٤٣ مجلس آخر [المجلس الثالث والأربعون: ]
تأويل آية [: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ... ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [ص: ٧٥].
فقال: كيف أضاف إلى نفسه اليد؛ وهو ممن يتعالى عن الجوارح؟
الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه:
أوّلها أن يكون قوله تعالى: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ جاريا مجرى قوله: «لما خلقت أنا»، وذلك مشهور فى لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك؛ وما جرّت عليك يداك؛ وإذا أرادوا نفى الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضّرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشى قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده؛ وكذلك فى الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح فى الحقيقة؛ بل الفائدة فيه النفى عن الفاعل.
وثانيها أن يكون معنى اليد هاهنا النعمة، ولا إشكال فى أن أحد محتملات لفظة اليد النعمة.
فأما الوجه فى تثنيتها فقد قيل فيه إن المراد نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فكأنه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت لنعمتى؛ وأراد بالباء اللام.
وثالثها أن يكون معنى اليد هاهنا القدرة؛ وذلك أيضا من محتملات اللفظة؛ يقول القائل: ما لي بهذا الأمر يد ولا يدان، وما يجرى مجرى ذلك؛ والمعنى: أننى لا أقدر عليه ولا أطيقه؛ وليس المراد بذلك إثبات قدرة على الحقيقة؛ بل إثبات كون القادر قادرا، ونفى
стр. 597
كونه قادرا، فكأنه تعالى قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت وأنا قادر على خلقه؛ فعبّر عن كونه قادرا بلفظ اليد الّذي هو عبارة عن القدرة؛ وكلّ ذلك واضح فى تأويل الآية.
*** [عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ]
ونعود إلى ما كنا ابتدأناه من/ الكلام على شعر مروان.
فمن قصيدته التى تقدم بعضها ووقع الكلام عليه مما يختار قوله:
أحيا أمير المؤمنين محمّد ... سنن النبىّ حرامها وحلالها
ملك تفرّع نبعة من هاشم ... مدّ الإله على الأنام ظلالها
جبل لأمّته تلوذ بركنه ... رادى جبال عدوّها فأزالها (١)
لم تغشها ممّا تخاف عظيمة ... إلّا أجال لها الأمور مجالها
حتى يفرّجها أغرّ مبارك (٢) ... ألفى أباه مفرّجا أمثالها
ثبت على زلل الحوادث راكب ... من صرفهنّ لكلّ حال حالها (٣)
كلتا يديك جعلت فضل نوالها ... للمسلمين، وفى العدوّ وبالها (٤)
وقعت مواقعها بعفوك أنفس ... أذهبت بعد مخافة أوجالها
أمّنت غير معاقب طرّادها ... وفككت من أسرائها أغلالها
ونصبت نفسك خير نفس دونها ... وجعلت مالك واقيا أموالها (٥)
أما قوله:
أحيا أمير المؤمنين محمد ... سنن النبىّ حرامها وحلالها
فقد عابه عليه بعض من لا معرفة له بنقد الشعر فقال: كيف يكون فى سنن النبىّ عليه
стр. 598
السلام حرام! وما ذلك بمعيب؛ لأنه أراد بقوله: «حلالها وحرامها» التحليل والتحريم؛ ومن سنته تحريم الحرام، وتحليل الحلال؛ وإنما المعيب من هذا قول ابن الرّقاع العاملىّ:
ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها وفسادها (١)
ومثل قول مروان قول سلم الخاسر:
ولما وليت ذكرت النبىّ ... بتحليله وبتحريمه
فأما قوله:
* حتى يفرّجها أغرّ مبارك* ... البيت
فكثير جدا للمتقدمين والمحدثين؛ والأصل فيه قول زهير:
وما كان من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل (٢)
وهل ينبت الخطّىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى منابتها النّخل! (٣)
ومثله قول الآخر:
/ وحمزة والعبّاس منهم ومنهم ... عقيل، وماء العود من حيث يعصر (٤)
ومثله للرّبيع بن أبى الحقيق اليهودىّ:
إذ مات منّا سيّد قام بعده ... له خلف يكفى السّيادة بارع
стр. 599
من أبنائه والعرق ينصر فرعه ... على أصله، والعرق للعرق نازع (١)
ومثله له:
ترجو الغلام وقد أعياك والده ... وفى أرومته ما ينبت العود
وأخذ هذا المعنى وبعض اللفظ الكميت فقال:
تجرى أصاغرهم مجرى أكابرهم ... وفى أرومته ما ينبت الشّجر
ومن هذا المعنى قول عبيد الله بن قيس الرّقيات:
يخلفك البيض من بنيك كما ... يخلف عود النّضار فى شعبه (٢)
ومنه قول نهشل بن حرّىّ:
أرى كلّ عود نابتا فى أرومة ... أبى نسب العيدان أن يتغيّرا (٣)
بنو الصّالحين الصالحون ومن يكن ... لوالد سوء يلقه حيث سيّرا (٤)
ومثله لمسلم بن الوليد الأنصارىّ:
ألحّ على الأيّام يفرى خطوبها ... على منهج ألفى أباه به قبل (٥)
ولبشار:
* على أعراقها تجرى الجياد*
стр. 600
ومثله:
وما فىّ من خير وشرّ فإنها ... سجيّة آبائى وفعل جدودى
هم القوم فرعى منهم متفرّع ... وعودهم عند الحوادث عودى
وللبحترىّ:
وإذا أبو الفضل استعار سجيّة ... للمكرمات فمن أبى يعقوب (١)
شرف تتابع كابرا عن كابر ... كالرّمح أنبوبا على أنبوب
وأرى النّجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب
/ وله أيضا:
ما سعوا يخلفون غير أبيهم ... كلّ ساع منّا يريد نصابه (٢)
وله أيضا:
وما تابع فى المجد نهج عدوّه ... كمتّبع فى المجد نهج أبيه (٣)
وفى هذه القصيدة يقول مروان:
هل تعلمون خليفة من قبله ... أجرى لغايته التى أجرى لها
طلع الدّروب مشمّرا عن ساقه ... بالخيل منصلتا يجدّ نعالها (٤)
قودا تريع إلى أغرّ لوجهه ... نور يضيء أمامها وخلالها (٥)
قصرت حمائله عليه فقلّصت ... ولقد تحفّظ قينها فأطالها
حتّى إذا وردت أوائل خيله ... جيحان بثّ على العدوّ رعالها (٦)
стр. 601
أحمى بلاد المسلمين عليهم ... وأباح سهل بلادهم وجبالها
أدمت دوابر خيله وشكيمها ... غاراتهنّ وألحقت آطالها (١)
لم تبق بعد (٢) مقادها وطرادها ... إلّا نحائزها وإلّا آلها (٣)
رفع الخليفة ناظريّ وراشنى ... بيد مباركة شكرت نوالها
وحسدت حتى قيل أصبح باغيا ... فى المشى مترف شيمة مختالها (٤)
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى ... نعلا ورثت عن النبىّ مثالها (٥)
أما قوله: «قصرت حمائله» فالأصل فيه قول عنترة:
بطل كأنّ ثيابه فى سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم (٦)
أو قول الأعشى:
إلى ماجد كهلال السّما ... ء أزكى وفاء ومجدا وخيرا (٧)
طويل النّجاد، رفيع العمى ... د، يحمى المضاف، ويغنى الفقيرا (٨)
/ ومثله:
طويل نجاد السّيف عار جبينه ... كنصل اليمانى أخلصته صياقله
إذا همّ بالمعروف لم تجر طيره ... نحوسا، ولم تسبق نداه عواذله
стр. 602
ومثله قول طريح بن إسماعيل الثّقفىّ:
وأشعث طلّاع الثنايا مبارك ... يغول نجاد السّيف وهو طويل (١)
ولأبى جويرية العبدىّ:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنّه ... بأعلى سنامى فالج يتطوّح
إذا اهتزّ فى البرد اليمانىّ خلته ... هلالا بدا فى جانب الأفق يلمح
ولأبى عطاء السّندىّ:
وأزهر من بنى عمرو بن عمرو ... حمائله وإن طالت قصار
ولبعضهم فى آل المهلب:
رأيتكم أعزّ الناس جارا ... وأمنعهم إذا عدّوا ذمارا (٢)
حمائلكم وإن كانت طوالا ... نراها عن شمائلكم قصارا
ولبعض بنى العنبر فى معنى الطول:
فجاءت به عبل العظام كأنّما ... عمامته بين الرّجال لواء (٣)
ولآخر:
أشمّ طويل السّاعدين كأنّما ... تناط إلى جذع طويل حمائله (٤)
ولابن هرمة:
تناط حمائل الهندىّ منه ... بعاتق، لا ألفّ ولا ضئيل
ولكن تستقلّ به قواه ... على ماض بقائمه نبيل
стр. 603
ولسلم الخاسر:
يقوم مع الرّمح الرّدينىّ قائما ... ويقصر عنه طول كلّ نجاد
وللخثعمىّ:
يوازى الرّدينىّ فى طوله ... ويقصر عنه نجاد الحسام
وللوالبىّ:
طول وطول فترى كفّه ... ينهلّ بالطّول انهلال الغمام
وطوله يغتال يوم الوغى ... وغيره فضل نجاد الحسام
فأما قوله:
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى ... نعلا ورثت عن النبىّ مثالها
فقد ردّد مروان معناه فى مواضع من شعره فقال:
شبيه أبيه منظرا وخليقة ... كما حذيت يوما على أختها النّعل
وقال فى موضع آخر:
أحيا لنا سنن النبىّ سميّه (١) ... قد الشّراك به قرنت شراكا (٢)
وقال أيضا:
صحيح الضّمير، سرّه مثل جهره ... قياس الشّراك بالشّراك تقابله
وقال أيضا:
تشابهتما حلما وعدلا ونائلا ... وحزما إذا أمر أقام وأقعدا
تنازعتما نفسين؛ هذى كهذه ... على أصل عرق كان أفخر متلدا
كما قاس نعلا حضرمىّ فقدّها ... على أختها لم يأل أن يتجوّدا
стр. 604
وأخذ هذا المعنى أبو نواس فقال:
تنازع الأحمدان الشّبه فاتّفقا ... خلقا وخلقا كما قد الشّراكان (١)
والأصل فى هذا قول ابن أبى ربيعة:
فلما تواقفنا عرفت الّذي بها ... كمثل الّذي بى، حذوك النّعل بالنّعل (٢)
ومثله للسّيد بن محمد الحميرىّ رحمه الله تعالى:
يتلون أخلاق النبىّ وفعله ... فالنّعل تشبه فى المثال طراقها (٣)
وقد تقدّم إلى هذا المعنى يزيد بن المكسّر بن ثعلبة بن سيّار العجلىّ بقوله فى يوم ذى قار، يحرض قومه على القتال:
من فرّ منكم فرّ عن حريمه (٤) ... وجاره، وفرّ عن نديمه
/ أنا ابن سيّار على شكيمه (٥) ... مثل الشّراك قد من أديمه
* وكلّهم يجرى على قديمه*
فأما قوله:
* وحسدت حتى قيل أصبح باغيا* ... البيت
ففى معناه قول البحترىّ:
ألنت لى الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لى دهرى المسيء فأعتبا (٦)
وألبستنى النّعمى التى غيّرت أخى ... عليّ فأمسى نازح الودّ أجنبا
*** ومما يختار لمروان قوله:
стр. 605
موفّق لسبيل الرّشد متّبع ... يزينه كلّ ما يأتى ويجتنب
تسمو العيون إليه كلّما انفرجت ... للناس عن وجهه الأبواب والحجب
له خلائق بيض لا يغيّرها ... صرف الزّمان كما لا يصدأ الذّهب
ووجدت بعض من ينتقد (١) الشعر يقول: ليس فى شعر مروان بيت يتمثل به غير هذا البيت الأخير من الثلاثة الأبيات. وكأن ابن مناذر (٢) إياه أراد بقوله، وقد سأل وهو مجاور بمكة:
عمن ببغداذ من الشعراء؟ فقيل له: العباس بن الأحنف؛ فقال: أنشدونى له، فأنشدوه:
لو كنت عاتبة لسكّن عبرتى ... أملى رضاك، وزرت غير مراقب (٣)
لكن مللت فلم تكن لى حيلة، ... صدّ الملول خلاف صدّ العاتب (٤)
فقال ابن مناذر: أخلق بمن أدام بحث التراب أن يصيب خرزة.
قال سيدنا أدام الله تمكينه: ولا شك فى قلة الأمثال فى شعر مروان؛ ولكن ليس إلى هذا الحد؛ وهذا المعنى الّذي قد تضمنه البيت قد سبق إليه أيضا، قال طريح بن إسماعيل:
جواد إذا جئته راجيا ... كفاك السؤال وإن عدت عادا
خلائقه كسبيك النّضا ... ر لا يعمل الدّهر فيها فسادا
ومثله قول الخريمىّ:
/ رأيتك يا زيد زيد النّدى ... وزيد الفخار وزيد الكرم
تزيد على نائبات الخطو ... ب بذلا وفى سابغات النّعم
كذا الخمر والذّهب المعدنىّ ... يجوّد هذا وذاك القدم
وفى قوله: «الذّهب المعدنىّ» فائدة؛ لأنه إذا خلص الذهب وصفا لم يفسد؛ وإذا امتزج
стр. 606
بغيره لم يكن هذا حكمه؛ ومثله للأموىّ (١):
يأوى إلى خلق لم يصده طبع ... كأنّ جوهره من جوهر الذّهب
ولبعضهم:
ملك له خلق خليق بالعلا ... كسبيكة الذّهب التى لا تكلف (٢)
وقد أخذ الخبز أرزىّ هذا المعنى فى قوله:
فلا تعنّ لتحذيف تكلّفه ... لصورة حسنها الأصليّ تكفيها
إنّ الدّنانير لا تجلى وإن عتقت ... ولا تزاد على النّقش الّذي فيها
ولجحظة مثله:
صديق لى له أدب ... صداقة مثله حسب
رعى لى فوق ما يرعى ... وأوجب فوق ما يجب
ولو نقدت خلائقه ... لبهرج عندها الذّهب
стр. 607
٤٤ مجلس آخر [المجلس الرابع والأربعون: ]
تأويل آية [: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ ... ]
إن سائل سائل عن قوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً؛ [الإسراء: ٤٧].
فقال: لم وحّد نَجْوى وهو خبر عن جمع؟ وما معنى مَسْحُوراً وما جرت عادة مشركى العرب بوصف رسول الله
صلى الله عليه وآله بذلك، بل عادتهم جارية بقرفه بأنه ساحر؟
الجواب، قلنا: أما قوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى فإن «نجوى» مصدر يوصف به الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، وهو مقرّ على لفظه. وبجرى ذلك مجرى/ قولهم: الرجال صوم، والمنازل حمد، يعنى بصوم صائمون، وبحمد محمودون.
وقد قال قوم: إن معناه: وإذ هم أصحاب نجوى، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويقال: القوم نجىّ والقوم أنجية، فمن وحّد بنى على مذهب المصدر، ومن جمع جعله منقولا عن المصادر، ملحقا برغيف وأرغفة، وما أشبه ذلك.
وقد قال الشاعر (١):
أتانى نجيّى بعد هدء ورقدة ... ولم أك فيما قد بلوت بكاذب (٢)
стр. 608
وأنشد الفراء فى الجمع:
ظلّت نساؤهم والقوم أنجية ... يعدى إليها كما يعدى على الغنم (١)
فأما قوله تعالى: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ففيه وجوه:
أوّلها أن يكون المراد: إن تتبعون إلا رجلا متغيّر العقل؛ لأن المشركين كان من مذهبهم عيب النبي صلى الله عليه وآله، وتضعيف أمره وتوهين رأيه، وكانوا فى وقت ينسبونه إلى أنه ساحر، وفى آخر يرمونه بالجنون، وأنه مسحور مغيّر العقل (٢)، وربما قذفوه بأنه شاعر حوشىّ من ذلك كلّه. وقد جرت عادة الناس أن يصفوا من يضيفونه إلى البله والغفلة وقلة التحصيل بأنه مسحور.
وثانيها أن يريدوا بالمسحور المخدوع المعلّل؛ لأن ذلك أحد ما يستعمل فيه هذه اللفظة، قال امرؤ القيس:
أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطّعام وبالشّراب (٣)
وقال أمية بن أبى الصلت:
فإن تسألينا فيم نحن فإنّنا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر (٤)
стр. 609
وثالثها أن السّحر فى لغة العرب الرّئة وما تعلق بها، فيها ثلاث لغات: سحر وسحر وسحر، وقيل السّحر ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى الجوف؛ وقيل إنه الكبد؛ فكأنّ المعنى على هذا: إن تتبعون إلا رجلا ذا سحر؛ خلقه الله بشرا كخلقكم.
ورابعها أن يكون معنى مسحور أى ساحر، وقد جاء لفظ مفعول بمعنى فاعل؛ قال الله تعالى: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ/ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً؛ [الإسراء: ٤٥]، أى ساترا، والعرب تقول للمعسر: ملفج، ومعناه ملفج؛ لأن ماضيه ألفج (١)، فجاءوا بلفظ المفعول وهو الفاعل؛ ومن ذلك قولهم: فلان مشئوم على فلان وميمون؛ وهم يريدون شائم له ويأمن؛ لأنه من شأمهم (٢) ويمنهم.
ورأيت بعض العلماء يطعن على هذا الاستشهاد الأخير فيقول: العرب لا تعرف «فلان مشئوم على فلان»؛ وإنما هذا من كلام أهل الأمصار؛ وإنما تسمى العرب من لحقه الشؤم مشئوما؛ قال علقمة بن عبدة:
ومن تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بدّ مشئوم (٣)
والوجوه الثلاثة الأول أوضح وأشبه.
*** [عود إلى المختار من شعر مروان بن أبى حفصة: ]
ومما يختار لمروان بن أبى حفصة قوله من قصيدة يمدح بها معن بن زائدة الشيبانىّ، أولها:
أرى القلب أمسى بالأوانس مولعا ... وإن كان من عهد الصّبا قد تمتّعا (٤)
يقول فيها:
ولمّا سرى الهمّ الغريب قريته ... قرى من أزال الشكّ عنه وأزمعا
стр. 610
عزمت فعجّلت الرّحيل ولم أكن ... كذى لوثة لا يطلع الهمّ مطلعا
فأمّت ركابى أرض معن ولم تزل ... إلى أرض معن حيثما كان نزّعا (١)
نجائب لولا أنها سخّرت لنا ... أبت عزّة من جهلها أن توزّعا
كسونا رحال الميس منها غواربا ... تدارك فيها النّىّ صيفا ومربعا (٢)
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت ... ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا (٣)
وما الغيث إذ عمّ البلاد بصوبه ... على الناس من معروف معن بأوسعا
يقول فيها:
تدارك معن قبّة الدّين بعد ما ... خشينا على أوتادها أن تنزّعا
أقام على الثّغر المخوف، وهاشم ... تساقى سماما بالأسنّة منقعا
مقام امرئ يأبى سوى الخطّة التى ... تكون لدى غبّ الأحاديث أرفعا
وما أحجم الأعداء عنك بقيّة ... عليك؛ ولكن لم يروا فيك مطمعا
رأوا مخدرا قد جرّبوه وعاينوا ... لدى غيله منهم مجرّا ومصرعا (٤)
/ وليس بثانيه إذا شدّ أن يرى ... لدى نحره زرق الأسنّة شرّعا
له راحتان: الحتف والغيث فيهما ... أبى الله إلّا أن تضرّا وتنفعا
لقد دوّخ الأعداء معن فأصبحوا ... وأمنعهم لا يدفع الذّلّ مدفعا
نجيب مناجيب وسيّد سادة ... ذرا المجد من فرعى نزار تفرّعا
لبانت خصال الخير فيه وأكملت ... وما كملت خمس سنوه وأربعا (٥)
стр. 611
لقد أصبحت فى كلّ شرق ومغرب ... بسيفك أعناق المريبين خضّعا
وطئت خدود الحضرميّين وطأة ... لها هدّ ركنا عزّهم (١) فتضعضعا
فأقعوا على الأذناب إقعاء معشر ... يرون لزوم السّلم أبقى وأودعا
فلو مدّت الأيدى إلى الحرب كلها ... لكفّوا وما مدّوا إلى الحرب إصبعا
أما قوله:
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت ... ذراها، فزال الجهل عنها فأقلعا
فقد ردّده فى موضع آخر فقال:
فما بلغت حتّى حماها كلالها ... إذا عرّيت أصلابها أن تقيّدا
وهذا المعنى [كثير فى الشعر القديم والمحدث] (٢)، فمنه قول جرير:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّد ... وفى طول الكلال لها قيود (٣)
وروى أنه قيل لنصيب: لك بيت نازعك فيه جرير؛ أيّكما فيه أشعر؟ فقال: ما هو؟
فقيل قولك:
أضرّ بها التّهجير حتّى كأنّها ... بقايا سلال لم يدعها سلالها (٤)
وأنشد بيت جرير الّذي تقدّم، فقال: قاتل الله ابن الخطفى! فقيل له: قد فضلته عليك، فقال: هو ذاك.
وأخذ هذا المعنى المؤمل بن أميل المحاربىّ فقال:
كانت تقيّد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا
ولأبى نخيلة:
/ قيّدها الجهد ولم تقيّد ... فهى سوام كالقنا المسنّد
стр. 612
وما لها معلّل (١) من مزود ... منها (٢) ولا من شاحط مستبعد
ومعنى قوله: «سوام» أى هى رافعة رءوسها، وشبهها بالقنا، لأن القنا إذا ركز مال قليلا مع الريح (٣)، فيقول: فى أعناقها ميل من الضعف، كما قال الشماخ:
فأضحت تفالى بالسّتار كأنّها ... رماح نحاها وجهة الرّيح راكز (٤)
وكما قال حميد بن ثور الهلالىّ:
بمثوى حرام والمطىّ كأنه ... قنا مسند هبّت لهنّ خريق (٥)
стр. 613
فالخريق ريح شديدة تنخرق من كل جهة.
ومعنى قول أبى نخيلة: «من مزود» أى من ثميلة (١) تجترّها، من الاجترار، وأراد أنه لا شيء فى أجوافها تتعلّل (٢) به. والمستبعد: ما بعد من المرعى.
وأنشد أبو العباس ثعلب:
إذا بلغوا المنازل لم تقيّد ... ركائبهم ولم تشدد بعقل
فهنّ مقيّدات مطلقات ... تقضّم ما تشذّر فى المحلّ (٣)
والأصل فى هذا قول امرئ القيس:
مطوت بهم حتّى تكلّ مطيّهم ... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (٤)
ولعباد بن أنف الكلب الصيداوىّ:
فتمسى لا أقيّدها بحبل ... بها طول الضّراوة والكلال
ومن جيد هذا المعنى قول الفرزدق يصف الإبل:
بدأنا بها من سيف رمل كهيلة ... وفيها نشاط من مراح وعجرف (٥)
стр. 614
فما بلغت حتّى تقارب خطوها ... وبادت ذراها والمناسم رعّف (١)
وحتّى قتلنا الجهل عنها وغودرت ... إذا ما أنيخت والمدامع ذرّف (٢)
/ وحتّى مشى الحادى البطيء يسوقها ... لها بخص دام ودأى مجلّف
- البخص: لحم الخفّ الّذي تطأ عليه. والدّأي: فقار الظهر. والمجلّف: المقشور-
وحتّى بعثناها وما فى يد لها ... إذا حلّ عنها رمّة وهى رسّف
- الرّمة: الحبل؛ وأراد أنها ترسف كما يرسف المقيد، وإن لم يكن فى يدها قيد-
إذا ما نزلنا قاتلت عن ظهورها ... حراجيج أمثال الأهلّة شسّف
- الحراجيج: الطّوال من الإبل، والشّسف: اليابسة من الجهد والكلال. ومعنى قتالها للغربان أنها إذا عرّيت ظهورها تقع الغربان عليها لتأكل دبرها؛ فالإبل تدافع الغربان بأفواهها عن ظهورها وذلك قتالها-
стр. 615
إذا ما أريناها الأزمّة أقبلت ... إلينا بحرّات الخدود تصدّف
فأفنى مراح الدّاعرية خوضها ... بنا اللّيل إذ نام الدّثور الملفّف (١)
ومن أحسن ما قيل فى وصف الإبل بالنحول من الكلال والجهد بعد السّمن قول الشاعر:
وذات ماءين قد غيّضت جمّتها ... بحيث تستمسك الأرواح بالحجر
ردّت عوارى غيطان الفلا ونجت ... بمثل إيبالة من حائل العشر (٢)
قوله: «ذات ماءين» يعنى سمنا على سمن؛ وقيل: بل عنى أنها رعت كلأ عامين.
وقوله «قد غيّضت جمّتها» يعنى أنه أتعبها بالسير حتى ردّها هزيلا بعد سمن؛ فكأنه غيّض بذلك ماءها.
ومعنى:
* بحيث تستمسك الأرواح بالحجر*
يعنى الفلاة؛ حيث لا يكون فيها الماء، فيقتسم الركب الماء الّذي يكون معهم بالحجر الّذي يقال له المقلة (٣) فتمسك أرماقهم.
وقوله:
* ردت عوارى غيطان الفلا ونجت*
أى ما رعت من كلأ هذه الأماكن وسمنت عنه كان كعارية عندها، فردّته حيث جهدها السير وأهزلها (٤). والإيبالة: الحزمة من الحطب اليابس.
стр. 616
وأخذ هذا المعنى بعينه أبو تمام فقال:
رعته الفيافى بعد ما كان حقبة ... رعاها، وماء المزن ينهلّ ساكبه (١)
فكم جزع واد جبّ ذروة غارب ... ومن قبل كانت أتمكته مذانبه (٢)
فأما قوله/:
فما أحجم الأعداء عنك بقيّة ... عليك، ولكن لم يروا فيك مطمعا
فمأخوذ من قول الأول (٣):
فما بقيا عليّ تركتمانى ... ولكن خفتما صرد النّبال (٤)
وقريب منه قول الآخر:
لعمرك ما النّاس أثنوا عليك ... ولا قرّظوك ولا عظّموا
ولو أنّهم وجدوا مطعنا ... إلى أن يعيبوك ما أحجموا
فأنت بفضلك ألجأتهم ... إلى أن يجلّوا وأن يعظموا
стр. 617
ومثله وقريب منه:
أما لو رأى فيك العدوّ نقيصة ... لخبّ بتصريف العيوب وأوضعا
ولكنّه لما رآك مبرّأ ... من العيب غطّى رأسه وتقبّعا
ومثله:
قد طلب العاذل عيبا فما ... أصاب عيبا فانثنى عاذرا
وللبحترىّ فى معنى قول مروان:
* فما أحجم الأعداء عنك بقيّة*
من قصيدة يمدح بها الفتح بن خاقان ويصف لقاءه الأسد:
غداة لقيت اللّيث واللّيث خادر ... يحدّد نابا للّقاء ومخلبا (١)
شهدت، لقد أنصفته يوم تنبرى ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا (٢)
فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النّكس كذّبا (٣)
هزبر مشى يبغى هزبرا، وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا (٤)
أدلّ بشغب ثمّ هالته صولة ... رآك لها أمضى جنانا وأشغبا
فأحجم لمّا لم يجد فيك مطمعا ... وأقدم لمّا لم يجد عنك مهربا
فلم يغنه أن كرّ نحوك مقبلا، ... ولم ينجه أن حاد عنك منكبا
حملت عليه السّيف لا عزمك انثنى، ... ولا يدك ارتدّت، ولا حدّه نبا
/ وكنت متى تجمع يمينيك (٥) تهتك الضّ ... ريبة، أولا تبق للسّيف مضربا
ومن صافى كلام مروان ورائقه، ومما اجتمع له فيه جودة المعنى واللفظ واطّراد النسج قوله:
стр. 618
بنو مطر يوم اللّقاء كأنّهم ... أسود لها فى غيل خفّان أشبل (١)
هم يمنعون الجار حتى كأنّما ... لجارهم بين السّماكين منزل
لهاميم فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم فى الجاهليّة أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا، وإن دعوا ... أجابوا، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النّائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
ومن جيد قوله من قصيدة يمدح بها معنا:
ما من عدوّ يرى معنا بساحته ... إلّا يظنّ المنايا تسبق القدرا
يلفى إذا الخيل لم تقدم فوارسها ... كاللّيث يزداد إقداما إذا زجرا
أغرّ يحسب يوم الرّوع ذا لبد ... وردا ويحسب فوق المنبر القمرا (٢)
وله من قصيدة يصف يوما حارّا:
ويوم عسول الآل حام كأنّما ... لظى شمسه مشبوب نار تلهّب (٣)
نصبنا له منّا الوجوه وكنّها ... عصائب أسمال بها نتعصّب
ويشبه أن يكون أخذ ذلك من قول الشّنفرى:
ويوم من الشّعرى يذوب لعابه ... أفاعيه فى رمضائه تتململ (٤)
نصبت له وجهى ولكنّ دونه ... - ولا ستر- إلا الأتحمىّ المرعبل (٥)
стр. 619
ولمروان من أبيات يصف فيها حديقة وهبها له المهدىّ، ويذكر نخلها وشجرها أجاد فيها:
نواضر غلبا قد تدانت رءوسها ... من النّبت حتّى ما يطير غرابها (١)
ترى الباسقات العمّ فيها كأنها ... ظعائن مضروب عليها قبابها
/ ترى بابها سهلا لكلّ مدفّع ... إذا أينعت نخل فأغلق بابها (٢)
يكون لنا ما نجتني من ثمارها ... ربيعا إذا الآفاق قلّ سحابها
حظائر لم يخلط بأثمانها الرّبا ... ولم يك من أخذ الدّيات اكتسابها
ولكن عطاء الله من كلّ مدحة ... جزيل من المستخلفين ثوابها
ومن ركضنا بالخيل فى كلّ غارة ... حلال بأرض المشركين نهابها (٣)
حوت غنمها آباؤنا وجدودنا ... بصمّ العوالى والدّماء خضابها
أمّا قوله:
حظائر لم يخلط بأثمانها الرّبا ... ولم يك من أخذ الدّيات اكتسابها
فكأن ابن المعتز نظر إليه فى قوله:
لنا إبل ما وفّرتها دماؤنا ... ولا ذعرتها فى الصباح الصّوابح (٤)
وفى ضد هذا قول أبى تمام:
стр. 620
كثرت فيهم المسارح إلّا ... أنّها من مناكح وديات (١)
ومثل الأول قول حسان يهجو قوما من قريش:
ومالكم لا من طراد فوارس ... ولكن من التّرقيح يا آل مالك (٢)
стр. 621
٤٥ مجلس آخر [المجلس الخامس والأربعون: ]
تأويل آية [: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ]
إن سأل سائل عن معنى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٧٨].
وقوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ؛ [الإنسان: ٩].
وقوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ؛ [الرحمن: ٢٧].
وما شاكل ذلك من آي القرآن المتضمنة لذكر الوجه.
الجواب، قلنا: الوجه فى اللغة العربية ينقسم إلى أقسام:
فالوجه المعروف المركب فيه العينان من كل حيوان.
والوجه أيضا أول الشيء وصدره؛ ومن ذلك قوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] أى أوّل النهار؛ ومنه قول الربيع بن زياد:
/ من كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار (١)
أى غداة كلّ يوم. وقال قوم: وجه نهار: موضع.
والوجه القصد بالفعل؛ من ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ؛ [لقمان: ٢٢]؛ معناه: من قصد بأمره وفعله إلى الله سبحانه، وأراده بهما. وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، [النساء: ١٢٥]؛ وقال الفرزدق:
стр. 622
وأسلمت وجهى حين شدّت ركائبى ... إلى آل مروان بناة المكارم
أى جعلت قصدى وإرادتى لهم، وأنشد الفراء:
أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل
أى القصد؛ ومنه قولهم فى الصلاة: وجّهت وجهى للذى فطر السموات والأرض؛ أى قصدت قصدى بصلاتى وعملى؛ وكذلك قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [الروم: ٤٣].
والوجه الاحتيال للأمرين؛ من قولهم كيف الوجه لهذا الأمر؟ وما الوجه فيه؟ أى ما الحيلة؟
والوجه المذهب والجهة والناحية، قال حمزة بن بيض الحنفىّ:
أىّ الوجوه انتجعت؟ قلت لهم: ... لأىّ وجه إلّا إلى الحكم (١)!
متى يقل صاحبا سرادقه: ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم
والوجه: القدر والمنزلة؛ ومنه قولهم: لفلان وجه عريض، وفلان أوجه من فلان، أى أعظم قدرا وجاها، ويقال: أوجهه السلطان إذا جعل له جاها؛ قال امرؤ القيس:
ونادمت قيصر فى ملكه ... فأوجهنى وركبت البريدا (٢)
والوجه الرئيس المنظور إليه؛ يقال: فلان وجه القوم، وهو وجه عشيرته؛ ووجه الشيء نفسه وذاته؛ قال أحمد بن جندل السّعديّ:
стр. 623
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... فأفلت منها وجهه عتد نهد (١)
أراد أفلته ونجّاه ومنه قولهم: إنما أفعل ذلك لوجهك، ويدل أيضا على أن الوجه يعبّر به/ عن الذات قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ؛ [القيامة: ٢٢ - ٢٥]، وقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ؛ [الغاشية: ٨، ٩]، لأن جميع ما أضيف إلى الوجوه فى ظاهر الآى؛ من النظر، والظن، والرّضا لا يصحّ إضافته فى الحقيقة إليها وإنما يضاف إلى الجملة، فمعنى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؛ أى كل شيء هالك إلا هو؛ وكذلك قوله تعالى:
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ؛ لما كان المراد بالوجه نفسه لم يقل «ذى الجلال» كما قال: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ؛ [الرحمن: ٧٨]: لما كان اسمه غيره.
ويمكن فى قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وجه آخر؛ وقد روى عن بعض المتقدمين، وهو أن يكون المراد بالوجه ما يقصد به إلى الله تعالى ويوجّه؛ نحو القربة إليه جلت عظمته؛ فيقول: لا تشرك بالله، ولا تدع إلها غيره؛ فإن كل فعل يتقرب به إلى غيره، ويقصد به سواه فهو هالك باطل؛ وكيف يسوغ للمشبّهة أن يحملوا هذه الآية والتى قبلها على الظاهر! أوليس ذلك يوجب أنه تعالى يفنى ويبقى وجهه: وهذا كفر وجهل من قائله.
فأما قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ، [الإنسان: ٩]، وقوله: إِلَّا
стр. 624
ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى؛ [الليل: ٢٠]، وقوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، [الروم: ٣٩]؛ فمعلوم أن هذه الأفعال مفعولة له؛ ومقصود بها ثوابه، والقربة إليه، والزلفة عنده.
فأما قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ؛ [البقرة: ١١٥]، فيحتمل أن يراد به: فثمّ الله، لا على معنى الحلول، ولكن على معنى التدبير والعلم، ويحتمل أن يراد به: فثمّ رضا الله وثوابه والقربة إليه.
ويحتمل أن يراد بالوجه الجهة، وتكون الإضافة بمعنى الملك والخلق والإنشاء والإحداث؛ لأنه قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ؛ أى أن الجهات كلّها لله تعالى وتحت ملكه؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله.
*** [قصة سفرة للمكتفى بالله فى حرّاقة؛ مع جماعة من الأدباء: ]
أخبرنى أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال حدّثني محمد بن يحيى الصولىّ قال: انحدرنا مع المكتفى بالله فى آخر سفرة سافرها للصيد من الموضع المعروف بحنّة إلى تكريت فى حرّاقة (١) فكانت تجنح كثيرا، فيشتد فزع من معه من الجلساء/ لذلك؛ وكنت أشدّهم فزعا، وكان فى الحرّاقة سواى من الجلساء يحيى بن عليّ المنجم، ومتوّج بن محمود بن مروان، والقاسم المعروف بابن حبابة، وكان يضحك لفزعنا ويقول: لقد قسم الله لكم حظّا من الشجاعة جزيلا، فقلت له: إن البحترىّ يقول شعرا يصف فيه مثل حالنا، ويمدح به أحمد بن دينار بن عبد الله- وقد غزا الروم فى مراكب- أوله:
ألم تر تغليس الرّبيع المبكّر ... وما حاك من وشى الرّياض المنشّر (٢)
стр. 625
فقال له: أنشدنى الموضع الّذي ذكر هذا فيه منها- وكان جيّد العلم بالأشعار، حافظا للأخبار- فأنشده:
غدوت على الميمون صبحا، وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفّر (١)
إذا زمجر النّوتىّ فوق علاته ... رأيت خطيبا فى ذؤابة منبر (٢)
يغضّون دون الاشتيام عيونهم ... وفوق السّماط للعظيم المؤمّر (٣)
إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له ... جناحا عقاب فى السماء مهجّر (٤)
إذا ما انكفأ فى هبوة النّار خلته ... تلفّع فى أثناء برد محبّر (٥)
وحولك ركّابون للهول عاقروا ... كئوس الرّدى؛ من دار عين وحسّر (٦)
تميل المنايا حيث مالت أكفّهم ... إذا أصلتوا حدّ الحديد المذكّر
إذا أرشقوا بالنّار لم يك رشقهم ... ليقلع إلّا عن شواء مفتّر (٧)
стр. 626
صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللّظى المتسعّر
يسوقون أسطولا كأنّ سفينه ... سحائب صيف؛ من جهام وممطر (١)
كأنّ ضجيج البحر بين رماحهم ... إذا اختلفت ترجيع عود مجرجر (٢)
تقارب من زحفيهم فكأنّما ... تؤلّف من أعناق وحش منفّر
فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقصّصة فيهم، وهام مطيّر (٣)
على حين لا نقع تطوّحه الصّبا ... ولا أرض تلقى للصّريع المقطّر (٤)
وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده ... مليّا بأن توهى صفاة ابن قيصر
/ جدحت له الموت الذّعاف فعافه ... وطار على ألواح شطب مسمّر (٥)
مضى وهو مولى الرّيح يشكر فضلها ... عليه، ومن يولى الصّنيعة يشكر
قال: فاستجاد المكتفى قوله:
* على حين لا نقع تطوّحه الصّبا*
[أبيات لابن الرومى وموازنتها بشعر غيره من الشعراء: ]
فقال له يحيى بن على: أنشدنى ابن الرومى شعرا له فى هذا المعنى:
ولم أتعلّم قطّ من ذى سباحة ... سوى الغوص، والمضعوف غير مغالب (٦)
ولم لا؟ ولو ألقيت فيها وصخرة ... لوافيت منها القعر أوّل راسب
وأيسر إشفاقى من الماء أنّنى ... أمرّ به فى الكوز مرّ المجانب
وأخشى الرّدى منه على كلّ شارب ... فكيف بأمنيه على كلّ راكب!
стр. 627
فقلت له: إنما أخذ ابن الرومىّ بيته الثالث من قول أبى نواس؛ فقال المكتفى بالله:
فما قال؟ قلت: حدثنى عليّ بن سراج المصرىّ قال حدثنى أبو وائل اللخمىّ قال حدثنى إبراهيم بن الخصيب قال: وقف أبو نواس بمصر على النيل؛ فرأى رجلا قد أخذه التمساح فقال:
أضمرت للنّيل هجرانا ومقلية ... مذ قيل لى: إنّما التمساح فى النّيل
فمن رأى النّيل رأى العين من كثب ... فما أرى النّيل إلّا فى البواقيل
قال الصولىّ: والبواقيل سفن صغار.
ثم أجرى المكتفى بعد ذلك ذكر الشيب، فقال: العرب تقول أظلم من شيب، وقد شبت، وظلمنى المشيب؛ وشبت يا صولىّ، فقلت: جواب عبدك فى هذا جواب معن بن زائدة الشيبانىّ لجدّك المنصور وقد قال له: كبرت يا معن، فقال: فى طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: وإنّك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: وفيك بحمد الله بقيّة، قال: لخدمتك.
فنزع المكتفى عمامته، فإذا شيبتان فى مقدّم رأسه، فقال: لقد غمّنى طلوع هاتين الشيبتين، فقلت له: إنما يعيش الناس فى الشيب؛ فأما السواد فلا يصحب الناس خالصا أكثر من أربعين سنة إلى الخمسين/، وقد يعاش فى البياض الّذي لا سواد فيه ثمانون سنة. وأنشده يحيى ابن عليّ فى معنى طول العمر مع المشيب قول امرئ القيس:
ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا (١)
وأنشدته أنا أيضا أبياتا أنشدها إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ لبعض القيسيين:
لم ينتقص منى المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألبّ وأكيس
والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه ... عمرا يكون خلاله متنفّس
قال سيدنا أدام الله تمكينه: أما قول البحترىّ: «مضى وهو مولى الريح» فقد كرر معناه فى قوله من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثّغريّ:
стр. 628
أشلى على منويل أطراف القنا ... فنجا عتيق عتيقة جرداء (١)
ولو أنّه أبطأ لهنّ هنيهة ... لصدرن عنه، وهنّ غير ظماء
فلئن تبقّاه القضاء لوقته ... فلقد عممت جنوده بفناء
وأظنه أخذ هذا المعنى من قول أبى تمام فى قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر فتح الخرميّة (٢).
لولا الظّلام وقلّة علقوا بها ... باتت رقابهم بغير قلال (٣)
فليشكروا جنح الظّلام ودروزا ... فهم لدروز والظلام موالى (٤)
وقد أخطأ الصولىّ فى تفسير بيت أبى نواس بأن البواقيل سفن صغار؛ لأن البواقيل جمع بوقال؛ وهو آلة على هيئة الكوز معروفة؛ تعمل من الزجاج وغيره؛ وهذا مثل قول ابن الرومىّ:
* أمرّ به فى الكوز مرّ المجانب*
وإنما أراد أننى لا أمرّ بماء النيل إلا إذا أردت شربه فى كوز أو بوقال.
وأظن الصولىّ استمر عليه الوهم من جهة قوله: «فما أرى النيل» وصرف ذلك إلى أنه أراد النيل على الحقيقة؛ وإنما أراد ماء النيل؛ وما علمت أن السفن الصغار يقال لها بواقيل إلا من قول الصولىّ، هذا ولو كان ما ذكره صحيحا من أنّ ذلك اسم لصغار السفن لكان بيت أبي نواس بما ذكرناه أشبه/ وأليق وأدخل فى معنى الشعر؛ وكيف تدخل الشّبهة فى ذلك مع قوله:
стр. 629
* فمن رأى النيل رأى العين من كثب*
ومن رأى النيل فى السفن فقد رآه من كثب، ومن رأى ماءه فى الآنية على بعد لا يكون رائيا له من كثب.
*** [طائفة من أقوال الشعراء فى مدح الشيب وتفضيله: ]
فأما مدح الشيب وتفضيله على الشباب فقد قال فيه الناس فأكثروا؛ فمما تقدم من ذلك قول رؤبة بن العجّاج؛ ويقال إن رؤبة لم يقل من القصيدة إلا هذين البيتين:
أيّها الشّامت المعيّر بالشّي ... ب أقلّنّ بالشّباب افتخارا
قد لبست الشّباب غضّا جديدا ... فوجدت الشّباب ثوبا معارا
ولعلىّ بن جبلة:
جفا طرب الفتيان وهو طروب ... وأعقبه قرب الشّباب مشيب
تجافت عيون البيض عنه، وربّما ... مددن إليه الوصل وهو حبيب
لعمرى لنعم الصّاحب الشّيب واعظا ... وإن كان منه للعيون نكوب
خليط نهى، منتاب حلم؛ وإنّه ... على ذاك مكروه الخلاط مريب
ولآخر:
وتنكّرت شيبى فقلت لها: ... ليس المشيب بناقص عمرى
سيّان شيبى والشّباب إذا ... ما كنت من عمرى على قدر
ولآخر:
إن أكن قد رزئت أسود كالفح ... م وأعقبت مثل لون الثّغامة (١)
فلقد أسعف الكريم وأحبو ... أهله بالنّدى وآبى الظّلامه
стр. 630
غير أنّ الشّباب كان رداء ... خاننا فيؤه كفئ الغمامة
ولآخر:
إنّ المشيب رداء الحلم والأدب ... كما الشّباب رداء اللهو واللّعب
تعجّبت إذ رأت شيبى فقلت لها: ... لا تعجبى، من يطل عمر به يشب (١)
ولابن الجهم:
حسرت عنّى القناع ظلوم ... وتولّت ودمعها مسجوم (٢)
/ أنكرت ما رأت برأسى فقالت: ... أمشيب أم لؤلؤ منظوم!
قلت: شيب وليس عيبا، فأنّت ... أنّة يستثيرها المهموم
شدّ ما أنكرت تصرّم عهد ... لم يدم لى، وأىّ شيء يدوم!
ولأبى هفّان:
تعجّبت درّ من شيبى فقلت لها: ... لا تعجبى فطلوع الشّيب فى السّدف (٣)
وزادها عجبا لما رأت سملى ... وما درت درّ أنّ الدّر فى الصّدف (٤)
وقد أحسن أبو تمام غاية الإحسان فى قوله:
أبدت أسى أن رأتنى (٥) مخلس القصب (٦) ... وآل ما كان من عجب إلى عجب (٧)
стр. 631
ستّ وعشرون تدعونى فأتبعها ... إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب (١)
فلا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرّأى والأدب (٢)
وللبحترىّ:
عيّرتني بالشيب وهى رمته ... فى عذارى بالصّدّ والاجتناب (٣)
لا تريه عارا فما هو بالشّي ... ب ولكنّه جلاء الشّباب (٤)
وبياض البازىّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب
وله:
ها هو الشّيب لائما فأفيقى ... واتركيه إن كان غير مفيق (٥)
فلقد كفّ من عناء المعنّى (٦) ... وتلافى من اشتياق المشوق
стр. 632
عذلتنا فى عشقها أمّ عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق (١)
ورأت لمّة ألمّ بها الشّ ... يب فريعت من ظلمة فى شروق
ولعمرى لولا الأقاحى لأبصر ... ت أنيق الرّياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يكمّل ... ببياض ما كان بالموموق (٢)
/ ومزاج الصّهباء بالماء أملى (٣) ... بصبوح مستحسن وغبوق
أىّ ليل يبهى بغير نجوم ... أو سماء تندى بغير بروق!
ويشبه أن يكون أخذ قوله:
* أىّ ليل يبهى بغير نجوم*
من قول الشاعر:
أشيب ولم أقض الشّباب حقوقه ... ولم يمض من عهد الشّباب قديم (٤)
رأت وضحا فى مفرق الرّأس راعها ... وشتّان مبيضّ به وبهيم
تفاريق شيب فى الشّباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم!
ولمحمود الوراق فى مثل هذا المعنى وهو قوله:
ما الدّرّ منظوما بأحسن من ... شيب يجلّل هامة الكهل
وكأنّه فيها النّجوم إذا ... جدّ المسير بها على مهل
لا تبكينّ على الشّباب إذا ... يبكى الجهول عليه للجهل
واشكر لشيبك حسن صحبته ... فلقد كساك جلالة الفضل
стр. 633
ولآخر فى مدح الشيب:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد ال ... لمّه فالشّيب حلية ووقار (١)
إنما تحسن الرّياض إذا ما ... ضحكت فى خلالها الأنوار
ولي فى هذا المعنى من قصيدة:
جزعت لو خطات المشيب وإنما ... بلغ الشّباب مدى الكمال فنوّرا
والشّيب إن فكّرت فيه مورد ... لا بدّ يورده الفتى إن عمّرا
يبيضّ بعد سواده الشّعر الّذي ... إن لم يزره الشّيب واراه الثّرى
وممن عدل بين الشيب والشباب، ومدح كل واحد منهما طريح بن إسماعيل الثقفى فقال:
والشّيب للحكماء من سفه الصّبا ... بدل يكون الّذي الفضيلة مقنع
/ والشّيب غاية من تأخّر حينه ... لا يستطيع دفاعه من يجزع
إنّ الشّباب له لذاذة جدّة ... والشّيب منه فى المغبّة أنفع
لا يبعد الله الشّباب فمرحبا ... بالشيب حين أوى إليه المرجع
ومثله لآخر:
وكان الشباب الغضّ لى فيه لذّة ... فوقّرنى عنه المشيب وأدّبا
فسقيا ورعيا للشباب الّذي مضى ... وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا
стр. 634
[٤٦] مجلس آخر [المجلس السادس والأربعون: ]
تأويل آية [: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؛ [البقرة: ١٨٦]
فقال: كيف ضمن الإجابة وتكفّل بها، وقد نرى من يدعو فلا يجاب؟ .
الجواب، قلنا فى ذلك وجوه.
أوّلها أن يكون المراد بقوله تعالى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ أى أسمع دعوته؛ ولهذا يقال للرجل: دعوت من لا يجيب أى دعوت من لا يسمع. وقد يكون أيضا يسمع بمعنى يجيب؛ كما كان يجيب بمعنى يسمع؛ يقال: سمع الله لمن حمده؛ يراد به: أجاب الله من حمده وأنشد ابن الأعرابىّ:
دعوت الله حتى خفت ألّا ... يكون الله يسمع ما أقول
أراد يجيب ما أقول.
وثانيها أنّه تعالى لم يرد بقوله: قَرِيبٌ من قرب المسافة؛ بل أراد أننى قريب بإجابتى ومعونتى ونعمتى، أو بعلمى بما يأتى العبد ويذر، وما يسرّ ويجهر، تشبيها بقرب المسافة؛ لأن من قرب من غيره عرف أحواله ولم تخف عليه؛ ويكون قوله: أُجِيبُ على هذا تأكيدا للقرب؛ فكأنه أراد: إننى قريب قربا شديدا، وإننى بحيث لا يخفى عليّ أحوال العباد؛ كما يقول القائل إذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله: أنا بحيث أسمع كلامك، وأجيب نداءك، وما جرى هذا المجرى. وقد روى أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وآله فقالوا/ له: أربّنا قريب فنناجيه، أم
بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
стр. 635
وثالثها أن يكون معنى هذه الآية أننى أجيب دعوة الداعى إذا دعانى على الوجه الصحيح، وبالشرط الّذي يجب أن يقارن الدعاء؛ وهو أن يدعو باشتراط المصلحة؛ ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال؛ ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال؛ لأنه إن كان صلاحا فعل ما دعا به؛ وإن لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه، فهو أيضا مجاب إلى دعائه.
ورابعها أن يكون معنى دَعانِ أى عبدنى، وتكون الإجابة هى الثواب والجزاء على ذلك؛ فكأنه قال: إننى أثيب العباد على دعائهم لى؛ وهذا مما لا اختصاص فيه.
وخامسها ما قاله قوم من أنّ معنى الآية أنّ العبد إذا سأل الله تعالى شيئا فى إعطائه صلاح فعله به وأجابه إليه، وإن لم يكن فى إعطائه إياه فى الدنيا صلاح وخيرة لم يعطه ذلك فى الدنيا، وأعطاه إياه فى الآخرة، فهو مجيب لدعائه على كل حال.
وسادسها أنّه إذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يجاب دعاؤه، وإمّا أن يخار له بصرفه عما سأل ودعا، فحسن اختيار الله له يقوم مقام الإجابة، فكأنه يجاب على كل حال.
وهذا الجواب يضعّف لأنّ العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له فى الدنيا، وإن كان فيه فساد فى الدين لغيره فلا يعطى ذلك، لأمر يرجع إليه، لكن لما فيه [من فساد غيره، فكيف يكون مجابا مع المنع الّذي] (١) لا يرجع إليه منه شيء من الصلاح! اللهم إلّا أن يقال: إنه دعا؛ مشروط بأن يكون صلاحا، ولا يكون فسادا، وهذا مما تقدم.
ومعنى قوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، أى فليجيبونى وليصدّقوا رسلى، قال الشاعر:
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (٢)