فكأن النار تحرق الجلد والمداد ولا تحرق القرآن؛ لأنّ الله تعالى ينسخه ويرفعه من الجلد، صيانة له عن الإحراق.
وقال أبو بكر/ محمد بن القاسم الأنبارىّ ردا على ابن قتيبة، ومعترضا عليه: اعتبرت ما قاله ابن قتيبة من ذلك كلّه، فما وجدت فيه شيئا صحيحا.
أما قوله الأول فيردّه ما روى عنه ﵇ من قوله: يخرج من النار قوم بعد ما يحرقون (١) فيها فيقال: هؤلاء الجهنّميون طلقاء الله ». قال: وقد روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «إذ دخل أهل الجنة
الجنة، وأهل النار النار قال الله : انظروا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان (٢) فأخرجوه منها»؛ قال أبو بكر: وكيف يصحّ قول ابن قتيبة فى زعمه أن النار لا تحرق من قرأ القرآن؛ ولا خلاف بين المسلمين أنّ الخوارج وغيرهم ممّن يلحد فى دين الله تعالى ويقرأ القرآن أن تحرقهم النار بغير شكّ؛ واحتجاجه بخبر أبى أمامة: «إنّ الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن» معناه:
قرأ القرآن وعمل به؛ فأما من حفظ ألفاظه وضيّع حدوده؛ فإنه غير واع له.
قال: فأما قوله إنه من دلائل النبوّة التى انقطعت بعده، فما روى هذا الحديث أحد أنه كان فى دلائله ﵇؛ ولو أراد ذلك دليلا لكان صلى الله عليه وآله يجعل القرآن فى إهاب ثم يلقيه فى النار فلا يحترق قال: وقول ابن قتيبة الثالث: «لاحترق الجلد والمداد، ولم يحترق القرآن» غير صحيح؛ لأن الّذي يصحّح هذا القول يوجب أنّ القرآن غير المكتوب؛ وهذا محال؛ لأن المكتوب فى المصحف هو القرآن. والدليل على هذا قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ؛ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]، ومنه الحديث: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو»؛ وإنما يريد المصحف.
قال أبو بكر: والقول عندنا فى تأويل هذا الحديث أنه أراد: لو كان القرآن فى جلد
стр. 457
ثم ألقى فى النار ما أبطلته؛ لأنها وإن أحرقته فإنها لا تدرسه؛ إذ كان الله قد ضمّنه قلوب الأخيار من عباده؛ والدليل على هذا قول الله تعالى للنبى صلى الله عليه وآله فيما روى عنه:
إنى منزّل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان؛ فلم يرد تعالى أن القرآن لو كتب فى شيء ثم غسل بالماء لم ينغسل؛ وإنما أراد أنّ الماء لا يبطله ولا يدرسه إذا كانت القلوب تعيه وتحفظه.
قال: ومثل هذا كثير فى كتاب الله تعالى وفى لغة العرب؛ قال الله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا/ وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً؛ [النساء: ٤٢]، فهم قد كتموا الله تعالى لمّا قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وإنما أراد تعالى؛ ولا يكتمون الله حديثا فى حقيقة الأمر؛ لأنهم وإن كتموه فى الظاهر فالذى كتموه غير مستتر عنه.
قال سيدنا الشريف المرتضى أدام الله علوّه: والوجه الصحيح فى تأويل الخبر غير ما توهّمه ابن قتيبة وابن
الأنبارىّ جميعا، وهو أن هذا من كلام النبىّ صلى الله عليه وآله على طريق المثل والمبالغة فى تعظيم شأن القرآن والإخبار عن جلالة قدره وعظم خطره، والمعنى أنه لو كتب فى إهاب، وألقى فى النار وكانت النار مما لا تحرق شيئا لعلوّ شأنه وجلالة قدره لم تحرقه النار.
ولهذا نظائر فى القرآن وكلام العرب وأمثالهم كثيرة ظاهرة على من له أدنى أنس بمذاهبهم، وتصرّف كلامهم.
فمن ذلك قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛ [الحشر: ٢١].
ومعنى الكلام: إنّنا لو أنزلنا القرآن على جبل، وكان الجبل مما يتصدّع إشفاقا من شيء؛ أو خشية لأمر لتصدّع مع صلابته وقوّته؛ فكيف بكم يا معاشر المكلّفين، مع ضعفكم وقلّتكم! وأنتم أولى بالخشية والإشفاق؛ وقد صرح الله تعالى بأنّ الكلام خرج مخرج
стр. 458
المثل بقوله: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ؛ ومثله قوله تعالى:
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا؛ [مريم: ٩٠].
ومثله قول الشاعر:
أما وجلال الله لو تذكريننى ... كذكراك ما نهنهت للعين مدمعا
فقالت: بلى والله ذكرا لو انّه ... تضمّنه صمّ الصّفا لتصدّعا (١)
ومثله:
فلو أنّ ما بى بالحصى فلق الحصى ... وبالرّيح لم يسمع لهنّ هبوب (٢)
ومثله:
وقفت على ربع لميّة ناقتى ... فما زلت أبكى عنده وأخاطبه (٣)
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمنى أحجاره وملاعبه (٤)
وهذه طريقة للعرب مشهورة فى المبالغة؛ يقولون: هذا كلام يفلّق الصّخر، ويهدّ الجبال/ ويصرع الطير، ويستنزل الوعول؛ وليس ذلك بكذب منهم؛ بل المعنى أنّه لحسنه وحلاوته وبلاغته يفعل مثل هذه الأمور لو تأتت؛ ولو كانت مما يسهل (٥) ويتيسر لشيء من الأشياء لتسهّلت به من أجله.
فأما الجواب الأوّل المحكىّ عن ابن قتيبة فالذى يفسده (٦) زائدا على ما ردّه ابن الأنبارىّ أنه لو كان الامر على ما ذكره ابن قتيبة وحكاه عن الأصمعىّ لكان النبي صلى الله عليه وآله قد أغرانا بالذّنوب؛ لأنه إذا أمن حافظ القرآن
ومتعلّمه من النار والعذاب فيها ركن (٧)
стр. 459
المكلّفون إلى تعلّم القرآن والإقدام على القبائح آمنين غير خائفين؛ وهذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله والمعنى فى قول أبى أمامة أن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن على نحو ما ذكره ابن الأنبارىّ.
فأما جواب ابن قتيبة الثانى، فمن أين له أن ذلك مختص بزمانه صلى الله عليه وآله، وليس فى اللفظ ولا فى غيره دلالة عليه! وأقوى ما يبطله أنّه لو كان كما ذكر لما جاز أن يخفى على جماعة المسلمين الذين رووا جميع معجزاته عليه وآله السلام وضبطوها. وفى وجداننا من روى ذلك وجمعه وعنى به غير عارف بهذه الدّلالة والآية إبطال لما توهمه.
فأما جوابه الثالث فباطل؛ لأنّ القرآن فى الحقيقة ليس يحلّ الجلد، ولا يكون فيه حتى ينسب الاحتراق إلى الجلد دونه؛ وإذا كان الأمر على هذا لم يكن فى قوله: إن الإهاب هو المحترق دون القرآن فائدة؛ لأنّ هذه سبيل كلّ كلام كتب فى إهاب أو غيره إذا احترق الإهاب لم يضف الاحتراق إلى الكلام لاستحالة هذه القضيّة (١) عليه.
ومن عجيب الأمور قول ابن الأنبارىّ: «وهذا يوجب أنّ القرآن غير المكتوب»؛ لأنّ كلام ابن قتيبة ليس يوجب ما ظنّه؛ بل يوجب ضده من أن المكتوب هو القرآن؛ ولهذا علّق الإحراق (٢) بالكتابة والجلد دون المكتوب؛ الّذي هو القرآن؛ وإذا كان المكتوب فى المصحف هو القرآن على ما اقترح ابن الأنبارىّ، فما المانع من قول ابن قتيبة أنّ الجلد يحترق دونه؟ لأن أحدا لا يقول إن الجلد هو القرآن؛ وإنما يقول قوم إنه مكتوب فيه؛ وإذا كان غيره لم يمتنع إضافة الاحتراق إلى أحدهما/ دون الآخر؛ وهذا كله تخليط من الرجلين؛ لأن القرآن غير حالّ فى الجلد على
الحقيقة؛ وليست الكتابة غير المكتوب؛ وإنما الكتابة أمارة للحروف؛ فأمّا أن تكون هى الكلام على الحقيقة أو يوجد معها الكلام مكتوبا فمحال.
فأما استشهاده على ذلك بالآية وبقوله: «لا تسافروا بالقرآن» فذلك تجوّز وتوسّع،
стр. 460
وليس يجب أن يجعل إطلاق الألفاظ المحتملة دليلا على إثبات الأحكام والمعانى، ومعترضة على أدلّة العقول؛ وقد تجوّز القوم بأكثر من هذا فقالوا: فى هذا الكتاب شعر امرئ القيس وعلم الشافعىّ وفقه فلان، ولم يقتض ذلك أن يكون العلم والكلام على الحقيقة موجودين فى الدفتر. وقد بيّن الكلام، فى هذا الباب فى مواضع هى أولى به.
فأما جواب ابن الأنبارىّ الّذي ارتضاه لنفسه، فلا طائل أيضا فيه، لأنه لا مزيّة للقرآن فيما ذكره على كل كلام وشعر فى العالم، لأنّا نعلم أنّ الشعر والكلام المحفوظ فى صدور الرجال إذا كتب فى جلد ثم أحرق أو غسل لم يذهب ما فى الصدور. منه؛ بل يكون ثابتا بحاله، فأىّ مزيّة للقرآن فى هذا على غيره؟ وأىّ فضيلة؟ فإن قال: وجه المزيّة أنّ غير القرآن من الشعر وغيره يمكن أن يندرس ويبطل بإحراق النار؛ والقرآن إذا كان هو تعالى هو المتولّى لإيداعه الصدور لا يتم ذلك فيه؟
قلنا: الكل سواء لأن غير القرآن إنما يبطل باحتراق الإهاب المكتوب فيه متى لم يكن محفوظا مودعا للصدور، ومتى كان بهذا الصفة لم يبطل باحتراق الجلد؛ وهكذا القرآن لو لم يحفظ فى الصدور لبطل بالاحتراق؛ ولكنه لا يبطل بهذا الشرط؛ فصار الشرط فى بطلان غير القرآن وثباته كالشّرط فى بطلان القرآن وإثباته، فلا مزيّة على هذا الجواب للقرآن فيما خصّ به من أنّ النار لا تمسّه، وهذا يبيّن أنه لا وجه غير ما ذكرناه فى الخبر؛ وهو أشبه بمذاهب العرب وأولى بتفضيل القرآن وتعظيمه.
*** [من شعر الحسين بن مطير الأسدىّ: ]
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أنشدنا أبو حاتم قال ابن دريد وأنشدنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعىّ- عن عمه للحسين بن مطير الأسدىّ (١) - وقال عبد الرحمن قال عمّى: لو كان شعر العرب هكذا ما أثم منشده-:
стр. 461
ألا حبّ (١) بالبيت الّذي أنت هاجره ... وأنت بتلماح من الطّرف ناظره (٢)
لأنّك من بيت لعينى معجب (٣) ... وأملح فى عينى من البيت عامره
أصدّ حياء أن يلجّ بى الهوى ... وفيك المنى لولا عدوّ أحاذره (٤)
وفيك حبيب النّفس لو تستطيعه (٥) ... لمات الهوى والشّوق حين تجاوره (٦)
فإن آته لم أنج إلا بظنّة ... وإن يأته غيرى تنط بى جرائره
وكان حبيب النّفس للقلب واترا ... وكيف يحبّ القلب من هو واتره!
وإن تكن الأعداء أحموا كلامه ... علينا فلن تحمى علينا مناظره
أحبّك يا سلمى على غير ريبة ... ولا بأس فى حبّ تعفّ سرائره
ويا عاذلى لولا نفاسة حبّها ... عليك لما باليت أنك خابره
بنفسى من لا بدّ أنّى هاجره ... ومن أنا فى الميسور والعسر ذاكره
ومن قد لحاه النّاس حتّى اتّقاهم ... ببغضى إلّا ما تجنّ ضمائره
أحبك حبّا لن أعنّف بعده ... محبّا ولكنّى إذا ليم عاذره
لقد مات قبلى أوّل الحبّ فانقضى ... ولو متّ أضحى الحبّ قد مات آخره (٧)
كلامك يا سلمى وإن قلّ نافعى ... ولا تحسبى أنّى وإن قلّ حاقره (٨)
ألا لا أبالى أىّ حىّ تحمّلوا ... إذا ثمد البرقاء لم يجل حاضره (٩)
стр. 462
وأنشد ابن الأعرابىّ لابن مطير:
لعمرك للبيت الّذي لا نطوره ... أحبّ إلينا من بلاد نطورها (١)
تقلّبت فى الإخوان حتى عرفتهم ... ولا يعرف الإخوان إلّا خبيرها
فلا أصرم الخلّان حتى يصارموا ... وحتى يسيروا سيرة لا أسيرها
فإنك بعد الشّرّ ما أنت واجد ... خليلا مديما شيمة لا يديرها
/- معنى يديرها، يقلّبها مرة هاهنا، ومرة هاهنا-
وإنك فى غير الأخلّاء عالم ... بأنّ الّذي يخفى عليك ضميرها (٢)
فلا تك مغرورا بمسحة صاحب ... من الودّ لا تدرى علام مصيرها (٣)
وما الجود عن فقر الرّجال ولا الغنى ... ولكنّه خيم الرّجال وخيرها
وقد تغدر الدّنيا فيضحى غنيّها ... فقيرا ويغنى بعد بؤس فقيرها
وكائن ترى من حال دنيا تغيّرت ... وحال صفا بعد اكدرار غديرها
ومن طامع فى حاجة لن ينالها ... ومن يائس منها أتاه بشيرها
ومن يتّبع ما يعجب النفس لا يزل ... مطيعا لها فى فعل شيء يضيرها (٤)
فنفسك أكرم عن أمور كثيرة ... فمالك نفس بعدها تستعيرها
[أبيات للسيد المرتضى فى معنى بيت للحسين بن مطير الأسدى: ]
قال سيدنا أدام الله علوّه: ولي فى معنى قول ابن مطير: «وقد تغدر الدنيا»، والبيت الّذي بعده من جملة قصيدة:
وكيف آنس بالدّنيا ولست أرى ... إلّا امرأ قد تعرّى من عواريها (٥)
стр. 463
نصبو إليها بآمال مخيّبة ... كأنّنا ما نرى عقبى أمانيها
فى وحشة الدّار ممّن كان يسكنها ... كلّ اعتبار لمن قد ظلّ يأويها
لا تكذبنّ فما قلبى لها وطنا ... وقد رأيت طلولا من مغانيها
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أنشدنا عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب للحسين بن مطير:
لقد كنت جلدا قبل أن يوقد الهوى ... على كبدى نارا بطيئا خمودها (١)
ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنّ شوقا كلّ يوم يزيدها (٢)
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتى ... إذا قدمت أحزانها وعهودها (٣)
/ فقد جعلت فى حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها (٤)
بمرتجّة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف قيودها (٥)
- يعنى أنها عجاف اللّثات وأصول الأسنان، وهى قيودها. قال أبو العباس ثعلب:
«عجاف»، بالخفض لحن، لأنه ليس من صفة النساء، وسبيله أن يكون نصبا؛ لأنه حال من الثنايا (٦) -
стр. 464
مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن ممّا زيّنتها عقودها
وصفر تراقيها وحمر أكفّها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
- وصف التّراقى بالصّفرة (١) من الطّيب، وحمرة أكفها من الخضاب-
يمنّيننا حتّى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلّ يجودها (٢)
أخذ قوله: «مخصّرة الأوساط زانت ... »، البيت من قول مالك بن أسماء بن خارجة:
وتزيدين أطيب الطّيب طيبا ... - إن تمسّيه- أين مثلك أينا!
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّرّ حسن وجهك زينا
[عود إلى شعر الحسين بن مطير الأسدى: ]
وروى أبو تمام الطائىّ فى الحماسة بعض الأبيات الّذي ذكرناها للحسين بن مطير.
وروى له أيضا (٣) - ويشبه أن يكون الجميع من قصيدة واحدة:
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلىّ ما بالعيش عيب لو أنّنا ... وجدنا لأيّام الصّبا من يعيدها
وروى أبو تمام أيضا لغيره (٤)، وبعض الرواة يرويها لابن مطير:
ولي نظرة بعد الصدود من الجوى ... كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفت! ... أم الله إن لم يعف عنها معيدها! (٥)
وأنشد أبو محلّم لابن مطير:
قضى الله يا أسماء أن لست بارحا ... أحبّك حتّى يغمض العين مغمض (٦)
стр. 465
/ وحبّك بلوى غير ألّا يسرّنى ... وإن كان بلوى أننى لك مبغض (١)
إذا أنا رضت النّفس فى حبّ غيرها ... أتى حبّها من دونها يتعرّض
فيا ليتني أقرضت جلدا (٢) صبابتى ... وأقرضنى صبرا على الشّوق مقرض
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
* إذا أنا رضت النفس فى حبّ غيرها*
من قول رجل من فزارة:
وأعرض حتّى يحسب النّاس أنما ... بى الهجر لاها لله ما بى لك الهجر
ولكن أروض النّفس أنظر هل لها ... - إذا فارقت يوما أحبّتها- صبر!
أو من قول نصيب:
وإنّى لأستحيى كثيرا وأتّقى ... عيونا (٣) واستبقى المودّة بالهجر
وأنذر بالهجران نفسى أروضها ... لتعلم عند الهجر هل لى من صبر!
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
* فيا ليتني أقرضت جلدا صبابتى ... * البيت
من قول بعض العرب:
رمى قلبه البرق الملألئ رمية ... بجنب الحمى وهنا فكاد يهيم (٤)
فهل من معير طرف عين خليّة ... فإنسان عين العامرىّ كليم
وللحسين فى هذا المعنى ما رواه المبرّد:
ولي كبد مقروحة من يبيعنى ... بها كبدا ليست بذات قروح (٥)
стр. 466
أبى النّاس، ويب الناس! لا يشترونها ... ومن يشترى ذا عرّة بصحيح! (١)
وأخذ العباس بن الأحنف هذا المعنى فقال:
من ذا يعيرك عينه تبكى بها! ... أرأيت عينا للبكاء تعار! (٢)
*** وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنا محمد بن حميد قال: كنا عند الأصمعىّ؛ فأنشده رجل أبيات دعبل:
أين الشّباب وأيّة سلكا! ... لا، أين يطلب ضلّ بل هلكا! (٣)
/ لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
يا سلم ما بالشّيب منقصة ... لا سوقة يبقى ولا ملكا
قصر الغواية عن هوى قمر ... وجد السّبيل إليه مشتركا
يا ليت شعرى كيف نومكما ... يا صاحبىّ إذا دمى سفكا!
لا تأخذا بظلامتى أحدا ... قلبى وطرفى فى دمى اشتركا
قال: فاستحسنها كلّ من فى المجلس، وأكثروا التعجب من قوله:
* ضحك المشيب برأسه فبكى*
стр. 467
فقال الأصمعىّ: إنما أخذ قوله هذا من ابن مطير الأسدىّ فى قوله:
أين أهل القباب بالدّهناء! ... أين جيراننا على الأحساء! (١)
جاورونا والأرض ملبسة ... نور الأقاحى تجاد بالأنواء
كلّ يوم عن أقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السّماء (٢)
وقد أخذه مسلم صريع الغوانى فى قوله:
مستعبر يبكى على دمنة ... ورأسه يضحك فيه المشيب (٣)
قال سيدنا أدام الله علوّه: ولأبى الحجناء نصيب الأصغر مثل هذا المعنى، وهو قوله:
يبكى الغمام به فأصبح روضه ... جذلان يضحك بالجميم ويزهر (٤)
ولابن المعتز مثله:
ألحّت عليه كلّ طخياء ديمة ... إذا ما بكت أجفانها ضحك الزّهر (٥)
ولابن دريد مثله:
تبسّم المزن وانهلّت مدامعه ... فأضحك الرّوض جفن الضّاحك الباكي (٦)
وغازل الشّمس نور ظلّ يلحقها (٧) ... بعين مستعبر بالدّمع ضحّاك
وروى عن أبى العباس المبرد أنه قال: أخذ ابن مطير قوله:
* تضحك الأرض من بكاء السّماء*
/ من قول دكين الراجز:
جنّ النّبات فى ذراها وزكا (٨) ... وضحك المزن به حتّى بكى
стр. 468
٣٣ مجلس آخر [المجلس الثالث والثلاثون: ]
تأويل آية [: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ... ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ؛ [آل عمران: ٧].
الجواب، قلنا: ذكر فى هذه الآية وجهان مطابقان للحقّ:
أحدهما أن يكون الراسخون فى العلم معطوفين على اسم الله تعالى؛ فكأنه قال: وما يعلم تأويله إلا الله وإلّا
الراسخون فى العلم، وإنهم مع علمهم به يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ؛ فوقع قوله:
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فى موقع الحال؛ والمعنى أنهم يعلمونه قائلين: آمَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وهذا غاية المدحة لهم؛ لأنهم إذا علموا ذلك بقلوبهم، وأظهروا التصديق به على ألسنتهم فقد تكاملت مدحتهم ووصفهم بأداء الواجب عليهم.
والحجة- لمن ذهب إلى ما بيّناه، والردّ على من استبعد عطفه على الأول وتقديره أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ على هذا التأويل لا ابتداء له، - قوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى؛ إلى قوله: شَدِيدُ الْعِقابِ؛ [الحشر: ٧]، فذكر جملة، ثم تلاها بالتفصيل، وتسمية من يستحق هذا الفيء فقال:
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، إلى قوله: الصَّادِقُونَ؛ [الحشر: ٨]. وقال فى الذين تبوء والدار والإيمان- وهم الأنصار: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ؛ [الحشر: ٩]. وقال فيمن جاء بعدهم: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا
стр. 469
وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ؛ [الحشر: ١٠]، فهذه الآيات تدلّ على أنه لا ينكر فى آية «الراسخين فى العلم» أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ حالا لهم؛ مع العلم بتأويل المتشابه؛ ولو أشكل شيء من ذلك لما أشكل قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا فى أنه موافق لقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وأن الصورتين واحدة.
ومما يستشهد به/ على ذلك من الشعر قول يزيد بن (١) مفرّغ فى عبد له كان يسمّى بردا باعه ثم ندم عليه:
وشربت بردا ليتنى ... من بعد برد كنت هامه (٢)
هامة تدعو صدى ... بين المشقّر فاليمامة (٣)
الرّيح تبكى شجوه ... والبرق يلمع فى الغمامة (٤)
فعطف البرق على الريح، ثم أتبعه بقوله: «يلمع»؛ كأنه قال: والبرق أيضا يبكيه لامعا فى غمامه؛ أى فى حال لمعانه؛ ولو لم يكن البرق معطوفا على الريح فى البكاء لم يكن للكلام معنى ولا فائدة.
ويمكن أيضا على هذا الوجه مع عطف «الراسخين» على ما تقدّم، وإثبات العلم بالمتشابه لهم أن يكون قوله: يَقُولُونَ آمَنَّا استئناف جملة، واستغنى فيه عن حرف العطف؛ كما استغنى فى قوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ؛ [الكهف: ٢٢]، ونحو ذلك مما للجملة الثانية فيه التباس بالجملة الأولى، فيستغنى به عن حرف العطف، ولو عطف بحرف العطف كان حسنا، ينزّل المتلبّس منزلة غير المتلبّس.
والوجه الثانى فى الآية أن يكون قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مستأنفا غير معطوف
стр. 470
على ما تقدّم، ثم أخبر عنهم بأنهم: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، ويكون المراد بالتأويل على هذا الجواب المتأوّل، لأنه قد يسمّى تأويلا، قال تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، [الأعراف: ٥٣] والمراد بذلك لا محالة المتأوّل، والمتأوّل الّذي لا يعلمه العلماء؛ وإن كان الله عالما به، كنحو وقت قيام الساعة، ومقادير الثواب والعقاب، وصفة الحساب، وتعيين الصغائر؛ إلى غير ذلك؛ فكأنه قال: وما يعلم تأويل جميعه. على المعنى الّذي ذكرناه إلا الله؛ والعلماء يقولون آمنّا به.
وقد اختار أبو عليّ الجبائىّ هذا الوجه، وقوّاه، وضعّف الأول بأن قال: قول الراسخين فى العلم آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا دلالة على استسلامهم؛ لأنهم لا يعرفون تأويل المتشابه، كما يعرفون تأويل المحكم، ولأن ما ذكرناه من وقت القيامة، ومن التمييز بين الصغائر والكبائر هو من تأويل القرآن؛ إذا كان داخلا فى خبر الله؛ والراسخون فى العلم/ لا يعلمون ذلك.
وليس الّذي ذكره بشيء؛ لأنه لا يمتنع أن يقول العلماء مع علمهم بالمتشابه: آمَنَّا بِهِ على الوجه الّذي قدمنا ذكره؛ فكيف يظنّ أنهم لا يقولون ذلك إلا مع فقد العلم به! وما المنكر من أن يظهر الإنسان بلسانه الإيمان بما يعلمه ويتحققه! فأما قوله: «ولأن ما ذكرناه من تأويل القرآن» فذلك إنما يكون تأويلا للقرآن إذا حملت هذه اللفظة على المتأوّل، لا على الفائدة والمعنى.
وأما إذا حملت على أنه: وما يعلم معنى المتشابه وفائدته إلّا الله، فلا بدّ من دخول العلماء فيه.
وليس يمكنه أن يقول: إنّ حمل التأويل على المتأوّل أظهر من حمله على المعنى والفائدة؛ لأن الأمر بالعكس من ذلك؛ بل حمله على المعنى أظهر وأكثر فى الاستعمال، وأشبه بالحقيقة؛ على أنه لو قيل: إنّ الجواب الأول أقوى من الثانى لكان أولى من قوله من قبل: إنه لو كان المراد بالتأويل المتأوّل لا الفائدة والمعنى لم يكن لتخصيص المتشابه بذلك دون المحكم معنى؛ لأن فى متأوّل المحكم؛ كإخباره عن الثواب والعقاب والحساب؛ ممّا لا شبهة فى كونه
стр. 471
محكما ما لا يعرف تفصيله وكنهه إلا الله تعالى؛ فأىّ معنى لتخصيص المتشابه بذلك والكلام يقتضي توجّهه نحو المتشابه! ألا ترى إلى قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ! فخصّ المتشابه بالذكر.
والأولى أيضا أن يكون المراد بلفظة تَأْوِيلِهِ الثانية هو المراد بلفظة تَأْوِيلِهِ الأولى، وقد علمنا أن الذين فى قلوبهم زيغ إنما اتّبعوا تأويله على خلاف معناه ولم يطلبوا تأويله الّذي هو متأوّله؛ فالوجه الأول أقوى وأرجح.
ويمكن فى الآية وجه ثالث لم نجدهم ذكروه، على أن يكون قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مستأنفا غير معطوف، ويكون المعنى: وما يعلم تأويل المتشابه بعينه وعلى سبيل التفصيل إلا الله؛ وهذا صحيح لأنّ أكثر المتشابه قد يحتمل الوجوه الكثيرة المطابقة للحق، الموافقة لأدلة العقول؛ فيذكر المتأوّل جميعها، ولا يقطع على مراد الله منها بعينه، لأنّ الّذي يلزم مثل ذلك أن يعلم فى الجملة أنه لم يرد من المعنى ما يخالف الأدلة؛ وأنه قد أراد بعض الوجوه المذكورة المتساوية فى الجواز، والموافقة للحق. وليس من تكليفنا أن نعلم المراد/ بعينه؛ وهذا مثل الضلال والهدى اللّذين نبين احتمالهما لوجوه كثيرة؛ منها ما يخالف الحقّ فيقطع على أنه تعالى لم يرده، ومنها وجوه تطابق الحق، فيعلم فى الجملة أنه قد أراد أحدها، ولا يعلم المراد منها بعينه وغير هذا من الآى المتشابهة؛ فإن أكثرها يحتمل وجوها، والقليل منها يختص بوجه واحد صحيح لا يحتمل سواه؛ ويكون قوله تعالى من بعد: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، أى صدّقنا بما نعلمه مفصّلا ومجملا من المحكم والمتشابه؛ وأنّ الكلّ من عند ربنا؛ وهذا وجه واضح.
*** [إيراد طائفة من محاسن شعر أبى حية النميرىّ وتفسير ما فيها من الغريب: ]
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا محمد بن أبى الأزهر قال أنشدنا محمد بن يزيد لأبى حيّة (١) النّميرىّ- وهى أبيات مختارة:
стр. 472
وخبّرك الواشون ألّا أحبّكم ... بلى وستور الله (١) ذات المحارم (٢)
أصدّ، وما الصّدّ الّذي تعرفينه ... عزاء بنا إلّا اجتراع العلاقم (٣)
حياء وبقيا أن تشيع نميمة ... بنا وبكم؛ أفّ لأهل النّمائم! (٤)
وإنّ دما لو تعلمين جنيته ... على الحىّ، جانى مثله غير سالم (٥)
أما إنّه لو كان غيرك أرقلت ... صعاد القنا بالرّاعفات اللهازم (٦)
ولكنه والله ما طلّ مسلما ... كبيض الثّنايا واضحات الملاغم
- قال ثعلب: الملاغم، ما حول الفم، وقال المبرّد: «واضحات الملاغم»، يريد العوارض، وقوله: «ما طلّ مسلما»، أى أبطل دمه-
إذا هنّ ساقطن الحديث حسبته (٧) ... سقوط حصى المرجان من سلك ناظم
- ويروى: «ساقطن الأحاديث للفتى». ويروى أيضا: «ساقطن الحديث كأنّه» -
رمين فأقصدن القلوب فلا ترى ... دما مائرا إلّا جوى فى الحيازم (٨)
стр. 473
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ومن مستحسن ما مضى فى هذه القصيدة قوله:
كأن لم أبرّح بالغيور وأقتتل ... بتفتير أبصار الصّحاح السّقائم (١)
/ ولم أله بالحدث الألفّ الّذي له ... غدائر لم يحرمن فار اللّطائم (٢)
إذا اللهو يطبينى وإذ أستميله ... بمحلولك الفودين وحف المقادم (٣)
وإذ أنا منقاد لكلّ مقوّد ... إلى اللهو حلّاف البطالات آثم
- وروى ابن حبيب: «مقوّد». ومعنى «حلّاف البطالات»، أى حلّاف فى البطالات-
مهين المطايا متلف غير أنّنى ... على هلك ما أتلفته غير نادم (٤)
أرى خير يومىّ الخسيس وإن غلا ... بى اللّوم لم أحفل ملامة لائم
- معنى «خير يومىّ الخسيس»، أى أحبّ يومىّ إلى الّذي هو أخسّ عند أهل الرأى والعقل.
وأنشد أبو إسحاق إبراهيم بن سيف بن الزّيادىّ لأبى حيّة- واسمه هيثم بن الربيع:
ترحّل بالشّباب الشّيب عنّا ... فليت الشّيب كان به الرّحيل
وقد كان الشّباب لنا خليلا ... فقد قضى مآربه الخليل
لعمر أبى، الشّباب لقد تولّى ... حميدا ما يراد به بديل
стр. 474
إذ الأيّام مقبلة علينا ... وظلّ أراكة الدّنيا ظليل
وأنشد المبرّد، قال أنشدنا أبو عثمان المازنىّ لأبى حيّة:
زمان الصّبا ليت أيّامنا ... رجعن لنا الصّالحات القصارا (١)
زمان عليّ غراب غداف ... فطيّره الدهر عنى فطارا
فلا يبعد الله ذاك الغراب ... وإن هو لم يبق إلّا ادّكارا
كأنّ الشّباب ولذّاته ... وريق الصّبا كان يوما معارا (٢)
- ريّق الصبا وريقه ورونقه: أوّله-
وهازئة أن رأت لمّتى ... تلفّع شيب بها فاستدارا (٣)
وقلّدنى منه بعد الخطام ... عذارا فما أستطيع اعتذارا (٤)
/ أجارتنا إنّ ريب الزّمان ... قبلى نال الرّجال الخيارا (٥)
فإمّا ترى لمّتى هكذا ... فأسرعت فيها لشيبى النّفارا (٦)
فقد ارتدى وحفة طلّة ... وقد أبرز الفتيات الخفارا
أما قوله: «عليّ غراب غداف» فأراد به الشّباب والشّعر الأسود، ويشبه أن يكون مأخوذا من قول الأعشى:
وما طلابك شيئا لست تدركه ... إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا! (٧)
ولأبى حيّة من قصيدة أولها:
* ألا يا اسلمى أطلال خنساء وانعمى (٨) *
стр. 475
وخنساء مخماص الوشاحين مشيها ... إلى الرّوح أفنان خطا المتجشّم (١)
ألمّا بسلمى قبل أن ترمى النّوى ... بنافذة نبض الفؤاد المتيّم
يقف عاشقا لم يبق من روح نفسه ... ولا عقله المسلوب غير التّوهّم
فقلن لها سرّا: فديناك! لا يرح ... صحيحا، فإن لم تقتليه فألممى (٢)
فألقت قناعا دونه الشّمس واتّقت ... بأحسن موصولين: كفّ ومعصم
وهذا البيت الأخير مأخوذ من قول النابغة:
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد (٣)
ولقوله: «وقلن لها سرّا فديناك لا يرح» خبر، وهو ما أخبرنا به أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى الباقطانىّ قال: اتصل بعبيد الله بن سليمان بن وهب أمر عليّ بن العباس الرومىّ وكثرة مجالسته لأبى الحسين القاسم ابنه، وسمع شيئا من أهاجيه، فقال لأبى الحسين: قد أحببت أن أرى ابن روميّك هذا؛ فدخل يوما عبيد الله إلى أبى الحسين وابن الرومىّ عنده، فاستنشده من شعره فأنشده، وخاطبه، فرآه مضطرب العقل جاهلا، فقال لأبى الحسين- بينه وبينه-: إنّ لسان هذا أطول من عقله، ومن هذه صورته لا تؤمن عقاربه عند أول عتب، ولا يفكّر فى عاقبة، فأخرجه عنك، فقال: أخاف حينئذ أن يعلن ما يكتمه فى دولتنا، ويذيعه فى تمكّننا، فقال: يا بنيّ/ لم أرد بإخراجك له طرده، فاستعمل فيه بيت أبى حيّه النّميرىّ:
فقلنا: لها سرّا فديناك! لا يرح ... صحيحا، فإن لم تقتليه فألممى
стр. 476
فحدّث القاسم بن فراس بما جرى، وكان أعدى النّاس لابن الرومىّ؛ وقد هجاه بأهاج (١) قبيحة، فقال له الوزير أعزّه الله: أشار بأن يغتال حتى يستراح منه وأنا أكفيك ذلك قال: فسمّه فى الخشكنانج، فمات.
قال الباقطانىّ: والناس يقولون ما قتله ابن فراس، وإنما قتله عبيد الله (٢).
وذكر محمد بن يزيد المبرّد قال: مما يفضّل لتخلّصه من التكلّف، وسلامته من التزيد وبعده من الاستعانة قول أبى حيّة:
رمتنى- وستر الله بينى وبينها- ... عشيّة آرام الكناس رميم (٣)
ألا ربّ يوم لو رمتنى رميتها، ... ولكنّ عهدى بالنّضال قديم (٤)
قال سيدنا أدام الله علوّه: وقد روى هذان البيتان لنصيب فى غير رواية المبرّد. قال المبرّد يقول: رمتنى وأصابتنى بمحاسنها، ولو كنت شابا لرميت كما رميت، وفتنت كما فتنت؛ ولكن عهدى قد تطاول بالشباب، وهذا كلام واضح؛ وأما الاستعانة فهى أن يدخل فى الكلام ما لا حاجة بالمستمع إليه ليصحّح نظما أو وزنا (٥).
ومما يختار من قول أبى حيّة أيضا:
стр. 477
ألا حىّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى ممّا لبسن اللّياليا (١)
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شيء لا يملّ التّقاضيا
ويقال: إن أحسن ما وصف به المسواك قول أبى حيّة:
لقد طالما عنّيت راحلة الصّبا ... وعلّلت شيطان الغوىّ المشوّق (٢)
وداويت قرح القلب منهنّ بالمنى ... وباللحظ- لو يبذلنه- المتسرّق
وساقيننى كأس الهوى وسقيتها ... رقاق الثّنايا عذبة المتريّق (٣)
وخمصانة تفترّ عن متنضّد ... كنور الأقاحى طيّب المتذوّق
/- ويروى: «عن متنسّق»، يعنى ثغرا على نسق واحد لا اختلاف فيه-
إذا مضغت بعد امتناع من الضّحى ... أنابيب من عود الأراك المخلّق
- الامتتاع: الارتفاع، يقال متع النهار وأمتع إذا طال- والمخلّق: الّذي علق به الخلوق والطيب من يدها؛ وقال بعضهم: عنى بالمخلّق المملّس-
سقت شعث المسواك ماء غمامة ... فضيضا بخرطوم المدام المروّق (٤)
- والفضيض: الّذي حين سال من الغمامة، أى كما فضّ (٥)، والخرطوم: سلاف الخمر، وهو أول ما يخرج من غير عصر ولا دوس-
وإن ذقت فاها بعد ما سقط النّدى ... بعطفى بخنداة رداح المنطّق
- البنخنداة: الضخمة. والرّداح: العظيمة الأرداف.
شممت العرار الطّلّ غبّ هميمة ... ونور الخزامى فى النّدى المترقرق (٦)
стр. 478
- العرار: بهار البرّ، والطّل: الغضّ الطرىّ، والهميمة: مطر ليّن (١):
وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن هارون بن عليّ قال: سمعت أبى- وقد ذكر قول أبى حيّة:
نظرت كأنّى من وراء زجاجة ... إلى الدّار من فرط الصّبابة أنظر (٢)
بعينين طورا تغرقان من البكا ... فأعشى، وطورا تحسران فأبصر (٣)
فقال: لو اعترضنى مملّك تجب طاعته، ويلزم الانقياد لأمره فقال: أىّ شعر أجود وأولى بأن يستحسن؟ ولم يفسح لى فى أن أميّز المدح من الفخر، والهجاء من التشبيب، وسائر أصناف الشعر ومذاهب الشعراء فيه لما
عدلت عن هذين البيتين.
ويقال إن أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أجاز بيتى أبى حية هذين بقوله:
فلا مقلتى من غامر الماء تنجلى ... ولا دمعتى من مكمد الوجد تقطر (٤)
ولأبى حية:
من المبكيات الجلد حتّى كأنما ... تسحّ بعينيه الدّموع شعيب
- الشّعيب: مزادة من أديمين، يشعب (٥) أحدهما بالآخر-
стр. 479
/ ليالى أهلانا جميعا وحولنا (١) ... سوائم منها رائح وغريب
وإذ يتجنّين الذّنوب وما لنا ... إليهنّ [إلّا ودّهنّ ذنوب] (٢)
ولأبى حيّة:
أصدّ عن البيت الحبيب وإنّنى ... لأصغى إلى البيت الّذي أتجنّب
أزور بيوتا غيره ولأهله ... على ما عدا عنهم أعزّ وأقرب
وقطّع أسباب المودّة معشر ... غضابى، وهل فى أحسن القول مغضب (٣)!
وألّا تنى يا أمّ عمرو نميمة (٤) ... تدبّ بها بينى وبينك عقرب
وما بيننا لو أنّه كان عالما ... بذاك الألى يولون ما يترتّب (٥)
حديث إذا لم تخش عينا كأنّه ... إذا ساقطته الشّهد، بل هو أطيب
لو انّك تستشفى به بعد سكرة ... من الموت كانت سكرة الموت تذهب (٦)
وقلت لها: ما تأمرين؟ فإنّنى ... أرى البين أدنى روعة تترقب (٧)
قال محمد بن يحيى الصولىّ: ولا أحسبه فى قوله:
* لو انّك تستشفى به بعد سكرة*
إلّا تبع قول توبة بن الحميّر:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... عليّ، ودونى جندل وصفائح (٨)
لسلّمت تسليم البشاشة، أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
стр. 480
قال سيدنا أدام الله علوّه: وأوّل من سبق إلى هذا المعنى فأحسن الأعشى فى قوله:
عهدى بها فى الحىّ قد درّعت ... صفراء مثل المهرة الضّامر (١)
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
حتّى يقول النّاس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت النّاشر!
ومعنى الناشر: المنشور، يقال: نشر الله الميت فنشر، وهو ناشر بمعنى منشور؛ مثل ماء دافق فهو مدفوق.
وقال بعض أصحاب المعانى: إنّ الجارية التى وصفها أيضا هى ميتة بمعنى أنها ستموت، فيكون المعنى: إن الناس عجبوا من أن يكون من يموت ينشر الموتى، ومن قال هذا أجاز: نشر الله الموتى/ بمعنى أنشر؛ والقول الأول أظهر، وما نظن الأعشى عنى غيره.
стр. 481
٣٤ مجلس آخر «*» [المجلس الرابع والثلاثون: ]
تأويل [قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ... : ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؛ [يوسف: ٩٢]، حاكيا عن يوسف ﵇.
فقال: لم خصّ «اليوم» بالقول، وإنما أراد العفو عنهم فى جميع مستقبل أوقاتهم؟
الجواب، قلنا: فى هذه الآية وجوه أربعة:
أولها أنه لما كان هذا الوقت الّذي أشار إليه (١) هو أوّل أوقاته التى كشف فيها نفسه، وأطلعهم على ما كان يستره (٢) عنهم من أمره؛ أشار إلى الوقت الّذي لو أراد الانتقام لابتدأ به فيه؛ والّذي متى عفا فيه عنهم (٣) لم يراجع الانتقام.
وثانيها أنّ يوسف ﵇ لما قدّم توبيخهم، وعدّد عليهم قبيح ما فعلوه، وعظيم ما ارتكبوه؛ وهو مع ذلك يستر عليهم (٤) نفسه، ولا يفصح لهم بحاله قال لهم عند تبين أمرهم: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ؛ أى قد انقطع عنكم توبيخى، ومضى عذلى ولائمتى عند اعترافكم بالذنب، وكان ذكر «اليوم» دلالة على انقطاع المعاقبة والتوبيخ؛ وعلى أنّ الأوقات المتصلة باليوم تجرى مجراه فى زوال الغضب، وتمام العفو، وسقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم.
وثالثها أنّ ذكر «اليوم» المراد به الزمان والحين، فوضع «اليوم» موضع الزّمان كلّه، المشتمل على الليالى والأيام والشهور والسنين؛ كما يقول العربى لغيره: قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم قد وفّقت لتركها ومقتها؛ يريد فى هذا الزمان، ولا يريد يوما واحدا بعينه؛ ومثله:
стр. 482
قد كنت تقصّر فى الجواب عن فنون العلم فاليوم ما تعجزك مسألة، ولا تتوقّف عن مشكلة؛ يريد باليوم باقى الزمان كله، وقال امرؤ القيس:
حلّت لى الخمر وكنت امرأ ... عن شربها فى شغل شاغل (١)
فاليوم فاشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل (٢)
لم يقصد يوما بعينه؛ ومثله:
/ اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
وقال لبيد:
وما النّاس إلّا كالدّيار وأهلها ... بها يوم حلّوها، وغدوا بلاقع (٣)
كل ذلك لا يراد بذكر اليوم أو الغد فيه إلا جميع الأوقات المستقبلة.
ورابعها أن يكون المراد: لا تثريب عليكم البتّة، ثم قال: الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ؛ فتعلّق «اليوم» بالغفران، وكان المعنى غفر الله لكم اليوم (٤).
وقد ضعّف قوم هذا الجواب من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله.
فأما التثريب فإن أبا عبيدة قال: معناه لا شغب ولا معاقبة ولا إفساد (٥).
وقال الشاعر:
فعفوت عنهم عفو غير مثرّب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد
стр. 483
وقال أبو العباس ثعلب: يقال: ثرّب فلان على فلان إذا عدّد عليه ذنوبه. وقال بعضهم (١):
التثريب مأخوذ من لفظ الثّرب، وهو شحم الجوف، فكأنّه موضوع للمبالغة فى اللوم والتعنيف والتقصّى إلى أبعد غايتهما (٢).
تأويل خبر [: تأويل ما ورد فى حديث نهى النبي ﵇ عن كسب الزمارة]
روى أبو عبيد القاسم بن سلّام عن حجّاج عن حماد بن سلمة عن هشام بن حسان، وحبيب بن الشّهيد عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن كسب الزّمّارة.
وقال أبو عبيد: قال حجّاج: الزّمّارة الزانية، وقال: هذا مثل حديثه الآخر أنه نهى عن كسب البغىّ.
وقال أبو عبيد: وقال غير حجّاج: هى الرّمازة، بتقديم الراء، قال: وقول حجّاج أثبت عندنا؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على البغاء، فأنزل الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً؛ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النور: ٣٣]، قال: فالعرض هو كسب البغىّ الّذي نهى النبي صلى الله عليه وآله عنه.
قال أبو عبيد: ولا أعلم ممّ أخذت «الزّمارة»؛ غير أنى وجدتها مفسّرة فى الحديث.
وقال ابن قتيبة: الأمر على ما ذكر أبو عبيد، إلا ما أنكره على من زعم أنها الرّمازة؛ لأن الرّمازة هى الفاجرة، سميّت بذلك لأنها ترمز، أى تومئ بعينيها وحاجبيها وشفتيها.
قال الفرّاء: وأكثر الرّمز بالشّفتين، ومنه قوله تعالى: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً [آل عمران: ٤١]، فالرّمازة صفة من صفات الفاجرة، / ثم صار اسما لها أو كالاسم؛ ولذلك قيل لها: هلوك؛ لأنها تتهالك على الفراش، أو على الرجل، ثم صار اسما لها دون غيرها من النساء، وإن تهالكت على زوجها، وقيل لها خريع،
стр. 484
للينها وتثنّيها، ثم صار ذلك اسما لها دون غيرها من النساء؛ وإن لانت وتثنّت؛ ونحوه قولهم للبعير: أعلم؛ للشّقّ فى مشفره الأعلى ثم صار كالاسم له؛ وكذلك قولهم للذئب: أزلّ أرسح (١)، ثم صار كالاسم له، والمريبة لا تكاد تعلن بالكلام، إنما تومض (٢) أو ترمز أو تصفر، قال الشاعر:
رمزت إلى مخافة من بعلها ... من غير أن يبدو هناك كلامها
وقال الأخطل:
أحاديث سدّاها ابن حدراء فرقد ... ورمّازة مالت لمن يستميلها (٣)
وقال الراجز:
يومئن بالأعين والحواجب ... إيماض برق فى عماء ناضب (٤)
- والعماء: السحاب، والناضب: البعيد-
وقال بعضهم: إنما قيل للفاجرة قحبة، من القحاب وهو السّعال؛ قال: وأحسبه أراد أنها تتنحنح أو تسعل ترمز بذلك.
قال: وبلغنى عن المفضّل أنه كان يقول فى قول الناس: «أجبن من صافر» (٥) أنه الرجل يصفر للفاجرة، فهو يخاف كل شيء.
وأما الأصمعىّ فإنه كان يقول: الصافر ما يصفر من الطير، وإنما وصف بالجبن لأنه ليس من الجوارح.
قال ابن قتيبة: ولا أرى القول إلا قول المفضّل، والدليل على ذلك قول الكميت بن زيد الأسدىّ:
стр. 485
أرجو لكم أن تكونوا فى إخائكم ... كلبا كورهاء تقلى كلّ صفّار (١)
لمّا أجابت صفيرا كان آيتها ... من قابس شيّط الوجعاء بالنّار (٢)
وهذه امرأة كان يصفر لها رجل فتجيبه، فتمثّل زوجها به وصفر لها، فأتته فشيّطها بميسم، فلما أعاد الصّفر (٣) قالت: «قد قلينا كلّ صفّار (٤)»، تريد أنا قد عففنا (٥) واطّرحنا كلّ فاجر.
قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ: والاختيار عندى: «الزّمارة» معجمة الزاى على ما قال أبو عبيد، لحجج ثلاث:
/ إحداهنّ إجماع أهل الحديث على الزّمارة.
والحجة الثانية أن الفاجرة سميت زمارة، لأنها تحسّن نفسها وكلامها، والزمر عند العرب الحسن، قال عمرو بن أحمر الباهلىّ يصف شرابا وغناء:
دنّان حنّانان بينهما ... رجل أجشّ غناؤه زمر (٦)
قال الأصمعىّ: معناه غناؤه حسن؛ كأنه من مزامير داود.
والحجة الثالثة أنهم سمّوا الفاجرة زمّارة، لمهانتها وقلة ما فيها من الخير؛ من قول العرب (٧):
نعجة زمرة؛ إذا كانت قليلة الصوف، ويقال: رجل زمر المروءة، إذا كان قليلها، قال ابن أحمر:
مطلنفئا لون الحصى لونه ... يحجز عنه الذّرّ ريش زمر (٨)
стр. 486
المطلنفئ: اللاصق بالأرض، والذرّ: النمل، والزّمر: القليل، فسمّى البغىّ (١) زمّارة، على وجه الذم لها والتصغير لشأنها؛ كما قيل لها: فاجرة لميلها عن القصد، يقال: فجر الرجل إذا مال، قال لبيد:
فإن تتقدّم تغش منها مقدّما ... غليظا، وإن أخّرت فالكفل فاجر (٢)
أى مائل، والكفل: كساء يوضع على ظهر البعير يوقّى من العرق.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ولا أرى لإحدى الروايتين على الأخرى رجحانا؛ لأنّ كلّ واحدة منهما قد أتت من جهة من يسكن إلى قوله، ولكلّ منهما مخرج فى اللغة، وتأويل يرجع إلى معنى واحد؛ لأن الرّمازة، بالراء غير معجمة يرجع معناها على ما ذكر ابن قتيبة إلى معنى الفجور، ومن رواها بالزاى المعجمة فالمرجع فى معناها إلى ذلك أيضا على الوجهين اللذين ذكرهما ابن الأنبارىّ، والأولى أن يثبتا (٣) متساويين، ويكون الراوى مخيّرا فيهما.
*** [أبيات للمضرّب بن كعب بن زهير: ]
أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال أنشدنى محمد بن أحمد الكاتب قال أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابىّ للمضرّب (٤)؛ وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبى سلمى:
стр. 487
وما زلت أرجو نفع سلمى وودّها ... وتبعد؛ حتّى ابيضّ منى المسائح (١)
وحتّى رأيت الشّخص يزداد مثله (٢) ... إليه؛ وحتّى نصف رأسى واضح
/ علا حاجبىّ الشّيب حتى كأنّه ... ظباء جرت منها سنيح وبارح (٣)
وهزّة أظعان عليهنّ بهجة ... طلبت، وريعان الصّبا بي جامح (٤)
فلمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح (٥)
وشدّت على حدب المهارى رحالها ... ولا ينظر الغادى الّذي هو رائح (٦)
قفلنا على الخوص المراسيل، وارتمت ... بهنّ الصّحارى والصّفاح الصّحاصح (٧)
***
стр. 488
وأنشد ابن الأعرابىّ:
فصدّت بعينى شادن وتبسّمت ... بحمّاء عن غرّ لهنّ غروب (١)
جرى الإسحل الأحوى عليهنّ أو جرى ... عليهنّ من فرع الأراك قضيب (٢)
*** [موازنة بين قول الرشيد: «قلب العاشق عليه مع معشوقه»، وقول طائفة من الشعراء]
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنا محمد بن الحسن البلغيّ قال حدثنا أبو حاتم قال: سمعت الأصمعىّ يقول: سمعت الرشيد يقول: قلب العاشق عليه مع معشوقه، فقلت له: هذا والله يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام العذرىّ لعفراء:
أرانى تعرونى لذكراك روعة ... لها بين جلدى والعظام دبيب (٣)
وما هو إلّا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب (٤)
وأصرف عن دارى الّذي كنت أرتئى (٥) ... ويعزب عنّى علمه ويغيب
ويضمر قلبى غدرها ويعينها ... عليّ، فما لى فى الفؤاد نصيب
فقال الرشيد: من قال هذا وهما فإنى أقوله علما، ولله درّك يا أصمعيّ! فإنى أجد عندك ما تضلّ عنه العلماء.
قال الصولىّ: فأخذه العباس بن الأحنف فقال:
يهيم بحرّان الجزيرة قلبه ... وفيها غزال فاتر الطّرف ساحره (٦)
يؤازره قلبى عليّ وليس لى ... يدان بمن قلبى عليّ يؤازره
стр. 489
/ وأشار إليه أيضا فى قوله:
قلبى إلى ما ضرّنى داعى ... يكثر أحزانى وأوجاعى (١)
كيف احتراسى من عدوّى إذا ... كان عدوّى بين أضلاعى (٢)
وأخذه سهل بن هارون الكاتب فقال:
أعان طرفى على جسمى وأعضائى ... بنظرة وقفت جسمى على دائى
وكنت غرّا بما تجنى عليّ يدى ... لا علم لى أنّ بعضى بعض أعدائى
وقال البحترىّ:
ولست أعجب من عصيان قلبك لى ... يوما إذا كان قلبى فيك يعصينى (٣)
*** [أحسن ما قيل من الشعر فى صفة امرأة عجزاء خميصة، عن الأصمعىّ: ]
وروى أبو عكرمة الضّبىّ عن مسعود بن بشر المازنىّ قال: قال لنا الأصمعىّ يوما:
ما أحسن ما قيل فى صفة امرأة عجزاء خميصة (٤) فأنشد قول الأعشى:
صفر الوشاحين ملء الدّرع بهكنة ... إذا تأتّى يكاد الخصر ينخزل (٥)
وأنشد قول علقمة بن عبدة:
صفر الوشاحين ملء الدّرع خرعبة ... كأنها رشأ فى البيت ملزوم (٦)
стр. 490
وأنشد قول ذى الرّمة:
ترى خلفها نصفا قناة قويمة ... ونصفا نقا يرتجّ أو يتمرمر (١)
فقال: أحسن ما قيل فيه قول أبى وجزة السّعديّ:
أدماء فى وضح يكاد إزارها (٢) ... يقوى (٣) ويشبع ما أحبّ إزارها (٤)
قال أبو عكرمة: ومثله قول الحارث بن خالد المخزومىّ:
غرثان، سمط وشاحها قلق ... ريّان من أردافها المرط
*** [خبر جعفر بن سليمان وحزنه على موت أخيه محمد، واسترواحه لشعر ابن أراكة الثقفى: ]
وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنى الأصمعىّ قال:
لما مات/ محمد بن سلمان بن عليّ الهاشميّ دخلت على أخيه جعفر بن سليمان، وقد حزن عليه حزنا شديدا ولم يطعم ثلاثا، فأنشدته لابن أراكة الثّقفىّ (٥):
لعمرى لئن أتبعت عينك (٦) ما مضى ... من (٧) الدّهر أو ساق الحمام إلى القبر
لتستنفدن ماء الشّئون بأسره ... ولو كنت تمريهنّ من ثبج البحر
فقلت لعبد الله إذ خنّ (٨) باكيا ... تعزّ، وماء العين منهمر يجرى
تبيّن فإن كان البكا ردّ هالكا ... على أحد فاجهد بكاك على عمرو
ولا تبك ميتا بعد ميت أحبه (٩) ... عليّ وعبّاس وآل أبى بكر
стр. 491
قال: فأمر فجئ بالطعام فأكل من ساعته.
قوله: «خن باكيا» معناه رفع صوته بالبكاء، وقال قوم: الخنين، بالخاء معجمة من الأنف، والحنين من الصّدر، وهو صوت يخرج من كلّ واحد منهما.
*** [لطف الأصمعىّ بإنشاده شعر ابن هرمة عند إسماعيل بن جعفر، وقضاء حاجته عنده بسبب ذلك: ]
وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال:
سمعت التّوزيّ يقول: دخلنا مع الأصمعىّ إلى إسماعيل بن جعفر ليلة فى حاجة، فأنشده الأصمعىّ أبيات ابن هرمة:
أتيناك نزجى حاجة ووسيلة ... إليك، وقد تحظى لديك الوسائل (١)
ونذكر ودّا شدّه الله بيننا ... على الدّهر لم تدبب إليه الغوائل (٢)
فأقسم ما أكبى زنادك قادح ... ولا أكذبت فيك الرّجاء القوابل (٣)
ولا رجعت ذا حاجة عنك علّة ... ولا عاق خيرا عاجلا منك آجل (٤)
ولا لام فيك الباذل الوجه نفسه ... ولا احتكمت فى الجود منك المباخل (٥)
لم يزد على هذه الأبيات، فقضى حاجته وأجاب مسألته.
قال سيدنا أدام الله علوّه: ويشبه أن يكون ابن هرمة أخذ قوله:
* ولا كذبت فيك الرّجاء القوابل*
من قول الحزين الكنانىّ فى زيد بن عليّ بن الحسين ﵈:
فلما (٦) تردّى بالحمائل وانثنى ... يصول بأطراف القنىّ الذّوابل (٧)
/ تبيّنت الأعداء أنّ سنانه ... يطيل حنين الأمّهات الثّواكل
стр. 492
تبيّن فيه ميسم العزّ والتّقى ... وليدا يفدّى بين أيدى القوابل
*** [أبيات لبشر بن خازم فى الاعتذار، رواها الأصمعىّ للرشيد: ]
وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى محمد بن الحسن البلغيّ قال حدثنى أبو حاتم عن الأصمعىّ قال: قال الرشيد يوما: يا أصمعيّ، أتعرف للعرب اعتذارا وندما؟ ودع النابغة فإنه يحتج ويعتذر، فقلت: ما أعرف ذلك إلّا لبشر بن أبى خازم الأسدىّ؛ فإنه هجا أوس بن حارثة بن لأم، فأسره بعد ذلك وأراد قتله، فقالت له أمه- وكانت ذات رأى-: والله لا محا هجاءه لك إلّا مدحه إياك، فعفا عنه، فقال بشر (١):
إنى على ما كان مني لنادم ... وإنى إلى أوس بن لأم لتائب
وإنى إلى أوس ليقبل توبتى ... ويعرف ودّى ما حييت لراغب
فهب لى حياتى فالحياة لقائم ... يسرّك فيها خير ما أنت واهب
سأمحو بمدحى (٢) فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب
فقال الرشيد للأصمعىّ: إن دولتى لتحسن ببقائك فيها.
*** وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعىّ- عن عمه قال: سمعت بيتين لم أحفل بهما، ثم قال: قلت: هما على كلّ حال خير من موضعهما من الكتاب، قال: فإنى عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل عليّ مسرور الكبير، فقال: يا مسرور، كم فى بيت مال السرور؟ فقال: ما فيه شيء، قال عيسى: هذا بيت مال الحزن، فاغتمّ لذلك الرشيد، وأقبل على عيسى فقال: والله لتعطينّ الأصمعىّ سلفا على بيت مال السرور ألف دينار، فوجم عيسى وانكسر، فقلت فى نفسى:
جاء موقع (٣) البيتين، وأنشدت الرشيد:
стр. 493
إذا شئت أن تلقى أخاك معبّسا ... وجدّاه فى الماضين كعب وحاتم
فكشّفه عمّا فى يديه فإنما ... تكشّف أخبار الرّجال الدّراهم (١)
قال: فتجلّى عن الرشيد وقال لمسرور: أعطه على بيت مال السرور ألفى دينار، فأخذت بالبيتين ألفى دينار، وما كانا يساويان عندى درهمين (٢)!
стр. 494
٣٥ مجلس آخر [المجلس الخامس والثلاثون: ]
تأويل آية [خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ: ]
إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؛ [الأنبياء: ٢٧].
الجواب، قيل له: قد ذكر فى هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها، ونرجّح الأرجح منها:
أوّلها أن يكون معنى القول المبالغة فى وصف الإنسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يحلب (١) إليه نفعا، أو يدفع عنه ضررا؛ ولهم عادة فى استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة؛ كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلّا من نوم، وما خلق فلان إلّا من شر؛ إذا أرادوا كثرة وقوع الشرّ منه؛ وربما قالوا: ما أنت إلّا أكل وشرب، وما أشبه ذلك، قالت الخنساء تصف بقرة (٢):
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار (٣)
وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال والإدبار منها.
ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى فى موضع آخر: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا، [الإسراء: ١١]، ويطابقه أيضا قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؛ لأنه وصفهم بكثرة العجلة وأنّ من شأنهم فعلها، توبيخا لهم وتقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من
стр. 495
حيث كانوا متمكّنين من مفارقة طريقتهم فى الاستعجال، وقادرين على التثبّت والتأيّد.
وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب بن المستنير وغيرهما من أنّ فى الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الإنسان، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ؛ [آل عمران: ٤٠]، أى قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ؛ [القصص: ٧٦]، والمعنى: إن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو عرضت الحوض على الناقة، وقولهم: إذا طلعت الشّعرى استوى العود على الحرباء؛ يريدون استوى الحرباء على العود؛ وبقول الأعشى:
/ لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق (١)
يريد أن الموفّق معان.
وبقول الآخر:
على العيارات هدّاجون قد بلغت ... نجران، أو بلغت سوءاتهم هجر (٢)
والمعنى: أنّ السوءات هى التى بلغت هجر.
وبقول خداش بن زهير:
ونركب خيلا لا هوادة بينها ... وتشقى الرّماح بالضياطرة الحمر (٣)