← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وبعد، فلو سلّم لابن قتيبة أنّ المراد بالعرض فى كلّ المواضع التى ذكرناها النفس دون السّلف، أو سلّم له ذلك فى بيت حسان خاصة؛ فإنه أقرب إلى أن يكون المراد به ما ذكره لم يقدح فيما ذكرناه؛ لأنا لم نقل: إن العرض مقصور على سلف الإنسان، بل ذكرنا أنه موضع الذم والمدح من الإنسان، ولا فرق بين سلفه ونفسه؛ فكيف يكون الاحتجاج بما المراد بالعرض فيه النفس طعنا علينا، وإنما ينفع ابن قتيبة أن يأتى بما يدلّ على أن العرض لا يستعمل إلّا فى النفس دون السّلف، وكل شيء فيما المراد بالعرض فيه النفس، أو المراد به السلف فهو مؤكّد لقولنا فى أنّ هذه اللفظة مستعملة فى موضع الذمّ والمدح من الإنسان؛ وإنما يكون ما استشهدنا به، وما جرى مجراه؛ مما يدلّ على استعمال لفظة «العرض» فى السّلف حجة على ابن قتيبة؛ لأنه قصر معناها على النفس والذات، دون السلف؛ وهذا واضح بيّن بحمد الله. *** أخبرنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزبانىّ قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة/ معمر بن المثنّى صفريا (١)، وكان يكتم ذلك؛ فأنشدنى لعمران بن حطّان (٢):

стр. 667

أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه، ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس إمّا تكن ذقت كأسا دار أوّلها ... على القرون فذاقوا نهلة الكاس قد كنت أبكيك حينا ثم قد يئست ... نفسى فما ردّ عنّى عبرتى ياسى *** [طائفة من أشعار قطرىّ بن الفجاءة: ] وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا ابن دريد قال حدثنا الأشناندانىّ قال قال التوزيّ: كنت إذا أردت أن أنشط أبا عبيدة سألته عن أخبار الخوارج فأبعج منه ثبج بحر؛ فجئته يوما وهو مطرق ينكت الأرض فى صحن المسجد؛ وقد قربت منه الشمس، فسلمت عليه فلم يردد (١)، فتمثلت: وما للمرء خير فى حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع - والبيت لقطرىّ بن الفجاءة- فنظر إلى وقال: ويحك! أتدري من يقوله؟ قلت: قطرىّ، فقال: اسكت، رضّ (٢) الله فاك! فألّا قلت: أمير المؤمنين أبو نعامة (٣)! ثم انتبه فقال: اكتمها عليّ يا توّزىّ، فقلت: هى ابنة الأرض، فأنشدنى: أقول (٤) لها إذا جاشت حياء ... من الأبطال ويحك لن تراعى (٥) فإنّك لو طلبت حياة يوم ... على الأجل الّذي لك لم تطاعى (٦) فصبرا فى مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع

стр. 668

وما طول الحياة بثوب مجد ... فيطوى عن أخى الخنع اليراع (١) سبيل الموت منهج كلّ حىّ ... وداعيه لأهل الأرض داع (٢) ومن لا يعتبط يسأم ويهرم ... وتفض به المنون إلى انقطاع (٣) وما للمرء خير فى حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع فكتبتها وقمت لأنصرف؛ فقال: اقعد، ثم أنشدنى: إلى كم تعارينى السّيوف ولا أرى ... مغاراتها تدعو إلى حماميا (٤) أقارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاء على حال لما ليس باقيا / ولو قرّب الموت القراع لقد أنى ... لموتى أن يدنو لطول قراعيا أغادى جلاد العالمين كأنّنى (٥) ... على العسل الماذىّ أصبح غاديا (٦)

стр. 669

وأدعو الكماة للنّزال إذا القنا ... تحطّم فيما بيننا من طعانيا ولست أرى نفسا تموت وإن دنت ... من الموت حتى يبعث الله داعيا (١) فقال ابن دريد: وهذا الشعر أيضا لقطرىّ بن الفجاءة. *** أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال: جئت (٢) أبا عبيدة يوما، ومعى شعر عروة بن الورد، فقال. فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير، فقلت: ما معى غيره، فأنشدنى أنت ما شئت، فأنشدنى: يا ربّ ظلّ حمار قد وقيت به ... مهرى من الشّمس، والأبطال تجتلد (٣) وربّ يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلى اقتسارا، وأطراف القنا قصد (٤) ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوى اصطلاء الوغا وناره تقد (٥) مشهّرا موقفى والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطّرد وربّ هاجرة تغلى مراجلها ... نحرتها بمطايا غارة تخد (٦) تجتاب أودية الأفزاع آمنة ... كأنّها أسد يقتادها أسد (٧) فإن أمت حتف نفسى لا أمت كمدا ... على الطّعان وقصر العاجز الكمد ولم أقل لم أساق القتل شاربه (٨) ... فى كأسه والمنايا ترع ورد ثم قال له: هذا الشعر! ؛ لا ما تعلّلون به نفوسكم من أشعار المخنّثين. والشعر لقطرىّ. ***

стр. 670

أخبرنا على بن محمد الكاتب قال قال أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم قال: كان أبو عبيدة يأنس إلى فى أول ما اختلفت إليه، لأنه كان يظنّنى على رأيهم ويسألنى عن خوارج سجستان- لأنه كان يظنّنى على رأيهم- وكنت أوهمه أنى على رأيهم، فنالتنى منه لذلك عناية خاصة، فكان كثيرا ما ينشدنى أشعارهم، ثم يتمثل: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا، وإن عقدوا شدّوا (١) [أبيات لرجل خارجىّ من طيئ: ] / قال: وأنشدنى يوما لرجل من طيئ من الخوارج: لا كابن ملحان من شار أخى ثقة ... أو كابن علقمة المستشهد الشارى (٢) من صادق كنت أصفيه مخالصتى ... فباع دارى بأعلى صفقة الدار (٣) إخوان صدق أرجّيهم وأحذرهم ... أشكو إلى الله إخوانى وإحذارى فصرت صاحب دنيا لست أملكها ... وصار صاحب جنات وأنهار تم القسم الأول من كتاب غرر الفوائد ودرر القلائد للشريف المرتضى، ويليه القسم الثانى إن شاء الله تعالى، وأوله: تأويل آية؛ إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...

стр. 671

الجزء الثاني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مجلس آخر ٤٩ تأويل آية [وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [المائدة: ٦٤]. فقال: ما اليد التى إضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادّعوا أنها مغلولة؟ وما نرى أنّ عاقلا من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربّه يدا مغلولة، واليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك؛ وما معنى الدعاء عليهم ب غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [وهو تعالى ممن لا يصحّ أن] (١) يدعو على غيره؟ لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، وإنما يدعو الداعى بما لا يتمكّن من فعله طلبا له. الجواب، قلنا: يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا الله تعالى بما يقتضي تناهى مقدوره، فجرى ذلك مجرى أن يقولوا: إنّ يده مغلولة، لأنّ عادة الناس جارية بأن يعبّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى، فيقولون: يد فلان منقبضة عن كذا، ويده لا تنبسط إلى كذا، إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور، ويشهد بذلك قوله تعالى فى موضع آخر: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ [آل عمران: ١٨١]، ثم قال تعالى مكذبا لهم: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ؛ أى أنه ممّن لا يعجزه شيء، وثنّى اليدين تأكيدا للأمر، وتفخيما له؛ ولأنه أبلغ فى المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة. وقد قيل أيضا: إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، واستبطئوا فضله ورزقه؛ وقيل: إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء: إن إله محمد الّذي أرسله؛ يداه إلى عنقه؛ إذ ليس يوسّع عليه وعلى أصحابه، / فردّ الله قولهم وكذّبهم بقوله: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ، واليد هاهنا الفضل

стр. 672

والنعمة، وذلك معروف فى اللغة، متظاهر فى كلام العرب وأشعارهم. ويشهد له من الكتاب قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء: ٦٩]، ولا معنى لذلك إلّا الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة فى الحقوق؛ وترك الإسراف، إلى القصد والتوسط. ويمكن أن يكون الوجه فى تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة؛ لأن الكل- وإن كانت نعم الله تعالى- فمن حيث اختص كلّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان أو قبيلان. ويمكن أيضا [أن يكون بتثنية النعمة] (١) أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة. فأما قوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، ففيه وجوه: أوّلها: أن يكون ذلك على غير سبيل الدّعاء؛ بل على جهة الإخبار منه عن نزول ذلك بهم؛ وفى الكلام ضمير «قد» قبل قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، وموضع غُلَّتْ نصب على الحال، كأنّه تعالى قال: وقالت اليهود كذا وكذا؛ فى حال ما غلّ الله تعالى أيديهم ولعنهم، أو حكم بذلك فيهم؛ ويسوغ إضمار «قد» هاهنا كما ساغ فى قوله : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ [يوسف: ٢٦، ٢٧] والمعنى: فقد صدقت، وقد كذبت. وثانيها أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلّت أيديهم، أو وغلّت أيديهم، وأضمر تعالى الفاء والواو؛ لأنّ كلامهم تمّ، واستؤنف بعده كلام آخر؛ ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجرى مجرى هذا الموضع؛ من ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [البقرة: ٦٧] أراد:

стр. 673

فقالوا أتتخذنا هزوا، فاضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى ﵇، ومنه قول الشاعر: لمّا رأيت نبطا أنصارا ... شمّرت عن ركبتى الإزارا (١) كنت لها من النّصارى جارا أراد: «وكنت»، فأضمر الواو. وثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء؛ إلا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب؛ فكأنه جلّت عظمته وقفنا على الدعاء عليهم، وعلّمنا/ ما ينبغى أن نقول فيهم، كما علّمنا الاستثناء فى غير هذا الموضع بقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الفتح: ٢٧]، وكل ذلك جلىّ واضح، والمنة لله. تأويل خبر [«لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده»] إن سأل سائل عن الخبر الّذي روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». الجواب، قلنا: قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس؛ فالخوارج تتعلّق به، وتدّعى أنّ القطع يجب فى القليل والكثير؛ وتستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [المائدة: ٣٨]، ويتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة والشّكاك، ويدّعون أنه مناقض للرواية المتضمّنة أنه لا قطع إلّا فى ربع دينار. ونحن نذكر ما فيه: فأول ما نقوله إنّ الخبر مطعون عند أصحاب الحديث على سنده، وقد حكى ابن قتيبة فى تأويله وجها عن يحيى بن أكثم، طعن عليه وضعّفه، وذكر عن نفسه وجها آخر؛ نحن نذكرهما وما فيهما، ونتبعهما بما نختاره.

стр. 674

قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب، وأن الحبل من حبال السفن، قال: وكلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال: ورأيته يعجب بهذا التأويل، ويبدى فيه ويعيد، ويرى أنه قطع به حجة الخصم. قال ابن قتيبة. وهذا إنما يجوز على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلام، وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنانير؛ وحبل لا يقدر السارق على حمله؛ ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانا! عرّض نفسه للضرر فى عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول فى جراب مسك؛ وإنما العادة فى مثل هذا أن يقال: لعنه الله، تعرّض للقطع فى حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ وكلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ. قال: والوجه فى الحديث أن الله تعالى لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا؛ قال رسول الله صلى عليه وآله: «لعن الله السارق؛ يسرق البيضة/ فتقطع يده»، على ظاهر ما أنزل عليه (١) فى ذلك الوقت، ثمّ أعلمه الله تعالى بعد أن القطع لا يكون إلّا فى ربع دينار فما فوقه، ولم يكن ﵇ يعلم من حكم الله تعالى إلا ما علّمه الله تعالى، وما كان الله يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن (٢) شيئا بعد شيء. قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا بكر الأنبارىّ يقول: ليس الّذي طعن به ابن قتيبة (٣) على تأويل الخبر بشيء؛ قال: لأن البيضة من السلاح ليست علما فى كثرة الثمن ونهاية علوّ القيمة؛ فتجرى مجرى العقد من الجوهر، والجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، والبيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ مما يجب فيه القطع، وإنما أراد ﵇ أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به، لأن البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد، والجوهر والمسك فى اليسير منهما غنى.

стр. 675

قال سيدنا أدام الله أيامه: والّذي نقوله إن ما طعن به ابن الأنبارىّ على كلام ابن قتيبة متوجّه؛ وليس فى ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظنّ؛ فيشبه العقد والجراب من المسك؛ غير أنه يبقى فى ذلك أن يقال: أىّ وجه لتخصيص البيضة والحبل بالذكر، وليس هما النهاية فى التقليل؛ وإن كان كما ذكره ابن الأنبارىّ؛ من أنّ المعنى أنه يسرق ولا يستغنى به؛ فليس ذكر ذلك بأولى من غيره؛ ولا بدّ من ذكر وجه فى ذلك. وأما تأويل ابن قتيبة فباطل لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يقول ما حكاه عند سماع قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ؛ لأن الآية مجملة مفتقرة إلى بيان؛ ولا يجوز أن يحملها أو يصرفها إلى بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة؛ على أنّ أكثر من قال: إن الآية غير مجملة، وأن ظاهر القول يقتضي العموم يذهب إلى أن ما اقتضى تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها؛ فكيف يصحّ ما قاله ابن الأنبارىّ أن الآية تقدمت، ثم تأخر تخصيص السارق؛ ولو كان ذلك كما ظنّ لكان المتأخر ناسخا للآية. وعلى تأويله هذا يقتضي أن يكون كلّ الخبر منسوخا؛ وإذا أمكن تأويل أخباره ﵇ على/ ما لا يقتضي رفع أحكامها ونسخها كان أولى. والأشبه أن يكون المراد بهذا الخبر أنّ السارق يسرق الكثير الجليل، فتقطع يده، ويسرق الحقير القليل فتقطع يده؛ فكأنه تعجيز له، وتضعيف لاختياره، من حيث باع يده بقليل الثمن؛ كما باعها بكثيره. وقد حكى أهل اللغة أن بيضة القوم وسطهم، وبيضة الدار وسطها، وبيضة السنام شحمته، وبيضة الصّيف معظمه، وبيضة البلد الّذي لا نظير له؛ وإن كان قد يستعمل ذلك فى المدح والذم على سبيل الأضداد، وإذا استعمل فى الذم فمعناه أنّ الموصوف بذلك حقير مهين، كالبيضة التى تفسدها النعامة فتتركها ملقاة لا تلتفت إليها. فمما جاء من ذلك فى المدح قول أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه، وتذكر قتل أمير المؤمنين

стр. 676

عليه السلام له؛ وقيل إنّ الأبيات لامرأة من العرب؛ غير أخته: لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكى عليه آخر الأبد (١) لكنّ قاتله من لا يعاب به (٢) ... من كان يدعى قديما بيضة البلد (٣) وقال آخر فى المدح: كانت قريش بيضة فتفلّقت ... فالمخّ خالصه (٤) لعبد مناف وقال آخر فى الذمّ. تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا ... وابنا نزار، فأنتم بيضة البلد (٥) أراد: «أن تعرف» فأسكن. وقال آخر فى ذلك: لكنّه حوض من أودى بإخوته ... ريب الزّمان فأمسى بيضة البلد (٦) فقد صار معنى البيضة كلّه يعود إلى التفخيم والتعظيم. وأما الحبل فذكر على سبيل المثل؛ والمراد المبالغة فى التحقير والتقليل؛ كما يقول القائل:

стр. 677

ما أعطانى فلان عقالا، وما ذهب من فلان عقال، ولا يساوى كذا نقيرا؛ كل ذلك على سبيل المثل والمبالغة فى التقليل؛ وليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة؛ وإذا كان على هذا تأويل الخبر/ زال عنه المناقضة التى ظنّت؛ وبطلت شبهة الخوارج فى أن القطع يجب فى القليل والكثير. أخبرنا (١) أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبيد الله الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو زينب (٢) عليّ بن ثابت قال، قال الأصمعىّ: [تصرفت فى الأسباب على باب الرشيد] (٣) مؤملا للظّفر (٤) به؛ والوصول إليه؛ حتى إنى صرت لبعض حرسه خدينا؛ فإنى فى ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال: أبالحضرة (٥) أحد ينشد (٦) الشّعر؟ فقلت: الله أكبر! ربّ قيد مضيقة قد حلّه التيسير، فقال لى الخادم: ادخل، فلعلّها أن تكون ليلة تعرّس فى صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين؛ فدخلت فواجهت الرشيد فى بهوه (٧)، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف الخادم بى بحيث يسمع التسليم، فسلّمت فردّ السلام ثم قال: يا غلام، أرحه قليلا يفرخ روعه؛ إن كان قد وجد للروعة حسّا، فدنوت قليلا ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك عن اعتراض أذيّة؛ فقال: ادن، فدنوت، فقال: أشاعر أم راوية؟ فقلت: راوية لكل ذى جدّ وهزل؛ بعد أن يكون محسنا؛ فقال: تالله ما رأيت ادّعاء أعمّ! فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عنانى يا أمير المؤمنين، فقال: «قد أنصف القارة من راماها (٨)»؛ ثم قال: ما معنى

стр. 678

هذه الكلمة بدءا؟ قلت: فيها قولان؛ القارة هى الحرّة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة (١)، والملك إذ ذاك أبو حسّان، فواقف (٢) عسكره عسكرا للسّغد (٣)، فخرج فارس من السّغد، قد وضع سهمه فى كبد قوسه فقال: أين رماة العرب؟ فقالت العرب: «أنصف القارة من راماها» فقال لى الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروى لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا، فقلت: هما شاهدان لك بالقوافى؛ وإن غيّبا عن بصرك بالأشخاص، فأخرج من ثنى فرشه رقعة ثم قال: أنشدنى: * أرّقنى طارق همّ أرقا (٤) * فمضيت فيها مضىّ الجواد فى متن ميدانه، تهدر بى أشداقى (٥)، فلما صرت إلى مديحه لبنى أمية تثنيت لسانى إلى امتداحه للمنصور فى قوله:

стр. 679

* قلت لزير لم تصله مريمه (١) * / فلما رآنى قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده، فقال الفضل: أحسنت بارك الله عليك! مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس. فلما أتيت على آخرها قال لى الرشيد: أتروى كلمة عدىّ بن الرقاع: * عرف الدّيار توهّما فاعتادها (٢) * قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها حتى إذا صرت إلى وصفه الجمل قال لى الفضل: ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر فى ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد: اسكت، فالإبل هى التى أخرجتك عن دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت (٣) على غير ذنب والحمد لله! فقال الرشيد: أخطأت، الحمد لله على النّعم، ولو قلت: وأستغفر الله لكنت مصيبا، ثم قال لى: امض فى أمرك، فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قوله: * تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه* استوى جالسا وقال: أتحفظ فى هذا ذكرا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أنّ الفرزدق قال: كنت فى المجلس وجرير إلى جانبى، فلما ابتدأ عدىّ فى قصيدته قلت لجرير مسرّا إليه: هلمّ نسخر من هذا الشامىّ، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه؛ فلما قال: * تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه*

стр. 680

- وعدىّ كالمستريح- قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلا! فقال الفرزدق: يا لكع، إنه يقول: * قلم أصاب من الدّواة مدادها* فقال عدىّ: * قلم أصاب من الدّواة مدادها (١) * فقال جرير: كان سمعك مخبوءا (٢) فى صدره! فقال لى: اسكت شغلنى سبّك عن جيّد الكلام؛ فلما بلغ إلى قوله: ولقد أراد الله إذ ولّاكها ... من أمّة إصلاحها ورشادها (٣) قال الأصمعىّ: فقال لى: ما تراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟ فقلت: قال: كذا أراد الله، فقال الرشيد: ما كان فى جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء (٤) الله! قلت: وكذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال لى: أتروى لذى الرّمة شيئا؟ قلت: الأكثر، قال: فماذا أراد بقوله: / ممرّ أمرّت متنه أسديّة ... ذراعية حلّالة بالمصانع (٥) قلت: وصف حمار وحش، أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله، وتشابكت فروعه، عن مطر سحابة كانت بنوء الأسد فى الذّراع من ذلك. فقال الرشيد: أرح، فقد وجدناك ممتعا، وعرفناك محسنا، ثم قال: أجد ملالة ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل فى رجله وكانت عربيّة، فقال الرشيد: عقرتنى يا غلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما إنها

стр. 681

لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة (١)، فقال الرشيد: هذه نعلى ونعل آبائى، كم تعارض فلا تترك من جواب ممضّ! ثم قال: يا غلام؛ يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل فى ليلته ولا يحجب فى المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره لأمرت لك بمثل ما أمر لك به، وقد أمرت لك به، إلّا ألف درهم، فتلقّ الخادم صباحا. قال الأصمعىّ: فما صليت من غد إلّا وفى منزلى تسعة وخمسون ألف درهم.

стр. 682

مجلس آخر ٥٠ تأويل آية [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: ٢٥٧]. فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنه هو الفاعل للإيمان فيهم؟ لأن النور هاهنا كناية عن الإيمان والطاعات، والظلمة كناية عن الكفر والمعاصى، ولا معنى لذلك غير ما ذكرناه. وإذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين، وهذا خلاف مذهبكم. الجواب، قلنا: أما النور والظلمة المذكوران فى الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان والكفر، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار، والثواب والعقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب والنعيم فى الجنة بأنه نور، وعن العقاب فى النار بأنه ظلمة، وإذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى؛ لأنه لا شبهة فى أنه جل وعز هو المدخل للمؤمن الجنة، والعادل به عن طريق النار. والظاهر بما ذكرناه أشبه؛ لأنه يقتضي أنّ المؤمن الّذي ثبت كونه مؤمنا/ يخرج من الظلمة إلى النور؛ فلو حمل على الإيمان والكفر لتناقض المعنى، ولصار تقدير الكلام: أنه يخرج المؤمن الّذي قد تقدّم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان؛ وذلك لا يصحّ. وإذا كان الكلام يقتضي الاستقبال فى إخراج من قد ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر. على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان والكفر لصحّ، ولم يكن مقتضيا لما توهموه، ويكون وجه إضافة الإخراج إليه، وإن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دلّ وبيّن وأرشد ولطّف وسهّل؛ وقد علمنا أنه لولا هذه الأمور لم يخرج المكلّف من الكفر إلى الإيمان، فيصح

стр. 683

إضافة الإخراج إليه تعالى لكون ما عددناه من جهته. وعلى هذا يصحّ من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغّبه فى ذلك، وعرّفه ما فيه من الصلاح، أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلانىّ؛ وأنا أخرجته من كذا وكذا وأنتشته منه؛ ويكون وجه الإضافة ما ذكرناه من الترغيب، وتقوية الدواعى. ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات، إلى الطواغيت، وإن لم يدلّ ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر فى الكفار؛ بل وجه الإضافة ما تقدم؛ لأن الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر، ويزيّنون فعله، فتصح إضافته إليهم من هذا الوجه، والطاغوت هو الشيطان وحزبه، وكلّ عدو لله تعالى صدّ عن طاعته، وأغرى (١) بمعصيته يصحّ إجراء هذه التّسمية عليه؛ فكيف اقتضت الإضافة الأولى أن الإيمان من فعل الله تعالى فى المؤمن، ولم تقتض الإضافة الثانية أنّ الكفر من فعل الشياطين فى الكفار؛ لولا بله المخالفين وغفلتهم! وبعد، فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار الله تعالى وليّا للمؤمنين، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية، والإيمان من فعله تعالى لا من فعلهم؛ ولم كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله تعالى فيهم؟ ولم فصل بين الكافر والمؤمن فى باب الولاية، وهو المتولى لفعل الأمرين فيهما؟ ومثل هذا لا يذهب على أحد، ولا يعرض عنه إلّا معاند مغالط لنفسه. ***/ أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبو عبد الله بن النطاح قال أخبرنا أبو عبيدة قال، قال عبد الملك بن مسلم: كتب (٢) عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه،

стр. 684

ولم يبق لى من لذة الدنيا إلّا مناقلة الإخوان الأحاديث، وقبلك عامر الشعبىّ، فابعث به إلى يحدثنى. فدعا الحجاج بالشعبىّ، وجهزه وبعث به إليه، وقرّظه وأطراه فى كتابه، فخرج الشعبىّ حتى إذا كان بباب عبد الملك، قال للحاجب: استأذن لى، قال: من أنت؟ قال: عامر الشعبىّ؛ قال: حيّاك الله، ثم نهض فأجلسه على كرسيه، فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال: ادخل، فدخل، قال: فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسىّ، وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية، على كرسىّ، فسلمت فرد السلام، ثم أومأ إلى بقضيبه، فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الّذي بين يديه فقال: ويحك! من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال الشعبىّ: فأظلم عليّ ما بينى وبين عبد الملك، ولم أصبر أن قلت: ومن هذا يا أمير المؤمنين الّذي يزعم أنه أشعر الناس! فعجب عبد الملك من عجلتى قبل أن يسألنى عن حالى، ثم قال: هذا الأخطل، قلت: يا أخطل، أشعر منك الّذي يقول: هذا غلام حسن وجهه ... مستقبل الخير سريع التّمام (١) للحارث الأكبر والحارث ال ... أصغر والحارث خير الأنام (٢) خمسة آباء هم ما هم ... هم خير من يشرب صوب الغمام فقال عبد الملك: ردّها عليّ، فرددتها حتى حفظها، فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الشعبىّ، قال: صدق والله، النابغة أشعر منى. قال الشعبىّ: ثم أقبل عليّ عبد الملك فقال. كيف أنت يا شعبىّ؟ قلت: بخير لا زلت

стр. 685

به، ثم ذهبت لأصنع معاذيرى لما كان من خلافى على الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث فقال: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق، ولا تراه منّا فى قول ولا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول فى النابغة؟ قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطاب/ فى غير موطن على جميع الشعراء، وذلك أنّه خرج يوما وببابه وفد غطفان، فقال: يا معاشر غطفان، أىّ شعرائكم الّذي يقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب (١) لئن كنت قد بلّغت عنّى خيانة ... لمبلغك الواشى أغشّ وأكذب ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرّجال المهذّب! قالوا: النابغة، قال: فأيّكم الّذي يقول: فإنك كاللّيل الّذي هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع (٢) خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع (٣) قالوا: النابغة، قال: أيّكم الّذي يقول: إلى ابن محرّق أعملت نفسى ... وراحلتى وقد هدت العيون (٤) أتيتك عاريا خلقا ثيابى ... على خوف تظنّ بى الظّنون فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.

стр. 686

ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال: أتحبّ أنّ لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب، أم تحب أنك قلته؟ فقال: لا والله؛ إلّا أنى وددت أنى كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان والله مغدف القناع (١)، قليل السّماع، قصير الذراع، قال: وما قال؟ فأنشده: إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل ... وإن بليت، وإن طالت بك الطّيل (٢) ليس الجديد به تبقى بشاشته ... إلّا قليلا، ولا ذو خلّة يصل (٣) والعيش لا عيش إلّا ما تقرّبه ... عين، ولا حال إلّا سوف تنتقل إن ترجعى من أبى عثمان منجحة ... فقد يهون على المستنجح العمل (٤) / والنّاس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى، ولأمّ المخطئ الهبل قد يدرك المتأنّى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل قال الشعبىّ: فقلت: قد قال القطامىّ أفضل من هذا، قال: وما قال؟ قلت: قال (٥): طرقت جنوب رحالنا من مطرق ... ما كنت أحسبه قريب المعنق (٦) حتى أتيت إلى آخر القصيدة، فقال عبد الملك: ثكلت القطامىّ أمّه! هذا والله الشعر. قال: فالتفت إلى الأخطل فقال: يا شعبىّ، إنّ لك فنونا فى الأحاديث، وإنّ لنا فنّا واحدا، فإن رأيت ألّا تحملنى على أكتاف قومك، فأدعهم حرضا! قلت: لا أعرض لك

стр. 687

فى شيء من الشعر أبدا، فأقلنى هذه المرة، قال: من يكفل بك؟ قلت: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: هو عليّ ألّا يعرض لك أبدا. ثم قال: يا شعبىّ، أىّ شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء؟ قلت: خنساء، قال: ولم فضّلتها على غيرها؟ قلت: لقولها: وقائلة- والنّعش قد فات خطوها (١) ... لتدركه-: يا لهف نفسى على صخر! ألا ثكلت أمّ الّذين غدوا به ... إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر! فقال عبد الملك: أشعر منها والله ليلى الأخيلية حيث تقول: مهفهف الكشح والسّربال منخرق ... عنه القميص لسير اللّيل محتقر لا يأمن النّاس ممساه ومصبحه ... فى كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر (٢) ثم قال: يا شعبىّ، لعله شقّ عليك ما سمعته؟ فقلت: إي والله يا أمير المؤمنين أشدّ المشقّة! إنى لمحدّثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة فى الغلام، ثم قال: يا شعبىّ، إنما أعلمناك هذا، لأنّه بلغنى أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّد عليّ أبيات ليلى حتى حفظتها، وأذن لى فانصرفت، فكنت أول داخل/ وآخر خارج. *** قال سيدنا أدام الله تمكينه: والصحيح فى الرواية أن البيتين اللذين رواهما عبد الملك ونسبهما إلى ليلى الأخيلية لأعشى باهلة (٣)، يرثى المنتشر بن وهب الباهلىّ (٤)، وهذه القصيدة

стр. 688

من المراثى المفضّلة المشهورة بالبلاغة والبراعة وهى (١): إنى أتتنى لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر (٢) فظلت مكتئبا حرّان أندبه ... وكنت أحذره، لو ينفع الحذر! فجاشت النّفس لما جاء جمعهم ... وراكب جاء من تثليث معتمر (٣) يأتى على الناس لا يلوى على أحد ... حتى التقينا، وكانت بيننا مضر (٤) *** إنّ الّذي جئت من تثليث تندبه ... منه السماح ومنه النّهى والغير (٥)

стр. 689

تنعى امرأ لا تغبّ الحىّ جفنته ... إذا الكواكب أخطأ (١) نوءها المطر (٢) وراحت الشّول مغبرّا مناكبها (٣) ... شعثا تغيّر منها النّىّ والوبر (٤) وألجأ الكلب موقوع الصّقيع به (٥) ... وألجأ الحىّ من تنفاحها الحجر (٦) عليه أوّل زاد القوم قد علموا ... ثمّ المطىّ إذا ما أرملوا جزر (٧) قد تكظم البزل منه حين تبصره (٨) ... حتّى تقطّع فى أعناقها الجرر (٩) أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر (١٠)

стр. 690

لم تر أرضا ولم تسمع بساكنها ... إلّا بها من نوادى وقعه أثر (١) وليس فيه إذا استنظرته عجل ... وليس فيه إذا ياسرته عسر فإن يصبك عدوّ فى مناوأة ... يوما، فقد كنت تستعلى وتنتصر من ليس فى خيره منّ يكدّره ... على الصّديق، ولا فى صفوه كدر أخو شروب، ومكساب إذا عدموا ... وفى المخافة منه الجدّ والحذر (٢) مردى حروب، ونور يستضاء به ... كما أضاء سواد الظّلمة القمر (٣) / مهفهف أهضم الكشحين منخرق ... عنه القميص لسير اللّيل محتقر (٤) طاوى المصير على العزّاء منجرد ... بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر (٥) لا يصعب الأمر إلّا ريث يركبه ... وكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر معنى «لا يصعب الأمر» أى لا يجده صعبا- لا يتأرّى لما فى القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر (٦)

стр. 691

لا يغمز السّاق من أين ولا وصب ... ولا يزال أمام القوم يقتفر (١) لا يأمن النّاس ممساه ومصبحه ... فى كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر (٢) تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها ... من الشّواء ويروى شربه الغمر (٣) لا تأمن البازل الكوماء عدوته (٤) ... ولا الأمون إذا ما اخروّط السّفر (٥) كأنّه بعد صدق الناس أنفسهم ... باليأس تلمع من قدّامه البشر (٦) قال المبرّد" لا نعلم بيتا فى يمن النقيبة وبركة الطلعة أبرع من هذا البيت"- لا يعجل القوم أن تغلى مراجلهم ... ويدلج اللّيل حتى يفسح البصر (٧) [عشنا به حقبة حيّا ففارقنا] (٨) ... كذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر (٩) أصبت فى حرم منّا أخا ثقة ... هند بن أسماء، لا يهنى لك الظّفر (١٠) ! ... لو لم تخنه نفيل وهى خائنة ... لصبّح القوم ورد ماله صدر (١١)

стр. 692

وأقبل (١) الخيل من تثليث مصغية ... وضمّ أعينها عوران أو حضر (٢) إمّا سلكت سبيلا كنت سالكها ... فاذهب فلا يبعدنك الله منتشر قال ﵀: وقد رويت هذه القصيدة للدّعجاء أخت المنتشر، وقيل لليلى أخته، ولعل الشبهة الواقعة فى نسبتهما إلى ليلى الأخيلية من هاهنا والصحيح، ما ذكرناه. *** أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة قال: وفد الأخطل على معاوية فقال: إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها، فقال: إن كنت شبّهتنى بالحية أو الأسد أو الصّقر فلا حاجة لى فيها؛ وإن كنت قلت فىّ كما قالت الخنساء (٣): وما بلغت كفّ امرئ متناول (٤) ... به المجد إلّا حيث ما نلت أطول (٥) وما بلغ المهدون فى القول مدحة ... وإن صدقوا إلّا الّذي فيك أفضل فهات، فقال الأخطل: والله لقد أحسنت وقلت بيتين؛ ما هما بدون ما سمعته، وأنشد: إذا متّ مات العزّ (٦) وانقطع الغنى ... فلم يبق إلّا من قليل مصرّد (٧)

стр. 693

وردّت أكفّ الرّاغبين وأمسكوا ... من الدّين والدّنيا بخلف مجدّد (١) فأحسن صلته. وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد النحوىّ قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوىّ أن ابن الأعرابىّ أنشدهم: مررنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح؛ إنما الكلب نابح قوله «يكعم كلبه» - أى يشدّ فاه خوفا أن ينبح فيدل عليه. وقال آخر: وتكعم كلب الحىّ من خشية القرى ... ونارك كالعذراء من دونها ستر (٢) قال: وقد قال الأخطل: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولى على النار قال أبو عبد الله: وسمعت محمد بن يزيد الأزدىّ يقول: هذا من أهجى ما هجى به جرير، لأنه جعل نارهم تطفئها البولة، وجعلهم يأمرون أمهم بالبول استخفافا بها.

стр. 694

مجلس آخر ٥١ تأويل آية [رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ؛ [آل عمران: ٨]. أوليس ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان حتى تصحّ مسألته تعالى ألّا يزيغها، ويكون هذا الدعاء مفيدا؟ الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه: أوّلها أن يكون المراد بالآية: ربنا لا تشدّد علينا المحنة فى التكليف، ولا تشق علينا فيه، فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منّا بعد الهداية؛ وليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه؛ كما قال فى السورة: إنّها (١) زادتهم رجسا إلى رجسهم، وكما قال مخبرا عن نوح ﵇: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً؛ [نوح: ٦]. فإن قيل: كيف يشدّد عليهم فى المحنة؟ قلنا: بأن يقوّى شهواتهم، لما قبحه فى عقولهم، ونفورهم (٢) عن الواجب عليهم، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا، والثواب المستحقّ عليهم عظيما متضاعفا وإنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة. وثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية، وإمدادهم بالألطاف التى معها يستمرّون على الإيمان. فإن قيل: وكيف يكون مزيغا لقلوبهم بألّا يفعل اللّطف؟

стр. 695

قلنا: من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه وتوفيقاته زاغوا وانصرفوا عن الإيمان. ويجرى هذا مجرى قولهم: اللهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا؛ معناه لا تخلّ بيننا وبين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا؛ ومثله قول الشاعر: أتانى ورحلى بالمدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كلّ قائم أراد: قعد لها كل قائم؛ فكأنهم قالوا: لا تخلّ بيننا وبين نفوسنا وتمنعنا ألطافك، فنزيغ ونضلّ. وثالثها ما أجاب به أبو عليّ الجبائى محمد بن عبد الوهاب، لأنه قال: المراد بالآية ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك. ومعنى هذا السؤال أنهم سألوا الله تعالى أن يلطف لهم فى فعل الإيمان؛ حتى يقيموا عليه ولا يتركوه فى مستقبل عمرهم، فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب، وأن يفعل بهم بدلا منه العقاب. فإن قال قائل: فما هذا الثواب الّذي هو فى قلوب المؤمنين؛ حتى زعمتم أنّهم سألوا الله تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عنه؟ وأجاب بأنّ من الثواب الّذي فى قلوب المؤمنين ما ذكره الله تعالى من الشرح والسّعة بقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ؛ [الأنعام: ١٢٥]؛ وقوله تعالى لرسوله/ عليه وآله السلام: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] وذكر أن ضدّ هذا الشرح هو الضّيق والحرج اللّذان يفعلان بالكفار عقوبة، قال: ومن ذلك أيضا التطهير الّذي يفعله فى قلوب المؤمنين، وهو الّذي منعه الكافرين، فقال تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛ [المائدة: ٤١]. قال: ومن ذلك أيضا كتابته الإيمان فى قلوب المؤمنين، كما قال الله تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: ٢٢] وضدّ هذه الكتابة هى سمات الكفر التى فى قلوب الكافرين؛ فكأنهم سألوا الله تعالى ألّا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب.

стр. 696

ورابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بألّا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان. ولا يقتضي ذلك أنّه تعالى سئل ما كان لا يجب أن يفعله، وما لولا المسألة لجاز فعله؛ لأنّه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه، والافتقار إلى ما عنده بأن يفعل تعالى ما نعلم أنه لا بدّ من أن يفعله، وبألّا يفعل ما نعلم أنه واجب ألّا يفعله؛ إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة؛ كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم ﵇: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ؛ [الشعراء: ٨٧] وكما قال فى تعليمنا ما ندعو به: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ؛ [الأنبياء: ١١٢] وكقوله تعالى: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ؛ [البقرة: ٢٨٦]، على أحد الأجوبة: وكل ما ذكرناه واضح بين بحمد الله. *** قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن قول الراعى فى وصف الأثافىّ والرماد، فقد (١) طبّق وصفه المفصل، مع جزالة الكلام وقوته واستوائه واطراده: وأورق مذ عهد ابن عفّان حوله ... حواضن ألّاف على غير مشرب وراد الأعالى أقبلت بنحورها ... على راشح ذى شامة متقوّب كأنّ بقايا لونه فى متونها ... بقايا هناء فى قلائص مجرب الأورق: الرّماد، جعل الأثافىّ له كالحواضن؛ لاحتضانها له واستدارتها حوله. وأراد بوراد الأعالى أن ألوانها تضرب إلى الحمرة، وخصّ الأعالى؛ لأنها مواضع القدر فلا تكاد/ تسودّ. والراشح: هو الراضع؛ وإنما شبّه الرماد بينهن بفصيل بين أظآر. والمتقوّب: الّذي قد انحسر أعلاه. وشبّه ما سوّدت النار منهن بأثر قطران على قلائص جربى. والمجرب: الّذي قد جربت إبله. ونظير هذا المعنى بعينه، أعنى تشبيه تسويد النار بالهناء قول ذى الرّمة:

стр. 697

عفا الزّرق من أطلال ميّة فالدّحل ... فأجماد حوضى حيث زاحمها الحبل (١) سوى أن يرى سوداء من غير خلقة ... تخاطأها، وارتثّ جاراتها النّقل (٢) من الرّضمات البيض غيّر لونها ... بنات فراض المرخ واليابس الجزل كجرباء دسّت بالهناء فأفصيت ... بأرض خلاء أن تقاربها الإبل قوله: «سوداء من غير خلقة» يعنى أثفيّة؛ لأن السواد ليس بخلقة بها؛ وإنما سوّدتها النار. وقوله: تخاطأها النقل، أى تجاوزها فلم تحمل من مكان إلى مكان؛ بل بقيت منفردة. وارتثّ جاراتها: يعنى بجاراتها؛ أى نقلن عنها الأثافىّ اللواتى كنّ معها. والمرتثّ: هو المنقول من مكان إلى مكان؛ وأصل ذلك فى الجريح والعليل؛ يقال ارتثّ الرجل ارتثاثا إذا حمل من المعركة وبه رمق. قال النضر بن شميل: معنى ارتثّ صرع. وقال أبو زيد: هو مأخوذ من قولهم ارتثثنا رثّة القوم إذا جمعوا رديء متاعهم بعد أن يتحملوا من موضعهم؛ وكلا المعنيين يليق ببيت ذى الرّمة؛ لأنه قد يجوز أن يريد [بقوله: «وارتثّ جاراتها»، أى نقلن عنها، ويجوز أن يريد] (٣): صرعن وبقيت ثابتة قائمة. والرّضات: حجارة بيض بعضها على بعض. والفراض: جمع فرض، وهو الحزّ يكون فى الزند وعنى ببنات فراض المرخ شرر النار الخارجة من ذلك الفرض. والمرخ: شجر تتخذ منه الرندة. ومن أمثالهم: «فى كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار (٤)»، وهذا المثل يضرب للرجل الكريم الّذي يفضل على القوم ويزيد عليهم؛ فكأن المعنى: كلّ القوم كرام وأكرمهم فلان.

стр. 698

ومعنى «كجرباء دسّت بالهناء» أنه شبه الأثفيّة المفردة بناقة جرباء قد أفردت وأبعدت عن الإبل حتى لا تجربها ولا تعديها. ومعنى دسّت بالهناء، طليت به. وفى معنى قول الراعى: «وراد الأعالى» شبه من قول الشّماخ بن ضرار: / أقامت على ربعيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالى جونتا مصطلاهما (١) يعنى «بربعيهما» منزلى الامرأتين (٢) اللتين ذكرهما، ويعنى «بجارتا صفا» الأثفيّتين؛ لأنهما مقطوعتان من الصّفا الّذي هو الصّخر. ويمكن فى قوله: «جارتا صفا» وجه آخر هو أحسن من هذا؛ وهو أنّ الأثفيّتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما، وممسكة للقدر معهما؛ ولهذا تقول العرب: رماه بثالثة الأثافىّ؛ أى بالصخرة أو الجبل، وشبه أعلاهما بلون الكميت؛ وهو لون الحجر نفسه؛ لأن النار لم تصل إليه فتسوده (٣). ومصطلاهما جون أى أسود؛ لأنّ النار قد سفعته وسوّدته. وقال الراعى فى وصف الأثافىّ أيضا: أذاع بأعلاه، وأبقى شريده ... ذرا مجنحات بينهنّ فروج كأنّ بجزع الدّار لمّا تحمّلوا ... سلائب ورقا بينهنّ خديج أذاع بأعلاه، يعنى الرماد؛ لأن السافى (٤) يطيّر ظاهره وما علا منه. وأبقى شريده، أى بقى (٥) لما شرد على السافى فلم يطر. وذرا لجنحات يعنى الأثافىّ. وذرا كل شيء: جانبه وما استذريت به منه. والمجنحات: المسبلات منه.

стр. 699

والسلائب: جمع سلوب؛ وهى الناقة التى قد سلبت ولدها بموت أو نحر؛ فقد عطفت على حوار آخر. والخديج: الّذي قد سقط لغير تمام. والورق: اللواتى ألوانهن كلون الرماد. وفى معنى قول الراعى: «وأبقى شريده ذرا مجنحات» قول المخبّل السعدىّ: وأرى لها دارا بأغدرة السيّ ... دان لم يدرس لها رسم (١) إلّا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرّياح خوالد سحم (٢) إلا هاهنا: بمعنى الواو، فكأنه قال: وأرى رمادا هامدا، ولولا أن «إلّا» هاهنا بمعنى الواو لفسد الكلام ونقض آخره أوّله، لأنه يقول فى آخر البيت: إنّ الخوالد السّحم دفعت عنه الرياح، فكيف يخبر بأنه قد درس، وإنما أراد أنّه باق ثابت، لأنّ الأثافىّ دفعت عنه الرياح فلم يستثنه، إذن هو من جملة ما لم يدرس، بل هو داخل فى جملته. وللراعى أيضا فى الأثافىّ: أنخن وهنّ أغفال عليها ... فقد ترك الصّلاء بهنّ نارا / شبه الأثافىّ بنوق أنخن أغفالا، ليست عليهنّ سمة؛ ثم أخبر أنّ الوقود أثّر فيهن أثرا كالسّمة، والنار السمة، تقول العرب: ما نار بعيرك؟ أى، ما سمته؟ وفى أمثالهم: «نجارها نارها»، أى سمتها تدلّ على كرمها، يضرب ذلك للرجل ترى له ظاهرا حسنا يدلّ على باطن خبره.

стр. 700

وقال عدىّ بن الرّقاع العاملىّ: إلّا رواكد كلّهنّ قد اصطلى ... حمراء أشعل أهلها إيقادها (١) كانت رواحل للقدور فعرّيت ... منهنّ، واستلب الزّمان رمادها وقال الأسعر الجعفىّ: إلّا رواكد بينهنّ خصاصة ... سفع المناكب، كلّهنّ قد اصطلى (٢) وقال حميد بن ثور: فتغيّرت إلّا ملاعبها ... ومعرّسا من جونة ظهر (٣) عرش الثّقاب لها بدار مقامة ... للحىّ بين نظائر وتر الجونة: القدر: ويقال: قدر ظهر، وقدور ظهور، إذا كانت قديمة (٤). وعرش، أى جعل مثل العريش، يعنى الوقود. والثّقاب: ما أثقبت به النار من الوقود. والنظائر: هى الأثافىّ: والوتر: الفرد، وأراد أنها ثلاث. وقال الكميت بن زيد: ولن تحيّيك أظآر معطّفة ... بالقاع، لا تمك فيها ولا ميل ليست بعوذ، ولم تعطف على ربع ... ولا يهيب بها ذو النيّة الإبل يعنى الأثافىّ، فشبّه عطفها على الرماد بنوق أظآر قد عطفن على فصيل. والتّمك: انتصاب السنام. والميل: من صفة السّنام أيضا. والعائذ من النّوق: التى يتبعها ولدها. والرّبع: الّذي نتج فى أول الربيع. والإهابة: الدعاء؛ أهاب بإبله إذا دعاها. وذو النية: الّذي قد نوى الرّحيل. الإبل: صاحب الإبل.

стр. 701

وقال ذو الرّمة: فلم يبق إلّا أن ترى فى محلّه ... رمادا نحت عنه السيول جنادله (١) / كأنّ الحمام الورق فى الدّار وقّعت (٢) ... على حرق بين الظّئور جوازله شبه الأثافىّ بالحمام الورق؛ وجعلها ظئورا لتعطّفها على الرماد؛ وشبه الرّماد بفرخ حرق قد سقط ريشه. والجوازل: الفراخ. واحدها جوزل. وقال البعيث: ألا حييّا الرّبع القواء وسلّما ... ورسما كجثمان الحمامة أدهما قيل إن الحمام هاهنا القطاة؛ وإنه شبّه ألوان الرسوم من الرّماد، وموقد نار، ودمنة، ومجرّ طنب، وما أشبه هذه الأشياء بألوان ريش قطاة. ومثله لجرير: كأنّ رسوم الدّار ريش حمامة ... محاها البلى واستعجمت أن تكلّما (٣) ولقد أحسن كلّ الإحسان كثيّر فى قوله: أمن القيلة بالدّخول رسوم ... وبحومل طلل يلوح قديم (٤) لعب الرّياح برسمه فأجدّه ... جون عواكف فى الرّماد جثوم سفع الخدود كأنّهنّ وقد مضت ... حجج عوائد بينهنّ سقيم وقيل فى قوله: «فأجدّه جون عواكف» يعنى الأثافىّ، لأن الريح لما كشفت عنها، وظهرت صارت هى كأنها أجدّت الرّسم. ويحتمل وجه آخر، وهو أن يكون معنى «أجدّت» أنّها حمت الرماد الّذي أحاطت به عن لعب الرّياح، فبقى بحاله يستدلّ به المترسم (٥)،

стр. 702

فكأن الرياح درست الربع ومحته إلّا ما أجدّته هذه الأثافىّ من الرماد، ومنعت الريح منه، ويجرى ذلك مجرى قول المخبّل: إلّا رمادا هامدا ... ... البيت ... وقال المرار الفقعسيّ فى الأثافىّ: أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهنّ كأنّه لطم ويقال إن أبا تمام الطائىّ أخذ ذلك فى قوله: قفوا نعط المنازل من عيون ... لها فى الشّوق أحساء غزار (١) عفت آياتهنّ، وأىّ ربع ... يكون له على الزّمن الخيار! / أثاف كالخدود لطمن حزنا ... ونؤي مثل ما انفصم السّوار وقد عاب عليه قوله: «لطمن حزنا» بعض من لا معرفة له، وقال: لا فائدة فى قوله «حزنا»، ولذلك فائدة؛ وذلك أنّ لطم الحزن يكون أوجع وأبلغ، فتأثيره أظهر وأبين؛ وقد يكون اللطم لغير الحزن؛ فأما قوله. * ونؤي مثل ما انفصم السوار* فمأخوذ من قول الشاعر: نؤي كما نقص الهلال محاقه (٢) ... أو مثلما فصم السّوار المعصم وقد شبّه الناس النّؤى بالسوار والخلخال كثيرا، وبغير ذلك، قال كثيّر: عرفت لسعدى بعد عشرين حجّة ... بها درس نؤي فى المحلّة منحن (٣) قديم كوقف العاج ثبّت حوله ... مغارز أوتاد برضم موضّن

стр. 703

- الوقف: السوار من الذّبل ومن العاج. والرّضم: صخور عظام. والموضّن: الّذي يعضه فوق بعض. وقال بشار: ونؤي كخلخال الفتاة، وصائم ... أشجّ على ريب الزمان رقوب (١) الصائم الأشج: يعنى الوتد؛ وإنما وصفه بأنه صائم لقيامه وثباته، وجعله رقوبا لانفراده، والمرأة الرّقوب والشيخ الرّقوب: الّذي لا يعيش له ولد. ومن مستحسن ما وصف به النؤى قول أبى تمام: والنّؤى أهمد شطره فكأنّه ... تحت الحوادث حاجب مقرون (٢) وقال المتنبى فى ذلك: قف على الدّمنتين بالدّوّ من ريّ ... اكخال فى وجنة جنب خال (٣) بطول كأنّهنّ نجوم ... فى عراص كأنّهنّ ليال ونؤيّ كأنهنّ عليه ... نّ خدام خرس بسوق خدال الخدام: جمع خدمة (٤)؛ وهى الخلخال، وجعلها خرسا لأنها غير قلقة، وشبه ما أحدق به النؤى من الأرض وامتلائها بامتلاء الخلخال، من الساق الخدلة، وهى الممتلئة.

стр. 704

مجلس آخر ٥٢ تأويل آية [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً] إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، [البقرة: ٦٧ - ٧٠]. فقال: ما تأويل هذه الآيات؟ وهل البقرة التى نعتت بجميع النعوت هى البقرة المرادة باللفظ الأول والتكليف واحد، أو المراد مختلف والتكليف متغاير؟ الجواب، قلنا: أهل العلم فى تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم؛ فمن جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد، وأن الأوصاف المتأخرة هى للبقرة المتقدّمة؛ وإنما تأخر البيان، ولما سأل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شيء. ومن لم يجوّز تأخير البيان يقول: إن التكليف متغاير؛ وإنهم لما قيل لهم: اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أىّ بقرة شاءوا، من غير تعيين بصفة، ولو أنهم ذبحوا أىّ بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض ولا بكر، ولو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أىّ لون كان لأجزأ عنهم، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء، فلما لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة.

стр. 705

ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال فى التكليف الأخير: إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث، مسلّمة لا شية فيها، [صفراء فاقع لونها، ولا فارض ولا بكر] (١). ومنهم من قال: إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدم. وظاهر الكتاب بالقول/ المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، وذلك أنه تعالى لما كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، فلا يخلو قولهم: ما هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التى أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعى ذلك. وليس يجوز أن يكون (٢) سألوا عن صفة غير التى تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم ما هِيَ بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ ولأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ وإذا صحّ أن السؤال إنما كان عن صفة البقرة المنكّرة التى أمروا فى الابتداء يذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، وليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأن ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: ما هِيَ يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم، ولأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شيء فأجابهم عن غيره، وهذا لا يليق بالنبى ﵇. على أنه لما أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم فى الأول على ما يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم، وينكر عليهم الاستفهام فى غير موضعه، وتفريطهم فيما أمروا به؛ مما لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه، فيقول فى جواب قولهم: ما هِيَ:
следующие страницы →