← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

كنت آكل الوجبة، وأنجو الوقعة، وأعرّس إذا أفجرت، وأرتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب/ الملع، فجئتكم لمسى سبع. قوله: «أنجو الوقعة»، معناه أقضى حاجتى مرة فى اليوم، وهو من النّجو. وقوله: «أسير الوضع»، فالوضع: سير فيه بعض الإسراع، والملع: سير أشدّ منه، فأراد أنه يجتنب الشديد من السير؛ كراهة أن يقف ظهره قبل أن يبلغ الأرض التى يقصد لها؛ ويقال: شرّ السّير الحقحقة، أى السير الحديد (١) الّذي يقطع صاحبه عن بلوغ بغيته، قال الشاعر: إذ ما أردت الأرض ثمّ تباعدت ... عليك فضع رحل المطيّة وانزل أى استرح حتى تقوى على السير، فإن جهدت نفسك لم تقطع أرضا، ولم تبق ظهرا؛ وهذا من أبيات المعانى التى يسأل عنها، والّذي قيل فيه ما ذكرناه. ويمكن أن يكون معنى البيت: إذا بعدت عليك أرض فدعها واسل عنها؛ كما يقال: دواء ما عزّ مطلبه الصّبر؛ وما جرى مجرى ذلك من ألفاظ التسلية؛ والأمر بالعدول عن تتبّع ما صعب من الأمور (٢). وقال الآخر فى معنى البيت الأول: نقطّع بالنّزول الأرض عنّا ... وبعد الأرض يقطعه النّزول وقوله: «لمسى سبع»، معناه لمساء سبع ليال. ويقال للذى يحضر طعام القوم من غير أن يدعوه إليه: الوارش والوروش. وقول العامة: طفيلىّ مولّد لا يوجد فى العتيق من كلام العرب، وأصل ذلك أن رجلا يقال له طفيل، كان بالكوفة لا يفقد من وليمة من غير أن يدعى إليها، فقيل للوارش: طفيلىّ؛ تشبيها بطفيل هذا فى وقته.

стр. 387

ويقال للذى يحضر شراب القوم من غير أن يدعى إليه واغل؛ قال امرؤ القيس: فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل (١) ويقال لما يشربه الواغل: الوغل، قال الشاعر: إن أك مسكرا فلا أشرب ال ... وغل ولا يسلم منّى البعير (٢) وقوله صلى الله عليه وآله: «إنّ أصفر البيوت لجوف أصفر من كتاب الله»، معناه: أخلى البيوت/؛ والصّفر عند العرب: الخالى؛ من الآنية وغيرها. ويمكن فى قوله: «مأدبة» وجه آخر؛ وهو أن يكون وجه التشبيه للقرآن بالمأدبة وتسميته بها من حيث دعا الخلق إليه، وأمرهم بالاجتماع عليه، فسماه ﵇ «مأدبة» لهذا الوجه، لأن المأدبة هى التى يدعى الناس إليها، ويجتمعون عليها؛ وهذا الوجه يخالف الأول، لأن الأول تضمّن أنّ وجه التشبيه من حيث النفع العائد على الحافظ للقرآن كما ينتفع المدعوّ إلى المأدبة بما يصيبه من الطّعام. وهذا الوجه الآخر تضمّن أن التشبيه وقع لاجتماع الناس فى الدعاء إليه، والإرشاد إلى إصابته. وليس يبعد أن يريد ﵇ بالخبر المعنيين معا، فلا تنافى بينهما (٣). *** [أخبار متفرقة عن الأصمعىّ وحضور ذهنه عند إنشاء الشعر: ] أخبرنا أبو الحسن على بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال:

стр. 388

كنّا فى مجلس الأصمعىّ إذ أقبل أعرابىّ فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعىّ، فقال له: ما معنى قول الشاعر: لا مال إلّا العطاف تؤزره ... أمّ ثلاثين وابنة الجبل (١) لا يرتقى النزّ فى ذلاذله ... ولا يعدّى نعليه من بلل (٢) فقال الأصمعىّ: عصرته نطفة تضمّنها ... لصب تلقّى مواضع السّبل أو وجبة من جناة أشكلة ... إن لم يرغها بالقوس لم تنل (٣) قال: فأدبر الأعرابىّ وهو يقول: لم أر كاليوم عضلة (٤). قال ابن دريد: إنما وصف رجلا خائفا فى رأس جبل؛ يقول: لا مال له إلّا العطاف- وهو السّيف- تؤزره أمّ ثلاثين؛ يعنى كنانة فيها ثلاثون سهما. وابنة الجبل؛ يعنى القوس، لأنها تعمل من شجر الجبال مثل النّبع وغيره. وقوله: «لا يرتقى النّزّ فى ذلاذله»، لأنه فى رأس جبل؛ فلا نزّ هناك يتعلق بما يفضل من ثيابه، ولا بلل يعدّى نعليه عنهما. والعصرة: الملجأ. والنّطفة: الماء المجتمع فى صخر أو غيره من بقيّة ماء المطر. واللّصب: الشّق فى الجبل أضيق من اللهب (٥) وأوسع من الشّعب. والسّبل: المطر. والوجبة: أن يأكل كلّ يوم مرة. والأشكل: السّدر الجبلىّ، واحده أشكلة؛ يقول:

стр. 389

فهذه النطفة والوجبة من الأشكلة/ عصرتاه. وقوله: «إن لم يرغها بالقوس»؛ يعنى أنها لا تنال باليد حتى تحرّك بالقوس. قال سيدنا أدام الله علوّه: وإنما جعل الأصمعىّ إنشاد باقى الأبيات دلالة على معرفة معناها؛ لأنه يبعد أن يعرفها ولا يعرف معناها، والأعرابىّ إنما سأل عن المعنى، فأقام إنشاده لها مقام تفسيرها، واستغنى الأعرابى بذلك وعلم بإتمامه للأبيات معرفته بمعانيها. وكان الأصمعى كثيرا إذا أنشد شيئا من الشعر ينشد فى معناه فى الحال، فمن ذلك أن إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ أنشده يوما لنفسه: إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبى ... وقام بنصرى خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداى الثّريّا قاعدا غير قائم قال: فلما فرغت من إنشادهما أنشد بعقب ذلك: ألا أيّها السائلى جاهلا ... ليعرفنى، أنا أنف الكرم نمت فى الكرام بنى عامر (١) ... فروعى وأصلي قريش العجم (٢) قال: فجاء والله بالشّعر الّذي نحوته وعملت بيتىّ عليه. وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا عون بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: ما أنشدت الأصمعىّ شيئا قط إلا أنشدنى مثله؛ كأنه أعدّه لى، فأنشدته يوما للأعشى: علّقتها عرضا وعلّقت رجلا ... غيرى وعلّق أخرى غيرها الرّجل (٣)

стр. 390

فأنشدنى من وقته: قتلتك أخت بنى لؤى إذ رمت ... وأصاب نبلك إذ رميت سواها (١) وأعارها الحدثان منك مودّة ... وأعار غيرك ودّها وهواها وذكر أبو العيناء قال: كان الأصمعىّ إذا سمع إنسانا ينشد شعرا فى معنى أنشد فى ذلك المعنى من غير أن يريه أنه أراده، فأنشده رجل قول القطامىّ: / والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل (٢) فأنشد هو قول قعنب الفزارىّ: فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما (٣) وروى ميمون بن هارون قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أنشدت الأصمعىّ قول الأعشى، طلبا أن ينشدنى مثله- وكان مع بخله بالعلم لا يضنّ بمثل هذا: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل (٤) فأنشدنى لربيعة بن مقروم الضبىّ. ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أو ظفة القوائم هيكل (٥) فدعوا نزال، فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل! وروى عن إسحاق بن إبراهيم أيضا أنه قال: دخل يوما إلى الأصمعىّ، وعندى أخ

стр. 391

للعمانىّ الراجز، حافظ رواية، فلما دخل عبث به أخو العمانى [، فقال له: من هذا؟ قال: هو الباهلىّ الّذي يقول] (١): فما صحفة مأدومة بإهالة ... بأطيب من فيها ولا أقط رطب (٢) فقال له قبل أن يستتم كلامه: هو على كلّ حال أصلح من قول أخيك العمانىّ: يا ربّ جارية حوراء ناعمة ... كأنّها عومة فى جوف راقود (٣) قال إسحاق: فقلت له: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا، ولكن ما مرّ بى شيء إلا وأنا أعرف منه طرفا.

стр. 392

٢٧ مجلس آخر [المجلس السابع والعشرون: ] تأويل آية [: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ؛ [التوبة: ٣٠]. فقال: أىّ معنى لقوله: بِأَفْواهِهِمْ ومعلوم أنّ القول لا يكون إلا بالأفواه؟ . الجواب، قلنا: المقول يحتمل معنيين فى لغة العرب: أحدهما القول باللّسان، والآخر بالقلب، فالقول الّذي يضاف إلى القلب هو الظّنّ والاعتقاد، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظّن/ فقالوا: أتقول عبد الله خارجا؟ ومتى تقول محمدا منطلقا؟ يريدون: متى تظن؟ قال الشاعر: أما الرّحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدّار تجمعنا! (١) أراد: فمتى تظن الدار! وقال الآخر: أجهّالا تقول بنى لؤىّ ... لعمر أبيك أم متجاهلينا! (٢) أراد: تظن بنى لؤىّ، وقال توبة بن الحميّر: ألا يا صفىّ النّفس كيف تقولها ... لو أنّ طريدا خائفا يستجيرها (٣)

стр. 393

تخبّر إن شطّت بها غربة النّوى ... ستنعم ليلى أو يفكّ أسيرها (١) أراد: كيف تظنها؟ فلما كان القول يستعمل فى الأمرين معا أفاد قوله تعالى: بِأَفْواهِهِمْ قصر المعنى على ما يكون باللسان دون القلب، ولو أطلق القول، ولم يأت بذكر الأفواه لجاز أن يتوهّم المعنى الآخر: ومما يشهد لذلك قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ؛ [المنافقون: ١]، فلم يكذّب الله تعالى قول ألسنتهم: لأنهم لم يخبروا بأفواههم إلّا بالحق، بل كذّب ما يرجع إلى قلوبهم من الاعتقادات. ووجه آخر وهو أن تكون الفائدة فى قوله تعالى: بِأَفْواهِهِمْ أنّ القول لا برهان عليه، وأنه باطل كذب لا يرجع فيه إلّا إلى مجرّد القول باللسان؛ لأن الإنسان قد يقول بلسانه الحقّ والباطل، وإنما يكون قوله حقّا إذا كان راجعا إلى قلبه، فتكون إضافة القول إلى اللسان تقتضى ما ذكرناه من الفائدة، وهذا كما يقول القائل لمن يشكّ فى قوله أو يكذبه: هكذا تقول بلسانك، وليس الشأن فيما تقوله وتتفوّه به وتقلّب به لسانك؛ فكأنّهم أرادوا أن يقولوا: هذا قول لا برهان عليه، فأقاموا قولهم: هكذا تقول بلسانك، وإنما يقولون كذا بأفواههم مقام ذلك؛ والمعنى أنه قول لا تعضده حجّة ولا برهان، ولا يرجع فيه إلا إلى اللسان.

стр. 394

ووجه آخر، وهو/ أن تكون الفائدة فى ذلك التأكيد، فقد جرت به عادة العرب فى كلامها، وما تقدم من الوجهين أولى؛ لأنّ حمل كلامه تعالى على الفائدة أولى من حمله على ما تسقط معه الفائدة. تأويل آية أخرى [: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ؛ [إبراهيم: ٩]. فقال: أىّ معنى لردّ الأيدى فى الأفواه؟ وأىّ مدخل لذلك فى التكذيب بالرسل ﵈؟ الجواب، قلنا فى ذلك وجوه: أولها أن يكون إخبارا عن القوم بأنّهم ردّوا أيديهم فى أفواههم، عاضّين عليها غيظا وحنقا على الأنبياء، كما يفعل المتوعّد لغيره، المبالغ فى معاندته ومكايدته؛ وهذه عادة معروفة فى المغيظ المحنق أنّه يعضّ على أصابعه، ويفرك أنامله، ويضرب بإحدى يديه على الأخرى؛ وما شاكل ذلك من الأفعال. وثانيها أن تكون الهاء فى الأيدى للكفار المكذّبين، والهاء التى فى الأفواه للرسل ﵈؛ فكأنّهم لمّا سمعوا وعظ الرسل ودعاءهم وإنذارهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل، مانعين لهم عن الكلام كما يفعل المسكّت منّا لصاحبه، الرّادّ لقوله. وثالثها أن تكون الهاء فى الأيدى والتى فى الأفواه معا للرسل؛ والمعنى أنهم كانوا يأخذون أيدى الرسل فيضعونها على أفواههم ليسكتوهم، ويقطعوا كلامهم.

стр. 395

ورابعها أن تكون الهاءان جميعا يرجعان إلى الكفار (١) لا إلى الرسل؛ فيكون المعنى أنّهم إذا سمعوا وعظهم وإنذارهم وضعوا أيدى أنفسهم على أفواههم؛ مشيرين لهم بذلك إلى الكفّ عن الكلام والإمساك عنه؛ كما يفعل من يريد منّا أن يسكّت غيره، ومنعه من الكلام، من وضع إصبعه على فى نفسه. وخامسها أن يكون المعنى: فردّوا القول بأيدى أنفسهم إلى أفواه الرّسل، أى أنّهم كذّبوهم، ولم يصغوا إلى أقوالهم، فالهاء الأولى للقوم، والثانية للرسل؛ والأيدى إنما ذكرت مثلا وتأكيدا؛ كما يقول القائل: أهلك فلان نفسه بيده، أى وقع الهلاك به من جهته، لا من جهة غيره. وسادسها أن المراد بالأيدى النعم وفِي محمولة على الباء، والهاء الثانية للقوم المكذبين والتى قبلها للرّسل، والتقدير: فردّوا بأفواههم نعم الرّسل؛ أى ردّوا وعظهم وإنذارهم وتنبيههم على مصالحهم الّذي لو قبلوه لكان نعما عليهم. ويجوز أيضا أن تكون الهاء التى فى الأيدى للقوم الكفار، لأنها نعم من الله تعالى عليهم، فيجوز إضافتها إليهم وحمل لفظة فِي على معنى الباء جائز لقيام بعض الصّفات مقام بعض؛ يقولون: رضيت عنك، ورضيت عليك وحكى فى لغة طيئ: أدخلك الله بالجنة، يريدون فى الجنة، فيعبرون بالباء عن معنى «فى»؛ كذلك أيضا يصح أن يعبروا بقى عن الباء؛ قال الشاعر: وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنّنى عن سنبس لست أرغب أراد: وأرغب بها فحمل «فى» على الباء.

стр. 396

وسابعها- وهو جواب اختاره أبو مسلم بن بحر، وزعم أنّه أولى من غيره- قال المضمرون فى قوله: أَيْدِيهِمْ الرسل، وكذلك المضمرون فى أَفْواهِهِمْ، والمراد باليد هاهنا ما نطق به الرسل من الحجج والبيّنات التى ذكر الله تعالى أنهم جاءوا بها قومهم؛ واليد فى كلام العرب قد تقع على النعمة وعلى السلطان أيضا، وعلى الملك، وعلى العهد والعقد؛ ولكل ذلك شاهد من كلامهم؛ والّذي أتى به الأنبياء قومهم هو الحجة والسلطان، وهو النعمة، وهو العهد، وكلّ ذلك يقع عليه اسم اليد. ولمّا كان ما يعظ به الأنبياء قومهم وينذرونهم به إنما يخرج من أفواههم، فردوه وكذبوه قيل: إنهم ردّوا أيديهم فى أفواههم، أى أنهم ردّوا القول من حيث جاء قال: ولا يجوز أن يكون الضمير فى ذلك للمرسل إليهم كما تأوله بعض المفسرين، وذكر أن معناه أنهم عضّوا عليهم أناملهم غيظا؛ لأن رافع يده إلى فيه، والعاضّ عليها لا يسمّى رادّا ليده إلى فيه، إلا إذا كانت يده فى فيه فيخرجها ثم يردّها. قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وليس ما استنكره أبو مسلم من رد الأيدى إلى الأفواه بمستنكر ولا بعيد، لأنه قد يقال: ردّ يده إلى فيه، وإلى وجهه، وعاد فلان يقول كذا، ورجع يفعل كذا؛ وإن لم يتقدم ذلك الفعل منه. ولو لم يسغ هذا القول تحقيقا؛ لساغ تجوّزا واتساعا؛ وليس يجب أن تؤخذ العرب بالتحقيق فى كلامها؛ فإن تجوّزها/ واستعاراتها أكثر، على أنه يمكن أن يكون المراد بذلك أنهم فعلوا ذلك الفعل شيئا بعد شيء، وتكرّر منهم، فلهذا جاز أن يقول: ردّوا أيديهم فى أفواههم، لأنه قد تقدم منهم مثل هذا الفعل، فلما تكرّر جازت العبارة عنه بالرّد، وهذا يبطل استضعافه للجواب إذا صرنا إلى مراده.

стр. 397

تأويل خبر [: خبر النبي ﵇ حين سمع رجلا ينشد شعرا لسويد بن عامر وتأويل ما ورد فيه الغريب] روى أن مسلما الخزاعىّ ثم المصطلقىّ قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وآله- وقد أنشده منشد قول سويد بن عامر المصطلقى (١): لا تأمننّ وإن أمسيت فى حرم ... إنّ المنايا بكفّى كلّ إنسان (٢) واسلك طريقك تمشى غير مختشع (٣) ... حتّى تبيّن ما يمنى لك المانى فكلّ ذى صاحب يوما يفارقه (٤) ... وكلّ زاد وإن أبقيته فان والخير والشّرّ مقرونان فى قرن (٥) ... بكلّ ذلك يأتيك الجديدان فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «لو أدركته لأسلم»، فبكى مسلم، فقال له ابنه: يا أبه، ما يبكيك من مشرك مات فى الجاهلية! فقال: يا بنيّ، لا تفعل فما رأيت مشركة تلقّفت من مشرك خيرا من سويد. قوله: «ما يمنى لك المانى» معناه ما يقدّر لك القادر؛ قال الفرّاء: يقال: منى الله عليه الموت؛ أى قدّر الله عليه الموت. وقال يعقوب: مناك الله بما يسرّك، أى قدّر الله لك ما يسرّك، وأنشد:

стр. 398

لعمر أبى عمرو لقد ساقه المنى ... إلى جدث يوزى له بالأهاضب (١) وقال ابن الأعرابىّ: ساقه المنى، أى ساقه القدر؛ وأنشد ابن الأعرابىّ: منت لك أن تلاقينى المنايا ... أحاد أحاد فى الشّهر الحلال (٢) معناه قدّرت لك. وقال أبو عبيدة فى قوله تعالى: مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى؛ [النجم: ٤٦]، معناه إذا تخلق وتقدّر. وقال بعض أهل اللغة: إنّما سمى «منّى» لما يمنى فيه من ثواب الله تعالى؛ أى يقدّر فيه؛ وقيل أيضا بما يمنى فيه من الدّم (٣)؛ وقيل: إنما سمى بذلك لأن إبراهيم ﵇ لما انتهى إليه قال له الملك: تمنّ، قال: أتمنّى الجنة، فسمى منى لذلك. ومنى يذكر ويؤنث، والتذكير أجود، قال الشاعر فى التذكير: / سقى منى ثم روّاه وساكنه ... ومن ثوى فيه واهى الودق منبعق (٤) وقال آخر فى التأنيث: ليومنا بمنى إذ نحن ننزلها ... أسرّ من يومنا بالعرج أو ملل (٥)

стр. 399

فأما قوله: * والخير والشّرّ مقرونان فى قرن* فالقرن الحبل؛ وأراد أنهما مجموعان لا يفترقان؛ من حيث لا يكاد يصيب الإنسان فى الدنيا خير صرف لا شرّ فيه؛ فلهذا قال إنهما مقرونان. ويجوز أيضا أن يريد أنّ لسرعة تقلّب الدنيا وإبدالها الخير بالشر كأن الخير والشرّ مقرونان مجموعان معا، لتقارب ما بينهما. فأما الجديدان، فهما اللّيل والنهار، وهما أيضا الأجدّان، والملوان، والفتيان، والرّدفان، والعصران؛ قال الشاعر: إنّ الجديدين فى طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد النّاس (١) وقال آخر: وأمطله العصرين حتّى يملّنى ... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم (٢) وقال أبو عبيدة: ويقال الليل والنهار ابنا سبات، وأنشد ابن الأعرابىّ: وكنّا وهم كابنى سبات تفرّقا ... سوى ثمّ كانا منجدا وتهاميا (٣) ويقال للغداة والعشىّ: القرّتان (٤)، والبردان، والصّرعان (٥). *** [أبيات لرفيع الوالبىّ: ] أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب النحوىّ قال: أنشدنا ابن الأعرابى لرفيع الوالبىّ: كذبتك ما وعدتك أمس صلاح ... وعسى يكون لما وعدت نجاح (٦)

стр. 400

برء من السّقم الطّويل ضمانه ... لا يستوى سقم بكم وصحاح إصلاح إنّك قد رميت نوافذا ... وجوائفا ليست لهنّ جراح (١) ولقد رأيتك بالقوادم لمحة ... وعليّ من سدف العشىّ رياح (٢) - معنى رياح هاهنا، أى عليّ وقت من العشىّ، ومثله رواح؛ وقوم يروونه بالكسر وليس بشيء- / ما كان أبصرنى بغرّات الصّبا ... فاليوم قد شفعت لى الأشباح (٣) ومشى بجنب الشّخص شخص مثله ... والأرض نائية الشّخوص براح (٤) حلق الحوادث لمّتى فتركن لى ... رأسا يصلّ كأنّه جماح وذكا بأصداغي وقرن ذؤابتى ... قبس المشيب كأنّه مصباح قال: كأنّه جماح من امّلاسه، وجماح: سهم أو قصبة يجعل عليه طين، ثم يرمى به الطير. وبهذا الإسناد لبعضهم: أرى النّاس للصّعلوك حربا ولا أرى ... لذى نشب إلّا خليلا مصافيا أرى المال يغشى ذا الوصوم فلا ترى ... ويدعى من الأشراف من كان غانيا (٥) الصعلوك: الفقير، وهو أيضا القرضوب، والسّبروت. والوصوم: العيوب. [أخبار عقيل بن علّفة وإيراد طائفة من شعره: ] وبهذا الإسناد لعقيل بن علّفة: إنى ليحمدنى الخليل إذا اجتدى ... مالى ويكرهنى ذوو الأضغان وأبيت تخلجنى الهموم كأنّنى ... دلو السّقاة تمدّ بالأشطان (٦)

стр. 401

وأعيش بالبلل القليل وقد أرى ... أنّ الرّموس مصارع الفتيان (١) وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدثنى عليّ بن منصور قال: أخبرنى محمد بن موسى عن دعبل بن عليّ قال قال عقيل بن علّفة: - وذكر الأبيات الثلاثة، وزاد فيها: ولقد علمت لئن هلكت ليذكرن ... قومى إذا علن النّجي مكانى (٢) *** قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله تأييده: وكان عقيل بن علّفة مع قوّة شعره جيّد الكلام حكيم الألفاظ. وروى المدائنى قال: قال عبد الملك بن مروان لعقيل بن علّفة المرّيّ: ما أحسن (٣) أموالكم؟ فقال: ما ناله أحدنا عن أصحابه تفضّلا، قال: ثم أيّها؟ قال: مواريثنا، قال: فأيّها أشرف؟ قال: ما استفدناه بوقعة خوّلت نعما، وأفادت عزّا، قال: فما مبلغ عزّكم؟ قال: ما لم يطمع فينا، ولم/ نؤمن، قال: فما مبلغ جودكم؟ قال: ما عقدنا به مننا، وأبقينا به ذكرا، قال: فما مبلغ حفاظكم؟ قال: يدفع كل رجل منّا عن المستجير به كدفاعه عن نفسه؛ قال عبد الملك: هكذا فليصف الرجل قومه. وروى أنه قيل لعقيل بن علّفة: قد عنّست (٤) بناتك، أفما تخشى عليهنّ الفساد؟ قال: كلّا، إنى خلّفت عندهن الحافظين، قيل: وما هما؟ قال: الجوع والعرى، أجيعهن فلا يأشرن، وأعرّيهنّ (٥) فلا يظهرن. وقال له عبد الله يوما: ما لك تهجو قومك؟ قال: لأنهم أشباه الغنم، إذا صيح بها رفعت، وإذا سكت عنها رتعت، قال: إنّما تقول البيت والبيتين، قال: حسبى من القلادة ما أحاط بالعنق.

стр. 402

فأما معنى «علّفة» اسم أبيه، فإن ابن الأعرابىّ قال: العلّفة مثل الباقلّاء الرّطبة تكون تحت الزهرة من البقل وغيره. وقال أبو سعيد السّكّريّ: العلّفة ضرب من أوعية بزر بعض النبات مثل قشرة الباقلّاء. واللّوبيا؛ وهو الغلاف الّذي يجمع عدّة حبّ. وقيل: إن عقيلا كان يكنى بأبى الوليد، وكان رجلا غيورا موصوفا بشدة الغيرة، وروى أبو عمرو بن العلاء أنّه حمل يوما ابنة له وأنشأ يقول: إنى وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذود عشر (١) أحبّ أصهارى إلى القبر وذكر الأصمعىّ أن عقيلا كان لغيرته إذا رأى الرجل يتحدث إلى النساء أخذه، ودهن أرفاغه (٢) ومغابنه بزبد وربطه وطرحه فى قرية النمل، فلا يعود إلى محادثتهنّ. وروى الأصمعىّ قال: كان (٣) عقيل بن علّفة فى بعض سفره، ومعه ابنه العملّس وابنته الجرباء، فأنشأ يقول: قضت وطرا من دير سعد وربّما ... على عجل ناطحنه بالجماجم (٤) ثم أقبل على ابنه فقال: أجزيا عملّس، فقال: وأصبحن بالموماة يحملن فتية ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم (٥)

стр. 403

ثم أقبل على ابنته، فقال: أجيزى يا جرباء، فقالت: كأنّ الكرى سقّاهم صرخديّة ... عقارا تمشّت فى المطا والقوائم (١) قال: / فأقبل على ابنته يضربها ويقول: والله ما وصفتها بهذه الصفة حتى شربتها، فوثب عليه إخوتها فقاتلوه دونها، ثم رماه أحدهم بسهم فانتظم فخذيه، فقال عقيل: إنّ بنيّ زمّلونى بالدّم (٢) ... من يلق أبطال الرّجال يكلم (٣) ومن يكن ذا أود يقوّم ... شنشنة أعرفها من أخزم الشنشنة: الطبيعة والسجية. وقيل الشبه، وهذا مثل اجتلبه عقيل (٤)، وقد قيل قبله؛ ولعقيل: وللدّهر أثواب فكن فى لباسه ... كلبسته يوما أجدّ وأخلقا (٥) وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت فى الحمقى فكن أنت أحمقا

стр. 404

٢٨ مجلس آخر [المجلس الثامن والعشرون: ] تأويل آية [: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ؛ [البقرة: ٢١٠] فقال: كيف يصحّ القول بأنّها رجعت عليه وهى لم تخرج عن يده؟ . الجواب، قلنا قد ذكر فى ذلك وجوه: أولها أنّ الناس فى دار المحنة والتكليف قد يغترّ بعضهم ببعض، ويعتقدون فيهم أنهم يملكون جرّ المنافع إليهم وصرف المضارّ عنهم، وقد تدخل عليهم الشّبه لتقصيرهم فى النظر، وعدولهم عن وجهه وطريقه، فيعبد قوم الأصنام وغيرها من المعبودات الجامدة الهامدة التى لا تسمع ولا تبصر، ويعبد آخرون البشر، ويجعلونهم شركاء لله تعالى فى استحقاق العبادة؛ ويضيف كلّ هؤلاء أفعال الله فيهم إلى غيره، فإذا جاءت الآخرة، وانكشف الغطاء واضطرّوا إلى المعارف زال ما كانوا عليه فى الدنيا من الضلال واعتقاد الباطل، وأيقن الكلّ أنّه لا خالق ولا رازق ولا ضارّ ولا نافع غير الله تعالى فردوا إليه أمورهم، وانقطعت آمالهم من غيره، وعلموا أنّ الّذي كانوا عليه من عبادة غيره، وتأميله للضّرّ والنفع غرور وزور، فقال الله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ لهذا المعنى. والوجه الثانى أن يكون معنى الآية فى الأمور أنّ الأمور كلّها لله تعالى، وفى يده وقبضته من غير خروج ورجوع حقيقىّ؛ وقد تقول العرب: قد رجع عليّ من فلان مكروه، بمعنى صار إلى منه؛ ولم يكن سبق إلى قبل هذا الوقت، وكذلك يقولون: قد/ عاد عليّ من زيد كذا وكذا وإن وقع منه على سبيل الابتداء قال الشاعر: وإن تكن الأيّام أحسن مرّة ... إلى فقد عادت لهنّ ذنوب

стр. 405

أى صارت لها ذنوب لم تكن من قبل؛ بل كان قبلها إحسان فحمل الآية على هذا المعنى شائع جائز تشهد له اللغة. والوجه الثالث أنّا قد علمنا أنّ الله تعالى قد ملّك العباد فى دار التكليف أمورا تنقطع بانقطاع التكليف، وإفضاء الأمر إلى الدار الآخرة، مثل ما ملّكه الموالى من العبيد، وما ملّكه الحكام من الحكم وعير ذلك؛ فيجوز أن يريد تعالى برجوع الأمر إليه انتهاء ما ذكرناه من الأمور التى يملكها غيره بتمليكه إلى أن يكون هو وحده مالكها ومدبّرها. ويمكن فى الآية وجه آخر؛ وهو أن يكون المراد بها أنّ الأمر ينتهى إلى ألّا يكون موجود قادر غيره، ويفضى الأمر فى الانتهاء إلى ما كان عليه فى الابتداء، لأن قبل إنشاء الخلق هكذا كانت الصورة، وبعد إفنائهم هكذا تصير وتكون الكناية برجوع الأمر إليه عن هذا المعنى، وهو رجوع حقيقىّ، لأنه عاد إلى ما كان عليه متقدما. ويحتمل أيضا أنّ المراد بذلك أنّ إلى قدرته تعود المقدورات، لأن ما أفناه من مقدوراته الباقية كالجواهر والأعراض ترجع إلى قدرته، ويصحّ منه تعالى إيجاده لعوده إلى ما كان عليه، وإن كان ذلك لا يصحّ فى مقدورات البشر، وإن كانت باقية لما دلّ عليه الدليل، من اختصاص مقدور القدر باستحالة العود إليها، من حيث لم يجز فيها التقديم والتأخير، وهذا أيضا حكم، هو تعالى المتفرد به دون غيره من سائر القادرين، والله أعلم بما أراد. تأويل آية أخرى [: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، [البقرة: ١٨٩]. فقال: أىّ معنى لذكر البيوت وظهورها وأبوابها؟ وهل المراد بذلك البيوت المسكونة

стр. 406

على الحقيقة، أو كنّى بهذه اللفظة عن غيرها؟ فإن كان الأول فما الفائدة فى إتيانها من أبوابها دون ظهورها؟ وإن كانت كناية فبيّنوا وجهها ومعناها. الجواب قيل له فى الآية وجوه. أولها ما ذكر من أنّ الرجل من العرب كان إذا قصد حاجة فلم تقض له، ولم ينجح فيها رجع فدخل من مؤخّر البيت، ولم يدخل من بابه تطيّرا، فدلّهم الله تعالى على أنّ هذا من فعلهم لا برّ فيه، وأمرهم من التّقى بما ينفعهم ويقرّبهم إليه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن التطيّر وقال: «/ لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»؛ أى لا يعدى شيء شيئا. وقال ﵇: «لا يورد ذو عاهة على مصحّ»؛ ومعنى هذا الكلام أنّ من لحقت إبله آفة أو مرض فلا ينبغى أن يوردها على إبل لغيره صحاح، لأنّه متى لحق الصّحاح مثل هذه العاهة اتفاقا، لا لأجل العدوى لم يؤمن من صاحب الصّحاح أن يقول إنما لحق إبلى هذه الآفة من تلك الإبل، وهى أعدت إبلى، فنهى النبي صلى الله عليه وآله عن هذا، ليزول المأثم بين الفريقين والظّنّ القبيح. وثانيها أن العرب إلّا قريشا ومن ولدته قريش كانوا إذا أحرموا فى غير الأشهر الحرم لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، ودخلوها من ظهورها إذا كانوا من أهل الوبر، وإذا كانوا من أهل المدر نقبوا فى بيوتهم ما يدخلون ويخرجون منه، ولم يدخلوا ولم يخرجوا من أبواب البيوت؛ فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأعلمهم أنه لا معنى له، وأنه ليس من البرّ وأن البرّ غيره. وثالثها- وهو جواب أبى عبيدة معمر بن المثنى- أن المعنى ليس البرّ بأن تطلبوا الخير من غير أهله، وتلتمسوه من غير بابه، وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، معناه: واطلبوا الخير من وجهه، ومن عند أهله. ورابعها- وهو جواب أبى عليّ الجبّائىّ- أن تكون الفائدة فى هذا الكلام ضرب المثل،

стр. 407

وأراد: ليس البرّ أن يأتى الرجل الشيء من خلاف جهته؛ لأن إتيانه من خلاف جهته يخرج الفعل عن حد الصواب والبرّ إلى الإثم والخطأ، وبيّن البرّ والتقوى، وأمر بإتيان الأمور من وجوهها، وأن تفعل على الوجوه التى لها وجبت وحسنت، وجعل تعالى ذكر البيوت وظهورها وأبوابها مثلا؛ لأن العادل فى الأمر عن وجهه كالعادل فى البيت عن بابه. وخامسها أن تكون البيوت كناية عن النساء، ويكون المعنى: وأتوا النساء من حيث أمركم الله، والعرب تسمّى المرأة بيتا؛ قال الشاعر: ما لي إذا أنزعها صأيت ... أكبر غيّرنى أم بيت (١) أراد بالبيت: المرأة. ومما يمكن أن يكون شاهدا للجواب الّذي حكيناه عن أبى عليّ الجبّائىّ، والجواب عن أبى عبيدة أيضا ما أخبرنا به أبو القاسم عبيد الله عثمان بن يحيى قال: أخبرنا/ أبو عبد الله محمد بن أحمد الحكيمىّ قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوىّ قال: أنشدنا ابن الأعرابىّ (٢): إنى عجبت لأمّ العمر إذ هزئت ... من شيب رأسى وما بالشّيب من عار (٣) ما شقوة المرء بالإقتار يقتره ... ولا سعادته يوما بإكثار إنّ الشّقىّ الّذي فى النّار منزله ... والفوز فوز الّذي ينجو من النّار أعوذ بالله من أمر يزبّن لى ... شتم العشيرة أو يدنى من العار وخير دنيا ينسّى أمر آخرة ... وسوف يبدى لى الجبّار أسرارى (٤)

стр. 408

لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره ... ولا أكسّر فى ابن العمّ أظفارى فقوله: * لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره* يحتمل أن يريد به: إننى لا آتى الأمور من غير وجهها، على أحد الأجوبة فى الآية، ويحتمل أيضا أنى لا أطلب الخير إلا من أهله على جواب أبى عبيدة، ويحتمل وجها آخر (١)؛ وهو أن يريد أننى لا أقصد البيت للرّيبة والفساد، لأنّ من شأن من يسعى إلى إفساد الحرم، ويقصد البيوت للريبة أن يعدل عن أبوابها طلبا لإخفاء أمره، فكأنه نفى عن نفسه بهذا القول القبيح، وتنزّه عنه؛ كما تنزه بقوله: * ولا أكسّر فى ابن العمّ أظفارى* عن مثله، وأراد أنه لا يندى (٢) ابن العمّ منى السوء، ولا يتألم بشيء من جهتى، فأكون كأننى قد جرحته بأظفارى، وكسرتها فى لحمه؛ وهذه كنايات بليغة مشهورة للعرب. *** [أبيات لهلال بن خثعم وشرح ما ورد فيها من الغريب: ] ويجرى مجرى هذه الأبيات ويقاربها فى المعنى وحسن الكناية قول هلال بن خثعم: وإنى لعفّ عن زيارة جارتى ... وإنى لمشنوء إلى اغتيابها إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زءورا ولم تنبح عليّ كلابها (٣) وما أنا بالدّارى أحاديث بيتها ... ولا عالم من أىّ حوك ثيابها وإنّ قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك عورات الأمور اجتنابها (٤)

стр. 409

قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد جمعت هذه الأبيات فقرا عجيبة، وكنايات بليغة، لأنه نفى عن نفسه زيارة جارته عند غيبة بعلها، وخصّ حال الغيبة لأنها أدنى إلى الرّيبة وأخصّ بالتهمة فقال/: «ولم تنبح عليّ كلابها»، أراد: إنى لا أطرقها ليلا مستخفيا متنكّرا فتنكرنى كلابها، وتنبحنى، وهذه الكناية تجرى مجرى قول الشاعر المتقدم: * لا أدخل البيت أحبو من مؤخّره* وقد روى: «ولم تأنس إلى كلابها» وهذا معنى آخر، كأنه أراد أنه ليس يكثر الطروق لها والغشيان لمنزلها، فتأنس به كلابها لأن الأنس لا يكون إلّا مع المواصلة والمواترة. وقوله: * وما أنا بالدّارى أحاديث بيتها* أراد به أيضا التأكيد فى نفى زيارتها وطروقها عن نفسه؛ لأنه إذا أدمن الزيارة عرف أحاديث بيتها، فإذا لم يزرها وصارمها لم يعرف، ويحتمل أن يريد: إننى لا أسأل عن أحوالها وأحاديثها كما يفعل أهل الفضول؛ فنزّه نفسه عن ذلك. وقوله: * ولا عالم من أىّ حوك ثيابها* كناية مليحة عن أنّه لا يجتمع معها، ولا يقرب منها؛ فيعرف صفة ثيابها. *** [إيراد مقطعات مختلفة لحارثة بن بدر الغدانىّ: ] وبالإسناد المتقدّم لحارثة بن بدر الغدانىّ (١). إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضه ... ولست بممضيه وأنت تعادله ولا تنزلن أمر الشّديدة بامرئ ... إذا همّ أمرا عوّقته عواذله (٢)

стр. 410

فما كلّ ما حاولته الموت دونه، ... ولا دونه أرصاده وحبائله وما الفتك ما آمرت فيه ولا الّذي ... تحدّث من لاقيت أنّك فاعله (١) وما الفتك إلّا لامرئ ذى حفيظة ... إذا صال لم ترعد إليه خصائله (٢) ولا تجعلن سرّا إلى غير أهله ... فتقعد إن أفشى عليك تجادله ولا تسأل المال البخيل ترى له ... غنى بعد ضرّ أورثته أوائله (٣) أرى المال أفياء الظّلال فتارة ... يئوب، وأخرى يختل المال خاتله معنى «آمرت» شاورت. والخصائل: كل لحم مجتمع. وقد روينا فى هذه الأبيات زيادة على القدر الّذي ذكرناه: أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى الحسن بن عليّ قال حدثنا محمد بن العباس قال حدّثني الفضل بن محمد عن أبى المنهال المهلّبىّ قال: من الأبيات السائرة قول حارثة ابن بدر الغدانىّ: لعمرك ما أبقى لى الدّهر من أخ ... حفىّ ولا ذى خلّة لى أواصله (٤) / ولا من خليل ليس فيه غوائل ... فشرّ الأخلّاء الكثير غوائله وقل لفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الرّوع أفرخ، أكثر الرّوع باطله (٥) معنى «أفرخ» أى اسكن، يقال: أفرخ روعه إذا سكن. وما كلّ ما حاولته، الموت دونه ... ...

стр. 411

وذكر البيتين اللذين بعده، وزاد: وكن أنت ترعى سرّ نفسك واعلمن ... بأنّ أقلّ النّاس للنّاس حامله (١) إذا ما قتلت الشّيء علما فبح به (٢) ... ولا تقل الشّيء الّذي أنت جاهله ومما يستحسن لحارثة بن بدر قوله: لنا نبعة كانت تقينا فروعها ... وقد بلغت إلّا قليلا عروقها (٣) وإنّا لتستحلى المنايا نفوسنا ... ونترك أخرى مرّة لا تذوقها (٤) وشيّب رأسى قبل حين مشيبه ... رعود المنايا بيننا وبروقها قوله: * لنا نبعة كانت تقينا فروعها* مثل ضربه، وإنما أراد عشيرته وأهل بيته. وقد روى هذه الأبيات عليّ بن سليمان الأخفش عن أبى العباس ثعلب، وزاد فيها: رأيت المنايا باديات وعوّدا ... إلى دارنا سهلا إلينا طريقها وقد قسمت نفسى فريقين منهما: ... فريق مع الموتى، وعندى فريقها وبينا نرجّى النّفس ما هو نازح ... من الأمر لاقت دونها ما يعوقها وروى أبو العيناء قال: أنشد الشعبىّ عبد الله بن جعفر الأبيات الثلاثة الأول،

стр. 412

فقال عبد الله: لمن هذا يا شعبىّ؟ فقال: لحارثة بن بدر، فقال: نحن أحقّ بهذا، ثم أمر للشّعبىّ بأربعمائة دينار. [طرف من أخبار حارثة بن بدر وبعض نوادره: ] ومن مستحسن قول حارثة: ولقد وليت إمارة فرجعتها ... فى المال سالمة ولم أتموّل (١) ولقد منعت النّصح من متقبّل ... ولقد رفدت النّصح من لم يقبل / فبأىّ لمسة لامس لم ألتمس ... وبأىّ حيلة حائل لم أحتل (٢) يا طالب الحاجات يرجو نجحها ... ليس النجاح مع الأخفّ الأعجل فاصدق إذا حدّثت تكتب صادقا ... وإذا حلفت مماريا فتحلّل (٣) - معنى «تكتب صادقا»، أى تكون عند الله صادقا. وقوله: «فتحلّل» أى استثن- وإذا رأيت الباهشين إلى العلى ... غبرا أكفّهم بريث فاعجل - معنى الباهشين: المادّين أيديهم إلى الشيء المهتشّين (٤) له- واحذر مكان السّوء لا تحلل به (٥) ... وإذا نبا بك منزل فتحوّل وإذا ابن عمّك لجّ بعض لجاجة ... فانظر به عدة ولا تستعجل وإذا افتقرت فلا تكن متخشّعا ... ترجو الفواضل عند غير المفضل واستغن ما أغناك ربّك بالغنى ... وإذا تكون خصاصة فتجمّل وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثنا محمد بن أبى الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد

стр. 413

النحوىّ قال: كان (١) حارثة بن بدر الغدانىّ رجل تميم فى وقته، وكان قد غلب على زياد، وكان الشراب قد غلب عليه، فقيل لزياد: إن هذا قد غلب عليك، وهو مستهتر (٢) بالشراب؛ فقال زياد: كيف باطّراح رجل هو يسايرنى مذ دخلت العراق، لم يصكك ركابى ركاباه (٣)، ولا تقدمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخّر عنى فلويت عنقى إليه، ولا أخذ عليّ الشمس فى شتاء قط، ولا الرّوح (٤) فى صيف قطّ، ولا سألته عن علم إلا ظننته لا يحسن غيره! فلما مات زياد جفاه ابنه عبيد الله، فقال له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة (٥)! فقال له عبيد الله: إن أبا المغيرة قد كان برع بروعا لا يلحقه معه عيب، وأنا حدث، وإنما أنسب إلى من يغلب عليّ، وأنت رجل تديم الشّراب، فمتى قرّبتك وظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظنّ بى، فدع الشراب، وكن أول داخل عليّ، وآخر خارج، فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرّى ونفعى، أفدعه للحال عندك! قال: فاختر من عملى ما شئت. قال: تولينى/ رامهرمز (٦)، فإنها أرض عذاة (٧)، وسرّق (٨)؛ فإن بها شرابا وصف لى. فولّاه إياها، فلما شيّعه الناس قال أنس بن أبى أنيس (٩) - وقيل: ابن أبى إياس الدّيلىّ: أحار بن بدر قد وليت إمارة ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق (١٠) ولا تحقرن يا حار شيئا وجدته ... فحظّك من ملك العراقين سرّق

стр. 414

وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به العىّ الهيوبة ينطق (١) فإنّ جميع النّاس؛ إمّا مكذّب ... يقول بما يهوى، وإما مصدّق (٢) يقولون أقوالا ولا يعلمونها ... فإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا وهذه الأبيات تروى لأبى الأسود الدّؤليّ، وأنه كتب بها إلى حارثة لما ردّت إليه سرّق، ويزاد فيها: وكن حازما فى اليوم إنّ الّذي به ... يجئ غد يوم على الناس مطبق (٣) ولا تعجزن فالعجز أوطأ مركب ... وما كلّ من يدعو إلى الخير يرزق إذا ما دعاك القوم عدوّك آكلا ... وكل حار أوجع؛ لست ممّن يحمّق ويقال إن حارثة بن بدر أجاب عن هذه الأبيات بقوله: جزاك إله الناس خير جزائه ... فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا أشرت بأمر لو أشرت بغيره ... لألفيتنى فيه لرأيك عاصيا (٤) ويقال إن حارثة بن بدر والأحنف بن قيس دخلا على ابن زياد، فقال لحارثة: أىّ الشراب أطيب؟ وكان يتّهم (٥)، فقال: برّة طاسارية، وأقطة غنويّة، وسمنة عنبريّة، وسكّرة سوسية، ونطفة مسرقانيّة (٦). فقال للأحنف: يا أبا بحر، ما أطيب الشراب؟ قال:

стр. 415

الخمر، قال: وما يدريك ولست من أهلها؟ قال: رأيت فيها خصلتين عرفت أنها أطيب الشراب بهما، قال: وما هما؟ قال: رأيت من أحلّت له لا يتعدّاها إلى غيرها، ومن حرّمت عليه يتناولها، فعرفت أنها أطيب الشراب. ولحارثة بن بدر يخاطب عبيد الله بن زياد لما تغيّر عليه بعد اختصاصه كان بأبيه (١): / أهان وأقصى ثمّ تنتصحوننى ... وأىّ امرئ يعطى نصيحته قسرا! رأيت الأكفّ المصلتين عليكم ... ملاء، وكفّى من عطاياكم صفرا وإنى مع السّاعى إليكم بسيفه ... إذا أحدث الأيّام فى عظمكم كسرا متى تسألونى ما عليّ وتمنعوا ال ... لذى لى لا أسطع على ذلكم صبرا وقال يعاتبه: وكم من أمير قد تجبّر بعد ما ... مريت له الدّنيا بسيفى فدرّت إذا زبنته عن فواق أتت به ... دعانى ولا ادعى إذا ما أقرّت إذا ما هى احلولت محا حقّ مقسمى ... ويقسم لى منها إذا ما أمرّت زبنته: أى دفعته عن أن يحلبها. والفواق: اجتماع اللّبن فى الضّرع بين الحلبتين. ومعنى أقرت: تركته يحلبها. ويشبه أبيات حارثة هذه قول عبد الله بن الزّبير الأسدىّ يعاتب معاوية ومروان وأهل بيته؛ من جملة قصيدة، وهى أبيات قوية جدّا: عطاؤكم للضّاربين رقابكم ... وندعى إذا ما كان حزّ الكراكر (٢) أنحن أخوكم فى المضيق وسهمنا ... إذا ما قسمتم فى الحظاء الأصاغر - الحظاء: سهام صغار-

стр. 416

وثديكم الأدنى إذا ما سألتم ... ونلقى بثدى حين نسأل باسر (١) وإن كان فينا الذّنب فى الناس مثله ... أخذنا به من قبل ناه وآمر (٢) - معنى «من قبل ناه وآمر»، أى من قبل أن ننهى عنه أو نؤمر به، أى باجتنابه- وإن جاءكم منّا غريب بأرضكم ... لويتم له يوما جنوب المناخر فهل يفعل الأعداء إلّا كفعلكم ... هوان السّراة وابتغاء العواثر (٣) وغيّر نفسى عنكم ما فعلتم ... وذكر هوان منكم متظاهر جفاؤكم من عالج الحرب عنكم ... وأعداؤكم من بين جاب وعاشر (٤) فلا تسألونى عن هواى وودّكم ... وقل فى فؤاد قد توجّه نافر (٥) ولحارثة يرثى زيادا: لهفى عليك للهفة من خائف ... يبغى جوارك حين ليس مجير أمّا القبور فإنّهنّ أوانس ... بجوار قبرك والدّيار قبور عمّت فواضله فعمّ مصابه ... فالنّاس فيه كلّهم مأجور ردّت صنائعه إليه حياته ... فكأنّه من نشرها منشور قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أبا تمام الطائىّ نظر إلى قول حارثة ابن بدر «ردت صنائعه إليه حياته» فى قوله: ألم تمت يا شقيق النّفس مذ زمن؟ ... فقال لى: لم يمت من لم يمت كرمه (٦) وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعىّ عن عمه قال: مرّ حارثة بن بدر الغدانىّ، ومعه كعب مولاه، فجعل لا يمرّ

стр. 417

بمجلس من مجالس تميم إلّا قالوا: مرحبا بسيدنا. فقال كعب: ما سمعت كلاما قطّ هو أقرّ لعينى، وألذّ فى سمعى مما سمعته اليوم! فقال حارثة: ولكنّى ما سمعت كلاما قطّ هو أكره إلى منه، ثم قال: ذهب الرّجال فسدت غير مدافع ... ومن الشّقاء تفرّدى بالسّؤدد (١) وهذا البيت يقال إنه لحارثة، لا أنه تمثّل به. وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عبد الله بن جعفر قال حدثنا محمد بن يزيد قال قال الكنانىّ: مرّ حارثة بن بدر بالأحنف بن قيس فقال: لولا أنّك مستعجل لشاورتك، قال له: أجل، كانوا يكرهون أن يشاور الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى ينقع، والمضلّ (٢) حتى يجد، والغضبان حتى يرضى، والمحزون حتى يفيق.

стр. 418

٢٩ مجلس آخر [المجلس التاسع والعشرون: ] تأويل آية [: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا/ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ؛ [البقرة: ٢٠٢]. فقال: أىّ تمدّح فى سرعة الحساب، وليس بظاهر وجه المدحة فيه؟ . الجواب، قلنا فى ذلك وجوه: أولها أن يكون المعنى أنّه سريع المجازاة (١) للعباد على أعمالهم، وأنّ وقت الجزاء قريب وإن تأخر، ويجرى مجرى قوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ؛ [النحل: ٧٧]. وإنما جاز أن يعبّر عن المجازاة أو الجزاء بالحساب؛ لأنّ ما يجازى به العبد هو كفء لفعله ولمقداره، فهو حساب له إذا كان مماثلا مكافئا. وممّا يشهد بأنّ فى الحساب معنى الكفاية والمكافأة قوله تعالى: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً؛ [النبأ: ٣٦]، أى عطاء كافيا، ويقال: أحسبنى الطعام يحسبنى إحسابا إذا كفانى، قال الشاعر: وإذ لا ترى فى النّاس حسنا يفوتها ... وفى النّاس حسن لو تأمّلت محسب (٢) معناه كاف.

стр. 419

وثانيها أن يكون المراد أنّه يحاسب الخلق جميعا فى أوقات يسيرة، ويقال: إنّ مقدار ذلك مقدار حلب شاة؛ لأنه تعالى لا يشغله محاسبة بعضهم عن محاسبة غيره (١)؛ بل يكلّمهم جميعا ويحاسبهم كلّهم على أعمالهم فى وقت واحد؛ وهذا أحد ما يدلّ على أنّه تعالى ليس بجسم، وأنّه لا يحتاج فى فعل الكلام إلى آلة؛ لأنه لو كان بهذه الصفات- تعالى عنها- لما جاز أن يخاطب اثنين فى وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين؛ ولكان خطاب بعض الناس يشغله عن خطاب غيره، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة غير قصيرة؛ كما أنّ جميع ذلك واجب فى المحدثين الذين يفتقرون فى الكلام إلى الآلات. وثالثها ما ذكره بعضهم من أنّ المراد بالآية أنه سريع العلم بكل محسوب، وأنّه لما كانت عادة بنى الدنيا أن يستعملوا الحساب والإحصاء فى أكثر أمورهم؛ أعلمهم الله تعالى أنّه يعلم ما يحسبون بغير حساب؛ وإنما سمّى العلم حسابا لأنّ الحساب إنما يراد به العلم؛ وهذا جواب ضعيف؛ لأن العلم بالحساب أو المحسوب لا يسمّى حسابا، ولو سمّى بذلك لما جاز أيضا أن يقال إنه سريع العلم بكذا؛ لأنّ علمه بالأشياء مما لا يتجدّد فيوصف بالسرعة. ورابعها أنّ الله تعالى سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ وذلك أنّه يسأل فى وقت واحد سؤالات مختلفة/ من أمور الدنيا والآخرة، فيجزى كلّ عبد بمقدار استحقاقه ومصلحته، فيوصل إليه عند دعائه ومسألته ما يستوجبه بحد ومقدار؛ فلو كان الأمر على ما يتعارفه الناس لطال العدد واتصل الحساب، فأعلمنا تعالى أنّه سريع الحساب، أى سريع القبول للدعاء بغير إحساس وبحث عن المقدار الّذي يستحقّه الداعى؛ كما يبحث المخلوقون للحساب والإحصاء؛ وهذا الجواب مبنىّ أيضا على دعوى أنّ قبول الدعاء لا يسمّى حسابا فى لغة ولا عرف ولا شرع. وقد كان يجب على من أجاب بهذا الجواب أن يستشهد على ذلك بما يكون حجة فيه، وإلّا فلا طائل فيما ذكره.

стр. 420

ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالحساب محاسبة الخلق على أعمالهم يوم القيامة وموافقتهم عليها، وتكون الفائدة فى الإخبار بسرعته الإخبار عن قرب الساعة؛ كما قال تعالى: سَرِيعُ الْعِقابِ. وليس لأحد أن يقول: فهذا هو الجواب الأول الّذي حكيتموه؛ وذلك أن بينهما فرقا؛ لأن الأول مبنىّ على أن الحساب فى الآية هو الجزاء والمكافأة على الأعمال، وفى هذا الجواب لم يخرج الحساب عن بابه وعن معنى المحاسبة، والمقابلة بالأعمال وترجيحها، وذلك غير الجزاء الّذي يفضى الحساب إليه. وقد طعن بعضهم فى الجواب الثانى معترضا على أبى عليّ الجبّائىّ فى اعتماده إياه [بأن قال] (١): مخرج الكلام فى الآية على وجه الوعيد، وليس فى خفّة الحساب وسرعة زمانه ما يقتضي زجرا، ولا هو مما يتوعد بمثله؛ فيجب أن يكون المراد الإخبار عن قرب أمر الآخرة والمجازاة على الأعمال. وهذا الجواب ليس أبو عليّ هو المبتدئ به، بل قد حكى عن الحسن البصرىّ، واعتمده أيضا قطرب بن المستنير النحوىّ: وذكره المفضّل بن سلمة، وليس الطّعن الّذي حكيناه عن هذا الطاعن بمبطل له، لأنه اعتمد على أنّ مخرج الآية مخرج الوعيد، وليس كذلك، لأنه تعالى قال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ؛ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]، فالأشبه بالظاهر أن يكون الكلام وعدا بالثواب، وراجعا إلى الذين يقولون: رَبَّنا آتِنا/ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أو يكون راجعا إلى الجميع، فيكون المعنى: إن للجميع نصيبا مما كسبوا؛ فلا يكون وعيدا خالصا؛ بل إما أن يكون وعدا خالصا أو وعدا ووعيدا، على أنه لو كان وعيدا خالصا على ما ذكر الطاعن لكان لقوله تعالى: وَاللَّهُ

стр. 421

سَرِيعُ الْحِسابِ، على تأويل من أراد قصر الزمان، وسرعة الموافقة وجه وتعلّق بالوعد والوعيد؛ لأن الكلام على كل حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرّها؛ وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة؛ وفى هذا ترغيب وترهيب لا محالة، لأن من علم أنه يحاسب بأعماله، ويواقف (١) على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح ورغب فى فعل الواجب. فبهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن فى حمل الحساب على قرب المجازاة، أو قرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا فى الطاعات وزجرا عن المقبّحات؛ فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولا مرذول (٢). تأويل آية أخرى [: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ [البقرة: ٢١٢]. فقال: أىّ تمدّح فى الإعطاء بغير حساب، وقد يكون المعطى بحساب أجزل عطية من المعطى بغير حساب؟ . الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه: أولها أن تكون الفائدة أنه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق ولا احتساب منه، فالحساب هاهنا راجع إلى المرزوق لا إليه تعالى؛ كما يقول القائل: ما كان كذا وكذا فى حسابى، أى لم أؤمله، ولم أقدّر أنه يكون؛ وهذا وصف للرزق بأحسن الأوصاف؛ لأن الرزق إذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له وأحلى؛ وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه فى تفسير هذه الآية أنه قال: عنى بها أموال بنى قريظة والنّضير، وأنّها تصير إليكم بغير حساب ولا قتال، على أسهل الأمور وأقربها وأيسرها.

стр. 422

وثانيها أن الله تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيّق ولا مقتّر؛ بل يزيد فى السّعة والكثرة على كل عطاء المخلوقين (١)، فيكون نفى الحساب فيه نفيا (٢) للتّضييق، ومبالغة فى وصفه بالسّعة، والعرب تسمّى العطاء القليل/ محسوبا، قال قيس بن الخطيم: أنّى سربت وكنت غير سروب! ... وتقرّب الأحلام غير قريب (٣) ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه ... فى النّوم غير مصرّد محسوب (٤) وثالثها أن يكون المعنى أنه يرزق من يشاء، أى من غير طلب للمكافأة أو إراغة لفائدة تعود إليه، أو منفعة ترجع عليه، لأنّ من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليكافئوا ولينتفعوا، ولهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الأمور: فلان يحاسب الناس فيما يعطيهم، ويناقشهم فيما يوصّله إليهم، وما أشبه ذلك، فلما انتفت هذه الأمور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول إنه يرزق بغير حساب. ورابعها ما أجاب به قطرب، قال: معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ممّا (٥) يضبطه الحساب، أو يأتى (٦) عليه العدد، لأن مقدوره تعالى لا يتناهى، وما فى خزائنه لا ينحصر، ولا يصحّ عليه النفاد؛ وليس كالمعطى منّا الألف من الألفين، والعشرة من المائة؛ لأن مقدار ما يتّبع له ويتمكّن منه محدود متناه، ولا تناهى ولا انقطاع لما يقدّر سبحانه عليه. وخامسها أنه يعطى عباده فى الجنة من النعيم واللذات أكثر مما استحقوا، وأزيد مما وجب لهم، بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً

стр. 423

حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً؛ [البقرة: ٢٤٥] وكما قال : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ؛ [التغابن: ١٧]، وكما قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛ [فاطر: ٣٠]. وسادسها أن يكون المعطى منّا غيره شيئا والرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك، فيكون فعله حسنا لا يسأل عنه، ولا يؤاخذ به، ولا يحاسب عليه؛ وربما لم يكن له ذلك، فيكون فعله قبيحا يؤاخذ به، ويحاسب عليه، فنفى الله تعالى عن نفسه أن يفعل من الرزق القبيح، وما ليس له أن يفعله بنفى الحساب عنه، وأنبأ أنه لا يرزق ولا يعطى إلا على أفضل الوجوه وأحسنها وأبعدها من الذمّ؛ وتجرى الآية مجرى قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ؛ [الأنبياء: ٢٣]، وإنما أراد أنه تعالى من حيث وقعت أفعاله كلّها حسنة غير قبيحة لم يجز أن يسأل عنها/ وإن سئل العباد عن أفعالهم، لأنهم يفعلون الحسن والقبيح معا. وسابعها أنّ الله تعالى إذا رزق العبد وأعطاه من فضله كان الحساب عن العبد ساقطا من جهة الناس، فليس لأحد أن يقول له: لم رزقت؟ ولا يقول لربه: لم رزقته؟ ولا يسأله ربّه عن الرزق، وإنما يسأله عن إنفاقه فى الوجوه التى ينفقه فيها، فيسقط (١) الحساب من هذه الوجوه عمّا يرزقه الله تعالى، ولذلك قال تعالى: بِغَيْرِ حِسابٍ. وثامنها أن يكون المراد ب مَنْ يَشاءُ أن يرزقه من أهل الجنة، لأنه يرزقهم رزقا لا يصحّ أن يتناول جميعه الحساب، ولا العدد والإحصاء من حيث لا نهاية له ولا انقطاع للمستحقّ منه؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى فى موضع آخر: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ؛ [غافر: ٤٠].

стр. 424

تأويل خبر [«توضّئوا ممّا غيّرت النار»] إن سأل سائل عن الخبر الّذي يروى عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ أنه قال: «توضّئوا ممّا غيّرت النار»، فقال: ما المراد بالوضوء هاهنا ومذهبكم أن مسّ ما غيّرته النار لا يوجب وضوءا؟ الجواب، إن معنى «توضئوا» أى نظّفوا أيديكم من الزّهومة، لأنه روى أنّ جماعة من الأعراب كانوا لا يغسلون أيديهم من الزّهومة ويقولون: فقدها أشدّ علينا من ريحها، فأمر ﵇ بتنظيف الأيدى لذلك (١). فإن قيل: كيف يصحّ أن تحملوا الخبر على اللفظ اللغوىّ، مع انتقاله بالعرف الشرعىّ إلى الأفعال المخصوصة، بدلالة أنّ من غسل يده أو وجهه لا يقول بالإطلاق: «توضأت»، ومتى سلم لكم أن الوضوء أصله من النظافة لم ينفعكم مع الانتقال الّذي ذكرناه، وكلامه ﵇ أخصّ بالعرف الشرعىّ، وحمله عليه أولى من حمله على اللغة. قلنا: ليس ينكر (٢) أن يكون إطلاق الوضوء هو المنتقل من اللغة إلى عرف الشرع، والمختصّ بالأفعال المعيّنة، وكذلك المضاف منه إلى الحدث أو الصلاة وما أشبههما (٣). فأما المضاف إلى الطعام وما جرى مجراه فباق على أصله؛ ألا ترى أنّهم لو قالوا: توضأت من الطعام، ومن الغمر (٤)، أو توضأت للطعام لم يفهم منه إلّا الغسل والتنظيف، وإذا قالوا: توضأت إطلاقا، أو توضأت من الحدث أو للصلاة فهم منه/ الأفعال الشرعية؛ فليس ينكر ما ذكرناه من اختصاص النّقل، لأنه كما يجوز انتقال اللفظة من فائدة فى اللغة إلى فائدة فى الشرع على كلّ وجه، كذلك يجوز أن تنتقل على وجه دون وجه، وتبقى من الوجه الّذي لم تنتقل منه على ما كان عليه فى اللغة. وقد ذهب كثير من الناس إلى أنّ إطلاق لفظة «مؤمن» منتقل من اللغة إلى عرف

стр. 425

الدين ومختصّ باستحقاق الثواب، وإن كان مقيّدها باقيا على ما كان عليه فى اللغة. ويبيّن ذلك أيضا ما روى عن الحسن أنه قال: «الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر، وبعده ينفى اللّمم»؛ وإنما أراد غسل اليدين بغير شك. وروى عن قتادة أنه قال: «غسل اليد وضوء» وروى عكراش (١) أن رسول الله صلى الله عليه وآله أكل [وغسل يده ومسح ببلل يده وجهه] (٢) وذراعيه ورأسه (٣)، وقال: «هكذا الوضوء ممّا مست النار»، على أنه لو كانت هذه اللفظة منتقلة على كلّ حال إلى الأفعال الشرعية المخصوصة لصحّ أن نحمله (٤) فى الخبر على خلاف ذلك، ونردّها إلى أصلها بالأدلّة، وإن كان الأولى لولا الأدلة أن تحمل على مقتضى الشرع (٥). فمن الأدلة على ما ذكرناه ما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله أكل كتف شاة، وقام فصلّى ولم يتوضأ. وروى عطاء عن أمّ سلمة قالت: قرّبت جنبا مشويا إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأكل منه، وصلّى ولم يتوضأ. وروى محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله ترك الوضوء ممّا مسّت النار (٦). وكلّ هذه الأخبار توجب العدول عن ظاهر الخبر الأول لو كان له ظاهر، فكيف وقد بيّنا أنّه لا ظاهر له! فأما اشتقاق الوضوء فهو من الوضاءة التى هى الحسن، فلما كان من غسل يده ونظفها قد حسّنها قيل وضّأها؛ ويقال: فلان وضيء الوجه وقوم وضاء، قال الشاعر:
следующие страницы →