← Адаб

Адаб · id 20937

أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد (معتزلي)

الشريف المرتضى

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقال ذو الرّمة: فلم يبق إلّا أن ترى فى محلّه ... رمادا نحت عنه السيول جنادله (١) / كأنّ الحمام الورق فى الدّار وقّعت (٢) ... على حرق بين الظّئور جوازله شبه الأثافىّ بالحمام الورق؛ وجعلها ظئورا لتعطّفها على الرماد؛ وشبه الرّماد بفرخ حرق قد سقط ريشه. والجوازل: الفراخ. واحدها جوزل. وقال البعيث: ألا حييّا الرّبع القواء وسلّما ... ورسما كجثمان الحمامة أدهما قيل إن الحمام هاهنا القطاة؛ وإنه شبّه ألوان الرسوم من الرّماد، وموقد نار، ودمنة، ومجرّ طنب، وما أشبه هذه الأشياء بألوان ريش قطاة. ومثله لجرير: كأنّ رسوم الدّار ريش حمامة ... محاها البلى واستعجمت أن تكلّما (٣) ولقد أحسن كلّ الإحسان كثيّر فى قوله: أمن القيلة بالدّخول رسوم ... وبحومل طلل يلوح قديم (٤) لعب الرّياح برسمه فأجدّه ... جون عواكف فى الرّماد جثوم سفع الخدود كأنّهنّ وقد مضت ... حجج عوائد بينهنّ سقيم وقيل فى قوله: «فأجدّه جون عواكف» يعنى الأثافىّ، لأن الريح لما كشفت عنها، وظهرت صارت هى كأنها أجدّت الرّسم. ويحتمل وجه آخر، وهو أن يكون معنى «أجدّت» أنّها حمت الرماد الّذي أحاطت به عن لعب الرّياح، فبقى بحاله يستدلّ به المترسم (٥)،

стр. 702

فكأن الرياح درست الربع ومحته إلّا ما أجدّته هذه الأثافىّ من الرماد، ومنعت الريح منه، ويجرى ذلك مجرى قول المخبّل: إلّا رمادا هامدا ... ... البيت ... وقال المرار الفقعسيّ فى الأثافىّ: أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهنّ كأنّه لطم ويقال إن أبا تمام الطائىّ أخذ ذلك فى قوله: قفوا نعط المنازل من عيون ... لها فى الشّوق أحساء غزار (١) عفت آياتهنّ، وأىّ ربع ... يكون له على الزّمن الخيار! / أثاف كالخدود لطمن حزنا ... ونؤي مثل ما انفصم السّوار وقد عاب عليه قوله: «لطمن حزنا» بعض من لا معرفة له، وقال: لا فائدة فى قوله «حزنا»، ولذلك فائدة؛ وذلك أنّ لطم الحزن يكون أوجع وأبلغ، فتأثيره أظهر وأبين؛ وقد يكون اللطم لغير الحزن؛ فأما قوله. * ونؤي مثل ما انفصم السوار* فمأخوذ من قول الشاعر: نؤي كما نقص الهلال محاقه (٢) ... أو مثلما فصم السّوار المعصم وقد شبّه الناس النّؤى بالسوار والخلخال كثيرا، وبغير ذلك، قال كثيّر: عرفت لسعدى بعد عشرين حجّة ... بها درس نؤي فى المحلّة منحن (٣) قديم كوقف العاج ثبّت حوله ... مغارز أوتاد برضم موضّن

стр. 703

- الوقف: السوار من الذّبل ومن العاج. والرّضم: صخور عظام. والموضّن: الّذي يعضه فوق بعض. وقال بشار: ونؤي كخلخال الفتاة، وصائم ... أشجّ على ريب الزمان رقوب (١) الصائم الأشج: يعنى الوتد؛ وإنما وصفه بأنه صائم لقيامه وثباته، وجعله رقوبا لانفراده، والمرأة الرّقوب والشيخ الرّقوب: الّذي لا يعيش له ولد. ومن مستحسن ما وصف به النؤى قول أبى تمام: والنّؤى أهمد شطره فكأنّه ... تحت الحوادث حاجب مقرون (٢) وقال المتنبى فى ذلك: قف على الدّمنتين بالدّوّ من ريّ ... اكخال فى وجنة جنب خال (٣) بطول كأنّهنّ نجوم ... فى عراص كأنّهنّ ليال ونؤيّ كأنهنّ عليه ... نّ خدام خرس بسوق خدال الخدام: جمع خدمة (٤)؛ وهى الخلخال، وجعلها خرسا لأنها غير قلقة، وشبه ما أحدق به النؤى من الأرض وامتلائها بامتلاء الخلخال، من الساق الخدلة، وهى الممتلئة.

стр. 704

مجلس آخر ٥٢ تأويل آية [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً] إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، [البقرة: ٦٧ - ٧٠]. فقال: ما تأويل هذه الآيات؟ وهل البقرة التى نعتت بجميع النعوت هى البقرة المرادة باللفظ الأول والتكليف واحد، أو المراد مختلف والتكليف متغاير؟ الجواب، قلنا: أهل العلم فى تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم؛ فمن جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد، وأن الأوصاف المتأخرة هى للبقرة المتقدّمة؛ وإنما تأخر البيان، ولما سأل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شيء. ومن لم يجوّز تأخير البيان يقول: إن التكليف متغاير؛ وإنهم لما قيل لهم: اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أىّ بقرة شاءوا، من غير تعيين بصفة، ولو أنهم ذبحوا أىّ بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض ولا بكر، ولو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أىّ لون كان لأجزأ عنهم، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء، فلما لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة.

стр. 705

ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال فى التكليف الأخير: إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث، مسلّمة لا شية فيها، [صفراء فاقع لونها، ولا فارض ولا بكر] (١). ومنهم من قال: إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدم. وظاهر الكتاب بالقول/ المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، وذلك أنه تعالى لما كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، فلا يخلو قولهم: ما هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التى أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعى ذلك. وليس يجوز أن يكون (٢) سألوا عن صفة غير التى تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم ما هِيَ بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ ولأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ وإذا صحّ أن السؤال إنما كان عن صفة البقرة المنكّرة التى أمروا فى الابتداء يذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، وليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأن ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: ما هِيَ يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم، ولأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شيء فأجابهم عن غيره، وهذا لا يليق بالنبى ﵇. على أنه لما أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم فى الأول على ما يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم، وينكر عليهم الاستفهام فى غير موضعه، وتفريطهم فيما أمروا به؛ مما لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه، فيقول فى جواب قولهم: ما هِيَ:

стр. 706

إنما كلّفتم أىّ بقرة شئتم، وما يستحق اسم بقرة، وقد فرّطتم فى ترك الامتثال، وأخطأتم فى الاستفهام، مع وضوح الكلام، إلّا أنكم قد كلّفتم ثانيا كذا وكذا، لأن هذا مما يجب عليه بيانه؛ لإزالة الشك والإبهام واللبس؛ فلما لم يفعل ذلك، وأجاب بالجواب الّذي ظاهره يقتضي التعلّق بالسؤال علم أن الأمر على ما ذكرناه. وهب أنه لم يفعل ذلك فى أول سؤال، كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة والاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها؟ ومع تكرر المعصية والتفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلّقة بسؤالاتهم؟ لأنهم يسألونه/ عن صفة شيء فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان؛ بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلّق الجواب بالسؤال؛ لأنّ قول القائل فى جواب من سأله ما كذا وكذا: إنه بالصفة الفلانية صريح فى أن الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه؛ هذا مع قولهم: إن البقر تشابه علينا، لأنهم لم يقولوا ذلك إلا وقد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، فلم لم يقل: أىّ تشابه عليكم إذ إنما أمرتم فى الابتداء بأىّ بقرة كانت، وفى الثانى بما اختص باللون المخصوص من أى البقر كان؟ فإن قيل: كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام ولا يبين ذلك لهم، وهل هذا إلا تكليف ما لا يطاق! قلنا: لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة فى الثانى من حال الخطاب؛ ولو كانت حال الفعل حاضرة لما جاز أن يتأخر البيان، لأن تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الّذي لا شبهة فى قبحه، وإنما أراد أن يذبحوها فى المستقبل، فلو لم يستفهموا ويطلبوا البيان لكان قد ورد عليهم عند الحاجة إليه. فإن قيل: إذا كان الخطاب غير متضمّن لصفة ما أمروا بذبحه، فوجوده كعدمه، وهذا يخرجه من باب الفائدة، ويوجب كونه عبثا! قلنا: ليس يجب ما ظننتم؛ لأن القول وإن كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة؛ ولو لم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب، لصار مفيدا من حيث ذكرنا،

стр. 707

وخرج من أن يكون وجوده كعدمه. وفوائد الكلام لا يجب أن يدخلها الاقتراح، وليس يخرج الخطاب من تعلّقه ببعض الفوائد كونه غير متعلق بغيرها، وبما هو زيادة عليها. فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ يدلّ على استبطائهم وذمّهم على التقصير فى امتثال الأمر! قلنا: ليس ذلك صريح ذمّ، لأن كادُوا للمقاربة، وقد يجوز أن يكون التكليف صعب عليهم لغلاء ثمن البقرة التى تكاملت لها تلك الصفات، فقد روى أنهم ابتاعوها بملء جلدها ذهبا. على أن الذمّ يقتضي ظاهره أن يصرف إلى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد/ البيان التام، لأن قوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ إنما ورد بعد تقدّم البيان التامّ المتكرر، ولا يقتضي ذمّهم على ترك المبادرة فى الأول إلى ذبح بقرة، فليس فيه دلالة على ما يخالف ما ذكرناه. فإن قيل: لو ثبت تقديرا أن التكليف فى البقرة متغاير، أىّ القولين اللّذين حكيتموهما عن أهل هذا المذهب أصحّ وأشبه؟ قلنا: قول من ذهب إلى أنّ البقرة إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، لأن الظاهر به أشبه؛ من حيث إذا ثبت تغاير التكليف: وليس فى قوله: إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ إلى آخر الأوصاف ذكر لما تقدم من الصفات، وهذا التكليف غير الأول، فالواجب اعتبار ما تضمنه لفظه والاقتصار عليه. فأما «الفارض» فهى المسنّة، وقيل: هى العظيمة الضخمة؛ يقال: غرب فارض، أى ضخم، والغرب الدلو؛ ويقال أيضا: لحية فارضة؛ إذا كانت عظيمة؛ والأشبه بالكلام أن يكون المراد المسنّة. فأما «البكر» فهى الصغيرة التى لم تلد، فكأنه تعالى قال: تكون غير مسنّة، ولا صغيرة.

стр. 708

والعوان: دون المسنّة وفوق الصغيرة؛ وهى النّصف التى ولدت بطنا أو بطنين؛ يقال: حرب عوان إذا لم تكن أول حرب وكانت ثانية؛ وإنما جاز أن يقول: بَيْنَ ذلِكَ «وبين» لا يكون إلا مع اثنين أو أكثر؛ لأن لفظة «ذلك» تنوب عن الجمل، تقول: ظننت زيدا قائما، ويقول القائل: قد ظننت ذلك. ومعنى فاقِعٌ لَوْنُها، أى خالصة الصفرة، وقيل: إن كل ناصع اللون؛ بياضا كان أو غيره فهو فاقع. وقيل: إنه أراد ب «صفراء» هاهنا سوداء. ومعنى قوله تعالى: لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ أى تكون صعبة لا يذللها العمل فى إثارة الأرض وسقى الزرع. ومعنى مُسَلَّمَةٌ، مفعلة، من السلامة من العيوب، وقال قوم: مسلّمة من الشّية، أى لا شية فيها تخالف لونها. وقيل: لا شِيَةَ فِيها، أى لا عيب فيها؛ وقيل: لا وضح، وقيل: لا لون يخالف لون جلدها، والله أعلم بما أراد، وإياه نسأل حسن التوفيق. *** قال سيدنا أدام الله تمكينه: كنت أظن أن المتنبى قد سبق إلى معنى قوله فى مرثية أخت سيف الدولة: / طوى الجزيرة حتّى جاءنى خبر ... فزعت فيه بآمالى إلى الكذب (١) حتّى إذا لم يدع لى صدقه أملا ... شرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بى حتى رأيت هذا المعنى لمسلم بن الوليد الأنصارىّ، وللبحترىّ.

стр. 709

أما الّذي لمسلم فقوله فى قصيدة يرثى بها سهل بن الصباح: وقف العفاة عليك من متحيّر ... وله الرّجاء، وذى غنى يسترجع ومخادع السّمع النّعىّ ودونه ... خطب ألمّ بصادق لا يخدع وقال البحترى يرثى وصيفا التركيّ: إذا جدّ ناعيه توهّمت أنه ... يكرّر من أخباره قول مازح (١) وكنت أظن المتنبى قد سبق إلى قوله: يحلّ القنا يوم الطّعان بعقوتى ... فأحرمه عرضى، وأطعمه جلدى (٢) حتى رأيت هذا المعنى واللفظ بعينه لجهم بن شبل الكلابىّ من أهل اليمامة فى قوله: ثنى قومه عن حدرجان وقد حنا ... إلى الموت دامى الصّفحتين كليم (٣) أخو الحرب، أمّا جلده فمجرّح ... كليم، وأما عرضه فسليم (٤) وكنت أظنّ البحترى قد سبق إلى معنى قوله فى الفتح بن خاقان: حملت عليه السّيف، لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدّت، ولا حدّه نبا (٥) حتى وجدت لشاعر متقدم: طعنت ابن دهمان بنجران طعنة ... شققت بها عنه مضاعفة السّرد فلا الكفّ أوهت بى، ولا الرّمح خاننى، ... ولا الأدهم المنعوت حاد عن القصد ***

стр. 710

قال محمد بن يحيى الصولىّ: وصف الناس صفرة اللون فى العلل؛ فكلّ حكى ذلك وبلا فضيلة إلّا البحترى: قال أعرابى من أبيات: جعلت وما عاينت عطرا كأنّما ... جرى بين جلدى والعظام خلوق / وقال أبو تمام: لم تشن وجهه المليح ولكن ... جعلت ورد وجنتيه بهارا (١) وقال غيره: ولم تشن شيئا ولكنّها ... بدّلت التّفّاح بالياسمين وقال بكر بن عيسى: علة زعفرت مورّد خدّ ... كاد من رقة وريّ يفيض ولأحمد بن يزيد المهلبى: وقالوا عرت غراء حمى شديدة ... فوجنتها منها شديد صفارها فقلت لهم: هيهات هاتيك روضة ... مضى وردها عنا، وجاء بهارها ولأبى العتاهية: وكأننى مما تطاول بى ... منك السّقام طليت بالورس وقال ابن المعتز: وصفّرت علته وجهه ... فصار كالدّينار من حقّ (٢)

стр. 711

وقال البحترىّ: بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهم ... من الدّرّ ما اصفرّت نواحيه فى العقد وجرّت على الأيدى مجسّة كفّه ... كذلك موج البحر ملتهب الوقد وما الكلب محموما، وإن طال عمره ... ولكنّما الحمّى على الأسد الورد قال سيدنا أدام الله تمكينه: أما تشبيهه صفرة اللون بصفرة الدرّ فهو تشبيه مليح موافق لغرضه؛ إلّا أنه أخطأ فى قوله: ... إنّ حمدهم ... من الدّر ما اصفرّت نواحيه فى العقد لأن ذلك ليس بمحمود بل مذموم؛ ولو شبّه وترك التعليل لكان أجود. *** وروى أبو العباس أحمد بن فارس المنبجىّ قال حدّثنا أبو أحمد عبيد الله بن يحيى بن البحترىّ قال حدثني أبى قال حدثنى جدّى البحترىّ قال: كنت عند أبى العباس المبرّد، فتذاكرنا شعر عمارة بن عقيل، فقال لى: لقد أحسن عمارة فى قوله لخالد بن يزيد لما وجّه إليه بهذين البيتين: لم أستطع سيرا لمدحة خالد ... فجعلت مدحيه إليه رسولا / فليرحلنّ إلى نائل خالد ... وليكفينّ رواحلى التّرحيلا قال البحترىّ: فقلت له: لمروان بن أبى حفصة فى عبد الله بن طاهر- وقد أتاه نائله من الجزيرة ما هو أحسن من هذا- وأنشدته: لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله فكنّا كحىّ صبّح الغيث أهله ... ولم ترتحل أظعانه ورواحله فقال: نعم، هذا أحسن، فقلت له: إن لى فى بنى السّمط- وقد أتانى برّهم من حمص ما لا يتضع عن الجميع وأنشدته:

стр. 712

جزى الله خيرا- والجزاء بكفّه- ... بنى السّمط أخدان السّماحة والمجد هم وصلونى والمهامة بيننا ... كما ارفضّ غيث من تهامة فى نجد فقال: هذا والله أرقّ مما قالا وأحسن. *** وروى أحمد بن فارس المنبجىّ عن عبيد الله بن يحيى بن البحترىّ قال حدثنا أبى عن جماعة من أهل العلم والأدب، منهم يموت بن المزرّع قال: قلت لأبى عثمان الجاحظ: من أنسب العرب؟ فقال: الّذي يقول: عجلت إلى فضل الخمار فأثّرت ... عذباته بمواضع التّقبيل (١) وهذا للبحترىّ فى القصيدة التى أوّلها: * صبّ يخاطب مفحمات طلول (٢) * قال سيدنا: وفى نسيب هذه القصيدة بيت ليس يقصر فى ملاحة الكلام ورشاقته، وأخذه بمجامع القلوب عن البيت الّذي فضله به الجاحظ، وهو: أأخيب عندك والصّبا لى شافع ... وأردّ دونك والشّباب رسولى وفى مديح هذه القصيدة بيت معروف بفرط الحسن، وهو: لا تطلبنّ له الشّبيه فإنّه ... قمر التأمّل مزنة التأميل *** وبهذا الإسناد عن يحيى بن البحترىّ قال: انصرفت يوما من مجلس أبى العباس محمد بن يزيد المبرّد/ فقال لى البحترىّ أبى: ما الّذي أفدت يومك هذا من أبى العباس؟ قلت: أملى عليّ أخبارا حسنة، وأنشدنى أبياتا للحسين بن الضحاك، فقال أبى: أنشدنى الأبيات، فأنشدته: كأنّى إذا فارقت شخصك ساعة ... لفقدك بين العالمين غريب

стр. 713

وقد رمت أسباب السّلوّ فخاننى ... ضمير عليه من هواك رقيب أغرّك صفحى عن ذنوب كثيرة ... وغضّى على أشياء منك تريب كأن لم يكن فى النّاس قبلى متيّم ... ولم يك فى الدّنيا سواك حبيب إلى الله أشكو إن شكوت فلم يكن ... لشكواى من عطف الحبيب نصيب فقال: ما أحسن هذا الكلام! وأنشدنى لنفسه: حبيبى حبيب يكتم النّاس أنّه ... لنا حين تلقانا العيون حبيب يباعدنى فى الملتقى وفؤاده ... وإن هو أبدى لى البعاد قريب ويعرض عنّى والهوى منه مقبل ... إذا خاف عينا أو أشار رقيب فتنطق منّا أعين حين نلتقى ... وتخرس منّا ألسن وقلوب ثم قال: ارويا بنيّ هذين؛ فإنهما من حسن الشّعر وطريفه. *** روى أحمد بن فارس المنبجيّ عن أبى نصر محمد بن إسحاق النحوىّ قال: سمعت بعض أهل الأدب يقول للزجاج: قد كنت تعرف أبا العباس المبرّد وكبره، وأنه لم يكن يقوم لأحد ولا يتطاول له، وينشد إذا أشرف عليه الرجل: * ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل (١) * ولقد رأيته يوما وقد دخل عليه رجل متدرع، فقام إليه أبو العباس فاعتنقه وتنحّى عن موضعه وأجلسه، فجعل الرجل يكفه ويستعفيه من ذلك؛ فلما أكثر من ذلك عليه أنشده أبو العباس: أتنكر أن أقوم وقد بدا لي ... لأكرمه وأعظمه هشام فلا تنكر مبادرتى إليه ... فإنّ لمثله خلق القيام (١) / فلما انصرف الرجل سألت عنه فقيل لى هذا البحترىّ.

стр. 714

مجلس آخر ٥٣ تأويل آية [لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى فى قصة قابيل وهابيل حاكيا عن هابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ؛ [المائدة: ٢٨، ٢٩]. فقال: كيف يجوز أن يخبر عن هابيل- وقد وصفه بالتقوى والطاعة- بأنه يريد أن يبوء أخوه بالإثم؛ وذلك إرادة القبيح، وإرادة القبيح قبيحة عندكم على كل حال؛ ووجه قبحها كونها إرادة لقبيح، وليس قبحها مما يتغير؟ وكيف يصحّ أن يبوء القاتل بإثمه وإثم غيره؟ وهل هذا إلا ما تأبونه من أخذ البريء بجرم السقيم؟ الجواب، قلنا: جواب أهل الحق عن هذه الآية معروف؛ وهو أن هابيل لم يرد من أخيه قبيحا، ولا أراد أن يقتله، وإنما أراد ما خبر الله تعالى عنه من قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ؛ أى إنى أريد أن تبوء بجزاء ما أقدمت عليه من القبيح وعقابه، وليس بقبيح أن يريد نزول العقاب المستحق بمستحقّه. ونظير قوله: «إثمى»؛ مع أن المراد به عقوبة إثمى؛ الّذي هو قتلى قول القائل لمن يعاقب على ذنب جناه: هذا ما كسبت يداك، والمعنى: هذا جزاء ما كسبت يداك، وكذلك قولهم لمن يدعون عليه: لقّاك الله عملك، وستلقى عملك يوم القيامة، معناه ما ذكرناه.

стр. 715

فإن قيل: كيف يجوز أن يحسن إرادة عقاب غير مستحق لم يقع سببه؛ لأن القتل على هذا القول لم يكن واقعا؟ قلنا: ذلك جائز بشرط وقوع الأمر الّذي يستحقّ به العقاب؛ فهابيل لمّا رأى من أخيه التصميم على قتله، والعزم على إمضاء القبيح فيه، وغلب على ظنه وقوع ذلك جاز أن يريد عقابه؛ بشرط أن يفعل ما همّ به، وعزم عليه. فأما قوله: بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فالمعنى فيه واضح لأنه أراد بإثمى عقاب قتلك لى وبإثمك أى عقاب المعصية التى أقدمت عليها من قبل؛ فلم يتقبل قربانك لسببها، لأن الله تعالى أخبر عنهما بأنهما: قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما/ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، وأن العلة فى أن قربان أحدهما لم يتقبل أنه غير متق، وليس يمتنع أن يريد بإثمى ما ذكرناه؛ لأن الإثم مصدر، والمصادر قد تضاف إلى الفاعل والمفعول جميعا، وذلك مستعمل مطرد فى القرآن والشعر والكلام. فمثال ما أضيف إلى الفاعل قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ؛ [الحج: ٤٠] ومن إضافته إلى المفعول قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ؛ [فصلت: ٥١] وقوله تعالى: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ؛ [ص: ٢٤]. ومما جاء فى الشعر من إضافته إلى المفعول ومعه الفاعل قول الشاعر: أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشّئون وكيف (١)

стр. 716

وفى الكلام: يقول القائل: أعجبنى ضرب عمرو خالدا، إذا كان «عمرو» فاعلا، وضرب عمرو خالد إذا كان «عمرو» مفعولا. وقد ذكر قوم فى الآية وجها آخر؛ وهو أن يكون المراد: إنى أريد زوال أن تبوء بإثمى وإثمك؛ لأنه لم يرد له إلا الخير والرّشد؛ فحذف «الزوال»، وأقام «أن» وما اتصل بها مقامه؛ كما قال تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ؛ [البقرة: ٩٣] أراد «حبّ العجل» فحذف «الحب» وأقام «العجل» مقامه، وكما قال تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ؛ [يوسف: ٨٢]، وهذا قول بعيد، لأنه لا دلالة فى الكلام على محذوف، وإنما تستحسن العرب الحذف فى بعض المواضع لاقتضاء الكلام المحذوف ودلالته عليه. وذكر أيضا وجه آخر وهو أن يكون المعنى: إنى أريد ألّا تبوء بإثمى وإثمك، أى أريد ألّا تقتلنى ولا أقتلك، فحذف «لا» واكتفى بما فى الكلام (١)، كما قال تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا؛ [النساء: ١٧٦]، معناه ألّا تضلوا، وكقوله تعالى: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ؛ [النحل: ١٥]، معناه ألا تميد بكم، وكقول الخنساء: فأقسمت آسى على هالك ... وأسأل نائحة ما لها (٢) أرادت: «لا آسى». وقال امرؤ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى (٣) أراد «لا أبرح».

стр. 717

وقال عمرو بن كلثوم: نزلتم منزل الأضياف منّا ... فعجّلنا القرى أن تشتمونا (١) أراد ألّا (٢) تشتمونا؛ والشواهد فى هذا كثيرة جدّا. وهذا الجواب يضعّفه كثير من أهل العربية؛ لأنهم لا يستحسنون إضمار «لا» فى مثل هذا الموضع. فأما قوله تعالى حاكيا عنه: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ؛ فقال قوم من المفسرين: إن القتل على سبيل الانتصار والمدافعة لم يكن مباحا فى ذلك الوقت؛ وإن الله تعالى أمره بالصبر عليه، وامتحن بذلك، ليكون هو المتولّى للانتصاف. وقال آخرون: بل المعنى أنك إن بسطت إلى يدك مبتدئا ظالما لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك على وجه الظلم والابتداء؛ فكأنه نفى عن نفسه القتل القبيح، وهو الواقع على سبيل الظلم. والظاهر من الكلام بغير ما ذكر من الوجهين أشبه، لأنه تعالى خبّر عنه أنه وإن بسط أخوه إليه يده ليقتله لا يبسط يده ليقتله؛ أى وهو مريد لقتله ومخير (٣) إليه؛ لأن هذه اللام بمعنى «كى»، وهى منبئة عن الإرادة والغرض؛ ولا شبهة فى حظر ذلك وقبحه؛ ولأن المدافع إنما تحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص (٤) من غير أن يقصد إلى قتله أو الإضرار به؛ ومتى قصد ذلك كان فى حكم المبتدئ بالقتل؛ لأنه (٥) فاعل القبيح، والعقل شاهد بوجوب التخلص من المضرة بأى وجه يمكن منه؛ بعد أن يكون غير قبيح.

стр. 718

فإن قيل: فكأنكم تمنعون من حسن امتحان الله تعالى بالصبر على ترك الانتصار والمدافعة وتوجبونهما على كل حال! قلنا: لا نمنع من ذلك؛ وإنما بيّنا أن الآية غير مقتضية لتحريم المدافعة والانتصاف؛ على ما ذهب إليه قوم؛ لأن قوله: لَأَقْتُلَنَّكَ يقتضي أن يكون البسط لهذا الغرض؛ والمدافعة لا تقتضى ذلك، ولا يحسن من المدافع أن يجرى بها إلى ضرر (١)؛ فلا دلالة فى الآية على تحريم المدافعة، ووجب أن يكون ما ذكرناه أولى بشهادة الظاهر. تأويل خبر [«لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم .] إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: / «لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم. الجواب، قيل له: أما أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال: يعنى بتحلّة القسم قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا؛ [مريم: ٧١]، فكأنه قال ﵇: لا يرد النار إلا بقدر ما يبرّر الله قسمه. وأما ابن قتيبة فإنه قال فى تأويل أبى عبيد: هذا مذهب حسن من الاستخراج؛ إن كان هذا قسما. قال: وفيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب ومعانيهم؛ وهو أن العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشيء وتقصير مدّته شبهوه بتحلّة القسم؛ وذلك أن يقول الرجل بعد حلفه: إن شاء الله، فيقولون: ما يقيم فلان عندنا إلا تحلّة القسم، وما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة، وهو كثير مشهور. قال ابن أحمر (٢) وذكر الريح:

стр. 719

إذا عصبت رسما فليس بدائم ... به وتد إلا تحلّة مقسم (١) يقول: لا يثبت الوتد إلّا قليلا كتحلّة القسم، لأن هبوب الريح يقلعه. وقال آخر (٢) يذكر ثورا: يخفى التّراب بأظلاف ثمانية ... فى أربع، مسّهنّ الأرض تحليل (٣) يقول: هو سريع خفيف؛ فقوائمه لا تثبت فى الأرض إلا كتحليل اليمين. وقال ذو الرّمة: طوى طيّه فوق الكرى جفن عينه ... على رهبات من جنان المحاذر (٤) قليلا كتحليل الألى ثمّ قلّصت ... به شيمة روعاء تقليص طائر (٥) والألى: جمع ألوة، وهى اليمين. قال: ومعنى الخبر على هذا التأويل أن النار لا تسمه إلا قليلا كتحليل اليمين ثم ينجّيه الله منها. وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ: الصواب قول أبى عبيد، لحجج ثلاث: منها أن جماعة من كبار أهل العلم فسّروه على تفسير أبى عبيد. ومنها أنه ادّعى أن النار تمسّ الّذي وقعت منزلته عند الله جليلة، لكن مسّا قليلا، والقليل لا يقع به الألم العظيم؛ وليس صفة الأبرار فى الآخرة صفة من تمسّه النار لا قليلا ولا كثيرا.

стр. 720

ومنها أنّ أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمسّ النار، وإنما حكم عليه بالورود، / والورود لا يوجب ألّا يكون من الأبرار؛ لأن «إلّا» معناه الاستثناء المنقطع، فكأنه قال: فتمسّه النار لكن تحلّة اليمين، أى لكن ورود النار لا بدّ منه، فجرى مجرى قول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل العسكر إلّا أهل الخيام، وأنشد الفرّاء: وسمحة المشى شملال قطعت بها ... أرضا يحار بها الهادون ديموما (١) مهامها وحزونا لا أنيس بها ... إلّا الصّوائح والأصداء والبوما (٢) وأنشد الفراء أيضا: ليس عليك عطش ولا جوع ... إلّا الرقاد، والرّقاد ممنوع فمعنى الحديث: لا يموت للمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار البتة، لكن تحلّة اليمين لا بدّ منها، وتحلّة اليمين الورود، والورود لا يقع فيه مسّ. وقال أبو بكر: وقد سنح لى فيه قول آخر: وهو أن تكون «إلا» زائدة دخلت للتوكيد، و «تحلّة» اليمين منصوب على الوقت والزمان، ومعنى الخبر: فتمسه النار، وقت تحلّة القسم، و «إلا» زائدة. قال الفرزدق شاهدا لهذا: هم القوم إلّا حيث سلّوا سيوفهم ... وضحّوا بلحم من محلّ ومحرم (٣) معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم، و «إلا» مؤكدة. وقال الأخطل: يقطّعن إلّا من فروع يردنها ... بمدحة محمود نثاه ونائله (٤) معناه يقطعون من فروع يردنها، والفروع: الواسعة من الأرض.

стр. 721

قال سيدنا أدام الله تمكينه: والوجوه المذكورة فى تأويل الخبر كالمتقاربة (١)، إلا أن الوجه الّذي اختص به ابن الأنبارىّ فيه أدنى تعسّف وبعد؛ من حيث جعل «إلّا» زائدة، وذلك كالمستضعف عند جماعة من أهل العربيّة. وقد تبقّى فى الخبر مسألة، التشاغل بالجواب عنها أولى مما تكلّفه القوم، وهى متوجّهة على كل الوجوه التى ذكروها فى تأويله. وهو أن يقال: كيف يجوز أن يخبر ﵇ بأنّ من مات له ثلاثة من الولد لا تمسّه النار إما جملة، أو مقدار تحلة القسم؛ / وهو النهاية فى القلة! أوليس ذلك يوجب أن يكون إغراء بالذنوب لمن هذه حاله! وإذا كان من يموت وله هذا العدد من الأولاد غير خارج عن التكليف، فكيف يصحّ أن يؤمّن من العقاب! والجواب عن ذلك، أنّا قد علمنا أو لا خروج هذا الخبر مخرج المدحة لمن هذه صفته والتخصيص له والتمييز، ولا مدحة فى مجرد موت الأولاد؛ لأن ذلك لا يرجع إلى فعله، فلا بدّ من أن يكون تقدير الكلام: إنّ النار لا تمسّ المسلم الّذي يموت له ثلاثة أولاد؛ إذا حسن صبره واحتسابه وعزاؤه، ورضاه بما جرى به القضاء عليه؛ لأنه بذلك يستحقّ الثواب والمدح؛ وإذا كان إضمار الصبر والاحتساب لا بدّ منه لم يكن فى القول إغراء؛ لأن كيفية وقوع الصبر والوجه الّذي إذا وقع عليه تفضّل الله سبحانه بغفران ما لعلّه أن يستحقّه من العقاب فى المستقبل وإذا لم يكن معلوما، فلا وجه للاغراء. وأكثر ما فى هذا الكلام أن يكون القول مرغّبا فى حسن الصبر، وحاثّا عليه رغبة فى الثواب، ورجاء لغفران ما لعلّه أن يستحق فى المستقبل من العقاب؛ وهذا واضح لمن تأمله.

стр. 722

مجلس آخر ٥٤ تأويل آية [ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً] إن سأل سائل عن قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً؛ [البقرة: ٧٤]. فقال: ما معنى أَوْ هاهنا؟ أو ظاهرها يفيد الشك الّذي لا يجوز عليه تعالى. الجواب، قلنا فى ذلك وجوه: أوّلها أن تكون أَوْ هاهنا للإباحة كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين؛ والق الفقهاء أو المحدّثين، ولم يريدوا الشك؛ بل كأنهم قالوا: هذان الرجلان أهل للمجالسة، وهذان القبيلان أهل للّقاء؛ فإن جالست الحسن فأنت مصيب، وإن جالست ابن سيرين فأنت مصيب، وإن جمعت بينهما فكذلك. فيكون معنى الآية على هذا: إن قلوب هؤلاء قاسية متجافية عن الرّشد والخير، فإن شبّهتم قسوتها بالحجارة أصبتم، وإن شبّهتموها بما هو أشدّ أصبتم، وإن شبهتموها بالجميع فكذلك. وعلى هذا يتأوّل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ؛ [البقرة: ١٩]، لأن أَوْ لم يرد بها الشكّ بل على نحو الّذي ذكرناه/، من أنكم إن شبهتموهم بالذى استوقد نارا فجائز، وإن شبهتموهم بأصحاب الصيّب فجائز، وإن شبهتموهم بالجميع فكذلك. وثانيها أن تكون أَوْ دخلت للتفصيل والتمييز، ويكون معنى الآية: إن قلوبهم قست، فبعضها ما هو كالحجارة فى القسوة، وبعضها ما هو أشد قسوة منها.

стр. 723

ويجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا؛ [البقرة: ١٣٥] معناه: وقال بعضهم: كونوا هودا- وهم اليهود- وقال بعضهم: كونوا نصارى وهم النصارى- فدخلت أَوْ للتفصيل. وكذلك قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ [الأعراف: ٤] معناه فجاء بعض أهلها بأسنا بياتا، وجاء بعض أهلها بأسنا فى وقت القيلولة. وقد يحتمل قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ هذا الوجه أيضا، ويكون المعنى أن بعضهم يشبه الّذي استوقد نارا، وبعضهم يشبه أصحاب الصيب. وثالثها أن يكون أَوْ دخلت على سبيل الإبهام فيما يرجع إلى المخاطب، وإن كان الله تعالى عالما بذلك غير شاك فيه، لأنه تعالى لم يقصد فى إخبارهم عن ذلك إلا التفصيل؛ بل علم أن خطابهم بالإجمال أبلغ فى مصلحتهم، فأخبر تعالى أنّ قسوة قلوب هؤلاء الذين ذمّهم كالحجارة أو أشد قسوة، والمعنى أنها كانت كأحد هذين لا يخرج عنهما. ويجرى ذلك مجرى قولهم: ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا، فيبهمون على المخاطب ما يعلمون أنه لا فائدة فى تفصيله؛ والمعنى: ما أطعمتك إلا أحد هذين الضّربين. وكذلك يقول أحدهم: أكلت بسرة أو ثمرة؛ وهو قد علم ما أكل على التفصيل إلا أنه أبهمه على المخاطب، قال لبيد: تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر (١) أراد: هل أنا إلّا من أحد هذين الجنسين (٢)، فسبيلى أن أفنى كما فنيا؛ وإنما حسن ذلك لأن قصده الّذي أجرى إليه، وغرضه الّذي نحاه وهو أن يخبر بكونه ممن يموت ويفنى، ولا يخلّ به إجمال ما أجمل من كلامه، فأضرب عن التفصيل؛ لأنه لا فائدة فيه، ولأنه سواء

стр. 724

كان من ربيعة أو مضر فموته واجب. وكذلك الآية، لأن الغرض فيها أن يخبر تعالى عن شدة قسوة/ قلوبهم، وأنها مما لا تنثنى لوعظ، ولا تصغى إلى حق، فسواء كانت فى القسوة كالحجارة أو أشد منها، فقد تم ما أجرى إليه من الغرض فى وصفها وذمّها، وصار تفصيل تشبيهها بالحجارة وبما هو أشد قسوة منها كتفصيل كونه من ربيعة أو مضر؛ فى أنه غير محتاج إليه، ولا يقتضيه الغرض فى الكلام. ورابعها أن تكون أَوْ بمعنى «بل» كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١) [الصافات: ١٤٧] معناه: بل يزيدون. وروى عن ابن عباس فى قوله تعالى: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ؛ قال: كانوا مائة ألف وبضعا وأربعين ألفا. وأنشد الفراء: بدت مثل قرن الشمس فى رونق الضّحا ... وصورتها، أو أنت فى العين أملح (٢) وقد تكون «أم» فى الاستفهام أيضا بمعنى «بل»، كقول القائل: أضربت عبد الله أم أنت رجل متعنت؟ معناه: بل أنت رجل متعنت. وقال الشاعر: فو الله ما أدرى أسلمى تغوّلت، ... أم النّوم، أم كلّ إلى حبيب! معناه: بل كلّ. وقد طعن بعضهم على هذا الجواب فقال: وكيف يجوز أن يخاطبنا تعالى بلفظة بل؛ وهى تقتضى الاستدراك والنقض للكلام الماضى والإضراب عنه، وليس ذلك بشيء. أما الاستدراك فإن أريد به الاستفادة أو التذكر لما لم يكن معلوما فليس بصحيح، لأن

стр. 725

أحدنا قد يقول: أعطيته ألفا بل ألفين، وقصدته دفعة بل دفعتين؛ وهو عالم فى ابتداء كلامه بما أخبر به فى الثانى، ولم يتجدد به علم، وإن أريد به الأخذ فى كلام غير الماضى، واستئناف زيادة عليه فهو صحيح؛ ومثله جائز عليه تعالى. فأما النقض للكلام الماضى فليس بواجب فى كل موضع تستعمل فيه لفظة «بل»، لأن القائل إذا قال: أعطيته ألفا بل ألفين لم ينقض الأول؛ وكيف ينقضه؛ والأول داخل فى الثانى وإنما زاد عليه! وإنما يكون ناقضا للماضى إذا قال: لقيت رجلا بل حمارا؛ وأعطيته درهما بل ثوبا؛ لأن الأول لم يدخل فى الثانى على وجه، وقوله تعالى: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً غير ناقض للأول، لأنها لا تزيد فى القسوة على الحجارة إلا بعد أن تساويها، وإنما/ تزيد المساواة. وخامسها أن تكون أَوْ بمعنى الواو كقوله: أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ؛ [النور: ٦١]، معناه: وبيوت آبائكم، قال جرير: نال الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربّه موسى على قدر (١) وقال توبة بن الحمير: وقد زعمت ليلى بأنّى فاجر ... لنفسى تقاها، أو عليها فجورها (٢) وقال جرير أيضا: أثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا (٣) أراد: أو رياحا.

стр. 726

وقال آخر (١): فلو كان البكاء يردّ شيئا (٢) ... بكيت على بجير أو عفاق على المرأين إذ هلكا جميعا ... لشأنهما بشجو واشتياق (٣) أراد على بجير وعفاق. وقد حكى المفضل بن سلمة هذا الوجه عن قطرب، وطعن عليه بأن قال: ليس شيء يعلم أشدّ قسوة عند المخاطبين من الحجارة، فينسق به عليها (٤)؛ وإنما يصح ذلك فى قولهم: أطعمتك تمرا أو أحلى منه، لأن أحلى منه معلوم. واختار المفضل الوجه الّذي يتضمن أن أَوْ بمعنى «بل». وهذا الّذي طعن به المفضّل ليس بشيء، لأنهم وإن لم يشاهدوا أو يعرفوا ما هو أشدّ قسوة من الحجارة فصورة قسوة الحجارة معلومة لهم، ويصحّ أن يتصوروا ما هو أشد قسوة منها، وما له الزيادة عليها؛ لأن قدرا ما إذا عرف صح (٥) أن يعرف ما هو أزيد منه أو أنقص،

стр. 727

لأن الزيادة والنقصان إنما يضافان إلى معلوم معروف، على أن الآية خرجت مخرج المثل، وأراد تعالى بوصف قلوبهم بالزيادة فى القسوة على الحجارة أنها قد انتهت إلى حد لا تلين معه للخير على وجه من الوجوه، وإن كانت الحجارة ربما لانت وانتفع بها، فصارت من هذا الوجه كأنها أشدّ قسوة منها تمثيلا وتشبيها. فقول المفضل: «ليس يعرفون ما هو أقسى من الحجارة» لا معنى له إذا كان القول على طريق المثل. وبعد؛ فإن الّذي طعن به على هذا الجواب يعترض على الوجه الّذي اختاره، لأنه إذا اختار أنّ أَوْ فى الآية بمعنى «بل» فكيف جاز بأن يخبرهم بأنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة، وهم لا يعرفون ما هو أقسى من الحجارة! وإذا جاز أن يقول لهم: بل قلوبهم أقسى مما يعرفون من الحجارة جاز أن يخبر عن مثل ذلك بالواو فيقول: قلوبهم كالحجارة التى يعرفون فى القسوة، وهى مع ذلك تزيد عليها. فإن قال [قائل] (١) كيف يكون أَوْ فى الآية بمعنى الواو، والواو للجمع، وليس يجوز أن تكون قلوبهم كالحجارة، وأشد من الحجارة فى حالة واحدة؛ لأن الشيء إذا كان على صفة لم يجز أن يكون على خلافها! قلنا: قد أجاب بعضهم عن هذا الاعتراض بأن قال: ليس يمتنع أن تكون قلوبهم كالحجارة فى حال، وأشد من الحجارة فى حال أخرى؛ فيصحّ المعنى، ولا يتنافى، وهذا قريب، ويكون فائدة هذا الجواب أن قلوب هؤلاء فى بعض الأحوال مع القسوة والعدول عن قبول (٢) الحق والفكر فيه؛ ربما لانت بعض اللين؛ [وهمّت بالانعطاف، وكادت تصغى إلى الحق فتكون فى هذه الحال كالحجارة التى ربما لانت] (٣)، وفى حال أخرى تكون فى نهاية البعد عن الخير (٤) والنفور عنه، فتكون فى هذا الحال أشدّ قسوة من الحجارة.

стр. 728

على أنه يمكن فى الجواب عن هذا الاعتراض وجه آخر؛ وقد تقدم معناه فى بعض كلامنا، وهو أن قلوبهم لا تكون أشدّ من الحجارة إلا بعد أن يكون فيها قسوة الحجارة؛ لأن القائل إذا قال: فلان أعلم من فلان فقد أخبر أنه زائد عليه فى العلم الّذي اشتركا فيه؛ فلا بدّ من الاشتراك ثم الزيادة، فليس هاهنا تناف على ما ظنّ المعترض، ولا إثبات لصفة ونفيها، فكل هذا واضح (١) بحمد الله. *** قال سيدنا أدام الله تمكينه: وإنى لأستحسن من الشعر قول الأحوص بن محمد الأنصارىّ: ومولى سخيف الرّأى رخو تزيده ... أناتى، وعفوى (٢) جهله عنده ذمّا (٣) دملت، ولولا غيره لأصبته ... بشنعاء باق عارها تقر العظما (٤) طوى حسدا ضغنا عليّ كأنّما ... أداوى به فى كلّ مجمعة كلما (٥) / ويجهل أحيانا فلا يستخفّنى ... ولا أجهل العتبى إذا راجع الحلما (٦) يصدّ وينأى فى الرّخاء بودّه ... ويدعو ويدعونى إذا خشى الهضما فيفرج عنه أربة الخصم مشهدى ... وأدفع عنه عند عثرته الظّلما الإربة: الدهاء، والإربة: العقدة، وكلا المعنيين يحتمل لفظ البيت- وكنت امر أعود (٧) الفعال تهزّنى ... مآثر مجد تالد لم يكن زعما

стр. 729

وكنت وشتمى فى أرومة مالك ... بسبّى له كالكلب إذ ينبح النجما ولست بلاق سيّدا ساد مالكا ... فتنسبه إلّا أبا لى أو عمّا ستعلم إن عاديتنى فقع قرقر ... أما لا أفدت- لا أبا لك- أو عدما (١) لقد أبقت الأيّام منّى وحرسها ... لأعدائنا ثكلا وحسّادنا رغما (٢) وكانت عروق السّوء أزرت (٣) وقصّرت ... به أن ينال الحمد فالتمس الذّما ومن مختار قوله: إنى إذا خفى اللئام (٤) رأيتنى ... كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان ما من مصيبة نكبة أمنى بها ... إلّا تشرّفنى وتعظم شأنى وتزول حين تزول عن متخمّط (٥) ... تخشى بوادره على (٦) الأقران ومن جيد شعره. خليلان باحا بالهوى فتشاحنت ... أقاربها فى وصلها (٧) وأقاربه ألا إنّ أهوى النّاس قربا ورؤية ... وريحا إذا ما اللّيل غارت كواكبه ضجيع دنا منّى جذلت بقربه ... فبات يمنّينى وبتّ أعاتبه وأخبره فى السّرّ بينى وبينه ... بأن ليس شيء عند نفسى يقاربه ***

стр. 730

وقد غبّر فى وجه كل من وصف المضاجعة امرؤ القيس حيث يقول (١): تقول وقد جرّدتها من ثيابها ... كما رعت مكحولا من العين أتلعا (٢) وجدّك لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا فبتنا نذود الوحش عنّا كأنّنا ... قتيلان لم تعلم لنا النّاس مصرعا (٣) إذا أخذتها هزّة الرّوع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا (٤) وقال على بن الجهم فى وصفه شدة الالتزام: سقى الله ليلا ضمّنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب (٥) فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الرّاح فيما بيننا لم تسرّب ولعبد الصمد بن المعذّل فى هذا المعنى: كأنّنى عانقت ريحانة ... تنفّست فى ليلها البارد (٦) فلو ترانا فى قميص الدّجى ... حسبتنا فى جسد واحد

стр. 731

ولبشار بن برد: إنّنى أشتهي لقاءك والل ... هـ فماذا عليك أن تلقانى قد تلفّ الرّياح غصنا من الب ... ان إلى مثله فيلتقيان ومثل هذا للبحترىّ: ولم أنس ليلتنا فى العن ... اق لفّ الصّبا بقضيب قضيبا (١) كما افتنّت الرّيح فى مرّها ... فطورا خفوتا، وطورا هبوبا ولآخر فى مثل هذا بعينه، ولسنا ندرى هل سبق البحترىّ أو تأخر عنه: وضمّ لا ينهنهه اعتناق ... كما التفّ القضيب على القضيب ولعلى بن الجهم: وبتنا على رغم الحسود كأنّنا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر (٢) / وهذا وإن جعله فى العناق فهو مأخوذ من قول بشار: وإن نلتقى خلف الغيور كأنّنا ... سلاف عقار بالنّقاخ مشوب (٣) والأصل فى هذا قول الأخطل، والناس من بعده على أثره: من الجازئات الحور مطلب سرّها ... كبيض الأنوق المستكنّة فى الوكر (٤) وإنى وإيّاها إذا ما لقيتها ... لكالماء من صوب الغمامة والخمر وقد أخذه أيضا ابن أبى عيينة فقال:

стр. 732

«١» ذاك إذ روحها وروحى مزاجا ... ن كأصفى خمر بأعذب ماء وأخذه العباس بن الأحنف فقال (١): ما أنس لا أنس يمناها معطّفة ... على فؤادى، ويسراها على راسى (٢) وقولها: ليته ثوب على جسدى ... أو ليتنى كنت سربالا لعبّاس (٣) أو ليته كان لى خمرا وكنت له ... من ماء مزن، فكنّا الدّهر فى كاس ومثل هذا للبحترىّ: وجدت نفسك من نفسى بمنزلة ... هى المصافاة بين الماء والرّاح (٤) ولقد أحسن بشار فى قوله: لقد كان ما بينى زمانا وبينها ... كما بين ريح المسك والعنبر الورد *** أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا أحمد بن محمد المكّى قال حدثنا أبو العيناء قال

стр. 733

حدثنا العتبىّ عن أبيه قال: سيّر الوليد بن عبد الملك (١) الأحوص إلى دهلك (٢)، فكتب الأحوص إلى عمر بن عبد العزيز حين استخلف: وكيف ترى للنّوم طعما ولذّة ... وخالك أمسى موثقا فى الحبائل! فمن يك أمسى سائلا عن شماتة ... ليشمت بى، أو شامتا غير سائل / فقد عجمت منّى الحوادث ماجدا ... صبورا على غمّاء تلك البلابل إذا سرّ لم يفرح، وليس لنكبة ... ألمّت به بالخاشع المتضايل فبعث عمر بن عبد العزيز إلى عراك بن مالك، الّذي كان شهد عليه فقال: ما ترى فى هذا البائس؟ فقال عراك: مكانه خير له، فتركه فى موضعه، فلما ولى يزيد بن عبد الملك جلب الأحوص وسيّر عراكا (٣).

стр. 734

قال سيدنا أدام الله علوه: وإنما كان الأحوص خال عمر بن عبد العزيز من جهة أنّ أمّ عمر هى أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وأمها أنصارية. فأما قوله «إذا سرّ لم يفرح» فمأخوذ من قول لقيط بن زرارة: لا مترفا إن رخاء العيش ساعده، ... وليس إن عضّ مكروه به خشعا (١) وللأحوص: وببطن مكّة لا أبوح به ... قرشيّة غلبت على قلبى ولو أنّها إذ مرّ موكبها ... يوم الكديد أطاعنى صحبى (٢) قلنا لها: حيّيت من شجن ... ولركبها: حيّيت من ركب والشّوق أقتله برؤيتها ... قتل الظّما بالبارد العذب والنّاس إن حلّوا جميعهم ... شعبا- سلام، وأنت فى شعب (٣)

стр. 735

لحللت شعبك دون شعبهم ... ولكان قربك منهم حسبى (١) قوله: * والشوق أقتله برؤيتها* نظير قول جرير: فلما التقى الحيّان ألقيت العصا ... ومات الهوى لمّا أصيبت مقاتله (٢)

стр. 736

مجلس آخر ٥٥ تأويل آية [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ] إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، [البقرة: ٣١]. فقال: كيف يأمرهم أن يخبروا بما لا يعلمون، أوليس ذلك أقبح من تكليف ما لا يطاق؛ الّذي تأبونه؛ والّذي جوّز (١) أن يكلّف تعالى مع ارتفاع القدرة لا يجوّزه. / الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجهان: أحدهما أنّ ظاهر الآية إن كان أمرا يقتضي التّعلّق بشرط، وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا- فكأنه قال لهم: خبّروا بذلك إن علمتموه؛ ومتى رجعوا إلى نفوسهم فلم يعلموا، فلا تكليف عليهم. وهذا بمنزلة أن يقول القائل لغيره: خبّرنى بكذا وكذا إن كنت تعلمه، أو إن كنت تعلم أنك صادق فيما تخبر به عنه. فإن قيل: أليس قد قال المفسرون فى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّ المراد به: إن كنتم تعلمون بالعلّة التى من أجلها جعلت فى الأرض خليفة، أو إن كنتم صادقين فى اعتقادكم أنكم تقومون بما أنصب الخليفة له، وتضطلعون به، وتصلحون له؟ . قلنا: قد قيل كل ذلك، وقيل أيضا ما ذكرناه؛ وإذا كان القول محتملا للأمرين جاز أن يبنى الكلام على كل واحد منهما؛ وهذا الجواب لا يتمّ إلّا لمن يذهب إلى أن الله تعالى يصحّ أن يأمر العبد بشرط قد علم أنه لا يحصل، ولا يحسن أن يريد منه الفعل على هذا

стр. 737

الوجه؛ ومن ذهب إلى جواز ذلك صحّ منه أن يعتمد على هذا الجواب. فإن قيل: فأىّ فائدة فى أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين، وهو عالم بأنهم لا يتمكنون من ذلك لفقد علمهم به؟ قلنا: لمن ذهب إلى الأصل الّذي ذكرناه أن يقول: لا يمتنع أن يكون الغرض فى ذلك هو أن ينكشف بإقرارهم وامتناعهم من الإخبار بالأسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب، وانفراده بالاطلاع على وجوه المصالح فى الدين. فإن قيل: فهذا يرجع إلى الجواب الّذي تذكرونه من بعد؟ قلنا: هو وإن رجع إلى هذا المعنى فبينهما فرق (١) من حيث كان هذا الجواب، على تسليم أنّ الآية تضمنت الأمر والتكليف الحقيقيين. والجواب الثانى لا نسلّم فيه أنّ القول أمر على الحقيقة، فمن هاهنا افترقا. والجواب (٢) الثانى أن يكون الأمر (٣) وإن كان ظاهره ظاهر أمر، فغير أمر على الحقيقة؛ بل المراد به التقرير والتنبيه على مكان الحجة؛ وقد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر، / والقرآن والشعر [وكلام العرب مملوء بذلك] (٤). وتلخيص هذا الجواب أنّ الله تعالى لما قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ؛ [البقرة: ٣٠]؛ أى مطّلع من مصالحكم، وما هو أنفع لكم فى دينكم على ما لا تطّلعون عليه. ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة- مع أنها تسبح وتقدّس وتطيع ولا تعصى- أولى بالاستخلاف فى الأرض؛ وإن

стр. 738

كان فى ذريته من يفسد ويسفك الدماء. فعلّم آدم ﵇ أسماء جميع الأجناس، أو أكثرها (١) ثم قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ مقررا لهم ومنبها على ما ذكرناه، ودالا على اختصاص آدم بما لم يخصّوا به. فلما أجابوه بالاعتراف والتسليم إليه علم الغيب الّذي لا يعلمونه، فقال تعالى لهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: ٣٣] منبّها على أنه تعالى هو المنفرد بعلم المصالح فى الدين، وأن الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره، ويعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم فى دينهم؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه. وعلى هذا الجواب يكون قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ محمولا على كونهم صادقين فى العلم بوجه المصلحة فى نصب الخليفة، أو فى ظنهم أنهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة، ويكملون له؛ فلولا أن الأمر على ما ذكرناه، وأنّ القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم وإقرارهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معنى، لأن التكليف الأول لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم ﵇ بالأسماء، ولا يكون قوله: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية إلّا مطابقا لما ذكرناه من المعنى؛ دون معنى التكليف؛ فكأنه قال تعالى: إذا كنتم لا تعلمون هذه الأسماء، فأنتم عن علم الغيب أعجز؛ وبأن تسلموا الأمر لمن يعلمه ويدبّر أمركم بحسبه أولى. فإن قيل: فكيف علمت الملائكة بأن فى ذرية آدم ﵇ من يفسد فى الأرض، ويسفك الدماء؟ وما طريق علمها بذلك؟ / وإن كانت غير عالمة فكيف يحسن أن تخبر عنه بغير علم! قلنا: قد قيل إنها لم تخبر وإنما استفهمت؛ فكأنها قالت متعرفة: أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا.

стр. 739

وقيل: إن الله تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرّية هذا المستخلف من يعصى ويفسد فى الأرض: فقالت على وجه التعرف لما فى هذا التدبير من المصلحة والاستفادة لوجه الحكمة فيه: أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا؟ وهذا الجواب الأخير يقتضي أن يكون فى أول الكلام حذف ويكون التقدير: وإذ قال ربّك للملائكة إنّى جاعل فى الأرض خليفة، وإنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها، ويسفك الدماء، فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ لأن ذلك دلالة على الأول؛ وإنما حذفه اختصارا. وفى جملة جميع الكلام اختصار شديد، لأنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ كان فى ضمن هذا الكلام: فنحن على ما نظنه ويظهر لنا من الأمر أولى بذلك لأنا نطيع وغيرنا يعصى. وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يتضمن أيضا أننى أعلم من مصالح المكلّفين ما لا تعلمونه، وما يكون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور. وفى القرآن من الحذوف العجيبة، والاختصارات الفصيحة ما لا يوجد فى شيء من الكلام؛ فمن ذلك قوله تعالى فى قصة يوسف ﵇ والناجى من صاحبيه فى السجن عند رؤيا البقر السمان والعجاف: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ؛ [يوسف: ٤٥]، [ففعلوا، فأتى يوسف، فقال له] (١): يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ؛ [يوسف: ٤٦] [ولو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون ففعلوا، فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أفتنا (٢)]. ومثله قوله فى الأنعام، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ [الأنعام: ١٤]: أى، وقيل لى: ولا تكونن من المشركين.

стр. 740

وكذلك قوله تعالى فى قصة سليمان عليه والسلام: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ، وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ إلى قوله: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: ١٢، ١٣]، أى وقيل لهم: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً. وقال جرير: / وردتم على قيس بخور مجاشع ... فبؤتم على ساق بطيء جبورها (١) أراد: فبؤتم على ساق مكسورة بطيء جبورها، كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر اقتصر عليه. وقال عنترة: هل تبلغنّى دارها شدنيّة ... لعنت بمحروم الشّراب مصرّم (٢) يعنى ناقته؛ ومعنى «لعنت» دعاء عليها بانقطاع لبنها وجفاف ضرعها، فصار (٣) كذلك هذا كله (٤)؛ والناقة إذا كانت لا تنتج كان أقوى لها على السير. قال: تأبط شرا- ويروى للشنفرى:
следующие страницы →