← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والقرب من قومكم- والقرب ينفعكم- ... والبعد إن باعدوا، والرّمى للرّامي ولى حذيفة إذ ولى وخلّفنى ... يوم الهباة يتيما وسط أيتام لا أرفع الطّرف ذلّا عند مهلكة ... ألقى العدوّ بوجه خدّه دامى حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت به ... ثمّ ارتحلت إلى الجفنىّ بالشام لما قضى ما قضى من حقّ زائره ... عجت المطىّ إلى النّعمان من عامى أسمو لما كانت الآباء تطلبه ... عند الملوك فطرفى عندهم سامى والدّهر آخره شبه لأوّله ... قوم كقوم وأيّام كأيّام فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهم ... من بين بان إلى العليا وهدّام قال: ثم أصبح ودعا بنى بدر، فقال: لوائى ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا منى ما أوصيكم به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر «١» ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكفء «٢» الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزرى بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير فى الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا «٣» الكبير بالكبير؛ فإنى بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلّا بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغى، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر. (١) ش: «عمر بن خالد». (٢) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «كريز». (٣) ش: «الرجل». (٤) ف: «بجواب الأول». حاشية الأصل (من نسخة): «الجواب الأول». (٥) حاشية الأصل (من نسخة): «كما أمرت به». (٦) م: «إنه سيقول فى ذلك شيئا فيما بيننا، فأحضروه». (٧) استوسقوا: انضموا واجتمعوا، وفى حاشية الأصل: «نصب «قود الجياد»، على تقدير فعل مضمر؛ كأنه قال: أعنى قود الجياد».

стр. 562

والقرب من قومكم- والقرب ينفعكم- ... والبعد إن باعدوا، والرّمى للرّامي ولى حذيفة إذ ولى وخلّفنى ... يوم الهباة يتيما وسط أيتام لا أرفع الطّرف ذلّا عند مهلكة ... ألقى العدوّ بوجه خدّه دامى حتّى اعتقدت لوا قومي فقمت به ... ثمّ ارتحلت إلى الجفنىّ بالشام لما قضى ما قضى من حقّ زائره ... عجت المطىّ إلى النّعمان من عامى أسمو لما كانت الآباء تطلبه ... عند الملوك فطرفى عندهم سامى والدّهر آخره شبه لأوّله ... قوم كقوم وأيّام كأيّام فابنوا ولا تهدموا فالنّاس كلّهم ... من بين بان إلى العليا وهدّام قال: ثم أصبح ودعا بنى بدر، فقال: لوائى ورئاستي لعيينة؛ واسمعوا منى ما أوصيكم به: لا يتكل آخركم على أولكم؛ فإنما يدرك الآخر (١) ما أدركه الأول؛ وأنكحوا الكفء (٢) الغريب؛ فإنه عزّ حادث؛ وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدرا؛ فإن كلّ مورد معروف؛ واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم؛ ولا تخالفوا فيما اجتمعوا عليه؛ فإن الخلاف يزرى بالرئيس المطاع؛ وإذا حاربتم فأوقعوا ثم قولوا صدقا؛ فإنه لا خير فى الكذب، وصونوا الخيول، فإنها حصون الرجال؛ وأطيلوا الرماح؛ فإنها قرون الخيل؛ وأعزوا (٣) الكبير بالكبير؛ فإنى بذلك كنت أغلب الناس، ولا تغزوا إلّا بالعيون؛ ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصباح؛ وأعطوا على حسب المال، وأعجلوا الضيف بالقرى؛ فإن خيره أعجله، واتقوا فضحات البغى، وفلتات المزاح، ولا تجترءوا على الملوك؛ فإن أيديهم أطول من أيديكم؛ واقتلوا كرز بن عامر. ومات حصن فأخذ عيينة الرّئاسة، وقال: أطعت أبا عيينة فى هواه ... فلم تخلج صريمتى الظّنون (٤)

стр. 563

وقد عرض الرّئيس على بنيه ... فقال القوم: هذا لا يكون ستحيا أو تموت، فطاولوه (١) ... وقتل المرء والده جنون فلم أقتل بحمد الله حصنا ... وكلّ فتى ستدركه المنون ولم أنكل عليه، وكلّ أمر ... إذا هوّنته يوما يهون فإن يك بدء هذا الأمر غثّا ... فآخره بنى بدر سمين وحكى عمرو بن بحر الجاحظ أن اسم عيينة بن حصن حذيفة، وإنما أصابته اللّقوة (٢) فجحظت عينه؛ وزال فكّه، فسمى لذلك عيينة؛ وإذا عظمت عين الإنسان لقّبوه أبا عيينة، وأبا عيناء. وروى قيس بن أبى حازم أن عيينة بن حصن دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «هذا أحمق مطاع». وروى أيضا أنه كان يدلع (٣) لسانه للحسين بن عليّ ﵉ وهو صبىّ، فيرى [الصبىّ] (٤) لسانه، فيهشّ له، فقال له عيينة: ألا أراك (٥) تصنع هذا بهذا، فو الله إنه ليكون لى الابن رجلا قد خرج وجهه، ما قبّلته قطّ، فقال رسول رسول الله صلى الله عليه وآله: «[إنه من لم يرحم لا يرحم] (٦)». *** [عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ] ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار من شعره قوله من قصيدة أوّلها: صحا بعد جهل فاستراحت عواذله ... وأقصرن عنه حين أقصر باطله / ومن مدّ فى أيامه فتأخّرت ... منيّته، فالشّيب لا شكّ شامله

стр. 564

يقول فى المديح فيها: هو المرء؛ أما دينه فهو مانع ... صئون (١)، وأما ماله فهو باذله أمرّ وأحلى ما بلى النّاس طعمه ... عقاب أمير المؤمنين ونائله أبىّ لما يأبى ذوو الحزم والتّقى ... فعول إذا ما جدّ بالأمر فاعله تروك الهوى، لا السّخط منه ولا الرّضا ... لدى موطن إلّا على الحقّ حامله (٢) يرى أنّ مرّ الحقّ أحلى مغبّة ... وأنجى ولو كانت زعافا مناهله فإنّ طليق الله من هو مطلق ... وإنّ قتيل الله من هو قاتله وإنّك بعد الله للحكم الّذي ... تصاب به من كلّ حقّ مفاصله أما قوله: ومن مدّ فى أيامه فتأخّرت ... منيّته، فالشّيب لا شكّ شامله فمأخوذ من قول طريح بن إسماعيل الثقفىّ: والشّيب غاية من تأخّر حينه ... لا يستطيع دفاعه من يجزع والأصل فى هذا قول أميّة بن أبى الصّلت: من لم يمت عبطة يمت هرما ... وللموت كأس، والمرء ذائقها (٣) ويشبه ذلك قول الآخر: قل لعرسى ليس شيبى بعجب ... من يعش يا أمّ عمار يشب ومثله قول أبى العتاهية: من يعش يهرم، ومن يكبر يمت ... والمنايا لا تبالى من أتت (٤)

стр. 565

يشبهه قول البحترىّ: ولا بدّ من ترك إحدى اثنتين ... فإمّا الشّباب وإما العمر (١) / ويقاربه أيضا قوله: والشّيب مهرب من جارى منيّته ... ولا نجاء له من ذلك الهرب (٢) وقريب منه قول ابن المعتز: وقالت كبرت وانتضيت من الصّبا ... فقلت لها: ما عشت إلّا لأكبرا (٣) ولبعضهم: ولا بدّ من موت؛ فإما شبيبة ... وإمّا مشيب، والشبيبة أصلح معنى قوله: «والشبيبة أصلح» أنّ الإنسان إذا مات شابا كان أكثر للحزن عليه والأسف على مفارقته، فإذا أسنّ برم به أهله، وهان عليهم فقده. فأما قوله: هو المرء، أما دينه فهو مانع ... صئون، وأما ماله فهو باذله فمعناه متكرر فى الشعر كثير جدا. وأحسن شعر جمع بين وصف الممدوح؛ بمنع ما يجب منعه، وبذل ما يجب بذله قول مسلم بن الوليد: يذكّر نيك الجود والبخل والنّهى ... وقول الخنا والحلم والعلم والجهل [٤] فألقاك عن مذمومها متنزّها ... وألقاك فى محمودها ولك الفضل وأحمد من أخلاقك البخل إنه ... بعرضك- لا بالمال حاشا لك- البخل

стр. 566

وقد أحسن البحترىّ فى قوله: بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن وجدنا لفتح ضريبا (١) تنقّل فى سلفى (٢) سؤدد ... سماحا مرجّى وبأسا مهيبا فكالسّيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا فأما قوله: تروك الهوى، لا السخط منه ولا الرّضا ... لدى موطن إلّا على الحقّ حامله فمعنى متداول (٣) مطروق فى الشعر، وقد كرّره هو فى قوله: إذا هنّ ألقين الرّحال ببابه ... حططن به ثقلا، وأدركن مغنما (٤) / إلى طاهر الأخلاق، ما نال فى رضا ... ولا غضب مالا حراما ولا دما (٥) وأحسن من هذا قول أبى تمّام فى محمد بن عبد الملك: ثبت الخطاب إذا اصطكّت بمظلمة ... فى رحله ألسن الأقوام والرّكب (٦) لا المنطق اللّغو يزكو فى مقاومه ... يوما، ولا حجّة الملهوف تستلب كأنّما هو فى نادى قبيلته ... لا القلب يهفو ولا الأحشاء تضطرب وتحت ذاك قضاء حزّ شفرته ... كما يعضّ بظهر الغارب القتب (٧) لا سورة تتّقى منه ولا بله ... ولا يخاف (٨) رضا منه ولا غضب

стр. 567

ومثله قول البحترى فى ابن الزّيات أيضا: وجّه الحقّ بين أخذ وإعطا ... وقصد فى الجمع والتّبديد (١) واستوى النّاس فالقريب قريب ... عنده، والبعيد غير بعيد لا يميل الهوى به حين يمضى ال ... أمر بين المقلىّ والمودود وسواء لديه أبناء إبرا ... هيم فى حكمه وأبناء هود (٢) مستريح الأحشاء من كلّ ضغن ... بارد الصّدر من غليل الحقود فأما قوله: * وإنّ قتيل الله من هو قاتله* فيشبه أن يكون مأخوذا من قول يزيد بن مفرّغ فى عبيد الله بن زياد: إنّ الّذي عاش ختّارا بذمّته ... ومات عبدا قتيل الله بالزّاب (٣) أما قوله: وإنك بعد الله للحكم الّذي ... تصاب به من كل حقّ مفاصله [أبيات أبى تمام فى وصف القلم: ] فيشبه قول أبى تمام يصف القلم، من قصيدة يمدح بها ابن الزيات، وأجمع العلماء أنّ هذه الأبيات أحسن وأفخم من جميع ما قيل فى القلم: لك القلم الأعلى الّذي بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل (٤) / له الخلوات اللّائي لولا نجيّها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل

стр. 568

لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل (١) له ريقة طلّ، ولكنّ وقعها ... بآثاره فى الشّرق والغرب وابل (٢) فصيح إذا استنطقته وهو راكب، ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهى حوافل (٣) أطاعته أطراف القنا، وتقوّضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل إذا استغزر الذّهن الذّكىّ وأقبلت ... أعاليه فى القرطاس وهى أسافل وقد رفدته الخنصران وسدّدت (٤) ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى، وسمينا خطبه وهو ناحل

стр. 569

٤١ مجلس آخر [المجلس الحادى والأربعون: ] تأويل آية [: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ؛ [التكوير: ٢٦ - ٢٩]. فقال: ما تأويل هذه الآية؟ أوليس ظاهرها يقتضي أنّا لا نشاء شيئا إلا والله تعالى شاء له، ولم يخصّ إيمانا من كفر، ولا طاعة من معصية؟ الجواب، قلنا: الوجه المذكور فى هذه الآية، أنّ الكلام متعلّق بما تقدّمه من ذكر الاستقامة؛ لأنه تعالى قال: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ؟ ثم قال: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ؛ أى لا تشاءون الاستقامة إلّا والله تعالى مريد لها؛ ونحن لا ننكر أن يريد الله تعالى الطاعات؛ وإنما أنكرنا إرادته المعاصى؛ وليس لهم أن يقولوا: تقدّم ذكر الاستقامة لا يوجب قصر الكلام عليها؛ ولا يمنع من عمومه؛ كما أن السبب لا يوجب قصر ما يخرج من الكلام عليه حتى لا يتعدّاه؛ وذلك أن الّذي ذكروه إنما يجب فيم يستقل بنفسه من الكلام دون ما لا يستقل. وقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لا ذكر للمراد فيه؛ فهو غير مستقل بنفسه؛ وإذا علّق بما تقدم من/ ذكر الاستقامة استقلّ؛ على أنه لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنوه- وليس لها ذلك- لوجب الانصراف عنه بالأدلة الثابتة؛ على أن الله تعالى لا يريد المعاصى ولا القبائح؛ على أن مخالفينا فى هذه المسألة لا يمكنهم حمل الآية على العموم؛ لأن العباد قد يشاءون عندهم ما لا يشاؤه الله تعالى؛ بأن يريدوا الشيء ويعزموا عليه، فلا يقع لمنع أو غيره؛ وكذلك قد يريد النبي ﵇ من الكفار الإيمان، وتعبّدنا بأن نريد من المقدم على القبيح تركه؛ وإن كان تعالى عندهم لا يريد ذلك إذا كان المعلوم أنه لا يقع؛ فلا بد لهم

стр. 570

من تخصيص الآية؛ فإذا جاز لهم ذلك بالشّبهة جاز لنا مثله بالحجة؛ وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا؛ [المزمل: ١٩]، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، [الإنسان: ٣٠]، وقوله تعالى: وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، [المدثر: ٥٦]، فى تعلّق الكلام بما قبله. فإن قالوا: فالآية تدل على مذهبنا وبطلان مذهبكم (١) من وجه آخر؛ وهو أنه قال: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ؛ وذلك يقتضي أنه يشاء الاستقامة فى حال مشيئتنا لها؛ لأن «أن» الخفيفة إذا دخلت على الفعل المضارع اقتضت الاستقبال؛ وهذا يوجب أنه يشاء أفعال العباد فى كل حال، ويبطل ما تذهبون إليه من أنه إنما يريد الطاعات فى حال الأمر. قلنا: ليس فى ظاهر الآية ألّا نشاء إلّا ما شاءه الله تعالى فى حال مشيئتنا كما ظننتم؛ وإنما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدم ولا تأخر؛ ويجرى ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلا أن يدخلها عمرو؛ ونحن نعلم أنه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما فى حال واحدة؛ بل لا يمتنع أن يتقدّم دخول عمرو، ويتلوه دخول زيد، و «أن» الخفيفة وإن كانت للاستقبال على ما ذكروه، فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها؛ لأن تقدير الكلام: وما تشاءون الطاعات إلا بعد أن يشاء الله تعالى، ومشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال (٢). وقد ذهب أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبائىّ إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال؛ وإن كان قد أرادها فى حال الأمر؛ كما يصحّ أن يأمر بها أمرا بعد أمر؛ قال: / لأنه قد يصحّ أن يتعلّق بإرادته ذلك منا بعد الأمر وفى حال الفعل مصلحة؛ ويعلم تعالى أنّا نكون متى علمنا ذلك كنا إلى فعل الطاعات أقرب، وعلى هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه.

стр. 571

والجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبى عليّ فى هذا الباب؛ على أنّ اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم؛ لأن الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة واستقبالها بطل قول من قال منهم: إنه مريد لنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، وصحّ ما تقوله من إنّ إرادته متجدّدة محدثة. ويمكن فى تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إياها على العموم؛ من غير أن نخصها بما تقدّم ذكره من الاستقامة؛ ويكون المعنى: وما تشاءون شيئا من فعالكم إلا أن يشاء الله تمكينكم من مشيئته، وإقداركم عليها والتخلية بينكم وبينها؛ وتكون الفائدة فى ذلك الإخبار عن الافتقار إلى الله تعالى؛ وأنه لا قدرة للعبد على ما لم يقدّره الله تعالى ، وليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه؛ لأن ما تتعلّق به المشيئة فى الآية محذوف غير مذكور؛ وليس لهم أن يعلقوا قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ بالأفعال دون تعلقه بالقدرة؛ لأن كل واحد من الأمرين غير مذكور، وكل هذا واضح بحمد الله. *** [عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ] ونعود إلى ما كنا وعدنا به من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار قوله من قصيدة أوّلها: طرقتك زائرة، فحىّ خيالها ... بيضاء تخلط بالحياء دلالها يقول فيها: مالت (١) بقلبك فاستقاد ومثلها ... قاد القلوب إلى الصّبا فأمالها وكأنّما طرقت بنفحة روضة ... سحّت بها ديم الرّبيع ظلالها باتت تسائل فى المنام معرّسا (٢) ... بالبيد أشعث لا يملّ سؤالها فى فتية هجعوا غرارا بعد ما ... سئموا مراعشة السّرى ومطالها

стр. 572

فكأنّ حشو ثيابهم هنديّة ... نحلت وأغفلت العيون صقالها / المراعشة (١): تحريك الرأس فى السّير من النوم. أما ذكره فى أول القصيدة طروق الطيف؛ فإنه لم يأت فيه بمعنى غريب؛ ولا لفظ مستعذب؛ وقد قال الناس فى الطّيف والخيال فأكثروا، وقد سبق فى ذلك قيس بن الخطيم إلى معنى؛ كلّ الناس فيه عيال عليه، وهو قوله: أنّى سربت وكنت غير سروب! ... وتقرّب الأحلام غير قريب (٢) ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه ... فى النّوم غير مصرّد محسوب كان المنى بلقائها فلقيتها ... فلهوت من لهو امرئ مكذوب وقد أحسن جرير فى قوله: أننسى إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة، سقى البشام (٣) بنفسى من تجنّيه (٤) عزيز ... عليّ، ومن زيارته لمام ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقنى إذا هجع النّيام وهذه الأبيات وإن خلت من معنى فى ذكر الطيف غريب، فلم تخل من لفظ مستعذب. ولأبى عبادة البحترىّ فى وصف الخيال الفضل على كل متقدّم ومتأخّر؛ فإنه تغلغل فى

стр. 573

أوصافه، واهتدى من معانيه إلى ما لا يوجد لغيره، وكان مشغولا بتكرار القول فيه لهجا بإبدائه وإعادته؛ وإن كان لأبى تمام فى ذلك مواضع لا يجهل فضلها، ومحاسن لا يبلغ شأوها؛ فمما لأبى تمام قوله: زار الخيال لها، لا بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم (١) ظبى تقنّصته لمّا نصبت له ... من آخر اللّيل أشراكا من الحلم ثمّ اغتدى، وبنا من ذكره سقم ... باق، وإن كان مشغولا (٢) من السّقم وقوله: عادك الزّور ليلة الرّمل من رم ... لة بين الحمى وبين المطالى (٣) ثم ما زارك الخيال ولك ... نّك بالفكر زرت طيف الخيال وقوله: اللّيالى أحفى بقلبى إذا ما ... جرحته النّوى من الأيام / يا لها لذّة تنزّهت الأر ... واح فيها سرّا من الأجسام مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنّا فى دعوة الأحلام فأما البحترىّ فقوله فى هذا المعنى أكثر من أن يذكر جميعه هاهنا؛ غير أنا نشير إلى نادره، فمن ذلك قوله: فلا وصل إلّا أن يطيف خيالها ... بنا تحت جؤشوش من اللّيل أسفع (٤) ألمّت بنا بعد الهدوّ فسامحت ... بوصل متى تطلبه فى الجدّ تمنع وما برحت حتّى مضى الليل وانقضى ... وأعجلها داعى الصّباح الملمّع فولّت كأنّ البين يخلج شخصها ... أوان تولّت من حشاى وأضلعى (٥)

стр. 574

وربّ لقاء لم يؤمّل وفرقة ... لأسماء لم تحذر ولم تتوقّع أرانى لا أنفك فى كلّ ليلة ... تعاود فيها المالكيّة مضجعى أسرّ بقرب من ملمّ مسلّم ... وأشجى ببين من حبيب مودّع فكائن لنا بعد النّوى من تفرّق ... ترجّيه أحلام الكرى، وتجمّع وكقوله: وإنّى وإن ضنّت عليّ بودّها ... لأرتاح منها للخيال المؤرّق (١) يعزّ على الواشين لو يعلمونها ... ليال لنا نزدار فيها ونلتقى فكم غلّة للشّوق أطفأت حرّها ... بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق أضمّ عليه جفن عينى تعلّقا ... به عند إجلاء النّعاس المرنّق وقوله: بلى وخيال من أثيلة كلّما ... تأوّهت من وجد تعرّض يطمع (٢) إذا زورة منه تقضّت مع الكرى ... تنبّهت من وجد له أتفزّع ترى مقلتى ما لا ترى فى لقائه ... وتسمع أذنى رجع ما ليس تسمع ويكفيك من حقّ تخيّل باطل ... تردّ به نفس اللهيف فترجع وقوله: / إذا ما الكرى أهدى إلى خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصّدى (٣) إذا انتزعته من يدىّ انتباهة ... عددت حبيبا راح منّى أو غدا ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذّب أيقاظا وننعم هجّدا وقوله: فما نلتقى إلّا على حلم هاجد ... يحلّ لنا جدواك وهى حرام (٤)

стр. 575

إذا ما تباذلنا النّفائس خلتنا ... من الجدّ أيقاظا ونحن نيام (١) وقوله: وليلة هوّمنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحقّ باطله (٢) فلولا بياض الصّبح طال تشبّثى ... بعطفى غزال بتّ وهنا أغازله وقوله: أمنك تأوّب الطّيف الطّروب ... حبيب جاء يهدى من حبيب (٣) تخطّى رقبة الواشين كرها (٤) ... وبعد مسافة الخرق المجوب يكاذبنى وأصدقه ودادا ... ومن كلف مصادقة الكذوب وقوله: ما تقضّى لبانة عند لبنى ... والمعنّى بالغانيات معنى (٥) هجرتنا يقظى وكادت على مذ ... هبها (٦) فى الصّدود تهجر وسنى بعد لأى وقد تعرّض منها ... طائف عرّجت على الرّكب وهنا قال المرتضى رضى الله عنه: ووجدت أبا القاسم الحسن بن بشر الآمدىّ مع ميله إلى البحترىّ وانحطاطه فى شعبه، واجتهاده فى تأويل ما أخذ عليه من خطأ وزلل يزعم أن البحترىّ أخطأ فى قوله: هجرتنا يقظى وكادت على مذ ... هبها فى الصّدود تهجر وسنى قال: لأن (٧) خيالها يتمثل له فى كل أحوالها؛ يقظى كانت أو وسنى. قال: ولكنّ الجيد فى هذا المعنى قوله:

стр. 576

أردّ دونك يقظانا ويأذن لى ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا قال: والّذي أوقع البحترىّ فى هذا الغلط قول قيس بن الخطيم: / ما تمنعى يقظى فقد تؤتينه ... فى النّوم غير مصرّد محسوب وكان الأجود أن يقول: ما تمنعى فى اليقظة فقد تؤتينه فى النوم، أى ما تمنعينه فى يقظتى فقد تؤتينه فى حال نومى؛ حتى يكون النوم واليقظة منسوبين إليه؛ لأن خيال المحبوب يتمثّل فى حال نومه ويقظته جميعا، قال: إلّا أنه يتّسع من التأويل فى هذا لقيس ما لا يتّسع للبحترىّ لأن قيسا قال: «فقد تؤتينه فى النوم» ولم يقل نائمة؛ وقد يجوز أن يحمل على أنه أراد: ما تمنعى يقظى وأنا يقظان؛ فقد تؤتينه فى النوم، أى فى نومى؛ ولا يسوغ مثل هذا فى بيت البحترىّ لأنه قال: «وسنى» ولم يقل فى الوسن. قال سيّدنا أدام الله علوّه: وقد يمكن من التأويل للبحترىّ ما أمكن مثله لقيس؛ لكنّ الآمدىّ قد ذهب عن ذلك؛ لأن البحترىّ لما قال: «وسنى» دلّ على حال الوسن؛ والحال المعهودة للوسن حال يشترك الناس فيها فى النوم بالعادة، كما أنّ الحال المعهودة لليقظة حال مشتركة بالعادة؛ فقوله: «وسنى» ينبئ عن كونه هو أيضا نائما؛ وإنما أراد المقابلة فى زنة اللفظ بين يقظى ووسنى. وقوله: «يقظى» متى لم يحمل أيضا على هذا المعنى لم يصحّ؛ لأنه لا بدّ أن يريد بذلك: هجرتنا فى أحوال اليقظة؛ ويكون معنى «يقظى» يتعدّى إليه؛ ألا ترى أن الآمدىّ حمل قول قيس: «يقظى» على معنى: «وأنا يقظان» وإن لم يبيّن الوجه! ؛ فكيف ذهب عليه مثل ذلك فى قول البحترىّ! وقوله: «وسنى» و «يقظى» مثل قول قيس: «يقظى»، ولو مكّن قيسا وزن الشعر من أن يقول؛ «وسنى» فى مقابلة: «يقظى» لقاله وما عدل عنه إلى النوم؛ لأنه لم يكن عليه فى «وسنى» إلا ما عليه فى «يقظى»، وما يتأوّل له فى أحد الأمرين يتأوّل له فى الآخر.

стр. 577

قال سيدنا أدام الله تمكينه: ولي فى الخيال وطروقه معنى ما علمت أنه سبق إليه، من جملة قصيدة: وزور تخطّى جنوب الملا ... فناديت أهلا بذا الزّائر أتانى هدوّا وعين الرّقي ... ب مطروفة بالكرى الغامر فأعجب به يسعف الهاجعين ... وتحرمه مقلة السّاهر / وعهدى بتمويه عين المحبّ ... ينمّ على قلبه الطّائر فلمّا التقينا برغم الرّقا ... د موّه قلبى على ناظرى ومعنى البيت الآخر أن الأحلام إنما هى اعتقادات تحصل فى القلب لا حقيقة لأكثرها؛ لأن الإنسان يعتقد أنه راء لما لا يراه على الحقيقة، ومدرك لما ليس بمدركه على الحقيقة؛ فالقلب يخيّل فى النوم للعين ما لا حقيقة له؛ كما أنّ العين تخيّل فى كثير من الأحوال للقلب ما لا حقيقة له. فأما قول مروان: * فكأنّما طرقت بنفحة روضة* ... البيت فيشبه أن يكون مأخوذا من قول نهشل بن حرّىّ (١): طرقت أسيماء الرّحال ودونها ... ثنيان من ليل التّمام الأسود (٢) ومفاوز وصل الفلاة جنوبها ... بجنوب أخرى، غير أن لم تعقد

стр. 578

رمل إذا أيدى الرّكاب قطعنه ... قرعت مناسمها بقفّ قردد (١) وكأنّ ريح لطيمة هنديّة ... وذكىّ جادىّ بنصع مجسد (٢) وندى خزامى الجوّ، جوّ سويقة ... طرق الخيال به بعيد المرقد (٣) أو من قول الآخر: طرقتك زينب والمزار بعيد ... بمنى ونحن معرّسون هجود (٤) فكأنّما طرقت بريّا روضة ... أنف يسحسح مزنها ويجود (٥) وهذا المعنى كثير فى الشعر المتقدم والمتأخر جدّا. فأما قوله: * باتت تسائل فى المنام معرّسا* البيت، والبيتان اللذان بعده؛ فقد قال الناس فى وصف قلة النوم، ومواصلة السّرى، والإدلاج، وشعث السارين فأكثروا، فمن أحسن ما قيل فى ذلك قول لبيد: ومجود من صبابات الكرى ... عاطف النّمرق صدق المبتذل (٦)

стр. 579

/ قال هجّدنا فقد طال السّرى ... وقدرنا إن خنى الدّهر غفل (١) قلّما عرّس حتّى هجته ... بالتّباشير من الصّبح الأول (٢) يلمس الأحلاس فى منزله ... بيديه كاليهودىّ المصلّ (٣) يتمارى فى الّذي قلت له ... ولقد يسمع قولى حيّهل (٤) ومن ذلك قول ذى الرمة: وليل كأثناء الرّويزىّ جبته ... بأربعة، والشّخص فى العين واحد (٥) - والرّويزىّ، هو الطيلسان. وقد روى أيضا: «كجلباب العروس ادّرعته»؛ وكل ذلك وصف له بالسواد؛ لأن الطيلسان أسود، وجلباب العروس أخضر، والعرب تجمع بين الخضرة والسواد- أحمّ علافىّ، وأبيض صارم، ... وأعيس مهريّ، وأشعث ماجد (٦)

стр. 580

أخو شقّة جاب الفلاة بنفسه ... على الهول حتّى طوّحته المطارد (١) وأشعث مثل السّيف قد لاح جسمه ... وجيف المهارى والهموم الأباعد (٢) سقاه الكرى كأس النّعاس فرأسه ... لدين الكرى من آخر الليل ساجد أقمت له صدر المطىّ فما درى ... أجائرة أعناقها أم قواصد! ترى النّاشئ الغرّيد يضحى كأنه ... على الرّحل ممّا منّه السّير عاصد (٣) ومن ذلك قول أبى حيّة النميرىّ: وأغيد من طول السّرى برّحت به ... أفانين نهّاض على الأين مرجم (٤) سريت به حتّى إذا ما تمزّقت ... توالى الدّجى عن واضح اللّون معلم أنخنا فلمّا أن جرت فى دماغه ... وعينيه كأس النّوم قلت له: قم فما قام إلّا بين أيد تقيمه ... كما عطفت ريح الصّبا خوط ساسم (٥) خطا الكره مغلوبا كأنّ لسانه ... لما ردّ من رجع لسان المبلسم وودّ بوسطى الخمس منه لو أنّنا ... رحلنا وقلنا فى المناخ له: نم (٦)

стр. 581

٤٢ مجلس آخر [المجلس الثانى والأربعون: ] تأويل آية [: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ؛ [هود: ٢٠]. فقال: أى معنى الاختصاص «الأرض» بالذكر وهم لا يفوتون الله تعالى ولا يعجزونه، ولا يخرجون عن قبضته على كل حال، وفى كل مكان؟ ولم نفى الأولياء عنهم، وقد نجد أهل الكفر يتولّى بعضهم بعضا وينصرونهم ويحمونهم من المكاره؟ وكيف نفى استطاعتهم للسمع والإبصار، وأكثرهم قد كان يسمع بأذنه ويرى بعينه؟ الجواب، قلنا: أمّا الوجه فى اختصاص الذكر بالأرض، فلأنّ عادة العرب جارية بقولهم للمتوعّد: لا مهرب لك منى، ولا وزر، ولا نفق، والوزر: الجبل، والنّفق: السّرب، وكلّ ذلك مما يلجأ إليه الخائف المطلوب، فكأنه تعالى نفى أن يكون لهؤلاء الكفار عاصم منه، ومانع من عذابه؛ وأن جبال الأرض وسهولها لا تحجز بينهم وبين ما يريد إيقاعه بهم؛ كما أنها تحجز عن كثير من أفعال البشر؛ لأنّ معاقل الأرض هى التى يهرب إليها البشر من المكاره؛ ويلجئون إلى الاعتصام بها عند المخاوف؛ فإذا نفى تعالى أن يكون لهم فى الأرض معقل فقد نفى المعقل من كل وجه. فأما قوله تعالى: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ فمعناه أنه لا ولىّ لهم، ولا ناصر من عذاب الله تعالى وعقابه لهم فى الآخرة؛ ولا مما يريد أيضا إيقاعه بهم فى الدنيا، وإن كان لهم من يحميهم من مكروه البشر وينصرهم ممن أرادهم بسوء؛ وقد يجوز أن يكون ذلك أيضا بمعنى الأمر، وإن كان مخرجه محرج الخبر؛ ويكون التقدير: وليس لهم أن يتخذوا أولياء

стр. 582

من دون الله، بل الواجب أن يرجعوا إليه فى معونتهم ونصرهم، ولا يعوّلوا على غيره. فأما قوله : ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ ففيه وجوه: أحدها أن يكون المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون؛ وبما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون؛ عنادا للحق، وذهابا عن سبيله؛ فأسقط الباء من الكلام، وذلك جائز كما جاز فى قولهم: لأجزينّك بما عملت، ولأجزينّك ما عملت؛ ولأحدثنّك بما عملت، ولأحدثنك ما عملت؛ وكما قال الشاعر: نغالى اللّحم للأضياف نيئا ... ونبذله إذا نضج القدير (١) فأراد: نغالى باللحم. والوجه الثانى أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى، وكراهيتهم (٢) تذكّرها وتفهمها جروا مجرى من لا يستطيع السمع، كما يقول القائل: ما يستطيع فلان أن ينظر لشدّة عداوته إلى فلان، وما يقدر على أن يكلمه؛ وكما نقول لمن عهدنا منه العناد والاستثقال لاستماع الحجج والبينات: ما تستطيع أن تسمع الحق؛ وما تطيق أن يذكر لك؛ وكما قال الأعشى: ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيّها الرّجل [٣]! ونحن نعلم أنه قادر على الوداع؛ وإنما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة والاستثقال. ومعنى: وَما كانُوا يُبْصِرُونَ أى أن إبصارهم لم يكن نافعا لهم؛ ولا مجديا عليهم؛ مع الإعراض عن تأمل آيات الله تعالى وتدبرها؛ فلما انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفى عنهم الإبصار نفسه؛ كما يقال للمعرض عن الحق، العادل عن تأمله: ما لك لا تبصر، ولا تسمع؛ ولا تعقل؟ وما أشبه ذلك.

стр. 583

والوجه الثالث [أن يكون معنى نفى السمع والبصر] (١) راجعا إلى آلهتهم لا إليهم؛ وتقدير الكلام: أولئك وآلهتهم لم يكونوا معجزين فى الأرض، يضاعف لهم العذاب؛ ثم قال مخبرا عن الآلهة: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ، وهذا الوجه يروى (٢) عن ابن عباس رحمة الله عليه، وفيه أدنى بعد. ويمكن فى الآية وجه رابع، وهو أن يكون ما فى قوله تعالى: ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ليست للنفى؛ بل تجرى مجرى قولهم: لأواصلنّك ما لاح نجم؛ ولأقيمنّ على مودتك ما طلعت شمس؛ ويكون المعنى أن العذاب يضاعف لهم فى الآخرة؛ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون؛ أى أنهم معذبون ما كانوا أحياء. فإن قيل: كيف يعبّر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع والإبصار؛ وقد يكون حيا من لا يكون كذلك؟ قلنا: للعرب فى مثل هذا/ عادة؛ لأنهم يقولون: والله لا كلّمت فلانا ما نظرت عينى، ومشت قدمى؛ وهم، يريدون: ما بقيت وحييت؛ لأن الأغلب من أحوال الحىّ أن تنظر عينه، وتمشى قدمه؛ فجعلوا الأغلب كالواجب؛ ومن ذلك قول الشاعر: وما أنس من شيء تقادم عهده ... فلست بناس ما هدت قدمى نعلى عشيّة قالت والدّموع تعينها: (٣) ... هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلى (٤) وإنما أراد: أنّى لا أنسى ذلك ما حييت؛ وكذلك لا يمتنع أن يعلّق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعين للسمع والإبصار؛ ويعود المعنى إلى تعلّقه ببقائهم، وبكونهم أحياء؛ والمرجع فى ذلك إلى التأييد؛ لأنه إذا علّق العذاب ببقائهم وإحيائهم وعلمنا أنّ الآخرة لا موت فيها، ولا خروج عن الحياة، علمنا تأييد العذاب. ***

стр. 584

[عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ] ونعود إلى ما كنا شرعنا فيه من الكلام على شعر مروان؛ فمما يختار له من القصيدة التى مضى أوّلها وتكلمنا عليها: وضعوا الخدود لدى سواهم جنّح ... تشكو كلوم صفاحها وكلالها طلبت أمير المؤمنين فواصلت ... بعد السّرى بغدوّها آصالها نزعت إليك صواديا فتقاذفت ... تطوى الفلاة حزونها ورمالها (١) يتبعن ناجية يهزّ مراحها ... بعد النّحول تليلها وقذالها (٢) هوجاء تدرّع الرّبا وتشقّها ... شقّ الشّموس إذا تراع جلالها (٣) تنجو إذا رفع القطيع كما نجت ... خرجاء بادرت الظلام رئالها (٤) كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى ... كالبرج تملأ رحلها وحبالها هذه الأبيات فى وصف الرّواحل بالسرعة والنّحول، جيّدة الألفاظ، مطردة النسج، وقد سبق الناس فى هذا المعنى إلى ضروب من الإحسان؛ فمن ذلك قول الأخطل: بخوص كأعطال القسىّ تقلقلت ... أجنّتها من شقّة ودءوب (٥)

стр. 585

/ إذا معجل غادرنه عند مبرك (١) ... أتيح لجوّاب الفلاة كسوب - المعجل: الملقى من الأجنّة لغير تمام، وجوّاب الفلاة: الذئب- وهنّ بنا عوج كأنّ عيونها ... بقايا قلات قلّصت لنضوب (٢) مسانيف يطويها مع القيظ والسّرى ... تكاليف طلّاع النّجاد ركوب (٣) قديم ترى الأصواء فيه كأنّها ... رجال قيام عصّبوا بسبوب (٤) يعمن بنا عوم السّفين إذا انجلت ... سحابة وضّاح السّراب جنوب (٥) وقال مسلم بن الوليد الأنصارىّ: إلى الإمام تهادانا بأرحلنا ... خلق من الرّيح فى أشباح ظلمان (٦) كأنّ إفلاتها والفجر يأخذها ... إفلات صادرة عن قوس حسبان (٧) وقال بشار: وإذا المطىّ سبحن فى أعطافه ... فات المطىّ بكاهل وتليل (٨)

стр. 586

فكأنّه والناعجات (١) يردنه ... قدح تطلّع من قداح مجيل ولبعض الحارثيين: تهش الهجائر والظّهائر لحمها ... حتى تخدّد لحمها المتضابر (٢) حرف تناهبها النّجاء قلائص ... ممّا تنخّل (٣) شدقم أو داعر (٤) صبر إذا عطفت سوالفها البرى ... سمعت لهنّ كشاكش وجراجر (٥) ويخلن من عزّ النفوس وجدّها (٦) ... جنّا، وهنّ إذا اختبرن أباعر أمّا إذا ما أقبلت فكأنّها ... ذعر تهادتها الفلاة نوافر (٧) أما إذا ما أعرضت فكأنّها ... كدر توردن النّطاف صوادر (٨) أما إذا ما أبركت فكأنّها ... صرح مشيّدة وهنّ ضوامر (٩) ***/ وإنى لأستحسن قول بشامة بن الغدير فى وصف الناقة بالسرعة (١٠):

стр. 587

كأنّ يديها إذا أرقلت ... وقد جرن ثمّ اهتدين السّبيلا (١) يدا سابح خرّ فى غمرة ... وقد شارف الموت إلا قليلا (٢) إذا أقبلت قلت مشحونة ... أطاعت لها الرّيح قلعا جفولا (٣) وإن أدبرت قلت مذعورة ... من الرّبد تتبع هيقا ذمولا (٤) ومعنى قوله: * وقد جرن ثم اهتدين السبيلا* يعنى المطايا؛ يقول: كن نشيطات يمرحن فلا يلزمن لقم (٥) الطّريق؛ بل يأخذن يمينا وشمالا؛ فلما عضّهن الكلال استقمن على المحجة، فكأنه وصف ناقته ببقاء النشاط مع كلال المطىّ؛ وكنى عن الكلال بلزوم جادة الطريق بعد تنكّبها وهذه كناية فصيحة مليحة. ومثله قول الآخر: كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها ... يدا سابح فى غمرة يتذرّع (٦) ومما يشاكل هذا المعنى ويقاربه قول الشماخ: كأنّ ذراعيها ذراعا مدلّة ... بعيد السّباب حاولت أن تعذّرا (٧) ممجّدة الأعراق قال ابن ضرّة ... عليها كلاما جار فيه وأهجرا

стр. 588

شبّه ذراعيها وهى تتذرع فى مشيها (١) بذراعى امرأة مدلّة على أهلها ببراءة ساحتها، وقد حكى عنها ابن ضرتها كلاما أهجر فيه؛ أى أفحش، فهى ترفع يديها وتضعهما تعتذر وتحلف وتنضح عن نفسها. وقد قيل إن معنى قوله: «مدلّة» أنها تدلّ بحسن ذراعيها، فهى تدمن إظهارهما لترى (٢) حسنهما. وقوله: «بعيد السّباب» أى فى عقيب المسابّة قامت تعتذر إلى الناس؛ وقوم يروونه «بعيد الشباب»؛ ومعنى هذه الرواية أنها نصف من النساء، فهى أقوم بحجتها من الحدثة الغرّة؛ ويشهد لهذه الرّواية الأخيرة قول الآخر: كأنّ يديها حين يقلق ضفرها ... يدا نصف غيرى تعذّر من جرم (٣) و/ قوله: «حين يقلق ضفرها» فيه سرّ وفائدة؛ لأنّ الضّفر هو الأنساع (٤)؛ وإنما تقلق إذا جهدها السير فضمرت، فكأنه وصفها بالتذرّع والنشاط مع الجهد والكلال؛ ومثله: كأنّ ذراعيها ذراعا بذيّة ... مفجّعة لاقت ضرائر عن عفر (٥) سمعن لها واستعجلت فى كلامها ... فلا شيء يفرى باليدين كما تفرى (٦) ويقاربه قول الآخر: ألا هل تبلغنّيهم ... على اللّأواء والظّنّه وآة لحصى المعزا ... ء فى أخفافها رنّه (٧) إذا ما عسفت قلت ... حماة فاضحت كنّه (٨)

стр. 589

وممن شبه سرعة أيدى الإبل بأيدى النوائح كعب بن زهير فقال (١): كأنّ أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفّع بالقور العساقيل (٢) وقال للقوم حاديهم وقد جعلت ... أرق الجنادب يركضن الحصى: قيلوا (٣) شدّ النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل (٤) نوّاحة رخوة الضّبعين ليس لها ... لمّا نعى بكرها النّاعون معقول (٥) العساقيل: أوائل السّراب؛ ولا واحد لها من لفظها. وأخبر أنّ ناقته فى شدّة الحر واتقاد الظهيرة تمرح فى سيرها وتتذرع بيديها؛ وشبه ذراعيها بذراعى امرأة نصف تنوح على ابنها، وقد نعى إليها؛ فهى تشير بيديها وتوالى تحريكهما. والعيطل: الطويلة العنق، وجعلها نصفا لأنها قد كادت تيأس من الولد فهى أشد لحزنها على ابنها وتفجّعها عليه، والقور: جمع قارة وهى ما ارتفع واستدار من الرمل؛ وأراد أن يقول: كما تلفعت القور بالعساقيل، فلم يمكنه فقلب.

стр. 590

ومثله: وكأنّما رفعت يدى نوّاحة ... شمطاء قامت غير ذات خمار / وإنما خص الشّمطاء لما ذكرناه من اليأس من الولد، كما قال عمرو بن كلثوم: ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلّا جنينا (١) وقد قيل فى بيت عمرو: بل شبّه الناقة بشمطاء، لما على رأسها من اللّغام (٢). ومثل ما تقدم من المعانى قول الشاعر: يا ليت شعرى والمنى لا تنفع! ... هل أغدون يوما وأمرى مجمع! وتحت رحلى زفيان ميلع ... كأنّها نائحة تفجّع تبكى لميت وسواها الموجع - الزّفيان: الناقة الخفيفة، والمليع: السريعة؛ وشبّه رجع يديها فى السير لنشاطها بيدى نائحة تنوح لقوم على ميّتهم بأجرة، فهى تزيد فى الإشارة بيديها ليرى مكانها. ومثله بعينه قول ذى الرمة: مجانيق تضحى وهى عوج كأنها ... بجوز الفلا مستأجرات نوائح (٣)

стр. 591

المجانيق: التى ضمرن بعد سمن؛ وخصّ المستأجرات من النوائح للمعنى الّذي ذكرناه. وقال الشماخ فيما يقارب هذا المعنى: كأنّ أوب يديها حين أعجلها ... أوب المراح وقد نادوا بترحال مقط الكرين على مكنوسة زلق ... فى ظهر حنّانة النّيرين مغوال - معنى: «أوب ذراعيها» أى رجعهما- وأوب المراح، إذا أراح القوم عازب أموالهم ليرحلوا، وقد روى: «أوب المراح» بالكسر؛ ومعناه رجع المراح والنشاط. والمقط: اللعب بالكرة. والكرين: جمع كرة. والمنكوسة: الأرض البراح التى لا شيء فيها. والزّلق: المستوية من الأرض. والحنانة: الريح. والنيران: جانبا هذه الأرض. ومغوال، قيل: إنه من صفات الريح؛ وقيل: من صفات الأرض؛ وإن كان من صفات الريح فمعناه أنّ الريح تغول الأرض بأسرها؛ أى تملؤها، وإذا كان للأرض فالمعنى أنها تغول من سلكها أى تهلكه؛ وتلخيص معنى البيت أنه شبه يدى ناقته بيدى ضارب/ بكرة فى أرض واسعة فى يوم ريح عاصف؛ وهذا من دقيق المعانى وحسن التشبيه والمبالغة. ومثل بيتى الشماخ قول المسيّب بن علس (١): مرحت يداها للنّجاء كأنّما ... تكرو بكفّى ماقط فى قاع (٢) فعل السّريعة بادرت جدّادها ... قبل المساء تهمّ بالإسراع

стр. 592

معنى: «تكرو» أى كأنها تلاعب بكرة. والسريعة، يعنى نسّاجة. والجدّاد: الغزل الضعيف، فأراد أنها تسرع الضرب بالحفّ (١) والنسج قبل المساء؛ وما دامت تبصر؛ فشبّه يدى ناقته فى تذرّ عنها بيدى هذه النساجة. وقال الأصمعىّ الجدّاد: هدب الثوب؛ فيعنى أن هذه النساجة قد قاربت الفراغ من الثوب، وبلغت إلى هدبه؛ فهى تبادر لتفرغ منه قبل المساء. وقريب منه قول الآخر: كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق (٢) ... أيدى جوار (٣) يتعاطين الورق فالقرق الخشن الّذي فيه الحصى؛ وشبّه خذف (٤) مناسمهنّ (٥) له بخذف جوار يلعبن بدراهم، وخصّ الجوارى لأنهن أخفّ يدا من النساء. وقال آخرون: القرق هاهنا: المستوى من الأرض، الواسع؛ وإنما خصّ بالوصف لأن أيدى الإبل إذا أسرعت فى المستوى فهو أحمد لها؛ وإذا أبطأت فى غيره فهو أحمد لها. ومن أحسن ما قيل فى الإسراع قول المرّار بن سعيد: فتناولوا شعب الرّحال فقلّصت ... سود البطون كفضلة المتنمّس ذكر قوما سفرا هبّوا من رقدتهم إلى رحالهم ليسيروا؛ ويعنى بسود البطون الإبل؛ والمتنمّس: الصائد الذق اتخذ ناموسا، وهو ما يستتر به ليختل الصيد، فشبه المطايا فى سرعتها يقطا قد صاد الصائد بعضها، وأفلت بعضها؛ فهنّ يطرن طيرانا شديدا. ومثل هذا- وإن كان فى صفة الخيل- قول النابغة:

стр. 593

* كالطّير تنجو من الشّؤبوب ذى البرد* (١) وأما قول مروان: ... يهزّ مراحها ... بعد النّحول تليلها وقذالها فقد مضى من وصف المطايا بالنشاط بعد السآمة والجهد ما مضى. وأحسن من قول مروان/ وأشدّ إفصاحا بالمعنى وإعرابا عنه قول الهذلىّ: ومن سيرها العنق المسبط ... رّ والعجرفيّة بعد الكلال (٢) وإنما كان هذا أحسن لأنه صريح بنشاطها بعد كلالها. وقول مروان: «بعد النحول» لا يجرى هذا المجرى؛ لأن النحول قد يكون عن جهد السفر والتعب، ويكون عن غيره. وأما قوله: * كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى* فقد أكثرت العرب فى وصف المطايا بالنحول وتشبيهها بالقسىّ وغيرها؛ وقد أحسن كثيّر فى قوله: نفى السير عنها كلّ داء إقامة ... فهنّ رذايا بالطّريق ترائك (٣) وحمّلت الحاجات خوصا كأنّها ... - وقد ضمرت- صفر القسىّ العواتك (٤) وقال سلم بن عمرو الخاسر (٥): وكأنّهنّ من الكلال أهلّة ... أو مثلهنّ عطائف الأقواس (٦)

стр. 594

قود طواها ما طوت من مهمه ... نائى الصّوى ومناهج أدراس (١) وقال أبو تمام يصف ناقة: أتينا القادسيّة وهى ترنو ... إلى بعين شيطان رجيم (٢) فما بلغت بنا عسفان حتّى ... رنت بلحاظ لقمان الحكيم وبدّلها السّرى بالجهل حلما ... وقد أديمها قد الأديم أذاب سنامها قطع الفيافى ... ومزّق جلدها نضح العصيم (٣) بدت كالبدر وافى ليل سعد ... وآبت مثل عرجون قديم وقال البحترىّ: وخدان القلاص حولا إذا قا ... بلن حولا من أنجم الأسحار (٤) يترقرقن كالسّراب وقد خض ... ن غمارا من السّراب الجارى / كالقسىّ المعطّلات، بل الأس ... هم مبريّة، بل الأوتار

стр. 595

وله أيضا: وهى العيس، دهرها فى ارتحال ... من حلول، أو فرقة من جميع (١) ربّ مرت مرّت تجاذب قطري ... هـ سرابا كالمنهل المشروع (٢) وسرى تنتحيه بالوخد حتّى ... تصدع اللّيل عن بياض الصّديع (٣) كالبرى فى البرى ويحسبن أحيا ... نا نسوعا مجدولة فى نسوع (٤)

стр. 596

٤٣ مجلس آخر [المجلس الثالث والأربعون: ] تأويل آية [: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ص: ٧٥]. فقال: كيف أضاف إلى نفسه اليد؛ وهو ممن يتعالى عن الجوارح؟ الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه: أوّلها أن يكون قوله تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ جاريا مجرى قوله: «لما خلقت أنا»، وذلك مشهور فى لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك؛ وما جرّت عليك يداك؛ وإذا أرادوا نفى الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضّرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشى قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده؛ وكذلك فى الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح فى الحقيقة؛ بل الفائدة فيه النفى عن الفاعل. وثانيها أن يكون معنى اليد هاهنا النعمة، ولا إشكال فى أن أحد محتملات لفظة اليد النعمة. فأما الوجه فى تثنيتها فقد قيل فيه إن المراد نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فكأنه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت لنعمتى؛ وأراد بالباء اللام. وثالثها أن يكون معنى اليد هاهنا القدرة؛ وذلك أيضا من محتملات اللفظة؛ يقول القائل: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان، وما يجرى مجرى ذلك؛ والمعنى: أننى لا أقدر عليه ولا أطيقه؛ وليس المراد بذلك إثبات قدرة على الحقيقة؛ بل إثبات كون القادر قادرا، ونفى

стр. 597

كونه قادرا، فكأنه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت وأنا قادر على خلقه؛ فعبّر عن كونه قادرا بلفظ اليد الّذي هو عبارة عن القدرة؛ وكلّ ذلك واضح فى تأويل الآية. *** [عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ] ونعود إلى ما كنا ابتدأناه من/ الكلام على شعر مروان. فمن قصيدته التى تقدم بعضها ووقع الكلام عليه مما يختار قوله: أحيا أمير المؤمنين محمّد ... سنن النبىّ حرامها وحلالها ملك تفرّع نبعة من هاشم ... مدّ الإله على الأنام ظلالها جبل لأمّته تلوذ بركنه ... رادى جبال عدوّها فأزالها (١) لم تغشها ممّا تخاف عظيمة ... إلّا أجال لها الأمور مجالها حتى يفرّجها أغرّ مبارك (٢) ... ألفى أباه مفرّجا أمثالها ثبت على زلل الحوادث راكب ... من صرفهنّ لكلّ حال حالها (٣) كلتا يديك جعلت فضل نوالها ... للمسلمين، وفى العدوّ وبالها (٤) وقعت مواقعها بعفوك أنفس ... أذهبت بعد مخافة أوجالها أمّنت غير معاقب طرّادها ... وفككت من أسرائها أغلالها ونصبت نفسك خير نفس دونها ... وجعلت مالك واقيا أموالها (٥) أما قوله: أحيا أمير المؤمنين محمد ... سنن النبىّ حرامها وحلالها فقد عابه عليه بعض من لا معرفة له بنقد الشعر فقال: كيف يكون فى سنن النبىّ عليه

стр. 598

السلام حرام! وما ذلك بمعيب؛ لأنه أراد بقوله: «حلالها وحرامها» التحليل والتحريم؛ ومن سنته تحريم الحرام، وتحليل الحلال؛ وإنما المعيب من هذا قول ابن الرّقاع العاملىّ: ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها وفسادها (١) ومثل قول مروان قول سلم الخاسر: ولما وليت ذكرت النبىّ ... بتحليله وبتحريمه فأما قوله: * حتى يفرّجها أغرّ مبارك* ... البيت فكثير جدا للمتقدمين والمحدثين؛ والأصل فيه قول زهير: وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل (٢) وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى منابتها النّخل! (٣) ومثله قول الآخر: / وحمزة والعبّاس منهم ومنهم ... عقيل، وماء العود من حيث يعصر (٤) ومثله للرّبيع بن أبى الحقيق اليهودىّ: إذ مات منّا سيّد قام بعده ... له خلف يكفى السّيادة بارع

стр. 599

من أبنائه والعرق ينصر فرعه ... على أصله، والعرق للعرق نازع (١) ومثله له: ترجو الغلام وقد أعياك والده ... وفى أرومته ما ينبت العود وأخذ هذا المعنى وبعض اللفظ الكميت فقال: تجرى أصاغرهم مجرى أكابرهم ... وفى أرومته ما ينبت الشّجر ومن هذا المعنى قول عبيد الله بن قيس الرّقيات: يخلفك البيض من بنيك كما ... يخلف عود النّضار فى شعبه (٢) ومنه قول نهشل بن حرّىّ: أرى كلّ عود نابتا فى أرومة ... أبى نسب العيدان أن يتغيّرا (٣) بنو الصّالحين الصالحون ومن يكن ... لوالد سوء يلقه حيث سيّرا (٤) ومثله لمسلم بن الوليد الأنصارىّ: ألحّ على الأيّام يفرى خطوبها ... على منهج ألفى أباه به قبل (٥) ولبشار: * على أعراقها تجرى الجياد*

стр. 600

ومثله: وما فىّ من خير وشرّ فإنها ... سجيّة آبائى وفعل جدودى هم القوم فرعى منهم متفرّع ... وعودهم عند الحوادث عودى وللبحترىّ: وإذا أبو الفضل استعار سجيّة ... للمكرمات فمن أبى يعقوب (١) شرف تتابع كابرا عن كابر ... كالرّمح أنبوبا على أنبوب وأرى النّجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب / وله أيضا: ما سعوا يخلفون غير أبيهم ... كلّ ساع منّا يريد نصابه (٢) وله أيضا: وما تابع فى المجد نهج عدوّه ... كمتّبع فى المجد نهج أبيه (٣) وفى هذه القصيدة يقول مروان: هل تعلمون خليفة من قبله ... أجرى لغايته التى أجرى لها طلع الدّروب مشمّرا عن ساقه ... بالخيل منصلتا يجدّ نعالها (٤) قودا تريع إلى أغرّ لوجهه ... نور يضيء أمامها وخلالها (٥) قصرت حمائله عليه فقلّصت ... ولقد تحفّظ قينها فأطالها حتّى إذا وردت أوائل خيله ... جيحان بثّ على العدوّ رعالها (٦)
следующие страницы →