سَرِيعُ الْحِسابِ، على تأويل من أراد قصر الزمان، وسرعة الموافقة وجه وتعلّق بالوعد والوعيد؛ لأن الكلام على كل حال متضمّن لوقوع المحاسبة على أعمال العباد، والإحاطة بخيرها وشرّها؛ وإن وصف الحساب مع ذلك بالسرعة؛ وفى هذا ترغيب وترهيب لا محالة، لأن من علم أنه يحاسب بأعماله، ويواقف (١) على جميلها وقبيحها انزجر عن القبيح ورغب فى فعل الواجب.
فبهذا ينصر الجواب، وإن كنا لا ندفع أن فى حمل الحساب على قرب المجازاة، أو قرب المحاسبة على الأعمال ترغيبا فى الطاعات وزجرا عن المقبّحات؛ فالتأويل الأول أشبه بالظاهر ونسق الآية، إلا أن التأويل الآخر غير مدفوع أيضا ولا مرذول (٢).
تأويل آية أخرى [: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ [البقرة: ٢١٢].
فقال: أىّ تمدّح فى الإعطاء بغير حساب، وقد يكون المعطى بحساب أجزل عطية من المعطى بغير حساب؟ .
الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون الفائدة أنه تعالى يرزق من يشاء بغير تقدير من المرزوق ولا احتساب منه، فالحساب هاهنا راجع إلى المرزوق لا إليه تعالى؛ كما يقول القائل: ما كان كذا وكذا فى حسابى، أى لم أؤمله، ولم أقدّر أنه يكون؛ وهذا وصف للرزق بأحسن الأوصاف؛ لأن الرزق إذا لم يكن محتسبا كان أهنأ له وأحلى؛ وقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه فى تفسير هذه الآية أنه قال: عنى بها أموال بنى قريظة والنّضير، وأنّها تصير إليكم بغير حساب ولا قتال، على أسهل الأمور وأقربها وأيسرها.
стр. 422
وثانيها أن الله تعالى يرزق من يشاء رزقا غير مضيّق ولا مقتّر؛ بل يزيد فى السّعة والكثرة على كل عطاء المخلوقين (١)، فيكون نفى الحساب فيه نفيا (٢) للتّضييق، ومبالغة فى وصفه بالسّعة، والعرب تسمّى العطاء القليل/ محسوبا، قال قيس بن الخطيم:
أنّى سربت وكنت غير سروب! ... وتقرّب الأحلام غير قريب (٣)
ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه ... فى النّوم غير مصرّد محسوب (٤)
وثالثها أن يكون المعنى أنه يرزق من يشاء، أى من غير طلب للمكافأة أو إراغة لفائدة تعود إليه، أو منفعة ترجع عليه، لأنّ من شأن أهل الدنيا أن يعطوا ليكافئوا ولينتفعوا، ولهذا يقال فيمن يقصد بالعطية إلى هذه الأمور: فلان يحاسب الناس فيما يعطيهم، ويناقشهم فيما يوصّله إليهم، وما أشبه ذلك، فلما انتفت هذه الأمور من عطاياه سبحانه جاز أن يقول إنه يرزق بغير حساب.
ورابعها ما أجاب به قطرب، قال: معنى الآية يعطى العدد الكثير لا ممّا (٥) يضبطه الحساب، أو يأتى (٦) عليه العدد، لأن مقدوره تعالى لا يتناهى، وما فى خزائنه لا ينحصر، ولا يصحّ عليه النفاد؛ وليس كالمعطى منّا الألف من الألفين، والعشرة من المائة؛ لأن مقدار ما يتّبع له ويتمكّن منه محدود متناه، ولا تناهى ولا انقطاع لما يقدّر سبحانه عليه.
وخامسها أنه يعطى عباده فى الجنة من النعيم واللذات أكثر مما استحقوا، وأزيد مما وجب لهم، بمحاسبته إياهم على طاعتهم كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً
стр. 423
حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً؛ [البقرة: ٢٤٥] وكما قال : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ؛ [التغابن: ١٧]، وكما قال تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ؛ [فاطر: ٣٠].
وسادسها أن يكون المعطى منّا غيره شيئا والرازق سواه رزقا قد يكون له ذلك، فيكون فعله حسنا لا يسأل عنه، ولا يؤاخذ به، ولا يحاسب عليه؛ وربما لم يكن له ذلك، فيكون فعله قبيحا يؤاخذ به، ويحاسب عليه، فنفى الله تعالى عن نفسه أن يفعل من الرزق القبيح، وما ليس له أن يفعله بنفى الحساب عنه، وأنبأ أنه لا يرزق ولا يعطى إلا على أفضل الوجوه وأحسنها وأبعدها من الذمّ؛ وتجرى الآية مجرى قوله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ؛ [الأنبياء: ٢٣]، وإنما أراد أنه تعالى من حيث وقعت أفعاله كلّها حسنة غير قبيحة لم يجز أن يسأل عنها/ وإن سئل العباد عن أفعالهم، لأنهم يفعلون الحسن والقبيح معا.
وسابعها أنّ الله تعالى إذا رزق العبد وأعطاه من فضله كان الحساب عن العبد ساقطا من جهة الناس، فليس لأحد أن يقول له: لم رزقت؟ ولا يقول لربه: لم رزقته؟
ولا يسأله ربّه عن الرزق، وإنما يسأله عن إنفاقه فى الوجوه التى ينفقه فيها، فيسقط (١) الحساب من هذه الوجوه عمّا يرزقه الله تعالى، ولذلك قال تعالى: بِغَيْرِ حِسابٍ.
وثامنها أن يكون المراد ب مَنْ يَشاءُ أن يرزقه من أهل الجنة، لأنه يرزقهم رزقا لا يصحّ أن يتناول جميعه الحساب، ولا العدد والإحصاء من حيث لا نهاية له ولا انقطاع للمستحقّ منه؛ ويطابق هذه الآية قوله تعالى فى موضع آخر: فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ؛ [غافر: ٤٠].
стр. 424
تأويل خبر [«توضّئوا ممّا غيّرت النار»]
إن سأل سائل عن الخبر الّذي يروى عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ أنه قال: «توضّئوا ممّا غيّرت النار»، فقال: ما المراد بالوضوء هاهنا ومذهبكم أن مسّ ما غيّرته النار لا يوجب وضوءا؟
الجواب، إن معنى «توضئوا» أى نظّفوا أيديكم من الزّهومة، لأنه روى أنّ جماعة من الأعراب كانوا لا يغسلون أيديهم من الزّهومة ويقولون: فقدها أشدّ علينا من ريحها، فأمر ﵇ بتنظيف الأيدى لذلك (١).
فإن قيل: كيف يصحّ أن تحملوا الخبر على اللفظ اللغوىّ، مع انتقاله بالعرف الشرعىّ إلى الأفعال المخصوصة، بدلالة أنّ من غسل يده أو وجهه لا يقول بالإطلاق: «توضأت»، ومتى سلم لكم أن الوضوء أصله من النظافة لم ينفعكم مع الانتقال الّذي ذكرناه، وكلامه ﵇ أخصّ بالعرف الشرعىّ، وحمله عليه أولى من حمله على اللغة.
قلنا: ليس ينكر (٢) أن يكون إطلاق الوضوء هو المنتقل من اللغة إلى عرف الشرع، والمختصّ بالأفعال المعيّنة، وكذلك المضاف منه إلى الحدث أو الصلاة وما أشبههما (٣). فأما المضاف إلى الطعام وما جرى مجراه فباق على أصله؛ ألا ترى أنّهم لو قالوا: توضأت من الطعام، ومن الغمر (٤)، أو توضأت للطعام لم يفهم منه إلّا الغسل والتنظيف، وإذا قالوا:
توضأت إطلاقا، أو توضأت من الحدث أو للصلاة فهم منه/ الأفعال الشرعية؛ فليس ينكر ما ذكرناه من اختصاص النّقل، لأنه كما يجوز انتقال اللفظة من فائدة فى اللغة إلى فائدة فى الشرع على كلّ وجه، كذلك يجوز أن تنتقل على وجه دون وجه، وتبقى من الوجه الّذي لم تنتقل منه على ما كان عليه فى اللغة.
وقد ذهب كثير من الناس إلى أنّ إطلاق لفظة «مؤمن» منتقل من اللغة إلى عرف
стр. 425
الدين ومختصّ باستحقاق الثواب، وإن كان مقيّدها باقيا على ما كان عليه فى اللغة.
ويبيّن ذلك أيضا ما روى عن الحسن أنه قال: «الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر، وبعده ينفى اللّمم»؛ وإنما أراد غسل اليدين بغير شك. وروى عن قتادة أنه قال: «غسل اليد وضوء» وروى عكراش (١) أن رسول الله صلى الله عليه وآله أكل [وغسل يده ومسح ببلل يده وجهه] (٢) وذراعيه ورأسه (٣)، وقال: «هكذا الوضوء ممّا مست النار»، على أنه لو كانت هذه اللفظة منتقلة على كلّ حال إلى الأفعال الشرعية المخصوصة لصحّ أن نحمله (٤) فى الخبر على خلاف ذلك، ونردّها إلى أصلها بالأدلّة، وإن كان الأولى لولا الأدلة أن تحمل على مقتضى الشرع (٥).
فمن الأدلة على ما ذكرناه ما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله أكل كتف شاة، وقام فصلّى ولم يتوضأ. وروى عطاء عن أمّ سلمة قالت: قرّبت جنبا مشويا إلى النبي صلى الله عليه وآله، فأكل منه، وصلّى ولم يتوضأ. وروى محمد بن المنكدر عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وآله ترك الوضوء ممّا مسّت النار (٦).
وكلّ هذه الأخبار توجب العدول عن ظاهر الخبر الأول لو كان له ظاهر، فكيف وقد بيّنا أنّه لا ظاهر له!
فأما اشتقاق الوضوء فهو من الوضاءة التى هى الحسن، فلما كان من غسل يده ونظفها قد حسّنها قيل وضّأها؛ ويقال: فلان وضيء الوجه وقوم وضاء، قال الشاعر:
стр. 426
مساميح الفعال ذوو أناة ... مراجيح وأوجههم وضاء (١)
والوضوء، بضم الواو: المصدر، وكذلك أيضا التّوضؤ والوضوء، بفتح الواو: اسم ما يتوضأ به، وكذلك/ الوقود اسم لما توقد به النار: والوقود، بالضم: المصدر، ومثله التوقّد، وقد يجوز أن يكون الوقود، بفتح الواو: المصدر، وكذلك الوضوء بفتح الواو؛ كما قالوا:
حسن القبول، فجعلوا القبول مصدرا، وهو مفتوح الأول، ولا يجوز فى الوقود والوضوء بالضم إلا معنى المصدر وحده، قال جرير.
أهوى أراك برامتين وقودا ... أم بالجنينة من مدافع أودا (٢)
وقال آخر:
إذا سهيل لاح كالوقود ... فردا كشاة البقر المطرود
وقال آخر:
وأجّجنا بكلّ يفاع أرض ... وقود النّار للمتنوّرينا (٣)
*** [بعض أخبار عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وطائفة من شعره: ]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنى إبراهيم بن محمد عن عبد العزيز ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن شهاب قال: أتيت عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود (٤) يوما فى منزله، فإذا هو مغيظ (٥) ينفخ، فقلت له: ما لي أراك هكذا! قال: دخل عليّ (٦) عاملكم هذا- يعنى عمر بن عبد العزيز- ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان
стр. 427
فسلّمت، فلم يردّا عليّ السلام، فقلت (١):
ألا أبلغا عنّى عراك بن مالك ... فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبا بكر (٢)
فقد جعلت تبدو شواكل منكما ... فإنّكما بى موقران من الصّخر (٣)
وطاوعتما بى غادرا ذا معاكة ... لعمرى لقد أورى وما مثله يورى (٤)
- يقال: معك به وسدل به [إذا تعرّض له بشرّ] (٥) -
فلولا اتّقاء الله اتّقائى فيكما ... للمتكما لوما أحرّ من الجمر (٦)
فمسّا تراب الأرض، منها خلقتما ... وفيها المعاد والمقام إلى الحشر
ولا تأنفا أن تغشيا فتكلّما ... فما حشى الأقوام شرّا من الكبر (٧)
ولو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندى فى السّرّ (٨)
/- معناه: لو شئت اغتابكما عندى غير واحد-
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتّى يلجّ ويستشرى (٩)
وكيف تريدان ابن سبعين حجّة ... على ما أنى وهو ابن عشرين أو عشر (١٠)
стр. 428
لقد علقت دلوا كما دلو حوّل ... من القوم لا رخو المراس ولا نزر (١)
قال ابن شهاب: فقلت له: مثلك يرحمك الله مع نسكك وفضلك وفهمك (٢) يقول الشعر! فقال: إن المصدور إذا نفث برئ.
وإنما ذكر عراك بن مالك وأبا بكر بن عمرو بن حزم- وكانا صديقيه- كناية بذكرهما عن ذكر غيرهما.
وقد جاءت رواية أخرى أن أبا بكر بن عمر (٣) بن حزم وعراك بن مالك كانا يجتازان على عبيد الله فلا يسلّمان عليه، فقال الأبيات يخاطبهما بها.
وروى محمد بن سلّام لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
إذا كان لى سرّ فحدّثته العدى ... وضاق به صدرى، فللنّاس أعذر (٤)
هو السّرّ ما استودعته وكتمته ... وليس بسرّ حين يفشو ويظهر (٥)
وانشد مصعب الزبيرىّ لعبيد الله بن عتبة بن مسعود:
أواخى رجالا لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض إنّ صدرى واسعه
إذا هى حلّت وسط عوذ ابن غالب ... فذلك ودّ نازح لا أطالعه (٦)
تلاقت حيازيمي على قلب حازم ... كتوم لما ضمّت عليه أضالعه (٧)
بنى لى عبد الله فى سورة العلى ... وعتبة مجدا لا تنال مصانعه (٨)
والبيت الأول يشبه قول مسكين الدارمىّ:
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أنى جماعها (٩)
стр. 429
ومما يستحسن لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة قوله:
تغلغل حبّ عثمة فى فؤادى ... فباديه مع الخافى يسير (١)
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
/ شققت القلب ثمّ ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور (٢)
أكاد إذا ذكرت العهد منها ... أطير لو أنّ إنسانا يطير
غنىّ النّفس أن أزداد حبّا ... ولكنّى إلى وصل فقير (٣)
وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال:
أحللت فى قلبى هواك محلّة ... ما حلّها المشروب والمأكول (٤)
وأخذه المتنبى فى قوله:
وللسّرّ منى موضع لا يناله ... نديم ولا يفضى إليه شراب (٥)
وكأنّ العباس بن الأحنف ألمّ به فى قوله:
لو شقّ عن قلبى قرى وسطه ... اسمك والتوحيد فى سطر
وقال الصاحب اسماعيل بن عباد:
لو شقّ قلبى لرأوا وسطه ... سطر بن قد خطّا بلا كاتب
العدل والتّوحيد فى جانب ... وحبّ أهل البيت فى جانب
وقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحسن من الجميع وبعده بيت المتنبى.
ولعبيد الله بن عبد الله بن عتبة:
لعمر أبى المحصين أيّام نلتقى ... لما لا نلاقيها من الدّهر أكثر
стр. 430
يعدّون يوما واحدا إن أتيتها ... وينسون ما كانت على الدّهر تهجر
فإن يكن الواشون أغروا بهجرنا (١) ... فإنّا بتجديد المودّة أجدر
ومن مستحسن قوله:
لعمرى لئن شطّت بعثمة دارها ... لقد كنت فى وشك الفراق أليح (٢)
أروح بهمّ ثمّ أغدو بمثله ... ويحسب أنّى فى الثّياب صحيح
أخذ هذا المعنى بشار، فقصّر عنه فى قوله:
يصبح محزونا ويمسى به ... وليس يدرى ماله عندك
стр. 431
٣٠ مجلس آخر [المجلس الثلاثون: ]
تأويل آية [: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ ... ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن شعيب ﵇: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا؛ [الأعراف: ٨٩].
فقال: أليس هذا تصريحا منه بأنّ الله تعالى يجوز أن يشاء الكفر والقبيح؛ لأن ملّة/ قومه كانت كفرا وضلالا، وقد أخبر أنّه لا يعود فيها إلّا أن يشاء الله؟
الجواب، قيل له فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون الملّة التى عناها الله إنما هى العبادات الشرعيات؛ التى كان قوم شعيب متمسكين بها؛ وهى منسوخة عنهم، ولم يعن بها ما يرجع إلى الاعتقادات فى الله وصفاته؛ مما لا يجوز أن تختلف (١) العبادة فيه، والشرعيات يجوز فيها اختلاف العبادة؛ من حيث تبعت (٢) المصالح والألطاف والمعلوم من أحوال المكلّفين؛ فكأنّه قال: إنّ ملتكم لا نعود فيها؛ مع علمنا بأنّ الله تعالى قد نسخها وأزال حكمها، إلّا أن يشاء الله أن يتعبّدنا بمثلها فنعود إليها؛ وتلك الأفعال التى كانوا متمسّكين بها؛ مع نسخها عنهم ونهيهم عنها- وإن كانت ضلالا وكفرا- فقد كان يجوز فيما هو مثلها أن يكون إيمانا وهدى؛ بل فيها أنفسها قد كان يجوز ذلك؛ وليس تجرى هذه الأفعال مجرى الجهل بالله تعالى، الّذي لا يجوز أن يكون إلّا قبيحا.
وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: كيف يجوز أن يتعبّدهم الله تعالى بتلك الملّة مع قوله: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها؟
стр. 432
فيقال له: لم ينف عودهم إليها على كل وجه؛ وإنما نفى العود إليها مع كونها منسوخة منهيّا عنها؛ والّذي علّقه بمشيئة الله تعالى من العود إليها هو بشرط أن يأمر بها، ويتعبّد بمثلها، والجواب مستقيم لا خلل فيه.
وثانيها أنّه أراد أنّ ذلك لا يكون أبدا من حيث علّقه بمشيئة الله تعالى لمّا كان معلوما أنّه لا يشاؤه؛ وكلّ أمر علّق بما لا يكون فقد نفى كونه على أبعد الوجوه؛ وتجرى الآية مجرى قوله تعالى: لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ؛ [الأعراف: ٤٠] وكما يقول القائل: أنا لا أفعل كذا حتى يبيضّ القار؛ أو يشيب الغراب؛ وكما قال الشاعر:
وحتّى يئوب القارظان كلاهما ... وينشر فى القتلى كليب لوائل (١)
والقارظان لا يئوبان أبدا، وكليب لا ينشر أبدا؛ فكأنه قال: إنّ هذا لا يكون أبدا.
وثالثها/ ما ذكره قطرب بن المستنير من أنّ فى الكلام تقديما وتأخيرا، وأنّ الاستثناء من الكفار وقع لا من شعيب؛ فكأنه تعالى قال حاكيا عن الكفار: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا؛ [الأعراف: ٨٨]، إلّا أن يشاء الله أن تعود فى ملّتنا؛ ثم قال تعالى حاكيا عن شعيب: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها على كل حال.
ورابعها أن تعود الهاء التى فى قوله: فِيها إلى القرية لا إلى الملّة؛ لأن ذكر القرية قد تقدّم كما تقدم ذكر الملّة؛ ويكون تلخيص الكلام: إنّا سنخرج من قريتكم، ولا نعود فيها إلّا أن يشاء الله بما ينجزه لنا من الوعد فى الإظهار عليكم، والظّفر بكم، فنعود إليها.
وخامسها أن يكون المعنى: إلّا أن يشاء الله أن يردّكم إلى الحق، فنكون جميعا على
стр. 433
ملة واحدة غير مختلفة؛ لأنّه لما قال تعالى حاكيا عنهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا كان معناه: أو لنكوننّ على ملة واحدة غير مختلفة، فحسن أن يقول من بعد: إلّا أن يشاء الله أن يجمعكم معنا على ملة واحدة.
فإن قيل: الاستثناء بالمشيئة إنما كان بعد قوله: وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها؛ فكأنه قال: ليس نعود فيها إلّا أن يشاء الله، فكيف يصحّ هذا الجواب؟
قلنا: هو كذلك؛ إلّا أنه لمّا كان معنى أَنْ نَعُودَ فِيها، هو أن تصير ملتنا واحدة غير مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أن نتّفق فى الملة بأن ترجعوا أنتم إلى الحق.
فإن قيل: فكأنّ الله تعالى ما شاء أن يرجع الكفار إلى الحق!
قلنا: بلى قد شاء ذلك، إلّا أنه ما شاءه على كل حال، بل من وجه دون وجه، وهو أن يؤمنوا ويصيروا إلى الحق مختارين؛ ليستحقّوا الثواب الّذي أجرى (١) بالتكليف إليه، ولو شاءه على كل حال لما جاز ألّا يقع منهم؛ فكأن شعيبا ﵇ قال: إن ملّتنا لا تكون واحدة أبدا؛ إلا أن يشاء الله أن يلجئكم إلى الاجتماع معنا على ديننا وموافقتنا فى ملتنا؛ والفائدة فى ذلك واضحة؛ لأنه لو أطلق أنّا لا نتفق أبدا، ولا تصير ملتنا واحدة لتوهّم متوهّم أنّ ذلك مما لا يمكن على حال من الأحوال؛ فأفاد بتعليقه (٢) له بالمشيئة هذا الوجه؛ ويجرى قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ مجرى قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً؛ [يونس: ٩٩].
وسادسها أن يكون المعنى: إلّا أن يشاء الله أن يمكّنكم من إكراهنا، / ويخلّى بينكم وبينه، فنعود إلى (٣) إظهارها
مكرهين؛ ويقوّى هذا الوجه قوله تعالى: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؛ [الأعراف: ٨٨].
стр. 434
وسابعها أن يكون المعنى إلّا أن يشاء الله أن يتعبّدنا بإظهار ملّتكم مع الإكراه؛ لأنّ إظهار كلمة الكفر قد تحسن فى بعض الأحوال إذا تعبّد الله تعالى بإظهارها؛ وقوله:
أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ يقوّى هذا الوجه أيضا.
فإن قيل: فكيف يجوز من نبىّ من أنبياء الله تعالى أن يتعبّد بإظهار الكفر وخلاف ما جاء به من الشّرع؟
قلنا: يجوز أن يكون لم يرد بالاستثناء نفسه بل قومه؛ فكأنه قال: وما يكون لى ولا لأمّتى أن نعود فيها إلّا أن يشاء الله أن يتعبّد أمتى بإظهار ملّتكم على سبيل الإكراه؛ وهذا جائز غير ممتنع.
تأويل خبر [: «خير الصّدقة ما أبقت غنى»]
روى أبو هريرة عن النبىّ صلى الله عليه وآله أنه قال: «خير الصّدقة ما أبقت غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».
وقد قيل فى قوله: «خير الصّدقة ما أبقت غنى»: قولان:
أحدهما أنّ خير ما تصدّقت به ما فضل عن (١) قوت عيالك وكفايتهم، فإذا خرجت صدقتك عنك إلى من أعطيت خرجت عن استغناء منك ومن عيالك عنها؛ ومثله فى الحديث الآخر: «إنما الصّدقة عن ظهر غنى». وقال ابن عباس رحمة الله عليه فى قوله تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ؛ [البقرة: ٢١٩]؛ قال: ما فضل عن أهلك.
والجواب الآخر، أن يكون أراد: خير الصّدقة ما أغنيت به من أعطيت عن المسألة، أى تجزل له فى العطيّة، فيستغنى بها ويكفّ عن المسألة؛ وذلك مثل أن يريد الرجل أن يتصدق بمائة درهم، فيدفعها إلى رجل واحد محتاج، فيستغنى بها ويكفّ عن المسألة، فذلك أفضل من أن يدفعها إلى مائة رجل لا تبين عليهم.
стр. 435
والتأويل الأوّل يشهد له آخر الخبر وهو قوله: «وابدأ بمن تعول»، ويشهد له الحديث الآخر أيضا: «إنّما الصدقة عن ظهر غنى».
وقوله: «اليد العليا خير من اليد السّفلى»، قال قوم: يريد أنّ اليد المعطية خير من الآخذة، وقال آخرون: إنّ العليا هى الآخذة، والسفلى هى المعطية.
وقال ابن قتيبة: ولا أرى هؤلاء إلّا قوما استطابوا السؤال؛ فهم يحتجّون للدناءة؛ ولو كان هذا يجوز لقيل: إن المولى من فوق هو الّذي أعتق، والمولى من أسفل هو الّذي أعتق، والناس إنّما يعلون بالعطايا لا بالسؤال.
قال سيدنا أدام الله علوّه: وعندى أن معنى قوله ﵇: «اليد العليا خير من اليد السّفلى» غير ما ذكر من الوجهين جميعا؛ وهو أن تكون اليد هاهنا هى العطية والنعمة؛ لأنّ النعمة قد تسمّى يدا فى مذهب أهل اللسان بغير شكّ؛ فكأنه صلى الله عليه وآله أراد أنّ العطية الجزيلة خير من العطية القليلة. وهذا حث منه صلى الله عليه وآله على المكارم، وتحضيض على اصطناع المعروف بأوجز الكلام وأحسنه مخرجا.
ويشهد لهذا التأويل أحد التأويلين (١) المتقدمين فى قوله: «ما أبقت غنى»، وهذا أشبه وأولى من أن تحمل اليد على الجارحة؛ لأنّ من ذهب إلى ذلك وجعل المعطية خيرا من الآخذة لا يستمرّ قوله؛ لأنّ فيمن يأخذ من هو خير عند الله تعالى ممّن يعطى؛ ولفظة «خير» لا تحمل إلّا على الفضل فى الدين واستحقاق الثواب؛ فأمّا من جعل الآخذة خيرا من المعطية فيدخل عليه هذا الطعن أيضا؛ مع أنّه قد قال قولا شنعا (٢)، وعكس الأمر على ما ذكر (٣) ابن قتيبة.
فإن قيل: كيف يصحّ تأويلكم مع قوله ﵇: «خير الصّدقة ما أبقت غنى» وهى (٤) لا تبقى غنى إلّا بعد أن تنقص من غيرها؟ وإذا كانت العطية التى هى أجزل
стр. 436
أفضل فتلك لا تبقى غنى، والتى تبقى غنى ليست الجزيلة، وهذا تناقض.
قلنا: أما تأويلنا فمطابق (١) للوجهين المذكورين فى قوله: «ما بقّت (٢) غنى»؛ لأنّ من تأوّل ذلك على أنّ المراد بها المعطى، وأنّ خير العطية ما أغنته عن المسألة فالمطابقة ظاهرة، ومن تأوّله على الوجه الآخر، وحمل ما أبقى الغنى على المعطى وأهله وأقاربه؛ فتأويلنا أيضا مطابق له، لأنه قد يكون فى العطايا التى يبقى بعدها الغنى على الأهل والأقارب جزيل وغير جزيل، فقال ﵇: «خير الصدقة ما بقّت (٢) غنى» بعد إخراجها؛ والعطية الجزيلة التى تبقى بعدها غنى خير من القليلة، فمدح ﵇ بعد إبقاء الغنى جزيل العطية، وحثّ على الكرم والفضل.
*** [ذكر أبيات تروى لثابت قطنة وعروة بن أذينة: ]
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا قال أخبرنا أبو عبد الله الحكيمىّ قال أملى علينا أبو العباس/ أحمد بن يحيى النحوىّ قال: أنشدنا ابن الأعرابىّ لثابت قطنة العتكىّ (٣):
يا هند كيف بنصب بات يبكينى ... وعائر فى سواد العين يؤذينى (٤)
كأنّ ليلى والأصداء هاجدة ... ليل السّليم وأعيا من يداوينى
لمّا حنى الدّهر من قوسى وعذّرنى ... شيبى وقاسيت أمر الغلظ واللّين (٥)
стр. 437
إذا ذكرت أبا غسّان أرّقنى ... همّ إذا عرض السّارون يشجينى (١)
كان المفضّل عزّا فى ذوى يمن ... وعصمة وثمالا للمساكين (٢)
غيثا لدى أزمة غبراء شاتية ... من السّنين ومأوى كلّ مسكين (٣)
إنى تذكّرت قتلى لو شهدتهم ... فى حومة الحرب لم يصلوا بها دونى
لا خير فى العيش إذ لم نجن بعدهم ... حربا تنيئ بهم قتلى فتشفينى
لا خير فى طمع يدنى إلى طبع، ... وغفّة من قوام العيش تكفينى (٤)
[أنظر فى الأمر يعنينى الجواب به ... ولست أنظر فيما ليس يعنينى] (٥)
لا أركب الأمر تزرى بى عواقبه ... ولا يعاب به عرضى ولا دينى
لا يغلب الجهل حلمى عند مقدرة ... ولا العضيهة من ذى الضّغن تكبينى (٦)
كم من عدوّ رمانى لو قصدت له ... لم يأخذ النّصف منّى حين يرمينى (٧)
قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذه الأبيات يروى بعضها لعروة بن أذينة (٨) وتداخل أبياتا على هذا الوزن؛ وهى التى يقول فيها:
لقد علمت وما الإشراف من خلقى ... أنّ الّذي هو رزقى سوف يأتينى
أسعى له فيعنّينى تطلّبه ... ولو قعدت أتانى لا يعنّينى
стр. 438
كم قد أفدت وكم أتلفت من نشب ... ومن معاريض رزق غير ممنون
فما أشرت على يسر وما ضرعت ... نفسى لخلّة عسر جاء يبلونى (١)
خيمى كريم ونفسى لا تحدّثنى ... أنّ الإله بلا رزق يخلّينى
/ ولا اشتريت بمالى قطّ مكرمة ... إلّا تيقّنت أنّى غير مغبون
ولا دعيت إلى مجد ومحمدة (٢) ... إلّا أجبت إليه من ينادينى
لا أبتغى وصل من يبغى مفارقتى (٣) ... ولا ألين لمن لا يبتغى لينى
إنى سيعرفنى من لست أعرفه ... ولو كرهت، وأبدو حين يخفينى
فغطّنى جاهدا واجهد عليّ إذا ... لاقيت قومك فانظر هل تغطّينى (٤)
- وقوم يخطئون (٥) فيروون قوله:
* لقد علمت وما الإسراف من خلقى*
стр. 439
بالسين غير معجمة (١)، وذلك خطأ، وإنما أراد بالإشراف أنى لا أستشرف وأتطلّع (٢) إلى ما فاتني من أمور الدنيا ومكاسبها، ولا تتبعها نفسى (٣).
*** [أبيات للسيد المرتضى فى معنى أبيات ثابت قطنة وعروة بن أذينة المذكورة: ]
قال سيدنا أدام الله تأييده: ولي أبيات فى معنى بعض أبيات ثابت قطنة، وعروة بن أذينة التى تقدمت، وهى من جملة قصيدة طويلة خرجت عنّى منذ اثنتى عشرة سنة؛ والأبيات:
تعاقبنى بؤس الزّمان وخفضه ... وأدّبنى حرب الزّمان وسلمه
وقد علم المغرور بالدّهر أنّه ... وراء سرور المرء فى الدّهر غمّه
وما المرء إلّا نهب يوم وليلة ... تخبّ به شهب الفناء ودهمه (٤)
يعلّله برد الحياة يمسّه ... ويغترّه روح النّسيم يشمّه (٥)
وكان بعيدا عن منازعة الرّدى ... فألقته فى كفّ المنيّة أمّه (٦)
ألا إنّ خير الزّاد ما سدّ فاقة ... وخير تلادىّ الّذي لا أجمّه (٧)
وإنّ الطّوى بالعزّ أحسن بالفتى ... إذا كان من كسب المذلّة طعمه (٨)
وإنى لأنهى النّفس عن كلّ لذّة ... إذا ما ارتقى منها إلى العرض وصمه
وأعرض عن نيل الثّريّا إذا بدا ... وفى نيله سوء المقال وذمّه
أعفّ وما الفحشاء عنّى بعيدة ... وحسبى فى صدّ عن الأمر إثمه (٩)
стр. 440
وما العفّ من ولى عن الضّرب سيفه ... ولكنّ من ولى عن السّوء حزمه
/ ولى فى معنى قوله: «وما الإشراف من خلقى»:
ما خامر الرّزق قلبى قبل فجأته ... ولا بسطت له فى النّائبات يدى
كم قد ترادف لم أحفل زيادته ... ولو تجاوزنى ما فتّ من عضدى
إن أسخط الأمر أدرك عنه مضطربا ... وإن أرد بدلا من مذهب أجد (١)
ومعنى «ما خامر الرّزق قلبى» أى لم أتمنّه، ولا تطلّعت إلى حضوره، ولا خطر لى ببال تنزّها وتقنعا؛ والوجه فى تخصيص نفى بسط اليد بالنوائب، لأن النوائب (٢) يضرع عندها فى الأكثر المتنزّه، ويطلب المتعفّف؛ فمن لزم النزاهة مع الحاجة وشدّة الضرورة فهو الكامل المروءة.
ومعنى البيت الثانى ظاهر.
فأما الثالث فالمراد به أننى ممّن إذا كره شيئا تمكّن من مفارقته والنزوع عنه، ولست ممّن تضيق حيلته، وتقصر قدرته عن استدراك ما يحب بما يكره. وفيه فائدة أخرى، وهى أننى ممن لا تملكه العادات، وتقتاده الأهواء؛ بل متى أردت مفارقة خلق إلى غيره، وعادة إلى سواها لم يكن ذلك عليّ متعذّرا؛ من حيث كان لرأيى على هواى السلطان والرجحان.
*** [خبر عروة بن عبيد الله عن عروة بن أذينة وروايته أبياتا له: ]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى محمد بن إبراهيم قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوىّ قال أخبرنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير قال: كان عروة ابن أذينة نازلا مع أبى فى قصر عروة بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه:
إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها (٣)
стр. 441
فبك الّذي زعمت لها، وكلاكما ... أبدى لصاحبه الصّبابة كلّها
ولعمرها لو كان حبّك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذا لأظلّها
وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضّمير إلى الفؤاد فسلّها
بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها (١)
لمّا عرضت مسلّما لى حاجة ... أخشى صعوبتها، وأرجو ذلّها (٢)
/ منعت تحيّنها، فقلت لصاحبى: ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها!
فدنا، فقال: لعلّها معذورة ... فى بعض رقبتنا، فقلت: لعلّها!
قال عروة بن عبيد الله: فجاءنى أبو السائب المخزومىّ يوما فسلّم وجلس إلى، فقلت له بعد الرّحب به: ألك حاجة يا أبا السائب؟ فقال: أو كما تكون الحاجة! أبيات لعروة ابن أذينة؛ بلغنى أنك سمعتها منه، قلت: أىّ أبيات؟ قال: وهل يخفى القمر! .
* إنّ الّتي زعمت فؤادك ملّها*
فأنشدته فقال: ما يروى هذا إلّا أهل المعرفة والفضل، هذا والله الصادق الودّ، الدائم العهد، لا الهذلىّ الّذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب
لقد عدا الأعرابىّ طوره! وإنى لأرجو أن يغفر الله لابن أذينة فى حسن الظّنّ بها، وطلب العذر لها. فدعوت له بطعام، فقال: لا والله حتى أروى هذه الأبيات، فلمّا رواها وثب، فقلت له: كما أنت يغفر الله لك، حتى تأكل، فقال: والله ما كنت لأخلط بمحبتى لها وأخذى إياها غيرها (٣).
стр. 442
قال سيدنا أدام الله علوّه: والهذلىّ الّذي عابه وأنشد له هذا البيت هو عبد الله بن مسلم ابن جندب الهذلىّ.
وقول عروة: «باكرها النعيم» أراد أنها لم تعش إلّا فى النعيم، ولم تعرف إلا الخفض، وأنها لم تلاق بؤسا فتخشع وتضرع، فيؤثّر ذلك فى جمالها وتمامها، والبكور هو التقدّم فى كل وقت.
[عروة بن أذينة وسكينة بنت الحسين: ]
وكان عروة بن أذينة مع تغزّله يوصف بالعفاف والنزاهة، (١) وروى أن سكينة بنت الحسين ﵉ مرّت به فقالت: يا أبا عامر، أنت الّذي تقول:
إذا وجدت أوار الحبّ فى كبدى ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبنى بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتّقد!
وأنت القائل:
قالت وأبثثتها وجدى فبحت به ... قد كنت عندى تحب السّتر، فاستتر
/ ألست تبصر من حولى؟ فقلت لها: ... غطّى هواك وما ألقى على بصرى (٢)
قال: نعم، قالت: هنّ حرائر- وأشارت إلى جواريها- إن كان هذا خرج من قلب سليم!
[أبيات لعروة بن أذينة فى الغزل: ]
وأنشد أبو الحسن أحمد بن يحيى (٣) لعروة:
كأنّ خزامى طلّة صابها النّدى ... وفأرة مسك ضمّنتها ثيابها (٤)
وكدت لذكراها أطير صبابة ... وغالبت نفسا زاد شوقا غلابها
стр. 443
إذا اقتربت سعدى لهجت بهجرها ... وإن تغترب يوما يرعك اغترابها
ففى أىّ هذا راحة لك عندها! ... سواء لعمرى نأيها واقترابها
وعاد الهوى فيها كظلّ سحابة ... ألاحت ببرق ثمّ مرّ سحابها (١)
قال سيدنا أدام الله علوّه: وهيهات هذا البيت الأخير من قول كثيّر:
وإنى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت ممّا بيننا وتخلّت (٢)
لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
كأنّى وإيّاها سحابة ممحل ... رجاها فلمّا جاوزته استهلّت
[موازنة بين ما قاله الكميت بن زيد وعروة بن أذينة ونصر بن سيار فى الحسد: ]
وروى يحيى بن عليّ قال حدثنا أبو هفّان قال: أشعر أبيات قيلت فى الحسدة والدعاء لهم بالكثرة أربعة، فأولها قول الكميت بن زيد (٣):
إن يحسدونى فإنى لا ألومهم ... قبلى من النّاس أهل الفضل قد حسدوا (٤)
فدام بى وبهم ما لي وما لهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الّذي يجدونى فى حلوقهم ... لا أرتقى صدرا منها ولا أرد
لا ينقص الله حسّادى فإنّهم ... أسرّ عندى من اللّائى له الودد (٥)
وقال عروة بن أذينة:
لا يبعد الله حسادى وزادهم ... حتّى يموتوا بداء فىّ مكنون
/ إنّى رأيتهم فى كلّ منزلة ... أجلّ قدرا من اللّائى يحبّونى
وقال نصر بن سيّار:
إن يحسدونى على ما بى وما بهم ... فمثل ما بى لعمرى جرّ لى الحسدا
стр. 444
وقال معن بن زائدة:
إنى حسدت فزاد الله فى حسدى ... لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرء إلّا من فضائله ... بالعلم والظرف أو بالبأس والجود
قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد لحظ البحترىّ بهذا (١) المعنى فى قوله:
محسّد بخلال فيه فاضلة ... وليس تفترق النّعماء والحسد (٢)
وأظن أبا العتاهية أخذ قوله:
كم عائب لك لم أسمع مقالته ... ولم يزدك لدينا غير تزيين
كأنّ عائبكم يبدى محاسنكم ... وصفا فيمدحكم عندى ويغرينى
ما فوق حبّك حبّا لست أعلمه ... فلا يضرّك ألّا تستزيدينى
من قول عروة بن أذينة:
لا بعد سعدى مريحى من جوى سقم ... يوما ولا قربها إن حمّ يشفينى
إذا الوشاة لحوا فيها عصيتهم ... وخلت أنّ بسعدى اليوم يغرينى
وقد أخذ أبو نواس هذا المعنى فى قوله:
ما حطّك الواشون من رتبة ... عندى ولا ضرّك مغتاب
كأنّهم أثنوا ولم يعلموا ... عليك عندى بالذى عابوا
ولعروة بن أذينة:
تروّعنا الجنائز مقبلات ... ونلهو حين تخفى ذاهبات (٣)
كروعة ثلّة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات
الثّلّة: القطعة من الضأن؛ وهذا المعنى قد سبق إليه بعض الأعراب فقال:
ونحدث روعات لدى كلّ فزعة ... ونسرع نسيانا وما جاءنا أمن
стр. 445
وإنا- ولا كفران لله ربّنا- ... لكالبدن، لا تدرى متى يومها البدن!
أخذه أبو العتاهية فى قوله:
إذا ما رأيتم ميّتين جزعتم ... وإن غيّبوا ملتم إلى صبواتها
وأخذ عروة قوله:
إنّ الفتى مثل الهلال له ... نور ليالى ثمّ يمتحق (١)
يبلى وتفنيه الدّهور كما ... يبلى وينضوا لجدّة الخلق (٢)
من قول لبعض شعراء طيئ:
مهما يكن ريب الزّمان فإننى ... أرى قمر اللّيل المعذّب كالفتى (٣)
يهلّ صغيرا، ثمّ يعظم ضوأه ... وصورته حتّى إذا ما هوى استوى
تقارب يخبو ضوأه وشعاعه ... ويمصح حتّى يستسرّ فلا يرى (٤)
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصه ... يعود إلى مثل الّذي كان قد بدا (٥)
أخذه محمد بن يزيد الكاتب فقال:
المرء مثل هلال عند مطلعه ... يبدو ضئيلا ضعيفا ثمّ يتّسق
يزداد حتّى إذا ما ثمّ أعقبه ... كرّ الجديدين نقصانا فيمتحق (٦)
стр. 446
٣١ مجلس آخر [المجلس الحادى والثلاثون: ]
تأويل آية وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ...
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؛ [البقرة: ١٠٢].
فقال: كيف ينزل الله السّحر على الملائكة؟ أم كيف تعلّم الملائكة الناس السّحر والتفريق بين المرء وزوجه؟ وكيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنّه بإذنه، وهو تعالى قد نهى عنه، وحذّر من فعله؟ وكيف أثبت العلم لهم ونفاه عنهم، بقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ، ثم قوله: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ؟ .
الجواب، قلنا: فى الآية وجوه؛ كلّ منها يزيل الشبهة الداخلة على من لا ينعم النّظر فيها:
أوّلها أن يكون ما فى قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بمعنى الّذي، فكأنه تعالى أخبر عن طائفة من أهل الكتاب، بأنهم اتّبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان، وتضيفه إليه من السّحر؛ فبرأه الله تعالى من قرفهم، وأكذبهم فى قولهم، فقال:
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعمال السّحر والتمويه على الناس، ثم قال: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وأراد أنهم يعلّمونهم السّحر
стр. 447
والّذي أنزل على الملكين، وإنّما أنزل على الملكين وصف السحر وماهيّته وكيفية الاحتيال فيه؛ ليعرفا ذلك ويعرّفاه للناس فيجتنبوه ويحذروا منه، كما أنّه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصى، ووصف لنا أحوال القبائح
لنجتنبها لا لنوقعها؛ لأنّ الشياطين كانوا إذا علموا ذلك وعرفوه استعملوه، وأقدموا على فعله؛ وإن كان غيرهم من المؤمنين لمّا عرفه اجتنبه وحاذره وانتفع باطّلاعه على كيفيته، ثم قال: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يعنى الملكين، ومعنى يُعَلِّمانِ يعلمان، والعرب تستعمل لفظة علّمه بمعنى أعلمه، قال القطامىّ:
تعلّم أنّ بعد الغىّ رشدا ... وأنّ لتانك الغبر انقشاعا (١)
وقال كعب بن زهير:
تعلّم رسول الله أنّك مدركى ... وأنّ وعيدا منك كالأخذ باليد (٢)
ومعنى «تعلّم» فى البيتين/ معنى «اعلم» (٣)؛ والّذي يدلّ على أنّ المراد هاهنا الإعلام لا التعليم قوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ، أى أنهما لا يعرّفان صفات السحر وكيفيته إلّا بعد أن يقولا إنما نحن محنة، لأن الفتنة بمعنى المحنة؛ وإنما كانا محنة، من حيث ألقيا إلى المكلّفين أمرا لينزجروا عنه، وليمتنعوا من مواقعته، وهم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه ويرتكبوه، فقالا لمن يطلعانه على ذلك: لا تكفر باستعماله، ولا تعدل عن الغرض فى إلقاء هذا إليك، فإنه إنّما ألقى إليك، وأطلعت عليه لتجتنبه؛ لا لتفعله، ثم قال: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، أى فيعرفون من جهتهما ما يستعلمونه فى هذا الباب؛ وإن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك؛ ولهذا قال: وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ؛ لأنّهم
стр. 448
لمّا قصدوا بتعلّمه أن يفعلوه ويرتكبوه، لا أن يجتنبوه صار ذلك لسوء اختيارهم ضررا عليهم.
وثانيها أن يكون ما أُنْزِلَ موضعه موضع جرّ؛ فيكون معطوفا بالواو على مُلْكِ سُلَيْمانَ؛ والمعنى: واتبعوا ما كذب به الشياطين على ملك سليمان، وعلى ما أنزل على الملكين؛ ومعنى ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أى معهما، وعلى ألسنتهما؛ كما قال تعالى:
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ؛ [آل عمران: ١٩٤]، أى على ألسنتهم ومعهم.
وليس بمنكر أن يكون ما أُنْزِلَ معطوفا على مُلْكِ سُلَيْمانَ وإن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض؛ لأن ردّ الشيء إلى نظيره، وعطفه على ما هو أولى هو الواجب، وإن اعترض بينهما ما ليس منهما؛ ولهذا نظائر فى القرآن وكلام العرب كثيرة، قال الله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً؛ [الكهف: ١، ٢] و «قيّم» من صفات الكتاب حال منه، لا من صفة «عوج»، وإن تباعد ما بينهما، ومثله قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ؛ [البقرة: ٢١٧]، فالمسجد هاهنا معطوف به على الشهر الحرام، أى يسألونك عن القتال فى الشهر الحرام وعن المسجد الحرام.
وحكى عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال: العرب تلفّ الخبرين المختلفين، ثم ترمى بتفسيرهما جملة؛ ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كلّ خبره؛ كقوله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛ [يونس: ٦٧]، وهذا واضح فى مذهب العرب، كثير النظائر.
ثم قال: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ، والمعنى أنهما لا يعلّمان أحدا، بل ينهيان عنه، ويبلغ من نهيهما عنه وصدّهما عن فعله واستعماله أن يقولا: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ باستعمال السحر والإقدام على فعله، وهذا كما يقول الرجل: ما أمرت فلانا بكذا، ولقد بالغت فى نهيه حتى قلت له: إنك إن فعلته أصابك كذا وكذا؛ وهذا
стр. 449
هو نهاية البلاغة فى الكلام؛ والاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعانى الكثيرة؛ لأنه استغنى بقوله تعالى: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ عن بسط الكلام الّذي ذكرناه؛ ولذلك نظائر فى القرآن، قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ؛ [المؤمنون: ٩١]، فلولا الاختصار لكان مع شرح الكلام يقول: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، ولو كان معه إله إذا لذهب كل إله بما خلق؛ ومثله قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ؛ [آل عمران: ١٠٦]، أى: فيقال للذين اسودت وجوههم:
أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؛ وأمثاله أكثر من أن تورد.
ثم قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين؛ وكيف يرجع إليهما وقد نفى عنهما التعليم! بل يرجع إلى الكفر والسحر، وقد تقدم ذكر السحر، وتقدم أيضا ذكر ما يدلّ على الكفر ويقتضيه فى قوله: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا؛ فدل كَفَرُوا على الكفر، والعطف عليه مع السحر جائز، وإن كان التصريح قد وقع بذكر السحر دونه؛ ومثل ذلك قوله تعالى:
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى. وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى؛ [الأعلى: ١٠ - ١١، أى يتجنّب الذكرى الأشقى، ولم يتقدم تصريح بالذّكرى، لكن دلّ عليها قوله: سَيَذَّكَّرُ.
ويجوز أيضا أن يكون معنى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما، أى بدلا مما علّمهم الملكان، ويكون المعنى أنهم يعدلون عمّا علّمهم ووقفهم عليه الملكان من النهى عن السحر إلى تعلمه واستعماله؛ كما يقول القائل: ليت لنا من كذا وكذا كذا (١)! أى بدلا منه، وكما قال الشاعر:
стр. 450
/ جمعت من الخيرات وطبا وغلبة ... وصرّ الأخلاف المزمّمة البزل (١)
ومن كلّ أخلاق الكرام نميمة ... وسعيا على الجار المجاور بالمحل (٢)
يريد جمعت مكان الخيرات، ومكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة.
وقوله: «ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ فيه وجهان:
أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين، ويحملونه على الكفر والشرك بالله تعالى، فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه، فيفرّق بينهما اختلاف النّحلة والملّة.
والوجه الآخر أن يسعوا بين الزّوجين بالنميمة والوشاية والإغراء والتمويه بالباطل؛ حتى يئول أمرهما إلى الفرقة والمباينة.
وثالث الوجوه فى الآية أن يحمل ما فى قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد والنفى، فكأنه تعالى قال: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ، ولا أنزل الله السّحر على الملكين، وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ ويكون قوله: بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ من المؤخّر الّذي معناه التقديم، ويكون- على هذا التأويل- هاروت وماروت رجلين من جملة الناس، هذان اسماهما؛ وإنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا وتبيينا، ويكون الملكان المذكوران اللذان
стр. 451
نفى عنهما السحر جبرائيل وميكائيل ﵉؛ [لأن سحرة اليهود- فيما ذكر- كانت تدّعى أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرائيل وميكائيل] (١) إلى سليمان بن داود ﵉، فأكذبهما الله تعالى بذلك.
ويجوز أن يكون هاروت وماروت يرجعان إلى الشياطين، كأنه قال: ولكن الشياطين:
هاروت وماروت كفروا؛ ويسوغ ذلك كما ساغ فى قوله تعالى: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ؛ [الأنبياء: ٧٨]، يعنى حكم داود وسليمان ﵉.
ويكون قوله تعالى على هذا التأويل: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ راجعا إلى هاروت وماروت اللذين هما من الشياطين، أو من الإنس المتعلمين للسحر من الشياطين والعاملين به. ومعنى قولهما: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ يكون على طريق الاستهزاء والتماجن والتخالع، كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا: هذا فعل من لا يفلح، وقول من لا ينجب، والله ما حصلت/ إلا على الخسران؛ وليس ذلك منه على سبيل النّصح للناس وتحذيرهم من مثل فعله، بل على وجه المجون والتهالك.
ويجوز أيضا على هذا التأويل الّذي يتضمّن النفى والجحد أن يكون هاروت وماروت اسمين لملكين، ونفى عنهما إنزال السحر بقوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ويكون قوله: وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يرجع إلى قبيلتين من الجنّ أو إلى شياطين الجنّ والإنس، فتحسن التثنية لهذا.
وقد روى هذا التأويل الأخير فى حمل ما على النفى عن ابن عباس وغيره من المفسرين.
وروى عنه أيضا أنه كان يقرأ: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام، ويقول:
متى كان العلجان ملكين! إنما كانا ملكين؛ (١) وعلى هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله:
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ إليهما (١).
стр. 452
وعلى (١) هذه القراءة فى الآية وجه آخر وإن لم يحمل قوله: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد والنفى، وهو أن
يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتّبعوا ما تتلوا الشياطين وتدّعيه على ملك سليمان، واتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر، ولا يكون الإنزال مضافا إلى الله تعالى، وإن أطلق؛ لأنه جلّ وعز لا ينزل السحر؛ بل يكون منزله إليهما بعض الضّلّال العصاة، ويكون معنى أُنْزِلَ- وإن كان من الأرض- حمل إليهما لا من السماء أنه أتى به به من نجود الأرض وأعاليها؛ فإنّ من هبط من نجد البلاد إلى غورها يقال: نزل وهبط، وما جرى هذا المجرى.
فأما قوله تعالى: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيحتمل وجوها:
منها أن يريد بالإذن العلم، من قولهم: آذنت فلانا بكذا إذا أعلمته، وأذنت لكذا إذا استمعته وعلمته، قال الشاعر:
فى سماع يأذن الشّيخ له ... وحديث مثل ماذىّ مشار (٢)
ومنها أن تكون إِلَّا زائدة، فيكون المعنى: وما هم بضارين به من أحد بإذن الله، ويجرى مجرى قول أحدنا: لقيت زيدا إلا أنى أكرمته، أى لقيت زيدا فأكرمته.
ومنها أن يكون أراد بالإذن التخلية وترك المنع، فكأنه أفاد بذلك أنّ العباد لن يعجزوه، وما هم بضارين أحدا إلا بأن يخلّى الله تعالى بينهم وبينه، ولو شاء لمنعهم بالقهر والقسر، زائدا على منعهم بالزجر والنهى.
/ ومنها أن يكون الضرر الّذي عنى أنه لا يكون إلا بإذنه، وأضافه إليه هو ما يلحق المسحور من الأدوية والأغذية التى يطعمه إياها السّحرة ويدّعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور؛ ومعلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة؛ لأنّ الأغذية لا توجب ضرّا ولا نفعا، وإن كان المعرّض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم، وعليه يجب العوض.
стр. 453
ومنها أن يكون الضرر المذكور إنما هو ما يحصل عن التفريق بين الأزواج؛ لأنه أقرب إليه فى ترتيب الكلام؛ والمعنى أنهم إذا أغووا أحد الزوجين، وكفر فبانت منه زوجته، فاستضرّ بذلك كانوا ضارّين له بما حسّنوه له من الكفر، إلّا أنّ الفرقة لم تكن إلّا بإذن الله وحكمه؛ لأنه تعالى هو الّذي حكم وأمر بالتفريق بين المختلفى الأديان؛ فلهذا قال: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ؛ والمعنى أنه لولا حكم الله وإذنه فى الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملّة لم يكونوا ضارين له هذا الضّرب من الضرر الحاصل عند الفرقة؛ ويقوّى هذا الوجه ما روى أنه
كان من دين سليمان؛ أنه من (١) سحر بانت منه امرأته.
فأما قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، ثم قال:
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ففيه وجوه:
أوّلها أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا، ويكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبّر عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، والذين لم يعلموا هم الذين تعلّموا السحر، وشروا به أنفسهم.
وثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا؛ إلا أنهم علموا شيئا ولم يعلموا غيره، فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك ورضيه لنفسه على الجملة، ولم يعلموا كنه ما يصير إليه من عقاب الله الّذي لا نفاد له ولا انقطاع.
وثالثها أن تكون الفائدة فى نفى العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموا، فكأنهم لم يعلموا، وهذا كما يقول أحدنا لغيره: ما أدعوك إليه خير لك وأعود عليك؛ لو كنت تعقل وتنظر فى العواقب، وهو يعقل وينظر فى العواقب، إلا أنه لا يعمل بموجب علمه، فحسن أن يقال له/ مثل هذا القول؛ قال كعب بن زهير يصف ذئبا وغرابا تبعاه؛ ليصيبا من زاده:
إذا حضرانى قلت: لو تعلمانه ... ألم تعلما أنى من الزاد مرمل (٢)
стр. 454
فنفى عنهما العلم، ثم أثبته بقوله: «ألم تعلما»، وإنما المعنى فى نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علماه فكأنهما لم يعلماه.
ورابعها أن يكون المعنى أنّ هؤلاء القوم الذين قد علموا أن الآخرة لا حظّ لهم فيها مع عملهم القبيح، إلا أنهم ارتكبوه طمعا فى حطام الدنيا وزخرفها فقال تعالى: وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أن الّذي آثروه وجعلوه عوضا من الآخرة لا يتمّ لهم، ولا يبقى عليهم، وأنه منقطع زائل، ومضمحلّ باطل، وأن المال إلى المستحق فى الآخرة؛ وكل ذلك واضح بحمد الله.
стр. 455
٣٢ مجلس آخر [المجلس الثانى والثلاثون: ]
تأويل خبر [لو كان القرآن فى إهاب ما مسّته النار .: ]
روى عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لو كان القرآن فى إهاب ما مسّته النار».
وقد ذكر متأوّلو حديث النبي صلى الله عليه وآله فى هذا الخبر وجوها كثيرة، كلّها غير صحيح ولا شاف، وأنا أذكر ما اعتمدوه (١)، وأبيّن ما فيه، ثم أذكر الوجه الصحيح.
قال ابن قتيبة: ذهب الأصمعىّ إلى أنّ من تعلّم القرآن من المسلمين لو ألقى فى النار لم تحرقه، فكنّى بالإهاب- وهو الجلد- عن الشخص والجسم؛ واحتجّ على تأويله هذا [الحديث بما روى عن سليمان] (٢) بن محمد قال: سمعت أبا أمامة يقول: اقرءوا القرآن ولا تغرّنكم هذه المصاحف المعلّقة (٣)؛ فإن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن.
قال ابن قتيبة: وفى الحديث تأويل آخر، وهو أنّ القرآن لو كتب فى جلد، ثم ألقى فى النار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لم تحرقه النار؛ على وجه الدّلالة على صحة أمر النبي عليه وآله السلام، ثم انقطع ذلك بعده، قال: وجرى هذا مجرى كلام الذئب وشكاية البعير وغير ذلك من آياته ﵇.
قال: وفيه تأويل ثالث؛ وهو أن يكون الإحراق (٤) إنما نفى عن القرآن لا عن الإهاب؛ ويكون معنى الحديث: لو جعل القرآن فى إهاب ثم ألقى فى النار ما احترق القرآن؛
стр. 456
فكأن النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن؛ لأنّ الله تعالى ينسخه ويرفعه من الجلد، صيانة له عن الإحراق.
وقال أبو بكر/ محمد بن القاسم الأنبارىّ ردا على ابن قتيبة، ومعترضا عليه: اعتبرت ما قاله ابن قتيبة من ذلك كلّه، فما وجدت فيه شيئا صحيحا.
أما قوله الأول فيردّه ما روى عنه ﵇ من قوله: يخرج من النار قوم بعد ما يحرقون (١) فيها فيقال: هؤلاء الجهنّميون طلقاء الله ». قال: وقد روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إذ دخل أهل الجنة
الجنة، وأهل النار النار قال الله : انظروا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (٢) فأخرجوه منها»؛ قال أبو بكر: وكيف يصحّ قول ابن قتيبة فى زعمه أن النار لا تحرق من قرأ القرآن؛ ولا خلاف بين المسلمين أنّ الخوارج وغيرهم ممّن يلحد فى دين الله تعالى ويقرأ القرآن أن تحرقهم النار بغير شكّ؛ واحتجاجه بخبر أبى أمامة: «إنّ الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن» معناه:
قرأ القرآن وعمل به؛ فأما من حفظ ألفاظه وضيّع حدوده؛ فإنه غير واع له.
قال: فأما قوله إنه من دلائل النبوّة التى انقطعت بعده، فما روى هذا الحديث أحد أنه كان فى دلائله ﵇؛ ولو أراد ذلك دليلا لكان صلى الله عليه وآله يجعل القرآن فى إهاب ثم يلقيه فى النار فلا يحترق قال: وقول ابن قتيبة الثالث: «لاحترق الجلد والمداد، ولم يحترق القرآن» غير صحيح؛ لأن الّذي يصحّح هذا القول يوجب أنّ القرآن غير المكتوب؛ وهذا محال؛ لأن المكتوب فى المصحف هو القرآن. والدليل على هذا قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ؛ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، ومنه الحديث: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو»؛ وإنما يريد المصحف.
قال أبو بكر: والقول عندنا فى تأويل هذا الحديث أنه أراد: لو كان القرآن فى جلد
стр. 457
ثم ألقى فى النار ما أبطلته؛ لأنها وإن أحرقته فإنها لا تدرسه؛ إذ كان الله قد ضمّنه قلوب الأخيار من عباده؛ والدليل على هذا قول الله تعالى للنبى صلى الله عليه وآله فيما روى عنه:
إنى منزّل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان؛ فلم يرد تعالى أن القرآن لو كتب فى شيء ثم غسل بالماء لم ينغسل؛ وإنما أراد أنّ الماء لا يبطله ولا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه وتحفظه.
قال: ومثل هذا كثير فى كتاب الله تعالى وفى لغة العرب؛ قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا/ وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً؛ [النساء: ٤٢]، فهم قد كتموا الله تعالى لمّا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وإنما أراد تعالى؛ ولا يكتمون الله حديثا فى حقيقة الأمر؛ لأنهم وإن كتموه فى الظاهر فالذى كتموه غير مستتر عنه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: والوجه الصحيح فى تأويل الخبر غير ما توهّمه ابن قتيبة وابن
الأنبارىّ جميعا، وهو أن هذا من كلام النبىّ صلى الله عليه وآله على طريق المثل والمبالغة فى تعظيم شأن القرآن والإخبار عن جلالة قدره وعظم خطره، والمعنى أنه لو كتب فى إهاب، وألقى فى النار وكانت النار مما لا تحرق شيئا لعلوّ شأنه وجلالة قدره لم تحرقه النار.
ولهذا نظائر فى القرآن وكلام العرب وأمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم، وتصرّف كلامهم.
فمن ذلك قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛ [الحشر: ٢١].
ومعنى الكلام: إنّنا لو أنزلنا القرآن على جبل، وكان الجبل مما يتصدّع إشفاقا من شيء؛ أو خشية لأمر لتصدّع مع صلابته وقوّته؛ فكيف بكم يا معاشر المكلّفين، مع ضعفكم وقلّتكم! وأنتم أولى بالخشية والإشفاق؛ وقد صرح الله تعالى بأنّ الكلام خرج مخرج
стр. 458
المثل بقوله: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛ ومثله قوله تعالى:
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا؛ [مريم: ٩٠].
ومثله قول الشاعر:
أما وجلال الله لو تذكريننى ... كذكراك ما نهنهت للعين مدمعا
فقالت: بلى والله ذكرا لو انّه ... تضمّنه صمّ الصّفا لتصدّعا (١)
ومثله:
فلو أنّ ما بى بالحصى فلق الحصى ... وبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب (٢)
ومثله:
وقفت على ربع لميّة ناقتى ... فما زلت أبكى عنده وأخاطبه (٣)
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمنى أحجاره وملاعبه (٤)
وهذه طريقة للعرب مشهورة فى المبالغة؛ يقولون: هذا كلام يفلّق الصّخر، ويهدّ الجبال/ ويصرع الطير، ويستنزل الوعول؛ وليس ذلك بكذب منهم؛ بل المعنى أنّه لحسنه وحلاوته وبلاغته يفعل مثل هذه الأمور لو تأتت؛ ولو كانت مما يسهل (٥) ويتيسر لشيء من الأشياء لتسهّلت به من أجله.
فأما الجواب الأوّل المحكىّ عن ابن قتيبة فالذى يفسده (٦) زائدا على ما ردّه ابن الأنبارىّ أنه لو كان الامر على ما ذكره ابن قتيبة وحكاه عن الأصمعىّ لكان النبي صلى الله عليه وآله قد أغرانا بالذّنوب؛ لأنه إذا أمن حافظ القرآن
ومتعلّمه من النار والعذاب فيها ركن (٧)
стр. 459
المكلّفون إلى تعلّم القرآن والإقدام على القبائح آمنين غير خائفين؛ وهذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله والمعنى فى قول أبى أمامة أن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن على نحو ما ذكره ابن الأنبارىّ.
فأما جواب ابن قتيبة الثانى، فمن أين له أن ذلك مختص بزمانه صلى الله عليه وآله، وليس فى اللفظ ولا فى غيره دلالة عليه! وأقوى ما يبطله أنّه لو كان كما ذكر لما جاز أن يخفى على جماعة المسلمين الذين رووا جميع معجزاته عليه وآله السلام وضبطوها. وفى وجداننا من روى ذلك وجمعه وعنى به غير عارف بهذه الدّلالة والآية إبطال لما توهمه.
فأما جوابه الثالث فباطل؛ لأنّ القرآن فى الحقيقة ليس يحلّ الجلد، ولا يكون فيه حتى ينسب الاحتراق إلى الجلد دونه؛ وإذا كان الأمر على هذا لم يكن فى قوله: إن الإهاب هو المحترق دون القرآن فائدة؛ لأنّ هذه سبيل كلّ كلام كتب فى إهاب أو غيره إذا احترق الإهاب لم يضف الاحتراق إلى الكلام لاستحالة هذه القضيّة (١) عليه.
ومن عجيب الأمور قول ابن الأنبارىّ: «وهذا يوجب أنّ القرآن غير المكتوب»؛ لأنّ كلام ابن قتيبة ليس يوجب ما ظنّه؛ بل يوجب ضده من أن المكتوب هو القرآن؛ ولهذا علّق الإحراق (٢) بالكتابة والجلد دون المكتوب؛ الّذي هو القرآن؛ وإذا كان المكتوب فى المصحف هو القرآن على ما اقترح ابن الأنبارىّ، فما المانع من قول ابن قتيبة أنّ الجلد يحترق دونه؟ لأن أحدا لا يقول إن الجلد هو القرآن؛ وإنما يقول قوم إنه مكتوب فيه؛ وإذا كان غيره لم يمتنع إضافة الاحتراق إلى أحدهما/ دون الآخر؛ وهذا كله تخليط من الرجلين؛ لأن القرآن غير حالّ فى الجلد على
الحقيقة؛ وليست الكتابة غير المكتوب؛ وإنما الكتابة أمارة للحروف؛ فأمّا أن تكون هى الكلام على الحقيقة أو يوجد معها الكلام مكتوبا فمحال.
فأما استشهاده على ذلك بالآية وبقوله: «لا تسافروا بالقرآن» فذلك تجوّز وتوسّع،
стр. 460
وليس يجب أن يجعل إطلاق الألفاظ المحتملة دليلا على إثبات الأحكام والمعانى، ومعترضة على أدلّة العقول؛ وقد تجوّز القوم بأكثر من هذا فقالوا: فى هذا الكتاب شعر امرئ القيس وعلم الشافعىّ وفقه فلان، ولم يقتض ذلك أن يكون العلم والكلام على الحقيقة موجودين فى الدفتر. وقد بيّن الكلام، فى هذا الباب فى مواضع هى أولى به.
فأما جواب ابن الأنبارىّ الّذي ارتضاه لنفسه، فلا طائل أيضا فيه، لأنه لا مزيّة للقرآن فيما ذكره على كل كلام وشعر فى العالم، لأنّا نعلم أنّ الشعر والكلام المحفوظ فى صدور الرجال إذا كتب فى جلد ثم أحرق أو غسل لم يذهب ما فى الصدور. منه؛ بل يكون ثابتا بحاله، فأىّ مزيّة للقرآن فى هذا على غيره؟ وأىّ فضيلة؟ فإن قال: وجه المزيّة أنّ غير القرآن من الشعر وغيره يمكن أن يندرس ويبطل بإحراق النار؛ والقرآن إذا كان هو تعالى هو المتولّى لإيداعه الصدور لا يتم ذلك فيه؟
قلنا: الكل سواء لأن غير القرآن إنما يبطل باحتراق الإهاب المكتوب فيه متى لم يكن محفوظا مودعا للصدور، ومتى كان بهذا الصفة لم يبطل باحتراق الجلد؛ وهكذا القرآن لو لم يحفظ فى الصدور لبطل بالاحتراق؛ ولكنه لا يبطل بهذا الشرط؛ فصار الشرط فى بطلان غير القرآن وثباته كالشّرط فى بطلان القرآن وإثباته، فلا مزيّة على هذا الجواب للقرآن فيما خصّ به من أنّ النار لا تمسّه، وهذا يبيّن أنه لا وجه غير ما ذكرناه فى الخبر؛ وهو أشبه بمذاهب العرب وأولى بتفضيل القرآن وتعظيمه.
*** [من شعر الحسين بن مطير الأسدىّ: ]
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم قال ابن دريد وأنشدنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعىّ- عن عمه للحسين بن مطير الأسدىّ (١) - وقال عبد الرحمن قال عمّى: لو كان شعر العرب هكذا ما أثم منشده-: