← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ومعنى: * لو باع مجلسها بفقد حميم* أى ابتاعه، وهذا اللفظ من الأضداد؛ لأنه يستعمل فى البائع والمشترى معا، قال الفراء: سمعت أعرابيا يقول: بع لى تمرا بدرهم، أى اشتر لي تمرا بدرهم، وقال الشاعر: فيا عزّ ليت النأى إذ حال بيننا ... وبينك باع الودّ لى منك تاجر (١) أى ابتاع. وقوله: «من محذيات أخى الهوى» أى من معطيات، يقال: أحذيت الرجل من العطية (٢) والغنيمة أحذيه إذا أعطيته، والاسم الحذيّة والحذوة والحذيا؛ كل ذلك العطية. وقوله: * كأنما خفر الحياء بها رداع سقيم* فالرّداع هو الوجع فى الجسد؛ فكأنه أراد أنها منقبضة منكسرة من الحياء كالسقيم، أو يريد تغيّر لونها وصفرتها (٣) كما يتغير لون السقيم؛ ويجرى ذلك مجرى قول ليلى الأخيلية: ومخرّق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما (٤) *** أخبرنا المرزبانىّ قال حدّثنا أبو عبد الله الحكيمىّ قال حدثنى ميمون بن هارون الكاتب قال: حدثنا ابن أخى الأصمعىّ عن عمه قال: لقيت أعرابيا بالبادية فاسترشدته إلى مكان، فأرشدنى وأنشدنى:

стр. 527

ليس العمى طول السّؤال وإنما ... تمام العمى طول السّكوت على الجهل ثم رجعت إلى البصرة فمكثت بها حينا، ثم قدمت البادية، فإذا بالأعرابىّ جالسا بين ظهرانى قوم؛ وهو يقضى بينهم، فما رأيت قضية أخطأت قضية الصالحين من قضيّته؛ فجلست إليه، فقلت: يرحمك! الله أما من رشوة؟ أما من هدية؟ أما من صلة؟ فقال: لا إذا جاء هذا ذهب التوفيق؛ فشكوت إليه ما ألقى من عذل حليلة لى إياى فى طلب المعيشة، فقال: لست فيها بأوحد، وإنى لشريكك، ولقد قلت فى ذلك شعرا، فقلت: أنشدنيه، فأنشدنى: / باتت تعيّرنى الإقتار والعدما ... لمّا رأت لأخيها المال والخدما عنف لرأيك! ما الأرزاق من جلد، ... ولا من العجز؛ بل مقسومة قسما يا أمة الله إنّى لم أدع طلبا ... للرّزق- قد تعلمين- الشّرق والشأما وكلّ (١) ذلك بالإجمال فى طلب ... لم أرد عرضا، ولم أسفك لذاك دما لو كان من جلد ذا المال أو أدب ... لكنت أكثر من نمل القرى نعما ارضى من العيش ما لم تحوجى معه ... أن تفتحى لسؤال الأغنياء فما واستشعرى الصّبر علّ الله خالقنا ... يوما سيكشف عنّا الفقر والعدما (٢) لا تحوجينى (٣) إلى ما لو بذلت له ... نفسى لأعقبك التّهمام والنّدما بالله سرّك أنّ الله خوّلنى ... ما كان خوّله الأعراب والعجما ما سرّنى أنّنى خوّلت ذاك ولا ... ألّا أقول لباغى حاجة نعما وأننى لم أحز (٤) عقلا ولا أدبا ... ولم أرث والدى مجدا ولا كرما فعسرة المرء (٥) أحرى فى معاشك من ... أمر يجرّ عليك الهمّ والألما

стр. 528

قال: فو الله ما أنشدتها حتى حلفت ألّا تعذلنى أبدا. *** [خبر الأصمعىّ مع شاب بدوى فصيح من بنى عامر واستنشاده الشعر: ] حدثنا عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا عبد الرحمن بن أخى الأصمعى عن عمه قال: رأيت بقباء شابا من بنى عامر؛ فما رأيت بدويا أفصح منه، ولا أظرف؛ فو الله لكأنه شواظ يتلظّى، فاستنشدته فأنشدنى: فلم أنسكم يوم اللّوى إذ تعرّضت ... لنا أمّ طفل خاذلا قد تخلّت (١) وقالت سأنسيك العشيّة ما مضى ... وأصرف منك النّفس عمّا أجنّت (٢) فما (٣) فعلت- لا والّذي أنا عبده- ... على ما بدا من حسنها إذ أدلّت أبت سابقات الحبّ إلّا مقرّها ... إليك، وما تثنى إذا ما استقرّت هواك الّذي فى النّفس أمسى دخيلها ... عليه انطوت أحشاؤها واستمرّت وأنشدنى أيضا: ديار للّتى طرقتك وهنا ... بريّا روضة وذكاء رند (٤) تسائلنى وأصحابى هجود ... وتثنى عطفها من غير صدّ فلمّا أن شكوت الحبّ قالت: ... فإنّى فوق وجدك كان وجدى ولكن حال دونك ذو شذاة ... أسرّ بفقده ويهرّ فقدى (٥) *** [خبر الأصمعىّ مع إسماعيل بن عمار الأعرابىّ: ] وبهذا الإسناد عن الأصمعىّ قال: قعدت إلى أعرابىّ يقال له إسماعيل بن عمار، وإذا هو يفتل أصابعه ويتلهف، فقلت له: علام تتلهف؟ فأنشأ يقول: عيناى مشئومتان ويحهما! ... والقلب حيران (٦) مبتلى بهما

стр. 529

عرّفتاه الهوى بظلمهما ... يا ليتنى قبلها عدمتهما هما إلى الحين قادتا وهما ... دلّ على ما أجنّ دمعهما سأعذر القلب فى هواه فما ... سبّب هذا البلاء غيرهما *** [خبر الأصمعىّ حين سافر إلى البصرة؛ وسماعه لشعر استحسنه ورواه: ] وبهذا (١) الإسناد عن الأصمعىّ قال: نزلت ذات ليلة فى وادى بنى العنبر، وهو إذ ذاك معان (٢) بأهله- أى آهل- فإذا فتية يريدون البصرة؛ فأحببت صحبتهم، فأقمت ليلتى تلك عليهم؛ وإنّى لوصب محموم؛ أخاف ألّا أستمسك على راحلتى؛ فلمّا أقاموا ليرحلوا أيقظونى؛ فلما رأوا حالى رحلوا وحملونى؛ وركب أحدهم ورائى يمسكنى؛ فلما أمعن السير تنادوا ألا فتى يحدو بنا أو ينشدنا! فإذا منشد فى سواد الليل بصوت ند حزين ينشد: لعمرك إنّى يوم بانوا فلم أمت ... خفاتا على آثارهم لصبور غداة المنقّى إذ رميت بنظرة ... ونحن على متن الطّريق نسير (٣) فقلت لقلبى حين خفّ به الهوى ... وكاد من الوجد المُئنّ يطير (٤) فهذا ولمّا تمض للبين ليلة ... فكيف إذا مرّت عليه شهور / وأصبح أعلام الأحبة دونها ... من الأرض غول نازح ومسير وأصبحت نجديّ الهوى متهم الثوى ... أزيد اشتياقا أن يحنّ بعير عسى الله بعد النأى أن يسعف النّوى ... ويجمع شمل بعدها وسرور قال: فسكنت والله الحمّى عنّى، حتى ما أحسّ بها، فقلت لرفيقى: انزل رحمك الله إلى راحلتك، فإنى متماسك؛ وجزاك الله عن حسن الصّحبة خيرا. ***

стр. 530

[خبر الأصمعىّ مع أحد الطفيليين وما ورد فى ذلك من الشعر: ] أخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال حدّثني بعض أصحابنا عن الأصمعىّ قال: كان (١) بالبصرة أعرابىّ من بنى تميم؛ يتطفّل على الناس، فعاتبته على ذلك فقال: والله ما بنيت المنازل إلّا لتدخل، ولا وضع الطعام إلّا ليؤكل؛ وما قدّمت هدية فأتوقّع رسولا؛ وما أكره أن أكون ثقلا ثقيلا على من أراه شحيحا بخيلا؛ أتقحم عليه مستأنسا، فأضحك إن رأيته عابسا، فآكل برغمه، وأدعه بغمّه؛ وما اخترق اللهوات طعام أطيب من طعام لا ينفق فيه درهم، ولا يعنّى إليه خادم، ثمّ أنشد: كلّ يوم أدور فى عرصة الح ... ىّ أشمّ القتار شمّ الذّئاب (٢) فإذا ما رأيت آثار عرس ... أو ختان أو مجمع الأصحاب (٣) لم أروّع دون التّقحّم لا أر ... هب دفعا ولكزة البوّاب (٤) مستهينا بما هجمت عليه ... غير مستأذن، ولا هيّاب فترانى ألفّ بالرغم منهم ... كلّ ما قدموه لفّ العقاب (٥) ذاك أدنى من التّكلّف والغر ... م وغيظ البقّال والقصّاب (٦)

стр. 531

٣٨ مجلس آخر [المجلس الثامن والثلاثون: ] تأويل آية [: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ. قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ؛ [هود: ٤٥، ٤٦]. فقال: ظاهر قوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ يقتضي تكذيب/ قوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي والنبىّ لا يجوز عليه الكذب، فما الوجه فى ذلك؟ وكيف يصحّ أن يخبر عن ابنه بأنه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ؟ وما المراد به؟ الجواب، قلنا: فى هذه الآية وجوه: أولها أن نفيه لأن يكون من أهله لم يتناول نفى النّسب، وإنما نفى أن يكون من أهله الذين وعده الله بنجاتهم؛ لأنه كان وعد نوحا ﵇ بأن ينجّى أهله، ألا ترى إلى قوله: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود: ٤٠]، فاستثنى تعالى من أهله من أراد إهلاكه بالغرق! ويدل عليه أيضا قول نوح: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ، وعلى هذا الوجه يتطابق الأمران (١) ولا يتنافيان؛ وقد روى هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين. والجواب الثانى، أن يكون المراد بقوله تعالى: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أى أنه ليس على دينك؛ وأراد تعالى أنه كان كافرا مخالفا لأبيه؛ فكأنّ كفره أخرجه عن أن يكون له أحكام

стр. 532

أهله؛ ويشهد لهذا التأويل قوله على طريق التعليل: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، فبيّن أنه إنما خرج عن أحكام أهله لكفره وسيّئ عمله، وقد روى هذا التأويل أيضا عن جماعة من المفسرين؛ وحكى عن ابن جريج أنه سئل عن ابن نوح فسبّح طويلا ثم قال لا إله إلا الله! يقول الله: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ؛ وتقول: ليس منه! ولكنه خالفه فى العمل فليس منه من لم يؤمن. وروى عن عكرمة أنه قال: كان ابنه ولكن كان مخالفا له فى النية والعمل؛ فمن ثمّ قيل: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ. والوجه الثالث أنه لم يكن ابنه على الحقيقة؛ وإنما ولد على فراشه، فقال ﵇: إنه ابنى على ظاهر الأمر؛ فأعلمه الله أن الأمر بخلاف الظاهر، ونبهه على خيانة امرأته؛ وليس فى ذلك تكذيب لخبره، لأنه إنما أخبر عن ظنه، وعمّا يقتضيه الحكم الشرعىّ، فأخبره الله تعالى بالغيب الّذي لا يعلمه غيره؛ وقد روى هذا الوجه عن الحسن وغيره. وروى قتادة عن الحسن قال: كنت عنده؛ فقال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ لعمر الله ما هو ابنه، قال: فقلت: يا أبا سعيد؛ يقول الله: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وتقول: ليس بابنه! قال: أفرأيت قوله: لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ؟ قال: قلت معناه: / ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه، فقال: أهل الكتاب يكذبون؛ وروى عن مجاهد وابن جريج مثل ذلك. وهذا الوجه يبعد إذ فيه منافاة للقرآن؛ لأنه تعالى قال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ، فأطلق عليه اسم البنوّة؛ ولأنه أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ؛ ولأنّ الأنبياء ﵈ يجب أن ينزّهوا عن مثل هذه الحال؛ لأنّها تعرّ وتشين وتغضّ من القدر؛ وقد جنّب الله تعالى أنبياءه ﵈ ما هو دون ذلك؛ تعظيما لهم وتوقيرا، ونفيا لكل ما ينفّر عن القبول منهم؛ وقد حمل ابن عباس ظهور ما ذكرناه من الدّلالة على أنّ تأوّل قوله تعالى فى امرأة نوح وامرأة لوط: فَخانَتاهُما على أن الخيانة

стр. 533

لم تكن منهما بالزّنا، بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون؛ والأخرى تدل على الأضياف؛ والمعتمد فى تأويل الآية هو الوجهان المتقدمان. فأما قوله تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فالقراءة المشهورة بالرفع، وقد روى عن جماعة من المتقدمين أنهم قرءوا: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بنصب اللام وكسر الميم ونصب «غير»؛ ولكل وجه. فأما الوجه فى الرفع فيكون على تقدير أن ابنك ذو عمل غير صالح؛ وصاحب عمل غير صالح؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه؛ وقد استشهد على ذلك بقول الخنساء: ما أمّ سقب على بوّ تطيف به ... قد ساعدتها على التّحنان أظآر (١) ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار (٢) أرادت إنما هى ذات إقبال وإدبار. وقال قوم: إن المعنى أصل ابنك هذا الّذي ولد على فراشك وليس بابنك فى الحقيقة [عمل غير صالح، يعنى الخيانة من امرأته، وهذا جواب من ذهب إلى أنه لم يكن ابنه على الحقيقة] (٣) والّذي اخترناه خلاف ذلك. وقال آخرون إن الهاء فى قوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ راجعة إلى السؤال؛ والمعنى:

стр. 534

إن سؤالك إياى ما ليس لك به علم عمل غير صالح لأنه قد وقع من نوح دليل (١) السؤال والرغبة فى قوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ/ ومعنى ذلك أى نجّه كما نجيتهم، ومن يجيب بهذا الجواب يقول: إن ذلك صغيرة من النبي؛ لأن الصغائر تجوز عليهم، ومن يمنع أن يقع (٢) من الأنبياء شيء من القبائح يدفع هذا الجواب؛ ولا يجعل الهاء راجعة إلى السؤال بل إلى الابن، ويكون تقدير الكلام ما تقدم. فإذا قيل له: فلم قال: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؟ وكيف قال نوح ﵇ من بعد: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ؟ . قال: لا يمتنع أن يكون نهى عن سؤال ما ليس له به علم؛ وإن لم يقع منه وأن يكون تعوّد من ذلك وإن لم يوافقه؛ ألا ترى أن الله قد نهى نبيه عن الشّرك والكفر؛ وإن لم يكن ذلك قد وقع منه؛ فقال: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ؛ [الزمر: ٥٦]، وكذلك لا يمتنع أن يكون نهاه فى هذا الموضع عمّا لم يقع منه، ويكون ﵇ إنما سأله نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع؛ وهكذا يجب فى مثل هذا الدعاء. فأما القراءة بنصب اللام فقد ضعّفها قوم وقالوا: كان يجب أن يقال: إنه عمل عملا غير صالح؛ لأن العرب لا تكاد تقول هو يعمل غير حسن، حتى يقولوا: عملا غير حسن، وليس وجهها بضعيف فى العربية؛ لأنّ من مذهبهم الظاهر إقامة الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس؛ فيقول القائل: قد فعلت صوابا، وقلت حسنا، بمعنى فعلت فعلا صوابا وقلت قولا حسنا؛ وقال عمر بن أبى ربيعة المخزومىّ: أيّها القائل غير الصواب ... أخّر النّصح وأقلل عتابى (٣)

стр. 535

وقال أيضا: وكم من قتيل ما يباء به دم ... ومن غلق رهن إذا لفّه منى (١) ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى (٢) أراد: وكم إنسان قتيل! وأنشد أبو عبيدة لرجل من بجيلة: كم من ضعيف العقل منتكث القوى ... ما إن له نقض ولا إبرام / مالت له الدّنيا عليه بأسرها ... فعليه من رزق الإله ركام ومشيّع جلد أمين حازم ... مرس له فيما يروم مرام أعمى عليه سبيله (٣) فكأنّه ... فيما يحاوله عليه حرام أراد: كم من إنسان ضعيف القوى. *** [من أفاكيه الأصمعىّ: ] أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنى محمد بن العباس اليزيدىّ قال حدثنا ميمون بن هارون قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ قال: كان محمد بن منصور بن زياد الملقّب بفتى العسكر يميل إلى الأصمعىّ ويفضّله، ويقوم بأمره قال: فجئته يوما بعد موت محمد، وعنده عبد كان لمحمد أسود، وقد ترك الناس، وأقبل عليه وساءله وتحفّى به وحادثه، فلما خرج لمته على ذلك وقلت: من هذا حتى أفنيت عمر يومك به؟ فقال: هذا غلام ابن منصور، ثم أنشدنى: وقالوا يا جميل أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب (٤)

стр. 536

أحبّك والقريب بنا بعيد ... لأن ناسبت بثنة من قريب فقلت له- وكنت أفعل هذا كثيرا به لأستجرّ كلامه وعلمه-: يا أبا سعيد، ذاك أخوها، وهذا غلامها (١) فضحك، وقال: أنشد أبو عمرو- أو قال غيره: أرى كلّ أرض (٢) أوطنتها وإن خلت ... لها حجج تندى بمسك ترابها وأقسم لو أنّى أرى تبعا لها (٣) ... ذئاب الغضى حبّت إلى ذئابها قال: فجعلت أعجب من قرب لسانه من قلبه وإجادة حفظه له متى أراده. *** [تأويل الأصمعىّ لبيت من شعر امرئ القيس: ] وبهذا الإسناد عن إسحاق الموصلىّ قال قرأت على الأصمعىّ شعر امرئ القيس، فلما بلغت إلى هذا البيت: أمن أجل أعرابية حلّ أهلها ... بروض الشّرى عيناك تبتدران! (٤) فقال لى أتعرف فى هذا البيت خبئا باطنا غير ظاهر؟ قلت: لا، فسكت عنّى، فقلت: إن كان فيه شيء فأفدنيه، فقال: نعم، أما يدلّك البيت على أنه لفظ ملك مستهين ذى قدرة على ما يريد؟ / قال إسحاق: وما رأيت قطّ مثل الأصمعىّ بالعلم بالشعر.

стр. 537

وروى عن إسحاق أيضا أنه قال: قال لى الأصمعىّ: ما يعنى امرؤ القيس بقوله: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذى تمائم محول (١) فقلت: تخبرنى، فقال: كان مفرّكا (٢) فيقول: ألهيت هؤلاء عن كراهتهنّ للرجال، فكيف أنا عند المحبات لهم. *** [نقد الأصمعىّ لرواية ابن الأعرابىّ أبياتا روّاها ولد سعيد بن سلم: ] وروى أنّ السبب الّذي هاج التنافر بين الأصمعىّ وابن الأعرابىّ أنّ الأصمعىّ دخل ذات يوم على سعيد بن سلم وابن الأعرابىّ حينئذ يؤدب ولده- فقال لبعضهم: أنشد أبا سعيد، فأنشد الغلام أبياتا لرجل من بنى كلاب، روّاه إياها ابن الأعرابىّ، وهى: رأت نضو أسفار أميمة قاعدا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها (٣) فقالت: من اىّ الناس أنت ومن تكن؟ ... فإنّك راعى صرمة لا يزينها (٤) فقلت لها: ليس الشّحوب على الفتى ... بعار، ولا خير الرّجال سمينها عليك براعى ثلّة مسلحبّة ... يروح عليها محضها وحقينها (٥)

стр. 538

سمين الضّواحى لم تؤرّقه ليلة ... وأنعم أبكار الهموم وعونها ورفع «ليلة» فقال الأصمعىّ: من روّاك هذا؟ فقال مؤدبى؛ فأحضره فاستنشده فأنشده، ورفع «ليلة»، فأخذ ذلك عليه؛ وفسر البيت فقال: إنما أراد: لم تؤرّقه ليلة أبكار الهموم وعونها، وأنعم، أى زاد على هذه الصفة. وقوله: «سمين الضواحى» أى ما ظهر منه وبدا سمين، ثم قال الأصمعى لابن سلم: من لم يحسن هذا المقدار فليس موضعا لتأديب ولد الملوك. *** [حديث الأصمعىّ عن بشار بن برد: ] وأخبرنا المرزبانىّ قال: حدثنا أحمد بن المكىّ قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا الأصمعىّ قال: ولد بشّار بن برد أكمه لم ينظر إلى الدنيا قطّ- وكان ذا فطنة- فقلت له يوما: من أين لك هذا الذكاء؟ قال: من قدم العمى؛ وعدم النواظر يمنع من كثير من الخواطر المذهلة فيكسب فراغ الذهن؛ وصحة الذكاء، وأنشد لنفسه يفخر بالعمى: / عميت جنينا والذكاء من العمى ... فجئت عجيب الظّنّ للعلم موئلا (١) وغاض ضياء العين للعقل رافدا ... بقلب إذا ما ضيّع الناس حصّلا وشعر كنور الرّوض لا أمت بينه ... بقول إذا ما أحزن الشّعر أسهلا *** [نقد بشار لشعر سمعه: ] وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا محمد بن العباس اليزيدىّ قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا الأصمعىّ قال: أنشد رجل وأنا حاضر بشارا قول الشاعر: وقد جعل الأعداء ينتقصوننا ... وتطمع فينا ألسن وعيون (٢) ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخ أو زبد لما كان إلّا مخطئا مع ذكر العصا! ألا قال كما قلت:

стр. 539

وحوراء المدامع من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجنان إذا قامت لسبحتها تثنّت ... كأنّ قوامها من خيزران ينسّيك المنى نظر إليها ... ويصرف وجهها وجه الزمان *** [أبيات لبشار يمدح فيها سليمان بن هشام بن عبد الملك: ] وأخبرنا المرزبانىّ قال حدثنا عليّ بن أبى عبد الله الفارسىّ قال حدثنى أبى عن عمر بن شبة قال قال لى أبو عبيدة: رحل بشار إلى الشام، فمدح سليمان بن هشام بن عبد الملك، وكان مقيما بحرّان، ؛ فقال قصيدة طويلة أوّلها: نأتك على طول التّجاور زينب ... وما علمت أنّ النّوى سوف يشعب (١) وكان سليمان بخيلا فأعطاه خمسة آلاف درهم، ولم يصب غيرها بعد أن طال مقامه، فقال: إن أمس منشنج اليدين عن النّدى ... وعن العدوّ محبّس الشّيطان (٢) فلقد أروح على اللّئام مسلّطا ... ثلج المقيل (٣) منعّم النّدمان فى ظلّ عيش عشيرة محمودة ... تندى يدى، ويخاف فرط لسانى أزمان سربال الشّباب مذيّل ... وإذ الأمير عليّ من جيرانى / رئم بأحوية العراق إذا بدا ... برقت عليه أكلة المرجان (٤) فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى ... وبوشك رؤيتها من الهملان فلقرب من تهوى وأنت متيّم ... أشفى لدائك من بنى مروان فلما رجع إلى العراق برّه ابن هبيرة ووصله، وكان ابن هبيرة يقدّمه ويؤثره لمدحه قيسا وافتخاره بها، فلما جاءت دولة خراسان عظم شأنه.

стр. 540

[أبيات مختلفة فى وصف الثغر واللون والعيون والنجيب والظليم والاعتذار، رواها الأصمعىّ: ] وأخبرنى المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن يحيى النحوىّ قال قال الأصمعى: ما وصف أحد الثّغر إلّا احتاج إلى قول بشر بن أبى خازم: يفلّجن الشّفاه عن اقحوان ... جلاه غبّ سارية قطار ولا وصف أحد اللون بأحسن من قول عمر بن أبى ربيعة: وهى مكنونة تحيّر منها ... فى أديم الخدّين ماء الشّباب (١) شفّ منها محقّق جندىّ ... فهى كالشّمس من خلال السّحاب (٢) ولا وصف أحد عينى امرأة إلا احتاج إلى قول عدى بن الرّقاع: لولا الحياء وأنّ رأسى قد بدا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم (٣) وكأنّها وسط النّساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (٤) وسنان أفصده النّعاس فرتّقت ... فى عينه سنة وليس بنائم (٥) ولا وصف أحد نجيبا إلا احتاج إلى قول حميد بن ثور: محلّى بأطواق عتاق يبينها ... على الضّرّ راعى الضّأن لو يتقوّف (٦) ولا وصف أحد ظليما إلا احتاج إلى قول علقمة بن عبدة:

стр. 541

هيق كأنّ جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم (١) ولا اعتذر أحد إلا احتاج إلى قول النابغة: / فإنّك كاللّيل الّذي هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع (٢) قال سيدنا أدام الله علوّه: أما قول حميد بن ثور: «محلّى بأطواق عتاق» فإنه يريد أن عليه نجار الكرم والعتق، فصارت دلالتهما وسماتهما حلية له من حيث كان موسوما بهما. ومعنى: «يبينها على الضراء» يتبينها ويعرفها هذا الراعى فيعلم أنه كريم، والتقوّف: من القيافة. فأما قول علقمة «هيق ... » فالهيق: ذكر النعام. ومعنى: «أطافت به خرقاء»، أى عملته وابتنته، وقيل: إن خرقاء هاهنا هى الحاذقة، وأن هذه اللفظة تستعمل على طريق الأضداد فى الحاذقة وغير الحاذقة، ومعنى «مهجوم»: أى مهدوم، وقال الأصمعىّ: معنى «أطافت به»، أى عملته فخرقت فى عمله، يقول: قد أرسل جناحيه كأنه خباء امرأة خرقاء، كلما رفعت ناحية استرخت أخرى؛ والوجه الثانى أشبه وأملح. فأما قول بشر فى وصف الثغر فأحسن منه وأكشف وأشد استيفاء قول النابغة:

стр. 542

كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ند (١) فإنما وصف أعاليه بالجفوف؛ ليكون متفرقا متنضّدا غير متلبّد ولا مجتمع؛ فيشبه حينئذ الثغور، ثم قال: «وأسفله ند» حتى لا يكون قحلا يابسا، بل يكون فيه الغضاضة والصّقالة، فيشبه غروب الأسنان التى تلمع وتبرق. وروى الرياشىّ قال: سمعت الأصمعىّ يقول: أحسن ما قيل فى وصف الثّغر قول ذى الرّمة: وتجلو بفرع من أراك كأنّه ... من العنبر الهندىّ والمسك يصبح (٢) ذرا أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه النّدى من رامة المتروّح (٣) هجان الثّنايا مغربا لو تبسّمت ... لأخرس عنه كاد بالقول يفصح (٤)

стр. 543

٣٩ مجلس آخر [المجلس التاسع والثلاثون: ] تأويل آية [: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ... ] إن سأل سائل عن تأويل قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ/ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ؛ [التوبة: ٥٥]. فقال: كيف يعذبهم بالأموال والأولاد، ومعلوم أن لهم فيها مسرورا ولذة؟ وما تأويل قوله تعالى: وَهُمْ كافِرُونَ وظاهره يقتضي أنه أراد كفرهم من حيث أراد أن تزهق أنفسهم فى حال كفرهم، لأن القائل إذا قال: أريد أن يلقانى فلان وهو لابس أو على صفة كذا وكذا، فالظاهر أنه أراد كونه على تلك الصفة؟ الجواب، قلنا: أما التعذيب بالأموال والأولاد ففيه وجوه: أولها ما روى عن ابن عباس وقتادة، وهو أن يكون فى الكلام تقديم وتأخير، ويكون التقدير: فلا تعجبك يا محمد ولا تعجب المؤمنين معك أموال هؤلاء الكفار والمنافقين ولا أولادهم فى الحياة الدنيا؛ إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الآخرة عقوبة لهم على منعهم حقوقها؛ واستشهد على ذلك بقوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ؛ [النمل: ٢٨]، والمعنى: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم؛ وأنشد فى ذلك قول الشاعر: عشيّة أبدت جيد أدماء مغزل ... وطرفا يريك الإثمد الجون أحورا (١) يريد: وطرفا أحور يريك الإثمد الجون؛ وقد اعتمد هذا الوجه أيضا أبو عليّ قطرب، وذكره أبو القاسم البلخىّ والزّجاج.

стр. 544

وثانيها أن يكون معنى التعذيب بالأموال والأولاد فى الدّنيا هو ما جعله للمؤمنين من قتالهم وغنيمة أموالهم وسبى أولادهم واسترقاقهم؛ وفى ذلك لا محالة إيلام لهم، واستخفاف بهم، وإنما أراد تعالى بذلك إعلام نبيه ﵇ والمؤمنين أنه لم يرزق الكفار الأموال والأولاد؛ ولم يبقها فى أيديهم كرامة لهم، ورضا عنهم؛ بل للمصلحة الداعية إلى ذلك، وأنهم مع هذه الحالة معذبون بهذه النعم من الوجه الّذي ذكرناه، فلا يجب أن يغبطوا، ويحسدوا عليها؛ إذ كانت هذه عاجلتهم، والعقاب الأليم فى النار آجلتهم؛ وهذا جواب أبى عليّ الجبائىّ. وقد طعن عليه بعض من لا تأمّل له فقال: كيف يصح هذا التأويل، مع أنا نجد كثيرا من الكفّار لا تنالهم أيدى/ المسلمين، ولا يقدرون على غنيمة أموالهم، ونجد أهل الكتاب أيضا خارجين عن هذه الجملة لمكان الذّمة والعهد؟ وليس هذا الاعتراض بشيء، لأنه لا يمتنع أن تختص الآية بالكفار الذين لا ذمة لهم ولا عهد؛ ممن أوجب الله تعالى محاربته؛ فأما الذين لا تنالهم الأيدى، أو هم من القوة على حدّ لا يتم معه غنيمة أموالهم؛ فلا يقدح الاعتراض بهم فى هذا الجواب لأنهم ممن أراد الله تعالى أن يسبى ويغنم، ويجاهد ويغلب؛ وإن لم يقع ذلك؛ وليس فى ارتفاعه بالتعذّر دلالة على أنه غير مراد. وثالثها أن يكون المراد بتعذيبهم بذلك كلّ ما يدخله فى الدنيا عليهم من الغموم والمصائب بأموالهم وأولادهم التى لهؤلاء الكفار المنافقين عقاب وجزاء، وللمؤمنين محنة وجالبة للعوض وللنفع. ويجوز أيضا أن يراد به ما ينذر به الكافر قبل موته، وعند احتضاره، وانقطاع التكليف عنه مع أنه حىّ، من العذاب الدائم الّذي قد أعدّ له، وإعلامه أنه صائر إليه، ومنتقل إلى قراره؛ وهذا الجواب قد روى معنى أكثره عن قوم من متقدمى المفسرين (١)، وذكره أبو عليّ الجبائىّ أيضا.

стр. 545

ورابعها [جواب] (١) يحكى عن الحسن البصرىّ، واختاره الطبرىّ وقدّمه على غيره، وهو أن يكون المراد بذلك ما ألزمه هؤلاء الكفار من الفرائض والحقوق فى أموالهم؛ لأن ذلك يؤخذ منهم على كره، وهم إذا أنفقوا فيه أنفقوا بغير نيّة ولا عزيمة؛ فتصير نفقتهم غرامة وعذابا من حيث لا يستحقون عليها أجرا. [قال السيد قدس الله روحه: وهذا وجه غير صحيح؛ لأن الوجه فى تكليف الكافر إخراج الحقوق من ماله كالوجه فى تكليف المؤمن ذلك؛ ومحال أن يكون إنما كلّف إخراج هذه الحقوق على سبيل العقاب والجزاء؛ لأن ذلك لا يقتضي وجوبه عليه] (٢)؛ والوجه فى تكليف الجميع هذه الأمور هو المصلحة واللطف فى التكليف. ولا يجرى ذلك مجرى ما قلناه فى الجواب الّذي قبل هذا؛ من أن المصائب والغموم قد تكون للمؤمنين محنة، وللكافرين عقوبة؛ لأن تلك الأمور مما يجوز أن يكون وجه حسنها العقوبة والمحنة جميعا؛ ولا يجوز فى هذه الفرائض أن يكون لوجوبها على المكلّف إلا وجه واحد، وهو المصلحة فى الدّين، فافترق الأمران. وليس لهم أن يقولوا: / ليس التعذيب فى إيجاب الفرائض عليهم؛ [وإنما هو لإخراجهم أموالهم على وجه التكرّه والاستثقال] (٣)؛ وذلك أنه إذا كان الأمر على ما ذكروه خرج من أن يكون مرادا لله تعالى؛ لأنه جلّ وعز ما أراد منهم إخراج المال على هذا الوجه، بل على الوجه الّذي هو طاعة وقربة؛ فإذا أخرجوها متكرّهين مستثقلين لم يرد ذلك؛ فكيف يقول: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها! ويجب أن يكون ما يعذبون به شيئا يصحّ أن يريده الله تعالى. وجميع هذه الوجوه التى حكيناها فى الآية- إلا جواب التقديم والتأخير- مبنيّة على أنّ

стр. 546

الحياة الدنيا ظرف للعذاب؛ فتحمّل (١) كل متأوّل من القوم ضربا من التأويل؛ طابق (٢) ذلك. وما يحتاج عندنا إلى جميع ما تكلّفوه، ولا إلى التقديم والتأخير إذا لم تجعل (٣) الحياة ظرفا للعقاب، بل جعلناها ظرفا للفعل الواقع بالأموال والأولاد؛ والمتعلّق بهما؛ لأنا قد علمنا أولا أنّ قوله: لِيُعَذِّبَهُمْ بِها لا بد من الانصراف عن ظاهره؛ لأن الأموال والأولاد أنفسها لا تكون عذابا؛ والمراد على سائر وجوه التأويل الفعل المتعلّق بها والمضاف إليها؛ سواء كان إنفاقها والمصيبة بها والغمّ عليها، أو إباحة غنيمتها وإخراجها عن أيدى مالكيها؛ فكأنّ تقدير (٤) الآية: إنما يريد الله ليعذّبهم بكذا وكذا؛ مما يتعلق بأموالهم وأولادهم، ويتّصل بها؛ وإذا صحّ هذا جاز أن تكون الحياة الدنيا ظرفا لأفعالهم القبيحة فى أموالهم وأولادهم التى تغضب الله تعالى وتسخطه؛ كإنفاقهم الأموال فى وجوه المعاصى، وحملهم الأولاد على الكفر، وإلزامهم الموافقة لهم فى النّحلة، ويكون تقدير الكلام: إنما يريد الله ليعذّبهم بفعلهم فى أموالهم وأولادهم؛ الواقع ذلك منهم فى الحياة الدنيا؛ وهذا وجه ظاهر يغنى عن التقديم والتأخير؛ وسائر ما ذكروه من الوجوه. فأما قوله تعالى: وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ فمعناه تبطل وتخرج؛ أى أنّهم يموتون على الكفر؛ وليس يجب إذا كان مريدا لأن تزهق أنفسهم وهم على هذه الحال أن يكون مريدا للحال نفسها على ما ظنّوه؛ لأنّ الواحد منّا قد يأمر/ غيره ويريد منه أن يقاتل أهل البغى وهم محاربون، ولا يقاتلهم وهم منهزمون، ولا يكون مريدا لحرب أهل البغى للمؤمنين؛ وإن أراد قتالهم على هذه الحالة، وكذلك قد يقول لغلامه: أريد أن تواظب على المصير إلى فى السّجن وأنا محبوس، وللطبيب: صر إلى ولازمنى وأنا مريض، وهو لا يريد المرض ولا

стр. 547

الحبس؛ وإن كان قد أراد ما هو متعلق بهاتين الحالتين. وقد ذكر فى ذلك وجه آخر على ألّا يكون قوله: وَهُمْ كافِرُونَ حالا لزهوق أنفسهم؛ بل يكون كأنه كلام مستأنف، والتقدير فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم؛ إنما يريد الله ليعذّبهم بها فى الحياة الدنيا؛ وتزهق أنفسهم وهم مع ذلك كافرون صائرون إلى النار؛ وتكون الفائدة أنهم مع عذاب الدنيا قد اجتمع عليهم عذاب الآخرة؛ ويكون معنى تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ على هذا الجواب غير الموت وخروج النفس على الحقيقة، بل المشقة الشديدة والكلف (١) الصّعبة، كما يقال: ضربت فلانا حتى مات وتلفت نفسه، وخرجت روحه، وما أشبه ذلك. *** [رأى الشريف المرتضى فى شعر مروان بن أبى حفصة ومختارات من محاسن شعره: ] قال سيدنا أدام الله تمكينه: ذاكرنى قوم من أهل الأدب بأشعار المحدثين وطبقاتهم وانتهوا إلى مروان بن يحيى بن أبى حفصة (٢)؛ فأفرط بعضهم فى وصفه وتقريظه، وآخرون فى ذمه وتهجينه والإزراء على شعره وطريقته؛ واستخبروا عما أعتقده فيه، فقلت لهم: كان مروان متساوى الكلام، متشابه الألفاظ، غير متصرّف فى المعانى ولا غواص عليها ولا مدقّق لها؛ فلذلك قلّت النّظائر فى شعره، ومدائحه مكرّرة الألفاظ والمعانى، وهو غزير الشعر قليل المعنى؛ إلا أنه مع ذلك شاعر له تجويد وحذق، وهو أشعر من كثير من أهل زمانه وطبقته، وأشعر شعراء أهله؛ ويجب أن يكون دون مسلم بن الوليد فى تنقيح الألفاظ وتدقيق المعانى، وحسن الألفاظ، ووقوع التشبيهات، ودون بشّار بن برد فى الأبيات النادرة السائرة، فكأنه طبقة بينهما؛ وليس بمقصّر دونهما شديدا، ولا منحط عنهما بعيدا. وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ يقدّمه على بشار ومسلم، وكذلك أبو عمرو الشيبانىّ

стр. 548

وكان الأصمعى يقول: مروان/ مولّد (١)، وليس له علم باللغة. واختلاف الناس فى اختيار الشعر بحسب اختلافهم فى التنبيه على معانيه؛ وبحسب ما يشترطونه من مذاهبه وطرائقه. فسئلت عند ذلك أن أذكر مختار ما وقع إلى من شعره وأنبه على سرقاته ونظائر شعره، وأن أملى ذلك فى خلال المجالس وأثنائها. فمما يختار من شعره قوله من قصيدة يمدح بها المهدىّ أولها: أعادك من ذكر الأحبّة عائد! ... أجل، واستخفّتك الرسوم البوائد يقول فيها: تذكّرت من تهوى فأبكاك ذكره ... فلا الذّكر منسىّ ولا الدّمع جامد تحنّ ويأبى أن يساعدك الهوى ... وللموت خير من هوى لا يساعد ألا طالما أنهيت دمعك طائعا ... وجارت عليك الآنسات النّواهد تذكّرنا أبصارها مقل المها ... واعناقها أدم الظّباء العواقد (٢) تساقط منهنّ الأحاديث غضّة ... تساقط درّ أسلمته المعاقد إليك أمير المؤمنين تجاذبت ... بنا اللّيل خوص كالقسىّ شوارد يمانية ينأى القريب محلّة ... بهنّ، ويدنو الشاحط المتباعد النّظائر فى شعره، ومدائحه مكرّرة الألفاظ والمعانى، وهو غزير الشعر قليل المعنى؛ إلا أنه مع ذلك شاعر له تجويد وحذق، وهو أشعر من كثير من أهل زمانه وطبقته، وأشعر شعراء أهله؛ ويجب أن يكون دون مسلم بن الوليد فى تنقيح الألفاظ وتدقيق المعانى، وحسن الألفاظ، ووقوع التشبيهات، ودون بشّار بن برد فى الأبيات النادرة السائرة، فكأنه طبقة بينهما؛ وليس بمقصّر دونهما شديدا، ولا منحط عنهما بعيدا. وكان إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ يقدّمه على بشار ومسلم، وكذلك أبو عمرو الشيبانىّ

стр. 549

وكان الأصمعى يقول: مروان/ مولّد (١)، وليس له علم باللغة. واختلاف الناس فى اختيار الشعر بحسب اختلافهم فى التنبيه على معانيه؛ وبحسب ما يشترطونه من مذاهبه وطرائقه. فسئلت عند ذلك أن أذكر مختار ما وقع إلى من شعره وأنبه على سرقاته ونظائر شعره، وأن أملى ذلك فى خلال المجالس وأثنائها. فمما يختار من شعره قوله من قصيدة يمدح بها المهدىّ أولها: أعادك من ذكر الأحبّة عائد! ... أجل، واستخفّتك الرسوم البوائد يقول فيها: تذكّرت من تهوى فأبكاك ذكره ... فلا الذّكر منسىّ ولا الدّمع جامد تحنّ ويأبى أن يساعدك الهوى ... وللموت خير من هوى لا يساعد ألا طالما أنهيت دمعك طائعا ... وجارت عليك الآنسات النّواهد تذكّرنا أبصارها مقل المها ... واعناقها أدم الظّباء العواقد (٢) تساقط منهنّ الأحاديث غضّة ... تساقط درّ أسلمته المعاقد إليك أمير المؤمنين تجاذبت ... بنا اللّيل خوص كالقسىّ شوارد يمانية ينأى القريب محلّة ... بهنّ، ويدنو الشاحط المتباعد تجلّى السّرى عنها، وللعيس أعين ... سوام وأعناق إليك قواصد إلى ملك تندى إذا يبس الثّرى ... بنائل كفّيه الأكفّ الجوامد

стр. 550

له فوق مجد النّاس مجدان منهما ... طريف وعادىّ الجراثيم تالد وأحواض عزّ حومة الموت دونها ... وأحواض عرف ليس عنهنّ ذائد أيادى بنى العبّاس بيض سوابغ ... على كلّ قوم باديات عوائد هم يعدلون السّمك من قبّة الهدى ... كما تعدل البيت الحرام القواعد سواعد عزّ المسلمين، وإنما ... تنوء بصولات الأكفّ السّواعد / يكون غرارا نومه من حذاره ... على قبّة الإسلام والخلق راقد كأنّ أمير المؤمنين محمّدا ... لرأفته بالنّاس للنّاس والد أما قوله: تساقط منهنّ الأحاديث غضّة ... تساقط درّ أسلمته المعاقد فكثير فى الشعر، وأظن أن الأصل فيه أبو حيّة النميرى فى قوله: إذا هنّ ساقطن الأحاديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من كفّ ناظم وإنما عنى بالمرجان صغار اللؤلؤ، وعلى هذا يتأول قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ؛ [الرحمن: ٢٢]. ومثله قول الآخر: هى الدّرّ منثورا إذا ما تكلّمت ... وكالدّرّ منظوما إذا لم تكلّم ومثله: من ثغرها الدّرّ النّظي ... م ولفظها الدّرّ النثير ونظيره قول البحترىّ- وأحسن غاية الإحسان: ولمّا التقينا والنّقا موعد لنا ... تعجّب رائى الدّرّ حسنا ولاقطه فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

стр. 551

ومثله قول الأخيطل (١). خلوت بها وسجف الليل ملقى ... وقد أصغت إلى الغرب النّجوم كأنّ كلامها درّ نثير ... ورونق ثغرها درّ نظيم ولغيره: تبسّمت فرأيت الدّرّ منتظما ... وحدّثت فرأيت الدّرّ منتثرا ولآخر: وتحفظ لا من ريبة يحذرونها ... ولكنها من أعين النّاس تحفظ وتلفظ درّا فى الحديث إذا جرى ... ولم نر درّا قبل ذلك يلفظ ولبعض من تأخر زمانه من الشعراء وقرب من عصرنا هذا: أظهرن وصلا إذ رحمن متيّما ... وأرين هجرا إذ خشين مراقبا / فنظمن من درّ المباسم جامدا ... ونثرن من درّ المدامع ذائبا قال قدس الله روحه: وليس قول أبى دهبل فى صفة الحديث (٢): كتساقط الرّطب الجنىّ من ال ... أقناء لا نثرا ولا نزرا من هذا الباب فى شيء، لأن جميع ما تقدم هو فى وصف الثّغر؛ وهذا فى وصف حسن الحديث وأنه متوسّط فى القلة والكثرة، لازم للقصد كانتثار الرّطب من الأقناء؛ ويشبه أن يكون أراد أيضا مع ذلك وصفه بالحلاوة والغضاضة لتشبيهه له بالرطب، ثم إنه غضّ طرىّ غير مكرّر ولا معاد؛ لقوله: «الرطب الجنىّ» فتجتمع له أغراض: الوصف بالاقتصاد فى القلة والكثرة، ثم وصفه بالحلاوة، ثم الفصاحة، ثم الغضاضة.

стр. 552

ونظير قول أبى دهبل قول ذى الرمّة: لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشى لا هراء ولا نزر (١) فأما قول مروان: إلى ملك تندى إذا يبس الثّرى ... بنائل كفّيه الأكفّ الجوامد فمثل قول أبى حنش النميرىّ فى يحيى بن خالد البرمكيّ: لا ترانى مصافحا كفّ يحيى ... إنّنى إن فعلت أتلفت (٢) مالى لو يمسّ البخيل راحة يحيى ... لسخت نفسه ببذل النّوال ومثله قول ابن الخياط (٣) المدنىّ فى المهدىّ: لمست بكفّى كفّه أبتغى الغنى ... ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدى (٤) فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت، وأعدانى فأتلفت ما عندى وقد قيل إن هذا الشاعر كأنه مصرّح بالهجاء؛ لأنه زعم أنّ الّذي لمس كفّه لم يفده شيئا بل أعداه جوده، فأتلف ماله، ولم يرد الشاعر إلا المدح؛ ولقوله وجه، وهو أنّ ذوى الغنى هم الذين تستقر الأموال فى أيديهم وتلبث تحت أيمانهم؛ ومن أخرج ما يملكه حالا بحال لا يوصف بأنه ذو غنى، فأراد الشاعر أننى لم أفد منه ما بقى فى يدى واستقرّ تحت ملكى؛ فلهذا قال: لم أفد ما أفاد ذرو الغنى. ومن هذا المعنى قول مسلم: / إلى ملك لو صافح النّاس كلّهم ... لما كان حىّ فى البريّة يبخل ومثله قول العكوّك: لو لمس النّاس راحتيه ... ما بخل النّاس بالعطاء

стр. 553

وأحسن من هذا كلّه وأشبه بالمدح، وأدخل فى طريقته قول البحترىّ: من شاكر عنّى الخليفة بالذّي ... أولاه من طول ومن إحسان (١) ملأت يداه يدى وشرّد جوده ... بخلى، فأفقرنى كما أغنانى حتى لقد أفضلت من إفضاله ... ورأيت نهج الجود حيث أرانى ووثقت بالخلف الجميل معجّلا ... منه، فأعطيت الّذي أعطانى ومن هذا قول الآخر: رأيت الندى فى آل عوف خليقة ... إذا كان فى قوم سواهم تخلّقا ولو جزت فى أبياتهم (٢) لتعلّمت ... يداك النّدى منهم فأصبحت مملقا ولابن الرومىّ: يجود البخيل إذا ما رآك ... ويسطو الجبان إذا عاينك فأما قوله: وأحواض عزّ حومة الموت دونها ... وأحواض عرف ليس عنهنّ ذائد فيشبه أن يكون إبراهيم بن العباس الصولىّ أخذه فى قوله: لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... وتفترّ عنها أرضها وسماؤها (٣) فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب عند حقّ فناؤها وقد أحسن إبراهيم بن العباس فى أبياته كل الإحسان. فأما قوله: يكون غرارا نومه من حذاره ... على قبّة الإسلام والخلق راقد / فكثير متداول، ومن حسنه قول محمد بن عبد الملك الزيات:

стр. 554

نعم الخليفة للرّعيّة من إذا ... رقدت وطاب لها الكرى لم يرقد ومثله: ويظلّ يحفظنا ونحن بغفلة ... ويبيت يكلؤنا ونحن نيام ومثله للبحترىّ: أربيعة الفرس اشكرى يد منعم ... وهب الإساءة للمسيء الجانى (١) روّعتموا جاراته فبعثتمو ... منه حميّة آنف غيران لم تكر عن قاصى الرّعية عينه ... فتنام عن وتر القريب الدّانى فأما قوله: كأن أمير المؤمنين محمدا ... لرأفته بالناس للناس والد فنظير قول بعض الشعراء فى يحيى بن خالد البرمكي: أحيا لنا يحيى فعال خالد ... فأصبح اليوم كثير الحامد يسخو بكلّ طارف وتالد ... على بعيد غائب وشاهد الناس فى إحسانه كواحد ... وهو لهم أجمعهم كالوالد ومن جيد قول مروان من قصيدة أوّلها: خلت بعدنا من آل ليلى المصانع ... وهاجت لنا الشّوق الدّيار البلاقع يقول فيها: ومالى إلى المهدىّ لو كنت مذنبا ... سوى حلمه الضّافى على النّاس شافع ولا هو عند السّخط منه ولا الرّضا ... بغير التى يرضى بها الله واقع (٢) تغضّ له الطّرف العيون وطرفه ... على غيره من خشية الله خاشع

стр. 555

أما قوله: * ولا هو عند السخط منه ولا الرّضا* ... البيت فمثل قول أشجع: ولست بخائف لأبى عليّ ... ومن خاف الإله فلن يخافا / ومثله: أمّننى منه ومن خوفه ... خيفته من خشية البارى ولأبى نواس: قد كنت خفتك ثمّ أمّننى ... من أن أخافك خوفك الله (١) ويشبه هذا المعنى ما روى عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله أنه دعا غلاما مرارا فلم يجبه، فخرج فوجده على الباب (٢) فقال له: ما حملك على ترك إجابتى؟ قال: كسلت عن إجابتك، وأمنت عقوبتك، فقال: ﵇: الحمد لله الّذي جعلنى ممن يأمنه خلقه. فأما قوله: «تغضّ له الطرف العيون» فيشبه أن يكون مأخوذا من قول الفرزدق، أو ممّن تنسب إليه هذه الأبيات: يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم (٣)

стр. 556

٤٠ مجلس آخر [المجلس الأربعون: ] تأويل آية [: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ؛ [الأنفال: ٢٤]. فقال: ما معنى الحول بين المرء وقلبه؟ وهل يصحّ ما تأوّله قوم من أنّه يحول بين الكافر وبين الإيمان؟ وما معنى قوله: لِما يُحْيِيكُمْ؟ وكيف تكون الحياة فى إجابته؟ الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ففيه وجوه: أوّلها أن يريد بذلك أنّه تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت، وهذا حثّ من الله على الطاعات والمبادرة بها قبل الفوت وانقطاع التّكليف، وتعذّر ما يسوّف به المكلّف نفسه من التوبة والإقلاع؛ فكأنه تعالى قال: بادروا إلى الاستجابة لله وللرسول من قبل أن يأتيكم الموت فيحول بينكم وبين الانتفاع بنفوسكم وقلوبكم، ويتعذر عليكم ما تسوّفون به (١) نفوسكم من التوبة بقلوبكم. ويقوّى ذلك قوله تعالى: وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢). وثانيها أن يحول بين المرء وقلبه بإزالة عقله وإبطال تمييزه، وإن كان حيّا، وقد يقال لمن فقد عقله وسلب تمييزه: إنّه بغير عقل (٣)؛ قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ؛ [ق: ٣٧]. وقال الشاعر: / ولي ألف وجه قد عرفت مكانه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب! وهذا الوجه يقرب من الأوّل؛ لأنه تعالى أخرج هذا الكلام مخرج الإنذار لهم،

стр. 557

والحث لهم (١) على الطاعات قبل فوتها، لأنه لا فرق بين تعذّر التوبة وانقطاع التكليف بالموت وبين تعذّرها بإزالة العقل. وثالثها أن يكون المعنى المبالغة فى الإخبار عن قربه من عباده وعلمه بما يبطنون ويخفون؛ وأنّ الضمائر المكنونة (٢) له ظاهرة، والخفايا المستورة لعلمه بادية؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ؛ [ق: ١٦]، ونحن نعلم أنه لم تعالى يرد بذلك قرب المسافة، بل المعنى الّذي ذكرناه. وإذا كان هو أعلم بما فى قلوبنا منّا، وكان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه، ونسهو عنه، ونضلّ عن علمه- وكل ذلك لا يجوز عليه- جاز أن يقول: إنه يحول بيننا وبين قلوبنا؛ لأنه معلوم فى الشاهد أن كل شيء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما. ولما أراد تعالى المبالغة فى وصف القرب خاطبنا بما نعرف ونألف؛ وإن كان القرب الّذي عناه جلّت عظمته لم يرد به المسافة، والعرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة؛ فيقولون: فلان أقرب إلى قلبى من فلان، وزيد منى قريب، وعمرو منّى بعيد؛ ولا يريدون المسافة. ورابعها- ما أجاب به بعضهم- من أنّ المؤمنين كانوا يفكّرون فى كثرة عدوّهم، وقلة عددهم، فيدخل قلوبهم الخوف، فأعلمهم تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه، بأن يبدّله بالخوف الأمن؛ ويبدّل عدوّهم- بظنهم أنهم قادرون عليهم وغالبون لهم- الجبن والخور. ويمكن فى الآية وجه خامس؛ وهو أن يكون المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح؛ بالأمر والنهى والوعد والوعيد؛ لأنا نعلم أنه تعالى لو لم يكلف العاقل مع ما فيه من الشهوات والنفار لم يكن له عن القبيح مانع؛ ولا عن مواقعته رادع؛ فكأنّ التكليف حائل بينه وبينه؛ من حيث زجر عن فعله، وصرف عن مواقعته؛

стр. 558

وليس يجب فى الحائل/ أن يكون فى كل موضع مما يمتنع معه الفعل؛ لأنا نعلم أن المشير منّا على غيره فى أمر كان قد همّ به وعزم على فعله أن يجتنبه. والمنبّه له على أنّ الحظ فى الانصراف عنه يصح أن يقال: منعه (١)، وحال بينه وبين فعله، قال عبيد الله بن قيس الرقيات (٢): حال دون الهوى ودو ... ن سرى اللّيل مصعب وسياط على أك ... فّ رجال تقلّب ونحن نعلم أنه لم يحل إلّا بالتخويف والترهيب دون غيرهما. فإن قيل: كيف يطابق هذا الوجه صدر الآية؟ قلنا: وجه المطابقة ظاهر، لأنه تعالى أمرهم بالاستجابة لله تعالى ولرسوله فيما يدعوان إليه من فعل الطاعات، والامتناع من المقبّحات، وأعلمهم أنه بهذا الدعاء والإنذار وما يجرى (٣) مجراهما يحول بين المرء وبين ما تدعوه إليه نفسه من المعاصى؛ ثم إن المآب بعد هذا كلّه إليه والمنقلب إلى ما عنده؛ فيجازى كلّا باستحقاقه. فأما قوله تعالى: إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ففيه وجوه: أوّلها أن يريد بذلك الحياة فى النعيم (٤) والثواب، لأنّ تلك هى الحياة الطيبة الدائمة التى يؤمن من تغيّرها، ولا يخاف انتقالها، فكأنه تعالى حث على إجابته التى تكسب هذه الحال. وثانيها أنّه يختص (٥) ذلك بالدعاء إلى الجهاد وقتال العدوّ، فكأنه تعالى أمرهم بالاستجابة للرسول ﵇ فيما يأمرهم به من قتال عدوّهم (٦)؛ ودفعهم عن حوزة الإسلام

стр. 559

وأعلمهم أنّ ذلك يحييهم من حيث كان فيه قهر للمشركين، وتقليل لعددهم، وفلّ لحدّهم؛ وحسم لأطماعهم، لأنهم متى كثروا وقووا استلانوا جانب المؤمنين؛ وأقدموا عليهم بالقتل وصنوف المكاره؛ فمن هاهنا كانت الاستجابة له ﵇ فى القتال تقتضى الحياة والبقاء؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ؛ [البقرة: ١٧٩]. وثالثها ما قاله قوم من أنّ كلّ طاعة حياة، ويوصف فاعلها بأنه حىّ، كما أن المعاصى يوصف فاعلها بأنه ميت، والوجه فى ذلك/ أنّ الطائع لما كان (١) منتفعا بحياته، وكانت تؤديه إلى الثواب الدائم قيل: إن الطاعة حياة؛ ولما كان الكافر العاصى لا ينتفع بحياته؛ من حيث كان مصيره إلى العقاب الدائم كان فى حكم الميّت؛ ولهذا يقال لمن كان منغّص (٢) الحياة، غير منتفع بها: فلان بلا عيش ولا حياة، وما جرى مجرى ذلك من حيث لم ينتفع بحياته. ويمكن فى الآية وجه آخر، وهو أن يكون المراد بالكلام الحياة بالحكم لا فى الفعل؛ لأنا قد علمنا أنه ﵇ كان مكلّفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملته وقتلهم، وإن كان فيما بعد كلّف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شرطها؛ فكأنه تعالى قال: استجيبوا للرسول ولا تخالفوه، فإنكم إذا خالفتم كنتم فى الحكم غير أحياء، من حيث تعبّد ﵇ بقتالكم وقتلكم، فإذا أطعتم كنتم فى الحكم أحياء؛ ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً؛ [آل عمران: ٩٧]؛ وإنما أراد تعالى أنه يجب أن يكون آمنا؛ وهذا (٣) حكمه، ولم يخبر بأن ذلك لا محالة واقع. فأما المجبرة فلا شبهة لهم فى الآية، ولا متعلّق بها؛ لأنه تعالى لم يقل: إنه يحول بين المرء وبين الإيمان، بل ظاهر الآية يقتضي أنّه يحول بينه وبين أفعاله، وإنما يقتضي ظاهرها أنه يحول بينه وبين قلبه؛ وليس للإيمان ولا للكفر ذكر، ولو كان للآية ظاهر يقتضي

стр. 560

ما ظنوه- وليس لها ذلك- لانصرفنا عنه بأدلة العقل الموجبة أنه تعالى لا يحول بين المرء وبين ما أمره به، وأراده منه، وكلّفه فعله؛ لأن ذلك قبيح، والقبائح عنه منفيّة. *** [خبر حصن بن حذيفة مع أولاده حين طعنه كرز بن عامر: ] أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن محمد الجوهرىّ قال حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أحمد بن عمرو بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عوف قال حدثنى محمد بن خالد (١) بن عبد الله عن الحجاج السّلمىّ قال: لما اشتد بحصن ابن حذيفة بن بدر وجعه من طعنة كرز (٢) بن عامر إياه يوم بنى عقيل دعا ولده فقال: إن الموت أهون مما أجد، فأيّكم يطيعنى؟ قالوا: كلنا نطيعك؛ فبدأ بأكبرهم فقال: قم فخذ سيفى واطعن به حيث آمرك، ولا تعجّل؛ قال: يا أبتاه: أيقتل المرء (٣) أباه! فأتى على القوم كلّهم/، فأجابوه جواب (٤) الأول؛ حتى انتهى إلى عيينة فقال: يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرنى به راحة، ولي بذلك طاعة؛ وهو هواك؟ قال: بلى، قال: فمرنى كيف أصنع، قال: قم فخذ سيفى فضعه حيث آمرك (٥)، ولا تعجّل، فقام فأخذ سيفه، ووضعه على قلبه، ثم قال: يا أبتاه، كيف أصنع؟ قال: ألق السيف؛ إنما أردت أن أعلم: أيّكم أمضى لما آمر به؛ فأنت خليفتى ورئيس قومك من بعدى، فقال القوم: إنه [سيقول فيما كان بيتا، فاحضروه] (٦) فلما أمسى قال: ولّوا عيينة من بعدى أموركم ... واستيقنوا أنه بعدى لكم حام إما هلكت فإنى قد بنيت لكم ... عزّ الحياة بما قدّمت قدّامى واستوسقوا للتى فيها مروءتكم ... قود الجياد، وضرب القوم فى إلهام (٧)

стр. 561

والقرب من قومكم- والقرب ينفعكم- ... والبعد إن باعدوا، والرّمى للرّامي ولى حذيفة إذ ولى وخلّفنى ... يوم الهباة يتيما وسط أيتام لا أرفع الطّرف ذلّا عند مهلكة ... ألقى العدوّ بوجه خدّه دامى حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت به ... ثمّ ارتحلت إلى الجفنىّ بالشام لما قضى ما قضى من حقّ زائره ... عجت المطىّ إلى النّعمان من عامى أسمو لما كانت الآباء تطلبه ... عند الملوك فطرفى عندهم سامى والدّهر آخره شبه لأوّله ... قوم كقوم وأيّام كأيّام فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهم ... من بين بان إلى العليا وهدّام قال: ثم أصبح ودعا بنى بدر، فقال: لوائى ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا منى ما أوصيكم به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر «١» ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكفء «٢» الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزرى بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير فى الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا «٣» الكبير بالكبير؛ فإنى بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلّا بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغى، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر. (١) ش: «عمر بن خالد». (٢) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «كريز». (٣) ش: «الرجل». (٤) ف: «بجواب الأول». حاشية الأصل (من نسخة): «الجواب الأول». (٥) حاشية الأصل (من نسخة): «كما أمرت به». (٦) م: «إنه سيقول فى ذلك شيئا فيما بيننا، فأحضروه». (٧) استوسقوا: انضموا واجتمعوا، وفى حاشية الأصل: «نصب «قود الجياد»، على تقدير فعل مضمر؛ كأنه قال: أعنى قود الجياد».

стр. 562

والقرب من قومكم- والقرب ينفعكم- ... والبعد إن باعدوا، والرّمى للرّامي ولى حذيفة إذ ولى وخلّفنى ... يوم الهباة يتيما وسط أيتام لا أرفع الطّرف ذلّا عند مهلكة ... ألقى العدوّ بوجه خدّه دامى حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت به ... ثمّ ارتحلت إلى الجفنىّ بالشام لما قضى ما قضى من حقّ زائره ... عجت المطىّ إلى النّعمان من عامى أسمو لما كانت الآباء تطلبه ... عند الملوك فطرفى عندهم سامى والدّهر آخره شبه لأوّله ... قوم كقوم وأيّام كأيّام فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهم ... من بين بان إلى العليا وهدّام قال: ثم أصبح ودعا بنى بدر، فقال: لوائى ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا منى ما أوصيكم به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر (١) ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكفء (٢) الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزرى بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير فى الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا (٣) الكبير بالكبير؛ فإنى بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلّا بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغى، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر. ومات حصن فأخذ عيينة الرّئاسة، وقال: أطعت أبا عيينة فى هواه ... فلم تخلج صريمتى الظّنون (٤)

стр. 563

وقد عرض الرّئيس على بنيه ... فقال القوم: هذا لا يكون ستحيا أو تموت، فطاولوه (١) ... وقتل المرء والده جنون فلم أقتل بحمد الله حصنا ... وكلّ فتى ستدركه المنون ولم أنكل عليه، وكلّ أمر ... إذا هوّنته يوما يهون فإن يك بدء هذا الأمر غثّا ... فآخره بنى بدر سمين وحكى عمرو بن بحر الجاحظ أن اسم عيينة بن حصن حذيفة، وإنما أصابته اللّقوة (٢) فجحظت عينه؛ وزال فكّه، فسمى لذلك عيينة؛ وإذا عظمت عين الإنسان لقّبوه أبا عيينة، وأبا عيناء. وروى قيس بن أبى حازم أن عيينة بن حصن دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «هذا أحمق مطاع». وروى أيضا أنه كان يدلع (٣) لسانه للحسين بن عليّ ﵉ وهو صبىّ، فيرى [الصبىّ] (٤) لسانه، فيهشّ له، فقال له عيينة: ألا أراك (٥) تصنع هذا بهذا، فو الله إنه ليكون لى الابن رجلا قد خرج وجهه، ما قبّلته قطّ، فقال رسول رسول الله صلى الله عليه وآله: «[إنه من لم يرحم لا يرحم] (٦)». *** [عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ] ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار من شعره قوله من قصيدة أوّلها: صحا بعد جهل فاستراحت عواذله ... وأقصرن عنه حين أقصر باطله / ومن مدّ فى أيامه فتأخّرت ... منيّته، فالشّيب لا شكّ شامله

стр. 564

يقول فى المديح فيها: هو المرء؛ أما دينه فهو مانع ... صئون (١)، وأما ماله فهو باذله أمرّ وأحلى ما بلى النّاس طعمه ... عقاب أمير المؤمنين ونائله أبىّ لما يأبى ذوو الحزم والتّقى ... فعول إذا ما جدّ بالأمر فاعله تروك الهوى، لا السّخط منه ولا الرّضا ... لدى موطن إلّا على الحقّ حامله (٢) يرى أنّ مرّ الحقّ أحلى مغبّة ... وأنجى ولو كانت زعافا مناهله فإنّ طليق الله من هو مطلق ... وإنّ قتيل الله من هو قاتله وإنّك بعد الله للحكم الّذي ... تصاب به من كلّ حقّ مفاصله أما قوله: ومن مدّ فى أيامه فتأخّرت ... منيّته، فالشّيب لا شكّ شامله فمأخوذ من قول طريح بن إسماعيل الثقفىّ: والشّيب غاية من تأخّر حينه ... لا يستطيع دفاعه من يجزع والأصل فى هذا قول أميّة بن أبى الصّلت: من لم يمت عبطة يمت هرما ... وللموت كأس، والمرء ذائقها (٣) ويشبه ذلك قول الآخر: قل لعرسى ليس شيبى بعجب ... من يعش يا أمّ عمار يشب ومثله قول أبى العتاهية: من يعش يهرم، ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالى من أتت (٤)

стр. 565

يشبهه قول البحترىّ: ولا بدّ من ترك إحدى اثنتين ... فإمّا الشّباب وإما العمر (١) / ويقاربه أيضا قوله: والشّيب مهرب من جارى منيّته ... ولا نجاء له من ذلك الهرب (٢) وقريب منه قول ابن المعتز: وقالت كبرت وانتضيت من الصّبا ... فقلت لها: ما عشت إلّا لأكبرا (٣) ولبعضهم: ولا بدّ من موت؛ فإما شبيبة ... وإمّا مشيب، والشبيبة أصلح معنى قوله: «والشبيبة أصلح» أنّ الإنسان إذا مات شابا كان أكثر للحزن عليه والأسف على مفارقته، فإذا أسنّ برم به أهله، وهان عليهم فقده. فأما قوله: هو المرء، أما دينه فهو مانع ... صئون، وأما ماله فهو باذله فمعناه متكرر فى الشعر كثير جدا. وأحسن شعر جمع بين وصف الممدوح؛ بمنع ما يجب منعه، وبذل ما يجب بذله قول مسلم بن الوليد: يذكّر نيك الجود والبخل والنّهى ... وقول الخنا والحلم والعلم والجهل [٤] فألقاك عن مذمومها متنزّها ... وألقاك فى محمودها ولك الفضل وأحمد من أخلاقك البخل إنه ... بعرضك- لا بالمال حاشا لك- البخل
следующие страницы →