← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ستّ وعشرون تدعونى فأتبعها ... إلى المشيب ولم تظلم ولم تحب (١) فلا يؤرّقك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرّأى والأدب (٢) وللبحترىّ: عيّرتني بالشيب وهى رمته ... فى عذارى بالصّدّ والاجتناب (٣) لا تريه عارا فما هو بالشّي ... ب ولكنّه جلاء الشّباب (٤) وبياض البازىّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب وله: ها هو الشّيب لائما فأفيقى ... واتركيه إن كان غير مفيق (٥) فلقد كفّ من عناء المعنّى (٦) ... وتلافى من اشتياق المشوق

стр. 632

عذلتنا فى عشقها أمّ عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق (١) ورأت لمّة ألمّ بها الشّ ... يب فريعت من ظلمة فى شروق ولعمرى لولا الأقاحى لأبصر ... ت أنيق الرّياض غير أنيق وسواد العيون لو لم يكمّل ... ببياض ما كان بالموموق (٢) / ومزاج الصّهباء بالماء أملى (٣) ... بصبوح مستحسن وغبوق أىّ ليل يبهى بغير نجوم ... أو سماء تندى بغير بروق! ويشبه أن يكون أخذ قوله: * أىّ ليل يبهى بغير نجوم* من قول الشاعر: أشيب ولم أقض الشّباب حقوقه ... ولم يمض من عهد الشّباب قديم (٤) رأت وضحا فى مفرق الرّأس راعها ... وشتّان مبيضّ به وبهيم تفاريق شيب فى الشّباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم! ولمحمود الوراق فى مثل هذا المعنى وهو قوله: ما الدّرّ منظوما بأحسن من ... شيب يجلّل هامة الكهل وكأنّه فيها النّجوم إذا ... جدّ المسير بها على مهل لا تبكينّ على الشّباب إذا ... يبكى الجهول عليه للجهل واشكر لشيبك حسن صحبته ... فلقد كساك جلالة الفضل

стр. 633

ولآخر فى مدح الشيب: لا يرعك المشيب يا ابنة عبد ال ... لمّه فالشّيب حلية ووقار (١) إنما تحسن الرّياض إذا ما ... ضحكت فى خلالها الأنوار ولي فى هذا المعنى من قصيدة: جزعت لو خطات المشيب وإنما ... بلغ الشّباب مدى الكمال فنوّرا والشّيب إن فكّرت فيه مورد ... لا بدّ يورده الفتى إن عمّرا يبيضّ بعد سواده الشّعر الّذي ... إن لم يزره الشّيب واراه الثّرى وممن عدل بين الشيب والشباب، ومدح كل واحد منهما طريح بن إسماعيل الثقفى فقال: والشّيب للحكماء من سفه الصّبا ... بدل يكون الّذي الفضيلة مقنع / والشّيب غاية من تأخّر حينه ... لا يستطيع دفاعه من يجزع إنّ الشّباب له لذاذة جدّة ... والشّيب منه فى المغبّة أنفع لا يبعد الله الشّباب فمرحبا ... بالشيب حين أوى إليه المرجع ومثله لآخر: وكان الشباب الغضّ لى فيه لذّة ... فوقّرنى عنه المشيب وأدّبا فسقيا ورعيا للشباب الّذي مضى ... وأهلا وسهلا بالمشيب ومرحبا

стр. 634

[٤٦] مجلس آخر [المجلس السادس والأربعون: ] تأويل آية [: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؛ [البقرة: ١٨٦] فقال: كيف ضمن الإجابة وتكفّل بها، وقد نرى من يدعو فلا يجاب؟ . الجواب، قلنا فى ذلك وجوه. أوّلها أن يكون المراد بقوله تعالى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ أى أسمع دعوته؛ ولهذا يقال للرجل: دعوت من لا يجيب أى دعوت من لا يسمع. وقد يكون أيضا يسمع بمعنى يجيب؛ كما كان يجيب بمعنى يسمع؛ يقال: سمع الله لمن حمده؛ يراد به: أجاب الله من حمده وأنشد ابن الأعرابىّ: دعوت الله حتى خفت ألّا ... يكون الله يسمع ما أقول أراد يجيب ما أقول. وثانيها أنّه تعالى لم يرد بقوله: قَرِيبٌ من قرب المسافة؛ بل أراد أننى قريب بإجابتى ومعونتى ونعمتى، أو بعلمى بما يأتى العبد ويذر، وما يسرّ ويجهر، تشبيها بقرب المسافة؛ لأن من قرب من غيره عرف أحواله ولم تخف عليه؛ ويكون قوله: أُجِيبُ على هذا تأكيدا للقرب؛ فكأنه أراد: إننى قريب قربا شديدا، وإننى بحيث لا يخفى عليّ أحوال العباد؛ كما يقول القائل إذا وصف نفسه بالقرب من صاحبه والعلم بحاله: أنا بحيث أسمع كلامك، وأجيب نداءك، وما جرى هذا المجرى. وقد روى أن قوما سألوا الرسول صلى الله عليه وآله فقالوا/ له: أربّنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 635

وثالثها أن يكون معنى هذه الآية أننى أجيب دعوة الداعى إذا دعانى على الوجه الصحيح، وبالشرط الّذي يجب أن يقارن الدعاء؛ وهو أن يدعو باشتراط المصلحة؛ ولا يطلب وقوع ما يدعو به على كل حال؛ ومن دعا بهذا الشرط فهو مجاب على كل حال؛ لأنه إن كان صلاحا فعل ما دعا به؛ وإن لم يكن صلاحا لم يفعل لفقد شرط دعائه، فهو أيضا مجاب إلى دعائه. ورابعها أن يكون معنى دَعانِ أى عبدنى، وتكون الإجابة هى الثواب والجزاء على ذلك؛ فكأنه قال: إننى أثيب العباد على دعائهم لى؛ وهذا مما لا اختصاص فيه. وخامسها ما قاله قوم من أنّ معنى الآية أنّ العبد إذا سأل الله تعالى شيئا فى إعطائه صلاح فعله به وأجابه إليه، وإن لم يكن فى إعطائه إياه فى الدنيا صلاح وخيرة لم يعطه ذلك فى الدنيا، وأعطاه إياه فى الآخرة، فهو مجيب لدعائه على كل حال. وسادسها أنّه إذا دعاه العبد لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يجاب دعاؤه، وإمّا أن يخار له بصرفه عما سأل ودعا، فحسن اختيار الله له يقوم مقام الإجابة، فكأنه يجاب على كل حال. وهذا الجواب يضعّف لأنّ العبد ربما سأل ما فيه صلاح ومنفعة له فى الدنيا، وإن كان فيه فساد فى الدين لغيره فلا يعطى ذلك، لأمر يرجع إليه، لكن لما فيه [من فساد غيره، فكيف يكون مجابا مع المنع الّذي] (١) لا يرجع إليه منه شيء من الصلاح! اللهم إلّا أن يقال: إنه دعا؛ مشروط بأن يكون صلاحا، ولا يكون فسادا، وهذا مما تقدم. ومعنى قوله تعالى فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، أى فليجيبونى وليصدّقوا رسلى، قال الشاعر: وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (٢)

стр. 636

أى لم يجبه. *** [طائفة من أقوال الشعراء فى ذم الشيب والتألم به: ] قال سيدنا أدام الله علوّه: وإذ كنا قد ذكرنا فى المجالس المتقدمة لهذا المجلس طرفا من الشعر فى تفضيل الشيب وتقديمه، والتعزّى عنه، والتسلّى عن نزوله؛ فنحن متبعوه بطرف مما قيل فى ذمّه والتألم به والجزع منه. فمن ذلك قول أبى حيّة النميرىّ: / ترحّل بالشّباب الشّيب عنّا ... فليت الشّيب كان به الرّحيل (١) وقد كان الشباب لنا خليلا ... فقد قضى مآربه الخليل لعمر أبى الشباب لقد تولّى ... حميدا ما يراد به بديل (٢) إذ الأيام مقبلة علينا ... وظلّ أراكة الدّنيا ظليل وقال الفرزدق: أرى الدّهر، أيام المشيب أمره ... علينا، وأيام الشباب أطايبه (٣) وفى الشيب لذّات وقرّة أعين ... ومن قبله عيش تعلّل جاد به (٤) إذا نازل الشّيب الشباب فأصلتا ... بسيفيهما، فالشّيب لا بدّ غالبه فيا خير مهزوم، ويا شرّ هازم ... إذا الشّيب وافت للشّباب كتائبه وليس شباب بعد شيب براجع ... مدى الدّهر حتى يرجع الدّرّ حالبه وما المرء منفوعا بتجريب واعظ ... إذا لم تعظه نفسه وتجاربه وأنشد إسحاق الموصلىّ:

стр. 637

لعمرى لئن حلّئت عن منهل الصّبا ... لقد كنت ورّادا لمشربه العذب (١) ليالى أمشى بين بردىّ لاهيا ... أميس كغصن البانة النّاعم الرّطب سلام على سير القلاص مع الرّكب ... ووصل الغوانى والمدامة والشّرب سلام امرئ لم تبق منه بقيّة ... سوى منظر العينين أو شهوة القلب (٢) ولمنصور النّمرىّ: ما تنقضى حسرة منى ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع (٣) بان الشباب ففاتتنى بشرّته ... صروف دهر وأيام لها خدع ما كنت أو فى شبابى كنه عزّته ... حتّى مضى فإذا الدّنيا له تبع (٤) ولمحمد بن أبى حازم: عهد الشباب، لقد أبقيت لى حزنا ... ما جدّ ذكرك إلّا جدّ لى ثكل (٥) سقيا ورعيا لأيّام الشّباب وإن ... لم يبق منك له رسم ولا طلل جرّ الزّمان ذيولا فى مفارقه ... وللزّمان على إحسانه علل (٦) وربّما جرّ أذيال الصّبا مرحا ... وبين برديه غصن ناعم خضل لا تكذبنّ فما الدّنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل كفاك بالشّيب عيبا عند غانية ... وبالشّباب شفيعا أيها الرّجل

стр. 638

ولأبى نواس: كان الشباب مطيّة الجهل ... ومحسّن الضّحكات والهزل (١) كان الجميل إذا ارتديت به (٢) ... ومشيت أخطر صيّت النّعل كان البليغ إذا نطقت به ... وأصاخت الآذان للمملى كان المشفّع فى مآربه ... عند الحسان ومدرك التّبل والباغي والناس قد هجعوا ... حتّى أبيت خليفة البعل والآمرى حتّى إذا عزمت ... نفسى أعان عليّ بالفعل فالآن صرت إلى مقاربة ... وحططت عن ظهر الصّبا رحلى قال سيدنا رضى الله عنه: وعلى هذا الكلام طلاوة ومسحة من أعرابية ليستا لغيره. ولبشار: الشّيب كره، وكره أن يفارقنى ... أعجب بشيء على البغضاء مودود (٣) يمضى الشّباب ويأتى بعده خلف ... والشّيب يذهب مفقودا بمفقود وهذا البيت الأخير يروى لمسلم بن الوليد الأنصارى. ومما أحسن فيه مسلم فى هذا المعنى قوله: طرفت عيون الغانيات وربما ... أملن إلى الطّرف كلّ مميل (٤) / وما الشّيب إلا شعرة، غير أنّه (٥) ... قليل قذاة العين غير قليل

стр. 639

وله: أهلا بوافدة للشّيب واحدة ... وإن تراءت بشخص غير مودود لا أجمع الحلم والصّهباء قد سكنت ... نفسى إلى الماء عن ماء العناقيد لم ينهنى كبر عنها ولا فند ... لكن صحوت وغصنى غير مخضود أوفى بى الحلم وافتاد النّهى طلقا ... شأوى وعفت الصّبا من غير تفنيد (١) وقد أحسن دعبل فى قوله يصف الشباب والشيب: كان كحلا لمآقيها فقد ... صار بالشّيب لعينيها قذى ولغيره: رأت طالعا للشيب أغفلت أمره ... فلم تتعاهده أكفّ الخواضب (٢) فقالت: أشيب ما أرى؟ قلت: شامة ... فقالت: لقد شانتك بين الحبائب (٣) ولمحمود الورّاق- ويروى لمحمد بن حازم (٤): أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض الّذي فى يديه فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزّيه خلق عليه (٥) ولأبى دلف: فى كلّ يوم أرى بيضاء طالعة ... كأنّما طلعت فى أسود البصر لئن قصصتك بالمقراض عن بصرى ... لما قصصتك عن همّى وعن فكرى

стр. 640

وليحيى بن خالد بن برمك (١) - ويروى لغيره: اللّيل شيّب والنهار كلاهما ... رأسى بكثرة ما تدور رحاهما يتناهبان نفوسنا ودماءنا ... ولحومنا عمدا ونحن نراهما والشّيب إحدى الميتتين تقدّمت ... أولاهما وتأخّرت أخراهما / وقد أتى الفحلان المبرّزان أبو تمام وأبو عبادة فى هذا المعنى بكل غريب عجيب. فمن ذلك قول أبى تمام: غدا الهمّ مختطا بفودىّ خطّة ... طريق الرّدى منها إلى الموت مهيع (٢) هو الزّور يجفى، والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى، والجديد يرقّع له منظر فى العين أبيض ناصع ... ولكنّه فى القلب أسود أسفع ونحن نرجّيه على الكره والرّضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع (٣) وله: شعلة فى المفارق استودعتنى ... فى صميم الفؤاد ثكلا صميما (٤) تستثير الهموم ما اكتنّ منها ... صعدا وهى تستثير الهموما غرّة (٥) مرّة ألا إنما كن ... ت أغرّا أيّام كنت بهيما

стр. 641

دقّة فى الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّى اللّديغ سليما (١) حلّمتنى- زعمتم- وأرانى ... قبل هذا التّحليم كنت حليما وله: لعب الشّيب بالمفارق بل جدّ ... فأبكى تماضرا ولعوبا (٢) خضبت خدّها إلى لؤلؤ العق ... د دما أن رأت شواتى خضيبا كلّ داء يرجى الدّواء له إ ... لا الفظيعين: ميتة ومشيبا يا نسيب الثّغام ذنبك أبقى ... حسناتى عند الحسان ذنوبا ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكرا وعبن معيبا أو تصدّعن عن قلى لكفى بال ... شيب بينى وبينهنّ حسيبا لو رأى الله أنّ فى الشّيب فضلا ... جاورته الأبرار فى الخلد شيبا قال سيدنا أدام الله علوّه: وجدت الآمدىّ يذكر أن قوما ادّعوا المناقضة على أبى تمام فى هذه الأبيات بقوله: لعب الشّيب بالمفارق بل جدّ ... فأبكى تماضرا ولعوبا* وقوله: خضبت خدّها إلى لؤلؤ العق ... د دما أن رأت شواتى خضيبا يا نسيب الثّغام ذنبك أبقى ... حسناتى عند الحسان ذنوبا / وقوله: ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكرا وعبن معيبا

стр. 642

قالوا: كيف يبكين دما على شيبه ثم يعبنه! قال الآمدىّ: وليس هذا بتناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضر ولعوب أسفا على شبابه، والحسان اللواتى عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى؛ كما قال الأخطل: لمّا رأت بدل الشباب بكت له ... إنّ المشيب لأرذل الأبدال (١) ولم يكن هذه حال من عابه. قال: وهذا مستقيم صحيح. قال سيدنا أدام الله علوّه: وليس يحتاج فى الاعتذار لأبى تمام إلى ما تكلفه الآمدىّ؛ بل المناقضة زائلة عنه على كل حال، وإن كان من قد بكى شبابه، وتلهف عليه من النساء هنّ اللواتى أنكرن شيبه، وعبنه به، وما المنكر من ذلك! وكيف يتناقض أن يبكى على شبابه ونزول شيبه منهن من رأين الشيب ذنبا وعيبا منكرا! وفى هذا غاية المطابقة؛ لأنه لا يبكى الشيب، ويجزع من حلوله وفراق الشباب إلّا من رآه منكرا ومعيبا. وقال أبو تمام: راحت غوانى الحىّ عنك غوانيا ... يلبسن نأيا تارة وصدودا (٢) من كلّ سابغة الشباب إذا بدت ... تركت عميد القريتين عميدا أرببن بالمرد الغطارف بدّنا ... غيدا ألفهم لدانا غيدا أحلى الرّجال من النّساء مواقعا ... من كان أشبههم بهنّ خدودا وقوله: «أرببن بالمرد» من أربّ بالشيء إذا لزمه، وأقام عليه، يقال: أربّ وألبّ بالمكان إذا لزمه: يريد أنهن لزمن هوى المرد وأقمن عليهم. ورواه قوم «أربين بالمرد» من الرّبا الّذي معناه الزيادة، يقال: قد أربى الرجل إذا ازداد؛ فيقول: أربين بالمرد، أى زدن علينا بهم، وجعلن للمرد زيادة اخترنها علينا (٣).

стр. 643

ويقال (١): إنه أخذ قوله: * أحلى الرجال من النساء مواقعا* ... البيت من قول الأعشى: وأرى الغوانى لا يواصلن امرأ ... فقد الشّباب وقد يصلن الأمردا (٢) / ولمنصور النّمرىّ مثله: كرهن من الشّيب الّذي لو رأينه ... بهنّ رأين الطّرف عنهنّ أزورا ونحوه قول الآخر: أرى شيب الرّجال من الغوانى ... كوقع مشيبهنّ من الرّجال وقال أبو تمام: شاب رأسى وما رأيت مشيب ال ... رّأس إلّا من فضل شيب الفؤاد (٣) وكذاك القلوب فى كلّ بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد طال إنكارى البياض وإن عمّ ... رت شيبا أنكرت لون السّواد (٤) زادنى شخصه بطلعة ضيم ... عمّرت مجلسى من العوّاد نال رأسى من ثغرة الهمّ لمّا ... لم ينله من ثغرة الميلاد (٥) ومعنى هذا البيت الأخير أن «الثغر» هى الفرجة والثّلمة تكون فى الشيء؛ ولذلك سمّى كل بلد جاور عدوا ثغرا؛ كأن معناه مكشوف للعدو. ويجوز أن يكون أصله من ثغر الإنسان، لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى مثلوما، فيشبّه الثّغر الّذي هو البلد؛ يقال اثّغر الصبىّ واتّغر؛ وتسمى تلك الفرجة فى موضع

стр. 644

السن ثغرة وفى كل موضع منفرج؛ ومنه ثغرة النّحر. وأراد بقوله: * نال رأسى من ثغرة الهم لمّا* أى وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسى منها؛ لأن الهمّ يشيب لا محالة. وقوله: * ما لم ينله من ثغرة الميلاد* أراد بثغرة الميلاد الوقت الّذي يهجم عليه فيه الشّيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل فى ذلك الوقت إلى الحلول برأسه؛ فجعله ثغرة من هذا الوجه؛ فأراد أن الشيب حلّ برأسه من جهة همومه وأحزانه لمّا لم يبلغ السن التى توجب حلوله به من حيث كبره. ورأيت الآمدىّ يطعن على قوله: * عمرت مجلسى من العوّاد* ويقول: لا حقيقة لذلك ولا معنى، لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحدا/ جاءه عواد يعودونه من المشيب؛ ولا أن أحدا أمرضه الشّيب، ولا عزّاه المعزون عن الشباب؛ وهذا من الآمدىّ قلة نقد للشّعر وضعف بصيرة بدقيق معانيه التى يغوص عليها حذاق الشعراء؛ ولم يرد أبو تمام بقوله: * عمرت مجلسى من العوّاد* العيادة الحقيقية التى يغشى فيها العوّاد مجالس المرضى وذوى الأوجاع، وإنما هذه استعارة وتشبيه وإشارة إلى الغرض خفيّة؛ فكأنه أراد أنّ شخص الشيب لما زارني كثر المتوجعون لى، والمتأسفون على شبابى، والمتوحشون (١) من مفارقته؛ فكأنهم فى مجلسى عوّاد لى، لأن من شأن العائد للمريض أن يتوجّع ويتفجع.

стр. 645

وكنى بقوله: * عمرت مجلسى من العوّاد* عن كثرة من تفجع له وتوجّع من مشيبه؛ وهذا من أبى تمام كلام فى نهاية البلاغة والحسن؛ وما المعيب إلا من عابه وطعن عليه؛ ونحن نذكر فى المجلس الآتى بمشيئة الله ما للبحترىّ فى هذا المعنى إن شاء الله.

стр. 646

[٤٧] مجلس آخر [المجلس السابع والأربعون: ] تأويل آية [: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ؛ [النحل: ١٠]. فقال: إذا كان الشجر ليس ببعض للماء كما كان الشراب بعضا له؛ فكيف جاز أن يقول: وَمِنْهُ شَجَرٌ بعد قوله: مِنْهُ شَرابٌ؟ وما معنى تُسِيمُونَ؟ وهل الفائدة فى هذه اللفظة هى الفائدة فى قوله: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ؛ [آل عمران: ١٤]، وقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ [هود: ٨٢، ٨٣]؟ . الجواب، قلنا فى قوله تعالى: وَمِنْهُ شَجَرٌ وجهان: أحدهما أن يكون المراد منه سقى شجر، وشرب شجر؛ فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه؛ وذلك كثير فى لغة العرب، ومثله قوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]، أى حبّ العجل. والوجه الآخر أن يكون المراد: ومن جهة الماء شجر، ومن سقيه وإنباته شجر؛ فخذف الأول وخلفه الثانى؛ كما قال عوف بن الخرع: أمن آل ليلى عرفت الدّيارا ... بجنب الشّقيق خلاء قفارا (١) أراد: من ناحية آل ليلى.

стр. 647

وقال زهير: / أمن أمّ أوفى دمنة لم تكلّم ... بحومانة الدّرّاج فالمتثلّم (١) أراد: من ناحية أم أوفى. وقال أبو ذؤيب: أمنك البرق أرقبه فهاجا ... فبتّ إخاله دهما خلاجا (٢) وقال أيضا: أمنك برق أبيت اللّيل أرقبه ... كأنّه فى عراض الشّام مصباح (٣) وقال الجعدىّ: لمن الدّيار عفون بالتّهطال ... بقيت على حجج خلون طوال أراد بقيت على مرّ حجج، وتكرار حجج. فأما قوله تعالى: فِيهِ تُسِيمُونَ فمعناه ترعون، وترسلون أنعامكم؛ يقال: أسام الإبل يسيمنا أسامة؛ إذا أرعاها وأطلقها فرعت منصرفة حيث شاءت؛ وسوّمها أيضا يسوّمها من ذلك؛ وسامت هى إذا رعت؛ فهى تسوم، وهى إبل سائمة؛ ويقال: سمتها إذا قصرتها على مرعى بعينه؛ وسمتها الخسف؛ إذا تركتها على غير مرعى؛ ومنه قيل لمن أذلّ واهتضم: سيم فلان الخسف؛ وسيم خطّة الضّيم؛ قال الكميت بن زيد فى الإسامة التى هى الإطلاق فى الرّعى (٤):

стр. 648

راعيا كان مسجحا ففقدنا ... هـ وفقد المسيم هلك السّوام (١) وقال آخر: وأسكن ما سكنت ببطن واد ... وأظعن إن ظعنت فلا أسيم (٢) وذهب قوم إلى أنّ السّوم فى البيع من هذا؛ لأن كل واحد من المتبايعين يذهب فيما يبيعه من زيادة ثمن أو نقصانه إلى ما يهواه، كما تذهب سوائم المواشى حيث شاءت. وقد جاء فى الحديث: «لا سوم قبل طلوع الشّمس» فحمله قوم على أن الإبل وغيرها لا تسام قبل طلوع الشّمس؛ لئلا تنتشر وتفوت الراعى ويخفى عليه مقاصدها. وحمله آخرون على أنّ السوم قبل طلوع الشّمس فى البيوع مكروه، لأن السّلعة المبيعة تستتر عيوبها أو بعضها، فيدخل ذلك/ فى بيوع الغرر المنهىّ عنها. فأما الخيل المسوّمة، فقد قيل: إنها المعلمة بعلامات؛ مأخوذ من السّيماء وهى العلامة. وروى عن الحسن البصرىّ فى قوله تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قال: سوّم نواصيها وأذنابها بالصوف. وقيل أيضا: إن المسوّمة هى الحسان. وروى عن مجاهد فى قوله تعالى: وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ قال: هى المطهّمة الحسان. وقال آخرون: بل هى الراعية؛ روى ذلك عن سعيد بن جبير؛ وكلّ يرجع إلى أصل واحد، وهو معنى العلامة، لأن تحسين الخيل يجرى مجرى العلامة فيها؛ التى تعرف بها وتتميز لمكانها؛ وقد قيل: إن السّوم من الرّعى يرجع إلى هذا المعنى أيضا، لأن الراعى يجعل فى المواضع التى يرعاها علامات أو كالعلامات بما يزيله من نباتها، ويمحوه من آثارها؛ فكأن الأصل فى الكلّ متفق غير مختلف.

стр. 649

وقال لبيد فى التسويم الّذي هو التعليم: وغداة قاع القرنتين أتينهم ... رهوا يلوح خلالها التسويم (١) أراد التعليم. وأما قوله فى الملائكة: مُسَوِّمِينَ؛ فالمراد به المعلمين، وكذلك قوله تعالى: حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ. مُسَوَّمَةً أى معلمة؛ وقيل: إنه كان عليها كأمثال الخواتيم. *** [طائفة من أشعار البحترىّ فى ذم الشيب والتألم من فقد الشباب] قال سيدنا أدام الله علوّه: ونعود إلى ما كنا وعدنا به من ذكر ما للبحترىّ فى ذمّ الشيب والتألم من فقد الشباب؛ فمن ذلك قوله (٢): وكنت أرجّى فى الشّباب شفاعة ... فكيف لباغى حاجة بشفيعه (٣) مشيب كنثّ السّرّ عىّ بحمله ... محدّثه، أو ضاق صدر مذيعه (٤) تلاحق حتّى كاد يأتى بطيئه ... لحثّ اللّيالى قبل أتى سريعه وما أحسن هذا من كلام! وأبلغه وأطبعه (٥)!

стр. 650

وقال أيضا: ردّى عليّ الصّبا إن كنت فاعلة ... إنّ الصّبا ليس من شأنى ولا أربى (١) جاوزت حدّ الشّباب النّضر ملتفتا ... إلى بنات الصّبا يركضن فى طلبى (٢) / والشّيب مهرب من جارى منيّته ... ولا نجاء له من ذلك الهرب والمرء لو كانت الشّعرى له وطنا ... صبّت عليه صروف الدّهر من كثب (٣) وقال أيضا: لابس من شبيبة أم ناض ... ومليح من شيبة أم راضى (٤) وإذا ما امتعضت من ولع الشّ ... يب برأسى لم يثن ذاك امتعاضى (٥) ليس يرضى عن الزّمان مروّ ... فيه إلّا عن غفلة أو تغاض (٦) والبواقى من اللّيالى وإن خا ... لفن شيئا فمشبهات المواضى (٧) ناكرت لمّتى وناكرت منها ... سوء هذى الأبدال والأعواض

стр. 651

شعرات أقصّهنّ ويرجع ... ن رجوع السّهام فى الأغراض (١) وأبت تركى الغديّات والآ ... صال حتّى خضبت بالمقراض (٢) غير نفع إلّا التّعلّل من شخ ... ص عدوّ لم يعده إبغاضى ورواء المشيب كالبخص فى عي ... نى فقل فيه فى العيون المراض (٣) طبت نفسا عن الشّباب وما سوّ ... د من صبغ برده الفضفاض فهل الحادثات يا ابن عويف ... تاركاتى ولبس هذا البياض! وقال أيضا: تعيب الغانيات عليّ شيبى ... ومن لى أن أمتّع بالمعيب! (٤) ووجدى بالشّباب وإن تولّى ... حميدا دون وجدى بالمشيب وقال أيضا: أرأيته من بعد جثل فاحم ... جون المفارق بالنّهار خضيبا (٥) فعجبت من حالين خالف فيهما ... صرف الزّمان وما رأيت عجيبا

стр. 652

/ إنّ الزّمان إذا تتابع خطوه ... سبق الطّلوب وأدرك المطلوبا وقال أيضا: رأت فلتات الشّيب فابتسمت لها ... وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد (١) أعاتك ما كان الشّباب مقرّبى ... إليك، فألحى الشّيب إذ كان مبعدى وقال أيضا: عنت كبدى قسوة منك ما إن ... تزال تجدّد فيها ندوبا (٢) وحمّلت عندك (٣) ذنب المشي ... ب حتى كأنى ابتدعت المشيبا ومن يطّلع شرف الأربعين ... يحى من الشّيب شخصا (٤) غريبا قال المرتضى رضى الله عنه: ولي فى هذا المعنى: قلن لمّا رأين وخطا من الشّي ... ب برأسى أعيا على مجهودى كسنا بارق تعرّض وهنا ... فى حواشى بعض اللّيالى السّود أبياض مجدّد من سواد ... كان قدما! لا مرحبا بالجديد يا لحاكنّ من رماكنّ بالحس ... ن لتقهرننا بغير جنود ليس بيضى منى فأجزى عليه ... نّ صدودا أو ليس فيكنّ سودى قلّ ما ضرّ كنّ من شعرات ... كنّ يوما على الوقار شهودى وقال البحتري أيضا: خلّياه وجدّة اللهو مادا ... م رداء الشّباب غضّا جديدا

стр. 653

إنّ أيّامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السّود سودا وقال أيضا: ترك السّواد للابسيه وبيّضا ... ونضا من السّتين عنه ما نضا (١) وشآه أغيد فى تصرّف لحظه ... مرض أعلّ به القلوب وأمرضا (٢) وكأنّه وجد الصّبا وجديده ... دينا دنا ميقاته أن يقتضي أسيان أثرى من جوى وصبابة ... وأساف من وصل الحسان وأنفضا (٣) وقال أيضا: هل أنت صارف شيبة إن غلّست ... فى الوقت أو عجلت عن الميعاد (٤) جاءت مقدّمة أمام طوالع ... هذى تراوحنى وتلك تغادى وأخو الغبينة تاجر فى لمّة ... يشرى جديد بياضها بسواد (٥) لا تكذبنّ فما الصبا بمخلّف ... لهوا ولا زمن الصّبا بمعاد

стр. 654

وأرى الشّباب على غضارة حسنه ... وكماله عددا من الأعداد (١) / وقال أيضا: أيثنّى الشّباب أم ما تولّى ... منه فى الدّهر دولة ما تعود (٢) لا أرى العيش والمفارق بيض ... أسوة العيش والمفارق سود وأعدّ الشّقىّ جدّا ولو أع ... طى غنما حتى يقال سعيد من عدته العيون وانصرفت عن ... هـ التفاتا إلى سواه الخدود وقال أيضا: قدك منى فما جرى السّقم إلّا ... فى ضلوع على جوى الحبّ تحنى (٣) لو رأت حادث الخضاب لأنّت ... وأرنّت من احمرار اليرنّا (٤) كلف البيض بالمعمّر قدرا ... حين يكلفن والمصغّر سنّا (٥) يتشاغفن بالغرير المسمّى ... من تصاب دون الجليل المكنّى (٦)

стр. 655

وقال أيضا: أخىّ إنّ الصّبا استمرّ به ... سير الليالى فأنهجت برده (١) تصدّعنى الحسان مبعدة ... إذ أنا لا قربه ولا صدده شيب على المفرقين بارضه ... يكثرنى أن أبينه هدده (٢) تطلب منى الشّباب ظالمة ... بعيد خمسين حين لا تجده لا عجب إن مللت خلّتنا ... فافتقد الوصل منك مفتقده من يتطاول على مطاولة ال ... عيش تقعقع من ملّة عمده قال سيدنا أدام الله تمكينه: ورأيت الآمدىّ قد أخطأ فى معنى البيت الأخير، لأنه قال: معنى «تقعقع من ملّة عمده» أى عظامه، يجيء لها صوت إذا قام وقعد من كبره وضعفه قال: وقوله: «من ملّة» أى من تملّى العيش؛ يريد طوله ودوامه؛ ومنه تملّيت حبيبك والأمر بخلاف ما توهمه، ومعنى «تقعقع من ملّة عمده» أنّ من تطاول عمره تعجّل ترحّله وانتقاله عن الدنيا؛ وكنى عن ذلك/ بتقعقع العمد؛ وهذا مثل معروف للعرب، يقولون: «من يتجمّع يتقعقع عمده»؛ يريدون أنّ التجمّع داعى التفرق؛ وأنّ الاجتماع يعقب ويورث ما يدعو إلى الانتقال الّذي يتقعقع معه العمد. والآمدىّ على كثرة ما يدعيه من التنقيب والتنقير على علوم العرب إن كان لم يعرف هذا المثل ومعناه فهو طريف، وإن كان قد سمعه وجهل أنّ معنى بيت البحترىّ يطابقه فهو أطرف. فأما قوله: «من ملّة» فإنما أراد به من ملل؛ وملّة «فعلة» من الملل، وكيف يكون

стр. 656

من تملّى العيش، ولم يسمع فى تملّيت «ملّة»! وهذا خطأ على خطأ (١). وقال البحترىّ: ما كان شوقى ببدع يوم ذاك ولا ... دمعى بأوّل دمع فى الهوى سفحا (٢) ولمّة كنت مشغوفا بجدّتها ... فما عفا الشّيب لى عنها ولا صفحا وقال أيضا: وما أنس لا أنس عهد الشّباب ... وعلوة إذ عيّرتنى الكبر (٣) كواكب شيب علقن الصّبا ... فقلّلن من حسنه ما كثر وإنى وجدت ولا تكذبنّ ... سواد الهوى فى بياض الشّعر ولا بدّ من ترك إحدى اثنت ... ين إمّا الشّباب وإما العمر قال الآمدي: وعليه فى قوله: ولا بدّ من ترك إحدى اثنت ... ين إمّا الشّباب وإما العمر معارضة، وهو أن يقال له: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب وفاته العمر أيضا، فهو تارك لهما معا، ومن شاب فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة؛ فهو أيضا تارك لهما جميعا.

стр. 657

وقوله: «إما وإمّا» لا نوجب إلا إحداهما قال: والعذر للبحترىّ أن يقال: إنّ من مات شابا فقد فارق الشباب وحده لأنّه لم يعمّر، فيكون مفارقا للعمر ألا ترى أنهم يقولون: عمّر فلان إذا أسنّ، وفلان لم يعمّر إذا مات شابا، ومن شاب وعمّر ثم مات لم يكن مفارقا للشباب فى حال موته؛ لأنه قد قطع أيام الشباب، وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون فى حال موته مفارقا للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحترىّ، وهو صحيح/ ولم يرد بالعمر المدّة القصيرة التى يعمّرها الإنسان، وإنما أراد بالعمر هاهنا الكبر، كما قال زهير: رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته، ومن تخطئ يعمّر فيهرم (١) قال رضى الله عنه: وما رأيت أشدّ تهافتا فى الخطأ منه فيما يفسّره ويتكلم عليه من شعر هذين الرجلين! ومعنى البيت غير ما توهّمه؛ وهو أظهر من أن يخفى؛ حتى يحتاج فيه إلى هذا التّغلغل والتعسّف؛ وإنما أراد البحترىّ أن الإنسان بين حالين: إما أن يفارق الشباب بالشّيب، أو العمر بالموت؛ فمن مات شابا- وإن كان قد خرج من العمر، وخرج بخروجه عن سائر أحوال الحياة من شباب وشيب وغيرهما- فإنه لم يفارق الشباب وحده؛ وإنما فارق العمر الّذي فارق بمفارقته الشباب وغيره. وقسمة الرجل تناولت أحد الأمرين: إمّا مفارقة الشباب وحده بلا واسطة- ولن يكون ذلك إلّا بالشّيب- أو مفارقة العمر بالموت. وتلخيص كلامه: أنه لا بدّ للحي من شيب أو موت، فكأن الشيب والموت متعاقبان؛ والبحترىّ إنما جعل قوله: «العمر» مقام الحياة والبقاء، وإنما قال: «العمر» لأجل القافية؛ مع أنه منبئ عن مراده؛ ولو أنّه قال: ولا بدّ من ترك الحياة أو ترك الشباب لقام مقام قوله: «العمر». *** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى عليّ بن محمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن عبيد الله قال: من معانى ابن الرومىّ التى فتقها قوله يذمّ من جعل مصيبة غيره منسية له مصيبته، وعاب

стр. 658

من تعلّل بالتأسّى بما نال غيره، وهو يرثى شبابه، وأحسن: يا شبابى وأين منّى شبابى! ... آذنتنى أيّامه بانقضاب (١) لهف نفسى على نعيمى ولهوى! ... تحت أفنانه اللّدان الرّطاب ومعزّ عن الشباب مؤسّ ... بمشيب اللّدات والأصحاب قلت لمّا انتحى يعدّ أساه (٢) ... من مصاب شبابه كمصاب ليس تأسو كلوم غيرى كلومى ... ما به ما به، وما بي ما بي ولابن الرومىّ: / لهفى على الدّنيا وهل لهفة ... تنصف منها إن تلهّفتها! (٣) قبحا لها قبحا على أنها ... أقبح شيء حين كشّفتها وقد يعزّينى شباب مضى ... ومدّة للعيش أسلفتها فكّرت فى خمسين عاما مضت ... كانت أمامى ثم خلّفتها أجهلتها إذ هى موفورة ... ثم مضت عنّى فعرّفتها ففرحة الموهوب أعدمتها ... وترحة المسلوب ألحفتها لو أنّ عمرى مائة هدّنى ... تذكّرى أنّى تنصّفتها وله فى هذا المعنى، وقد تقدمت هذه الأبيات فى الأمالى السالفة، وقد أحسن فى معناها كلّ الإحسان: كفى بسراج الشّيب فى الرأس هاديا ... إلى من أضلّته المنايا لياليا (٤) أمن بعد إبداء المشيب مقاتلى ... لرامى المنايا تحسبينى ناجيا! غدا الدّهر يرمينى فتدنو سهامه ... لشخصى أخلق أن يصبن سواديا وكان كرامى اللّيل يرمى ولا يرى ... فلمّا أضاء الشّيب شخصى رمانيا

стр. 659

[٤٨] مجلس آخر [المجلس الثامن والأربعون: ] تأويل آية [: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ... ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ؛ [آل عمران: ١٢٨]. فقال: كيف جاءت أَوْ بعد ما لا يجوز أن يعطف عليه؟ وما الناصب لقوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وليس فى الكلام ما يقتضي نصبه؟ الجواب، قلنا: قد ذكر فى ذلك وجوه: أوّلها أن يكون قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ معطوفا على قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفاً والمعنى أنه تعالى عجّل لكم هذا النصر، ومنحكم به ليقطع طرفا من الذين كفروا، أى قطعة منهم، وطائفة من جمعهم أو يكبتهم؛ أى يغلبهم ويهزمهم بكم فيخيّب سعيهم، ويكذّب فيكم ظنونهم، أو يعظهم ما يرون من تظاهر آيات الله تعالى، الموجبة لتصديق/ نبيه صلى الله عليه وآله، فيتوبوا ويؤمنوا، فيقبل الله تعالى ذلك منهم، ويتوب عليهم، أو يكفروا بعد قيام الحجج، وتأكيد البينات والدلائل، فيموتوا أو يقتلوا كافرين؛ فيعذبهم الله باستحقاقهم فى النار؛ ويكون على هذا الجواب قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ معطوفا على قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ؛ أى ليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شيء؛ وإنما هو من الله تعالى. والجواب الثانى أن يكون أَوْ بمعنى «حتى»، أو «إلّا أنّ»؛ والتقدير: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم؛ أو إلا أن يتوب عليهم، كما قال امرؤ القيس:

стр. 660

بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا (١) فقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا، أو نموت فنعذرا أراد: إلّا أن نموت وهذا الجواب يضعّف من طريق المعنى؛ لأن لقائل أن يقول: إنّ أمر الخلق ليس إلى أحد سوى الله تعالى قبل توبة العباد وعقابهم بعد ذلك؛ فكيف يصحّ أن يقول: ليس لك من الأمر شيء إلّا أن يتوب عليهم أو يعذبهم؛ حتى كأنه إذا كان أحد الأمرين كان إليه من الأمر شيء! ويمكن أن ينصر ذلك بأن يقال: قد يصحّ الكلام إذا حمل على المعنى؛ وذلك أن قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ معناه: ليس يقع ما تريده وتؤثره من إيمانهم وتوبتهم، أو ما تريده من استئصالهم وعذابهم، على اختلاف الرواية فى معنى الآية وسبب نزولها؛ إلّا بأن يلطف الله لهم فى التوبة فيتوب عليهم أو يعذبهم؛ وتقدير الكلام: ليس ما تريده من توبتهم أو عذابهم بك، وإنما يكون ذلك بالله تعالى. والجواب الثالث أن يكون المعنى: ليس لك من الأمر شيء أو من أن يتوب الله عليهم؛ فأضمر «من» اكتفاء بالأولى، وأضمر «أن» بعدها لدلالة الكلام عليها واقتضائه لها، وهى مع الفعل الّذي بعدها بمنزلة المصدر؛ وتقدير الكلام: ليس لك من الأمر شيء ومن توبتهم وعذابهم. ووجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على هذا الجواب ويستبعده، قال: لأنّ الفعل لا يكون محمولا على إعراب الاسم الجامد، الّذي لا تصرّف له على إضمار «أن» مع الفعل/ لأنه ليس من كلام العرب: «عجبت من أخيك ويقوم»، على معنى: «عجبت من أخيك ومن

стр. 661

أن يقوم»، لأن أخاك اسم جامد محض، لا يعطف عليه إلّا ما شاكله. وقال: وهذا إذا يستقيم ويصلح فى ردّ الفعل على المصدر، كقولهم: «كرهت غضبك وأن يغضب أبوك»؛ على معنى: «كرهت غضبك وأن يغضب أبوك»، فيطرد هذا فى المصادر، لأنها تتأوّل ب «أن» فيقول النحويون: «يعجبنى قيامك»، وتأويله: «يعجبنى أن تقوم»، قال: والاسم الجامد لا يمكن مثل هذا فيه. وليس الّذي ذكره ابن الأنبارىّ مستبعدا، وإن لم يضعف هذا الجواب إلّا من حيث ذكر فليس بضعيف؛ وذلك أن فيما امتنع منه مثل الّذي أجازه؛ لأنه قد أجاز ذلك فى المصادر، وإن لم يجزه فى غيرها. وقوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فيه دلالة الفعل، لأنّ «الأمر» مصدر أمرت أمرا؛ فكأنه تعالى قال: ليس لك من أن آمرهم أو تأمرهم شيء، ولا من أن يتوبوا، وجرى ذلك مجرى قولهم: «كرهت غضبك ويغضب أبوك»، فى رد الفعل على المصدر؛ والوجه الأول أقوى الوجوه؛ والله أعلم بمراده. تأويل خبر [«لا تناجشوا ولا تدابروا ... : ] إن سأل سائل عن الخبر الّذي يرويه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لا تناجشوا ولا تدابروا، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه». الجواب، قيل له: أما النّجش فهو المدح والإطراء، قال نابغة بنى شيبان يذكر الخمر: وترخّى بال من يشربها ... ويفدّى كرمها عند النّجش (١) أى عند مدحها، ومنه النّجش فى البيع؛ وهو مدح السلعة والزيادة فى ثمنها من غير إرادة لشرائها؛ بل ليقتدى بالزائد فى زيادته غيره؛ وأصل النجش استخراج الشيء والتنقير عنه، قال بعض الفقعسيين:

стр. 662

أجرس لها يا ابن أبى كباش (١) ... فما لها الليلة من إنفاش (٢) غير السّرى وسائق نجّاش ... أسمر مثل الحيّة الخشخاش والنّجاش: هو المستثير لسيرها، والمستخرج لما عندها منه، ومعنى: أجرس لها، أى أحد لها لتسمع/ الحداء فتسير، وهو مأخوذ من الجرس وهو الصوت؛ ومعنى: الإنفاش، أراد أنها لا تترك ترعى ليلا، والنفش أن ترعى الإبل ليلا، وقد أنفشتها إذا أرسلتها بالليل ترعى. والخشخاش: الخفيف الحركة السريع التقلّب. والنجش فى البيوع يرجع معناه إلى هذا أيضا؛ لأن الناجش يستثير بزيادته فى الثمن، ومدحه السلعة الزيادة فى ثمنها؛ فيكون معنى الخبر على هذا: لا تناجشوا، أى لا يمدح أحدكم السلعة فيزيد فى ثمنها، وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيده. وقد يجوز أيضا أن يريد بذلك: لا يمدح أحدكم صاحبه من غير استحقاق ليستدعى منفعته، ويستثير فائدته؛ وهذا المعنى أشبه بأن يكون مراده ﵇، لأن قوله: «ولا تدابروا» أشدّ مطابقة له. ومعنى: «لا تدابروا» أى لا تهاجروا ويولّى كلّ واحد صاحبه دبر وجهه، قال الشاعر: وأوصى أبو قيس بأن تتواصلوا ... وأوصى أبوكم، ويحكم! أن تدابروا (٣) فكأنه قال ﵇: لا تتمادحوا وتتواصلوا بالمدح الّذي ليس بمستحق، ولا تهاجروا وتتقاطعوا.

стр. 663

[ذكر ما ورد فى اللغة من معانى «العرض»: ] فأما قوله ﵌: «كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه»، فقد ذهب قوم إلى أنّ عرض الرجل إنما هو سلفه من آبائه وأمهاته؛ ومن جرى مجراهم. وذهب ابن قتيبة إلى أن عرض الرجل نفسه، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وآله حين ذكر أهل الجنة فقال: «لا يبولون ولا يتغوّطون؛ إنما هو عرق يجرى من أعراضهم مثل المسك»؛ أى من أبدانهم؛ قال: ومنه قول أبى الدرداء: «أقرض من عرضك ليوم فقرك» أراد من شتمك فلا تشتمه، ومن ذكرك بسوء فلا تذكره به، ودع ذلك قرضا عليه ليوم الجزاء والقصاص. واحتج أيضا بحديث الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم! كان إذا خرج من منزله قال: اللهمّ إنى قد تصدّقت بعرضى على عبادك»؛ قال: فمعناه قد تصدّقت بنفسى وأحللت من يغتابنى، فلو كان العرض الأسلاف ما جاز أن يحلّ من سبّ الموتى؛ لأن ذلك إليهم لا إليه. قال: ويدلّ على ذلك أيضا حديث سفيان بن عيينة: «لو أن رجلا أصاب/ من عرض رجل شتما ثم تورّع من بعد؛ فجاء إلى ورثته بعد موته فأحلّوه له، لم يكن ذلك كفارة له، ولو أصاب من ماله شيئا ثم دفعه إلى ورثته؛ لكنّا نرى أن ذلك كفارة له». قال: ويدلّ على أن عرض الرجل نفسه قول حسان: هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاء (١) فإنّ أبى ووالده وعرضى ... لعرض محمّد منكم وقاء

стр. 664

أراد: فإنّ أبى وجدّى ونفسى وقاء لنفس محمد، صلى الله عليه وآله. وقال آخرون- وهو الصحيح: العرض موضع المدح والذّم من الإنسان، فإذا قيل: ذكر عرض فلان، فمعناه ذكر ما يرتفع به أو ما يسقط بذكره، ويمدح أو يذم به، وقد يدخل فى ذلك ذكر الرجل نفسه، وذكر آبائه وأسلافه؛ لأن كل ذلك مما يمدح به ويذم؛ والّذي يدل على هذا أن أهل اللغة لا يفرّقون فى قولهم: «شتم فلان عرض فلان» بين أن يكون ذكره فى نفسه بقبيح الأفعال، أو شتم سلفه وآباءه؛ ويدلّ عليه قول مسكين الدارمىّ: ربّ مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب (١) فلو كان العرض نفس الإنسان لكان الكلام متناقضا؛ لأن السّمن والهزال يرجعان إلى شيء واحد؛ وإنما أراد: ربّ مهزول كريمة أفعاله، أو كريم آباؤه وأسلافه؛ وقد قال ابن عبدل الأسدىّ (٢):

стр. 665

وإنّى لاستغنى فما أبطر الغنى، ... وأبذل ميسورى لمن يبتغى قرضى (١) وأعسر أحيانا فتشتدّ عسرتى ... وأدرك ميسور الغنى ومعى عرضى ولا يليق ذلك إلا بما ذكرناه. قال سيدنا أدام الله تأييده: وجدت أبا بكر بن الأنبارىّ قد ردّ على ابن قتيبة قوله هذا وطعن على ما احتج به، فقال فى الحديث المروىّ عنه ﵇ فى وصف أهل الجنة: إن المراد بالأعراض مغابن (٢) الجسد. وحكى عن الأموىّ أنه قال: الأعراض المغابن التى تعرق من الجسد؛ نحو الإبطين وغيرهما، وقال فى حديث أبى الدرداء: معناه: من عابك/، وذكر أسلافك، فلا تجازه؛ ليكون الله تعالى هو المثيب لك. وقال فى قول أبى ضمضم: معناه أنه أحلّ من أوصل إليه أذى بذكره وذكر آبائه فلم يحلّ إلا من أمر إليه. وقال فى قول حسان: المراد بعرضه أيضا أسلافه؛ كأنه قال: إن أبى ووالده وجميع أسلافى الذين أمدح وأذمّ من جهتهم وقاء له ﵇، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ؛ [الحجر: ٨٧]، فأتى بالعموم بعد الخصوص؛ ولم أجده ذكر فى خبر سفيان بن عيينة شيئا؛ وتأويله يقرب من تأويل خبر أبى ضمضم، لأنّ من آذى رجلا بسبّه فى نفسه، أو سبّ سلفه وأدخل عليه بذلك وضعا ونقصا لم يكن إلى ورثته بعد موته الإحلال من ذلك، لأن الأذى لم يدخل عليهم، ولو كان داخلا عليهم أيضا مع دخوله على المسبوب لكان إحلالهم مما يرجع إلى غيرهم لا يصحّ؛ على أن فى الإحلال من الضرر وسقوط العوض المستحق عليه، وهل يسقط بإسقاط مستحقه أم لا؟ فيه كلام ليس هذا موضعه، وقد ذكرناه فى مواضع.

стр. 666

وبعد، فلو سلّم لابن قتيبة أنّ المراد بالعرض فى كلّ المواضع التى ذكرناها النفس دون السّلف، أو سلّم له ذلك فى بيت حسان خاصة؛ فإنه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه؛ لأنا لم نقل: إن العرض مقصور على سلف الإنسان، بل ذكرنا أنه موضع الذم والمدح من الإنسان، ولا فرق بين سلفه ونفسه؛ فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا، وإنما ينفع ابن قتيبة أن يأتى بما يدلّ على أن العرض لا يستعمل إلّا فى النفس دون السّلف، وكل شيء فيما المراد بالعرض فيه النفس، أو المراد به السلف فهو مؤكّد لقولنا فى أنّ هذه اللفظة مستعملة فى موضع الذمّ والمدح من الإنسان؛ وإنما يكون ما استشهدنا به، وما جرى مجراه؛ مما يدلّ على استعمال لفظة «العرض» فى السّلف حجة على ابن قتيبة؛ لأنه قصر معناها على النفس والذات، دون السلف؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله. *** أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة/ معمر بن المثنّى صفريا (١)، وكان يكتم ذلك؛ فأنشدنى لعمران بن حطّان (٢):

стр. 667

أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه، ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس إمّا تكن ذقت كأسا دار أوّلها ... على القرون فذاقوا نهلة الكاس قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئست ... نفسى فما ردّ عنّى عبرتى ياسى *** [طائفة من أشعار قطرىّ بن الفجاءة: ] وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال حدثنا الأشناندانىّ قال قال التوزيّ: كنت إذا أردت أن أنشط أبا عبيدة سألته عن أخبار الخوارج فأبعج منه ثبج بحر؛ فجئته يوما وهو مطرق ينكت الأرض فى صحن المسجد؛ وقد قربت منه الشمس، فسلمت عليه فلم يردد (١)، فتمثلت: وما للمرء خير فى حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع - والبيت لقطرىّ بن الفجاءة- فنظر إلى وقال: ويحك! أتدري من يقوله؟ قلت: قطرىّ، فقال: اسكت، رضّ (٢) الله فاك! فألّا قلت: أمير المؤمنين أبو نعامة (٣)! ثم انتبه فقال: اكتمها عليّ يا توّزىّ، فقلت: هى ابنة الأرض، فأنشدنى: أقول (٤) لها إذا جاشت حياء ... من الأبطال ويحك لن تراعى (٥) فإنّك لو طلبت حياة يوم ... على الأجل الّذي لك لم تطاعى (٦) فصبرا فى مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع

стр. 668

وما طول الحياة بثوب مجد ... فيطوى عن أخى الخنع اليراع (١) سبيل الموت منهج كلّ حىّ ... وداعيه لأهل الأرض داع (٢) ومن لا يعتبط يسأم ويهرم ... وتفض به المنون إلى انقطاع (٣) وما للمرء خير فى حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع فكتبتها وقمت لأنصرف؛ فقال: اقعد، ثم أنشدنى: إلى كم تعارينى السّيوف ولا أرى ... مغاراتها تدعو إلى حماميا (٤) أقارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاء على حال لما ليس باقيا / ولو قرّب الموت القراع لقد أنى ... لموتى أن يدنو لطول قراعيا أغادى جلاد العالمين كأنّنى (٥) ... على العسل الماذىّ أصبح غاديا (٦)

стр. 669

وأدعو الكماة للنّزال إذا القنا ... تحطّم فيما بيننا من طعانيا ولست أرى نفسا تموت وإن دنت ... من الموت حتى يبعث الله داعيا (١) فقال ابن دريد: وهذا الشعر أيضا لقطرىّ بن الفجاءة. *** أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال: جئت (٢) أبا عبيدة يوما، ومعى شعر عروة بن الورد، فقال. فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير، فقلت: ما معى غيره، فأنشدنى أنت ما شئت، فأنشدنى: يا ربّ ظلّ حمار قد وقيت به ... مهرى من الشّمس، والأبطال تجتلد (٣) وربّ يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلى اقتسارا، وأطراف القنا قصد (٤) ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوى اصطلاء الوغا وناره تقد (٥) مشهّرا موقفى والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطّرد وربّ هاجرة تغلى مراجلها ... نحرتها بمطايا غارة تخد (٦) تجتاب أودية الأفزاع آمنة ... كأنّها أسد يقتادها أسد (٧) فإن أمت حتف نفسى لا أمت كمدا ... على الطّعان وقصر العاجز الكمد ولم أقل لم أساق القتل شاربه (٨) ... فى كأسه والمنايا ترع ورد ثم قال له: هذا الشعر! ؛ لا ما تعلّلون به نفوسكم من أشعار المخنّثين. والشعر لقطرىّ. ***

стр. 670

أخبرنا على بن محمد الكاتب قال قال أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة يأنس إلى فى أول ما اختلفت إليه، لأنه كان يظنّنى على رأيهم ويسألنى عن خوارج سجستان- لأنه كان يظنّنى على رأيهم- وكنت أوهمه أنى على رأيهم، فنالتنى منه لذلك عناية خاصة، فكان كثيرا ما ينشدنى أشعارهم، ثم يتمثل: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا، وإن عقدوا شدّوا (١) [أبيات لرجل خارجىّ من طيئ: ] / قال: وأنشدنى يوما لرجل من طيئ من الخوارج: لا كابن ملحان من شار أخى ثقة ... أو كابن علقمة المستشهد الشارى (٢) من صادق كنت أصفيه مخالصتى ... فباع دارى بأعلى صفقة الدار (٣) إخوان صدق أرجّيهم وأحذرهم ... أشكو إلى الله إخوانى وإحذارى فصرت صاحب دنيا لست أملكها ... وصار صاحب جنات وأنهار تم القسم الأول من كتاب غرر الفوائد ودرر القلائد للشريف المرتضى، ويليه القسم الثانى إن شاء الله تعالى، وأوله: تأويل آية؛ إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...
следующие страницы →