مجلس آخر ٥٥
تأويل آية [وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، [البقرة: ٣١].
فقال: كيف يأمرهم أن يخبروا بما لا يعلمون، أوليس ذلك أقبح من تكليف ما لا يطاق؛ الّذي تأبونه؛ والّذي جوّز (١) أن يكلّف تعالى مع ارتفاع القدرة لا يجوّزه.
/ الجواب، قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجهان:
أحدهما أنّ ظاهر الآية إن كان أمرا يقتضي التّعلّق بشرط، وهو كونهم صادقين عالمين بأنهم إذا أخبروا عن ذلك صدقوا- فكأنه قال لهم: خبّروا بذلك إن علمتموه؛ ومتى رجعوا إلى نفوسهم فلم يعلموا، فلا تكليف عليهم. وهذا بمنزلة أن يقول القائل لغيره: خبّرنى بكذا وكذا إن كنت تعلمه، أو إن كنت تعلم أنك صادق فيما تخبر به عنه.
فإن قيل: أليس قد قال المفسرون فى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّ المراد به: إن كنتم تعلمون بالعلّة التى من أجلها جعلت فى الأرض خليفة، أو إن كنتم صادقين فى اعتقادكم أنكم تقومون بما أنصب الخليفة له، وتضطلعون به، وتصلحون له؟ .
قلنا: قد قيل كل ذلك، وقيل أيضا ما ذكرناه؛ وإذا كان القول محتملا للأمرين جاز أن يبنى الكلام على كل واحد منهما؛ وهذا الجواب لا يتمّ إلّا لمن يذهب إلى أن الله تعالى يصحّ أن يأمر العبد بشرط قد علم أنه لا يحصل، ولا يحسن أن يريد منه الفعل على هذا
стр. 737
الوجه؛ ومن ذهب إلى جواز ذلك صحّ منه أن يعتمد على هذا الجواب.
فإن قيل: فأىّ فائدة فى أن يأمرهم بأن يخبروا عن ذلك بشرط أن يكونوا صادقين، وهو عالم بأنهم لا يتمكنون من ذلك لفقد علمهم به؟
قلنا: لمن ذهب إلى الأصل الّذي ذكرناه أن يقول: لا يمتنع أن يكون الغرض فى ذلك هو أن ينكشف بإقرارهم وامتناعهم من الإخبار بالأسماء ما أراد تعالى بيانه من استئثاره بعلم الغيب، وانفراده بالاطلاع على وجوه المصالح فى الدين.
فإن قيل: فهذا يرجع إلى الجواب الّذي تذكرونه من بعد؟ قلنا: هو وإن رجع إلى هذا المعنى فبينهما فرق (١) من حيث كان هذا الجواب، على تسليم أنّ الآية تضمنت الأمر والتكليف الحقيقيين.
والجواب الثانى لا نسلّم فيه أنّ القول أمر على الحقيقة، فمن هاهنا افترقا.
والجواب (٢) الثانى أن يكون الأمر (٣) وإن كان ظاهره ظاهر أمر، فغير أمر على الحقيقة؛ بل المراد به التقرير والتنبيه على مكان الحجة؛ وقد يرد بصورة الأمر ما ليس بأمر، / والقرآن والشعر [وكلام العرب مملوء بذلك] (٤).
وتلخيص هذا الجواب أنّ الله تعالى لما قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ؛ [البقرة: ٣٠]؛ أى مطّلع من مصالحكم، وما هو أنفع لكم فى دينكم على ما لا تطّلعون عليه. ثم أراد التنبيه على أنه لا يمتنع أن يكون غير الملائكة- مع أنها تسبح وتقدّس وتطيع ولا تعصى- أولى بالاستخلاف فى الأرض؛ وإن
стр. 738
كان فى ذريته من يفسد ويسفك الدماء. فعلّم آدم ﵇ أسماء جميع الأجناس، أو أكثرها (١) ثم قال: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ مقررا لهم ومنبها على ما ذكرناه، ودالا على اختصاص آدم بما لم يخصّوا به. فلما أجابوه بالاعتراف والتسليم إليه علم الغيب الّذي لا يعلمونه، فقال تعالى لهم أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: ٣٣] منبّها على أنه تعالى هو المنفرد بعلم المصالح فى الدين، وأن الواجب على كل مكلف أن يسلم لأمره، ويعلم أنه لا يختار لعباده إلا ما هو أصلح لهم فى دينهم؛ علموا وجه ذلك أم جهلوه.
وعلى هذا الجواب يكون قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ محمولا على كونهم صادقين فى العلم بوجه المصلحة فى نصب الخليفة، أو فى ظنهم أنهم يقومون بما يقوم به هذا الخليفة، ويكملون له؛ فلولا أن الأمر على ما ذكرناه، وأنّ القول لا يقتضي التكليف لم يكن لقوله تعالى بعد اعترافهم وإقرارهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معنى، لأن التكليف الأول لا يتغير حاله بأن يخبرهم آدم ﵇ بالأسماء، ولا يكون قوله: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر الآية إلّا مطابقا لما ذكرناه من المعنى؛ دون معنى التكليف؛ فكأنه قال تعالى: إذا كنتم لا تعلمون هذه الأسماء، فأنتم عن علم الغيب أعجز؛ وبأن تسلموا الأمر لمن يعلمه ويدبّر أمركم بحسبه أولى.
فإن قيل: فكيف علمت الملائكة بأن فى ذرية آدم ﵇ من يفسد فى الأرض، ويسفك الدماء؟ وما طريق علمها بذلك؟ / وإن كانت غير عالمة فكيف يحسن أن تخبر عنه بغير علم!
قلنا: قد قيل إنها لم تخبر وإنما استفهمت؛ فكأنها قالت متعرفة: أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا.
стр. 739
وقيل: إن الله تعالى أخبرها بأنه سيكون من ذرّية هذا المستخلف من يعصى ويفسد فى الأرض: فقالت على وجه التعرف لما فى هذا التدبير من المصلحة والاستفادة لوجه الحكمة فيه: أتجعل فيها من يفعل كذا وكذا؟
وهذا الجواب الأخير يقتضي أن يكون فى أول الكلام حذف ويكون التقدير: وإذ قال ربّك للملائكة إنّى جاعل فى الأرض خليفة، وإنى عالم أن سيكون من ذريته من يفسد فيها، ويسفك الدماء، فاكتفى عن إيراد هذا المحذوف بقوله تعالى: قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ لأن ذلك دلالة على الأول؛ وإنما حذفه اختصارا.
وفى جملة جميع الكلام اختصار شديد، لأنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ كان فى ضمن هذا الكلام: فنحن على ما نظنه ويظهر لنا من الأمر أولى بذلك لأنا نطيع وغيرنا يعصى.
وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يتضمن أيضا أننى أعلم من مصالح المكلّفين ما لا تعلمونه، وما يكون مخالفا لما تظنونه على ظواهر الأمور.
وفى القرآن من الحذوف العجيبة، والاختصارات الفصيحة ما لا يوجد فى شيء من الكلام؛ فمن ذلك قوله تعالى فى قصة يوسف ﵇ والناجى من صاحبيه فى السجن عند رؤيا البقر السمان والعجاف: أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ؛ [يوسف: ٤٥]، [ففعلوا، فأتى يوسف، فقال له] (١): يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ؛ [يوسف: ٤٦] [ولو بسط الكلام فأورد محذوفه لقال أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون ففعلوا، فأتى يوسف فقال له: يا يوسف أيها الصديق أفتنا (٢)].
ومثله قوله فى الأنعام، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ [الأنعام: ١٤]: أى، وقيل لى: ولا تكونن من المشركين.
стр. 740
وكذلك قوله تعالى فى قصة سليمان عليه والسلام: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ، وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ
إلى قوله: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: ١٢، ١٣]، أى وقيل لهم: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً.
وقال جرير:
/ وردتم على قيس بخور مجاشع ... فبؤتم على ساق بطيء جبورها (١)
أراد: فبؤتم على ساق مكسورة بطيء جبورها، كأنه لما كان فى قوله: «بطيء جبورها» دليل على الكسر اقتصر عليه.
وقال عنترة:
هل تبلغنّى دارها شدنيّة ... لعنت بمحروم الشّراب مصرّم (٢)
يعنى ناقته؛ ومعنى «لعنت» دعاء عليها بانقطاع لبنها وجفاف ضرعها، فصار (٣) كذلك هذا كله (٤)؛ والناقة إذا كانت لا تنتج كان أقوى لها على السير. قال: تأبط شرا- ويروى للشنفرى:
стр. 741
فلا تدفنونى إنّ دفنى محرّم ... عليكم، ولكن خامرى أمّ عامر (١)
لأنه أراد: فلا تدفنونى بل دعونى تأكلنى التى يقال لها: خامرى أم عامر؛ وهى الضّبع.
وقال أوس بن حجر:
حتّى إذا الكلّاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طلبا (٢)
أراد: «لم أر كاليوم»، فحذف.
وقال أبو دؤاد الإيادىّ:
إنّ من شيمتى لبذل تلادى ... دون عرضى، فإن رضيت فكونى
أراد: فكونى معى على ما أنت عليه، وإن سخطت فبينى فحذف هذا كلّه.
وقال الآخر:
إذا قيل سيروا إنّ ليلى لعلّها ... جرى دون ليلى مائل القرن أعضب (٣)
أراد لعلّها قريب، وهذا يتسع؛ وهو أكثر من أن يحيط (٤) به قول. والحذف غير الاختصار. وقوم يظنون أنهما واحد؛ وليس كذلك لأن الحذف يتعلق بالألفاظ؛ وهو أن تأتى بلفظ يقتضي غيره ويتعلق به، ولا يستقلّ بنفسه؛ ويكون فى الموجود دلالة على المحذوف، فتقتصر عليه طلبا للاختصار، والاختصار يرجع إلى المعانى وهو أن تأنى بلفظ مفيد لمعان كثيرة لو عبّر عنها بغيره لاحتيج إلى أكثر من ذلك اللفظ، فلا حذف إلا وهو اختصار، وليس كل اختصار حذفا.
стр. 742
فمثال الحذف قوله: «ولكن خامرى أمّ عامر» ونظائره مما أنشدناه؛ لأن القول غير مستغن بنفسه؛ بل يقتضي كلاما آخر غير أنه لما كان فيه دلالة على ما حذف حسن استعماله.
ومثال الاختصار الّذي ليس بحذف قول الشاعر:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل (١)
أراد أنهم أعزاء مقيمون بدار مملكتهم، لا ينتجعون كالأعراب؛ فاختصر هذا المبسوط فى قوله: «حول قبر أبيهم».
ومثله قول عدىّ بن زيد:
عالم بالذى يريد نقى الصّد ... ر وعفّ على جثاه نحور (٢)
وفى معنى الاختصار قول أوس بن حجر:
وفتيان صدق لا تخمّ لحامهم ... إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا
فقوله: «لا تخم لحامهم» لفظ مختصر؛ ولو بسطه لقال: إنهم لا يدّخرون اللحم ولا يستبقونه فيخمّ، (٣) بل يطعمونه الأضياف والطّرّاق.
ومعنى قوله:
* إذا شبّه النّجم الصّوار النّوافرا*
يعنى فى شدة البرد وكلب الشتاء؛ والثريا تطلع فى هذا الزمان عشاء، كأنها صوار متفرق.
стр. 743
وهذا أيضا أكثر من أن يحصى، وإنما فضّل الكلام الفصيح بعضه على بعض؛ لقوّة حظه من إفادة المعانى الكثيرة بالألفاظ المختصرة.
فأما قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ بعد ذكر الأسماء التى لا تليق بها هذه الكناية، فالمراد به أنه عرض المسمّيات؛ لأن الكناية لا تليق بالأسماء، ولا بدّ من أن تكون تلك المسميات، أو فيها ما يجوز (١) أن يكنّى عنه بهذه الكناية؛ لأنها لا تستعمل إلّا فى العقلاء ومن يجرى مجراهم.
وقيل إن فى قراءة أبىّ: ثمّ عرضها وفى قراءة عبد الله بن مسعود: ثمّ عرضهنّ وعلى هاتين القراءتين يصلح أن
تكون عبارة عن الأسماء.
وقد يبقى فى هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممّن تكلم فى تفسير القرآن، ولا فى متشابهه ومشكله تعرّض له؛ وهو من مهمّ ما يسأل عنه.
وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبّرها آدم ﵇ بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء للمسمّيات؛ وهى لم تكن عالمة بذلك من قبل؛ إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء؛ ولم تعترف بفقد العلم؛ والكلام يقتضي أنّهم لما أنبأهم آدم بالأسماء/ علموا صحتها ومطابقتها للمسميات؛ ولولا ذلك لم يكن لقوله: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معنى، ولا كانوا مستفيدين بذلك نبوّته وتمييزه واختصاصه بما ليس لهم؛ لأنّ كلّ ذلك إنما يتمّ مع العلم دون غيره.
والجواب أنّه غير ممتنع أن يكون الملائكة فى الأوّل غير عارفين بتلك الأسماء؛ فلما أنبأهم آدم ﵇ بها فعل الله لهم فى الحال العلم الضرورى بصحتها ومطابقتها للمسميات؛ إما عن طريق أو ابتداء بلا طريق؛ فعلموا بذلك تميّزه (٢) واختصاصه؛ وليس لأحد أن يقول:
إن ذلك يؤدى إلى أنهم علموا نبوّته اضطرارا؛ وفى هذا منافاة طريقة التكليف؛ وذلك أنّه ليس فى علمهم بصحة ما أخبر به ضرورة ما يقتضي العلم بالنبوّة ضرورة، بل بعده
стр. 744
درجات ومراتب لا بدّ من الاستدلال عليها؛ ويجرى هذا مجرى أن يخبر أحدنا نبىّ بما فعل على سبيل التفصيل على وجه يخرق العادة؛ وهو وإن كان عالما بصدق خبره ضرورة لا بدّ له من الاستدلال فيما بعد على نبوّته، لأنّ علمه بصدق خبره ليس هو العلم بنبوّته، لكنه طريق يوصل إليها على ترتيب.
ووجه آخر وهو أنه لا يمتنع أن يكون للملائكة لغات مختلفة، فكلّ قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس فى لغته دون لغة غيره، إلّا أن يكون إحاطة عالم واحد لأسماء الأجناس فى جميع لغاتهم خارقة للعادة، فلما أراد الله تعالى التنبيه على نبوّة آدم علّمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها علّم كل فريق مطابقة ما خبّر به من الأسماء للغته، وهذا لا يحتاج فيه إلى الرجوع إلى غيره، وعلم مطابقته ذلك لباقى اللغات يخبر كل قبيل، ولا شكّ فى أنّ كل قبيل إذا كانوا كثيرة (١)، وخبّروا بشيء يجرى هذا المجرى علم مخبرهم، وإذا أخبر كلّ قبيل صاحبه علم من ذلك فى لغة غيره
ما علمه من لغته.
وهذا الجواب يقتضي أن يكون قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ أى ليخبرنى كلّ قبيل منكم بجميع هذه الأسماء.
وهذان الجوابان جميعا مبنيّان على أن آدم ﵇ مقدّم له العلم بنبوّته، وأن إخباره بالأسماء كان افتتاح معجزاته (٢)، لأنه لو كان نبيا قبل ذلك، وكانوا قد علموا بقدم ظهور معجزات على يده لم يحتج إلى هذين الجوابين معا، لأنهم يعلمون إذا كانت الحال هذه مطابقة الأسماء للمسميات بعد أن لم يعلموا ذلك بقوله الّذي قد أمنوا به فيه غير الصدق، وهذه بيّن لمن تأمله.
*** قال سيدنا أدام الله علوّه: رأيت قوما ممن تكلم على معانى الشعر، يذكرون فى بيت حسان بن ثابت:
стр. 745
لم تفتها شمس النّهار بشيء ... غير أنّ الشّباب ليس يدوم (١)
أن المراد به الاعتذار من كبرها وعلوّ سنها، فكأنه قال: «لم تفتها شمس النهار بشيء» غير أنها كبيرة طاعنة فى السن، وعذرها فى ذلك أنّ الشباب ليس يدوم لأمثالها. وهذا الّذي ذكروه ليس بشيء، والأشبه والأولى أن يكون مراد حسّان أنّ شمس النهار لم تفتها بشيء غير أنّ شبابها مما لا يدوم، ولا بدّ من أن يلحقها الهرم الّذي لا يلحق الشمس، ولم يرد أنها فى الحال كذلك، وكيف يريد ما توهموه مع قوله:
يا لقوم (٢) هل يقتل المرء مثلى ... واهن البطش والعظام سئوم!
شأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلؤ منظوم
لو يدبّ الحولىّ من ولد الذّرّ ... عليها لأندبتها الكلوم (٣)
وهذه الأوصاف لا تليق بمن طعن فى السنّ من النساء، ولا يوصف بمثلها إلّا الصبيان والأحداث.
ومن العجائب أنّ هذا الاستخراج على ركاكته مسند إلى الأصمعىّ، وما أولى من يكون نتيجة تغلغله، وثمرة توصله مثل هذه الثمرة بالإضراب عن استخراج المعانى والبحث عنها!
ومما فسّره أصحاب المعانى على وجه، وهو بغيره أشبه، وأقلّ الأحوال أن يكون محتملا للأمرين، فلا يقصر على أحدهما قول الخنساء:
يا صخر ورّاد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما فى ورده عار (٤)
/ لأنهم يقولون: مرادها بالبيت ما فى ترك ورده عار، يظنون أنه متى لم يحمل على ذلك لم يكن له فائدة، ولا فيه مدح، ويجرونه مجرى قول المرقّش (٥):
стр. 746
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم
وليس الأمر كما ظنّوه، لأنه يحتمل أن يريد أنه لا عار فى ورده على ظاهر الكلام والفائدة فيه ظاهرة لأن البيت وإن تضمّن ذكر ورود الماء فهو كناية عن ركوب الأمور الصعاب التى من جملتها إيراد الماء غلبة وقهرا، فكأنها قالت: إنك تورد ماء قد تناذره الناس، وتركب أمرا صعبا قد نكل عنه الخلق، ولك بذلك حظ فى الشجاعة والبسالة، ومع ذلك فلا عار عليك فى ركوبه، لأنّه ربما فعل الإنسان فعلا يحوز به أكثر الحظ من الشجاعة وإن لحقه بعض العار، من قطيعة رحم، أو نكث عهد، أو ما جرى هذا المجرى، فكأنها نفت عن فعله وجوه العار.
وليس يجرى ذلك مجرى قول المرقّش:
* ليس على طول الحياة ندم*
لأن البيت متى لم يحمل على أن المراد به: ليس على فوت طول الحياة ندم، لم يفد شيئا، وقد بينا فائدة قول الخنساء إذا كان المراد ما ذكرناه.
стр. 747
مجلس آخر ٥٩
تأويل آية [وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: ٤٥].
قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن يكون المعنى: وسل تبّاع من أرسلنا من قبلك من رسلنا؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم: السخاء حاتم، والشعر زهير؛ وهم يريدون السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير وأقاموا حاتما مقام السخاء المضاف إليه؛ ومثله قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: ١٧٧]، ومثله قول الشاعر:
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة ... سواسية أحرارها وعبيدها
والمأمور بالسؤال فى ظاهر الكلام النبي عليه وآله السلام؛ وهو فى المعنى لأمته؛ لأنه ﵇ لا يحتاج إلى السؤال؛ لكنه خوطب خطاب أمته، كما قال تعالى: المص كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ/ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [الأعراف: ١، ٢]، فأفرده الله تعالى بالمخاطبة، ثم رجع إلى خطاب أمته فقال: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: ٢]، وفى موضع آخر: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: ١] فخاطبه ﵇ والمعنى لأمته، لأنه بيّن بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الأحزاب: ٢]، وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] فوحّد وجمع فى موضع واحد وذلك للمعنى الّذي ذكرناه.
стр. 748
وقال الكميت:
إلى السّراج المنير أحمد لا ... تعدلنى رغبة ولا رهب
عنه إلى غيره ولو رفع النّا ... س إلى العيون وارتقبوا
لو قيل أفرطت بل قصدت ولو عن ... فنى القائلون، أو ثلبوا
لجّ بتفضيلك اللّسان ولو أك ... ثر فيك الضّجاج واللّجب
أنت المصفّى المهذّب المحض فى التش ... بيه إن نصّ قومك النسب (١)
فظاهر الخطاب للنبى ﵇، والمقصود به أهل بيته ﵈، لأن أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله ﵇ والإطناب فى وصف فضائله ومناقبه؛ ولا يعنّف فى ذلك أحد، وإنما أراد الكميت: وإن أكثر فى أهل بيته وذويه السلام الضجاج واللجب والتقريع والتعنيف، فوجّه القول (٢) إليه والمراد غيره، ولذلك وجه صحيح وهو أنّ المراد بموالاتهم والانحياز إليهم والانقطاع إلى حبهم؛ لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو المقصود بذلك أجمع جاز أن يخرج الكميت الكلام هذا المخرج، ويضعه هذا الموضع. وقيل إن المراد بتبّاع الأنبياء الذين أمر بمسألتهم هم مؤمنو أهل الكتاب (٣) كعبد الله ابن سلام ونظرائه، وليس يمتنع أن يكون هو ﵇ المأمور بالمسألة على الحقيقة كما يقتضيه ظاهر الخطاب، وإن لم يكن شاكا فى ذلك، ولامر تابا به.
ويكون الوجه فيه تقرير أهل الكتاب به، وإقامة الحجة عليهم باعترافهم، أو لأنّ بعض مشركى العرب أنكر أن تكون كتب الله تعالى المتقدمة وأنبياؤه الآتون بها دعت إلى التوحيد، فأمر ﵇ بتقرير أهل الكتاب (٤) / بذلك دعت لنزول الشبهة عمن اعترضته.
والجواب الثانى أن يكون السؤال متوجها إليه ﵇ دون أمته، والمعنى: إذا لقيت
стр. 749
النبيين فى السماء فاسألهم عن ذلك؛ لأن الرواية قد وردت بأنه صلى الله عليه وآله لقى النبيين فى السماء فسلّم عليهم وأمّهم؛ ولا يكون أمره بالسؤال، لأنه كان شاكا، لأن مثل ذلك لا يجوز عليه الشكّ فيه؛ لكن لبعض المصالح الراجعة إلى الدين؛ إمّا لشيء يخصه ﵇، أو يتعلّق ببعض الملائكة الذين يستمعون ما يجرى بينه وبين النبيين من سؤال وجواب.
والجواب الثالث ما أجاب به ابن قتيبة، وهو أن يكون المعنى: وسل من أرسلنا إليه قبلك رسلا من رسلنا- يعنى أهل الكتاب. وهذا الجواب- وإن كان يوافق فى المعنى الجواب الأول- فبينهما خلاف فى تقدير الكلام وكيفية تأويله، فلهذا صارا مفترقين.
وقد ردّ على ابن قتيبة هذا الجواب، وقيل إنه أخطأ فى الإعراب؛ لأن لفظة «إليه» لا يصح إضمارها فى هذا الموضع؛ لأنهم لا يجيزون: «الّذي جلست عبد الله»، على معنى «الّذي جلست إليه»، لأن «إليه» حرف منفصل عن الفعل، والمنفصل لا يضمر، فلما كان القائل إذا قال: «الّذي أكرمت إياه عبد الله» لم يجز أن يضمر «إياه»؛ لانفصاله من الفعل كانت لفظة «إليه» منزلته.
وكذلك لا يجوز: «الّذي رغبت محمد»، بمعنى «الّذي رغبت فيه محمد»؛ لأن الإضمار إنما يحسن فى الهاء المتعلقة بالفعل كقولك: «الّذي أكلت طعامك»، و «الّذي لقيت صديقك»، معناهما:
الّذي أكلته ولقيته.
وقال الفراء: إنما حذفت «الهاء» لدلالة الّذي عليها. وقال غيره فى حذفها غير ذلك؛ وكلّ هذا ليس مما تقدم فى
شيء، فصحّ أن جواب ابن قتيبة مستضعف، والمعتمد على ما تقدم.
стр. 750
تأويل خبر [«كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه»]
إن سأل سائل عن معنى ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله: «كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه».
قلنا: أمّا أبو عبيد القاسم بن سلّام فإنه قال فى تأويل هذا الخبر: سألت محمد بن الحسن عن تفسيره/ فقال: كان هذا فى أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، ويؤمر المسلمون بالجهاد.
قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة، ثم مات قبل أن ينصّره أبواه ويهوّداه ما ورّثاه، وكذلك لو ماتا قبله ما ورّثهما، لأنه مسلم وهما كافران؛ وما كان أيضا يجوز أن يسبى، فلما نزلت الفرائض وجرت السّنن بخلاف ذلك علم أنه يولد على دين أبويه.
قال أبو عبيد: وأما عبد الله بن المبارك فإنه قال: هو بمنزلة الحديث الآخر الّذي يتضمّن أنه ﵇ سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من إسلام أو كفر؛ فمن كان فى علمه تعالى أنه يصير مسلما فإنه يولد على الفطرة، ومن كان فى علمه أنه يموت كافرا ولد على ذلك.
قال أبو عبيد: ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر أنه قال: «يقول الله : إنى خلقت عبيدى جميعا حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وجعلت ما أحللته لهم حراما».
قال أبو عبيدة: يريد بذلك البحائر والسّيّب وغير ذلك مما أحله الله تعالى، فجعلوه حراما.
وأما ابن قتيبة فقال- وقد حكى ما ذكرناه عن أبى عبيد-: لست أرى ما حكاه أبو عبيد عن عبد الله ابن المبارك ومحمد بن الحسن مقنعا لمن أراد أن يعرف معنى الحديث؛ لأنهما لم يزيدا على أن ردّا على ما قال به من أهل القدر.
стр. 751
وتفسير محمد بن الحسن يدلّ على أن الحديث عنده منسوخ، والنسخ لا يكون فى الأخبار، وإنما يكون فى الأمر والنهى؛ قال: ولا يجوز أن يراد به- على تأويل ابن المبارك- بعض المولودين دون بعض؛ لأن مخرجه مخرج العموم. قال: ولا أرى معنى الحديث إلّا ما ذهب إليه حماد بن سلمة؛ فإنه قال فيه: هذا عندنا حيث أخذ العهد عليهم فى أصلاب آبائهم؛ يريد حين مسح الله تعالى ظهر آدم؛ فأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذرّ، وأشهدهم: أَ
لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
؛ [الأعراف: ١٧٢]، فأراد ﵇ أنّ كلّ مولود يولد فى العالم على ذلك العهد وعلى ذلك الإقرار الأول وهو الفطرة.
/ قال سيدنا أدام الله علوّه: وهذا كله تخليط وبعد عن الجواب الصحيح. والصحيح فى تأويله أن قوله ﵇: «يولد على الفطرة» يحتمل أمرين:
أحدهما أن تكون الفطرة هاهنا الدين، وتكون «على» بمعنى اللام؛ فكأنه قال: كل مولود يولد للدّين ومن أجل الدين؛ لأن الله تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلّفين إلّا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؛ [الذريات: ٥٦]؛ والدليل على أن «على» تقوم مقام اللام ما حكاه يعقوب بن السّكّيت عن أبى زيد عن العرب أنهم يقولون: صف عليّ كذا وكذا حتى أعرفه؛ بمعنى صف لى؛ ويقولون ما أغيظك عليّ! يريدون ما أغيظك لى! والعرب تقيم بعض حروف الصفات مقام بعض فيقولون: سقط الرجل لوجهه؛ يريدون على وجهه، وقال الطّرماح:
كأنّ مخوّاها على ثفناتها ... معرّس خمس وقّعت للجناجن (١)
أراد: على الجناجن (٢) -
стр. 752
وقال عنترة:
شربت بماء الدّحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الدّيلم (١)
معناه: شربت الناقة من ماء الدّحرضين؛ وهما ماءان؛ يقال لأحدهما: وسيع والآخر دحرض، فغلب الأشهر؛ وهو الدّحرض. وإنما ساغ أن يريد بالفطرة- التى هى الخلقة فى اللغة- الدّين من حيث كان هو المقصود بها، وقد يجرى على الشيء اسم ماله به هذا الضرب من التعلّق والاختصاص؛ وعلى هذا يتأول قوله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها؛ [الروم: ٣٠] أراد دين الله الّذي خلق الخلق له.
وقوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ؛ [الروم: ٣٠] المراد به أن ما خلق العباد له من العبادة والطاعة ليس مما يتغير ويختلف، حتى يخلق قوما للطاعة، وآخرين للمعصية.
ويجوز أن يريد بذلك الأمر، وإن كان ظاهره الخبر، فكأنه تعالى قال: ولا تبدّلوا ما خلقكم الله له من الدّين والطاعة بأن تعصوا وتخالفوا.
والوجه الآخر فى تأويل الفطرة أن يكون المراد بها الخلقة، وتكون لفظة «على» على ظاهرها/ لم يرد (٢) به غيرها، ويكون المعنى: كل مولود يولد على الخلقة الدالة على وحدانية الله تعالى وعبادته والإيمان به، لأنه قد صوّر الخلق وخلقهم على وجه يقتضي النظر فيه معرفته والإيمان به؛ وإن لم ينظروا ولم يعرفوا، فكأنه ﵇ قال: كل مخلوق ومولود فهو يدلّ بخلقه وصورته على عبادة الله تعالى؛ وإن عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصاريا.
وهذا الوجه يحتم له أيضا قوله تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.
وإذا ثبت ما ذكرناه فى معنى الفطرة فقوله: «حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصرانه» يحتمل وجهين:
стр. 753
أحدهما أنّ من كان يهوديا أو نصرانيا ممن خلقته لعبادتى ودينى؛ فإنما جعله كذلك أبواه، ومن جرى مجراهما ممن أوقع له الشبهة وقلده الضلال عن الدين.
وإنما خص الأبوين لأن الأولاد فى الأكثر ينشئون على مذاهب آبائهم، ويألفون أديانهم وتحلهم؛ ويكون الغرض بالكلام تنزيه الله تعالى عن ضلال العباد وكفرهم، وأنه إنما خلقهم للإيمان فصدهم عنه آباؤهم، أى ومن جرى مجراهم.
والوجه الآخر أن يكون معنى: «يهوّدانه وينصّرانه» أى يلحقانه بأحكامهما، لأنّ أطفال أهل الذمة قد ألحق الشرع أحكامهم بأحكامهم؛ فكأنه ﵇ قال: لا تتوهموا من حيث لحقت أحكام اليهود والنصارى أطفالهم، أنهم خلقوا لدينهم، بل لم يخلقوا إلا للإيمان والدين الصحيح؛ لكنّ آباءهم هم الذين أدخلوهم فى أحكامهم. وعبّر عن إدخالهم فى أحكامهم بقولهم: «يهوّدانه وينصّرانه»؛ وهذا واضح.
فأما جواب أبى عبيد الّذي حكاه عن محمد بن الحسن فإنا إذا تمكنا من حمل الخبر على وجه نسلم معه من النسخ لم نحتج إلى غيره؛ وإنما توهّم النسخ لاعتقاده أن خلقهم على الفطرة يمنع من إلحاقهم بحكم آبائهم؛ وذلك غير ممتنع.
وأما الجواب الّذي حكاه عن ابن المبارك ففاسد، لأن الله تعالى لا يجوز أن يخلق أحدا للكفر؛ وكيف يخلقه للكفر وهو يأمره بالإيمان ويريده منه، ويعاقبه ويذمه على خلافه!
فأما ما روى عنه/ ﵇ وقد سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» - فإنه يحتمل أن يكون ﵇ سئل عمّن لم يبلغ من أطفال المشركين:
كيف تكون صورته؟ وإلى أىّ شيء تنتهى عاقبته؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وأراد أن ذلك مستور عنّى؛ ولو كانت المسألة عمّن اخترم طفلا لم يجز أن يكون الجواب ذلك.
стр. 754
وأما ابن قتيبة فإنه رد على أبى عبيد من غير وجه يقتضي الرّد واعترض جواب ابن المبارك، باعتبار العموم والخصوص، وترك أن يفسده من الوجه الّذي يفسد به وهو الّذي ذكرناه، وكيف ننبه على فساده من هذه الجهة، وقد اختار فى تأويل الخبر ما يجرى فى الفساد والاختلال مجرى تأويل ابن المبارك.!
فأما النّسخ فى الأخبار فجائز إذا تضمنت معنى الأمر والنهى؛ ويكون ما دلّ على جواز النسخ فى الأوامر دالا على جواز ذلك فيها؛ وهذا مثل أن يقول: الصلاة واجبة عليكم، ثم يقول بعد زمان: ليست بواجبة، فيستدل بالثانى على نسخ الحكم الأول، كما لو قال ﵇:
صلوا، ثم قال: لا تصلوا كان النهى الثانى ناسخا للأول.
فأما الجواب الّذي ذكره ابن قتيبة فقد بينا فساده فيما تقدم (١) من الأمالى عند تأويلنا قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ؛ [الأعراف: ١٧٢]؛ وأفسدنا قول من اعتقد أنه مسح ظهر آدم، واستخرج منه الذرّية وأشهدها على نفوسها، وأخذ إقرارها بمعرفته بوجوه من الكلام؛ فلا طائل فى إعادة ذلك.
стр. 755
مجلس آخر ٥٧
تأويل آية [فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
؛ [هود: ١٠٦ - ١٠٨].
فقال: ما معنى الاستثناء هاهنا والمراد الدوام والتأييد؟ ثم ما معنى التمثيل بمدّة السموات والأرض التى تفنى وتنقطع؟
الجواب، / قلنا: قد ذكر فى هذه الآية وجوه:
أولها أن تكون إِلَّا- وإن كان ظاهرها الاستثناء- فالمراد بها الزيادة؛ فكأنه تعالى قال: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة لهم على هذا المقدار؛ كما يقول الرجل لغيره: لى عليك ألف دينار إلا الألفين الذين أقرضتكهما وقت كذا وكذا، فالألفان زيادة على الألف بغير شكّ؛ لأن الكثير لا يستثنى من القليل؛ وهذا الجواب يختاره الفرّاء وغيره من المفسرين.
والوجه الثانى أن يكون المعنى: إلّا ما شاء ربّك من كونهم قبل دخول الجنة والنار فى الدنيا؛ وفى البرزخ الّذي هو ما بين الحياة والموت وأحوال المحاسبة والعرض وغير ذلك؛ لأنه تعالى لو قال: خالدين فيها أبدا، ولم يستثن لتوهّم متوهّم أنهم يكونون فى الجنة والنار من لدن نزول الآية، أو من بعد انقطاع التكليف، فصار للاستثناء وجه، وفائدة معقولة.
стр. 756
والوجه الثالث أن تكون إِلَّا بمعنى الواو؛ والتأويل: خالدين فيها ما دامت السموات والأرض، وما شاء ربك من الزيادة. واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان (١)
معناه: والفرقدان، ويقول الآخر:
وأرى لها دارا بأغدرة السّ ... يّدان لم يدرس لها رسم (٢)
إلّا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرّياح خوالد سحم
والمراد ب «إلا» هاهنا الواو؛ وإلا كان الكلام متناقضا.
والوجه الرابع أن يكون الاستثناء الأول متصلا بقوله: لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ؛ وتقدير الكلام: لهم فى النار زفير وشهيق إلا ما شاء ربك من أجناس العذاب الخارجة عن هذين الضربين، ولا يتعلق الاستثناء بالخلود.
فإن قيل: فهبوا أنّ هذا أمكن فى الاستثناء الأول، كيف يمكن فى الثانى؟
قلنا: يحمل الثانى على استثناء المكث فى المحاسبة والموقف، أو غير ذلك مما تقدّم ذكره.
стр. 757
/ والوجه الخامس أن يكون الاستثناء غير مؤثر فى النقصان من الخلود؛ وإنما الغرض فيه: أنه لو شاء أن يخرجهم وألّا يخلدهم لفعل، وأن التخليد إنما يكون بمشيئته وإرادته، كما يقول القائل لغيره: والله لأضربنّك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوى إلا ضربه، ومعنى استثنائه هاهنا: أنى لو شئت ألّا أضربك لفعلت وتمكنت؛ غير أنى مجمع على ضربك.
والوجه السادس أن يكون تعليق ذلك بالمشيئة على سبيل التأكيد للخلود، والتبعيد للخروج؛ لأن الله تعالى لا يشاء إلا تخليدهم على ما حكم به، ودلّ عليه؛ ويجرى ذلك مجرى قول العرب: والله لأهجرنّك إلا أن يشيب الغراب، ويبيضّ القار؛ ومعنى ذلك أنى أهجرك أبدا؛ من حيث علّق بشرط معلوم أنه لا يحصل؛ وكذلك معنى الآيتين؛ والمراد بهما أنهم خالدون أبدا؛ لأن الله تعالى لا يشاء أن يقطع خلودهم.
والوجه السابع أن يكون المراد بالذين شقوا من أدخل النار من أهل الإيمان، الذين ضمّوا إلى إيمانهم وطاعتهم المعاصى؛ فقال تعالى: إنهم معاقبون فى النار إلا ما شاء ربك؛ من إخراجهم إلى الجنة، وإيصال ثواب طاعاتهم إليهم.
ويجوز أيضا أن يريد بأهل الشقاء هاهنا جميع الداخلين إلى جهنم؛ ثم استثنى تعالى بقوله:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أهل الطاعات منهم، ومن يستحقّ ثوابا لا بدّ أنه يوصل إليه فقال:
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من إخراج بعضهم؛ وهم أهل الثواب.
وأما الذين سعدوا فإنما استثنى من خلودهم أيضا لما ذكرناه؛ لأنّ من نقل من النار إلى الجنة وخلّد فيها لا بدّ من الإخبار عنه بتأبيد خلوده من استثناء ما تقدّم؛ فكأنه تعالى قال: إنهم خالدون فى الجنة ما دامت السموات والأرض؛ إلا ما شاء ربك من الوقت الّذي أدخلهم فيه النار، قبل أن ينقلهم إلى الجنة.
والذين شقوا على هذا الجواب هم الذين سعدوا، وإنما أجرى عليهم كل لفظ فى الحال التى تليق بهم؛ فهم إذا أدخلوا النار وعوقبوا فيها من أهل الشقاء، وإذا نقلوا إلى الجنة من أهل الجنة والسعادة.
стр. 758
وقد ذهب إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين كابن عباس وقتادة والضحّاك/ وغيرهم.
وروى بشر بن عمارة عن أبى روق عن الضّحاك عن ابن عباس قال: الذين شقوا ليس فيهم كافر؛ وإنما هم قوم من أهل التوحيد، يدخلون النار بذنوبهم، ثم يتفضّل الله تعالى عليهم فيخرجهم من النار إلى الجنة، فيكونون أشقياء فى حال، سعداء فى حال أخرى.
وأما تعليق الخلود بدوام السموات والأرض؛ فقد قيل فيه: إن ذلك لم يجعل شرطا فى الدوام؛ وإنما علّق به على طريق التبعيد وتأكيد الدوام؛ لأن للعرب فى مثل هذا عادة معروفة خاطبهم الله تعالى عليها؛ لأنهم يقولون: لا أفعل كذا ما لاح كوكب، وما أضاء الفجر، وما اختلف الليل والنهار، وما بلّ بحر صوفة، وما تغنّت حمامة، ونحو ذلك، ومرادهم التأبيد والدوام.
ويجرى كل ما ذكرناه مجرى قولهم: لا أفعل كذا أبدا؛ لأنهم يعتقدون فى جميع ما ذكرناه أنه لا يزول ولا يتغير؛ وعباراتهم إنما يخرجونها بحسب اعتقاداتهم، لا بحسب ما عليه الشيء فى نفسه؛ ألا ترى أن بعضهم لما اعتقد فى الأصنام أن العبادة تحقّ لها سمّاها آلهة بحسب اعتقادهم، وإن لم تكن فى الحقيقة كذلك!
ومما يشهد لمذهبهم الّذي حكيناه قول أبى الجويرية العبدىّ:
ذهب الجود والجنيد جميعا ... فعلى الجود والجنيد السلام (١)
أصبحا ثاويين فى قعر مرت (٢) ... ما تغنّت على الغصون الحمام
وقال الأعشى:
стр. 759
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل! (١)
وقال الآخر:
لا أفتأ الدّهر أبكيهم بأربعة ... ما اجترّت النّيب أو حنّت إلى بلد (٢)
وقال زهير منبئا (٣) عن اعتقاده دوام الجبال، وأنها لا تفنى ولا تتغير:
ألا لا أرى على الحوادث باقيا ... ولا خالدا إلّا الجبال الرّواسيا (٤)
/ فهذا وجه.
وقيل أيضا فى ذلك أنه أراد به الشرط، وعنى بالآية دوام السموات والأرض المبدّلتين؛ لأنه تعالى قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ؛ [إبراهيم: ٤٨]، فأعلمنا تعالى أنهما تبدّلان؛ وقد يجوز أن يديمهما بعد التغيير أبدا بلا انقطاع؛ وإنما المنقطع هو دوام السموات والأرض قبل التبديل والفناء.
ويمكن أيضا أن يكون المراد أنهم خالدون بمقدار مدّة السموات والأرض التى يعلم الله تعالى انقطاعها ثم يزيدها الله تعالى على ذلك ويخلّدهم، ويؤيد مقامهم وهذا الوجه يليق بالأجوبة التى تتضمن أن الاستثناء أريد به الزيادة على المقدار المتقدم لا النقصان.
*** قال سيدنا أدام الله تمكينه: وجدت الآمدىّ قد ظلم البحترىّ فى تفسير بيت له مضاف إليه مع ظلمه له فى أشياء كثيرة تأوّلها على خلاف مراد البحترىّ، وحكى قوله:
стр. 760
كالبدر إلّا أنّها لا تجتلى ... والشّمس إلّا أنها لا تغرب (١)
ثم قال: " وهذا فيه سؤال؛ لأنه لما قال:
* كالبدر إلا أنها لا تجتلى*
فالمعنى أن عيون الناس كلّهم ترى البدر وتجتليه، وهى لا تراها العيون ولا تجتلى".
ثم قال:
*" والشمس إلا أنها لا تغرب*
وإنما قال: «لا تجتلى» لأنها محجوبة؛ فإذا كانت فى حجاب فهى فى غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها". قال: " وهذا القول متناقض كما ترى" قال: " وأظنه أراد أنها وإن كانت فى حجاب فإنه لا يقال لها: غربت تغرب كما يقال للشمس؛ وإنما يقال لها إذا سافرت:
بعدت، واغتربت وغرّبت إذا توجهت نحو الغرب، وقد يقال للرجل اغرب عنا (٢)، أى ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التى تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى كان ذلك حسنا جدا، لا سيما وقد جعلها شمسا، كما قال ابراهيم بن العباس الصولىّ:
وزالت زوال الشّمس عن مستقرّها ... فمن مخبرى: فى أىّ أرض غروبها؟ (٣)
قال: " وقد يجوز أن يقول قائل: إنه أراد: لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس؛ وهذه معاذير/ ضيقة، لأبى عبادة فإن لم يكن قد أخطأ فقد أساء".
قال سيدنا أدام الله علوّه: وما المخطئ غير الآمدىّ، ومراد البحترىّ بقوله أوضح من أن يذهب على متأمّل، لأنه أراد بقوله:
* والشمس إلا أنها لا تغرب*
أى أنها لا تصير بحيث يتعذر رؤيتها ويمتنع، كما يتعذر رؤية الشمس على من غربت
стр. 761
عن أفق بلده. والمرأة- وإن احتجبت باختيارها- فإن ذلك ليس بغروب كغروب الشمس؛ لأنها إذا شاءت ظهرت وبرزت للعيون، والشمس إذا غربت فرؤيتها غير ممكنة، ولهذا لا يصحّ أن يقال لمن استظل بدار أو جدار عن الشمس: إنها غربت عنه، وإن كان غير راء لها، لأن رؤيتها ممكنة بزوال ذلك المانع، وكذلك القول فى احتجاب المرأة؛ فلا تناقض فى بيت البحترى على ما ظنه الآمدىّ.
ولبعضهم فى هذا المعنى:
قد قلت للبدر واستعبرت حين بدا ... ما فيك يا بدر لى من وجهها خلف
تبدى لنا كلما شئنا محاسنها ... وأنت تنقص أحيانا وتنكسف
فمعنى قوله: «فأنت تنقص وتنكسف» جار مجرى غروب الشمس، لأنه فضّلها على البدر من حيث كان بروزها لمبصرها موقوفا على اختيارها، والبدر ينكسف ويغيب على وجه لا تمكن رؤيته، كما فضلها البحترىّ بأنها لا تغرب حتى تصير رؤيتها مستحيلة، والشمس كذلك.
وقد ظلم الآمدىّ البحترىّ فى قوله:
لا العذل يردعه ولا التّعنيف عن كرم يصدّه
قال الآمدىّ" وهذا عندى من أهجى ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنّف الخليفة على الكرم أو يصده! إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح".
قال سيدنا رضى الله عنه: وللبحترى فى هذا عذر من وجهين:
أحدهما أن يكون الكلام خرج مخرج التقدير؛ فكأنه قال: لو عنّف وعذل لما صدّه ذلك عن الكرم، وإن كان من حق العذل والتعنيف أن يصدّ أو يحجز عن الشيء،
стр. 762
وهذا له نظائر فى القرآن، وفى كلام العرب كثير مشهور، وقد مضى فيما أمليناه شيء من ذلك.
والوجه الآخر أن العذل والتعنيف/ وإن لم يتوّجها إليه فى نفسه فهما موجودان فى الجملة على الإسراف فى البذل والجود بنفائس الأموال، ولم يقل البحترىّ: إن عذله يردعه، أو تعنيفه يصدّه، وإنما قال: «لا العذل يردعه ولا التعنيف يصده»، فكأنه أخبر أن ما يسمعه من عذل العذال على الكرم وتعنيفهم على الجود وإن كان متوجّها إلى غيره فهو غير صادّ له لقوة عزيمته، وشدّة بصيرته.
*** ومما خطأ الآمدىّ فيه البحترىّ وإن كان له فيه عذر صحيح لم يهتد إليه قوله:
ذنب كما سحب الرّداء يذبّ عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
قال الآمدىّ: " وهذا خطأ من الوصف لأنّ ذنب الفرس إذا مسّ الأرض كان عيبا فكيف إذا سحبه! وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض، ولم يمسها كما قال امرؤ القيس:
* يضاف فويق الأرض ليس بأعزل (١) "*
قال" وقد عيب امرؤ القيس بقوله:
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسدّ به فرجها من دبر" (٢)
قال" وما أرى العيب يلحق امرأ القيس، لأن العروس وإن كانت تسحب أذيالها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض عيبا فليس بمنكر أن يشبّه به الذنب، وإن لم يبلغ إلى
стр. 763
أن يمسّ الأرض، لأن الشيء إنما يشبّه الشيء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه فى أكثر أحواله فقد صحّ التشبيه ولاق به.
وامرؤ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السّبوغ والكثرة والكثافة، ألا ترى أنه قال:
* تسدّ به فرجها من دبر*
وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، ولا يسد فرج الفرس فلما قال: «تسد به فرجها» علمنا أنه أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان فى الطول قريبا منه، فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب وإنما العيب فى قول البحترى: «ذنب كما سحب الرداء»، فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.
ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
/ لها ذنب مثل ذيل الهدىّ ... إلى جؤجؤ أيّد الزّافر
والهدىّ: العروس التى تهدى إلى زوجها. والأيّد: الشديد. والزافر: الصّدر، لأنها تزفر منه". قال" فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدىّ، وإن لم يبلغ فى الطول إلى أن يمس الأرض"
قال سيدنا أدام الله تمكينه: وللبحترىّ وجه فى العذر يقرب من عذر امرئ القيس فى قوله: «مثل ذيل العروس» غير أن الآمدىّ لم يفطن له؛ وأول ما نقوله: إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه فى كلامه التحقيق والتحديد، فإن ذلك متى اعتبر فى الشعر بطل جميعه، وكلام القوم مبنىّ على التجوز والتوسع والإشارات الخفية والإيماء على المعانى تارة من بعد، وأخرى من قرب؛ لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب المنطق؛ وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم ويفهم أغراضهم.
стр. 764
وإنما أراد البحترىّ بقوله: «ذنب كما سحب الرداء» المبالغة فى وصفه بالطول والسبوغ وأنه قد قارب أن ينسحب، وكاد يمسّ الأرض. ومن شأن العرب أن تجرى على الشيء الوصف الّذي قد كان قد يستحقه، وقرب منه القرب الشديد فيقولون: قد قتل فلانا هوى فلانة، ودلّه (١) عقله؛ وأزال تمييزه وأخرج نفسه، وكل ذلك لم يقع وإنما أرادوا المبالغة وإفادة المقاربة والمشارفة؛ ونظائر ذلك أكثر من أن تحصى.
ومن شأنهم أيضا إذا أرادوا المبالغة التامة أن يستعملوا مثل هذا؛ فيشبهون الكفل بالكثيب وبالدّعص وبالتلّ، ويشبهون الخصر بوسط الزنبور، وبمدار (٢) حلقة الخاتم، ويعدّون هذا غاية المدح وأحسن الوصف، ونحن نعلم أنا لو رأينا من خصره مقدار وسط الزنبور، وكفله كالكثيب العظيم لاستبعدناه واستهجنا صورته لنكارتها وقبحها، وإنما أتوا بألفاظ المبالغة صنعة وتأنقا، لا لتحمل على ظواهرها تحديدا وتحقيقا؛ بل ليفهم منها الغاية المحمودة، والنهاية المستحسنة، ويترك ما وراء ذلك، فإنا نفهم من قولهم: خصرها كخصر الزنبور أنه فى نهاية الدقة المستحسنة فى البشر، ومن قولهم/: كفلها كالكثيب أى أنه فى نهاية الوثارة المحمودة المطلوبة، لا أنه كالتل على التحقيق؛ فهكذا لا ننكر أن يريد البحترى بقوله:
«كما سحب الرداء» أنه فى غاية الطول الممدوح، لا أنه ينجرّ على الأرض الحقيقة، ووكلنا فى تخليص معناه وتفصيله إلى العادة الجارية لنظرائه من الشعراء فى استعمال مثل اللفظ الّذي استعمله؛ وقد قال بعضهم فى ثقل العجيزة:
تمشى فتثقلها روادفها ... فكأنها تمشى إلى خلف
وقال المؤمل:
من رأى مثل حبّتى ... تشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثمّ تد ... خل أردافها غدا
وقال ذو الرمة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وفد جلّلته المظلمات الحنادس
стр. 765
وهذا كلام لو حمل على ظاهره وحقيقته لكان الموصوف به فى نهاية القبح؛ لأن من يمشى إلى خلف، ومن يدخل كفله بعده لا يكون مستحسنا.
وقال بكر بن النطاح:
فرعاء تسحب من قيام شعرها (١) ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم
فكأنّها فيه نهار مشرق (٢) ... وكأنّه ليل عليها مظلم
فوصف شعرها بأنه ينسحب مع قيامها، ونحن نعلم أن طول الشعر- وإن كان مستحسنا- فليس إلى هذا الحد؛ وإنما أراد بقوله: «تسحب شعرها» ما أراده البحترىّ بقوله: «كما سحب الرداء» من المبالغة فى الوصف بالطول المحمود دون المذموم.
стр. 766
مجلس آخر ٥٨
تأويل آية [أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؛ [مريم: ٣٨].
فقال: ما تأويل هذه الآية؟ فإن كان المراد بها التعجّب من قوة أسماعهم ونفاذ أبصارهم؛ فكيف يطابق ما خبّر به
عنهم فى مواضع كثيرة من الكتاب/ بأنهم لا يبصرون ولا يسمعون وأن على أسماعهم وأبصارهم غشاوة؟ وما معنى قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ؟ أىّ يوم هو اليوم المشار إليه؟ وما المراد بالضلال المذكور؟ .
الجواب، قلنا: أمّا قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ؛ فهو على مذهب العرب فى التعجّب؛ ويجرى مجرى قولهم: ما أسمعه! وما أبصره! والمراد بذلك الإخبار عن قوة علومهم بالله تعالى فى تلك الحال؛ وأنهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه؛ وهذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون بالله تعالى ضرورة؛ ولا تنافى بين هذه الآية وبين الآيات التى أخبر عنهم فيها بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون؛ وبأن على أبصارهم غشاوة؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف، وهى الأحوال التى كان الكفار فيها ضلّالا عن الدين، جاهلين بالله تعالى وصفاته. وهذه الآية تناولت يوم القيامة؛ وهو المعنىّ بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتُونَنا؛ وأحوال يوم القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية. وتجرى هذه الآية مجرى قوله تعالى:
لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢].
فأما قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فيحتمل أن يريد تعالى بقوله: الْيَوْمَ الدّنيا وأحوال التكليف؛ ويكون الضلال المذكور إنما هو الذّهاب عن الدين والعدول عن الحق، فأراد تعالى أنّهم فى الدنيا جاهلون، وفى الآخرة عارفون؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة. ويحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة؛ ويعنى تعالى
стр. 767
«بالضلال» العدول عن طريق الجنة ودار الثواب إلى دار العقاب؛ فكأنه تعالى قال: أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا؛ غير أنهم مع معرفتهم هذه وعلمهم يصيرون فى هذا اليوم إلى العقاب؛ ويعدل بهم عن طريق الثواب.
وقد روى معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسرين فروى عن الحسن فى قوله تعالى:
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا قال: يقول تعالى: هم يوم القيامة سمعاء بصراء؛ لكن الظالمون اليوم فى الدنيا ليسوا سمعاء وبصراء؛ ولكنهم فى ضلال عن الدين مبين.
وقال قتادة وابن زيد: ذلك والله يوم القيامة؛ سمعوا حين لم ينفع السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم؟ البصر.
وقال أبو مسلم بن بحر فى تأويل هذه الآية كلاما جيدا، قال: " معنى أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ما أسمعهم! وما أبصرهم! وهذا على طريق المبالغة فى الوصف؛ يقول: فهم يوم يأتوننا أى يوم القيامة سمعاء بصراء؛ أى عالمون وهم اليوم فى دار الدنيا فى ضلال مبين، أى جهل واضح". قال:
" وهذه الآية تدلّ على أنّ قوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ، [البقرة: ١٧١] ليس معناه الآفة فى الأذن، والعين والجوارح؛ بل هو أنهم لا يسمعون عن قدرة، ولا يتدبرون ما يسمعون، ولا يعتبرون بما يرون؛ بل هم عن ذلك
غافلون؛ فقد نرى أنّ الله تعالى جعل قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ مقابلا لقوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا، أى ما أسمعهم! وما أبصرهم! فأقام تعالى السمع والبصر مقام الهدى؛ إذ جعله بإزاء الضلال المبين."
وأما أبو على بن عبد الوهاب فإنه اختار فى تأويل هذه الآية غير هذا الوجه، ونحن نحكى كلامه على وجهه، قال: " وعنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أى أسمعهم وبصّرهم وبيّن لهم أنّهم إذا أتوا مع الناس إلى موضع الجزاء سيكونون فى ضلال عن الجنة وعن الثواب الّذي يناله المؤمنون والظالمون الذين ذكرهم الله هم هؤلاء الذين توعّدهم الله بالعذاب فى ذلك اليوم".
стр. 768
ويجوز أيضا أن يكون عنى بقوله: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، أى أسمع الناس بهؤلاء الأنبياء وأبصرهم بهم؛ ليعرفوهم ويعرفوا خبرهم، فيؤمنوا بهم، ويقتدوا بأعمالهم.
وأراد بقوله تعالى لكِنِ الظَّالِمُونَ لكن من كفر بهم من الظالمين اليوم؛ وهو يعنى يوم القيامة فى ضلال عن الجنة، وعن نيل الثواب، مبين.
وهذا الموضع من جملة المواضع التى استدركت على أبى على، وينسب فيها إلى الزلل؛ لأن الكلام وإن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد، فإن الأولى والأظهر فى معنى ما تقدم ذكره من المبالغة فى وصفهم وقوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعد ما تقدّم لا يليق إلا بالمعنى الّذي ذكرناه؛ لا سيما إذا حمل اليوم على أنّ المراد به يوم القيامة؛ على أن أبا عليّ جعل قوله تعالى: لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ من صلة قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ وتأوله على أنّ المعنىّ به أعلمهم وبصّرهم/ بأنهم يوم القيامة فى ضلال عن الجنة. والكلام يشهد بأنّ ذلك لا يكون من صلة الأول وأنّ قوله تعالى: لكِنِ استئناف لكلام ثان.
وما يحتاج أبو عليّ إلى هذا؛ بل لو قال على ما اختاره من التأويل أنه أراد أسمعهم وأبصرهم يوم يأتوننا أى ذكّرهم بأهواله، وأعلمهم بما فيه؛ ثم قال مستأنفا. لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ لم يحتج إلى ما ذكره؛ وكان هذا أشبه بالصواب.
فأما الوجه الثانى الّذي ذكره فباطل، لأن قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ إذا تعلّق بالأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى بقى قوله يَوْمَ يَأْتُونَنا بلا عامل (١) ومحال أن يكون ظرف لا عامل له؛ فالأقرب والأولى أن يكون على الوجه الأول مفعولا.
ووجدت بعض من اعترض على أبى عليّ يقول رادا عليه: لو كان الأمر على ما ذهب إليه أبو عليّ لوجب أن يقول
تعالى: أسمعهم وأبصرهم بغير باء، وهذا الردّ غير صحيح؛ لأن
стр. 769
الباء فى مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها؛ وذلك موجود كثير فى القرآن والشعر؛ قال الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ؛ [العلق: ٩٦]، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ؛ [الإنسان: ٦]، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مريم: ٢٥]، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ؛ [الممتحنة: ١].
وقال الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا
وقال امرؤ القيس:
هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال (١)
وأظنّ أبا عليّ إنما أنّسه بهذا الجواب أنه وجد تاليا للآية لفظ أمر؛ وهو قوله تعالى:
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ، فحمل الأول على الثانى؛ والكلام لا تشتبه معانيه من حيث المجاورة؛ بل الواجب أن يوضع كلّ منه حيث يقتضيه معناه.
*** قال: المرتضى وجدت جماعة من أهل الأدب يستبعدون أن يرتج على إنسان فى خطبة أو كلام قصد له، فينبعث منه فى تلك الحال كلام هو أحسن مقصد إليه؛ وأبلغ ممّا أرتج عليه دونه ويقولون: إنّ النسيان لا يكون إلا عن حيرة وضلالة؛ فكيف يجتمع معهما البراعة الثاقبة، والبلاغة المأثورة؛ مع حاجتهما إلى اجتماع الفكرة وحضور (٢) الذكر! وينسبون جميع ما يحكى من كلام مستحسن، ولفظ مستغرب (٣) عمّن حصر فى خطبة أو فى منطق إلى أنه موضوع مصنوع.
стр. 770
/ وليس الّذي استبعدوه وأنكروه ببعيد ولا منكر، لأن النسيان قد يخص شيئا دون شيء، ويتعلّق بجهة دون جهة، وهذا أمر متعارف، فلا ينكر أن ينسى الإنسان شيئا قصده وعزم على الكلام فيه، ويكون مع ذلك ذاكرا لغيره، متكلّما فيه بأبلغ الكلام وأحسنه، بل ربما كان الحصر والذّهاب عن القصد يحميان القريحة، ويوقدان الفكرة، ويبعثان على أحسن الكلام وأبرعه، ليكون ذلك هربا من العىّ وانتفاء من اللّكنة.
ومن أحسن ما روى من الكلام وأبرعه فى حال الحصر والانقطاع عن المقصود من الكلام ما أخبرنى به أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو حاتم.
قال المرزبانىّ: وأخبرنا ابن دريد مرة أخرى قال حدثنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبىّ قالا: صعد خالد بن عبد الله القسرىّ (١) يوما المنبر بالبصرة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن الكلام- وقال أبو حاتم: إن هذا القول- يجيء أحيانا، ويذهب أحيانا، فيتسبب عند مجيئه سببه، ويعزّ عند عز وبه طلبه، وربما كوبر فأتى، وعولج فأبطأ وقال ابن الكلبى: ربما طلب فأبى، وعولج فقسا- فالتّأتى لمجيئه أصوب من التعاطى لأبيّه». ثم نزل. فما رؤى حصر أبلغ منه.
وقال أبو حاتم: «والتّرك لأبيّه أفضل من التعاطى لمجيئه، وتجاوزه عند تعززه أولى من طلبه عند تنزّحه؛ وقد يختلج من الجريء جنانه، ويرتج على البليغ لسانه»، ثم نزل.
وأخبرنا بهذا الخبر أبو عبيد الله المرزبانىّ على وجه آخر قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطىّ قال: كان خالد بن عبد الله القسرى حين ولّاه هشام بن عبد الملك يكثر الخطب والتبالغ، فقدم واسطا، فصعد المنبر فحاول الخطبة فأرتج عليه، فقال: «أيها الناس، إن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، فيعز عند عزوبه طلبه؛ ويتسبب عند مجيئه سببه، وربما كوثر فأبى، وعوسر فقسا، والتأتّى لمجيئه أسهل من التعاطى لأبيه؛ وتركه عند تعزّزه (٢) أحمد من طلبه
стр. 771
عند تنكّره، فقد يرتج على اللسن لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا ينشأ إذا امتنع، ومن لم تمكن له الخطوة، فخليق أن تعنّ له النّبوة».
وأخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنى أبو العباس المنصورىّ قال: صعد أبو العباس السفّاح/ المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، إنما اللسان بضعة من الإنسان، يكلّ إذا كلّ، وينفسح بانفساحه إذا انفسح، ونحن أمراء الكلام، منّا تفرعت فروعه، وعلينا تهدّلت غصونه، ألا وإنّا لا نتكلم هذرا؛ ولا نسكت إلا معتبرين».
ثم نزل.
فبلغ ذلك أبا جعفر فقال: لله هو! لو خطب بمثل ما اعتذر لكان من أخطب الناس.
وهذا الكلام يروى لداود بن على.
وبهذا الإسناد عن محمد بن الصباح عن قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه قال: أراد أبو العباس السفّاح يوما أن يتكلم فى أمر من الأمور بعد ما أفضت الخلافة إليه، وكان فيه حياء مفرط فأرتج عليه، فقال داود بن عليّ بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
إن أمير المؤمنين، الّذي قلّده الله سياسة رعيته عقل من لسانه عند ما تعهّد من بيانه، ولكل مرتق بهر، حتى تنفّسه العادات، فأبشروا بنعمة الله فى صلاح دينكم، ورغد عيشكم».
وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال حدثنا عبد الله بن إسحاق بن سلّام قال: صعد عثمان بن عفان المنبر فأرتج عليه فقال: «أيها الناس، سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ نطقا، وإنكم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال».
وروى محمد بن يزيد النحوىّ هذا الكلام بعينه عن زياد بن يزيد بن أبى سفيان (١) وقد
стр. 772
خطب على بعض منابر الشام وإن عمرو بن العاص لما بلغه كلامه قال: هنّ مخرجاتى من الشام؛ استحسانا لكلامه.
وروى محمد بن يزيد النحوىّ قال: بلغنى أن رجلا صعد المنبر أيام يزيد- وكان واليا على قوم- فقال لهم: «أيها الناس، إنى إلّا أكن فارسا طبّا بهذا القرآن فإن معى من أشعار العرب ما أرجو أن يكون خلفا منه، وما أساء القائل
أخو البراجم (١) حيث يقول:
وما عاجلات الطّير يدنين للفتى ... رشادا، ولا من ريثهنّ يخيب (٢)
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب (٣)
ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على حادثات الدّهر حين تنوب (٤)
وفى الشّكّ تفريط، وفى الحزم قوّة ... ويخطى الفتى فى حدسه ويصيب (٥)
/ فقال له رجل من كلب: إنّ هذا المنبر لم ينصب للشعر، بل ليحمد الله عليه ويصلّى على النبي صلّى الله عليه وآله وللقرآن، فقال: أما لو أنشدتكم شعر رجل من كلب لسرّكم، فكتب إلى يزيد بذلك فعزله، وقال: قد كنت أرى أنك جاهل، ولم أحسب أنّ الحمق بلغ بك هذا كلّه، فقال له: أحمق منّى من ولّانى.
стр. 773
وكان يزيد بن المهلب (١) ولى ثابت قطنة بعض قرى خراسان، فصعد المنبر فحصر فنزل وهو يقول:
فإلّا أكن فيكم خطيبا فإننى ... بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب
فقيل: لو قلت هذا على المنبر لكنت أخطب الناس؛ فبلغ ذلك حاجب (٢) الفيل فقال:
أبا العلاء لقد لاقيت معضلة ... يوم العروبة من كرب وتحنيق
أما القرآن فلا تهدى لمحكمه ... ولم تسدّد من الدّنيا بتوفيق
لمّا رمتك عيون النّاس هبتهم ... وكدت تشرق لمّا قمت بالريق
تلوى اللّسان إذا رمت الكلام به ... كما هوى زلق من حالق نيق (٣)
وروى أن بعض خلفاء بنى العباس- وأظنه الرشيد- صعد المنبر ليخطب، فسقطت ذبابة على وجهه فطردها، فعادت فحصر وأرتج عليه، فقال: أعوذ بالله السميع العليم: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]، ثم نزل، فاستحسن ذلك منه.
ومما يشاكل هذه الحكاية ما حكاه عمرو بن بحر الجاحظ قال: " كان (٤) لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوّار لم ير الناس حاكما قطّ [ولا زمّيتا] (٥)، ولا ركينا (٦)، ولا وقورا، ضبط من نفسه، وملك من حركته مثل الّذي ضبط وملك؛ وكان يصلى الغداة
стр. 774
فى منزله وهو قريب الدار من مسجده، فيأتى مجلسه، فيحتبى ولا يتّكئ، ولا يزال منتصبا لا يتحرّك له عضو، ولا يلتفت، ولا تحلّ حبوته (١)، ولا يحوّل رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقّيه، حتى كأنه بناء مبنىّ أو صخرة منصوبة؛ فلا يزال كذلك؛ حتى يقوم لصلاة الظهر، ثم يعود إلى مجلسه، فلا يزال كذلك/ حتى يقوم لصلاة العصر، ثم يرجع إلى مجلسه (٢)، فلا يزال كذلك حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى مجلسه (٣)، بل كثيرا ما يكون ذلك إذا بقى عليه من قراءة العهد والشروط والوثائق، ثم يصلى العشاء (٤) وينصرف، لم يقم فى تلك الولاية مرة
واحدة إلى الوضوء، ولا احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب، وكذلك كان شأنه فى طوال الأيام وفى قصارها، وفى صيفها وشتائها، وكان مع ذلك لا يحرّك يدا (٥)، ولا يشير برأسه؛ وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز؛ ويبلغ بالكلام اليسير المعانى الكثيرة.
فبينما هو ذات يوم كذلك، وأصحابه حوله (٦) وفى السّماطين (٧) بين يديه إذ سقط على أنفه ذباب، فأطال السكوت والمكث، ثم تحوّل إلى مؤق (٨) عينه؛ فرام الصبر فى سقوطه على المؤق وعلى عضّته، ونفاذ خرطومه؛ كما رام الصبر على سقوطه على أنفه، من غير أن يحرّك أرنبته، أو يغضّن وجهه؛ أو يذبّ بإصبعه؛ فلما طال عليه ذلك من الذباب وأوجعه وأحرقه وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل عنه أطبق جفنه الأعلى على جفنه الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح؛ فتنحى ريثما سكن جفنه.
ثم عاد إلى موقفه (٩) ثانيا، أشد من مرته الأولى، فغمس خرطومه فى مكان قد كان أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر فى الثانية أقوى، فحرّك أجفانه، وزاد
стр. 775
فى شدة الحركة (١) فى تتابع الفتح والإطباق، فتنحّى عنه بقدر ما سكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلحّ عليه حتى استفرغ جهده (٢)، وبلغ مجهوده، فلم يجد بدّا من أن يذبّ عنه بيده، ففعل ذلك وعيون القوم إليه يرمقونه، كأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بمقدار ما ردّ يده، وسكنت حركته، ثم عاد إلى موضعه؛ فألجأه إلى أن ذبّ عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن ذلك كلّه بعين من حضر من أمنائه وجلسائه، فلما
نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألجّ (٣) من الخنفساء، وأزهى من الغراب، وأستغفر الله فما أكثر من أعجبته نفسه، فأراد الله أن يعرّفه من ضعفه ما كان عنه مستورا. وقد علمت أنى كنت/ عند الناس من أرصن الناس، وقد غلبنى وفضحنى أضعف خلق الله، ثم تلا قول الله تعالى: ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ".