، [البقرة: ١٥]؛ وكما قال الشاعر (١): ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ونظائر هذا كثيرة فى كلام العرب. ولما أراد تعالى المبالغة فى وصف ما يفعله به من الثواب والمجازاة على تقرّبه بالكثرة والزيادة؛ كنّى عن ذلك بذكر المسافة المتضاعفة فقال: «باعا وذراعا»، إشارة إلى المعنى من أبلغ الوجوه وأحسنها.

стр. 357

٢٤ مجلس آخر [المجلس الرابع والعشرون: ] تأويل آية [: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ... ] إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا؛ [الأحزاب: ١٠]. وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء، ومعلوم أنّ القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه؟ وعن أىّ شيء زاغت الأبصار؟ وبأىّ شيء تعلّقت ظنونهم بالله تعالى؟ . الجواب، قيل له فى هذه الآية وجوه: منها أن يكون المراد بذلك أنهم جبنوا وفزع أكثرهم لمّا أشرف المشركون عليهم، وخافوا من بوائقهم وبوادرهم، ومن شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، ولهذا يقولون للجبان: انتفخ سحره، أى رئته، وليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب، ونهضت به إلى نحو الحنجرة. وهذا التأويل قد ذكره الفرّاء وغيره، ورواه الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عباس. ومنها أنّ القلوب توصف بالوجيب والاضطراب فى أحوال الجزع والهلع؛ قال الشاعر: كأنّ قلوب أدلّائها ... معلقة بقرون الظّباء (١)

стр. 358

وقال امرؤ القيس: ولا مثل يوم فى قداران ظلته ... كأنى وأصحابى على قرن أعفرا (١) ويروى: «فى قدار ظللته»؛ أراد المبالغة فى وصف نفسه وأصحابه بالقلق والاضطراب ومفارقة/ السّكون والاستقرار؛ وإنما خصّ الظّبى؛ لأن قرنه أكثر تحركا واضطرابا؛ لنشاطه ومرحه وسرعته. وقد قال بعض الناس: إن امرأ القيس لم يصف شدّة أصابته فى هذا البيت فيليق قوله: «على قرن أعفرا» بالتأويل المذكور؛ بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعما؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت بلا فصل: ألا ربّ يوم صالح قد شهدته ... بتاذف ذات التلّ من فوق طرطرا (٢) فيكون معنى قوله: «على قرن اعفرا» على هذا الوجه أنه كان على مكان عال مشرف؛ شبّهه لارتفاعه وطوله بقرن الظبى؛ وهذا القول لابن الأعرابىّ والأول (٣) للأصمعىّ؛ فأما قول الآخر: ألا قلّ خير الشّام (٤) كيف تغيّرا ... فأصبح يرمى النّاس عن قرن أعفرا فلا يحتمل إلّا الشدة والحال المذمومة، ويجوز أن يريد أن الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون؛ كأنهم على قرن ظبى، ويحتمل أنه يريد أن يطعنهم بقرن ظبى، كقولك: رماه بداهية، ويكون معنى «عن» هاهنا معنى الباء، فقال: «عن قرن أعفرا» وهو يريد بقرن أعفرا، وقد ذكر فى هذا البيت الوجهان معا، فيكون معنى الآية على هذا التأويل أن القلوب لما اتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر لشدة القلق.

стр. 359

ومنها أن يكون المعنى: كادت القلوب من شدة الرّعب والخوف تبلغ الحناجر، وإن لم تبلغ فى الحقيقة، فألغى ذكر «كادت» لوضوح الأمر فيها، ولفظة «كادت» هاهنا للمقاربة؛ مثل قول قيس بن الخطيم: أتعرف رسما كاطّراد المذاهب ... لعمرة وحشا غير موقف راكب (١) ديار الّتي كادت ونحن على منى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب معناه: قاربت أن تحلّ بنا، وإن لم تحلل فى الحقيقة. وقوله: «غير موقف راكب» فيه وجهان: أحدهما أنه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوّه من الناس ووحشته، والآخر أن يكون أراد أنّه وحش؛ إلّا أن راكبا واقف به؛ يعنى نفسه. وقال نصيب: / وقد كدت يوم الحزن لما ترنّمت ... هتوف الضّحى محزونة بالترنّم أموت لمبكاها أسى إنّ لوعتى (٢) ... ووجدى بسعدى شجوه غير منجم (٣) معنى المنجم: المقلع. وقال ذو الرّمة: وقفت على ربع لميّة ناقتى ... فما زلت أبكى عنده وأخاطبه (٤) وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه (٥) ... تكلّمنى أحجاره وملاعبه

стр. 360

وكل هذا معنى «كاد» فيه المقاربة. ومتى أدخلت العرب على «كاد» جحدا، فقالوا: ما كاد عبد الله يقوم، ولم يكد عبد الله يقوم؛ كان فيه وجهان: أجودهما: قام عبد الله بعد إبطاء ولأى، ومثله قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ؛ [البقرة: ٧١]، أى ذبحوها بعد إبطاء وتأخير، لأنّ وجدان البقرة عسر عليهم. وروى أنهم أصابوها ليتيم لا مال له غيرها، فاشتروها من وليّه بملء جلدها ذهبا، فقال تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، إما لأنهم لم يقفوا عليها، أو لغلائها وكثرة ثمنها. والوجه الآخر فى قولهم: ما يكاد عبد الله يقوم، أى ما يقوم عبد الله، وتكون لفظة يكاد على هذا المعنى مطّرحة لا حكم لها، وعلى هذا يحمل أكثر المفسرين قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، أى لم يرها أصلا؛ لأنه جل وعز لما قال: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ [النور: ٤٠]، كأنّ بعض هذه الظلمات يحول بين العين وبين النظر إلى اليد وسائر المناظر؛ ف يَكَدْ على هذا التأويل زيدت للتوكيد، والمعنى: إذا أخرج يده لم يرها. وقال قوم: معنى الآية: إذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وعسر؛ لتكاثف الظلمة (١)، وترادف الموانع من الرؤية؛ ف يَكَدْ على هذا الجواب ليست بزائدة. وقال آخرون: معنى الآية إذا أخرج يده لم يرد أن يراها، لأن الّذي شاهده من تكاثف الظلمات أيأسه (٢) من تأمل يده، وقرّر فى نفسه أنه لا يدركها ببصره. وحكى عن العرب: أولئك أصحابى الذين أكاد أنزل عليهم، أى أريد أن أنزل عليهم؛ قال الشاعر: كادت وكدت وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى (٣) / أى أرادت وأردت، وقال الأفوه الأودىّ (٤):

стр. 361

فإن تجمّع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا أى أرادوا. وقال بعضهم: معنى قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ؛ [يوسف: ٧٦]، أى أردنا ليوسف. وقال الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عباس: معناه كذلك صنعنا ليوسف. ومما يشهد لمن جعل لفظة يَكَدْ زائدة فى الآية قول الشاعر: سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما إن يكاد قرنه يتنفّس أى فما إن يتنفس قرنه، و «يكاد» مزيدة للتوكيد، وقال حسان: وتكاد تكسل أن تجئ فراشها ... فى جسم خرعبة وحسن قوام معناه وتكسل أن تجئ فراشها، وقال الآخر: وألّا ألوم النّفس فيما أصابنى ... وألّا أكاد بالذى نلت أنجح أى لا أنجح بالذى نلت؛ ولو لم يكن الأمر على هذا لم يكن البيت مدحا. وروى عبد الصمد بن المعذّل بن غيلان عن أبيه عن جدّه غيلان (١) قال: قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فأنشدنا بالكناسة- وهو على راحلته- قصيدته الحائية؛ التى يقول فيها: إذا غيّر النّأى المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح (٢) فقال له عبد الله بن شبرمة (٣): قد برح يا ذا الرّمة، ففكّر ساعة ثم قال: إذ غيّر النّأى المحبّين لم أجد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح قال: فأخبرت أبى بما كان من قول ذى الرّمة واعتراض ابن شبرمة عليه، فقال:

стр. 362

أخطأ ذو الرّمة فى رجوعه عن قوله الأوّل، وأخطأ ابن شبرمة فى اعتراضه عليه؛ هذا كقوله : إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، أى لم يرها. فأما قوله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها؛ [طه: - ١٥]، فيحتمل أن يكون المعنى: أريد أخفيها لكى تجزى كلّ نفس بما تسعى. ويجوز أن تكون زائدة ويكون/ المعنى إنّ الساعة آتية أخفيها لتجزى كلّ نفس. وقد قيل فيه وجه آخر؛ وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى: آتِيَةٌ أَكادُ، ويكون المعنى: أكاد آتى بها، ويقع الابتداء بقوله أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ؛ ومما يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجمىّ: هممت ولم أفعل وكدت وليتنى ... تركت على عثمان تبكى حلائله (١) أراد: وكدت أقتله، فحذف الفعل لبيان معناه. وروى عن سعيد بن جبير أنّه كان يقرأ: أَكادُ أُخْفِيها، فمعنى أخفيها على هذا الوجه أظهرها؛ قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا: يخفى التّراب بأظلاف ثمانية ... فى أربع مسّهنّ الأرض تحليل (٢) أراد أنه يظهر التراب ويستخرجه بأظلافه، وقال امرؤ القيس: فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد (٣) أى لا نظهره؛ وقال النابغة: تخفى بأظلافها حتّى إذا بلغت ... يبس الكثيب تداعى التّرب فانهدما (٤)

стр. 363

وقد روى أهل العربية: أخفيت الشيء يعنى (١) سترته، وأخفيته بمعنى أظهرته، وكأنّ القراءة بالضم تحتمل الأمرين: الإظهار والستر، والقراءة بالفتح لا تحتمل غير الإظهار؛ وإذا كانت بمعنى الإظهار كان الكلام فى «كاد» واحتمالها للوجوه الثلاثة التى ذكرناها كالكلام فيها إذا كانت بمعنى الستر والتغطية. فإن قيل: فأىّ معنى لقوله: إنى أسترها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، أو أظهرها على الوجهين جميعا؟ وأى فائدة فى ذلك؟ قلنا: الوجه فى هذا ظاهر، لأنه تعالى إذا ستر عنّا وقت الساعة كانت دواعينا إلى فعل الحسن والقبيح مترددة، وإذا عرّفنا وقتها بعينه كنا ملجئين إلى التوبة، بعد مقارفة الذنوب ونقض ذلك الغرض بالتكليف واستحقاق الثواب به، فصار ما أريد من المجازاة للمكلّفين بسعيهم، وإيصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم. فأما إذا كانت لفظة أُخْفِيها بمعنى الإظهار فوجهه أيضا واضح؛ لأنه تعالى إنما يقيم القيامة، ويقطع التكليف ليجازى كلّا باستحقاقه، ويوفّى مستحقّ الثواب ثوابه، ويعاقب المسيء باستحقاقه، فوضح وجه قوله تعالى: أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى على المعنيين جميعا. قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أطال الله بقاءه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على جواب من أجاب فى قوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ بأنّ معناه كادت تبلغ الحناجر، ويقول: «كاد» لا تضمر، ولا بدّ من أن يكون منطوقا بها، ولو جاز ضميرها لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله؛ لأن معنى كاد عبد الله يقوم لم يقم، وهذا الّذي ذكره غير صحيح. ونظنّ أن الّذي حمله على الطّعن فى هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة، لأنّ من شأنه أن يردّ كل ما يأتى به ابن

стр. 364

قتيبة، وإن تعسّف فى الطعن عليه. والّذي استبعده غير بعيد؛ لأنّ «كاد» قد تضمر فى مواضع يقتضيها بعض الكلام وإن لم تكن فى صريحه؛ ألا ترى أنهم يقولون: أوردت على فلان من العتاب والتوبيخ والتقريع ما مات عنده، وخرجت نفسه، ولما رأى فلان فلانا لم يبق فيه روح، وما أشبه ذلك. ومعنى جميع ما ذكرناه المقاربة، ولا بد من إضمار «كاد» فيه، وقال جرير: إنّ العيون التى فى طرفها مرض ... قتلنا ثمّ لم يحيين قتلانا (١) وإنما المعنى أنهن كدن يقتلننا؛ وهذا أكثر فى الشعر والكلام من أن نذكره. فأما قوله: «يحيين قتلانا» فالأظهر فى معناه أنهن لم يزلن ما قاربنا عنده الموت والقتل من الصدود والهجر وما أشبه ذلك، وسمّى هذه الأمور حياة كما سمى أضدادها قتلا، وقد قيل إن معنى «يحيين قتلانا» أنهن لم يدين قتلانا، من الدّية، لأنّ دية القتيل عند العرب كالحياة له، وقد روى: «ثم لم يجنن قتلانا»، وهذه رواية شاذة لم تسمع من عالم ولا محصّل ومعناها ركيك ضعيف؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال: قام فلان بمعنى كاد يقوم، إذا دلّت الحال على ذلك؛ كما يقال: مات بمعنى كاد يموت. فأما قوله: «فيكون تأويل قوله: قام عبد الله، لم يقم عبد الله» فخطأ؛ لأنه ليس معنى كاد يقوم إنه لم يقم/ كما ظنّ بل معنا. أنه قارب القيام ودنا منه، فمن قال: قام عبد الله وأراد كاد يقوم؛ فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.

стр. 365

وأما قوله تعالى: زاغَتِ الْأَبْصارُ فمعناه زاغت عن النظر إلى كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها، ويجوز أن يكون المراد ب زاغَتِ، أى جارت (١) ومالت عن القصد فى النظر دهشا وتحيرا. فأما قوله تعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، معناه أنكم تظنون مرة أنكم تنصرون وتظهرون على عدوّكم، ومرة أنكم تبتلون وتمتحنون بالتخلية بينكم وبينهم. ويجوز أيضا أن يريد الله تعالى أن ظنونكم اختلفت، فظنّ المنافقون منكم خلاف ما وعدكم الله تعالى به من النصر، وشكّوا فى خبره كما قال تعالى حكاية عنهم: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً، فظنّ المؤمنون ما طابق وعد الله تعالى لهم كما حكى عنهم فى قوله: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وكل ما ذكرناه واضح فى تأويل الآية وما تعلّق بها.

стр. 366

٢٥ مجلس آخر [المجلس الخامس والعشرون: ] تأويل آية [: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً؛ [النبأ: ٩]. فقال: إذا كان السّبات هو النوم؛ فكأنه قال: وجعلنا نومكم نوما، وهذا مما لا فائدة فيه. الجواب، قيل له فى هذه الآية وجوه: منها أن يكون المراد بالسّبات الراحة والدّعة، وقد قال قوم: إنّ اجتماع الخلق كان فى يوم الجمعة، والفراغ منه فى يوم السبت، فسمّى اليوم بالسبت للفراغ الّذي كان فيه؛ ولأن الله تعالى أمر بنى إسرائيل فيه بالاستراحة من الأعمال؛ قيل: وأصل السّبات التمدّد؛ يقال: سبتت المرأة شعرها إذا حلّته من العقص وأرسلته، قال الشاعر: وإن سبتته مال جثلا كأنّه ... سدى واهلات من نواسج خثعما (١) أراد: إن أرسلته. ومنها أن يكون المراد بذلك القطع؛ لأن السبت القطع، والسبت أيضا الحلق؛ يقال: سبت شعره سبتا إذا حلقه، وهو يرجع إلى معنى القطع، والنعال السّبتيّة التى لا شعر عليها؛ قال عنترة: بطل كأنّ ثيابه فى سرحة، ... يحذى نعال السّبت، ليس بتوأم (٢)

стр. 367

/ ويقال لكل أرض مرتفعة منقطعة ممّا حولها: سبتاء، وجمعها سباتى، فيكون المعنى على هذا الجواب: جعلنا نومكم سباتا، أى قطعا لأعمالكم وتصرّفكم. ومن أجاب بهذا الجواب يقول: إنما سمّى يوم السبت بذلك لأنّ بدء الخلق كان يوم الأحد؛ وجمع يوم الجمعة، وقطع يوم السبت، فترجع التسمية إلى معنى القطع. وقد اختلف الناس فى ابتداء الخلق فقال أهل التوراة: إنّ الله تعالى ابتدأه فى يوم الأحد، فكان الخلق فى يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، ثم فرغ فى يوم السبت؛ وهذا قول أهل التوراة. وقال آخرون: إن الابتداء كان فى يوم الاثنين إلى السبت، وفرغ فى يوم الأحد؛ وهذا قول أهل الإنجيل. فأما قول أهل الإسلام فهو أن ابتداء الخلق كان فى يوم السبت، واتصل إلى الخميس، وجعلت الجمعة عيدا؛ فعلى هذا القول الأخير يمكن أن يسمّى اليوم بالسبت، من حيث قطع فيه بعض خلق الأرض، فقد روى أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: «إن الله تعالى خلق التّربة (١) فى يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد». ومنها أن يكون المراد بذلك أنّا جعلنا نومكم سباتا ليس بموت؛ لأن النائم قد يفقد من علومه وقصوده وأحواله أشياء كثيرة يفقدها الميت؛ فأراد تعالى أن يمتنّ علينا بأن جعل نومنا الّذي تضاهى فيه بعض أحوالنا أحوال الميت ليس بموت على الحقيقة، ولا بمخرج لنا عن الحياة والإدراك؛ فجعل التأكيد بذكر المصدر قائما مقام نفى الموت، وسادّا مسدّ قوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ ليس بموت. ويمكن أن يكون فى الآية وجه آخر لم يذكر فيها، وهو أن السّبات ليس هو كلّ نوم، وإنما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه، والسّبات هو النوم الممتد الطويل

стр. 368

السكون (١)، ولهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم إنه مسبوت، وبه سبات؛ ولا يقال ذلك فى كلّ نائم، وإذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً مجرى أن يقول: وجعلنا نومكم نوما. والوجه فى الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلا- ظاهر، وهو لما فى ذلك لنا من المنفعة والراحة؛ لأن التهويم والنوم الغرار لا يكسبان (٢) شيئا من الراحة؛ بل يصحبهما فى الأكثر القلق والانزعاج، والهموم/ هى التى تقلّل النوم وتنزّره، وفراغ القلب ورخاء البال يكون معهما غزارة النوم وامتداده؛ وهذا واضح. قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أدام الله علوّه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على الجواب الّذي ذكرناه أوّلا، ويقول: إن ابن قتيبة أخطأ فى اعتماده؛ لأنّ الراحة لا يقال لها: سبات، ولا يقال: سبت (٣) الرجل بمعنى استراح وأراح، ويعتمد على الجواب الّذي ثنّينا بذكره، ويقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها: إن معناه أيضا القطع، لأن ذلك إنما يكون بإزالة الشّداد الّذي كان مجموعا به وقطعه. والمقدار الّذي ذكره ابن الأنبارىّ لا يقدح فى جواب ابن قتيبة؛ لأنه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة والدّعة إذا كانتا عن نوم، وإن لم توصف كل راحة بأنها سبات، ويكون هذا الاسم يخصّ (٤) الراحة إذا كانت على هذا الوجه؛ ولهذا نظائر كثيرة فى الأسماء، وإذا أمكن ذلك لم يكن فى امتناع قولهم: سبت الرجل بمعنى استراح فى كل موضع دلالة على أنّ السّبات لا يكون اسما للراحة عند النوم؛ والّذي يبقى على ابن قتيبة أن يبيّن أن السبات هو الراحة والدّعة، ويستشهد على ذلك بشعر أو لغة، فإن البيت الّذي ذكره يمكن أن يكون المراد به القطع دون التمدّد والاسترسال.

стр. 369

فإن قيل: فما الفرق بين جواب ابن قتيبة وجوابكم الّذي ذكرتموه أخيرا؟ قلنا: الفرق بينهما بيّن، لأنّ ابن قتيبة جعل السّبات نفسه راحة، وجعله عبارة عنها، وأخذ يستشهد على ذلك بالتمدّد وغيره، ونحن جعلنا السّبات من صفات النوم، والراحة واقعة عنده للامتداد وطول السكون فيه؛ فلا يلزمنا أن يقال: سبت الرجل بمعنى استراح؛ لأنّ الشيء لا يسمّى بما يقع عنده حقيقة، والاستراحة تقع على جوابنا عند السّبات (١)، وليس السبات إياها بعينها؛ على أن فى الجواب الّذي اختاره ابن الأنبارىّ ضربا من الكلام؛ لأن السّبت وإن كان القطع على ذكره فلم يسمع فيه البناء الّذي ذكره وهو السّبات، ويحتاج فى إثبات مثل هذا البناء إلى سمع (٢) عن أهل اللغة، وقد كان يجب أن يورد من أى وجه؛ إذا كان السبت هو القطع جاز أن يقال سبات على هذا المعنى؛ ولم نره فعل/ ذلك. تأويل خبر [«إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحىّ عليه»: ] إن قال قائل: ما تأويل الخبر الّذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله: «إنّ الميت ليعذّب ببكاء الحىّ عليه»، وفى رواية أخرى: «إن الميت يعذّب فى قبره بالنّياحة عليه»، وقد روى هذا المعنى المغيرة بن شعبة أيضا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: «من نيح عليه فإنّه يعذّب بما نيح عليه». الجواب، إنّا إذا كنا قد علمنا بأدلة العقل التى لا يدخلها الاحتمال ولا الاتساع والمجاز قبح مؤاخذة أحد يذنب غيره، وعلمنا أيضا ذلك بأدلة السمع مثل قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؛ [الأنعام: ١٦٤]، فلا بدّ أن نصرف ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة إلى ما يطابقها. والمعنى فى الأخبار التى سئلنا عنها- إن صحّت روايتها- أنه إذا أوصى موص بأن يناح

стр. 370

عليه ففعل ذلك بأمره وعن إذنه فإنّه يعذّب بالنياحة عليه؛ وليس معنى يعذّب بها أنه يؤاخذ بفعل النّواح، وإنما معناه أن يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها، وإنما قال صلى الله عليه وآله ذلك لأنّ الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح فيأمرون به، ويؤكدون الوصية بفعله وهذا مشهور عنهم؛ قال طرفة بن العبد: فإن متّ فانعينى بما أنا أهله ... وشقّى عليّ الجيب يا أمّ معبد (١) وقال بشر بن أبى خازم لابنته عميرة (٢): فمن يك سائلا عن بيت بشر ... فإنّ له بجنب الرّدة بابا (٣) ثوى فى ملحد لا بدّ منه ... كفى بالموت نأيا واغترابا (٤) رهين بلى وكلّ فتى سيبلى ... فأذرى الدّمع وانتجى انتحابا وقد روى عن ابن عباس فى هذا الخبر أنه قال: وهل (٥) ابن عمر، إنما مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله على يهودىّ فقال: «إنّكم لتبكون عليه، وإنه ليعذّب فى قبره». وقد روى إنكار هذا الخبر أيضا عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله، وأنها قالت لما أخبرت بروايته: وهل أبو عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر، إنما قال ﵇: «إن أهل الميت ليبكون عليه، وإنه ليعذب بجرمه» /

стр. 371

قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: معنى «وهل» أى ذهب وهمه إلى غير الصواب، يقال وهلت إلى الشيء فأنا أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه، ووهلت عنه أهل وهلا، أى نسيته وغلطت فيه، ووهل الرجل يوهل وهلا إذا فزع، والوهل: الفزع. فأما «القليب» فهى البئر، والجمع القلب، قال حسان بن ثابت يذكر قتلى بدر من المشركين: يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب فى القليب (١) ألم تجدوا حديثى كان حقّا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب وقال آخر يبكى على قتلى بدر من المشركين: فماذا بالقليب قليب بدر ... من القينات والشّرب الكرام (٢) وماذا بالقليب قليب بدر ... من الشّيزى يكلّل بالسّنام (٣) ومعنى وهله فى ذكر القليب أنه روى أن النبي صلى الله عليه وآله وقف على قليب بدر فقال: «هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا»؟ ثم قال: «إنهم ليسمعون ما أقول»، فأنكر ذلك عليه؛ وقيل إنما قال ﵇: «إنهم الآن ليعلمون أنّ الّذي كنت أقول لهم هو الحق»، واستشهد بقول الله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى؛ [النمل: ٨٠]. وأهل القليب جماعة من قريش؛ منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وغيرهم. وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم قائما يصلّى بمكة وأناس من قريش فى حلقة، فيهم أبو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع أحدكم أن يأتى الجزور التى نحرها آل فلان، فيأخذ سلاها ثم يأتى به حتى إذا سجد وضعه على ظهره؟ قال عبد الله: فانبعث أشقى القوم- وأنا أنظر إليه- فجاوبه حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت لى يومئذ منعة لمنعته. وجاءت فاطمة ﵍ عليه، وهى يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر أبيها ثم جاءت حتى قامت على رءوسهم فأوسعتهم شتما، قال: فو الله لقد رأيت بعضهم يضحك، حتى إنّه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما

стр. 372

سلّم النبي صلى الله عليه وآله أقبل على القوم فقال: «اللهمّ عليك بفلان وفلان» /، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله قد دعا عليهم أسقط فى أيديهم، فو الله الّذي لا إله غيره ما سمّى النبي صلى الله عليه وآله يومئذ أحدا إلّا وقد رأيته يوم بدر، وقد أخذ برجله يجرّ إلى القليب مقتولا. وقوله: «فيأخذ سلاها» أى جلدتها التى فيها ولدها ما دام فى بطنها، والجميع (١) الأسلاء؛ وقال ابن حبيب (٢): الأسلاء التى فيها الأولاد، قال الأخطل: ويطرحن بالثّغر السّخال كأنّما ... يشقّقن بالأسلاء أردية العصب (٣) وقال الشّماخ: والعيس ذامية المناسم ضمّر ... يقذفن بالأسلاء تحت الأركب (٤) قال الفرّاء. سقط فى أيديهم من الندامة، وأسقط لغتان، وهى بغير ألف أكثر وأجود. ويمكن أن يكون فى قوله: «يعذّب ببكاء أهله عليه» وجه آخر؛ وهو أن يكون المعنى أن الله تعالى إذا أعلمه ببكاء أهله وأعزّائه عليه وما لحقهم بعده من الحزن والهمّ تألم بذلك؛ فكان عذابا له؛ والعذاب ليس بجار مجرى العقاب الّذي لا يكون إلّا على ذنب متقدّم؛ بل قد يستعمل كثيرا بحيث يستعمل الألم والضرر؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول لمن ابتدأه بالضرر والألم: قد عذّبتنى بكذا وكذا؛ كما يقول: أضررت بى وآلمتني؛ وإنما لم يستعمل العقاب حقيقة فى الآلام المبتدأة من حيث كان اشتقاق لفظه من المعاقبة، التى لا بد من تقدم سبب لها، وليس هذا فى العذاب.

стр. 373

تأويل خبر آخر [: «ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار»] إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: «ما من أحد يدخله عمله الجنة، وينجيه من النار»، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا؛ إلّا أن يتغمّدنى الله برحمة منه وفضل»، يقولها ثلاثا. فقال: أوليس فى هذا دلالة على أنّ الله تعالى يتفضّل بالثواب، وأنه غير مستحق عليه؟ ومذهبكم بخلاف ذلك. الجواب، قلنا: فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلّفين إلى الله تعالى، وحاجتهم إلى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته، وأنّ العبد لو أخرج إلى نفسه، وقطع الله تعالى موادّ المعونة واللطف عنه لم يدخل/ بعمله الجنة، ولا نجا من النار؛ فكأنه ﵇ أراد أنّ أحدا لا يدخل الجنة بعمله الّذي لم يعنه الله تعالى عليه، ولا لطف له فيه، ولا أرشده إليه؛ وهذا هو الحق الّذي لا شبهة فيه؛ فأما الثواب فما نأبى القول بأنه تفضّل؛ بمعنى أنّ الله تعالى تفضّل بسببه الّذي هو التكليف، ولهذا نقول: إنه لا يجب على الله تعالى شيء ابتداء، وإنما يجب عليه ما أوجبه على نفسه، فالثواب مما كان أوجبه على نفسه بالتكليف؛ وكذلك التمكين والإلطاف، وكل ما يجلبه ويوجبه التكليف، ولولا إيجابه له على نفسه بالتكليف لما وجب. فإن قيل: فقد سمى الرسول ما يفعل به فضلا فقال: «إلّا أن يتغمّدنى الله برحمة منه وفضل»، قلنا هذا يطابق ما ذكرناه، لأنّ الرحمة النعمة والثواب نعمة، وهو يفضّل من الوجه الّذي ذكرناه، وإن حملنا قوله ﵇: «برحمة منه وفضل» على ما يفعل به من الألطاف والمعونات فهى أيضا فضل وتفضّل لأنّ سببها غير واجب. فأما قوله ﵊: «يتغمدنى» فمعناه يسترنى، يقال غمدت السيف فى غمده إذا سترته، قال الشاعر: نصبنا رماحا فوقها جدّ عامر ... كظلّ السّماء، كلّ أرض تغمّدا

стр. 374

فالجدّ هاهنا: الحظ، وشبّه ما قسم لعامر من الغلبة والظفر بظلّ السماء الّذي يستر كلّ شيء، ويظهر عليه. *** أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قراءة عليه قال أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ قال أخبرنا ابن الأعرابى قال: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور هو المكروب، وأنشدنا: أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب (١) ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا ... عدد الرّمل والحصى والتّراب (٢) قال سيدنا أدام الله أيامه: وقد قيل فى معنى قوله: «بهرا» غير هذا الوجه. أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا القاسم بن إسماعيل/ قال حدثنا التّوزىّ عن أبى عمرو الأسدىّ قال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر ابن أبي ربيعة حجّة فى العربية، وما أخذ عليه شيء إلا قوله: * ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا* وله فيه عذر إن أراد الخبر لا الاستفهام، كأنهم قالوا: أنت تحبها؛ على وجه الإخبار منهم لا الاستفهام، فوكّد هو إخبارهم بجوابه، فهذا حسن. و «بهرا» يجوز أن يكون أراد: نعم حبّا بهرنى بهرا، ويكون أيضا بمعنى «عقرا وتعسا»، دعاء عليهم إذ جهلوا من حبّه لها ما لا يجهل مثله، وأنشد أبو عمرو:

стр. 375

لحا الله قومى إذ يبيعون مهجتى ... بجارية، بهرا لهم بعدها بهرا (١) قال أبو عمرو: ويكون «بهرا» بمعنى «ظاهرا»؛ يريد حبّا ظاهرا، من قولهم: قمر باهر، وقد روى بعض الرواة أنه قال: * قيل لى: هل تحبها؟ قلت: بهرا* والرواية الأولى هى المشهورة، ولعلّ من روى ذلك فرّ بهذه الرواية من اللّحن. [أبيات لعمر بن أبى ربيعة يقولها فى الثريا بنت عبد الله: ] وهذان البيتان لعمر بن أبى ربيعة المخزومىّ، من جملة أبيات منها: من رسولى إلى الثّريّا بأنى ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب (٢) وهى مكنونة تحيّر منها ... فى أديم الخدّين ماء الشّباب سلبتنى مجاجة المسك عقلى ... فسلوها بما يحلّ اغتصابى أرهقت (٣) أمّ نوفل إذ دعتها ... مهجتى، ما لقاتلى من متاب حين قالت لها: أجيبى، فقالت: ... من دعانى؟ قالت: أبو الخطّاب أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا ... عدد القطر والحصى والتّراب والثريّا هى التى عناها عمر أمويّة، وقد اختلف فى نسبها، فقيل: إنها الثريّا بنت عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. أبو عبد شمس، وقيل: إنها الثريّا بنت عليّ بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. وذكر الزبير بن بكّار أن الثريا هى بنت عبد الله بن محمد

стр. 376

ابن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد الله المعروف بأبى جراب العبلىّ (١) الّذي قتله داود بن عليّ. [خبر عمر بن أبى ربيعة وابن أبى عتيق والثريا بنت عبد الله: ] وأخبرنا أبو عبيد الله/ قال حدثنى محمد بن عبد الله (٢) قال حدثنا أحمد بن يحيى عن الزّبير بن بكّار قال حدثنى موسى بن عمر بن الأفلح قال: أخبرنى بلال، مولى ابن أبى عتيق فى حديث طويل لعمر بن أبى ربيعة مع الثريّا اختصرناه وأوردنا بعضه قال: لما سمع ابن أبى عتيق قول عمر: * من رسولى إلى الثريّا بأنّى* قال: إياى أراد: وبى نوّه، لا جرم! والله لا أذوق أكالا حتى أشخص إليه لأصلح بينهما، فنهض ونهضت معه، فجاء قوما من بنى الدّيل بن بكر، لم تكن النجائب تفارقهم يكرونها فاكترى منهم راحلتين، وأعلى لهم بهما، فقلت له: استوضعهم شيئا، أو دعنى أماكسهم فقد اشتطّوا، فقال لى: ويحك! أما علمت أن المكاس ليس من خلق الكرام! وركب إحداهما، وركبت الأخرى، فسار سيرا شديدا، فقلت له. ارفق على نفسك، فإنّ ما تريد لا يفوتك، فقال: ويحك! * أبادر حبل الود أن يتقضّبا* وما ملح الدنيا إن يتمّ الصّدع بين عمر والثّريا! فقدمنا مكة ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه فسلّم عليه، فما نزل ابن أبى عتيق عن راحلته، وقال لعمر: اركب أصلح بينك وبين الثريّا، فأنا رسولك الّذي سألت عنه، فركب معه، فقدمنا الطائف، فقال ابن أبى عتيق للثريّا: هذا عمر، قد جشّمنى إليك سفر المدينة، فجئتك به، معترفا بذنب لم يجنه، معتذرا من إساءتك إليه، فدعينى من التّعداد والتّرداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون؛ فصالحته أحسن صلح، وكررنا راجعين إلى المدينة، ولم يقم ابن أبى عتيق بمكة ساعة واحدة.

стр. 377

وفى الثريا يقول عمر أيضا لما تزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف؛ المكتنى بأبى الأبيض، وقيل بل تزوّجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان: أيّها المنكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان! (١) هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى

стр. 378

٢٦ مجلس آخر [المجلس السادس والعشرون: ] تأويل آية [: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ؛ [طه: ٧٨]. فقال: ما الفائدة فى قوله: ما غَشِيَهُمْ، وقوله: غَشِيَهُمْ يدل عليه، ويستغنى به عنه، لأن غَشِيَهُمْ لا يكون إلّا الّذي غشيهم، وما الوجه فى ذلك؟ قلنا: قد ذكر/ فى هذا أجوبة: أحدها أن يكون المعنى: فغشيهم من اليمّ البعض الّذي غشيهم، لأنه لم يغشهم جميع مائه، بل غشيهم بعضه، فقال تعالى: ما غَشِيَهُمْ؛ ليدل على أنّ الّذي غرّقهم بعض الماء، وأنّهم لم يغرقوا بجميعه؛ وهذا الوجه حكى عن الفرّاء، وذكره أبو بكر الأنبارىّ، واعتمده، وغيره أوضح منه. واليم هو البحر، قال الشاعر: وبنى تبّع على اليمّ قصرا ... عاليا مشرفا على البنيان وثانيها أن يكون المعنى: فغشيهم من اليم ما غشى موسى وأصحابه؛ وذلك أن موسى ﵇ وأصحابه، وفرعون وأصحابه سلكوا جميعا البحر، وغشيهم كلّهم؛ إلّا أنّ فرعون وقومه لمّا غشيهم غرّقهم، وموسى ﵇ وقومه جعل لهم فى البحر طريق يبس، فقال تعالى: فغشى فرعون وقومه من ماء اليم ما غشى موسى وقومه، فنجا هؤلاء، وهلك هؤلاء. وعلى هذا الوجه والتأويل تكون الهاء فى قوله: ما غَشِيَهُمْ كناية عن غير من كنّى عنه بقوله: فَغَشِيَهُمْ؛ لأن الأولى كناية عن فرعون وقومه، والثانية كناية عن موسى وقومه. وثالثها أنه غشيهم من عذاب اليمّ وإهلاكه لهم ما غشى الأمم السالفة من العذاب

стр. 379

والهلاك عند تكذيبهم أنبياءهم، وإقامتهم على ردّ أقوالهم والعدول عن إرشادهم، والأمم السالفة؛ وإن لم يغشهم العذاب والإهلاك من قبل البحر، فقد غشيهم عذاب وإهلاك استحقوهما بكفرهم وتكذيبهم أنبياءهم، فشبّه بينه وبين هؤلاء من حيث اشتمال العذاب على جميعهم عقوبة على التكذيب. ورابعها أن يكون المعنى: فغشيهم من قبل اليم ما غشيهم من العطب والهلاك؛ فتكون لفظة غَشِيَهُمْ الأولى للبحر والثانية للهلاك والعطب اللذين لحقاهم من قبل البحر. ويمكن فى الآية وجه آخر لم يذكر فيها، يليق بمذاهب العرب فى استعمال مثل هذا اللفظ، وهو أن تكون الفائدة فى قوله تعالى: ما غَشِيَهُمْ تعظيم الأمر وتفخيمه؛ كما يقول القائل: فعل فلان ما فعل، وأقدم على ما أقدم، إذا أراد التفخيم وكما قال تعالى: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ؛ [الشعراء: ١٩]، وما يجرى/ هذا المجرى؛ ويدخل فى هذا الباب قولهم للرجل: هذا هذا، وأنت أنت. وفى القوم: هم هم؛ قال الهذلىّ (١): رفونى وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت، وأنكرت الوجوه: هم هم (٢) وقال أبو النجم: * أنا أبو النّجم، وشعرى شعرى (٣) * كل ذلك أرادوا تعظيم الأمر وتكبيره:

стр. 380

تأويل آية أخرى [: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ؛ [النحل: ٢٦] فقال: ما الفائدة فى قوله: مِنْ فَوْقِهِمْ؛ وهو لا يفيد إلا ما يفيده قوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ؛ لأنّ مع الاقتصار على القول الأول لا يذهب وهم أحد إلى أن السقف يخرّ من تحتهم؟ الجواب، قيل له فى ذلك أجوبة: أولها: أن يكون «على» بمعنى «عن»، فيكون المعنى: فخرّ عنهم السقف من فوقهم؛ أى خرّ عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى فلان عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون «على» و «عن» بمعنى من أجل الدّواء؛ كذلك يكون معنى الآية فخرّ من أجل كفرهم السّقف من فوقهم؛ قال الشاعر: أرمى عليها وهى فرع أجمع ... وهى ثلاث أذرع وإصبع أراد: أرمى عنها؛ لأن كلام العرب: رميت عن القوس، فأقام «على» مقام «عن»، ولو أنه قال تعالى على هذا المعنى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ، ولم يقل مِنْ فَوْقِهِمْ جاز أن يتوهم متوهم أن السقف خرّ وليس هم تحته. وثانيها: أن يكون «على» بمعنى اللام؛ والمراد: فخر لهم السقف؛ فإن «على» قد تقام مقام اللام؛ وحكى عن العرب: ما أغيظك عليّ! وما أغمّك عليّ! يريدون: ما أغيظك، وما أغمّك لى! ، قال الطّرمّاح يصف ناقة: كأنّ مخوّاها على ثفناتها ... معرّس خمس وقّعت للجناجن (١)

стр. 381

أراد: وقّعت على الجناجن؛ وهى عظام الصدر، فأقام اللام مقام «على». وقد يقول القائل أيضا: تداعت على فلان داره، واستهدم عليه حائطه، ولا يريد أنه كان تحته؛ فأخبر تعالى بقوله: مِنْ فَوْقِهِمْ عن فائدة؛ لولاه ما فهمت. ولا جاز أن يتوهّم متوهّم فى قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ ما يتوهمه من قوله: خرب عليه ربعه، ووقفت عليه دابته، وأشباه ذلك. وللعرب فى هذا مذهب ظريف لطيف؛ / لأنهم لا يستعملون لفظة «على» فى مثل هذا الموضع إلا فى الشرّ والأمر المكروه الضارّ، ويستعملون اللام وغيرها فى خلاف ذلك؛ ألا ترى أنهم لا يقولون: عمرت على فلان ضيعته، بدلا من قولهم: خربت عليه ضيعته، ولا ولدت عليه جاريته؛ بل يقولون: عمرت له ضيعته، وولدت له جاريته؛ وهكذا من شأنهم إذا قالوا: «قال عليّ»؛ و «روى عليّ»؛ فإنه يقال فى الشرّ والكذب، وفى الخير والحق؛ يقولون: «قال عنّى» و «روى عنّى»؛ ومثل ذلك قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ؛ [البقرة: ١٠٢]، لأنهم لما أضافوا الشّرّ والكفر إلى ملك سليمان حسن أن يقال: «يتلون عليه»، ولو كان خيرا لقيل عنه، ومثله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ [آل عمران: ٧٥]، وقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، [يونس: ٦٨]؛ وقال الشاعر (١): عرضت نصيحة منّى ليحيى ... فقال: غششتنى، والنّصح (٢) مرّ وما بى أن أكون أعيب يحيى ... ويحيى طاهر الأخلاق برّ

стр. 382

ولكن قد أتانى أنّ يحيى ... يقال عليه فى بقعاء شرّ (١) فقلت له: تجنّب كلّ شيء ... يعاب عليك، إنّ الحرّ حرّ ومثله قول الفرزدق فى عنبسة بن معدان المعروف بعنبسة الفيل- وقد كان يتتبّع شعره ويخطّئه ويلحّنه: لقد كان فى معدان والفيل زاجر ... لعنبسة الراوى عليّ القصائدا فقال: «عليّ» ولم يقل: «عنّى» للمعنى الّذي ذكرناه. وثالث الوجوه أن يكون مِنْ فَوْقِهِمْ تأكيدا للكلام وزيادة فى البيان، كما قال تعالى: وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ؛ [الحج: ٤٦]، والقلب لا يكون إلّا فى الصدر؛ ونظائر ذلك فى الكتاب وكلام العرب كثيرة (٢).

стр. 383

تأويل خبر [: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله ... ] إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه نافع عن أبى إسحاق الهجرىّ عن أبى الأحوص، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: «إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم؛ وإنّ أصفر البيوت لجوف (١) أصفر من كتاب الله تعالى» فقال: ما تأويله؟ وكيف بيان غريبه؟ . الجواب؛ قلنا: المأدبة فى كلام العرب هى الطعام، يصنعه (٢) الرجل ويدعو/ الناس إليه؛ فشبه النبىّ صلى الله عليه وآله ما يكتسبه الإنسان من خير القرآن ونفعه وعائدته عليه إذا قرأه وحفظه؛ بما يناله المدعوّ من طعام الداعى وانتفاعه به؛ يقال: قد أدب الرجل يأدب فهو آدب؛ إذا دعا الناس إلى طعامه. ويقال للمأدبة المدعاة؛ وذكر الأحمر أنه يقال فيها أيضا: مأدبة، بفتح الدال؛ قال طرفة: نحن فى المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر (٣) ومعنى «الجفلى» أنه عمّ بدعوته ولم يخصّ بها قوما دون قوم، والنّقرى إذا خصّ بها بعضا دون بعض، ومعنى «ينتقر» من النّقرى؛ قال بعض هذيل: وليلة يصطلى بالفرث جازرها ... يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها (٤) لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... عند الصّباح ولا تسرى أفاعيها معنى «يصطلى بالفرث جازرها» أن الجازر إذا شقّ فيها الكرش أدخل يده لشدّة البرد فى الفرث مستدفئا به. ومعنى: «يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها»؛ أنه يخصّ بدعائه إلى طعامه الأغنياء الذين يطمع من جهتهم فى المكافأة، وقال الآخر:

стр. 384

قالوا ثلاثاؤه خصب ومأدبة ... فكلّ أيّامه يوم الثّلاثاء وقال الهذلىّ (١) يصف عقابا: كأنّ قلوب الطّير فى جوف وكرها ... نوى القسب يلقى عند بعض المآدب (٢) أراد جمع مأدبة. وقد روى هذا الحديث بفتح الدال «مأدبة»، وقال الأحمر: المراد بهذه اللفظة مع الفتح هو المراد بها مع الضمّ. وقال غيره: المأدبة، بفتح الدال «مفعلة» من الأدب؛ معناه أنّ الله تعالى أنزل القرآن أدبا للخلق، وتقويما لهم، وإنما دخلت الهاء فى مأدبة ومأدبة، والقرآن مذكّر، لمعنى المبالغة؛ كما قالوا: هذا شراب مطيبة للنفس؛ وكما قال عنترة: * والكفر مخبثة لنفس المنعم (٣) * وجرى ذلك مجرى قولهم: رجل علّامة ونسّابة/ فى باب المدح على جهة التشبيه بالداهية، ورجل هلباجة (٤) فى باب الذم على جهة التشبيه بالبهيمة. [ذكر أنواع المآدب وأسمائها وما ورد فى ذلك من الشعر: ] ويقال لطعام الإملاك: وليمة، ولطعام الختان: العذيرة، ولطعام الزّفاف: العرس، ولطعام بناء الدار: الوكيرة، ولطعام حلق (٥) الشعر: العقيقة، ولطعام القادم من السفر: النّقيعة، ولطعام النّفاس: الخرس، والّذي تطعمه النّفساء: الخرسة، قال الشاعر: إذا النّفساء لم تخرّس ببكرها ... غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها (٦) الحتر: الشيء القليل، وقال آخر:

стр. 385

كلّ الطّعام تشتهى ربيعة ... الخرس والإعذار والنّقيعه (١) ويروى: «العرس». وينشد أيضا فى النقيعة قول الشاعر: إنّا لنضرب بالسّيوف رءوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدّام (٢) والقدار: الجزّار. والقدّام: جمع قادم. وقال أبو زيد: يقال لطعام الإملاك: النّقيعة، ولطعام بناء الدار: الوكيرة، ولطعام الختان: الإعذار والعذيرة. وقال الفرّاء: الشّندخىّ (٣): طعام الإملاك، والوليمة: طعام العرس. وقال أبو زيد: يقال من النّقيعة نقعت. وقال الفراء: منها أنقعت. وقال ابن السّكّيت: يقال للطعام الّذي يتعلّل به قدّام الغداء؛ السّلفة واللهنة؛ يقال: الأصمعىّ: فلان لهنوا ضيفكم، أى أطعموه اللهنة، قال الشاعر: عجيّز عارضها منفلّ ... طعامها اللهنة أو أقلّ (٤) وقال ابن السّكّيت: يقال فلان يأكل الوزمة إذا كان يأكل أكلة فى اليوم. وقال يأكل الوجبة، إذا كان يأكل فى اليوم والليلة أكلة، قال بشار: فاستغن بالوجبات عن ذهب ... لم يبق فيه لامرئ ذهبه وقال ابن السّكّيت: قال الأصمعىّ لرجل أسرع فى سيره: كيف كان سيرك؟ فقال:

стр. 386

كنت آكل الوجبة، وأنجو الوقعة، وأعرّس إذا أفجرت، وأرتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب/ الملع، فجئتكم لمسى سبع. قوله: «أنجو الوقعة»، معناه أقضى حاجتى مرة فى اليوم، وهو من النّجو. وقوله: «أسير الوضع»، فالوضع: سير فيه بعض الإسراع، والملع: سير أشدّ منه، فأراد أنه يجتنب الشديد من السير؛ كراهة أن يقف ظهره قبل أن يبلغ الأرض التى يقصد لها؛ ويقال: شرّ السّير الحقحقة، أى السير الحديد (١) الّذي يقطع صاحبه عن بلوغ بغيته، قال الشاعر: إذ ما أردت الأرض ثمّ تباعدت ... عليك فضع رحل المطيّة وانزل أى استرح حتى تقوى على السير، فإن جهدت نفسك لم تقطع أرضا، ولم تبق ظهرا؛ وهذا من أبيات المعانى التى يسأل عنها، والّذي قيل فيه ما ذكرناه. ويمكن أن يكون معنى البيت: إذا بعدت عليك أرض فدعها واسل عنها؛ كما يقال: دواء ما عزّ مطلبه الصّبر؛ وما جرى مجرى ذلك من ألفاظ التسلية؛ والأمر بالعدول عن تتبّع ما صعب من الأمور (٢). وقال الآخر فى معنى البيت الأول: نقطّع بالنّزول الأرض عنّا ... وبعد الأرض يقطعه النّزول وقوله: «لمسى سبع»، معناه لمساء سبع ليال. ويقال للذى يحضر طعام القوم من غير أن يدعوه إليه: الوارش والوروش. وقول العامة: طفيلىّ مولّد لا يوجد فى العتيق من كلام العرب، وأصل ذلك أن رجلا يقال له طفيل، كان بالكوفة لا يفقد من وليمة من غير أن يدعى إليها، فقيل للوارش: طفيلىّ؛ تشبيها بطفيل هذا فى وقته.

стр. 387

ويقال للذى يحضر شراب القوم من غير أن يدعى إليه واغل؛ قال امرؤ القيس: فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل (١) ويقال لما يشربه الواغل: الوغل، قال الشاعر: إن أك مسكرا فلا أشرب ال ... وغل ولا يسلم منّى البعير (٢) وقوله صلى الله عليه وآله: «إنّ أصفر البيوت لجوف أصفر من كتاب الله»، معناه: أخلى البيوت/؛ والصّفر عند العرب: الخالى؛ من الآنية وغيرها. ويمكن فى قوله: «مأدبة» وجه آخر؛ وهو أن يكون وجه التشبيه للقرآن بالمأدبة وتسميته بها من حيث دعا الخلق إليه، وأمرهم بالاجتماع عليه، فسماه ﵇ «مأدبة» لهذا الوجه، لأن المأدبة هى التى يدعى الناس إليها، ويجتمعون عليها؛ وهذا الوجه يخالف الأول، لأن الأول تضمّن أنّ وجه التشبيه من حيث النفع العائد على الحافظ للقرآن كما ينتفع المدعوّ إلى المأدبة بما يصيبه من الطّعام. وهذا الوجه الآخر تضمّن أن التشبيه وقع لاجتماع الناس فى الدعاء إليه، والإرشاد إلى إصابته. وليس يبعد أن يريد ﵇ بالخبر المعنيين معا، فلا تنافى بينهما (٣). *** [أخبار متفرقة عن الأصمعىّ وحضور ذهنه عند إنشاء الشعر: ] أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال:

стр. 388

كنّا فى مجلس الأصمعىّ إذ أقبل أعرابىّ فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعىّ، فقال له: ما معنى قول الشاعر: لا مال إلّا العطاف تؤزره ... أمّ ثلاثين وابنة الجبل (١) لا يرتقى النزّ فى ذلاذله ... ولا يعدّى نعليه من بلل (٢) فقال الأصمعىّ: عصرته نطفة تضمّنها ... لصب تلقّى مواضع السّبل أو وجبة من جناة أشكلة ... إن لم يرغها بالقوس لم تنل (٣) قال: فأدبر الأعرابىّ وهو يقول: لم أر كاليوم عضلة (٤). قال ابن دريد: إنما وصف رجلا خائفا فى رأس جبل؛ يقول: لا مال له إلّا العطاف- وهو السّيف- تؤزره أمّ ثلاثين؛ يعنى كنانة فيها ثلاثون سهما. وابنة الجبل؛ يعنى القوس، لأنها تعمل من شجر الجبال مثل النّبع وغيره. وقوله: «لا يرتقى النّزّ فى ذلاذله»، لأنه فى رأس جبل؛ فلا نزّ هناك يتعلق بما يفضل من ثيابه، ولا بلل يعدّى نعليه عنهما. والعصرة: الملجأ. والنّطفة: الماء المجتمع فى صخر أو غيره من بقيّة ماء المطر. واللّصب: الشّق فى الجبل أضيق من اللهب (٥) وأوسع من الشّعب. والسّبل: المطر. والوجبة: أن يأكل كلّ يوم مرة. والأشكل: السّدر الجبلىّ، واحده أشكلة؛ يقول:

стр. 389

فهذه النطفة والوجبة من الأشكلة/ عصرتاه. وقوله: «إن لم يرغها بالقوس»؛ يعنى أنها لا تنال باليد حتى تحرّك بالقوس. قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنما جعل الأصمعىّ إنشاد باقى الأبيات دلالة على معرفة معناها؛ لأنه يبعد أن يعرفها ولا يعرف معناها، والأعرابىّ إنما سأل عن المعنى، فأقام إنشاده لها مقام تفسيرها، واستغنى الأعرابى بذلك وعلم بإتمامه للأبيات معرفته بمعانيها. وكان الأصمعى كثيرا إذا أنشد شيئا من الشعر ينشد فى معناه فى الحال، فمن ذلك أن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ أنشده يوما لنفسه: إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبى ... وقام بنصرى خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداى الثّريّا قاعدا غير قائم قال: فلما فرغت من إنشادهما أنشد بعقب ذلك: ألا أيّها السائلى جاهلا ... ليعرفنى، أنا أنف الكرم نمت فى الكرام بنى عامر (١) ... فروعى وأصلي قريش العجم (٢) قال: فجاء والله بالشّعر الّذي نحوته وعملت بيتىّ عليه. وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ما أنشدت الأصمعىّ شيئا قط إلا أنشدنى مثله؛ كأنه أعدّه لى، فأنشدته يوما للأعشى: علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيرى وعلّق أخرى غيرها الرّجل (٣)

стр. 390

فأنشدنى من وقته: قتلتك أخت بنى لؤى إذ رمت ... وأصاب نبلك إذ رميت سواها (١) وأعارها الحدثان منك مودّة ... وأعار غيرك ودّها وهواها وذكر أبو العيناء قال: كان الأصمعىّ إذا سمع إنسانا ينشد شعرا فى معنى أنشد فى ذلك المعنى من غير أن يريه أنه أراده، فأنشده رجل قول القطامىّ: / والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل (٢) فأنشد هو قول قعنب الفزارىّ: فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما (٣) وروى ميمون بن هارون قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أنشدت الأصمعىّ قول الأعشى، طلبا أن ينشدنى مثله- وكان مع بخله بالعلم لا يضنّ بمثل هذا: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل (٤) فأنشدنى لربيعة بن مقروم الضبىّ. ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أو ظفة القوائم هيكل (٥) فدعوا نزال، فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل! وروى عن إسحاق بن إبراهيم أيضا أنه قال: دخل يوما إلى الأصمعىّ، وعندى أخ
следующие страницы →