← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال: فأمر فجئ بالطعام فأكل من ساعته. قوله: «خن باكيا» معناه رفع صوته بالبكاء، وقال قوم: الخنين، بالخاء معجمة من الأنف، والحنين من الصّدر، وهو صوت يخرج من كلّ واحد منهما. *** [لطف الأصمعىّ بإنشاده شعر ابن هرمة عند إسماعيل بن جعفر، وقضاء حاجته عنده بسبب ذلك: ] وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال: سمعت التّوزيّ يقول: دخلنا مع الأصمعىّ إلى إسماعيل بن جعفر ليلة فى حاجة، فأنشده الأصمعىّ أبيات ابن هرمة: أتيناك نزجى حاجة ووسيلة ... إليك، وقد تحظى لديك الوسائل (١) ونذكر ودّا شدّه الله بيننا ... على الدّهر لم تدبب إليه الغوائل (٢) فأقسم ما أكبى زنادك قادح ... ولا أكذبت فيك الرّجاء القوابل (٣) ولا رجعت ذا حاجة عنك علّة ... ولا عاق خيرا عاجلا منك آجل (٤) ولا لام فيك الباذل الوجه نفسه ... ولا احتكمت فى الجود منك المباخل (٥) لم يزد على هذه الأبيات، فقضى حاجته وأجاب مسألته. قال سيدنا أدام الله علوّه: ويشبه أن يكون ابن هرمة أخذ قوله: * ولا كذبت فيك الرّجاء القوابل* من قول الحزين الكنانىّ فى زيد بن عليّ بن الحسين ﵈: فلما (٦) تردّى بالحمائل وانثنى ... يصول بأطراف القنىّ الذّوابل (٧) / تبيّنت الأعداء أنّ سنانه ... يطيل حنين الأمّهات الثّواكل

стр. 492

تبيّن فيه ميسم العزّ والتّقى ... وليدا يفدّى بين أيدى القوابل *** [أبيات لبشر بن خازم فى الاعتذار، رواها الأصمعىّ للرشيد: ] وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى محمد بن الحسن البلغيّ قال حدثنى أبو حاتم عن الأصمعىّ قال: قال الرشيد يوما: يا أصمعيّ، أتعرف للعرب اعتذارا وندما؟ ودع النابغة فإنه يحتج ويعتذر، فقلت: ما أعرف ذلك إلّا لبشر بن أبى خازم الأسدىّ؛ فإنه هجا أوس بن حارثة بن لأم، فأسره بعد ذلك وأراد قتله، فقالت له أمه- وكانت ذات رأى-: والله لا محا هجاءه لك إلّا مدحه إياك، فعفا عنه، فقال بشر (١): إنى على ما كان مني لنادم ... وإنى إلى أوس بن لأم لتائب وإنى إلى أوس ليقبل توبتى ... ويعرف ودّى ما حييت لراغب فهب لى حياتى فالحياة لقائم ... يسرّك فيها خير ما أنت واهب سأمحو بمدحى (٢) فيك إذ أنا صادق ... كتاب هجاء سار إذ أنا كاذب فقال الرشيد للأصمعىّ: إن دولتى لتحسن ببقائك فيها. *** وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعىّ- عن عمه قال: سمعت بيتين لم أحفل بهما، ثم قال: قلت: هما على كلّ حال خير من موضعهما من الكتاب، قال: فإنى عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل عليّ مسرور الكبير، فقال: يا مسرور، كم فى بيت مال السرور؟ فقال: ما فيه شيء، قال عيسى: هذا بيت مال الحزن، فاغتمّ لذلك الرشيد، وأقبل على عيسى فقال: والله لتعطينّ الأصمعىّ سلفا على بيت مال السرور ألف دينار، فوجم عيسى وانكسر، فقلت فى نفسى: جاء موقع (٣) البيتين، وأنشدت الرشيد:

стр. 493

إذا شئت أن تلقى أخاك معبّسا ... وجدّاه فى الماضين كعب وحاتم فكشّفه عمّا فى يديه فإنما ... تكشّف أخبار الرّجال الدّراهم (١) قال: فتجلّى عن الرشيد وقال لمسرور: أعطه على بيت مال السرور ألفى دينار، فأخذت بالبيتين ألفى دينار، وما كانا يساويان عندى درهمين (٢)!

стр. 494

٣٥ مجلس آخر [المجلس الخامس والثلاثون: ] تأويل آية [خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ: ] إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؛ [الأنبياء: ٢٧]. الجواب، قيل له: قد ذكر فى هذه الآية وجوه من التأويل نحن نذكرها، ونرجّح الأرجح منها: أوّلها أن يكون معنى القول المبالغة فى وصف الإنسان بكثرة العجلة، وأنه شديد الاستعجال لما يؤثره من الأمور، لهج باستدناء ما يحلب (١) إليه نفعا، أو يدفع عنه ضررا؛ ولهم عادة فى استعمال مثل هذه اللفظة عند المبالغة؛ كقولهم لمن يصفونه بكثرة النوم: ما خلقت إلّا من نوم، وما خلق فلان إلّا من شر؛ إذا أرادوا كثرة وقوع الشرّ منه؛ وربما قالوا: ما أنت إلّا أكل وشرب، وما أشبه ذلك، قالت الخنساء تصف بقرة (٢): ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار (٣) وإنما أرادت ما ذكرناه من كثرة وقوع الإقبال والإدبار منها. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى فى موضع آخر: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا، [الإسراء: ١١]، ويطابقه أيضا قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؛ لأنه وصفهم بكثرة العجلة وأنّ من شأنهم فعلها، توبيخا لهم وتقريعا، ثم نهاهم عن الاستعجال باستدعاء الآيات من

стр. 495

حيث كانوا متمكّنين من مفارقة طريقتهم فى الاستعجال، وقادرين على التثبّت والتأيّد. وثانيها ما أجاب به أبو عبيدة وقطرب بن المستنير وغيرهما من أنّ فى الكلام قلبا، والمعنى: خلق العجل من الإنسان، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ؛ [آل عمران: ٤٠]، أى قد بلغت الكبر، وبقوله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ؛ [القصص: ٧٦]، والمعنى: إن العصبة تنوء بها، وتقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، وإنما هو عرضت الحوض على الناقة، وقولهم: إذا طلعت الشّعرى استوى العود على الحرباء؛ يريدون استوى الحرباء على العود؛ وبقول الأعشى: / لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق (١) يريد أن الموفّق معان. وبقول الآخر: على العيارات هدّاجون قد بلغت ... نجران، أو بلغت سوءاتهم هجر (٢) والمعنى: أنّ السوءات هى التى بلغت هجر. وبقول خداش بن زهير: ونركب خيلا لا هوادة بينها ... وتشقى الرّماح بالضياطرة الحمر (٣)

стр. 496

يريد تشقى الضّياطرة بالرماح. وبقول الآخر: تمشى به عوذ النّعاج كأنّها ... عذارى ملوك فى بياض ثياب (١) يريد فى ثياب بيض. وبقول الآخر: حسرت كفّى عن السّربال آخذه (٢) ... فردا يحزّ على أيدى المفيضينا (٣) يريد حسرت السّربال عن كفّى. وبقول ابن أحمر: وجرد طار باطلها نسيلا ... وأحدث قمؤها شعرا قصارا (٤) أراد طار نسيلها باطلا. وبقول الآخر: وقسورة أكتافهم فى قسّيهم ... إذا ما مشوا لا يغمزون من النّسا (٥) أى قسيّهم فى أكتافهم. وبقول الآخر: * وهنّ من الإخلاف والولعان (٦) * أى الإخلاف والولعان منهن.

стр. 497

ويبقى على صاحب هذا الجواب مع التغاضى له عن حمل كلامه تعالى على القلب أن يقال له: وما المعنى والفائدة فى قوله تعالى: «خلق العجل من الإنسان» أتريدون (١) بذلك أنّ الله تعالى خلق فى إنسان العجلة؟ وهذا لا يجوز؛ لأن العجلة فعل من أفعال الإنسان، فكيف تكون مخلوقة فيه لغيره! ولو كان كذلك لما جاز أن ينهاهم عن الاستعجال فى الآية فيقول: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ، لأنه لا ينهاهم عمّا خلقه فيهم. فإن قالوا: لم يرد أنه تعالى خلقها؛ لكنه أراد كثرة فعل الإنسان لها؛ وأنه لا يزال/ يستعملها. قيل لهم: هذا هو الجواب الّذي قدّمناه من غير حاجة إلى القلب والتقديم والتأخير؛ وإذا كان هذا المعنى يتمّ وينتظم على ما ذكرناه من غير قلب فلا حاجة بنا إليه. وقد ذكر أبو القاسم البلخىّ هذا الجواب فى تفسيره، واختاره وقوّاه، وسأل نفسه عليه فقال: كيف جاز أن يقول: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ، وهو خلق العجلة فيهم! وأجاب بأنه قد أعطاهم قدرة على مغالبة طباعهم وكفّها، وقد يكون الإنسان مطبوعا عليها وهو مع ذلك مأمور بالتثبت، قادر على أن يجانب العجلة، وذلك كخلقه فى البشر شهوة النكاح، وأمره فى كثير من الأوقات بالامتناع منه. وهذا الّذي ذكره البلخىّ تصريح بأن المراد بالعجل غيره، وهو الطبع الداعى إليه، والشهوة المتناولة له، ويجب أيضا أن يكون المراد ب «من» هاهنا «فى»؛ لأن شهوة العجل لا تكون مخلوقة من الإنسان، وإنما تكون فيه. وهذا تجوّز على تجوّز، وتوسّع على توسّع، لأن القلب أوّلا مجاز، ثم هو من بعيد المجاز؛ وذكر العجل والمراد به غيره مجاز آخر، وإقامة «من» مقام «فى» كذلك؛ على أنه تعالى إذا نهاهم عن العجلة بقوله: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ أىّ معنى لتقديم قوله: إنى خلقت شهوة العجلة فيهم، أو الطبع الداعى إليها؛ على ما عبّر به البلخىّ. وهذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجة عليهم؛ وأيسر

стр. 498

الأحوال ألّا يكون عذرا ولا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى. وفى الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذّم والتوبيخ والتقريع من غير إضافة له إليه ؛ فالجواب الأول أوضح وأصحّ. وثالثها جواب روى عن الحسن، قال: يعنى بقوله: مِنْ عَجَلٍ، أى من ضعف، وهى النّطفة المهينة الضّعيفة، وهذا قريب إن كان فى اللغة شاهد على أن العجل يكون عبارة عن الضّعف أو معناه. ورابعها ما حكى أنّ أبا الحسن الأخفش أجاب به، وهو: أن يكون المراد أنّ الإنسان خلق من تعجيل من الأمر؛ لأنه تعالى قال: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، [النحل: ٤٠]. فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ؟ قلنا: يمكن أن يكون وجه/ المطابقة أنهم لما استعجلوا بالآيات واستبطئوها أعلمهم تعالى أنه ممن لا يعجزه شيء إذا أراده، ولا يمتنع عليه؛ وأنّ من خلق الإنسان بلا كلفة ولا مئونة بأن قال له: كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة، وعجائب الحكمة التى يعجز عنها كلّ قادر، ويحار فيها كل ناظر، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. وخامسها ما أجاب به بعضهم من أن العجل الطين، فكأنه تعالى قال: خلق الإنسان من طين، كما قال تعالى فى موضع آخر: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ؛ [السجدة: ٧]، واستشهد بقول الشاعر: والنّبع ينبت بين الصّخر ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل (١) ووجدنا قوما يطعنون فى هذا الجواب، ويقولون: ليس بمعروف أن العجل هو الطين، وقد حكى صاحب كتاب العين عن بعضهم أن العجل الحمأة، ولم يستشهد عليه، إلّا أن

стр. 499

البيت الّذي حكيناه يمكن أن يكون شاهدا له، وقد رواه ثعلب عن ابن الأعرابىّ، وخالف فى شيء من ألفاظه فرواه: والنّبع فى الصّخرة الصّماء منبته ... والنّخل ينبت بين الماء والعجل وإذا صحّ هذا الجواب فوجه المطابقة بين ذلك وبين قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُونِ على نحو ما ذكرناه، وهو أنّ من خلق الإنسان- مع الحكم الظاهرة فيه- من الطين، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات؛ أو يكون المعنى أنه لا يجب لمن خلق من الطين المهين، وكان أصله هذا الأصل الحقير الضعيف أن يهزأ برسل الله وآياته وشرائعه؛ لأنه تعالى قال قبل هذه الآية: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً، أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؛ [الأنبياء: ٣٦]. وسادسها أن يكون المراد بالإنسان آدم ﵇، ومعنى مِنْ عَجَلٍ أى فى سرعة (١) من خلقه، لأنه لم يخلقه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة كما خلق غيره، وإنما ابتدأه الله تعالى ابتداء، وأنشأه إنشاء، فكأنّه تعالى نبّه بذلك على الآية العجيبة فى خلقه له، وأنه يرى عباده من آياته وبيناته أوّلا أولا ما تقتضيه مصالحهم وتستدعيه أحوالهم. / وسابعها ما روى عن مجاهد وغيره أنّ الله تعالى خلق آدم بعد خلق كل شيء آخر، نهار يوم الجمعة على سرعة، معاجلا به غروب الشمس. وروى أن آدم ﵇ لما نفخت فيه الروح وبلغت إلى أعالى جسده، ولم تبلغ أسافله قال: يا رب استعجل بخلقى قبل غروب الشمس. وثامنها ما روى عن ابن عباس والسّدّيّ أن آدم ﵇ لما خلق وجعلت الروح فى أكثر جسده وثب عجلان مبادرا إلى أثمار الجنة- وقال قوم بل همّ بالوثوب- فهذا معنى قوله تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ.

стр. 500

وهذه الأجوبة المتأخّرة مبنية على أنّ المراد بالإنسان فيها آدم ﵇ دون غيره. *** [طائفة من شعر مسكين الدارمىّ وذكر بعض أخباره: ] قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن لمسكين الدارمىّ قوله (١): ربّ أمور قد بريت لحاءها ... وقوّمت من أصلابها ثمّ زعتها (٢) أقيم بدار الحرب (٣) ما لم أهن بها ... فإن خفت من دار هوانا تركتها وأصلح جلّ المال حتى تخالنى (٤) ... شحيحا وإن حقّ عرانى أهنتها ولست بولّاج البيوت لفاقة ... ولكن إذا استغنيت عنها ولجتها أبيت عن الإدلاج فى الحىّ نائما ... وأرض بإدلاج وهمّ (٥) قطعتها ألا أيّها الجارى سنيحا وبارحا ... تعرّض نفسا لو أشاء قتلتها تعارض فخر الفاخرين بعصبة ... ولو وضعت لى فى إناء أكلتها وإنّ لنا ربعيّة المجد كلّها ... موارث آباء كرام ورثتها (٦) إذا قصرت أيدى الرّجال عن العلى ... مددت يدى باعا عليهم فنلتها وداع دعانى للعلى فأجبته ... ودعوة داع فى الصّديق خذلتها ومكرمة كانت رعاية والدى ... فعلّمنيها والدى ففعلتها (٧)

стр. 501

وعوراء من قيل امرئ ذى قرابة ... تصاممت عنها بعد ما قد سمعتها (١) / رجاة غد (٢) أن يعطف الرّحم بيننا ... ومظلمة منه بجنبى عركتها إذا ما أمور الناس رثّت وضيّعت ... وجدت أمورى كلّها قد رممتها (٣) وإنى سألقى الله لم أرم حرّة ... ولم تتمنّى (٤) يوم سرّ فخنتها ولا قاذف نفسى ونفسى بريئة ... وكيف اعتذارى بعد ما قد قذفتها *** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا أبو ذرّ القراطيسىّ قال حدثنا عبيد الله بن محمد ابن أبى الدنيا قال حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدىّ أنّ رجلا من الأنصار حدثه قال قال مسكين الدّارمىّ: ولست إذا ما سرّنى الدّهر ضاحكا ... ولا خاشعا ما عشت من حادث الدّهر (٥) ولا جاعلا عرضى لمالى وقاية ... ولكن أقي عرضى فيحرزه وفرى أعفّ لدى عسرى وأبدى تجمّلا ... ولا خير فيمن لا يعفّ لدى العسر وإنى لأستحيى إذا كنت معسرا ... صديقى وإخوانى بأن يعلموا فقرى وأقطع إخوانى وما حال عهدهم ... حياء وإعراضا، وما بي من كبر فإن يك عارا ما أتيت فربما ... أتى المرء يوم السّوء من حيث لا يدرى ومن يفتقر يعلم مكان صديقه ... ومن يحيى لا يعدم بلاء من الدّهر (٦) ومن مستحسن قوله: إن أدع مسكينا فما قصرت ... قدرى بيوت الحىّ والجدر

стр. 502

وقيل: إن مسكينا ليس باسمه، وإنما اسمه ربيعة، وإنما سمّى بذلك لقوله: وسمّيت مسكينا وكانت لجاجة ... وإنى لمسكين إلى الله راغب (١) - ومعنى: قصرت قدرى، أى: سترت، يريد أنها بارزة لا تحجبها السواتر والحيطان- ما مسّ رحلى العنكبوت ولا ... جدياته من وضعه غبر وهذه كناية مليحة عن مواصلة السير وهجر الوطن، لأن العنكبوت إنما تنسج على ما لا تناله/ الأيدى ولا يكثر استعماله، والجديات: جمع جدية، وهى باطن دفّة الرحل. لا آخذ الصّبيان ألثمهم ... والأمر قد يغرى (٢) به الأمر - يقول: لا أقبّل الصبىّ؛ وأنا أريد التعريض بأمه. ومثله لغيره: ولا ألقى لذى الودعات سوطى (٣) ... ألاعبه (٤) وريبته (٥) أريد وأنشد ابن الأعرابى مثله: إذا رأيت صبىّ القوم يلثمه ... ضخم المناكب لا عمّ ولا خال فاحفظ صبيّك منه أن يدنّسه ... ولا يغرّنك يوما قلّة المال (٦) - رجع إلى تمام القصيدة- ولربّ يوم قد تركت وما ... بينى وبين لقائه ستر ومخاصم (٧) قاومت فى كبد ... مثل الدّهان فكان لى العذر (٨)

стр. 503

- ويروى: «القمر»، والكبد: المنزلة التى لا تثبت فيها الأرجل، والدهان: الأديم الأحمر- ما علّتى (١)! قومى بنو عدس ... وهم الملوك وخالى البشر (٢) عمّى زرارة غير منتحل ... وأبى الّذي حدّثته عمرو فى المجد غرّتنا مبيّنة ... للنّاظرين كأنّها البدر لا يرهب الجيران غدرتنا ... حتّى يوارى ذكرنا القبر لسنا كأقوام إذا كلحت ... إحدى السّنين فجارهم تمر - أى يستحلى الغدر به كما يستحلى التمر- مولاهم لحم على وضم ... تنتابه العقبان والنّسر نارى ونار الجار واحدة ... وإليه قبلى تنزل القدر يقال: إنه كان له امرأة تماظّه، فلما قال ذلك قالت له: أجل؛ إنما ناره ونارك واحدة، لأنه/ أوقد ولم توقد، والقدر تنزل إليه قبلك؛ لأنه طبخ ولم تطبخ، وأنت تستطعمه. ما ضرّ جارى إذ أجاوره ... أن لا يكون لبيته ستر - قال: ويقال إنها قالت له فى هذا البيت أيضا: أجل إن كان له ستر هتكته- أعمى إذا ما جارتى خرجت ... حتّى يوارى جارتى الخدر ويصمّ عمّا كان بينهما ... سمعى وما بى غيره وقر وأنشد عمر بن شبّة لمسكين أيضا: لا تجعلني كأقوام علمتهم (٣) ... لم يظلموا لبّة يوما ولا ودجا (٤)

стр. 504

إنى لأغلاهم باللّحم قد علموا ... نيئا، وأرخصهم باللّحم إذ نضجا أنا ابن قاتل جوع القوم قد علموا ... إذا السّماء كست آفاقها رهجا (١) يا ربّ أمرين قد فرّجت بينهما ... إذا هما نشبا فى الصّدر واعتلجا (٢) أديم خلقى لمن دامت خليقته ... وأمزج الحلو أحيانا لمن مزجا وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت فى الدّجى سرجا (٣) ما أنزل الله من أمر فأكرهه ... إلّا سيجعل لى من بعده فرجا ما مدّ قوم بأيديهم إلى شرف ... إلّا رأونا قياما فوقهم درجا وأنشد أبو العباس ثعلب له: أضاحك ضيفى قبل إنزال رحله ... ولم يلهنى عنه غزال مقنّع أحدّثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسى أنه سوف يهجع ومثله لغيره: أضاحك ضيفى قبل إنزال رحله ... ويخصب عندى والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب ومعنى: * أحدّثه إنّ الحديث من القرى* أى أصبر على حديثه، وأعلم أنه سوف ينام، ولا أعرّض بمحادثته/ فأكون قد محقت قراى؛ والحديث الحسن من تمام القرى. وقال الأصمعىّ: أحسن ما قيل فى الغيرة قول مسكين الدارمىّ: ألا أيّها الغائر المستشيط ... علام تغار إذا لم تغر

стр. 505

فما خير عرس إذا خفتها ... وما خير بيت إذا لم يزر (١) تغار على النّاس أن ينظروا ... وهل يفتن الصّالحات النّظر فإنى سأخلى لها بيتها ... فتحفظ لى نفسها أو تذر إذا الله لم يعطه ودّها ... فلن يعطى الودّ سوط ممرّ ومن ذا يراعى له عرسه ... إذا ضمّه والمطىّ السّفر! قال المرتضى رضى الله عنه: وكان مسكين كثير اللهج بالقول فى هذا المعنى، فمن ذلك قوله: وإنى امرؤ لا آلف البيت قاعدا ... إلى جنب عرسى لا أفرّطها شبرا ولا مقسم لا أبرح الدّهر بيتها ... لأجعله قبل الممات لها قبرا إذا هى لم تحصن أمام فنائها ... فليس بمنجيها بنائى لها قصرا ولا حاملى ظنّى ولا قيل قائل (٢) ... على غيرة حتّى أحيط بها خبرا فهبنى امرأ راعيت ما دمت شاهدا ... فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا وأنشد أبو العبّاس (٣) عن أبى العالية لمسكين: ما أحسن الغيرة فى حينها ... وأقبح الغيرة فى كلّ حين (٤) من لم يزل متّهما عرسه ... مناصبا فيها لوهم الظّنون يوشك أن يغريها بالذى ... يخاف، أو ينصبها للعيون حسبك من تحصينها ضمّها ... منك إلى خلق كريم ودين لا تظهرن منك على عورة ... فيتبع المقرون حبل القرين (٥)

стр. 506

٣٦ مجلس آخر [المجلس السادس والثلاثون: ] تأويل آية: [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ... ] / إن سأل سائل عن قوله تعالى فى قصة يوسف ﵇: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ؛ [يوسف: ٢٤]. فقال: هل يسوغ ما تأوّل بعضهم هذه الآية عليه من أن يوسف ﵇ عزم على المعصية وأرادها، وأنه جلس مجلس الرجل من المرأة، ثم انصرف عن ذلك بأن رأى صورة أبيه يعقوب ﵇ عاضّا على إصبعه، متوعّدا له على مواقعة المعصية، أو بأن نودى له بالنهى والزّجر فى الحال على ما ورد به الحديث؟ الجواب، قلنا: إذا ثبت بأدلّة العقول التى لا يدخلها الاحتمال والمجاز ووجوه التأويلات أنّ المعاصى لا تجوز على الأنبياء ﵈ صرفنا كل ما ورد ظاهره بخلاف ذلك من كتاب أو سنة إلى ما يطابق الأدلة ويوافقها، كما نفعل مثل ذلك فيما يرد ظاهره مخالفا لما تدل عليه العقول من صفاته تعالى، وما يجوز عليه أو لا يجوز. ولهذه الآية وجوه من التأويل؛ كلّ واحد منها يقتضي نزاهة نبى الله تعالى من العزم على الفاحشة وإرادة المعصية. أوّلها أنّ الهمّ فى ظاهر الآية متعلّق بما لا يصح أن يعلّق به العزم أو الإرادة على الحقيقة؛ لأنه تعالى قال: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها، فعلّق الهمّ بهما، وذاتاهما لا يجوز أن يراد أو يعزم عليهما؛ لأنّ الموجود الباقى لا يصحّ ذلك فيه، فلا بدّ من تقدير محذوف يتعلّق العزم به؛ وقد يمكن أن يكون ما تعلّق به همّه إنما هو ضربها أو دفعها عن نفسه، كما

стр. 507

يقول القائل: كنت هممت بفلان، وقد همّ فلان بفلان؛ أى بأن يوقع به ضربا أو مكروها. فإن قيل: فأىّ معنى لقوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ والدفع لها عن نفسه طاعة لا يصرف البرهان عنها؟ قلنا: يمكن أن يكون الوجه فى ذلك أنه لما همّ بدفعها وضربها أراه الله برهانا على أنه إن أقدم على ما همّ به أهلكه أهلها وقتلوه، أو أنها تدّعى عليه المراودة على القبيح وتقذفه بأنه دعاها إليه، وأنّ ضربه؟ ؟ ؟ ؟ ؟ لامتناعها، فيظنّ به ذلك من لا تأمّل له، ولا علم بأنّ مثله لا يجوز عليه، فأخبر الله تعالى بأنه صرف بالبرهان عنه السوء والفحشاء، ويعنى بذلك القتل والمكروه اللّذين كانا يوقعان به، لأنهما يستحقان الوصف بذلك من حيث القبح، أو يعنى بالسوء والفحشاء ظنّهم به ذلك. فإن قيل: هذا الجواب يقتضي أنّ جواب فَلَوْلا يتقدّمها، ويكون التقدير: لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بضربها ودفعها، وتقدّم جواب فَلَوْلا قبيح غير مستعمل، أو يقتضي أن تكون فَلَوْلا بغير جواب. قلنا: أما تقدّم جواب فَلَوْلا فجائز، وسنذكر ما فيه عند الجواب المختص بذلك، غير أنّا لا نحتاج إليه فى هذا الجواب، لأنّ الهمّ بالضرب قد وقع، إلا أنه انصرف عنه بالبرهان؛ والتقدير: ولقد همت به وهمّ بدفعها لولا أن رأى برهان ربه لفعل ذلك، فالجواب فى الحقيقة محذوف، والكلام يقتضيه، كما حذف الجواب فى قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ؛ [النور: ٢٠]، معناه: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لهلكتم، ومثله: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ؛ [التكاثر: ٥، ٦]، معناه: لو تعلمون علم اليقين لم تتنافسوا فى الدنيا، وتفاخروا بها؛ وقال امرؤ القيس:

стр. 508

فلو أنّها نفس تموت سويّة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا (١) أراد: فلو أنّها نفس تموت سويّة لانقضت وفنيت، فحذف الجواب؛ على أنّ من تأوّل هذه الآية على الوجه الّذي لا يليق بنبىّ الله تعالى، وأضاف العزم على المعصية إليه لا بد له من تقدير جواب محذوف، ويكون التقدير عنده: ولقد همّت بالزّنا وهمّ به؛ لولا أن رأى برهان ربه لفعله. فإن قيل قوله: هَمَّ بِها كقوله: هَمَّتْ بِهِ فلم جعلتم همّها به متعلّقا بالقبيح وهمّه بها متعلقا بما ذكرتم من الضرب وغيره؟ قلنا: أما الظاهر فلا يدلّ على ما تعلق به الهم والعزم فيهما جميعا، وإنما أثبتنا همّها به متعلّقا بالقبيح، لشهادة الكتاب والآثار؛ وهى ممن يجوز عليه فعل القبيح، ولم يؤمن دليل من امتناعه عليها؛ كما أمن ذلك فيه ﵇. والموضع الّذي يشهد بذلك من الكتاب قوله تعالى: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ/ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ إلى قوله: إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، [يوسف: ٣٠]، وقوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ [يوسف: ٢٣]، وقوله تعالى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ (٢) وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٥١]، وفى موضع آخر: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [يوسف: ٣٢].

стр. 509

والآثار واردة بإطباق مفسّرى القرآن ومتأوّليه على أنها همت بالفاحشة والمعصية. والوجه الثانى فى تأويل الآية أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير، ويكون تلخيصه: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لولا أنى تداركتك، وقتلت لولا أنى خلّصتك، والمعنى: لولا تداركى لهلكت، ولولا تخليصى لقتلت، وإن لم يكن وقع هلاك ولا قتل؛ قال الشاعر: فلا يدعنى قومى صريحا لحرّة ... لئن كنت مقتولا، ويسلم عامر (١) وقال آخر: فلا يدعنى قومى صريحا لحرة ... لئن لم أعجّل طعنة أو أعجّل (٢) فقدم جواب فَلَوْلا فى البيتين جميعا، وقد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، والهمّ لم يقع لمكان فضل الله ورحمته. ومما يشهد لهذا التأويل أنّ فى الكلام شرطا، وهو قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ؛ فكيف يحمل على الإطلاق، مع حصول الشرط؟ وليس لهم أن يجعلوا جواب لَوْلا محذوفا مقدّرا لأن جعل جوابها موجودا أولى. وقد استبعد قوم تقديم جواب لَوْلا عليها، قالوا: ولو جاز ذلك لجاز: «قام زيد لولا عمرو»، و «قصدتك لولا بكر» وقد بيّنّا بما أوردناه من الأمثلة والشواهد جواز تقديم جواب لَوْلا، والّذي ذكروه لا يشبه ما أجزناه. وقد يجوز أن يقول القائل: «قد كان زيد قام لولا كذا وكذا»، و «قد كنت قصدتك لولا أن صدّنى فلان»، وإن لم يقع قيام ولا قصد؛ وهذا/ هو الّذي يشبه الآية؛ وليس تقديم

стр. 510

جواب لَوْلا بأبعد من حذف جواب لَوْلا جملة من الكلام. وإذا جاز عندهم الحذف- لئلا يلزمهم تقديم الجواب- جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف. والجواب الثالث ما اختاره أبو عليّ الجبّائىّ- وإن كان غيره قد تقدمه إلى معناه- وهو أن يكون معنى هَمَّ بِها اشتهاها، ومال طبعه إلى ما دعته إليه. وقد يجوز أن تسمّى الشهوة فى مجاز اللغة همّا؛ كما يقول القائل فيما لا يشتهيه: ليس هذا من همّى، وهذا أهمّ الأشياء إلى؛ ولا قبح فى الشهوة لأنها من فعل الله تعالى فيه؛ وإنما يتعلق القبح بتناول المشتهى. وقد روى هذا التأويل عن الحسن البصرىّ قال: أما همّها فكان أخبث الهم، وأما همّه فما طبع عليه الرجال من شهوة النساء، ويجب على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، متعلق بمحذوف؛ كأنه قال: لولا أن رأى برهان ربه لعزم أو فعل. والجواب الرابع، أنّ من عادة العرب أن يسمّوا الشيء باسم ما يقع عنده فى الأكثر، وعلى هذا لا ينكر أن يكون المراد ب هَمَّ بِها خطر بباله أمرها (١)، ووسوس إليه الشيطان بالدعاء إليها؛ من غير أن يكون هناك همّ أو عزم، فسمّى الخطور بالبال همّا من حيث كان الهمّ يقع فى الأكثر عنده، والعزم فى الأغلب يتبعه. وإنما أنكرنا ما ادّعاه جهلة المفسرين ومحرّفو القصّاص، وقرفوا به نبى الله ﵇، لما فى العقول من الأدلة على أن مثل ذلك لا يجوز على الأنبياء ﵈؛ من حيث كان منفّرا عنهم، وقادحا فى الغرض المجرى إليه بإرسالهم؛ والقصّة تشهد بذلك؛ لأنه تعالى قال: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ؛ ومن أكبر السوء والفحشاء العزم على الزنا، ثم الأخذ فيه، والشروع فى مقدماته؛ وقوله تعالى أيضا: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ يقتضي تنزيهه

стр. 511

عن الهمّ بالزّنا، والعزم عليه. وحكايته عن النسوة قولهن: حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ؛ [يوسف: ٥١]، تدل أيضا على براءته من القبيح. فأما البرهان الّذي رآه فيحتمل أن يكون لطفا لطف الله له به فى تلك الحال أو قبلها، اختار عنده الانصراف عن المعاصى، والتنزه عنها. ويحتمل أيضا/ ما ذكره أبو عليّ، وهو أن يكون البرهان دلالة الله تعالى له على تحريم ذلك عليه، وعلى أنّ من فعله يستحق العقاب. وليس يجوز أن يكون البرهان ما ظنّه الجهّال من رؤية صورة أبيه يعقوب ﵇ متوعّدا له، أو النداء له بالزجر والتخويف، لأنّ ذلك ينافى المحنة، وينقض الغرض بالتكليف، ويقتضي ألّا يستحق على امتناعه وانزجاره مدحا ولا ثوابا؛ وهذا سوء ثناء على الأنبياء، وإقدام على قرفهم بما لم يكن منهم، ونحمد الله على حسن التوفيق. *** [أخبار متفرقة لإبراهيم بن العباس الصولى وذكر طائفة من شعره: ] روى أحمد بن عبد الله بن العباس الصولىّ الملقب بطماس قال: كنت يوما عند عمّى إبراهيم بن العباس (١)، فدخل عليه رجل فرفعه حتى جلس إلى جانبه، أو قريبا من ذلك، ثم حادثه إلى أن قال عمى: يا أبا تمام؛ ومن بقى ممن يعتصم به ويلجأ إليه؟ قال: أنت لا عدمت- وكان إبراهيم طويلا- أنت والله كما قيل: يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنّه ... بأعلى سنامى فالج يتطوّح ويدلج فى حاجات من هو نائم ... ويورى كريمات النّدى حين يقدح إذا اعتمّ بالبرد اليمانىّ خلته ... هلالا بدا فى جانب الأفق يلمح يزيد على فضل الرّجال فضيلة ... ويقصر عنه مدح من يتمدّح

стр. 512

فقال له إبراهيم: أنت تحسن قائلا، وراويا، ومتمثلا؛ فلما خرج تبعته وقلت له: اكتبني الأبيات، فقال: هى لأبى الجويرية العبدىّ (١) فخذها من شعره. *** وروى عن يحيى بن البحترىّ قال: رأيت أبى يذاكر جماعة من أمراء أهل الشام بمعان من الشعر، فمرّ فيها ذكر قلة نوم العاشق وما قيل فيه، فأنشدوا إنشادات كثيرة، فقال لهم أبى: قد فرغ من هذا كاتب كان بالعراق فقال: أحسب النوم حكاكا ... إذ رأى منك جفاكا (٢) منّى الصّبر ومنك ال ... هجر فابلغ بى مداكا بعدت همّة عين ... طمعت فى أن تراكا أو ما خطّ لعينى ... أن ترى من قد رآكا ليت حظّى منك أن تع ... لم ما بى من هواكا قال أبى: / إنه تصرّف فى معان من الشعر فى هذه الأبيات، قال: وكتبها عنه جماعة من حضر؛ والأبيات لإبراهيم بن العباس الصولىّ. *** وأخبرنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا محمد بن يحيى الصولىّ قال: لما بايع المأمون لعلىّ ابن موسى الرّضا ﵉ بالعهد، وأمر الناس بلبس الخضرة صار إليه دعبل (٣) بن على

стр. 513

وإبراهيم بن العباس الصولى- وكانا صديقين لا يفترقان، فأنشده دعبل: مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات (١) وأنشده إبراهيم بن العباس على مذهبها قصيدة، أولها: أزالت عزاء القلب بعد التّجلّد ... مصارع أولاد النّبيّ محمّد قال: فوهب لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التى عليها اسمه، وكان المأمون أمر بضربها فى ذلك الوقت؛ فأما دعبل بن عليّ فصار بالشّطر منها إلى قمّ، فاشترى أهلها منه كلّ درهم بعشرة، فباع حصته بمائة ألف درهم.

стр. 514

وأما إبراهيم بن العباس فلم يزل عنده بعضها حتى مات؛ قال الصولىّ: ولم أقف من قصيدة إبراهيم على غير هذا البيت. قال: وكان السبب فى ذهاب هذا الفن من شعره ما حدّثني به أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات والحسين بن عليّ الباقطانىّ (١) قالا: كان إبراهيم بن العباس صديقا لإسحاق بن إبراهيم أخى زيدان الكاتب المعروف بالزّمن، فأنسخه شعره فى عليّ بن موسى الرّضا ﵉، وقد انصرف من خراسان، ودفع إليه شيئا بخطّه منه، وكانت النّسخة عنده إلى أن ولى المتوكل، وولى إبراهيم بن العباس ديوان الضّياع، وقد كان تباعد ما بينه وبين أخى زيدان، فعزله عن ضياع كانت فى يده بحلوان وغيرها وطالبه بمال وألحّ عليه، وأساء مطالبته، فدعا إسحاق بعض من يثق به من إخوانه، وقال له: امض إلى إبراهيم بن العباس، فأعلمه أنّ شعره فى عليّ بن موسى بخطّه عندى، وبغير خطّه، والله لئن استمرّ على ظلمى (٢)، ولم يزل عنّى المطالبة لأوصلنّ الشعر إلى المتوكل؛ قال: فصار الرجل إلى إبراهيم بن العباس، فأخبره بذلك، فاضطرب اضطرابا شديدا، وجعل الأمر/ فى ذلك إلى الواسطة فى ذلك حتى أسقط جميع ما كان طالبه به، وأخذ الشعر منه، وأحلفه أنه لم يبق عنده منه شيء، فلما حصل عنده أحرقه بحضرته. وذكر أبو أحمد يحيى بن عليّ المنجم أنّ أباه عليّ بن يحيى كان الواسطة بينهما. قال الصولىّ: وما عرفت من شعر إبراهيم فى هذا المعنى شيئا إلّا أبياتا؛ وجدتها بخط أبى قال: أنشدنى أخى لعمه فى عليّ بن موسى من قصيدة: كفى بفعال امرئ عالم ... على أهله عادلا شاهدا (٣) أرى لهم طارفا مونقا ... ولا يشبه الطّارف التالدا يمنّ عليكم بأموالكم ... وتعطون من مائة واحدا

стр. 515

فلا حمد الله مستنصرا (١) ... يكون لأعدائكم حامدا فضلت قسيمك فى قعدد (٢) ... كما فضل الوالد الوالدا قال الصولىّ: فنظرت فى قوله: * فضلت قسيمك فى قعدد* فوجدت عليّ بن موسى ﵉ والمأمون متساويين فى قعدد النسب، وهاشم التاسع من آبائهما جميعا. وروى الصولىّ أنّ منشدا أنشد إبراهيم بن العباس وهو فى مجلسه فى ديوان الضّياع: ربّما تكره النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال (٣) قال: فنكت بقلمه ساعة ثم قال: ولربّ نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها مخرج (٤) كملت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنّها لا تفرج فعجب من جودة بديهته. وأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنى محمد بن يحيى الصولىّ قال حدثنى القاسم بن إسماعيل أبو ذكوان الراوية قال: كنت بالأهواز أيام الواثق، وإبراهيم بن العباس يلى معونتها وخراجها، فوصفت له بالأدب فأمر بإحضارى، فلما دخلت عليه قرّب مجلسى وقال: تسلّف (٥) أنس المطاولة؛ فإن الاستمتاع لا يتمّ إلّا به، فانبسطت وتساءلنا/ عن الأشعار، فما رأيت أحدا قطّ أعلم بالشعر منه، فقال لى: ما عندك فى قول النابغة:

стр. 516

ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب (١) فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب فقلت: أراد تفضيله على الملوك، فقال: صدقت، ولكن فى الشعر خبء (٢)، وهو أنه اعتذر إلى النعمان من ذهابه إلى آل جفنة إلى الشام، ومدحه لهم، وقال: إنما فعلت هذا لجفائك بى، فإذا صلحت لى لم أرد غيرك، كما أنّ من أضاءت له الشمس لم يحتج إلى ضوء الكواكب؛ فأتى بمعنيين: بهذا، وبتفضيله، قال: فاستحسنت ذلك منه. وكان إبراهيم بن العباس من أصدق الناس لأحمد بن أبى دؤاد، فعتب على ابنه أبى الوليد من شيء قدّمه، ومدح أباه وأحسن فى التخلّص كلّ الإحسان فقال: عفّت مساو تبدّت منك واضحة ... على محاسن بقّاها أبوك لكا (٣) لئن تقدّم أبناء الكرام به ... لقد تقدّم أبناء اللّئام بكا ولإبراهيم: تمرّ الصّبا صفحا بساكن ذى الغضا ... ويصدع قلبى أن يهبّ هبوبها (٤) قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كلّ نفس حيث كان حبيبها تطلّع من نفسى إليك نوازع ... عوارف أنّ اليأس منك نصيبها وأخذ هذا من قول ذى الرّمة: إذا هبّت الأرواح من نحو جانب ... به آل ميّ هاج شوقى هبوبها (٥) هوى تذرف العينان منه، وإنما ... هوى كلّ نفس حيث كان حبيبها ولإبراهيم: دنت بأناس عن تناء زيارة ... وشطّ بليلى عن دنوّ مزارها (٦) وإنّ مقيمات بمنقطع اللّوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها

стр. 517

/ وأخذ ذلك من قول النظار الفقعسيّ: يقولون هذى أم عمرو قريبة ... دنت بك أرض نحوها وسماء ألا إنّما بعد الحبيب وقربه ... إذا هو لم يوصل إليه سواء ووجدت بعض أهل الأدب يظنّ أن إبراهيم بن العباس سبق إلى هذا المعنى فى قوله: كن كيف شئت وأنّى تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا (١) نجا بك لؤمك منجى الذّباب ... حمته مقاذيره أن ينالا (٢) حتى رأيت مسلم بن الوليد قد سبق إلى هذا المعنى، فأحسن غاية الإحسان فقال: أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل (٣) فاذهب فأنت طليق عرضك إنّه ... عرض عززت به وأنت ذليل

стр. 518

٣٧ مجلس آخر [المجلس السابع والثلاثون: ] تأويل آية [: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى حاكيا عن يوسف ﵇: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ، [يوسف: ٣٣]. فقال: إذا كانت المحبة عندكم هى الإرادة، فهذا تصريح من يوسف ﵇ بإرادة المعصية؛ لأن حبسه فى السجن، وقطعه عن التصرف معصية من فاعله؛ وقبيح من المقدم عليه؛ وهو فى القبح يجرى مجرى ما دعى إليه من الزنا. وقوله من بعد: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ يدل على أنّ امتناعه من القبيح [مشروط بمنعهنّ وصرفهنّ] (١) عن كيده؛ وهذا بخلاف مذهبكم، لأنكم تذهبون إلى أنّ ذلك لا يقع منه؛ صرف النّسوة عن كيده، أو لم يصرفهنّ. الجواب، قلنا: أما قوله: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ففيه وجهان من التأويل: أولهما أنّ المحبّة متعلقة فى ظاهر الكلام بما لا يصحّ فى الحقيقة أن يكون محبوبا مرادا؛ لأنّ السجن إنما هو الجسم، والأجسام لا يجوز أن يريدها؛ وإنما يريد الفعل فيها، أو المتعلّق بها؛ والسجن نفسه (٢) ليس/ بطاعة ولا معصية، وإنما الأفعال فيه قد تكون طاعات ومعاصى بحسب الوجوه التى يقع عليها؛ وإدخال القوم يوسف ﵇ الحبس، أو إكراههم له على دخوله معصية منهم؛ وكونه فيه وصبره على ملازمته، والمشاقّ التى تناله باستيطانه طاعة منه وقربة، وقد علمنا أنّ ظالما لو أكره مؤمنا على ملازمة بعض المواضع، وترك

стр. 519

التصرّف فى غيره لكان فعل المكره حسنا، وإن كان فعل المكره قبيحا. وهذه الجملة تبيّن ألّا ظاهر فى الآية (١) يقتضي ما عنده؛ وأنه لا بدّ من تقدير محذوف يتعلق بالسّجن؛ وليس لهم أن يقدّروا ما يرجع إلى الحابس من الأفعال؛ إلّا ولنا أن نقدّر ما يرجع إلى المحبوس؛ وإذا احتمل الكلام الأمرين، ودلّ الدليل على أنّ النبىّ ﵇ لا يجوز أن يريد المعاصى والقبائح اختصّ المحذوف المقدّر بما يرجع إليه مما ذكرناه، وذلك طاعة لا لوم على مريده ومحبّه. فإن قيل: كيف يجوز أن يقول: السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وهو لا يحبّ ما دعوه جملة؛ ومن شأن هذه اللفظة أن تدخل بين ما وقع (٢) فيه اشتراك فى معناها؛ وإن فضّل البعض على البعض؟ قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة فى مثل هذا الموضع؛ وإن لم يكن فى معناها اشتراك على الحقيقة، ألا ترى أنّ من خيّر بين ما يحبه وما يكرهه جائز أن يقول: هذا أحبّ إلى من هذا، وإن لم يجز مبتدئا أن يقول من غير أن يخيّر: هذا أحبّ إلى من هذا، إذا كان لا يحبّ أحدهما جملة! وإنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر؛ من حيث كان المخيّر بين الشيئين لا يخيّر بينهما إلّا وهما مرادان له، أو مما يصحّ أن يريدهما، فموضوع التخيير يقتضي ذلك، وإن حصل فيما ليس هذه صفته، والمجيب على (٣) هذا متى قال: كذا أحبّ إلى من كذا كان مجيبا على ما يقتضيه موضوع التخيير، وإن لم يكن الأمران يشتركان فى تناول محبته. وما يقارب ذلك قوله تعالى: قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ؛ [الفرقان: ١٥]، ونحن نعلم ألّا خير فى العقاب؛ وإنما حسن ذلك لوقوعه موقع التوبيخ والتقريع على اختيار

стр. 520

المعاصى على الطاعات، وأنهم ما ركبوا المعاصى وآثروها على الطاعات إلّا لاعتقادهم (١) أنّ فيها خيرا/ ونفعا، فقيل: أذلك خير على ما تظنونه وتعتقدونه، أم كذا وكذا؟ وقد قال قوم فى قوله تعالى: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ إنما حسن ذلك لاشتراك الحالين فى باب المنزلة، وإن لم يشتركا فى الخير والنفع، كما قال تعالى: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا؛ [الفرقان: ٢٤]، ومثل هذا يتأتّى فى قوله تعالى: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ لأنّ الأمرين- يعنى المعصية ودخول السجن- مشتركان فى أنّ لكل منهما داعيا، وعليه باعثا، وإن لم يشتركا فى تناول المحبة، فجعل اشتراكهما فى داعى المحبة اشتراكا فى المحبة نفسها وأجرى اللّفظ على ذلك. ومن قرأ هذه الآية بفتح السين فالتأويل أيضا ما ذكرناه؛ لأن «السّجن» المصدر، فيحتمل أن يريد: أنّ سجنى لهم نفسى، وصبرى على حبسهم أحبّ إلى من مواقعة المعصية؛ ولا يرجع بالسجن إلى فعلهم بل إلى فعله. والوجه الثانى أن يكون معنى أَحَبُّ إِلى أى أهون عندى وأسهل عليّ؛ وهذا كما يقال لأحدنا فى الأمرين يكرههما معا: إن فعلت كذا وإلا فعل بك كذا وكذا؛ فيقول: بل كذا أحبّ إلى، أى بمعنى أسهل وأخفّ، وإن كان لا يريد واحدا منهما؛ وعلى هذا الجواب لا يمتنع أن يكون إنما عنى فعلهم به دون فعله، لأنه لم يخبر عن نفسه بالمحبة التى هى الإرادة؛ وإنما وضع أَحَبُّ موضع أخف، والمعصية قد تكون أهون وأخفّ من أخرى. وأما قوله: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ فليس المعنى فيه على ما ظنّه السائل؛ بل المراد: متى لم تلطف لى ممّا يدعونى إلى مجانبة المعصية، ويثنينى إلى تركها ومفارقتها صبوت؛ وهذا منه ﵇ على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، والتسليم لأمره، وأنه لولا معونته ولطفه ما نجا من كيدهنّ؛ ولا شبهة فى أن النبىّ ﵇ إنما يكون

стр. 521

معصوما من القبائح بعصمة الله تعالى له وبلطفه وتوفيقه. فإن قيل: الظاهر خلاف ذلك لأنه قال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ فيجب أن يكون المراد ما يمنعهم من الكيد ويرفعه؛ والّذي ذكرتموه من انصرافه عن المعصية لا يقتضي ارتفاع الكيد والانصراف عنه. قلنا: معنى الكلام: وإلا تصرف/ عنى ضرر كيدهنّ والغرض به؛ لأنهنّ إنما أجرين بكيدهنّ إلى مساعدته لهنّ على المعصية، فإذا عصم منها ولطف له فى الانصراف عنها؛ فكأنّ الكيد قد انصرف عنه ولم يقع به، من حيث لم يقع ضرره وما أجرى به إليه، ولهذا يقال لمن أجرى بكلامه إلى غرض لم يقع: ما قلت شيئا، ولمن فعل ما لا تأثير له: ما فعلت شيئا، وهذا بيّن بحمد الله ومنّه. تأويل خبر [: «من يتّبع المشمعة يشمّع الله به»] إن سأل سائل عن تأويل الخبر الّذي يرويه عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال فى خطبة طويلة خطبها: «من يتّبع المشمعة يشمّع الله به». والجواب، إن المشمعة هى الضّحك والمزاح واللعب، يقال: شمع الرّجل يشمع شموعا، وامرأة شموع إذا كانت كثيرة المزاح والضّحك: قال أبو ذؤيب يصف الحمير: بقرار قيعان سقاها وابل ... واه فأثجم برهة لا يقلع (١) فلبثن حينا يعتلجن بروضة ... فيجدّ حينا فى العلاج ويشمع (٢) أراد أنّ هذا الحمار الّذي وصف حاله مع الأتن، وأنه معهنّ فى بعض القيعان يعارك هذه الأتن.

стр. 522

ومعنى «يعتلجن» يعاضّ بعضها بعضا، ويترامحن من النشاط فيجدّ الفحل معهنّ مرّة، وأخرى يأخذ معهنّ فى اللعب فيشمع، وفى يجدّ لغتان: يجد ويجدّ، والمفتوح لغة هذيل؛ ويقال فلان جادّ مجدّ على اللغتين معا. وقيل إن معنى يشمع الحمار أنه يتشمّع، ثم يرفع رأسه فيكشّر عن أسنانه، فجعل ذلك بمنزلة الضحك، قال الشّماخ: ولو أنّى أشاء كننت نفسى ... إلى لبّات بهكنة شموع (١) وقال المتنخل الهذلىّ: ولا والله نادى الحىّ ضيفى ... هدوءا بالمساءة والعلاط (٢) سأبدؤهم بمشمعة وأثنى ... بجهدى من طعام أو بساط أراد بقوله «نادى الحىّ ضيفى» أى لا ينادونه، من النداء بالسوء والمكروه ولا يتلقونه بما لا يؤثر/. والعلاط: من أعلطه واعتلط به؛ إذا خاصمه وشاغبه ووسمه بالشر؛ وأصله من علاط البعير، وهو وسم فى عنقه. وقيل إن معنى «نادى الحىّ» من النادى؛ أى لا يجالسونه بالمكروه والسوء. ومعنى «سأبدؤهم بمشمعة» أى بلعب وضحك، لأن ذلك من علامات الكرم والسرور بالضيف، والقصد إلى إيناسه وبسطه، ومنه قول الآخر: وربّ ضيف طرق الحىّ سرى ... صادف زادا وحديثا ما اشتهى إنّ الحديث جانب من القرى (٣) وروى الأصمعىّ عن خلف الأحمر قال: سنّة الأعراب أنهم إذا حدّثوا الرجل الغريب

стр. 523

وهشّوا إليه ومازحوه أيقن بالقرى، وإذا أعرضوا عنه عرف الحرمان. ومعنى: «أثنى* بجهدى من طعام أو بساط»، أى أتبع ذلك بهذا. ومعنى الخبر على هذا أنّ من كان من شأنه العبث بالناس والاستهزاء بهم، والضحك منهم أصاره الله تعالى إلى حالة يعبث به فيها، ويستهزئ أمنه. ويقارب هذا الحديث من وجه حديث آخر؛ وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله: «من يسمّع الناس بعمله يسمّع الله به»؛ والمعنى: من يرائى (١) بأعماله ويظهرها تقربا إلى الناس واتخاذا للمنازل عندهم؛ يشهره (٢) الله بالرياء ويفضحه ويهتكه. ويمكن أيضا فى الخبر الأول وجه آخر لم يذكر فيه؛ وهو أن من عادة العرب أن يسمّوا الجزاء على الشيء باسمه؛ ولذلك نظائر فى القرآن وأشعار العرب كثيرة مشهورة، فلا ينكر أن يكون المعنى: من يتّبع اللهو بالناس، والاستهزاء بهم يعاقبه الله تعالى على ذلك ويجازيه؛ فسمى الجزاء على الفعل باسمه؛ وهذا الوجه أيضا ممكن فى الخبر الثانى. *** [خبر الأصمعىّ مع عجوز فى سوق ضريّة حينما أنشدها شعر بشر بن عبد الرحمن: ] أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمه قال: إنى لفى سوق ضريّة (٣)، وقد نزلت على رجل من بنى كلاب كان متزوجا بالبصرة، وكان له ابن بضريّة، إذ أقبلت عجوز على ناقة لها، حسنة البزّة، فيها بقايا جمال، فأناخت/ وعقلت ناقتها، وأقبلت تتوكّأ على محجن (٤) لها فجلست قريبا منّا، وقالت: هل من منشد؟ فقلت للكلابىّ: أيحضرك شيء؟ قال: لا، قال: فأنشدتها شعر البشر بن عبد الرحمن الأنصارىّ: وقصيرة الأيام ودّ جليسها ... لو باع مجلسها بفقد حميم (٥)

стр. 524

[من محذيات أخى الهوى غصص الجوى] (١) ... بدلال غانية ومقلة ريم صفراء من بقر الجواء كأنما ... خفر الحياء بها رداع سقيم (٢) قال: فجثت على ركبتيها وأقبلت تحرش (٣) الأرض بمحجنها، وأنشأت تقول (٤): قفى يا أميم القلب (٥) نقرأ تحيّة ... ونشك الهوى، ثم افعلى ما بدا لك (٦) فلو قلت: طأ في النار أعلم أنّه (٧) ... هوى لك، أو مدن لنا من وصالك لقدّمت رجلى نحوها فوطئتها [هدى منك لى، أو ضلّة من ضلالك] (٨) [سلى البانة العليا من الأجرع] (٩) الّذي ... به البان: [هل حيّيت أطلال دارك] (١٠) وهل قمت فى أطلالهنّ عشيّة [مقام سقيم القلب] (١١)، واخترت ذلك

стр. 525

ليهنئك (١) إمساكى بكفّى على الحشا ... ورقراق عينى (٢) رهبة من زيالك (٣) قال الأصمعىّ: فأظلمت والله عليّ الدنيا بحلاوة منطقها، وفصاحة لهجتها؛ فدنوت منها فقلت: نشدتك الله لما زوّدتنى (٤) من هذا! فرأيت الضحك فى عينها، وأنشدت: ومستخفيات ليس يخفين زرننا ... يسحّبن (٥) أذيال الصّبابة والشّكل (٦) جمعن (٧) الهوى حتّى إذا ما ملكنه ... نزعن، وقد أكثرن فينا من القتل مريضات رجع القول (٨) خرس عن الخنا تألّفن أهواء القلوب بلا بذل موارق من ختل المحبّ، عواطف ... بختل ذوى الألباب بالجدّ والهزل (٩) يعنّفنى العذّال فيهنّ، والهوى ... يحذّرنى من أن أطيع ذوى العذل أما قول الأنصارى «وقصيرة الأيام» فأراد بذلك أنّ السرور يتكامل بحضورها لحسنها/ وطيب حديثها فتقصر أيام جليسها، لأن أيام السرور وموصوفة بالقصر. ويمكن أن يريد بقصيرة الأيام أيضا حداثة سنّها وقرب عهد مولدها؛ وإن كان الأول أشبه بما أتى فى آخر البيت.

стр. 526

ومعنى: * لو باع مجلسها بفقد حميم* أى ابتاعه، وهذا اللفظ من الأضداد؛ لأنه يستعمل فى البائع والمشترى معا، قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: بع لى تمرا بدرهم، أى اشتر لي تمرا بدرهم، وقال الشاعر: فيا عزّ ليت النأى إذ حال بيننا ... وبينك باع الودّ لى منك تاجر (١) أى ابتاع. وقوله: «من محذيات أخى الهوى» أى من معطيات، يقال: أحذيت الرجل من العطية (٢) والغنيمة أحذيه إذا أعطيته، والاسم الحذيّة والحذوة والحذيا؛ كل ذلك العطية. وقوله: * كأنما خفر الحياء بها رداع سقيم* فالرّداع هو الوجع فى الجسد؛ فكأنه أراد أنها منقبضة منكسرة من الحياء كالسقيم، أو يريد تغيّر لونها وصفرتها (٣) كما يتغير لون السقيم؛ ويجرى ذلك مجرى قول ليلى الأخيلية: ومخرّق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما (٤) *** أخبرنا المرزبانىّ قال حدّثنا أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى ميمون بن هارون الكاتب قال: حدثنا ابن أخى الأصمعىّ عن عمه قال: لقيت أعرابيا بالبادية فاسترشدته إلى مكان، فأرشدنى وأنشدنى:

стр. 527

ليس العمى طول السّؤال وإنما ... تمام العمى طول السّكوت على الجهل ثم رجعت إلى البصرة فمكثت بها حينا، ثم قدمت البادية، فإذا بالأعرابىّ جالسا بين ظهرانى قوم؛ وهو يقضى بينهم، فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من قضيّته؛ فجلست إليه، فقلت: يرحمك! الله أما من رشوة؟ أما من هدية؟ أما من صلة؟ فقال: لا إذا جاء هذا ذهب التوفيق؛ فشكوت إليه ما ألقى من عذل حليلة لى إياى فى طلب المعيشة، فقال: لست فيها بأوحد، وإنى لشريكك، ولقد قلت فى ذلك شعرا، فقلت: أنشدنيه، فأنشدنى: / باتت تعيّرنى الإقتار والعدما ... لمّا رأت لأخيها المال والخدما عنف لرأيك! ما الأرزاق من جلد، ... ولا من العجز؛ بل مقسومة قسما يا أمة الله إنّى لم أدع طلبا ... للرّزق- قد تعلمين- الشّرق والشأما وكلّ (١) ذلك بالإجمال فى طلب ... لم أرد عرضا، ولم أسفك لذاك دما لو كان من جلد ذا المال أو أدب ... لكنت أكثر من نمل القرى نعما ارضى من العيش ما لم تحوجى معه ... أن تفتحى لسؤال الأغنياء فما واستشعرى الصّبر علّ الله خالقنا ... يوما سيكشف عنّا الفقر والعدما (٢) لا تحوجينى (٣) إلى ما لو بذلت له ... نفسى لأعقبك التّهمام والنّدما بالله سرّك أنّ الله خوّلنى ... ما كان خوّله الأعراب والعجما ما سرّنى أنّنى خوّلت ذاك ولا ... ألّا أقول لباغى حاجة نعما وأننى لم أحز (٤) عقلا ولا أدبا ... ولم أرث والدى مجدا ولا كرما فعسرة المرء (٥) أحرى فى معاشك من ... أمر يجرّ عليك الهمّ والألما

стр. 528

قال: فو الله ما أنشدتها حتى حلفت ألّا تعذلنى أبدا. *** [خبر الأصمعىّ مع شاب بدوى فصيح من بنى عامر واستنشاده الشعر: ] حدثنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمه قال: رأيت بقباء شابا من بنى عامر؛ فما رأيت بدويا أفصح منه، ولا أظرف؛ فو الله لكأنه شواظ يتلظّى، فاستنشدته فأنشدنى: فلم أنسكم يوم اللّوى إذ تعرّضت ... لنا أمّ طفل خاذلا قد تخلّت (١) وقالت سأنسيك العشيّة ما مضى ... وأصرف منك النّفس عمّا أجنّت (٢) فما (٣) فعلت- لا والّذي أنا عبده- ... على ما بدا من حسنها إذ أدلّت أبت سابقات الحبّ إلّا مقرّها ... إليك، وما تثنى إذا ما استقرّت هواك الّذي فى النّفس أمسى دخيلها ... عليه انطوت أحشاؤها واستمرّت وأنشدنى أيضا: ديار للّتى طرقتك وهنا ... بريّا روضة وذكاء رند (٤) تسائلنى وأصحابى هجود ... وتثنى عطفها من غير صدّ فلمّا أن شكوت الحبّ قالت: ... فإنّى فوق وجدك كان وجدى ولكن حال دونك ذو شذاة ... أسرّ بفقده ويهرّ فقدى (٥) *** [خبر الأصمعىّ مع إسماعيل بن عمار الأعرابىّ: ] وبهذا الإسناد عن الأصمعىّ قال: قعدت إلى أعرابىّ يقال له إسماعيل بن عمار، وإذا هو يفتل أصابعه ويتلهف، فقلت له: علام تتلهف؟ فأنشأ يقول: عيناى مشئومتان ويحهما! ... والقلب حيران (٦) مبتلى بهما

стр. 529

عرّفتاه الهوى بظلمهما ... يا ليتنى قبلها عدمتهما هما إلى الحين قادتا وهما ... دلّ على ما أجنّ دمعهما سأعذر القلب فى هواه فما ... سبّب هذا البلاء غيرهما *** [خبر الأصمعىّ حين سافر إلى البصرة؛ وسماعه لشعر استحسنه ورواه: ] وبهذا (١) الإسناد عن الأصمعىّ قال: نزلت ذات ليلة فى وادى بنى العنبر، وهو إذ ذاك معان (٢) بأهله- أى آهل- فإذا فتية يريدون البصرة؛ فأحببت صحبتهم، فأقمت ليلتى تلك عليهم؛ وإنّى لوصب محموم؛ أخاف ألّا أستمسك على راحلتى؛ فلمّا أقاموا ليرحلوا أيقظونى؛ فلما رأوا حالى رحلوا وحملونى؛ وركب أحدهم ورائى يمسكنى؛ فلما أمعن السير تنادوا ألا فتى يحدو بنا أو ينشدنا! فإذا منشد فى سواد الليل بصوت ند حزين ينشد: لعمرك إنّى يوم بانوا فلم أمت ... خفاتا على آثارهم لصبور غداة المنقّى إذ رميت بنظرة ... ونحن على متن الطّريق نسير (٣) فقلت لقلبى حين خفّ به الهوى ... وكاد من الوجد المُئنّ يطير (٤) فهذا ولمّا تمض للبين ليلة ... فكيف إذا مرّت عليه شهور / وأصبح أعلام الأحبة دونها ... من الأرض غول نازح ومسير وأصبحت نجديّ الهوى متهم الثوى ... أزيد اشتياقا أن يحنّ بعير عسى الله بعد النأى أن يسعف النّوى ... ويجمع شمل بعدها وسرور قال: فسكنت والله الحمّى عنّى، حتى ما أحسّ بها، فقلت لرفيقى: انزل رحمك الله إلى راحلتك، فإنى متماسك؛ وجزاك الله عن حسن الصّحبة خيرا. ***

стр. 530

[خبر الأصمعىّ مع أحد الطفيليين وما ورد فى ذلك من الشعر: ] أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال حدّثني بعض أصحابنا عن الأصمعىّ قال: كان (١) بالبصرة أعرابىّ من بنى تميم؛ يتطفّل على الناس، فعاتبته على ذلك فقال: والله ما بنيت المنازل إلّا لتدخل، ولا وضع الطعام إلّا ليؤكل؛ وما قدّمت هدية فأتوقّع رسولا؛ وما أكره أن أكون ثقلا ثقيلا على من أراه شحيحا بخيلا؛ أتقحم عليه مستأنسا، فأضحك إن رأيته عابسا، فآكل برغمه، وأدعه بغمّه؛ وما اخترق اللهوات طعام أطيب من طعام لا ينفق فيه درهم، ولا يعنّى إليه خادم، ثمّ أنشد: كلّ يوم أدور فى عرصة الح ... ىّ أشمّ القتار شمّ الذّئاب (٢) فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو ختان أو مجمع الأصحاب (٣) لم أروّع دون التّقحّم لا أر ... هب دفعا ولكزة البوّاب (٤) مستهينا بما هجمت عليه ... غير مستأذن، ولا هيّاب فترانى ألفّ بالرغم منهم ... كلّ ما قدموه لفّ العقاب (٥) ذاك أدنى من التّكلّف والغر ... م وغيظ البقّال والقصّاب (٦)
следующие страницы →